منها صلابة أهلها في الدين وشدة غيرتهم وصفا عقيدتهم إلا في الأقلين رأيت في بعض مكتوبات شيخنا أبي مُحَمَّد النجار ﵀ عن الحسن البصري ﵁ أن قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَة﴾ نزلت في أهل قزوين والغلظة خشونة ركزت في طباعهم غيرة للدين.
منها أن الخمر وسائر المنكرات المشهورة لا يتأتى إظهارها فيها ولا يجتاز بها بين أهلها إلا بضرب حيلة أو انتهاز فرصة ولا يصبرون على مشاهدتها إلا إذا استولى عسكر وخافوا من الإنكار فحينئذ يتجرعون غيظا وإن أدت الضرورة إلى السكوت.
منها كثرة حفاظ القرآن بها ومداوتهم على تلاوتها ومدارستها واشتغالهم بعلم التفسير إسماعا واستماعا.
منها غلبة الفقر على أكثر أهلها وقناعتهم بالمراتب النازلة في المطعوم والملبوس ومثل ذلك محمود عند السالكين.
منها إقبالهم على الجهاد على اختلاف الطبقات وقد مدحوا لهاتين الخصلتين فإنهم آخذون بحرفتي رسول اللَّه ﵌ الفقر والجهاد.
منها كثرة حجاجها الوافدين إلى بيت اللَّه تعالى حسب ما يقدرون عليه راجلين وراكبين.
من خصائصها المتعلقة بالأمور الدنيوية عموم الأمن في نواحيها من السراق وقطاع الطريق بخلاف أكثر البلاد وكونها على أرض
стр. 37
مستوية بالقرب منها جبل يمنع من وصول الرياح الطيبة إليها ونزاهة مياهها عن المستخبثات لأن قنواتها تجري تحت الأرض حتى تنصب في الحياض بحسب الحاجة ونظافة مواضع الفراغ فيها ونفاسة أرضها سيما قصبة البلد.
سمعت غير واحد من رؤسا نواحي الري يقول: لو كان عندنا مثل هذه الأرض لحصل من الجربب الواحد كذا وكذا لغزارة مياهها.
منها جودة الحبوب بها ونقاؤها وكثرة تنزلها.
منها طيب ثمارها على وفور منافعها وقصور مضارها وللإطناب في مثل هذا مجال لمن يعنيه ورأيت لأبي العميس مُحَمَّد بْن إسماعيل المكي فصلا يصف فيه الري وقزوين مدحا وذما ويذكر ما يفضل به كل واحدة منها للأخرى قَالَ فيه بعد وصف الري.
أما قزوين فإنها أبين فضلا وأشرف أهلا ثغر من ثغور المسلمين وأهلها من العرب المشهورين وهي باب من أبواب الجنة العمل بها أفضل والثواب فيها أجزل النائم فيها كالعابد والمقيم فيها كالمجاهد وحصنها أمنع وسورها أجمع وماؤها أمرأ وخبزها أشهى وكرومها أعجب وأعنابها أعذب وعصيرها أحد وشرابها أشد وهي بعد أرخص أسعارا وأكثر ثلوجا وأمطارا.
استغنت بنفسها عن الري أن تمتاز منها وافتقرت الري إليها فإن تستغني عنها وأهلها أسرع إلى الدعاء وأثبت عند اللقاء وأعلم بالحروب وأسرع في الخطور راحلهم جلد وفارسهم فهد إلى أن عكس فقال
стр. 38
أهل فظاظة وقسوة وغلظ وجفوة لقاؤهم شيئم وبشرهم دميم وسلامهم قليل وردهم كليل فقيههم ضعيف وعالمهم سخيف وأديبهم بارد وطبيبهم واحد وهم أهل الري في سبيل الجود كما قَالَ الشاعر:
إذا ما قستهم في باب جود ... وجدتهم كأسنان الحمار
في كتاب اللمع الفضة لأبي منصور الثعالبي عن أبي الحسن المصيصي قَالَ كان أبو دلف الخزرجي وأبو علي الهائم من ندماء عضد الدولة فجرت بينهما يوما مداعبة أدت إلى المهاترة بعد المحاضرة والمذاكرة فقال أبو علي لأبي دلف صب لله عليك طواعين الشام وحمى خيبر وطحال البحرين وضربك بالعرق المدني والنار الفارسية والقروح البلخية.
فقال أبو دلف: يا مسكين أتقرأ تبت علي أبي لهب وتنقل التمر إلى هجر فخذ إليك صب اللَّه عليك ثعابين مصر وأفاعي سجستان وعقارب شهر زور وجرارات الأهواز وصب علي برود اليمن وقصب مصر وخزوز السوس وأكسية فارس وخلل أصبهان وسقلاطون بغداد وسمور بلغار وفنك كاشغر وثعالب الخرز وجوارب قزوين وكذا وكذا فعد الجوارب من خواص قزوين ولا يدري أقصد الجوارب الصوفية أو جوارب من الجلود.
стр. 39
الفصل الثاني: في اسمها
ذكروا في عدة من البلدان والنواحي أنها سميت بأسماء من بناها أو نزل في مواضعها كهمدان وأصبهان قالوا: سميا باسم أخوين هما إبنا
стр. 40
ملوح لبطن من بني يافث وحلوان قيل أنه بناها حلوان بْن الحاف وذكر مثل ذلك في تفليس وأران وبردعة وفارس والري وجرجان ونيسابور وبلخ وبخارا بل قيل مثل ذلك في الشام وخراسان ويمكن أن يكون قزوين مثلها لكن اشتهر أنها كانت تسمى بالفارسية كشوين فعربت اللفظة وقيل قزوين.
قَالَ قدامة الكاتب وتفسيره المرموق أي الطرف الذي لا ينبغي أن يهمل ويغفل عنه ولم يزل الخلفاء وأعاظم الملوك معتنين بأمر قزوين خائفين عليها.
حدث القاضي المحسن بْن علي التنوخي عن أبي علي مُحَمَّد بْن حمدون قَالَ: كنت بحضرة المعتضد ليلة إذ جاءه كتاب فقرأه وقطع ما كان فيه وتنقص عليه وعلى الحاضرين عنده الوقت واستدعى عبيد اللَّه بْن سليمان فأحضر في الحال وقد كاد أن يتلف وظن أنه قبض عليه فرمى بالكتاب إليه فإذا هو كتاب صاحب السر يقول للوزير أن رجلا من الديلم وجد بقزوين متنكرا فقال لعبيد اللَّه اكتب الساعة إلى صاحبي الحرب والخراج وأقم عليهما القيامة وتهددهما وطالبهما بتحصيل الرجل ولو من أقصى أرض الديلم وأعلمها أن ذمتها مرتهن به وأرسم لهما أن لا يدخل البلد أحد مستأنفا ولا يخرج إلا بجواز.
فقال عبيد اللَّه: السمع والطاعة أمضى إلى داري وأكتب فقال: لا اجلس واكتب واعرضه علي قَالَ فأجلسه وعقله ذاهل فكتب وعرضه عليه فارتضاه وأنفذه وقال لعبيد اللَّه: أنفذ معه من يأتيك بخبر
стр. 41
عبوره النهروان فنهض عبيد اللَّه وعاد المعتضد إلى ما كان فيه وكأنه قد لحقه تعب عظيم فاستلقى ساعة فقلت له: يا مولاي تأذن في الكلام قَالَ نعم.
قلت: كنت على سرور وطيب عيش فورد الخبر بأمر كان يجوز أن تأمر فيه غدا بما أمرت الساعة فضيقت صدرك ونغصت على نفسك وروعت وزيرك وأطرت عقل عياله وأصحابه باستدعائك إياه في هذا الوقت المنكر.
