← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7436

التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية

محمد منير مرسي

Полный текст (538 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ . وإذا قصر الإنسان في تحصيل رزقه أو اعتمد فيه على غيره مع قدرته على القيام به كان غيره أفضل منه وأعلى منه رتبة ودرجة لأن اليد العليا خير من اليد السفلى كما ورد في الأثر. وضرب الرسول ﷺ المثل في ذلك حين مر بالمسجد فرأى رجلا معتكفا ليله ونهاره، فسأله عمن يعوله. فقيل له أخوه. فقال ﷺ : "أخوه خير منه". ووجوب السعي في طلب الرزق والكسب تصحح حالة التواكل والكسل التي تظهر في طبقة من الجهلاء والخاملين الذين يعتبرون الدين نوعا من الرهبنة والعكوف في المساجد. ولقد أطلق القاضي عبد الجبار على هذه الطبقة اسم المتآكلة أو المتواكلة الذين يشيعون جو الخمول والكسل بين أفراد الأمة مدعين أن السعي في طلب الرزق نوع من سوء الظن بالله، وأن حسن التوكل على الله يقتضي القعود عن طلب الرزق "محمد السيد الجليند: ٣٣١". وهذا فهم خاطئ لمعنى التوكل والصحيح أن نعقلها أولا ثم نتوكل.

стр. 72

أسس التربية الإسلامية التربية الإسلامية تربية تكاملية شاملة ... أسس التربية الإسلامية: تستند التربية الإسلامية إلى مجموعة من الأسس والركائز الرئيسية تشكل في مجملها المفهوم الشامل للتربية الإسلامية، ويمكننا أن نعرض هذه الأسس فيما يأتي: ١- التربية الإسلامية تربية تكاملية شاملة: وقصد بالتكامل أو الشمول هنا أنها لا تقتصر على جانب واحد من جوانب شخصية الإنسان فالتربية الإسلامية ترفض النظرة الأحادية أو الثنائية إلى الطبيعة الإنسانية التي تقوم على التمييز بين العقل والجسم وسمو العقل على الجسم، وإنما هي تنظر إلى الإنسان نظرة متكاملة تشمل كل جوانب الشخصية فهي تربية للجسم وتربية للنفس والعقل معا. ولا شك أن كل جانب من هذه الجوانب يؤثر في الآخر ويتأثر به، وقديما قالوا: العقل السليم في الجسم السليم. كما أن في الجسم مضغة إذا صحت صح الجسم، وإذا فسدت فسد الجسم ألا وهي القلب. والجسم هو مطية النفس والعقل في أداء الواجبات وتنفيذ أوامر

стр. 73

الشرع، ولأهمية الجسم في التربية الإسلامية أمرنا الإسلام بالعناية بصحتنا وأجسامنا "إن لبدنك عليك حقا"، فهناك حق البدن على صاحبه وجعل طهارة الجسم شرطا للعبادة. كما أمرنا أن نجمل مظهرنا بنظيف الثياب وأن نأخذ زينتنا عند كل مسجد. وتخاطب التربية الإسلامية حواس الإنسان وقواه. وتحتكم إليها ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ . والإنسان مسئول عن الحفاظ على حياته وحمايتها من الخطر والحفاظ على جسمه وضرورة العناية به ووقايته وحمايته وعلاجه إذا ألم به مرض. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "كان فيمن قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات ... فقال الله بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة". وورد عن النبي ﷺ أيضا قوله: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديديته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". والتربية الإسلامية تربية للعقل لأنها تخاطب العقل وتحتكم إليه، والإسلام دين العقل والنظر والتفكير والتأمل. ويحتل العقل في الإسلام مكانا هاما قل أن نجد له نظيرا في غيره من الشرائع. فهو أساس التكليف والاختيار والحساب. واعتبرت المعرفة والعلم وهو غذاء العقل أساس التفاضل بين الناس. والتفكير وهو وظيفة العقل فريضة إسلامية. وهو ما حدا بمؤلف العبقريات الإسلامية عباس العقاد أن يجعله عنوانا لكتاب من كتبه الخالدة. والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تحث على إعمال العقل والفكر والنظر والتأمل ووزن الأمور بميزان المنطق، ونبذ ما يتنافى معه من خرافات وأباطيل وأوهام. وقد ذم الله في كتابه العزيز من يسمع القرآن ولا يفقه معناه ولا يتدبره، ومدح من يسمعه ويفقهه، قال تعالى في سورة محمد ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ . والقرآن الكريم يعلمنا من خلال الأمثلة الكثيرة أهمية المعرفة العلمية والتقنية من أجل السيطرة على الطبيعة واستعمار الأرض التي استخلفنا فيها

