بعد البقعة المقدسة لكعبة الله من المواقع المختلفة فى داخل الحرم
البيان بوصة قدم ملاحظات من تحت ميزاب الرحمة إلى المقام الحنفى - ٥٦ (١) من المقام المالكى إلى شادروان الكعبة - ٤٤ من المقام الحنبلى إلى شادروان الكعبة - ٢٠٦ من الحجر الأسود إلى باب الصفا - ٣٧٨ من حجر إسماعيل إلى باب الزيادة - ٣١٦ من باب الكعبة إلى باب السلام - ٥٣ من باب الكعبة إلى باب بنى شيبة - ٢٨٥ من باب الكعبة إلى باب على - ٢٨٢ من الحجر الأسود إلى باب على - ٢٧٥ من الركن الشامى إلى باب العمرة - ٣٠٦ من الركن العراقى إلى باب السلام - ٦ من الركن اليمانى إلى باب أم هانئ - ٢٥٥ من الركن العراقى إلى المنبر - ٢٤ (٢) من باب الكعبة إلى سلم الكعبة - ٨٥
مساحة طول الأضلاع الخارجية لجدران الحرم الشريف
البيان بوصة قدم ملاحظات من باب السلام إلى مئذنة السلطان قايتباى - ١١٦ من مئذنة السلطان قايتباى إلى مئذنة باب على - ٢٣٧ من مئذنة باب على إلى مئذنة باب الوداع - ٤٧٨ من مئذنة باب الوداع إلى مئذنة باب العمرة - ٤١٣ من مئذنة باب العمرة إلى مئذنة باب الزيادة - ٤٢٨ من مئذنة باب الزيادة إلى المئذنة السليمانية ١٤٤ من المئذنة السليمانية إلى مئذنة باب السلام - ١٠٠ المحيط الخارجى لجدران الحرم الشريف - ٢٢٢٩
стр. 772
المساحة العرضية لمداخل أبواب المسجد الحرام
البيان الطاق الأول قدم الثانى قدم الثالث قدم الرابع قدم الخامس قدم باب السلام ٧ ٥ - ٩ - - باب النبي ٦ ٥ - - - باب العباس ٥ ٥ ٥ - - باب على ٧ ٦ ٧ - - باب بازان ٦ ٧ - - - باب بغلة ٦ ٦ - - - باب الصفا ٥ ٤ ٥ ٤ - ٤ باب الجياد ٥ ٦ - - باب المجاهد ٥ ٥ - - باب أم هانئ ٦ ٨ - - باب مدرسة الشريف عجلان ٨ ٧ - - باب الوداع ٥ ٥ - - باب إبراهيم ١٠ - - - باب العمرة ٨ - - - ٠ باب السدف ٩ - - - باب الحجلة ٩ - - - باب الزيادة ٧ ٥ - - باب الدريبة (١) ٥ - - - باب القطبى ٦ - - - -
стр. 773
الوجهة السابعة تشتمل على ثلاث صور تعرف الأماكن المقدسة والمساجد القديمة والجبال التى فى مكة المكرمة كما تبين أوقات الدعاء وساعاته .
стр. 774
الصورة الأولى تذكر وتعرف الأماكن المقدسة والمواقع الميمونة
كتب العلماء المتقدمون رسائل فى تعريف الأماكن المباركة كل واحد على حدة، مبينين الساعات التى يلزم الدعاء فيها والأيام أيضا، وقد رأينا أن الحسن البصرى قد أبلغ عدد الأماكن المباركة التى يستجاب فيها الدعاء إلى خمسة عشر مكانا مع ضم منى والجمرة (١) إلى هذه الأماكن وقد عدد صاحب كتاب «النهر» أسماء تلك الأماكن فى هذا النظم.
دعاء البرايا يستجاب بكعبة ... وملتزم والموقفين (٢) كذا الحجر
طواف وسعى مروتين (٣) ... وزمزم
مقام (٤) وميزاب (٥) جمرات (٦) تعتبر
وبين لنا الشيخ عبد الملك بن جمال الدين الأدعية التى تستجاب فى هذه الأماكن وأيام استجابتها وساعاتها كما وصل إليها النقاش بعد المناقشة والبحث فى هذه المنظومة.
стр. 775
وقد ذكر النقاش (١) فى المناسك وهو لعمرى عدة للسالك أن الدعاء فى مكة يقبل ممن ذكره فى خمسة عشر موضعا وهى، كما جاء بهذه المنظومة:
إن الدعاء فى خمسة وعشره ... بمكة يقبل ممن ذكره
وهى: المطاف مطلقا والملتزم ... بنصف ليل فهو شرط ملتزم
وداخل البيت بوقت العصر ... بين يدى جذعيه ذا فاستعر
وتحت ميزاب له وقت سحر ... وهكذا خلف المقام المفتخر
وعند شرب زمزم شرب الفحول ... إذا دنت شمس النهار من الأفول
ثم الصفا والمروة والمسعى ... بوقت عصر فهو قيد يرعى
كذا منى فى ليلة البدر إذا ... انتصف الليل فخذ ما يحتذى
ثم لذى الجمار والمزدلفة ... عند طلوع الشمس ثم عرفه
لموقف مغيب الشمس قل ... ثم لذى السدرة ظهرا وكمل
وقد روى هذا الوقوف طرا ... من غير تقييد بما قد مرا
بحر العلوم حسن البصرى عن ... خير الورى ذاتا ووصفا وسن
стр. 776
صلى الله عليه وسلما ... وآله والصحب ما غيث هما
وقد أضاف مؤلف «لباب المناسك» إلى الأماكن التى عينها الحسن البصرى ثلاثة أو أربعة أماكن أخرى، وقد وصل العلماء عدد الأماكن المقدسة إلى مائة، وذلك بإضافة كل واحد منهم موقعا مؤيدا قوله بحديث صحيح متواتر.
وقال مؤلف لباب المناسك: إن الأدعية التى يدعى بها فى تلك الأماكن تستجاب بفضل الله وتقبل، ولكن مع مرور الزمن نسى مواقع تلك الأماكن وجهاتها، ولقى بعضها فى داخل مقبرة المعلى والمعروف منها الآن بين الأهالى قد يصل إلى خمسة وسبعين موقعا فقط كما سيذكر فيما بعد.
المواقع التى اتفق العلماء على أن الدعاء يستجاب فيها
[١] المطاف السعيد [٢] الملتزم [٣] تحت الميزاب الذهبى [٤] مقام إبراهيم [٥] حفرة المعجن [٦] داخل كعبة الله [٧] بئر زمزم [٨] الصفا [٩] المروة [١٠] المسعى [١١] منى [١٢] الجمرات الثلاث [١٣] خلف المقام [١٤] ضريح ابن الزبير [١٥] ضريح ذات النطاقين [١٦] ضريح عبد الرحمن [١٧] مسجد أبى بكر [١٨] مسجد الصخرة [١٩] مسجد المشعر [٢٠] الحجر الأسود [٢١] الموقع الذى يرى منه بيت الله [٢٢] حجر إسماعيل [٢٣] المستجار [٢٤] ما بين الحجر الأسود ومقام إبراهيم [٢٥] جبل الرحمة [٢٦] باب بنى شيبه [٢٧] باب إبراهيم [٢٨] باب النبى [٢٩] باب الصفا [٣٠] مسجد خيف [٣١] مسجد المنحر [٣٢] مسجد البيعة [٣٣] غار المرسلات [٣٤] مغارة الفتح [٣٥] دار السيدة خديجة [٣٦] مسجد الشجرة [٣٧] مسجد النمل [٣٨] الركن اليمانى [٣٩] قبر خديجة [٤٠] قبر سفيان بن عيينة [٤١] قبر آمنة [٤٢] قبر فضيل ابن عياض [٤٣] باب الجرير [٤٤] دار أرقم [٤٥] الحجر المتكلم [٤٦] الحجر المتكى [٤٧] رباط موفق [٤٨] مسجد ذى طوى [٤٩] مسجد التنعيم [٥٠] مسجد عائشة [٥١] مسجد الجن
стр. 777
[٥٢] مسجد الراية [٥٣] مسجد مدعا [٥٤] قبة اللبن [٥٥] مسجد النمرة [٥٦] مسجد الجعرانة [٥٧] مسجد الفتح [٥٨] مسجد جنيد [٥٩] مسجد الإجابة [٦٠] جبل أبى قبيس [٦١] جبل النور [٦٢] غار ثور [٦٣] جبل خندمة [٦٤] جبل ثبير.
الأثر الأول: المطاف الشريف:
هو الرصيف العريض الذى يحيط بالكعبة المعظمة من جوانبها الأربعة. إن مساحة هذا الرصيف السطحية المربعة (٢٧٦٢) قدما والمحل الذى يطلق عليه المطاف داخل القناديل التى علقت على الأعمدة حول الرصيف، والحجاج الكرام يطوفون عادة فى هذا المكان. إن المسافة كما وضح فى الوجهة الخامسة من شبكة مقام إبراهيم إلى شادروان الكعبة ٢٨ قدما، ومن المقام الحنفى إلى جدار الحطيم ٣٣، ومن المقام المالكى إلى شادروان الكعبة ٤٤، ومن المقام الحنبلى إلى شادروان التى تحت الحجر الأسود ٣٥ قدما، وبناء على هذا الحساب فإن طرفا المقام المالكى أوسع جهة مطاف الكعبة المشرفة.