فقال يا ابن حمدون ليس هذا من مسائلك ولكنا أذنا لك في الكلام أعلم أن الديلم شر أمة في الدنيا وأتمهم مكرا وأشدهم بأسا وأقواهم قلوبا ويطير قلبي فزعا على الدولة لو تمكنوا من دخول قزوين سرا فيجتمع منهم فيها عدة فيوقعون بمن فيها وهي الثغر بيننا وبينهم فيطول ارتجاعها منهم ويلحق الملك من الضعف والوهن "بذلك" أمر عظيم وتخيلت أني إن أمسكت عن اللَّه بير "ساعة" واحدة فات الأمر ووالله لو ملكوا قزوين ساعة لبغوا على من تحت سريري هذا واحتووا على دار الملك والمعتضد رحمة اللَّه عليه موصوف بالحزم والكفاية وحسن التدبير وضبط الممالك على أحسن الوجوه.
رأيت في كتاب التبيان تأليف أَحْمَد بْن أبي عَبْد اللَّه البرقي أنه روى الهيثم أن قزوين كانت ثغرا وكان بعض الأكاسرة قد وجه إليها قائدا في جمع كثير فأتاهم العدو وهم معسكرون بذلك المكان فاصطفوا لهم واستعدوا للحرب
стр. 42
فنظر القائد إلى ذلك المكان فرأى فيه خللا. فقال لرجل من أصحابه أين كش وين أي احفظ ذلك الموضوع فهزموا العدو وبنوا بذلك المكان مدينة وسميت كشوين فعربت وقيل قزوين ويمكن أن يكون الزاي من قزوين مبدلة من السين كالزراط والسراط ويكون اللفظ من قسا يقسو أي صلب واشتد.
يقال: رجل قاس أي صلب أو من أقسان العود إذا اشتد وقسا وأقسا الرجل إذا كبر وذلك لما في أهلها من الشدة والصلابة فهو على التقدير الأول على أمثال فعلين وعلى التقدير الثاني على مثال فعويل والهمزة ملينة والواو مبدلة من الهمزة لأن اللسان بها أطوع هذا ما يتعلق باسمها المشهور.
قرأت عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْخَلِيلِ الْخَطِيبِ أَخْبَرَكُمُ الشَّافِعِيُّ الْمُقْرِي أَنْبَأَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْرٍ أَنْبَأَ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنْبَأَ الْفِرَبْرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ نَبَّأَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَبَّأَ سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنِي قَيْسٌ قَالَ أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ ثَلاثَ سِنِينَ لَمْ أَكُنْ فِي شَيْءٍ أَحْرِصُ عَلَى أَنْ أَعِيَ الْحَدِيثَ مِنِّي فِيهِنَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَقَالَ هَكَذَا بِيَدَيْهِ: "بَيْنَ يَدِي السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ" وَهُوَ هَذَا الْبَارِزُ, وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَهُمْ أَهْلُ الْبَارِزِ.
قوله: لم أكن في شيء أحرص وفي بعض النسخ: لم أكن في سني وهما صحيحان وقوله: وقال هكذا بيديه, يعني أشار يقال: قَالَ بيده وقال بعينه كأن السبب في التعبير عن الإشارة بالقول أن الإِشارة تفهم المقصود إفهام اللفظ وقوله: نعالهم الشعر أي نعالهم من ضفاير الشعر أو من
стр. 43
جلود غير مدبوغة بقيت عليها الشعور وذكر أنه يحتمل أنه أشار به إلى وفور شعورهم وانتهاء طولها إلى أن يطأوها بأقدامهم أو أن يقرب من الأرض.
قوله: وهو هذا البارز ذكر الحافظ أبو إسحاق الحمري المغربي المعروف بابن قرقول: أن الراء في اللفظ مقدمة على الزاي مفتوحة باتفاق الرواة وأن بعضهم قَالَ: أنهم الديلم والبارز بلدهم وحكى اختلافا في اللفظ المحكية عن سفيان ثانيا فذكر أن بعض الرواة نقلها بتقديم الزاء أيضا لكن كسرها.
قيل على هذا أن المعنى هؤلاء البارزون لقتال الإسلام الظاهرون في البراز من الأرض وأن بعضهم نقلها البازر بتقديم الزاي وفتحها وأشعر ما ساقه بأن التفسير على هذا كتفسير البارز وقضية ما ذكر أن البارز أو البازر بلد الديلم أن يكون ذلك اسما لقزوين لما اشتهر أنها بلد الديلم ومدينتهم ألا ترى إلى ما قدمنا عَنْ رِوَايَةِ عُمْرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "يُفْتَحُ مَدِينَتَانِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَدِينَةُ الرُّومِ وَمَدِينَةُ الديلم" أما مدينة الروم فالإسكندرية وَمَدِينَةُ الدَّيْلَمِ قَزْوِينُ.
وأعلم أن إيراد جماعة من العلماء يشعر بحمل الحديث على الترك على ما ورد في بعض روايات الحديث الصحيح أن النبي قَالَ: "تقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة حمر الوجوه صغار الأعين" وهذا نعت الترك وقد
стр. 44
أفصح به بعض الروايات فقال لا تقوم الساعة حتى تقاتل المسلمون الترك قوما وجوههم كالمجان المطرقة ويلبسون الشعر ويمشون في الشعر.
لكن في كثير من الروايات المدونة في الصحاح ما يدل على مقاتل قوم وراء الترك كما روى أنه ﷺ قَالَ: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة". وعلى هذا وفتتجه تفسير الأولين بالديلم والآخرين بالترك ووصف الترك في الرواية السابقة بأن نعالهم الشعر لا يمنع من اختلاف الفريقين أما إذا حملناه على أن نعالهم من الشعور أو من جلود بقيت عليها الشعور فلأنهم في الأصل بعيدا من التنعم والترفه فالترك سكان البوادي والديلم سكان الشعاب والغياض وأما إذا حملناه على كثرة الشعور وطولها فلأنهم جميعا مشعوفون بها أما الديلم فيعتنون بتوفيرها منشورة وأما الترك فيعتنون بتطويلها مضفورة.
стр. 45
الفصل الثالث: في كيفية بنائها وفتحها
سمعت الإمام والدي ﵀ غير مرة يحكي عن مشائخه أن البقعة الملاصقة للمقبرة المعروفة بكهنبر وتدعى القرية بالفارسية دهك١ أقدم الأبنية بقزوين وأنه لا يدري من بناها لتقادم عهدها ومن المشهور أن المدينة العتيقة بناها سابور ذو الأكتاف وذلك أن مرزبانا٢ من قبله.
стр. 46
كان يقيم بالدستبى والقاقزان ويغزو الديلم مرة ويهادنهم أخرى وكانوا ينقضون الهدنة ويغيرون على الناحيتين فأمر سابور المرزبان ببناء المدينة للتحصن بتا.
فلما أخذ في البناء كانت الديلم تجمع الجموع وتهدم ما كان يرتفع من البناء فأنهى الحال إلى سابور فأمره أن يرضيهم بمال إلى أن يتم البناء ففعل وكان سابور حينئذ مشغولا بمحاربة العرب والتوغل في بلادهم فلما فرغ خرج نحو الديلم ودخل بلادهم في وقت شدة البرد وأقام بها حتى انكسر البرد وطاب الهواء ونفقت هناك دوابهم من شدة البرد فسموا موضع نزولهم اسمرد.
ثم شن الغارة فيهم بعد طيب الهواء وقتل من وجد منهم وأوغل حتى انتهى إلى بحر الجيل ولم يحمل شيئا من مالهم استنكافا بل زفنها في ديارهم في مملكة آل لنجر وكان دخوله من مملكة آل حسان١ وخرج من مملك آل مسافر بْن أسوار بْن لنجر.