стр. 74

الله. فضرب لنا مثل داود ﵇ الذي ألان له الحديد وأوحى له أن يعمل منه دروعا، ومثل سليمان ﵇ الذي سخر له الريح لتحمل بساطه هو وخاصته إلى حيث يشاء، وأسال له النحاس وذلل له الجن في استخدام النحاس المذاب أو المصهور ليعمل منه أنواعا من المصنوعات. قال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ . ويضرب لنا القرآن الكريم أيضا مثل ذي القرنين وقيامه ببناء السد والحاجز الحصين لدرء خطر يأجوج ومأجوج وهما قبيلتان مفسدتان من ولد يافث بني نوح ﵇. وتم له ذلك بمساعدة قوة من الفعلة واستخدام كتل الحديد والنحاس المصهور. قال تعالى في سورة الكهف ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ . والتربية الإسلامية تربية نفسية لأنها تخاطب عاطفة الإنسان ووجدانه وقلبه وضميره وتحتكم إليها ... أمرنا ديننا بأن نربي نفوسنا على الفضيلة والخير وحب الناس والتجرد من الأنانية وحب الذات، وجعل أساس الحساب على الأعمال ما استقر في النفس لا بما ظهر من السلوك. وأمرنا ديننا بالتعفف وعزة النفس ورياضتها وتدريبها والتحكم فيها. بل لقد اعتبر ديننا جهاد النفس جهادا أكبر من جهاد الحرب والقتال، فقد ورد عن النبي ﷺ قوله بعد عودته من الحرب: "رجعت من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: "جهاد النفس". إن التربية الإسلامية تربية تحررية لأنها تحرر العقل من التعصب الأعمى والتزمت أو الانغلاق وضيق الأفق والإيمان بالأوهام والأساطير. كما أنها تحرر النفس من الخوف والعبودية والضعف. فالمسلم القوي خير من المسلم الضعيف. وتحررها أيضا من الخبث والدنس واللؤم وكل ما يشينها، وهي أيضا تحرر الجسم من كل ما يدنسه ويعيبه وتقيمه على الطهارة والنظافة والعناية والاهتمام به كما تحرره من الخضوع للذات والشهوات. ويقول العقاد في هذا المعنى في كتابه "الإنسان في القرآن": إن الإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه كل لا يتجزأ. للجانب الجسمي أو البيولوجي حاجاته ومتطلباته وللجانب الروحي والعقلاني حاجاته ومتطلباته. ومن هنا لا يجوز له الإسراف في مرضاة هذا ولا في مرضاة ذاك.

стр. 75

٢- التربية الإسلامية تربية مثالية واقعية: تستمد التربية الإسلامية خاصيتها المثالية من الشريعة الإسلامية نفسها. فقد استخلف الله الإنسان في الأرض وجعله خليفته فيها. وفي أصل خلقه فقع فيه من روحه وكرمه على كثير من خلقه. وجعله أشرف مخلوق على الأرض. ومن هنا تنشد التربية الإسلامية السمو بهذا الإنسان وبلوغه درجة الكمال والرفعة بالتدريج. وقد أشرنا إلى ذلك في كلامنا عن أهداف التربية الإسلامية. والتربية الإسلامية تربية واقعية، وهي تستمد هذه الخاصية أيضا من واقعية الشريعة الإسلامية. فالتربية الإسلامية. فالتربية الإسلامية تراعي جانب الواقعية في التطبيق تمشيا مع قوله ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . ولذلك قامت التكاليف الإسلامية والعبادات على أساس اليسر والسهولة في أدائها والقيام بها. كما قامت على أساس تجنيب الإنسان المشقة والضيق والحرج. قال تعالى في سورة الحج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . وقال ﷺ : "بعثت بالحنيفة السمحاء" إشارة إلى قوله تعالى ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ . كما ورد عنه قوله ﷺ : "لا تشددوا على أنفسكم يشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم". فلا رهبنة في الإسلام. ومن قبيل المقارنة نشير إلى أن أحد القوانين المنظمة للرهبنة المسيحية وهو قانون "بنيديكت" قد حدد ثلاثة التزامات على المرء أن يخضع لها في ترهبه وهي: العفة والفقر والطاعة. ويتضمن التزام العفة نبذ العلاقة الزوجية والأسرية واستبدالها بروابط