الشادروان:
يطلق اسم شادروان بين أهالى مكة على الجدران التى تلاصق أرض المطاف:
إن هذه الحجارة البارزة جدار صغير لترصين البناء كالسد، وإنه مثل خلخال العروس الذى يحيط دائرا ما دار بالبيت الشريف، ومثل سوار معاصم البكارى، وعليه حلقات متعددة لربط كسوة الكعبة، وإن هذه الحجارة البارزة التى يطلق عليها شادروان تحيط الكعبة من جهاتها الثلاث من الشرق والغرب والجنوب، لكن الجهة الشمالية تخلو من الشادروان. وإن كانت بعض الحجارة تبرز من ناحية حجر إسماعيل. إن هذه الحجارة تعد من داخل الكعبة المعظمة، فلا يقال لها شادروان. وارتفاع الشادروان وجدرانه فى بعض الجهات يصل إلى قدم و ١١
стр. 778
بوصة، وفى بعض جهاتها إلى ذراع واحد وقدم ٨ بوصات، وعرض بعض جهاتها يصل إلى ١١ بوصة، وجهاتها الأخرى تسعة بوصات.
مسائل مهمة:
وبناء على رأى أئمة الحنفية فإن الشادروان لا يعد من الكعبة المعظمة، لأنه حجارة قد ألصقت ببناء الكعبة لتقويته وتدعيمه، وبناء على رأى علماء المذهب الشافعى فإن شادروان يعد من الكعبة المعظمة لأنه امتداد لأساس بيت الله المعظم العريض. حينما جددت طائفة قريش قد رفعت أساس بيت الله عن الأرض ثلاث أصابع، ثم رفعوا جدار كعبة الله من الخارج.
إن الطواف ببيت الله يتوقف على وجود الطائف فى داخل الحرم الشريف، لأن الطواف من خارج المسجد الحرام يعد طوافا بالمسجد وليس بالكعبة ولذلك لا يجوز. ولا يطرأ ما يفسد الطواف للذى يتركه لأداء الصلوات المفروضة أو لأداء صلاة الجنازة أو للوضوء، فعندما يختم هذا العمل يبدأ الطواف من حيث تركه، وفى غير هذه الحالات يبطل الطواف ويجب البدء من جديد.
إن القناديل حول المطاف توضع على خمسة وثلاثين عمودا اثنان منها من الرخام والباقى من النحاس الأصفر.
والأعمدة الرخامية بالقرب من أبنية مقام إبراهيم، والباقى يحيط بجوانب الكعبة الأربعة وتعلق عليه القناديل، وبما أن الأعلام التى وضعت فوق الأعمدة قد ساء منظرها، وأوقعت على الأرض بمرور الزمن فوضعت عليها أعلام من الصفيح، ونزع أحمد أفندى مدير الحرم الشريف سنة (١٢٩٦ هـ) تلك الأعلام وصب أعلاما جديدة جيدة وضعها فوق الأعمدة كل ذلك فى ظل المبرة السلطانية.
ولم يكن فى أى جهة من جهات الكعبة قنديل إلى عهد معاوية، وفى سنة
стр. 779
(٤٤) أوقد معاوية العدد الكافى من القناديل، ومد تلك القناديل بالكمية الكافية من زيت الزيتون وأصبح هذا عادة.
بعد إحدى وثلاثين سنة من ذلك ركز عبد الملك بن مروان بالقرب من بئر زمزم عمودا، وعلق عليه قنديلا كبيرا لينير المطاف للذين يطوفون بالبيت ليلا.
بعد ما وضع معاوية بن أبى سفيان نظام إيقاد القناديل، أعطى أرطال من الطيب لتعطر كعبة الله عقب كل صلاة، وأبقى ابن الزبير على هذا النظام، إلا أنه استصوب أن تعطر الكعبة فى الأيام العادية برطل من الطيب، وفى أيام الجمع برطلين.
لم يوقد قنديل ولم ينصب عمود واحد حول المطاف الشريف إلى عصر الواثق بالله العباسى، وفى سنة (٢٣١ هـ) نصبت عشرة أعمدة خشبية وعلقت ما بين الأعمدة ثمانية مصابيح كبيرة، ومنذ ذلك التاريخ أضيئت الجهة الداخلية للمطاف. وفى (٧٢٠ هـ) قد زيدت تلك الأعمدة إلى (٣٢) عمودا وبلغت القناديل التى تعلق بينها إلى (١١٦) قنديلا، وبعد تسع وعشرين سنة قد بدلت جميع هذه الأعمدة بالأعمدة الحجرية، وإن كانت ريح شديدة هبت فى سنة (٧٥٠ هـ) وأسقطت جميع الأعمدة التى حول المطاف وحطمتها قطعا إلا أنها جددت وبعد مرور وقت قصير قد بدلت بأعمدة من نحاس أصفر، وحتى تحفظ تلك الأعمدة من مياه الأمطار التى قد تظهر فيما بعد مد بين الأعمدة أربطة حديدية سميكة لتعلق عليها القناديل أيضا. وفى سنة (١٢٧٠ هـ) أوصلها السلطان الغازى عبد المجيد خان بن السلطان الغازى محمود خان إلى (٣٥)(١) عمودا وعدد القناديل (٢١٠) وعلق فوق حدائد القباب من أولها لآخرها قناديل (٢) مثل الأنجم على أن توقد فى خلال موسم الحج وليالى رمضان وإحياء الليالى المباركة.
стр. 780
وهكذا أضئ داخل حرم المسجد الحرام مثل الجنة، وبعد مرور تسعة عشر عاما أرسلت من قبل والدة السلطان عبد العزيز خان الطاهرة النقية شمعدانات متعددة حتى توقد أمام المقامات الأربعة، وفى الأماكن المناسبة لمساحة الحرم الرملية وذلك فى سنة (١٢٨٩).
بين عمودين من أعمدة المطاف سبعة قناديل وإذا أحصى عدد القناديل كلها تصل قناديل أعمدة المطاف إلى (٢١٠) عمودا وإذا أضيف إليها القناديل التى سنذكرها فى الجدول الآتى يصل عدد القناديل إلى (١٨٢٢) قنديلا:
مواقع وعدد القناديل التى اعتيد إيقادها فى مواسم الحج
عدد القناديل\مكان وجودها\ملاحظات
٣٢٤ \فى المطاف السعيد\القناديل ال ٨٦ الموقدة فى المقامات الأربعة داخل هذا العدد
٣٧٠ \تحت القباب\ ٦٠٠ \بين الأعمدة\ ٥٤ \فى الأبواب\ ٣٦ \فى النجف الشبيهة بالأشجار\يقال لهذه القناديل «المصطفة» وهى معلقة تحت الصف الأول من كمر قباب الحرم الشريف الواقعة فى الساحة الرملية
١٠ \أمام المحكمة\ ١٦ \بين الصفا والمروة\ ١٤١٠ \المجموع\ ١٤١٠ \المجموع المنقول\ ٤١٢ \فى المآذن\ ١٨٢٢ \المجموع الكلى فى كل مئذنة\عدد المآذن
٦٤\ ٥
٤٦\ ٢
٧
هناك جدار نصف دائرى حول حجر إسماعيل ويطلق على هذا الجدار «حطيم».
стр. 781
سبب بناء الحطيم وتاريخ تأسيسه
كانت أطراف المطاف الشريف إلى سنة (٦٤) هجرية ساحة رملية وفى نفس السنة فرش عبد الله بن الزبير. الجهات الأربعة للمطاف بالأحجار الباقية بعد تجديد البيت الحرام بتوسيعه عشرة أذرع. وبعد ثمانى سنوات من هذا العمل هدم الحجاج الظالم الجدار الشامى الذى بناه عبد الله بن الزبير كما ذكر فى مكانه من قبل وأدخله إلى داخل الكعبة قدر ستة أو سبعة أذرع، وحتى يحفظ هذا المكان الذى خلا بالهدم من الطائفين (١) بنى ذلك الجدار الذى سبق ذكره أعلاه، وذلك فى سنة (٨٢ هـ).
وقد أدى الجدار الذى بناه الحجاج الظالم مهمته إلى سنة (٩٤١ هـ) بترميمه من حين لآخر، إلا أنه ضعف وارتج بشدة عقب السيل الفظيع الذى حدث فى سنة (١٠٣١) وحينئذ هدمه السلطان مراد الرابع إلى أساسه وبناه من جديد.
وجدده السلطان عبد المجيد فى خلال سنة (١٢٦٢ هـ) على أكمل صورة.
كان سطح داخل الحطيم الكريم مفروشا بحجارة سوداء صغيرة إلى عهد أبى جعفر المنصور. وفى سنة ١٣٩ هـ حينما حج أبو جعفر تأثر حينما شاهد حجارة جدران الحطيم، وكذلك أرضيته فى الداخل والخارج غير منظمة وفى حالة سيئة، استدعى زياد بن عبد الحارث والى مكة وقال له: إن هذا الجدار قد بنى بحجارة عادية وإننى أريد أن يفرش هذا الموقع المبارك فى هذه الليلة بحجارة رخامية لامعة منتظمة وابدءوا ما أريد لأننى سأتى غدا صباحا لمعاينته.
وأحضر زياد بن عبد الله عددا كبيرا من العمال والحجّارين، وتحت ضوء المشاعل والقناديل قد جدد الجدار ثم الأرضية حاملا العمال على بذل الجهود المضنية حتى الصباح، وانتزع الحجارة السوداء التى أراد أبو جعفر المنصور تغييرها، وفرش الأرضية بقطع الرخام المجلوة، وفى سنة (١٤١ هـ) وبعد عشرين سنة من تجديد أبى جعفر أمر المهدى العباسى فانتزعت الحجارة التى فى داخل
стр. 782
الحطيم وخارجه واحدة واحدة وفرشت الأرضية بقطع الرخام اللامعة (١) وذلك فى سنة (١٦٢ هـ).
دامت الإصلاحات التى أجراها المهدى العباسى فى المطاف الشريف (٤٧٢) سنة، وفى عام (٥٥١ هـ) بعد أن غير الحجر الأخضر الذى يقال حجر إسماعيل من قبل المستنجد بالله بن المقتفى بالله احتاج المطاف الشريف إلى ترميم عظيم، غير المستنصر بالله الحجارة التى جددت فى عهد المهدى تغييرا كاملا، ثم كتب ما تم إصلاحه فى عهده فى الحرم الشريف على لوحة رخامية زرقاء، ثم ألصقها على جدران بيت الله الحرام، وكان ذلك عام (٦٣٤ هـ).