ثم مصر سعيد بْن العاص قزوين وكان قد ولاه عليها الوليد ابن عتبة بْن أبي معيط حين كان واليا على الكوفة من قبل أمير المؤمنين عثمان ﵁ ثم إن موسى الهادي دخل قزوين في أيام خلافته وخروجه إلى الري متنكرا وأمر الوالي بها أن يستنفر الناس لينظر إليهم فأمر الوالي بضرب الطبول وبالنداء فيهم بالنفير وأشرف موسى على مكان مرتفع ينظر إليهم فاستحسن مبادرتهم وأعجبه جدهم فأمر ببناء
стр. 47
وحصن بقزوين وسماه مدينة موسى وأسكنه مواليه ووقف عليها وعلى أهلها قريتين تسميان أراذ برسه ورستما باذ وذلك في سنة ثمانية وستين ومائة.
قيل: في سنة سبع ونسب بعضهم مدينة موسى إلى بناء موسى بْن بغا وهو غلط وبنى المبارك التركي مولى الهادي بها مدينة أخرى تنسب إلى اليوم إليه وهي آهلة بعد ويقال أنه بناها١ سنة ست وسبعين ومائة ومدينة موسى قد اندرست وجعلت بساتين ومزارع.
ثم دخل هارون الرشيد قزوين في خلافته وأمر ببناء المسجد الجامع وهو الصحن الصغير من المسجد الكبير والمقصورة العتيقة وأمر بابتياع حوانيت مستغلات وقفها على مصالح المدينة وعمارة مسجدها وسورها وهي الرشيديات وسور قزوين المحيط بالمداين الثلثاء وساير المحال بناه موسى بْن بغامولي المعتصم سنة أربع وخمسين ومائتين وأنفق عليه مالا جليلا.
رأيت بخط بعض بني عجل أن بروج سور قزوين مائتان وخمسة سوى البرج المعروف بكاه دان٢ وأن دور السور يبلغ عشرة آلاف وشمار وثلاث مائة وشمار٣ ثم أنه استرم السور وأصابه الخلل بعوارض حدثت غير مرة فأصلح وأعيدت عمارته.
منها أن الصاحب إسماعيل بْن عباد أمر بعمارته حين دخل قزوين.
стр. 48
سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة فقام بها أصحابه سنتين ومنها نقض السلار إبراهيم بْن المرزبان السور في طريق الجوشق ودرج سنة عشر وأربعمائة بعد ما قامت الحرب على ساق بينه وبين أهل البلد ستة أشهر فأمر الشريف أبو علي الجعفري بإعادة ما نقضه سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
آخر من اعتنى به الوزير السعيد مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرحيم بْن مالك قاضي المراغة ﵀ أمر برم المسترم وتجديد المنهدم منه سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وستين بعدها وكان يتولى عمارته والدي قدس اللَّه روحه لما كان بينهما من الاتحاد والمودة القديمة وصحبة المدرسة ببغداد ونيسابور.
في كتاب البنيان لأحمد بْن أبي عَبْد اللَّه أن مدينة قزوين بناها سابور بْن أردشير وسماها شاذ سابور.
أما فتحها: فقد أَنْبَأَنَا جَمَاعَةٌ عَنْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ الخليل ابن عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي نَبَّأَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّحْوِيُّ نَبَّأَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ أَبُو سَعِيدٍ السُّكَّرِيُّ فِي كِتَابِ الْبُلْدَانِ مِنْ تَصْنِيفِهِ قَالَ قَزْوِينُ فَتَحَهَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵁ مَعَ زَيْدِ الْخَيْلِ وَيُقَالُ: أَنَّ الْبَرَاءَ غَزَا بَعْدَ فَتْحِ قَزْوِينَ وُأَبْهَرَ وَالطَيْلَسَانِ١ وَزَنْجَانَ فَفَتَحَهَا وَغَزَا الدَّيْلَمَ وَانْصَرَفَ إِلَى قَزْوِينَ فَرَابَطَ بِهَا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ فَكَانَتْ قَزْوِينُ مَغْزَى أَهْلِ الْكُوفَةِ وَفِي خُرُوجِهِ إِلَى هَذِهِ النَّوَاحِي قَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ معه:
стр. 49
وَقَدْ تَعْلَمُ الدَّيْلَمُ إِذْ نُحَارِبْ ... حِينَ أَتَى فِي جَيْشِهِ ابْنُ عَازِبْ
بِأَنْ ظَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَاذِبْ ... وَكَمْ قَطَعْنَا فِي دُجَى الْغَيَاهِبْ
من جبل وعرو من سَبَاسِبْ ... يَؤُمُّهُمْ فِي الْخَيْلِ وَالْكَتَائِبْ
حَتَّى فَتَحْنَاهَا بِعَوْنِ الْغَالِبْ
لَمْ يَكُنْ بِقَزْوِينَ حِينَ أَتَاهَا الْبَرَاءُ ﵁ إِلا الْمَدِينَةُ الْعَتِيقَةُ وَكَانَ أَهْلُهَا يُقَاتِلُونَ مُحَاصَرِينَ وَإِذَا عُرِضَ عَلَيْهِمُ الإسلامُ أَوْ أَدَّوُا الإِتَاوَةَ قَالُوا: وَهُمْ وُقُوفٌ على أطراف السور نه مسلمان بييم ونه كريت دهيم ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعْدَ الْقِتَالِ الشَّدِيدِ سَالَمُوا وَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ الْقَوْمُ عادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فَعَادَ الْمُسْلِمُونَ وَاسْتَوْلُوا عَلَيْهَا قَهْرًا يذكر أن كثير بْن شهاب الحارثي أنبأ عَبْد الرحمن هو الذي فتح قزوين المرة الثانية بهذا القدر قد اشتهر النقل ولم يثبت بطريق معتمد أن المسالمة والمصالحة في المرة الأولى كيف كانت وعلى ماذا جرت وأن القهر والاستيلاء في المرة الثانية إلى ما أفضى وكيف فعلوا بها واستولوا عليه من الدور والأراضي وهل جرى في امتناعهم ثانيا ما يقتضي الردة أم لا وإن لم يجر فذلك لأنه لم يقع الاعتماد على إسلامهم أولا ولم يعرف حقيقة حالهم فيه أو لأن الامتناع الثاني كان خروجا عن الطاعة لا ردة والله أعلم بحقائق الأمور.
رأيت بخط أبي عَبْد اللَّه النساج ﵀ محكيا عن بعضهم أن قزوين والري عشريتان لأنهما فتحتا صلحا ألا ترى أنه ترك فيهما بيوت النيران ولو فتحتا قهرا لما تركت بيوت النيران وإنما جعل أهلها أراضيها
стр. 50
خراجية رفقا بهم وفي كتب الفقه في باب الجزية ذكر أن الري فتحت صلحا كما حكاه.
يروى أن دستبى والقاقزان فتحا في عهد عمر بْن الخطاب ﵁ على يدي عروة بْن زيد الخيل الطائي وذلك أن عمر ﵁ كتب إلى أمرائه بعد فتح نهاوند يأمرهم بأن يبعث عروة في ثمانية آلاف إلى ناحية الري ودستبى ففعل فلما انتهى عروة إلى جبال القاقزان جعل مرزبان الديلم ومرزبانا القاقزان ودستى كلمتهم واحدة وتهيأوا للقتال وجمعوا الجموع واشتد الحرب بين الفريقين حتى قَالَ بعض العرب.
أجول فلا أدري لعل منيتي ... بذكان أو ذاكان أو بالجبرندق
هذه القرى من الناحية المعروفة باهروذ ثم نصر اللَّه المسلمين ورجعت الديلم إلى أماكنها وطلب أهل القاقزان ودستبى الصلح وأقام أهل دستبى على دينهم فصارت تلك الناحية خراجية وأسلم أهل القاقزان فصارت ناحيتهم عشرية ولما ولي القاسم بْن الرشيد جرجان وطبرستان وقزوين التجأ أهل القاقزان إليه وشكوا جور العمال وجعلوا له عشرا ثانيا وتعززوا.