стр. 76

دينية وروحية ويتضمن التزام الفقر التخلي عن كل ثروته وأملاكه للدير ويتضمن التزام الطاعة التخلي عن كل قوة أو جاه أو سلطان والخضوع التام لنظام الدير. إن حق النفس على الإنسان في الإسلام أن يروح عنها وأن يعطيها من الراحة والأمن والطمأنينة والغذاء والتسلية والهدوء في حدود ما أباحه الله. لقد قال النبي ﷺ لمن فهم أن الدين ليس إلا تعبدا وتهجدا وصياما وابتعادا عن النساء: "إني أخشاكم لله، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء". إن إرهاق النفس ولو في طلب العبادة لا يطلبه الإسلام لا يرضاه. لأن فيه مشقة فوق المعتاد لا يمكن المداومة عليه. وقد ينقطع به الجهد عنه. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى". ومن واقعية التربية الإسلامية المبدأ التشريعي الذي يقول بأن الضرورات تبيح المحظورات، وعدم محاسبة المرء على الأمور التي تكون خارج نطاق إرادته. قال ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". والتربية الإسلامية في وقعيتها تتمشى مع فطرة الإنسان التي فطره الله عليها. ومن واقعية التربية الإسلامية أيضا وسطيتها واعتدالها في كل الأمور شأنها شأن الشريعة الإسلامية نفسها. فلا إفراط ولا تفريط. قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ . ومن واقعية التربية الإسلامية التوسط بين أمور الدينا والآخرة. وقد ورد في الأثر "أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". وقال تعالى ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ . إن الإسلام يتطلب المحافظة على خمسة أمور هي أساس الحياة الدنيوية ولا تستقيم الحياة الإنسانية الكريمة إلا بها. هذه الأمور الخمسة هي: الدين والنفس والمال والعقل والنسل "محمد أبو زهرة: ص٨٦". ومن واقعية التربية الإسلامية الاستمتاع بما أحله الله لنا. وقد عاب الإسلام من حرم على نفسه طيبات ما أحل الله. قال تعالى في سورة المائدة ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ وأمرنا بأكل الحلال من رزقه والاستمتاع به. قال تعالى في نفس السورة ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا

стр. 77

طَيِّبًا﴾ . ويروى عن النبي ﷺ أنه علم بأن نفرا من أصحابه حرم على نفسه أكل اللحم والنوم على فراش وعدم الزواج، فقال النبي ﷺ محذرا المسلمين من ذلك: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني". وهو ما أشرنا إليه من قبل. إن رسالة الإنسان في الدنيا في نظر الإسلام ليست للتكفير عن خطيئة آدم كما تذهب المسيحية وإنما للقيام بمسئولية استخلافة في الأرض بتعميرها والتنعم بخيراتها. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ . وورد عن النبي قوله: "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعلمون". ويقول الماوردي في كتابه "أدب الدنيا والدين" تحت عنوان: الأخذ من الدنيا بنصيب: "إن الله تعالى جعل الدنيا دار تكليف وعمل. كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء. فلزم ذلك أن يصرف الإنسان إلى الدنيا حظا من عنايته. لأنه لا غنى له عن التزود منها لآخرته، ولا بد فيها من سد حاجته وليس في ذلك القول نقص". وقد قال الله تعالى لنبيه الكريم ﴿فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . ومعنى هذا أنه إذا فرفت من أمور دنياك واقصد عبادة ربك وقال سفيان الثوري رحمة الله: كتب في التوراة: وإذا كان في البيت بر فتعبد. وإذا لم يكن فاطلب. يابن آدم حرك يدك يسبب رزقك". وقال محمود الوراق: لا تتبع الدنيا وأيامها ... ذما وإن دارت بك الدائرة من شرف الدنيا ومن فضلها ... أن بها تستدرك الآخرة بيد أن استمتاع الإنسان بالدنيا مرتبط أيضا باستمتاعه في الدار الآخرة لأن صلاح الدنيا من صلاح الآخرة. وينبغي أن نشير إلى أنه قد ورد ذكر كلمة الدنيا والآخرة في القرآن الكريم بعدد متساوٍ وهو ١١٥ مرة "انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ص٢١، ص٢٦٢" ومن واقعية التربية الإسلامية ثلاثية الجزاء وهو من جنس العمل. وهناك الثواب والعقاب والترغيب والترهيب والوعد والوعيد والجنة والنار. وهناك أيضا باب التوبة والاستغفار.