وإن كان الملك جاقمق غير ما فرشه المستنصر بالله بعد مائة وتسعين سنة، وفى سنة (٨٤٣ هـ) إلا أن أكثر رخام المطاف الشريف احتاجت إلى التسوية والإصلاح بعد سبع وثلاثين سنة، وعلى ذلك جددها السلطان قايتباى المصرى فى سنة (٨٨١ هـ) وبعده بست وثمانين سنة غير السلطان الغورى المصرى ما فرش فى عهد قايتباى فى سنة (٩١٧ هـ). وقد أمر السلطان سليمان بانتزاع ما تم إصلاحه فى عهد السلطان الغورى أو ما تم فرشه قبل ذلك. وفرش المطاف الشريف على أحسن وجه فتبدلت أرضية المطاف السعيد الرخامية وانتظمت حالتها فى سنة (٩٥٩ هـ). وبعده بأربع وثمانين سنة غير السلطان مراد خان الرابع قطع رخام المطاف الشريف ورخام الأماكن الأخرى من الحرم الشريف سنة (١٠٤٣ هـ) وقطع الرخام التى مازالت مفروشة إلى الآن هى الحجارة التى فرشت فى عصر مراد الرابع.
وقد أصبحت هذه الحجارة بمرور الزمن فى حالة غير منتظمة، وتحركت من أماكنها حتى اتسعت الشقوق بين قطع الحجارة قدر إصبع، فلم تنج أقدام الحجاج من الأذى حين الطواف وفى سنة (١٢٩٦ هـ) أصلح مدير الحرم الشريف السابق أحمد أفندى بأن صب قصديرا بين الشقوق التى فى قطع رخام المطاف والرخام الذى فى داخل الحطيم.
стр. 783
واختلف العلماء فى تحديد مكان الحطيم بالنسبة للمسجد الحرام، وبناء على بعض الأقوال أن الحطيم فى داخل الجدار الذى سبق تعريفه، وباتصال جدار البيت الأعظم الشمالى أى لحجر إسماعيل، ويطلق على المكان الذى يقع بين ركن الحجر الأسود وبئر زمزم ومقام إبراهيم، وعند البعض يطلق على الفراغ الذى بين باب بيت الله ومقام إبراهيم، وفى قول يطلق على الميدان الذى يمتد فى ركن الحجر الأسود إلى حدود مقام إبراهيم، وبما أن القول الأخير يبدو أقوى من الأقوال الأخرى فالناس يجتمعون فى هذا الميدان للتضرع والدعاء والمناجاة، وكان أهل الجاهلية يجتمعون فى هذا الميدان حيث يتعاهدون أو يتحالفون.
والحطيم فى زماننا ذلك الجدار الميمون المبارك، وارتفاع جدار الحطيم (٣ قدم و ٤ بوصة) وله مدخلان وعرض كل مدخل (١٠) قدم، والفاصل بين الاثنين (٢٩) قدما، والفاصل بين جدار الكعبة التى تحت الكسوة وجدار الحطيم (٢٢ قدم ٦ بوصة)، والمحيط الداخلى لجدار الحطيم المذكور (٣٥ قدم، ٥ بوصة)، والمحيط الخارجى (٤٤ قدم، ٤ بوصة) وتبلغ مساحة الأطراف الأربعة لأبنية الكعبة مع إضافة مساحة حجر إسماعيل (١٤٧ قدم ٣ بوصة) كاملة.
والمقامات الأربعة التى يؤدى فيها أئمة المذاهب الأربعة صلواتهم تقع فى الأطراف الأربعة للمطاف الشريف الذى ذكرناه، فالمقام الحنفى فى الجهة الشمالية لكعبة الله، ومقابل ميزاب الرحمة المقام الشافعى فى الجهة الشرقية وخلف المقام الإبراهيمى الذى يواجه الكعبة، والمقام المالكى فى ظهر كعبة الله، والمقام الحنبلى فى الجهة الجنوبية فى مكان يواجه الحجر الأسود، وكل المقامات متصلة بالحدود الخارجية للمطاف الشريف، وقد أدى إمام كل مذهب الصلاة مع المصلين دون ترتيب منذ سنة (٦٣٣ هـ) إلى سنة (٧٩٠ هـ)، ولكن بعد سنة (٧٩٠ هـ) أخذ إمام المذهب الشافعى يصلى بصلاة الفجر أولا، وفى الآخر يصلى إمام المذهب الحنفى، وفى صلوات الأوقات الأخرى يصلى إمام المذهب الحنفى وبعده إمام المذهب الشافعى وبعده إمام المذهب الحنبلى، وفى الآخر يصلى إمام المذهب المالكى.
стр. 784
قد استصوب أداء أئمة المسجد الحرام على الوجه المذكور فى خلال سنة (٧٩٠ هـ) ومع هذا عند اتخاذ هذا النظام للصلاة أخذ أئمة المذاهب الأربعة أداء صلاة المغرب معا، وكان الناس يقتدون بالأئمة الأربعة فى جهات الحرم الشريف الأربع، فأخذت الأصوات تختلط مع بعضها مما قد يؤدى إلى فساد الصلاة.
وقال بعض من خيار العلماء إذا ما ترك نظام أداء صلاة المغرب مؤقتا بالأئمة الأربعة فى وقت واحد أحسن، وحاول بهذا أن يقضى على النظام الغير المعقول، لذا وضع الملك الناصر فرج نظام أداء صلوات المغرب بإمام واحد فقط، وبعد ما استمر هذا النظام ما يقرب من إحدى عشرة سنة اختل، ولا سيما فى سنة (٨١٦ هـ) أخذ أئمة المذاهب الأربعة يؤدون الصلوات فى وقت واحد وفى النهاية وضعوا النظام الحالى، والآن تؤدى صلاة التراويح فى أماكن مختلفة قد تصل إلى أربعين أو خمسين موقعا مع أئمة مختلفة يؤمون جماعات مختلفة، وكان هذا النظام مما يؤذى شعور الناس، إلا أنه قد اتخذ حكم العادة ومن الصعب حمل الناس على تركها.
والجماعات التى تصلى التراويح يسلم بعضهم بعد ركعتين، وبعضهم بعد أربع ركعات، ويطوفون بالبيت بعد السلام، ثم يبادرون لأداء صلاتهم وبعضهم يصلون التراويح بدون طواف وتكاد الصلاة أن تفسد أحيانا باختلاط الأصوات بعضها مع بعض، إلا أن وجود فوانيس مختلفة الألوان أمام الأئمة يضيف للحرم الشريف رونقا وجمالا.
وبناء على الفهرس الذى أخذ من خزينة مديرية الحرم الشريف أردنا أن ندرج صورة منه فيما يأتى فللمقام الحنفى (٧٥) وللمقام الشافعى (٢٥) وللمقام المالكى (١٥) وللمقام الحنبلى خمسة أنفار من الخطباء والأئمة، وخدمة المسجد الحرام يبلغ عددهم ١٧٢ نفرا غير الأئمة والخطباء.
خدمة المسجد الحرام ومدرسوه
عدد الأنفار\نوع الوظيفة\عدد المدرسين\نوع الوظيفة
١٥\ ١٥ المؤذنون (١) \ ٦٠ \أن هؤلاء موظفون بالبراءة العالية
٧\ ٧ المكبرون\ ٦٠ \وهؤلاء موظفون بعلم وخبر المدرسين
٧\ ٧ المرحمون\\ ٨\ ٨ الوقادون\\ ٣٧\ ٣٧ المجموع\\هؤلاء خاصون بالحرم الشريف
١٢\ ١٢ الفراشون\\ ١٠\ ١٠ المشيدان (٢) \\ ٢٠\ ٢٠ الكناسون\\ ٢٦\ ٢٦ البوابون\\ ١٢\ ١٢ الجيادون\\ ١١٧\ ١١٧ المجموع\\ ويبلغ عدد الأئمة الكرام والخطباء العظام (١٢٠) نفرا ووظف (٧٠) منهم بالأمر السلطانى، منهم موظفون بعلم مديرية الحرم الشريف. (٣)
وقد خص المقام الحنفى بثلاثة وأربعين إماما وخطيبا المعينين بالأمر السلطانى ويعمل بالمقام الشافعى ثمانية عشر منهم، والمقام المالكى بسبعة والمقام الحنبلى
стр. 787
باثنين من السبعين المكلفين بالأمر السلطانى وإن كان الذين يتمتعون بالأمر العالى ينقسمون إلى قسمين الأصالة والملازمة إلا أنهم كلهم موظفون. إن الأشخاص الذين يتمتعون بالأمر العالى ثمانية عشر منهم من خطباء الحنفية، وأربعة منهم من خطباء الشافعية، وأربعة منهم من خطباء المالكية، وواحد منهم خطيب حنبلى، ويتقاضى كل واحد منهم شهريا ٢٠٠ قرش. ولكن الأئمة الذين عينوا بعلم المديرية يعطى شهريا ١٠٠ قرش، والملازمون المعينون بعلم المديرية يتقاضى فى الشهر ٤٠ قرشا.