стр. 51
الفصل الرابع: في ذكر نواحيها وأوديتها وقنيها ومساجدها ومقابرها
أما النواحي فقد ذكر أبو عَبْد اللَّه الجيهاني صاحب كتاب المسالك والممالك أن قزوين كانت ثغرا ورباطا للجند المرتبطين هناك ثم ضم إليها
стр. 52
رستاق من رساتيق الري يقال له دستبى الري فصارت قزوين كورة مفردة جليلة والذي ضم إليها دستبى الري موسى بْن بغا.
في كتاب أبي عَبْد اللَّه القاضي وغيره أن دستبى كانت مقسومة بين همدان والري فقسم يدعى دستبى همدان كان عامل همدان ينفذ خليفة له مقيم في قرية اسفقنان حتى يجبى خراجه وينقل إلى همدان وقسم يدعى دستبى الري وقد حازه السلطان لنفسه مدة حين تغلب كوتكين التركي على قزوين سنة ست وستين ومائتين وقبض على محمد بن الفضل ابن مُحَمَّد بْن سنان العجلى رئيس قزوين واستولى على ضياعه
أنه لما ظهر العدل بقزوين من جهة طاهر بْن الحسين صاحب المأمون والجور بهمدان من جهة عمالها وتظلم رجل يقال له مُحَمَّد بْن ميسرة وشكا سوء سيرة عمال همدان وتوجه وفد إلى نيسابور وسئلت الطاهرية نقل رستاق سلقان روذ والخرقان إلى قزوين فأجيبوا ويقال إن الذي سعى في تكوير قزوين ونقل الدستبى إليها بقسميه رجل تميمي من ساكني قرى قزوين يقال له حنظلة بْن خالد ويكنى أبا مالك.
في كتاب البنيان الذي كور قزوين هو الحسن بْن عَبْد اللَّه بْن سيار العبدي كورها أيام الرشيد واقتطع إليها نسا وسلقان روذ والزهراء والطرم وغيرها وفي كتاب أصبهان تأليف حمزة بْن الحسن أنه نقلت نسا وسلقان روذ والخرقان من رساتيق همدان إلى قزوين سنة إحدى وأربعين ومائتين ثم ردت آنفا إلى همدان سنة أربع وخمسين ومائتين ثم ردت بعد ذلك إلى قزوين واستقر الأمر عليه ودستبى أشهر نواحي
стр. 53
قزوين ومن نواحيها القاقزان قرى طيبة الهواء كثيرة الماء.
منها الرامند قرى كبيرة كثيرة الربع وقصبتها قرقسين وخيارج ويمكن أن تكون هي دستبى الهمدان وفي البنيان للبرقي أن الكلبي قَالَ إنما سميت رامند لأن بعض الأكاسرة في غزاته خراسان مر بهذه المفازة فانتهى إلى موضع رامند فقال كم بين العمران وبين هذا الموضع فقالوا عشرة فقال راه منذ أي بقي الطريق واشتهرت بذلك.
ومنها اهروذ ومنها الزهراء وهي ناحية معمورة غزيرة المياه كثيرة الثمار قصبتها مسكن وذكر البرقي أن الزهراء بنيت باسم الزهراء بنت ردى١ صاحب الري وأنه وهب تلك البقع من ابنته فبنت هناك.
منها البشاريات ومنها ناحية السفح وناحية الإقبال وهي أقرب النواحي إلى البلد ومنها رستاق اندجن وأكثر أهل الزهراء من الشيعة وأكثر أهل البشاريات والسفح من الحنفية وأهل ساير النواحي شافعيون وفي فرق البدعة من أهل البلدة ونواحيها لدد وشدة كما أن في أهل الاستقامة منهم غيرة وصلابة.
رأيت في بعض المجاميع أن غريبا حضر في قرية من قرى قزوين أهلها متناهون في التشيع فسألوه عن اسمه فقال عمران فأخذوا يضربونه ويستخفون به فقال لست بعمر إنما أنا عمران فقالوا فيك حروف عمر وحرفان من عثمان وكانت زنجان والطرم وتلك النواحي تعد من
стр. 54
كورة قزوين وكذلك سهرورد وسجائن١ وقد ينسب إلى قزوين في الوثائق اليوم أيضا.
عد في البنيان من قرى قزوين جيكان وباجرون وزنجان وقصر البراذين إلى ناحية الديلم ومن نواحيها فشكل وقد يضاف الطالقان إليها أيضا وذكر البرقي أنه بناها الطالقان الأصغر بْن خراسان وهو توأم الطالقان الأكبر صاحب طالقان خراسان.
أما أوديتها فلها ثلاثة أودية يسقى منها كروم القصبة على كثرتها والأغلب وفاؤها بها وتكتفي أرضوها بالسقي مرة واحدة بجودة تربتها وقد لا تجد الماء سنتين إلى خمس وتشهر كرومها وأصل هذه الأودية ثلوج يجتمع في الجبل وعيون هناك لكن العيون بحيث لا يصل ماؤها إلى البلد إلا بمعاونة الثلج والمطر.
أحدها: وادي دزج يسقي منها كروم ودروب الجوسق ودزج وارداق في داخل البلد وقد تزيد فتضر بالدور والعمارات.
الثاني: وارى ارنوك يسقي منه كروم دروب دستجرد والصامغان والري وبعض بساتين البلد.
الثالث: وادي زراره تنصب إلى الكروم بطريق أبهر والسد المعروف بدهل بندهو دلف بند بناه دلف بْن عَبْد العزيز بْن أبي دلف العجلي حين قدم قزوين وتوطنها لصرف الماء عن العمران وهو بإزاء السد الذي عقده سابور ذو الأكتاف وسمي سابور بند وهذه الأودية مباحة والحكم.
стр. 55
في المحتاجين إلى السقي منها تقديم الأعلى فالأعلى وما اصطلحوا عليه من المناوبة مسامحة من أصحاب الأراضي العالية والأشبه أنها غير لازمة ولهم الرجوع إذا شاؤا.
رأيت محضرا كتب في آخر صفر سنة أربع عشرة وخمسمائة وفيه خطوط جماعة من الأئمة المعروفين من البلدين وغيرهم مقصودة أنه لما وقعت الزلزلة العظيمة بقزوين ليلة الخامس من رمضان سنة ثلاث عشرة وخمسمائة وحدث بسببها خراب كثير خربت مقصورة الجامع لأصحاب أبي حنيفة ﵀ وانكسرت القبة واحتاج إلى إعادتها.
فالتمس من الأمير الزاهد خمار تاش العمادي لرغبته في الخير أن يعيد عمارتها فلما أمر بالعمارة نقضت المقصورة فوجد تحت المحراب المنصوب في الجدار لوح منقور عليه.
الحمد لله رب العالمين وصلواته على مُحَمَّد وآله أجمعين أمر الملك العادل المظفر المنصور عضد الدين علاء الدولة وفخر الأمة وتاج الملة أبو جعفر مُحَمَّد بْن دشمن زيار حسام أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاه بتخليد هذا اللوح ذكر ما رآه وأباحه من ماء وأد بني دزج واربرك لخاصة أهل قزوين ليشربوا وليسبحوه إلى مزارعهم وكرومهم في القصبة على النصفة وتحريم أخذ ثمر له والزام مؤنة عليه على التأبيد.
فمن غير ذلك أو نقضه أو خالف مرسومه فقد باء لغضب من اللَّه واستحق اللعنة واستوجب العقاب الأليم فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن اللَّه سميع عليم وكتب في شهر رمضان سنة
стр. 56
اثنين وعشرين وأربعمائة.