стр. 78

٣- التربية الإسلامية تربية سلوكية عملية: فهي لا تكتفي بالقول وإنما تتعداه إلى العمل والممارسة, ونحن إذا نظرنا إلى المبادئ الرئيسية الخمسة التي بني عليها الإسلام نجدد أنها تتطلب سلوكا عمليا. فالشهادة بواحدانية الله ونبوة رسوله محمد ﷺ وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان كلها تتطلب سلوكا عمليا. ومن تمام كمال الإنسان المسلم أن تتطابق أقواله مع أفعاله. كما اهتمت التربية الإسلامية بتكوين العادات السلوكية الحسنة عند الفرد منذ طفولته الأولى لما في هذه العادات من أثر طيب في اكتساب الفضائل والبعد عن الشرور والرذائل. وقد أكد علماء المسلمين على أن يقوم المجتمع الإسلامي على العمل فالكسب الحلال حلال وجمع المال الحلال حلال والأنبياء كانوا متكسبين فآدم أبو البشر ﵇ كان زارعا وإدريس كان خياطا ونوح كان نجارا وإبراهيم كان بزازا وموسى كان أجيرا وعيسى كان يعمل ومحمد كان راعيا وأجير وكان يتاجر لزوجته خديجة وإن نبي الله دواد كان يأكل من عمل يده. إن الإسلام لا يؤمن كما يرى البعض بأن ترك الدنيا أفضل من الكسب فيها. فمحمد بن الحسن الشيباني عالم القرن الثاني الهجري والمحاسبي علام القرن الثالث الهجري يحرمان الكسب بحجة أنه يصرف الفرد عن الله، وهذا من الأوهام التي استقرت في بعض النفوس ولا تستقيم من منطق الإسلام وروحه. وقد حدد علماء المسلمين وجوه الكسب الاجتماعية وحصروها في أربعة: الإمارة والتجارة والزراعة والصناعة. والتعليم والاشتغال به بالطبع هو من جملة الصنائع كما يقول ابن خلدون. ويقول أبو حنيفة النعمان بن ثابت عالم القرن الثاني الهجري في رسالة إلى المتعلم "أبي مقاتل": "اعلم أن العمل تبع للعلم، كما أن الأعضاء تبع للبصر. فالعلم مع العمل اليسير أنفع من الجهل مع العمل الكثير. ومثال ذلك الزاد القليل الذي لا بد منه في المفازة مع الهداية أنفع من الجهل مع الزاد الكثير، ولذلك قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . والعمل لغة من نفس الحروف "ع، م، ل" ولذا قالوا بوثوق الارتباط

стр. 79

بينهما، فلا علم بلا عمل ولا عمل بلا علم. وقال بعض الحكماء: "مثل العلم بلا عمل كمثل الشجرة بلا ثمر والرعد والبرق بلا مطر والقوس بلا وتر". وسئل ابن شهاب: "أيهما أفضل: العلم أو العمل؟ فقال: العلم لمن جهل والعمل لمن علم". قد أشار القرآن الكريم إلى نبي الله داود ﵇ ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ . ومن المعروف أن داود ﵇ كان يصنع الدروع بإلانة الحديد فكان أول من صنع الدروع. وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك. والعلم في الإسلام لا بد أن يرتبط بالعمل لدرجة أن الإسلام ينظر إلى الإيمان على أنه كما قال النبي ﷺ : "ما وقر في القلب وصدقه العمل". فالعمل إذن ثمرة المعرفة والعلم ولا قيمة لمعرفة أو علم لا يستفاد منه بالعمل. ويقول الإمام الغزالي في رسالته "أيها الولد المحب": "فلو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية وتعلمها ولم يعمل بها لا تفيده إلا بالعمل". وتشبه هذه العبارة عبارة أخرى تقول: "لو قرأت العلم مائة سنة وجمعت ألف كتاب لا تكون مستعدا لرحمة الله إلا بالعمل" و"العلم بلا عمل جنون والعمل بغير علم لا يكون" ويقول الغزالي في مكان آخر: "إن العلم والعمل مفتاح السعادة الأبدية". ويعتبر الغزالي أن عدم العمل والعلم انحراف؛ لذا يحذر منه لأنه تسيير للأمور في غير مجراها، ولأن صاحبه يندرج تحت علماء السوء. ويورد الماوردي في كتابه "أدب الدنيا والدين" قول سفيان الثوري بأنه مكتوب في التوراة "يابن آدم حرك يدك يسبب لك رزقك" أي أن كسب الرزق وتحصيله إنما يكون بالعمل لا بالتواكل ... وهو ما سبق أن أشرنا إليه وأكده الإسلام.