الاستطراد
يوجد مقام خاص لكل جماعة من جماعات المذاهب الأربعة فى أركان بيت الله الأربعة ليؤدى كل إمام مع جماعته الصلاة فيه، ولا يعرف الوقت الذى أقيمت فيه المبانى فوق هذه المقامات الأربعة، ولكن أغلب الاحتمال أنها أنشئت فى عصر الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، لأنه قد عين فى سنة (٦٦٣ هـ) فى مكة المكرمة إماما لكل مذهب، وأقر بين العلماء على أن يكون لكل إمام مذهب مكان خاص ليصلى به مع جماعاته، فاختيرت أماكن المقامات لأئمة المذاهب الأربعة، ونبهوا بأداء الصلاة كل فى مقامه، وكما أنه يوجد فى المسجد الحرام مقام خاص بإمام كل مذهب يوجد مفتى لكل مذهب، وطبقا لما أفاد به المؤرخون عن تعيين أول هؤلاء المفتين وفى أى تاريخ لزمت الحاجة إليه، يمكننا القول: إن القبائل العربية عندما ذاقت حلاوة الإيمان أرسلت السفراء إلى سيد الخلق سيدنا محمد ﷺ ، ترجوه أن يرسل معلما إلى القبيلة التى ينتمون إليها لتعليم الأحكام الشرعية، ولإيضاح غوامض المسائل الدينية لهم، وأسرع علماء الصحابة الذين استقوا العلم من أشرف الخلق ﵊ وحفظوا عن الرسول ﷺ الأحاديث والآيات القرآنية لتبليغها إلى القبائل، ولما كانت الحجج قاطعة والنصوص واضحة فى أيام الرسول ﷺ ، وحياته وحياة صحابته الأجلاء لم تكن هناك حاجة للاجتهاد.
стр. 788
وكان أهل الإيمان فى عصر الرسالة إذا شكوا فى مسألة ما يسألون النبى ﷺ ، وكانوا بعد وفاته ﵇ كانوا يلجأون إلى صحابة النبى ﷺ ، طالبين الفتوى منهم مثل عبد الرحمن بن عوف أو عبد الله بن مسعود أو أبى بن كعب الأنصارى أو معاذ بن جبل أو عمار بن ياسر، أو حذيفة بن اليمان أو زيد بن ثابت الأنصارى أو أبى الدرداء أو أبى ذر الغفارى أو أبى موسى الأشعرى أو سلمان الفارسى «رضى الله عنهم» وإذا لم يستطع هؤلاء حل مشاكلهم يلجأون إلى الخليفة فى ذلك الزمان مستفتين. (١)
إخطار:
اشتهر بالإفتاء بعد الخلفاء الراشدين سيد العبادلة عبد الله بن عباس (٢) كما أن عبد الله بن عمر أفتى بعد وفاة النبى ﷺ ، ستين عاما. انتهى.
واستمرت هذه الحالة إلى يوم استشهاد عثمان بن عفان - رضى الله عنه - وبدأت الآراء تختلف بعد ذلك وكلما ابتعد عصر السعادة وتناقص عدد الأصحاب والتابعين أخذت الآراء تختلف وتتشتت، ولا سيما فى وجود كثرة ممن يميلون إلى اتباع آراء الطغاة أدت إلى تغير أطوار الأمة وأوضاعها، فكثرت فى المسائل الشرعية الفرعية الآراء، واستخرج أئمة الدين الأحكام الشرعية التى تخص الطاعات والعبادات والعقوبات والمعاملات من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، حتى تفهم النصوص الظاهرية وسنة رسول الله بيسر وبشكل واضح لا ينسى، واتخذ كل واحد منهم مسلكا ومذهبا مختلفا عن الآخر. وفصلوا بين المعنى العرفى والمعنى اللغوى للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، حتى يتقى الخطأ فى المسائل الشرعية، ووضعوا أصولا وقواعد للوصول إلى مرتبة الاجتهاد الصعبة، ودونوا علما خاصا يطلق عليه علم أصول الفقه، وسموا ما جمعوا ورتبوه من المسائل التى استنبطوها وفقا للقواعد السابقة علم الفقه.
стр. 789
علم أصول الفقه:
هو استخراج فروع المسائل الفقهية من الكتاب والسنة والإجماع وفقا لقواعد مخصوصة واستنباطها.
وعلم الفقه:
هو أن يعرف كل مسلم ما له وما عليه من الأمور.
والذين لهم دراية بالمسائل المستخرجة والمستنبطة يطلق عليهم الفقهاء. والفقهاء الأجلاء فرقتان: عراقية وحجازية، وقدوة الفرقة العراقية هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفى، ورئيسا الفرقة الحجازية هما الإمام مالك بن أنس المدنى والإمام محمد بن إدريس المطلبى الشافعى.
واتخذ الإمام أحمد بن حنبل مسلكا جديدا بعد الإمام الشافعى وأصبح رابع أئمة المذاهب الأربعة، واجتهد الإمام الأعظم متخذا العقل قبل النقل قاعدة، واتخذ الإمام مالك النقل قبل العقل قاعدة وأساسا، واتخذ الإمام الشافعى العقل مساويا للنقل، واتخذ الإمام أحمد بن حنبل النصوص أساسا لكل شئ، وهكذا ارتقى إلى المرتبة الرابعة بين الأئمة إلا أن من يقلد مذهبه قليلون.
وقد ظهر بعد الإمام مالك المذهب الظاهرى، وقد اعترض من يقلدون هذا المذهب على التباس المسائل بطريق القياس، وتركوا العمل بالقياس وأبطلوه، وأحدث بعدهم مذهب أهل البيت وبما أنه كان متصفا بالغلو والإفراط ولمخالفته الجمهور اندثر بموت إمامه وإنكار مقلدى المذاهب الصحيحة له، وأراد بعض الناس فيما بعد إحياء مذهب أهل البيت ولم يكن له شأن إلا مخالفته للمذاهب الأربعة، وهكذا ساد المذهب الحنفى فى العراق والمالكى والشافعى فى البلاد الحجازية.
انتشر المذهب الحنفى فى إقليم العراق وممالك الهند والصين وما وراء النهر وبلاد الفرس، والمذهب المالكى فى الأندلس والممالك المغربية، وساد الشافعى
стр. 790
فى بلاد العراق وخراسان وما وراء النهر فى أول ظهوره، وانتشر المذهب الحنبلى أولا فى الشام والعراق وبغداد والبلاد المجاورة لها.
ويعدد حضرة عبد الوهاب الشعرانى فى كتابه الميزان الكبرى مذاهب أخرى غير المذاهب الأربعة مثل: مذهب عائشة، مذهب عبد الله بن مسعود، مذهب عبد الله بن عمر، ومذهب عطاء بن أبى رباح، ومذهب الإمام الليث، ومذهب مجاهد بن جبر، ومذهب داود الأصفهانى، ومذهب عمر بن عبد العزيز، ومذهب سفيان الثورى، ومذهب سفيان بن عيينة، ومذهب محمد بن جرير، ومذهب الشعبى، ومذهب إسحاق بن راهويه، ومذهب الأعمش: أربعة عشر مذهبا وبهذا يبلغ المذاهب الصحيحة والحقة إلى ثمانية عشر مذهبا، وقد اندثرت هذه المذاهب لقلة أتباعها، أو لا نحصارها فى أصحابها ولم يبق إلا المذاهب الأربعة.
وكان أهالى الحرمين إلى سنة (٣٥٨ هـ) يحلون شبهاتهم فى المسائل الفقهية باللجوء إلى إلى أى واحد من أئمة المذاهب الأربعة الذى اكتسب ثقتهم.
ووقعت البلاد المصرية تحت إدارة الملوك الفاطميين وفى خلال العهد الفاطمى الذى دام مائتين وبضع سنين أسقط العمل باجتهاد الأئمة الأربعة، وصنفت كتب وفقا لأحكام فقه أهل البيت.
ومنع فى هذه الفترة حب أصحاب المذاهب الأربعة، وكان كل من يتبع المذاهب الأربعة مبغوضا منفورا منه لدى الحكومة.
من الحوادث التى تلوث تلك الفترة وصحائف تاريخها هذه الحادثة الشنيعة، وقد علم أن أحدا من أهل السنة يحتفظ فى مكتبة بكتاب الموطأ، فأحضر الكتاب وصاحبه ومزق الكتاب المذكور ثم قيل لصاحبه «لماذا تحتفظ بهذا الكتاب وتحترمه؟» ثم شتم وعذب وضرب ضربا مبرحا.
كان القاضى عبد الوهاب من فقهاء أهل السنة ساكنا ببغداد وفى أواخر المائة الرابعة أتى إلى مصر وسعى لنشر المذهب المالكى، واستطاع أن يدخل كثيرا من
стр. 791
أهل السنة إلى الدائرة المنجية، إلا أنه كان يحكم فى مصر والبلاد الحجازية بأحكام مذهب أهل البيت إلى سنة (٥٦٨ هـ) وقد انقرضت الدولة الفاطمية فى تلك السنة، فعاد علماء الشافعية إلى مصر، وهكذا سقط العمل بكتب فقه أهل البيت وانتشر المذهب الشافعى فيها، وأخذ الأهالى والملوك وكبار الموظفين العمل متبعين المذهب الشافعى.
وصلاح الدين الأيوبى واحد من الملوك المصريين الذين قلدوا المذهب الشافعى: وقد أسس هذا الشخص قلعة جبل المقطم، وفى نفس السنة أنشأ المدرسة التى تنسب إلى قبر الإمام الشافعى، وهكذا أنقذ الناس من البحث عن عالم يعين بالقاهرة مفتيا شافعيا، واستصوب بعد ذلك بين العلماء وجود مفتيين على المذهب الشافعى فى مكة المكرمة والمدينة المنورة ونفذ الأمر.