أما قنواتها ففي كتاب أصبهان تأليف حمزة بْن الحسن أن حمزة بْن اليسع الأشعري كان رئيسا بقم وهو الذي مصرها ونصب المنبر في مسجدها ثم زاد السلطان ولاية قزوين فأنشأ بقزوين قناة وأجرى مائها وسط المدينة وليس بقزوين ماء جار غيره قَالَ له على هذه القناة وقف قائم بقزوين يعرف بوقف حمزة وهذا شيء لا يعرف اليوم وقوله وليس هناك ماء جار غيره أراد به ما اشتهر من حال البلد قديما أنهم كانوا يستقون من الآبار وهي باقية إلى الآن في جميع المحال.
من قنواتها القديمة القناة الطيفورية وهي كثيرة الماء إذا ساعدتها العمارة تدخل من درب دزج ويقسم ماؤها على المحال القريبة والبعيدة ورأيت في محاضر عتيقه كيفية قسمة مائها في تفصيل طويل وفي المحاضر ذكر قناة أخرى تعرف بالطرخانية وأخرى تعرف باللمطابادية وهما إما مندرستان الآن أو شعبتان تنصبان في الطيفورية.
ومنها: القناة الخمار تاشية استنبطها الأمير الزاهد خمار تاش ابن عَبْد اللَّه في أيامه ويقال إنه انفق عليها أكثر من اثنى عشر ألف دينار وعليها الاعتماد في أكثر محال البلد.
منها: القناة الزرارية وهي قديمة.
منها: القناة السيدية يذكر أنها منسوبة إلى بعض العلوية إما لإحداثه لها أو لتولية القيام بتا.
منها: القناة الخاتونية وهي مستمدة من ماء الوادي وكثيرا ما يتطرق
стр. 57
إليها الخلل بسببه.
منها: قناة استنبطها الحاجب الحسن بعد سنة سبعين وخمسمائة وأورد الحاكم أبو عَبْد اللَّه الحافظ في تاريخ نيسابور أن بقزوين مياها إذا داوم الغريب على شربها ولم يكثر الحركة انتفخت رجلاه حتى لا يجد بدا من قطعهما وهذا شيء إن كان في ذلك الزمان فقد عافى اللَّه منه الآن وله الحمد.
أما مساجدها فمن المساجد المشهورة المسجد الجامع الكبير بنى صدره هارون الرشيد والمفهوم مما أورده المؤرخون أن الصحن الكبير وصفوفه زيدت فيه بعد ذلك وذكروا أنه أصاب طبقات الصحن الكبير خلل فأصلحها وأعادها أبو أَحْمَد الكسائي ومنارة١ المنادي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.
في سنة ثلاثة عشرة وأربعمائة أمر السلار إبراهيم بْن المرزبان بإعادة طبقات وهت من الصحن الكبير وانفق عليها مالا كثيرا وذكر أنه وقف لهذا التاريخ قرية زرارة على الجامع والقناة وكان يسمى الباب الشارع إلى الحلاويين من أبواب الجامع الباب المعتصمي.
حكى الخليل الحافظ عن أبي عَبْد اللَّه بْن حلبس أن الباب الذي يشرع إلى الدقاقين اتخذه الشيخ مُحَمَّد بْن عَبْد الوهاب المرزي ليقرب الطريق إلى داره وهذا الباب في غالب الظن هو المنسوب اليوم إلى الخزريين والصحن الصغير الذي يلي الأبواب الشارعة إلى الحلاويين اتخذه عَبْد الجبار ابن أبي حاتم ورتب هناك صندوقا في الحظيرة المنسوبة الآن إلى الأستاذ.
стр. 58
علي بْن الشافعي المقري وأودعها كتبا وقفها على المسلمين وفي غير موضع من المسجد صناديق فيها كتب موقوفه وغير موقوفة.
فمنها: صندوق أبي الحسين أَحْمَد بْن فارس بْن زكريا صاحب المجمل في الصف المقدم ومنها صندوق الخضر وهو الموضوع في الحظيرة التي فيها اليوم قبور الكرجية وكان يتولاه حاجي الاسترابادي.
منها: صندوق أبي تمام وأبي الحسن الكندري وضع فيه المحسن الراشدي وغيره كتبا موقوفة وهو الصندوق الموضوع في الحظيرة الواقعة في الزاوية التي يشرع عندها الباب إلى باب لغ.
منها: الصندوق الذي ضمنه علي بْن أَحْمَدَ بْن علي المعروف بحاجي البيع كتبا وقفها وهو المنسوب إلى الإمام ملكداد بْن علي ﵀ وفي وضع الصناديق في المسجد نظر للفقيه وكذا في وضع المنابر الكثيرة لما فيه من شغل الموضع والمنع من الصلاة ويشبه أن يقال إذا لم يكثر أو كان في المسجد سعة وأذن فيه السلطان فلا بأس به ويدل عليه وضع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه واله وسلم المنبر في المسجد وإطباق المسلمين على نصب المنابر ووضع الكتب في المواضع المهيأة لها في جوامع المسلمين وعد ذلك من شعاير الدين.
المقصورة العتيقة من بناء أبي الحسن مُحَمَّد بْن يحيى بْن زكريا القاضي صاحب أبي العباس ابن شريح رحمهما اللَّه وهو الذي أمر باتخاذ منبرها والمقصورة الكبيرة الجديدة ابتدأ الأمير الزاهد خمار تاش بعمارتها في شوال سنة خمسمائة. وتمت في رجب سنة تسع وخمسمائة ونتقل الخطيب
стр. 59
إليها وبنى البهو الكبير في جهة القبلة بعد ذلك والبهو الذي يعقد فيه المجلس تجاه القبلة عمره الأمير ألب أرغو بْن برنقش وفرغ منه في شهور سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
المسجد الجامع لأصحاب أبي حنيفة ﵁ برستاق القطن محدث وكان دار عيسى النصراني الذي كان واليا بقزوين مدة وحمل منبره الكبير من الري سنة أربع وأربعمائة وجهه أبو عَبْد اللَّه الزعفراني ولا بأس بإقامة الجمعة في مسجدين إن جعلنا اختلاف البناء مؤثرا فإن مسجدنا في داخل المدينة العتيقة ومسجدهم خارجها وبناء المدينة سابق وأن لم نجعله مؤثرا فنودي الجمعة في مسجدنا قبل أن تقام في مسجدهم فتصح لنا جمعتنا وعند أبي يوسف يجوز إقامة جمعتين في بلدة واحدة فتصح جماعتهم أيضا على مذهبه وقد تحتاج الزحمة إلى التعديد.
من المساجد القديمة مسجد التوث وهي من بناء مُحَمَّد بْن الحجاج ابن يوسف وكانوا يجمعون فيه إلى أن بنا هارون الرشيد الجامع ويروي أن الحجاج بعث إلى الديلم يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية فأبوا فأمر أن تصور له ناحية الديلم سهلها وجبلها وبنيانها فصورت له فدعا من كان قبله من الديلم وعرض عليهم الصورة وقال رأيت فيها مطمعا فقالوا صوروا لك البلاد ولم يصوروا الفرسان الذين يحمون عقابها وجبالها وستعلم ذلك لو تكلفته فأغزاهم الجنود وأمر عليها ابنه مُحَمَّد بْن الحجاج فلم يصنع شيئا وانصرف إلى قزوين وبنى مسجد التوث.
قَالَ مُحَمَّد بْن زياد المذحجي: رأيت في مسجد قزوين لوحا نقش
стр. 60
عليه هذا مما أمر به مُحَمَّد بْن الحجاج وكان عمال خالد بْن عَبْد اللَّه القسري وسائر عمال بني أمية يلعنون في هذا المسجد عليا ﵁ حتى وثب رجل من موالي بني الجند وقتل الخطيب وانقطع اللعن من يومئذ.