стр. 80

٤- التربية الإسلامية تربية فردية واجتماعية معا: تقوم التربية الإسلامية على تربية الإنسان تربية فردية ذاتية فهي تربية على الفضيلة ليكون مصدر خير لجماعته وتحمله مسئولية أعماله وتصرفاته، فكل امرئ بما كسب رهين. وكل مسلم راعٍ وهو مسئول عن رعيته. وفي نفس الوقت يربي الإسلام الفرد تربية اجتماعية، فالمسلم أخو المسلم. والمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. و "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسم إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى". وهي تربية تجرد الفرد من روح الأنانية البغيضة: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". و "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم". وتؤكد التربية الإسلامية على أهمية القدوة والوسط الاجتماعي في تنشئة الفرد. واهتمت بتكوين العادات الحسنة منذ النشأة الأولى للطفل لمخالطته للنماذج الطيبة وإبعاده عن قرناء السوء، فمثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير. كما اهتمت أيضا بالوسط الأسري الاجتماعي كعامل هام في تربية الفرد، فالإنسان يولد على الفطرة وأبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. إن من أهم الأسس التي تقوم عليها علاقة الفرد بالمجتمع في الإسلام هو أن الاتصال الصحيح للفرد بذاته هو الاتصال الصحيح بالآخرين. وقد اتجه الإسلام إلى إقامة مجتمع قوي بأفراده ويقوم على أساس العدل والمصلحة العامة والتكافل الاجتماعي، ولتحقيق هذه الغاية السامية اتجه الإسلام إلى تربية الفرد وتهذيبه ليكون مصدر خير لجماعته، كما اهتم بإقامة العدل في الجماعة الإسلامية. والمسلمون يتساوون في أخوة رفع الظلم بينهم. فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه وأمرنا الإسلام بالعدل في المعاملة وأن نعامل الناس بما نحب أن يعاملونا به، كما أمرنا بالعدل في الأحكام والقضاء والشهادة وغيرها. ويرى بعض علماء المسلمين أن أجمع آية لمعاني القرآن قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . ومن تمام التربية الاجتماعية للفرد محافظة الإسلام على المصالح الاجتماعية. ويرى جمهور الفقهاء المسلمين أن المصالح الاجتماعية تتركز في خمسة أمور يسمونها بالضرورات الخمس لأنها أمهات لكل الأحكام الفرعية. وهي واجبة على كل مسلم من أجل الحفاظ على نفسه وأهله ومجتمعه. هذه الأمور أو الضرورات هي: حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ المال