وقد جعل المفتى الشافعى الذى عينه صلاح الدين الأيوبى فى القاهرة نوابا له عن باقى مذاهب أهل السنة حتى يفتوا حسب مذاهبهم، وهكذا أخذ يزيد أفراد كل مذهب تدريجيا، وظهرت المذاهب الأربعة كاملة اضطر أهالى الحرمين ومصر القاهرة وسكنة بلاد الشام فى عهد صلاح الدين الأيوبى إلى سنة (٦٦٣ هـ) أن يلجأوا لمفتى الشافعية، وبما أنه لا يمكن للإمام الشافعى أن يفتى وفقا لأحكام المذاهب الأخرى عين الملك الظاهر بيبرس قاضيا (١) خاصا بكل مذهب فى خلال تلك السنة، وبعد ذلك أصبح أتباع المذاهب الأربعة يذهب للإمام الخاص به لحل ما يريدونه من المسائل الدينية، ولكن فى الممالك الأخرى ظل المفتى الشافعى كما كان فى السابق.
إضافة
وإن كان ثابتا بالتحقيق أن عمر بن الخطاب هو الذى كان يقوم بأمور القضاء فى عهد خلافة أبى بكر الصديق، وكان هناك يزيد ابن أخت نمر وشريح فى عهد عمر بن الخطاب، وكعب بن سوار وفى عهد خلافة سيدنا على شريح بن الحارث
стр. 792
يقومون بأمور القضاء، إلا أن أول القضاة المعينين فى المدينة المنورة من خارجها هو عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وقد أرسل إليها فى سنة (٤٢ هـ) من قبل معاوية.
وفى عهد السلاطين العثمانيين أول من تولى منصب القضاء شخص يسمى طورسون أفندى وعين من قبل عثمان الغازى، أما أول القضاة المعينين لاستانبول فكان القاضى مجد الدين أفندى «محاضرة الأوائل».
عين الملك الظاهر مفتيا لكل مذهب من المذاهب الأربعة، وبعد مضى خمسة وأربعين عاما على هذا التاريخ أرسل الناصر فرج من ملوك مصر إلى مكة المعظمة مفتيا للحنفية وآخر للمالكية وذلك عام ٧٥٨ هـ، وبعد فترة وجيزة أرسل مفتيا للحنابلة. ومنذ ذلك الوقت (أى منذ ٧٠٨ هـ) وبعد فترة وجيزة عين مفتيا خاصا لكل مذهب فى مكة المكرمة والمدينة المنورة على حد سواء.
كان يتم تعيين واحد للإفتاء لكل مذهب حتى العام المبارك الذى انتقلت فيه أزمة إدارة البقاع الحجازية المقدسة فى بعض الأحايين، وفى الأحايين الأخرى كان يعين واحدا أو اثنين فقط لتسيير الإدارة فى الحرمين، ولكن بعد عام (٩٢٣ هـ) لم ينقص عدد المفتين الأربعة فى أى وقت.
وفى وقتنا الحاضر ثمة مفتى حنبلى على الرغم من قلة الحنابلة فى مكة المكرمة بحيث نستطيع القول بأنه لا وجود لحنبلى واحد فيها.
مطالعة
قبل عهد سلاطين آل عثمان وفى بعض الأحايين كان يوجد مفتى أو اثنين فى الحرمين، وسبب ذلك هو إظهار سلاطين السلف من المسلمين استعدادهم لنجدة كل مسئول من أهل الحرمين، لأن ملوك المسلمين كانوا يعتنون كل العناية ببسط نفوذهم على الحرمين، وكانوا يعتقدون أن أعظم الأسباب التى تخدم هذا الغرض
стр. 793
هو نجدة مسئول الأهالى. والرابطة الإسلامية أينما وجدت فإن أساسها الارتباط بالحرمين وكان الحكام يدركون الفوائد السياسية الكبيرة للاحتفاظ بهاتين البلدتين المسعودتين.
وإن كان هذا الاعتقاد موضع احترام وتقدير فإنه من الممكن حدوث تجاوز للحدود الشرعية لنجدة كل مسئول للأهالى، ولا توجد شبهة فى خطأ الاعتقاد المذكور، ألم يكن باطلا استيلاء جيوش الجهالة على الحرمين فى العهد السابق، وحصول أصحاب المذاهب الباطلة على الحماية فى البلاد الحجازية، وانقياد البدو لصناديد القبائل فى الباطن، وللدولة فى الظاهر، والعمل بالأحكام والقوانين التى سنها البدو (١) وليس التى يسنها الولاة والقضاة المعينون من قبل الدولة، وإذا ما نظر بإمعان إلى المعاملات الكلية والجزئية التى جرى العمل بها من بداية ظهور الملوك الإسلاميين وحتى اندثارهم يتبين أن انقراضهم وسقوطهم كان أولا بالانحراف عن جادة الشرع، والعمل بالبدع أو لترك الأعمال والتصرفات المشروعة.
أو ليس بقاء سلاطين آل عثمان المنصوص على أنهم أعدل الملوك فى الكتب الإسلامية المعتبرة كان بسبب اتخاذهم الأحكام الشرعية أساسا فى الأعمال والحركات، وعلى الرغم من أنه لم تلتزم الدقة فى تطبيق أحكام الشريعة بتمامها والتى هى أساس ملكهم الذى قام عليه مما أدى إلى وقوع بعض الخلل والاضطراب، وبمرور مدة قصيرة جدا على ذلك جددوا تمسكهم بالصورة الموافقة لأحكام الشريعة وأساس ملكهم ووصلوا إلى مطالبهم بعد وقت قصير كما هو مسطور فى الكتب المذكورة وسرى حكمهم إلى أكثر أرجاء الأرض وشملها.
وعندما سيطر السلاطين العثمانيون على البلاد الحجازية المباركة قضوا على
стр. 794
جميع العقائد والأراء الباطلة والأفكار الخاطئة بحسن تدبيرهم، وهكذا استطاعوا أن يدخلوا سكنة الحجاز كلهم فى دائرة المذهب الحق مذهب أهل السنة، والجماعة الفرقة الناجية وأذنوا لمفتىّ المذاهب الثلاثة الحكم فى مسائل الطلاق والنكاح وغيرهما من المسائل، ولمفتى المذهب الحنفى الحكم فى المسائل الأخرى المهمة وبناء على أصح أقوال الفقهاء، وحكموا وفقا للأحكام الشرعية فى البلاد العربية وخاصة فى الحرمين الشريفين، سواء أكان فى العقيدة والآراء أو فى جميع المعاملات والعقوبات الفقهية متبعين فى ذلك رأى السلطان ورؤيته، وبهذا فعلا أحيوا الشريعة الأحمدية وحكموا بالأحكام الإلهية.
وكان المفتى الشافعى تاج الدين بن بنت الأعز سببا فى تعيين الملك الظاهر مفتيا لجميع المذاهب فى مصر، وكان الملك الظاهر يلجأ إلى تاج الدين ابن بنت الأعز فى جميع المسائل لكونه مفتى الأنام (١)، وبما أن الشيخ تاج الدين كان يريد أن يجيب على كل مسألة إجابة صحيحة اتخذ من كل المذاهب نائبا له، وكان يفتى بعد ما يتفق معهم على الإجابة.
ولسبب ما امتنع مرة عن الإجابة للمسألة التى عرضها عليه الملك الظاهر وقال له «إن هذه المسألة يقتضى سؤالها من النائب الحنفى، وكأنه بهذا القول أراد أن يشير إلى أن الوقت قد حان لتعيين مفتى لكل مذهب من المذاهب، وبادر الملك الظاهر بتعيين مفتى لكل مذهب حتى لا يحدث خلل فى رابطة الموحدين، وأطلق عليه لقب قاضى القضاة، وأمرهم بأن يرسلوا من قبلهم نوّابا لهم إلى البلاد التى فى حاجة إلى ذلك وحينما عين المفتيين الأربعة سر صاحب القصيدة المشهورة البردة - وكان حيا يرزق - من هذا العمل وأنشد الأبيات الآتية:
غدا جامع بن العاص كهف أئمة ... فلله كهف الأئمة جامع
стр. 795
لقد سرنا أن القضاة ثلاثة ... وأنك تاج الدين للقوم رابع
بهم بنية إسلام صحت وكيف ... ولا وهم أركانها والطبائع
فهم رخص أبدوا لنا وعزائم ... هدينا بها فهى النجوم الطوالع
فلا تلتبس إن وسع الله فى الهدى ... مذاهبنا بالعلم والله واسع
تفرقت الآراء والدين واحد ... وكل إلى رأى من الحق راجع
فهذا اختلاف جد للخلق راجع ... كما اختلفت فى الراحتين الأصابع
وتتضمن قصيدة الإمام البوصيرى معنى الحديث الشريف «اتفاق أمتى حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة».
فضائل الحطيم
يروون تأييدا بالأحاديث الشريفة أن فى الحطيم بين بئر زمزم والمقام المحترم الذى يمتد إلى الحجر الأسود قد دفن تسعة وتسعون نبيا بعد أن حجوا توفوا وصعدت أرواحهم إلى الجنات العالية.
إن الأنبياء الذين هلك أتباعهم قد أقاموا إلى آخر عمرهم فى مكة المكرمة، وقضوا حياتهم فى التعبد لله ثم توفوا فى تلك المدينة، وقد نقل ذلك محمد بن السائب نقلا عن النبى ﷺ .
ولما كان نوح وهود وصالح وشعيب من الأنبياء الذين توفوا فى هذه
стр. 796
المدينة، فقد دفنوا فى الجهات التى تقابل فيها الكعبة المعظمة مقام إبراهيم وباب الصفا.
الأثر الثانى: المستجار:
يقع الموقع المبارك الذى يطلق عليه المستجار بين الباب المسدود الكائن فى جدار كعبة الله الغربى وبين الركن اليمانى (١) وفى مواجهة الملتزم، وعرضه ستة أقدام. الباب المسدود هو الباب الذى فتحه عبد الله بن الزبير فى عرض (٤ قدم و ١١ بوصة). وبعد أن قتل الحجاج السفاك عبد الله بن الزبير سد ذلك الباب.