روى عَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد بْن حماد الطهراني فيما رأيت بخط علي ابن ثابت البغدادي قَالَ: نبا علي بْن شهاب ثنا مقاتل بْن مُحَمَّد النصر أبادي قَالَ كان بقزوين في مسجد التوث رجل يؤذن فأتى في منامه فقيل له: إذا فرغت من كلمة لا إله إلا اللَّه في آخر الأذان فقل الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار فكان يقوله حتى توفي فرئي في المنام وقيل له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لي بالكلمات التي كنت أقولها بعد الأذان.
منها: مسجد بني مرار في المدينة العتيقة كان يؤم فيه مُحَمَّد بْن سعيد ابن سائق.
منها: مسجد الطيبين في المدينة أيضا وذكر لي أنه المسجد الذي ينسب اليوم إلى القاضي أبي خليفة.
منها: مسجد أبي عَبْد اللَّه النساج في آخر طريق الري ومسجد مُحَمَّد بْن مسعود وكان يصلي فيه بعده علي بْن أَحْمَدَ بْن صالح.
منها: مسجد القاضي إسماعيل المالكي وسلفه برأس طريق الصامغان.
منها: مسجد بني مادا بطريق دزج والمسجد عند حوض النبي ﷺ
مِنْهَا: مسجد الكتاب بطريق الجوسق ومسجد أبي الغريب ومسجد
стр. 61
مدينة المباركة ومسجد مدينة موسى وقد اندرس مع المدينة.
منها: مسجد دهك والمسجد بطريق المقابر الذي فيه قبر الصيقلي.
منها: مسجد باب المدينة وقد أمر الشريف أبو الطيب الجعفري بإعادة عمارته سنة أربع عشرة وأربعمائة وهذه مساجد موصوفة بالفضل درس فيها القرآن والعلم كثيرا فتبركت بذكرها.
مقابرها ومزاراتها.
فأعظم المقابر المقبرة التي يتصل أحد أطرافها بالمارستان ودهك ويمتد طرف منها إلى باب كادول وطريق أرادق وطرف منها يدعى باب المشبك وينتهي بعض أطرافها إلى الأومشت من طريق الري وفي الطريق المتصل بطريق أرادق قبر واحد من الصحابة ﵃ كذلك سمعت والدي ﵀.
في هذه المقبرة المشهد المعروف بابن لعلي بْن موسى الرضا ﵁ وكان قد مات في الصغر وفيه قبر جماعة من العلوية والشيعة وفيها قبر الشيخ إبراهيم المعروف بستنبه وقبور ومزارات معروفة يطول تعدادها وعند باب المشبك الجم الغفير من العلماء والأحبار والشهداء والأخيار.
من مقابرها مقبرة طريق الجوسق ويعرف مقبرة علك لأن الشيخ علك القزويني مدفون فيها وفيها قبور جمع كثير من أهل العلم والصلاح. وبقعة تدعى قبور الشهداء يستجاب عندها الدعاء.
стр. 62
منها مقبرة طريق دستجرد وتدعى كوهك وفيها مسجد على رأس تل يتبرك به ويصلى فيه لغرض الحاجات واستنجاح الطلبات وسمعت عن واحد من المعمرين أنه كان عند الدرب بطريق الصامغان قبور داخل البلد وخارجه وأنهم دفنوا هناك لموتات وقع ولم يتيسر نقلهم إلى المقابر المعهودة ولم أستحسن التطويل في وصف القبور المزورة لأن البعيد عنها لا ينتفع بالوصف كثير انتفاع ومن وردها يسهل عليه البحث والمراجعة.
من القبور التي تزار في غير المقابر قبر الشهيد أبي القاسم الْكَرَجِيّ وجماعة من أئمة نسله في الجامع في الخطيرة المعروفة برأس التربة ولا أدري ما العذر في الدفن في المسجد.
منها قبر ابن الإسكاف إمام الجامع في أصل حائط في شارع محلة ابن مراد وقبر الشهيد إسكندر بْن حاجي في خانقاه شهر هيزه وقبر ابتكين التركي في مدرسته برأس كوكبره وقبر في المسجد القديم بدهك في الصف الداخل وقبر في المسجد المبني في مقابل حوض النبي يقال أنه لبعض العلوية وفي الرستاق مواضع يتبرك بتا.
стр. 63
القول في بيان من ورد قزوين من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين
من ورد قزوين من الصحابة ﵃ أجمعين
...
القول في بيان من ورد قزوين من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين
نقدم عليه ما بلغنا في قصة تسخير الريح لسليمان ﵇ أنه كان ينزل في سيره غدوا ورواحا بقزوين قَالَ اللَّه تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ . أي سخرناها له ويقرأ الريح بالرفع وقال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ . وقرئت الآيتان بالرياح على الجمع.
قوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ . أي يسير بالغدو مسيرة شهر وبالرواح كذلك ويقطع في اليوم الواحد مسيرة شهرين.
قوله: رخاء قيل لينة الهبوب وقيل طيبة وقيل مطيعة له وقوله حيث أصاب أي أراد وقصد من النواحي تقول العرب أصاب الصواب فأخطأ الجواب أي قصد الصواب وذكروا أقوالا في المسافة التي قطعها غدوا ورواحا.
فمنها: أن الريح كانت تحمله غدوة من اصطخر فارس إلى مصر وعشية من مصر إلى اصطخر.
منها: في تفسير أبي علي الحسن بْن مُحَمَّد الزعفراني بروايته عن يزيد بْن هارون عن أبي هلال وهو الراسبي عن الحسن قَالَ: كان نبي اللَّه سليمان ﵇ يغدو من بيت المقدس فيقيل باصطخر ثم يروح من
стр. 64
من اصطخر فيبيت بقلعة بخراسان يقال لها قلعة سليمان١.
منها: عن الحسن أنه كان يغدوا من دمشق فيقيل باصطخر وبينهما مسيرة شهر ثم يروح من اصطخر ويبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر ومنها في تفسير النقاش أنه يقال أنه كان يتغدى بالري ويتعشى بسمرقند ويتغدى بسمرقند ويتعشى بالري.
مِنْهَا: وَهُوَ الْمَقْصُودُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تفسيره نبأ محمد ابن عبد الله ابن بَزِيعٍ نَبَّأَ بِشْرُ بْنُ الْمُفَصِّلِ عَنْ عَوْفٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ نبي اللَّه سليمان ﵇ لَمَّا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْخَيْلُ فَشَغَلَهُ النظر إليها عن الصلاة الْعَصْرِ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ غَضَبَ للَّهِ تَعَالَى فَأَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ فَأَبْدَلَهُ اللَّهُ مَكَانَهَا أَسْرَعَ مِنْهَا سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رَخَاءً حَيْثُ شَاءَ وَكَانَ يَغْدُو مِنْ إِيلِيَا وَيَبِيتُ بِقَزْوِينَ ثُمَّ يَرُوحُ مِنْ قَزْوِينَ وَيَبِيتُ بِكَابُلَ.
رأيت هذا القول أولا في نكت علم القرآن تلخيص مُحَمَّد بن يوسف ابن بندار من كتاب أبي الحسن علي بْن عيسى البغدادي النحوي ثم رأيت في الأصل الملخص منه ثم وجدته في تفسير ابن جرير المشهور بالإسناد المذكور.