стр. 81

وحفظ النسل. ويكون الحفاظ على النفس بحمايتها وصيانتها والمحافظة عليها من أي سوء أو ضرر أو اعتداء عليها أو إزهاق لها إلا بالحق. وتكون المحافظة على العقل بحمايته من التلف ومن كل ما يعيقه عن أداء وظائف وفي مقدمتها التفكير. كما تكون أيضا بابتعاد الإنسان عن كل ما يذهب العقل أو يؤثر عليه سلبيا وفي مقدمة ذلك المسكرات والمخدرات بكل أنواعها. وقد حرمها الإسلام لإضرارها بالعقل وما يترتب على ذلك من فساد حال الإنسان. وتكون المحافظة على الدين بالالتزام بأوامره ونواهية وحماية العقيدة من الانحلال أو الانحراف. وتكون المحافظة على المال بكسبه عن طريق حلال وبترشيد انفاقه فيما شرع الله بالعدل وبدون تقتير أو تبذير، وبحمايته من النهب والسرقة وأكله بالباطل. وتكون المحافظة على النسل بالزواج الحلال والابتعاد عن الزنا وحسن اختيار الزوج أو الزوجة الصالحة التي إن نظر إليها زوجها سرته وإن غاب عنها حفظته. ويكون أيضا بحسن تربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة صالحة على غرار ما فصلناه في كلامنا عن تربية الطفل في الإسلام. وينبغي أن نشير إلى أن مسئولية الحفاظ على هذه الأمور الخمسة هي مسئولية مشتركة بين الفرد وبين المجتمع ممثلا في قوانينه وشريعته وأولي الأمر فيه. وهي بهذا مسئولية فردية اجتماعية معا.

стр. 82

٥- التربية الإسلامية تربية لضمير الإنسان: فضمير الإنسان هو الموجه لسلوكه والرقيب على أعماله. وقد حرصت التربية الإسلامية على تربية هذا الضمير ليكون حيا يقظا في السر والعلانية. فالله رقيب على تصرفات الإنسان حيثما كان. وعلى الإنسان أن يعبد الله كأنه يراه، والله يعلم السر والجهر ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ . قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ . والضمير الحي خير عاصم للإنسان من الزلل، وقوة كبيرة لحفزه على العمل، وعندما يعرف الإنسان أن هناك ربا يحاسبه على أعماله وأنه رقيب عليه حيث كان يفكر في كل عمل قبل أن يقدم عليه، وتربية الضمير تربية لإدارة الإنسان بحيث يصبح متحكما في تصرفاته ولا يكون رهن نزواته وشهواته، وفي تكوين الضمير لجأ الإسلام إلى أسلوب الثواب والعقاب وهو أسلوب يتمشى مع طبيعة النفس الإنسانية. وسنفصل الكلام عن الضمير الإنساني وعلاقته بالسلوك الأخلاقي فيما بعد.

стр. 83

٦- التربية الإسلامية تربية لفطرة الإنسان وإعلاء لدوافعه: تقوم التربية الإسلامية على التسليم بفطرة الطبيعة الإنسانية وأن الإنسان يولد بطبيعة إنسانية فطرية محايدة، وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "ما من مولود إلا ويولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" ويقول الله : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ . والتربية الإسلامية هي تربية لهذه الفطرة الإنسانية، وهي تعمل على تنمية الميل الفطري لدى الإنسان في معرفة ما يجهل وتستثمر حب المعرفة والبحث عن المجهول لديه. وقد استخدم الإسلام كل وسيلة ممكنة للوصول بهذا الميل الفطري إلى مرتبة الشغف بالعلم والتلهف الشديد المستمر لمعرفة ما في الوجود من معارف وأسرار. والتربية الإسلامية تربية لفطرة الإنسان لأن الإسلام دين الفطرة وكل أوامره ونواهيه وتعاليمه تعترف بهذه الفطرة وتتمشى معها ولا تخالفها, واعترفت التربية الإسلامية من ناحية أخرى بجوانب الضعف في الطبيعة الإنسانية ولم تحملها فوق طاقتها. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ... وأساس التكليف في الإسلام الاستطاعة فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. والتربية الإسلامية في تربيتها لفطرة الإنسان تتمشى مع روح الإسلام التي تقوم في أساسها على التوسط والاعتدال فخير الأمور الوسط، وقد أمرنا ديننا بالابتعاد عن الإسراف فالله لا يحب المسرفين، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ، ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ ، ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ ، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ... وغيرها من الآيات الكريمة التي تبين روح التوسط في الإسلام. وتسمو التربية بالإنسان وتعلي من شأنه باعتباره خليفة الله في