الأثر الثالث: الملتزم:
يطلق على ما بين باب كعبة الله والحجر الأسود الملتزم، إن هذا المقام موقع طاهر مبارك فى عرض ستة أقدام وأربعة خطوط، فالذين يكملون الأشواط السبعة للطواف يأتون فى هذا المكان للتضرع، وهو فى الجهة التى يقع فيها باب كعبة الله، ويروى أن النبى ﷺ تفضل قائلا: «إن كل من يصلى أربع ركعات مقابل كعبة الله كأنه قد أدى صلوات جميع العباد ويستغفر له سبعون ألفا من الملائكة». (حديث شريف).
كان من اعتقاد العرب فى الجاهلية أن كل من يتجادل فى هذا المكان أو يقسم يمينا باطلا أو من يدعى عليه لا بد وأن ينالوا عقابهم، وهذا هو وجه تسميته بالملتزم.
مقطوعة
انطلق إلى باب الحجر ... والتزم بلثم هذا المقام
واحتضنه بشوق غامر وإذا صعدت ... روحك فلتكن حياتك بالحبيب
стр. 797
أضرم من قلبك نار الفراشة ... وألق نفسك فى تلك النار
أليست لك عادة الفراشة ... تحوم أولا حول النار ثم تحترق
ضع يدك بخشوع على هذا الستار ... واتكئ على كرم ذى المنن
امسح بوجهك وصدرك هذا الباب ... وزد من نور عينيك وقلبك
علق يدك فى أستاره ... وازرف الدمع لرؤيته
ولتأت بذرة الشوق من الطريق ... أصبحت الوصل بروج الفراق
الأثر الرابع: تحت الميزاب:
الاسم الشهير لتحت الميزاب هو «حجر إسماعيل» وإنه حجر أخضر يقع فى الجهة التى بها المقام الحنفى مواجها لكعبة الله. وتحت الميزاب الذهبى وهو نصف دائرة، يقال إن أكثر مواضعه - أو على قول - بعض مواضعه كان داخل الكعبة وحينما جدد القرشيون بناء الكعبة تركوه خارجها.
رواية
يقال إن كل من يجلس تحت الميزاب ويدعو الله بقلب طاهر ونية خالصة يستجاب دعاؤه، ويتخلص من ذنوبه كأنه قد ولد من جديد، وكل من يصلى ركعتين فى هذا المكان المبارك ويدعو عند سجوده لنيل مطلب ما يتحقق أمله.
يجب ألا يشك فى هذه الرواية، لأن الجهة الشمالية من جدران الكعبة ومن
стр. 798
ركنيها نحو الحطيم قدر ستة أذرع قد ثبت بحديث صحيح أنها من داخل الكعبة، إنه المكان الذى أخبر عنه بالحديث الشريف - يعنى المكان الذى يلزم الدعاء فيه بعد الصلاة - وهو المحل الذى سبق تعريفه وقد أشير إليه بحجر مستدير أخضر اللون إن هذا المكان هو «حجر إسماعيل» المبارك.
وبناء على حكم حديث شريف آخر أن كل من يصلى ركعتين فى جهة الركن الشامى لحجر إسماعيل فكأنه قام سبعين ألف ليلة بالصلاة، وطاف بالبيت الأعظم طوافا مبرورا مقبولا أربعين مرة، وهذا هو قدر أجره وثوابه.
الأثر الخامس: حفرة المعجن:
من الأماكن التى يستجاب فيها الدعاء المعجن الشريف، إن الموقع الذى يطلق عليه المعجن حفرة متصلة بجدار كعبة الله الشرقى، وطولها سبعة أقدام وعرضها خمسة أقدام وست بوصات، وعمقها أكثر من قدم قد خلط إبراهيم ﵇ طين بيت الله فى هذه الحفرة، إن هذه الحفرة اللطيفة هى المكان الذى صلى فيه جبريل ﵇ الصلوات المفروضة يومين متتالين مع النبى ﷺ ، عندما فرضت الصلوات الخمس.
يروى أن جبريل ﵇ عندما فرضت الصلوات أم النبى ﷺ فى أوائل أوقاتها وفى اليوم الثانى فى أواخر أوقات الصلوات الخمس.
إن فى الجهة التى تلاصق هذه الحفرة من كعبة الله حجر أحمر، إن هذا الحجر المبارك دواء مؤثر لمرض ضعف البصر والمبتلون بهذا المرض إذا مسوا هذا الحجر ثم مسحوا بأيديهم عيونهم يشفون من هذا المرض.
وقد سرق هذا الحجر سنة (١٢١٣ هـ) وقد تعرض سكان بلدة الله لمرض مفرط، ومات منهم كثيرون، وفيما بعد وجدوا الحجر فى متروكات رجل توفى، فوضعوه فى محله مرة أخرى.
стр. 799
وهكذا نحو مما تعرضوا له من المصائب والقحط وهذا الحجر موجود إلى هذا اليوم، وبناء على قول ابن حجر كلما سرق من بيت الله حجر أو أشياء أخرى يتعرض أهل مكة لمرض مهلك ينتشر إلى جميع البلاد الأخرى، وكان قد سرق فى وقت ما حجر من أحجار بيت الله فظهرت أمراض مهلكة فى مكة الله وانتشرت إلى أكثر البلاد، وفى نهاية الأمر خرس لسان السارق ومات ووجد الحجر المسروق فى ميراث ذلك الرجل وأعيد إلى مكانه، ورفعت تلك الداهية الدهياء من فوق العباد.
الأثر السادس: مقام إبراهيم:
يطلق مقام إبراهيم على ذلك الحجر المبارك الذى استخدمه إبراهيم ﵇ كسقالة عند بناء كعبة الله المعظمة.
وبناء على هذا التعريف فإن هذا الحجر الذى يطلق عليه مقام إبراهيم هو الحجر الذى استخدمه إبراهيم ﵇ كسقالة عندما كان يبنى جدران كعبة الله وحينما صعد إبراهيم ﵇ فوق هذا الحجر لبناء جدران الكعبة جعل الله ذلك الحجر كالعجين فغاصت أقدام سيدنا إبراهيم الشريفة فى صدر الحجر حتى كعبها، وعندما نزل إبراهيم ﵇ من فوق الحجر رجع إلى هيئته الأولى جامدا كما كان.
وقد رأى أنس بن مالك هذا الحجر الشريف فى الآثار المباركة التى تركها إبراهيم ﵇ كما يروى صاحب بدائع الزهور بعد التدقيق.
وكان يقول للذين يسألون: إننى رأيت آثار أقدام خليل الله فوق المقام الشريف، وكانت آثار أصابع قدميه ظاهرة. إلا أن هذه الآثار تكاد تمحى من كثرة ملامسة الناس. إن حجر المقام الشريف الذى يساوى الجواهر لا يشبه الرخام الأبيض ولا الحجارة العادية البيضاء أو السوداء. وفوقه عروق تميل إلى السواد أو الصفار وإن كان لونه قارب لون السكر الخام إلا أنه لم ير فى الدنيا حجر لطيف
стр. 800
فى اللون أو الخلقة أو جدير أن يقال لم يخلق حجر مثله. حجمه الأصلى فى ارتفاع واحد وعشرين إصبعا، والجهات التى تحمل آثار قدميه فى عرض ثمانية عشر إصبعا.
إن وسطه أرفع بالنسبة لطرفيه وأسفله يشبه اللبن، ومسافة محيطه أكثر من أربعة أقدام قليلا، إن أثر قدمى إبراهيم ﵇ فوق المقام قد غطى بغلاف فضى إلا أنه لا يعرف متى حدث ذلك ومن قام بتغليفه.
إن الحجر المذكور محفوظ الآن فى داخل أبنية أنشئت فى الجهة الشرقية لكعبة الله وأمام باب بيت الله.
وكان فى مكان (١) ملاصق لأبنية كعبة الله يوم فتح مكة، وقد أمر قائد المجاهدين (عليه سلام الله المعين) بنقله إلى مكانه الحالى، وهو يبتعد عن شادروان الكعبة المشرفة ابتداء من الشبكة الحديدية ثمانية وعشرين قدما.
ويبعد عن ركن الحجر الأسود خمسة وثلاثون قدما، ومن حدود جبل الصفا مائتين وخمسة وعشرين قدما.
ويوجد تحت الحجر المبارك صفة مبنية بالحجارة، وفوق الصفة صندوق وطول الشبكة الحديدية التى تحيط بهذا الصندوق من يمين مصلى الشافعية ويساره نحو وجه الكعبة خمسة أذرع وعشرة أصابع، وعرضها ذراع وسبعة أصابع ونصف إصبع، ومازالت الجهة الشرقية لتلك الشبكة المكان الذى يصلى فيه أئمة الشافعية مع جماعتهم وهو فوق عمودين رخاميين وفى طول سبعة أقدام وأربع بوصات.
مسألة
قال جماعة: المقصود بالمقام فى الآية الكريم ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: ١٢٥) هو المكان الذى ما بين العمودين الرخاميين.
стр. 801
وقال جماعة: إن المقام الشريف حرم المسجد الحرام كله، حتى إن الإمام مالك كاد أن يذهب إلى فرضية أداء صلاة الطواف فى ذلك المكان (١).
بشرى:
ينقل أئمة الدين الكرام فى روايات صحيحة عن النبى ﷺ ، أن الذين يصلون خلف مقام إبراهيم ركعتين يغفر الله لهم جميع آثامهم السابقة وينعم عليهم بحسنات قدر مخلوقاته والذين يصلون بعدهم ينقذهم من الفزع الأكبر يوم القيامة، ويأمر جبريل وميكائيل ﵈ بأن يستمروا فى الاستغفار لهم إلى يوم القيامة.
كان المبنى القديم للمقام الإبراهيمى يتكون من مظلة قائمة على شبكة خشبية وكانت مياه السيل الذى ظهر فى عهد عمر الفاروق - رضى الله عنه - جرفت هذا المبنى والمقام الشريف إلى الوادى اليمانى، وأسس الفاروق مظلة جديدة متينة حسب الحاجة فى زمنه.