أعلم أنه لا تنافي بين الأقوال والظاهر أنه كانت له ﵇ توجهات ومقاصد مختلفة وكانت تجري بأمره تارة هكذا وتارة هكذا وكل نقل من سيره ما بلغه أو نوعا مما بلغه ويذكر أن الحكمة في تسخير
стр. 65
الريح له وتسيره بأهل مملكته بها أن يعرف أن ملك الدنيا مبني على مالا يقبل الضبط والتقيد ولا ثبات له ولا استقرار بل يميل تارة هكذا وأخرى هكذا - أنشد:
إن ابن آوى لشديد المقتنض ... وهو إذا ما صيد زج في قفص
وأيضا:
أفا وتعسا لمن مودته ... إن زلت عنه سويعة زالت
إن مالت الريح هكذا وكذا ... مال مع الريح حيث ما مالت
وقيل:
وكل ريح لها هبوب ... يوما فلا بد من ركود
ثم أنه قد ورد قزوين ألجم الغفير من صحابة رسول اللَّه ﵌ وتابعيهم ألا ترى إلى ما روينا في الآثار في فصل الفضائل أن مرة الهمداني خرج إليها في أربع آلاف وعن الربيع بْن خثيم مثله وهذا عدد كثير سواء تداخلت الأربعتان أو لم يتداخلا وكان العصر عصر الصحابة والتابعين إلا إن الذين نقل ورودهم بأعيانهم جماعة معدودون.
منهم: البراء بْن عازب بْن الحارث بْن عدي بْن جشم بْن مجدعة بْن حارثة بْن الحارث بْن الخزرج بْن عمرو بْن مالك بْن أوس الأنصاري الحارثي أبو عمارة ويقال أبو الطفيل ويقال: أبو عمرو صحب النبي وكذلك أبوه واستصغر البراء يوم أحد وقيل أنه استصغر يوم أحد أيضا وأول مشاهده الخندق.
стр. 66
كذلك ذكره أبو عَبْد اللَّه بْن منده الحافظ وحدث الإمام البخاري في التاريخ عن عَبْد اللَّه بْن رجاء قَالَ: ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق نبأ البراء قَالَ غزوت مع النبي خمس عشرة غزوة قَالَ ابن منده: وروى عنه أبو جحيفة وبنوه الربيع ويزيد وعبيد وذكر أبو بكر بْن أبي خيثمة له ابنا آخر وهو لوط.
في تاريخ البخاري في باب إبراهيم بْن البراء بْن عازب وأورد روايته عن أبيه وفي باب يحيى يحيى بْن البراء بْن عازب وذكر أنه روى عن ابن مسعود وفي المعارف لابن قتيبة أنه كان للبراء ابنان يزيد وسويد وقد سبق ما اشتهر من فتح البراء قزوين ﵁.
قَالَ بكر بْن الهيثم: ولي في أول زوال ملك العجم المغيرة بْن شعبة الكوفة وجرير بْن عَبْد اللَّه همدان والبراء بْن عازب قزوين سار إليها وفتحها اللَّه على يده وعن أبي عمر الشيباني أن البراء افتتح قزوين والري وأبهر وزنجان وشهد مع علي ﵁ الجمل وصفين والنهروان وكان رسوله إلى أهل النهروان.
ذكر الخليل الحافظ في تاريخه أنه كان للبراء بقزوين أجناد فيهم رواة وعلماء وأنه بقي فيهم سنتان أَنْبَأَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ أَنْبَأَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبُرْجِيُّ أَنْبَأَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ أَنْبَأَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ فَارِسٍ أَنْبَأَ يُونُسُ بْنُ حبيب أنبأ أبو داؤد ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَاذَانَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ. وَلَمْ يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ الله صلى الله
وَفِيهَا نُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ: فَيُرْمَى بِهِ مِنَ السَّمَاءِ" وَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ . قَالَ: "فَيُعَادُ إِلَى الأَرْضِ فَتُعَادُ فِيهِ رُوحُهُ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ شَدِيدَا الانْتِهَارِ فَيَنْتَهِرَانِهِ وَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ: مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ؟ فَيَقُولانِ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَلا يَهْتَدِي لاسْمِهِ فَيُقَالُ: مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ ذَلِكَ فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ فَيُضَيَّقُ عَلَيْهُ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ وَيُمَثَّلُ لَهُ عَمَلُهُ فِي صَورَةِ رَجُلٍ قَبِيحِ الْوَجْهِ مُنْتِنِ الرِّيحِ قَبِيحِ الثِّيَابِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِعَذَابٍ مِنَ اللَّهِ وَسَخَطٍ.
فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ الَّذِي جَاءَ بِالشَّرِّ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ وَاللَّهِ مَا عملتك إِلا كُنْتَ بَطِيئًا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ سَرِيعًا إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ".
قوله: فانتهيا إلى القبر ولم يلحد فجلس إنما جلس ليتم اللحد فإن المستحب للمشيع أن يمكث إلى مواراة الميت.
قوله: كأنما على رؤسنا الطير. معناه إنا كنا جمودا لا نتحرك تعظيما لأمر رسول اللَّه ﵌ ورعاية لأدب مجلسه كما أن من على رأسه الطير لا يتحرك لئلا ينفر ورفع البصر وخفضه يشعر بالتفكر وهو اللايق بحال حضور الجنازة والحضور في المقبرة والأمر بالعياذ من عذاب القبر في تلك الحالة كأن سببه اطلاعه على معذبين هناك.
قوله: في قبل من الآخرة: قبل الشيء أوله ومقدمه إما زمانا كما يقال كان ذلك في قبل الصيف وإما مكانا كما يقال: وقع السهم قبل الهدف.
стр. 70
قوله: "معهم أكفان من أكفان الجنة وحنوط من حنوطها" أي للنفس الطيبة يدرجونها في الأكفان ويطيبونها بذلك الحنوط والحنوط والحناط ما يخلط من الطيب للموتى خاصة قاله في الغربيين وجلوسهم منه مد البصر يشبه أن يكون المراد منه بيان كثرة عددهم ويمكن أن يريد جلوسهم على بعد منه إما لتوقيره وتوقير النفس الطيبة أو لئلا يرتاع منهم ومن اجتماعهم.
قوله: "فتخرج نفسه كأطيب ريح" أي بأطيب ريح أو في ريح كأطيب ريح وقوله فتعرج به الملائكة ذكر الكناية في الحديث في مواضع فالتأنيث على الرد إلى النفس والتذكير على الرد إلى الخارج أو المقبوض.
قوله: في هذه الروح بعد ما سبق ذكر النفس حيث قَالَ: "أيتها النفس" وقال: فخرج نفسه يبين أن المراد من الروح والنفس شيء واحد وقوله: "فلان بأحسن أسمائه" يشير إلى أن العَبْد الصالح يعرف فيما بينهم بالصلاح والطاعة.
قوله: "فيرد إلى الأرض ويعاد روحه إلى جسده" أي يرد روحه ويعاد روحه المردود إلى جسده وانتهر ونهر واحد.
روى عن مُحَمَّد بْن الحجاج بْن هارون المقري القزويني قَالَ: سمعت أبا بكر الأسدي ينشد قصيدة التي يهجو فيها الجهمية ويرد فيها على إنكارهم عذاب القبر بقوله:
стр. 71
سليمان والمنهال قالا وحدثا ... وزاذان يروي والبراء المخبر
عن الصادق المصدوق إذ في جنازة ... يحدث في الأنصار والقبر يحفر
فمن شك فيه للشقاء فإنه ... سيعرفه في قبره حين يقبر
أراد به الخبر الذي رويناه وسليمان هو الأعمش وزاذان مولى كندة أبو عمرو يقال أبو عَبْد اللَّه روى عن علي وابن مسعود والبراء فتح قزوين مع زيد الخيل الطائي ﵃.