стр. 84

الأرض؛ ولهذا كرم الله بني آدم وفضلهم على كثير من خلقه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ، ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ... ويقتضي هذا السمو إعلاء لغرائز الإنسان حتى لا يكون عبدا لهذه الغرائز وينحط إلى مستوى الحيوان. ونحن نستخدم كلمة الغرائز هنا لتعني الدوافع الفطرية في الإنسان. وقد عنيت التربية في الإسلام بأن تنشئ الفرد على التحكم في رغباته وعدم الانسياق وراء شهوته ونزواته، فموقف الإسلام الاعتدال والتوسط كما أشرنا، ويمكننا أن ننظر إلى الصوم على أنه إعلاء لشهوة الطعام عند الإنسان، كما أن الصوم أيضا إعلاء لشهوة الجنس لديه ... وقد ورد في الحديث "من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ... أي حماية وعصمة من الخطأ والانسياق وراء النزوات. وطريقة الإسلام في الإعلاء لنوازع الإنسان ودوافعه تقوم على أساس وضع معايير وأهداف عليا للحياة الإنسانية وتكوين الإدارة القوية للإنسان. وهي عملية تدريب على الضبط الإداري للإنسان وتحكمه في شهواته وبواعث الهوى لديه والتحكم في عواطفه ومشاعره بقوة الإرادة. فلا يسلم نفسه للغضب يسيطر عليه ولا الغلط يتحكم فيه ولا الرغبة في الانتقام تتسلط عليه. كما تعود الإنسان على القيام بالأعمال الصالحة وشغل وقت فراغه بطريقة مفيدة بناءة فيما يفيده ويعود عليه النفع إما بالعمل والعبادة أو التسلية التي لا ضرر فيها وبالأمور المتاحة مثل الرياضة الجسمية والعقلية. وبفكر الإنسان يستطيع أن يغلب العقل على الهوى ... فإذا استخدم الإنسان عقله تغلب به على الهوى والعكس صحيح. وفي ذلك يقول الإمام الغزالي: "الفكرة مترددة بين الشهوة والعقل ... والعقل فوقها والشهوة تحتها، فمتى مالت الفكرة نحو العقل ارتفعت وشرفت وولدت المحاسن، وإذا مالت إلى الشهوة تسفلت إلى أسفل السافلين وولدت القبائح" "الغزالي: ميزان العمل ص٥٦" قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

стр. 85

٧- التربية الإسلامية تربية موجهة نحو الخير: ذلك أن مجيء الإسلام كرسالة كان من أجل الرحمة بالبشر. وقد خاطب نبيه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . إن التربية الإسلامية موجهة لما فيه خير الفرد والمجتمع فهي توجه الإنسان إلى الفضيلة بالالتزام بالخلق الكريم والتحلي بجميل الصفات ومعاملة الناس بالحسنى "فالدين المعاملة"، وحث الإسلام المسلمين على الخير وكل ما فيه سعادة الناس جميعا وجعل حب الخير للآخرين من تمام الإيمان "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". كما اهتم بتنمية نزعات الخير في الإنسان من تعاطف وتراحم وتواد وتآخ وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر و "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى". ويقول الغزالي: "إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الحق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكننا نعني بالمصلحة على مقصود الشرع من الخلق خمسة. وهو أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم؛ فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة. وكل ما يفوت هذه الأصول الخمسة فهو مفسدة ودفعها مصلحة" "الغزالي: المستصفى. ج١، ص٢٨٧". وجعل الإسلام مصالح العباد من أفضل العبادات، ويقول ﵊: "الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله". وقال الشاعر في نفس المعنى: الخلق كلهم عيال الله تحت سمائه ... وأحبهم طرا إليهم أبرهم بعياله والتربية الإسلامية تقوم على إقامة العدل في المجتمع الإسلامي ... ولإقامة العدل جوانب متعددة منها العدل في المعاملة "عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به" ومنها العدل في القضاء فالمسلمون سواء أمام الإسلام لا فضل لغني على فقير ولا لقوي على ضعيف ولا لعربي على عجمي، ومنها العدل الاجتماعي؛ فالقوي يساعد الضعيف، والغني يساعد الفقير بل وفي أموال الأغنياء حق معلوم للسائل والمحروم، ومن العدل أيضا التساوي بين الناس في الحقوق والواجبات، ومن هذه الحقوق حق العمل وحق التعليم. وفي تفسير ما يتعلق بالتعليم قال بعض فقهاء المسلمين إنه يجب أن يكون التعليم على ثلاث مراحل