وقد زينه فى سنة (١٦٠ هـ) الخليفة المهدى البغدادى العباسى وفى سنة (٢٣٥ هـ) المتوكل على الله بن المعتصم وفى سنة (٢٥٦ هـ) زين المهتدى بالله بن الواثق المظلة التى أنشأها عمر الفاروق وأنفق عليها كثيرا من النقود الذهبية.
لم يكتف الخليفة المهدى بتزيين المقام الشريف بل أنفق كثيرا من النقود الذهبية لإلصاق الجزء المنكسر من الحجر الذى يطلق عليه مقام إبراهيم، وقال الإمام الأزرقى نقلا عن عبد الله بن الشعبى وهو يشير إلى همة المهدى: «بما أن المقام الشريف كان لينا جدا قد انقطع جزء منه فى أثناء التعمير، ولما أبلغ الأمر إلى المهدى بن المنصور ألصقه بإذابة ألف قطعة ذهبية».
стр. 802
وقد أنفق فى عهد المتوكل بالله ثمانية آلاف، وفى عهد المهتدى ألف تسعمائة وتسعين مثقالا من ذهب.
مع أن جعفر بن فضيل ومحمد بن حاتم، قد اقتلعا هذه الألواح الذهبية وصنعوا بها عملة ذهبية، أنفقاها للمستلزمات الحربية فى فتنة إسماعيل العلوى.
إن الباب الذى يواجه الكعبة الشريفة لشبكة المظلة المذكورة قد ترك مفتوحا للزوار، ولم يغير أى جهة منها، كان من يرغب فى زيارته يستطيع زيارته ومسح وجهه وعينه بالحجر (المقام الشريف).
وقد ذكر أن الدعاء يستجاب بالقرب من المقام الشريف ولذلك كان أصحاب الحاجات يدعون الله ويناجون عارضين حاجاتهم وينالون أقصى مطالبهم عندما يدعون وباب الشبكة الذى يواجه الكعبة مفتوحا.
وكما أن الداعين بقلوب نقية لا يردون يائسين؛ لذا أخذ بعض المفسدين وذوى النيات السيئة يدعون ضد الأشراف والصناديد ووجهاء القبائل، كما ظهرت مساوئ أخرى، وحينما رأى ذلك شخص اسمه يوسف الذى حكم البلاد الحجازية واليمانية فترة من الزمان هدم تلك المظلة، وأدخل حجر المقام المبارك فى داخل قبة حديدية، ووضع مكان الشبكة الخشبية شبكة حديدية، وفى زماننا قد صنع فوق المقام الشريف صندوق من خشب شجرة الطرفاء، ويحيط بهذا الصندوق قفص حديدى، وذلك القفص تحت قبة حجرية، وتحيط بهذه القبة من جهاتها الأربعة شبكة حديدية، ولذلك الصندوق باب فى الجهة الشرقية، وهناك قطعة قماش مزخرفة بالذهب تحيط بهذا الصندوق، وكلما غيرت كسا الكعبة المفخمة الداخلية غيرت هذه الستارة أيضا.
وقد غير الملك الناصر محمد بن قلاوون المصرى الشبكة التى تحيط بالصندوق فى سنة (٧٢٨ هـ) وكتب على إحدى جهاتها اسمه.
وبعد اثنين وثمانين سنة وفى سنة (٨١٠ هـ) قد صنع سقف لطيف لداخل القبة، وكتب فى أحد أماكنه اسم صانعه وتاريخ صنعه.
стр. 803
وقد غطى السلطان جاقمق المصرى القبة المذكورة بالرصاص فى سنة (٨٤٣ هـ) ولما احتاجت بعض أماكنها للتعمير بفعل مرور الزمن عمرها السلطان الأشرف الغورى، وزينها بالذهب فى سنة (٩١٥ هـ) وبعد مرور ثلاث سنوات وفى سنة (٩١٨ هـ) غطى القبة بالرصاص.
وإن كان صندوق المقام الشريف والشبكة الحديدية التى فوقه قد صنعت فى شكل رصين كما ذكر من قبل وعمرت عدة مرات، إلى أن أخذ بعض أجزائها فى البلى وزال طلاؤها وسقطت بعض أخشابها، وصعب حفظ ذلك المقام فأقيمت المبانى بناء على الطلب والاستئذان من السلطان سليمان بن السلطان سليم فى سنة (٩٤٧ هـ).
وصنعت فى شكل محكم وهيئة متينة. وشبكة القفص المصنوعة من الحديد غيرت بشبكة نحاسية، وأخذت الأبنية التى صنعها السلطان المذكور يصيبها البلى بالتدريج، وأشرفت على السقوط والخراب، وعرض الأمر على السلطان مراد الرابع طاب ثراه فبادر إلى تجديدها وتزيينها فى سنة (١٠٤٥ هـ) وبعد سبعين سنة من ذلك ساءت حالة الصفة التى تحمل الحجر الذى عليه آثار قدم إبراهيم ﵇ فكتب حامل مفتاح الكعبة المعظمة الشيخ محمد الشيبى تقريرا إلى ولاية مكة، وأبلغت الولاية الأمر متضمنا التقرير السابق إلى الباب العالى. فبادر الباب العالى بتجديد تلك الصفة وجدرانها والصندوق الخشبى للمقام المذكور، والأماكن الأخرى التى تحتاج إلى التجديد وذلك فى سنة (١١٦٥ هـ).
وأكد الشيخ محمد الشيبى فى تقريره لزوم تجديد الغطاء الفضى الذى يزين الصندوق الفضى وكسوة الصندوق الذى يحتوى على حجر المقام. وبناء على ما يقتضى عمله فى مكة فلقد أرسل السلطان مصطفى خان الثانى بن المرحوم محمد خان الرابع بالأمر السلطانى الذى تفتقت به قريحته، والذى تجب طاعته إلى إبراهيم أفندى مدير التعمير فى مكة المكرمة، وبناء على هذا الأمر السلطانى عاين إبراهيم أفندى مع شريف مكة وقاضيها والآخرين ومن يجب وجودهم المقام
стр. 804
المذكور، وبناء على القرار الذى اتخذوه رمم صندوق المقام، وبعث بالغطاء الفضى القديم للمقام، وبعض العينات من التراب الذى وجد حول الحجر المبارك إلى باب السعادة للتبرك، وقد قدمت هذه الأشياء بكل توقير إلى العتبة السلطانية مما أثار فرحة وسرور السلطان، وبعد أن رآها أمر بأن تحفظ هذه الأشياء المباركة فى صورة تليق بها، وهكذا وضعت فى الخزانة السلطانية لحفظها.
إن التراب المبارك الذى أخذ من المقام وأرسل إلى باب السعادة كان من الطين الذى تحجر حول آثار قدم سيدنا إبراهيم ﵇، لأنه كان قد صنع جدير من الجص حول آثار قدمى إبراهيم ﵇ فى ارتفاع شبر، وغلف الجدير بغلاف من الفضة، وذلك لملئه بماء زمزم الذى يعد شربه تبركا بآثار قدمى ذلك النبى الكريم، كما كان يحدث فى أوائل العصور الإسلامية، ومازال يحدث فى ذلك الوقت، وكلما فتح باب الشبكة الحديدية للمقام يصب الزوار والحجاج فى داخل ذلك الجدير ماء زمزم ويشربونه متبركين.
ثم يضعون فيه بعض القروش ثم يأخذونها ويضعونها فى أكياس نقودهم للتبرك بها، وحينما يكون فى داخل ذلك الجدار ماء زمزم وتوضع فيه النقود، ثم تؤخذ بعد فترة وتوضع فى كيس النقود؛ يجلب ذلك البركة واليمن لهذا الشخص.
ولما شاع هذا الخبر بين الناس أخذ الحجاج يضعون فى داخل هذا الجدير عملة مجيدية صغيرة أو مسكوكات ذهبية أخرى، ثم يأخذونها ويضعونها فى أكياس نقودهم معتقدين أن مثل هذا الكيس الذى يحتوى على مثل هذه النقود لا يخلو فى يوم من الأيام من النقود، لأن الله قد استجاب لدعاء إبراهيم ﵇.
إن مقام إبراهيم ومبانيه دامت متماسكة مائة وإحدى وثمانين سنة بعد أن عمرها السلطان مراد خان الرابع فى سنة (١٠٤٣ هـ) وبعد أن رممها وأصلحها السلطان مصطفى خان الثانى ابن السلطان محمد خان الرابع بعده باثنتين وسبعين سنة فى سنة (١١١٥ هـ) وظلت مبانى المقام الشريف متماسكة إلى يومنا هذا بعد
стр. 805
إجراء الترميمات والإصلاحات من حين لآخر إلا أن مبانيه بليت بغتة وكادت تنهار، وحينئذ استأذن مدير الحرم الشريف فى تعمير الصندوق والستارة التى عليه والشبكة التى تحيط به وناحية المقام الشافعى على قدر الإمكان، حتى أمكن أن تستمر المبانى متماسكة لفترة ما.
وفى سنة (١٠١٦ هـ) جدد السلطان مراد الرابع مبانى المقام الشريف وفى سنة (١٠٤٣) جدد بابها وأماكن الشبكة التى صبغها بلون أخضر وطلى الأماكن التى احتاجت للطلاء بالذهب، إلا أنه غير وجدد المبانى المذكورة كليا بعد سنة وذلك لشدة الحاجة إلى هذا التجديد.