حكينا عن أبي سعيد البكري أن البراء فتح قزوين مع زيد الخيل ﵄ وهو زيد الخيل بْن مهلهل بْن يزيد بْن صهب بْن عبد رضا ابن المختلس بن ثوب بْن كنانة بْن مالك بْن نابل بْن سودان ويقال أسودان وهو نبهان بْن عمرو بْن الغوث بْن طي ويكنى بأبي مكنف بابنه مكنف بْن زيد شاعر فارس وفد على رسول اللَّهِ ﵌ وأسلم ويعد في المؤلفة مع عيينة بْن حصن والأقرع بْن حابس وقد يقال له زيد الخير بالراء ويروي أنه كان يشهر في العرب بزيد الخيل فلما قدم على النبي ﵌ بدل اللام بالراء.
سعيد بْن العاص بْن سعيد بْن العاص بْن أمية بْن عبد شمس بْن عبد مناف القرشي الأموي أبو عثمان يلتقي مع رسول اللَّهِ ﵌ في عبد مناف ويقال له سعيد بْن العاص الأصغر ولجده سعيد بْن العاص الأكبر وهو أبو أحيحة وربما قيل له سعيد بْن العاص ابن أبي أحيحة وربما حذف جده وأبي جده وقيل سعيد بْن العاص بْن أمية بْن عبد شمس وله صحبة فيما ذكر ابن أبي حاتم وغيره.
стр. 72
في الذيل لمحمد بْن جرير الطبري أنه كان يوم قبض رَسُولُ اللَّهِ ﵌ ابن تسع سنين أو نحوها وأبوه العاص بْن سعيد قتل يوم بدر مشركا قتله علي ﵁ ويروى أن عمر بْن الخطاب لقي سعيد أو رأى منه إعراضا فقال مالي أراك معرضا كأني قتلت أباك إنما قتله علي ولو قتلته ما اعتذرت من قتل مشرك وقد قتلت بيدي خالي العاص ابن هشام بْن المغيرة فقال سعيد يا أمير المؤمنين لو قتلته كنت على حق وكان على باطل.
جده أبو أحيحة مات مشركا وله أعمام صحابيون منهم خالد بْن سعيد بْن العاص قديم الإسلام يقال أنه خامس من أسلم وعذبه أبو أحيحة أبوه على الإسلام فهاجر مع زوجته إلى أرض الحبشة.
منهم عمرو بْن سعيد بْن العاص أسلم بعد أخيه خالد بيسير وتبعه في الهجرة إلى الحبشة ثم قدما على رسول اللَّه ﵌ في السفينتين اللتين بعثهما النجاشي إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه واله وسلم مع جعفر ابن أبي طالب.
أبان بْن سعيد بْن العاص أسلم قبل الفتح وهو الذي أجار عثمان ﵁ حين دخل مكة وكان مشركا بعد وتوفي رسول اللَّهِ ﵌ وخالد عامله على صدقات مذحج وعمرو عامله على خيبر وتيماء ووادي القرى وأبان على البحرين وقتل خالد شهيدا في خلافة عمر ﵁ وعمرو شهيدا في خلافة أبي بكر ﵁ بأجنادين.
стр. 73
ذكر ابن جرير وابن منده أن الحكم بْن سعيد بْن العاص أسلم فسماه النبي عَبْد اللَّه فسمي به وترك الحكم فهذا عم رابع وسعيد من أجواد الإسلام المجتمعين في عصر واحد وهم أحد عشر على ما ذكر هشام بن الكلبي وغيره وقد صنف الجاحظ كتابا في ذكرهم وأحوالهم وفيه أن سعيدا كان ذابيان وأنه كان يقال له عكة العسل وأنه روى عن ابن عمر أن امرأة جاءت إلى النبي بثوب برد فقالت يا رسول اللَّهِ ﵌ إني نويت أن أعطي هذا الثوب أكرم شاب في العرب فقال لها أعطيه هذا الغلام يعني سعيد بْن العاص وهو واقف فبذلك سميت الثياب السعيدية.
قَالَ ابن جرير أنه اعتزل أيام الجمل وصفين فلم يشهد تلك الحروب ولاه معاوية المدينة بعد ما تم له الأمر ثم عزله ويقال أنه ولي الري لعثمان ﵁ ودخل قزوين.
عن بكر بْن الهيثم أنه مصرها وغزا الديلم ويبين وروده هذه الديار وكونه من الصحابة ما قَرَأْتُ عَلَى الْحَافِظِ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنْبَأَ الْقَاضِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ إِسْحَاقَ إِذْنًا أَنْبَأَ أَبُو الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيُّ سَنَةَ ستة وسبعين وأربعمائة أَنْبَأَ أَبُو زُرْعَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ ثَنَا الضَّحَّاكُ عَلَى الْمُكْتِبِ ثَنَا أَبُو عَلِيُّ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَا ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَادَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ نَزَلَ الرَّيَّ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَرَضِيَ الله عنهم.
стр. 74
نزل عبد الله ابن عُمَرَ أَنْدَرْمَانَ وَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَامُورَانَ وَنَزَلَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ شِيرَوَانَ وَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ فَيْرُوزَ وَرَامَ كَانُوا يَتَزَاوَرُونَ وَكَانَ لِسَعِيدِ بَنُونَ عَمْرُو وَيَحْيَى وَعَنْبَسَةُ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَعَائِشَةَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ يَحْيَى وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابن عُمَرَ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعِ أَوْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ.
أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِي طَاهِرٍ هَاجِزٌ عَنِ ابْنِي شُجَاعٍ الْمَصْقَلِيَيْنِ أَنْبَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ مَنْدَهْ أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ثَنَا أبو اليمان أخبرني شعيب ابن حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ على النبي وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ لابِسًا مرط عائشة زوج النبي فَأَذِنَ لأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ.
قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ ﵁ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ إِلَيْهِ فَجَمَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وسلم مَالَكَ لَمْ تَفْزَعْ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ؟ قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "عُثْمَانُ رَجُلٌ حَيِيٌّ وَخَشِيتُ إِنْ أَذَنْتُ لَهُ وَأَنَا عَلَى حَالِي تِلْكَ أَنْ لا يَبْلُغَ حَاجَتَهُ".
المرط كساء من صوف أو خز أو كتان قاله الخليل قيل هو الإزار وقولها لم يفزع يرويه بعضهم لم يفزع وكما فزعت من الفزاع وبعضهم
стр. 75
لم تفزع وكما فزعت أي بادرت من الذعر والهيبة وفيه ما يدل على أن مباسطة الإخوان بعضهم مع بعض لا يخل بالأدب ورعاية الاحترام وعلى رأفة النبي ﷺ .
حيث أشفق أن يمنع الحياء عثمان ﵁ من عرض الحاجة في تلك الحالة وعلى أنه ينبغي أن يعامل كل أحد بحسب طبعه ومزاجه وطبايع الناس مختلفة وشيمهم ومزاجهم متفاوتة جودة ورداءة وطيبا وخبثا ثم كل صنف من ذوي الأخلاق الجيدة والردية على درجات ومراتب وينشد لمنصور الفقيه:
بنو آدم كالنبت ونبت الأرض ألوان
فمنه شجر الصندل والكافور والبان
ومن شجر أفضل ما يحمل قطران
منهم: سلمان الفارسي ﵁ أبو عَبْد اللَّه يقال له سلمان بْن الإسلام وسلمان الخير وكان اسمه الأول على ما حكى الحافظ أبو نعيم ماهويه وقيل بوذ بْن بدخشان بْن آذر جشنش من ولد منو جهر الملك وقيل غيره وكان من أهل أصبهان ويقال:من جي أصبهان ويقال: من رامهرمز ويذكر أنه عاد إلى أصبهان في زمن عمر ﵁ وأنه كان له أخ بشيراز قد أعقب بها وبنتان بمصر وأنه كان له ابن اسمه كثير وقد تداولته أيد كثيرة بعد ما استرق إلى أن أتى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وسلم في السنة الأولى من الهجرة وأسلم وقصة إسلامه تروى بطرق كثيرة مطولة ومختصرة.