الأثر السابع: داخل البيت المعظم
ساحة تبلغ (١٨٦٠) قدم مربع فى داخل كعبة الله المشحونة بالفيوضات الإلهية وقد نقش وزين داخل جدران البيت الأعظم بقطع رخام ملونة. وللسقف الشريف الذى يحاذى الركن العراقى سلم مثل سلم المآذن الحلزونى ذى سبع وعشرين درجة، ومصنوع من الخشب، ولقد أرسل هذا السلم من قبل الملك المؤيد من مصر عام (٨١٧ هـ).
وبعد مرور إحدى وخمسين سنة احتاج السلم الذى أرسله الملك المؤيد إلى التجديد، فصنع الملك خوشقدم سلما غاية فى الجمال، وأرسله إلى مكة فى خلال سنة (٨٦٨ هـ)، وجدد السلطان مصطفى خان سلم الملك الظاهر فى سنة (١١١٥ هـ) جاعلا سبعا من درجاته من الرخام والباقى من الخشب.
وفى داخل بيت الله كرسى خاص بحامل مفتاح الكعبة السيد الشيبى، وهذا الكرسى فى غاية الجمال وقد أهداه السلطان الغورى فى سنة (١٠٤٣ هـ) وجدد من قبل السلطان مراد خان الرابع.
стр. 806
وفى يمين الوالجين داخل البيت الحرام توجد حفرة للخزانة، إن هذه الحفرة التى نسيت من قبل التاريخ هى الحفرة التى حفرت لوضع الهدايا التى ترد من قبل الناس لإبراهيم ﵇ وعلى الستائر المعلقة على الجدران كلمات طيبة وأدعية مأثورة منسوجة بالحرير، ولباب الكعبة فى الداخل ستارة فى طول قامتين ونصف للإنسان وقد شغل عليها بعض الرسوم بالخيوط الذهبية، وسواء أكانت هذه الستارة أو الستارة الخارجية تغيران كل سنة ويقسم قديمهما بين خدمة بيت الله وكمر الستارة وستارة الباب من نصيب السيد الشيبى فى هذا التقسيم.
إن لبيت الله خدم زنوج عددهم واحد وخمسون، ويطلق عليهم بين الناس اسم الأغوات المخصيون.
ولا يجوز أن يزيد عددهم على الأربعين أو ينقص، وإذا ما حدث وزاد فهناك كثيرون يلازمون البيت ليقبلوا ضمن الأغوات (١) حتى بلغ عددهم الآن إلى واحد وخمسين نفرا.
الأوقات التى يفتح فيها باب بيت الله
يفتح باب بيت الله تسع مرات فى السنة على أن يكون الفتح لمدة ثلاث ساعات فى كل مرة، وذلك فى:
يوم عاشوراء العاشر من شهر المحرم.
والثانى عشر من ربيع الأول.
والثالثة: الخامس عشر من رجب.
والرابعة: السابع والعشرين منه.
والخامسة: الخامس عشر من ذى القعدة.
والسادسة: السابع والعشرين منه.
والثامنة (٢): العاشر من ذى الحجة. وقد جرت العادة أن يفتح فى المرة التاسعة
стр. 807
بعد أداء صلاة العيد، وفى المرات السابق ذكرها بعد شروق الشمس، والجميع يحترمون هذا النظام وهذه المواعيد.
ويدخل الحجاج داخل بيت الله لزيارته عندما يفتح باب كعبة الله ولما كانت هذه الزيارة للخير المحض للجميع قد خص يوم من هذه الأيام لدخول الحجاج، ويوم آخر لزيارة نساء الحجاج، ومن العادات القديمة المستحسنة أن تلبس الكعبة كسوتها فى السابع من ذى الحجة وفى ليلة الخامس عشر من رجب وليلة اليوم السابع والعشرين يدعو حامل مفتاح بيت الله السيد (الشيبى) فى داخل بيت الله لأجل السلطان، وفى ختام الدعاء يلبس الخلعة المهداة من السلطان، وفى الأيام التى يفتح فيها باب بيت الله يؤتى بالسلم المتحرك الخاص بباب كعبة الله وبعده يتوجه كل دليل مع الحجاج التابعين له إلى الكعبة ليدخلوا فى بيت الله، وهنا يزدحمون ويحاول الحجاج أن يدخلوا كلهم مرة واحدة فيجرح كثيرون.
***
стр. 808
سلم بيت الله
لا يعرف من الذى وضع سلم باب بيت الله لأول مرة. إلا أن الملك المؤيد المصرى قد أرسل فى سنة (٨١٧ هـ) سلما مزينا ومنذ ذلك العهد أخذ يجدد من قبل النواب الهنود، والآن لباب بيت الله سلّمان، أهدى أحدهما فى سنة (١٢٤٠ هـ) من حاكم مدراس منور خان وأهدى الآخر فى سنة (١٢٩٧ هـ) من حاكم (رامبور) كلب على (١) خان وقد وضع الجديد منهما فوق عجلتين متحركتين، وقد صنعت بعض أجزاءه من الحديد، وقد غطيت كل جهاته من مراقيه وارتفاعها والدرابزين وكل ما يرى فى خارجه وكل أماكنه بفضة، وطليت بماء الذهب ستة من الأصص التى وضعت فى مواضع ستة من السلم، والخشبة الموضوعة فوق الدرابزينين الجانبيين، والفراغات الموجودة تحت كل درجة، والفراغ الموجود تحت الدرجة الأخيرة للسلم، وأطراف فراغات السلم كافة، وعامة كل السلم كما يرى فى الصورة الخاصة به، وبما أن ذلك السلم المزين زادت زخرفته عن كل حد قرر العلماء بالاتفاق أن يستعمل ذلك السلم فى طلوع النساء ونزولهن، وكلما أريد أريد أن يفتح باب الكعبة لزيارة النساء يجلب ذلك السلم أمام باب كعبة الله، إن سمك الألواح الفضية لذلك السلم قدر مليمتر (٢) واحد وعيار فضته من نفس عيار الروبية الهندية.
قد حك فوق السلم القديم جملة (عبده منور) وإن بدا بزينة مصنوعة فى غاية الجمال وقد صبت من النحاس الأصفر وزخرفت بالذهب وقد صنعت أطرافها من خشب الأبنوس وبمهارة فوق تخمين البشر.
стр. 809
والأقسام التى صبت من خليط النحاس لما زيد فيها النحاس فالزخرفة التى عليها تلمع كأنها قد زخرفت اليوم، ولما كانت مراقى السلم مصنوعة من خشب شجرة الطرفاء فهى متينة جدا، الأخشاب التى فى خارج السلم صنعت كالأطراف من خشب الأبنوس فى شكل مزخرف، ووضع فوق ثلاث عجلات.
وكان الرسول الذى أوصل السلم الذى أهداه كلب على خان طلب أن يهدى إليهم السلم الذى أهداه (منور خان) للتبرك به ولما عرض الأمر على سلطات الخلافة للاستئذان صدر الأمر السلطانى بأن يحفظ السلمان لاستخدامهما بالتناوب وخصص السلم الذى أهداه (منور خان) لاستخدام الرجال والسلم الذى أهداه (كلب على خان) لاستخدام النساء كما سبق ذكره أعلاه وعلى هذا عندما يفتح باب الكعبة للرجال يستخدم السلم الذى أهداه منور خان وعندما يفتح باب الكعبة للنساء يستخدم السلم الذى أهداه كلب على خان.
نصيحة
لا يمكن لإنسان ألا يتمنى الدخول فى داخل البيت الحرام، ولكن يجب أن يراعى الأمور الآتية، وكل من لا يراعى هذه الحقيقة ويدخل فى الكعبة على عماه يكون قد ارتكب حراما ورضى أن يصاب بالإعاقة ونقل صاحب (شفاء الغرام) وأن النبى ﷺ قد دخل بعد الهجرة أربع مرات فى البيت الحرام، وصلى فيه فى أحد تلك الأيام الأربعة، وهذا اليوم هو الفتح واليوم الثانى للفتح، والثالث فى حجة الوداع والرابع فى عمرة القضاء، وكان فى ذلك الوقت لبيت الله ستة أعمدة، وكان مع الرسول ﷺ حينما دخل فى الكعبة حضرة بلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، وبناءا على ما يروى هؤلاء أن النبى ﷺ صلى داخل الكعبة جاعلا عمودان فى جهته اليمنى، وعمودان فى جهته اليسرى، وثلاثة من الأعمدة خلفه، وكان الناس فى القديم يدخلون داخل الكعبة بالأحذية، ولما خلع وليد بن المغيرة حذاءه عند دخوله الكعبة أخذ الناس يخلعون أحذيتهم وبعد ذلك لم يدخل الكعبة أحد بحذائه «محاضرة الأوائل».
стр. 810
ول وجهك شطر الحرم العظيم هذا ... وأقم فيه فى سود الثياب
إن صحن الحرم هو روضة الخلد المقيم ... فاقعد فى صحنه المربع
إن وجهه هو قبلة أهل الحسن من العرب ... وسجدة ملاح العجم نحوه
وبما أن الريح تعلقت بحضنه ... نثرت الغالية فى جيب الدنيا
ولما رفعت الريح طرف كسوته السوداء ... اكتحلت عين الروح من حجره
«فتوح الحرمين»
مسألة:
(١) إذا ما أمكن الدخول فى بيت الله حين يخلو المكان من الازدحام بدون مشقة ويمكن الصلاة فيه بسكينة وهدوء فالصلاة فيه حلال، ولكن الدخول فيه عندما يزدحم المكان ويضيق فحرام، وبما أن ستة أذرع من ناحية حجر إسماعيل يعد من داخل البيت الحرام فأولى بالإنسان أن يدعو فى هذا المكان.
قال الزاهدى وجلبى فى شرح القدورى والإمام مالك والإمام الشافعى فى بعض أقوالهم: لا يجوز أداء الفرائض فى داخل كعبة الله، وأعلن بعض الأئمة عدم جواز التنفل أيضا. مع أن النبى ﷺ قد أدى فيه الصلاة أربع مرات.