стр. 86

المرحلة الأولى فرض عين فيها يتعلم كل شباب الأمة الإسلامية، فمن كان يستطيع بكفاءته الفكرية التي كشفتها تلك المرحلة أن يدخل الثانية دخلها، ومن وقفت كفاءته الفعلية عن الدخول فيه وقف عند فرض كفاية تحتاج إليه الجماعة إذ الأمة في حاجة إلى عمال يدويين وزراع يفلحون ويقومون على الحرث، وإلى من يمهرون في الصناعات المختلفة التي لا تحتاج إلى تفكير كثير وإنما إلى أيد ماهرة كسبت مهارتها بالتمرين والعمل. والذين اجتازوا المرحلة الثانية بنبوغ يدخلون المرحلة العليا وهي الثالثة، ومن وقف دون الدخول في هذه الأخيرة وقف عن فرض كفاية فإن الجماعة محتاجة إلى ذوي ثقافات متوسطة ليشرفوا على الأعمال ويديروا نظامها. ومن اجتازوا المرحلة العليا كان منهم قادة الفكر والمخترعون وبمقدار قواهم الفكرية لا بمقدار عددهم تكون قوة الأمة الإسلامية وعظمتها المادية والروحية، فالاعتبار في هؤلاء بقواهم لا بالأعداد الكثيرة "محمد أبو زهرة. ص٨٤". إن إحدى الغايات الرئيسية المنشودة في التربية الإسلامية غاية أخلاقية تقوم على تربية الإنسان الخير الذي يحيا حياة خير بعيدة عن الشر والأذى على المستوى الفردي والاجتماعي.

стр. 87

٨- التربية الإسلامية تربية مستمرة: فهي تربية لا تنتهي بفترة زمنية معينة ولا بمرحلة دراسية محددة وإنما تمتد على طول حياة الإنسان كلها، فهي تربية من المهد إلى اللحد. وهي تربية متجددة باستمرار تنمي شخصية الفرد وتثري إنسانيته، كما أنها تأخذ به إلى الأمام في طريق النمو والتقدم المستمرين. إن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة فهي تتغير وتتطور ولا بد للإنسان أن يساير هذا التطور وإلا تخلف عن ركب الحياة. والإسلام يساير التطور باستمرار لأنه صالح لكل زمان ومكان؛ لأنه يستند إلى كتاب أحكمت آياته وفصلت، والشريعة الإسلامية مطاوعة لكل زمان ومكان ومتمشية مع كل عصر، وذلك لتطور الأحوال ودورانها على مصالح الناس واحتياجاتهم المتجددة، والتربية الإسلامية هي انعكاس صادق لهذا التطور المستمر. وقد ورد عن علي بن أبي

стр. 88

طالب قوله: "علموا أولادكم غير ما علمتم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم". وفي الإسلام ليس هناك نهاية أو سن محدودة لطلب العلم، ويقول الزرنوجي في "تعليم المتعلم طريق التعلم" إنه لا عذر لصحيح الجسم والعقل في ترك طلب العلم مهما كان عمره. وسئل أبو عمرو بن العلاء: حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ أجاب: ما دامت الحياة. وسئل حكيم: ما حد التعليم؟ فأجاب: حد الحياة. وسئل ابن المبارك: إلى متى تتعلم؟ قال: إلى آخر يوم في عمري فلعل الكلمة التي تنفعني لم أتعلمها بعد. ويرى ابن قتيبة أنه "لا يزال المرء عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل" فالحكمة ضالة المؤمن ينشدها حيثما كانت ما دامت فيه الحياة، وقد أشرنا إلى الرحلة في طلب العلم في الإسلام في مكان آخر في هذا الكتاب. ويقول الماوردي في هذا المعنى: - اعلم أن العلوم شريفة ولكل علم منها فضيلة، والأحاطة بجميعها محال، قيل لبعض الحكماء: من يعرف كل العلوم؟ فقال: كل الناس. وروي عن النبي ﷺ قال: "من ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حقه ووضعه في غير منزلته التي وضعه الله بها، حيث يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وفوق كل ذي علم عليم". وقال بعض العلماء: لو كنا نطلب العلم لنبلغ غايته لكنا قد بدأنا العلم بالنقيصة، ولكنا نطلبه لننقص في كل يوم من الجهل ونزداد في كل يوم من العلم. وسئل سفيان بن عيينة: من أحوج الناس على طلب العلم؟ قال: أعلمهم، لأن الخطأ منه أقبح. وحين انقطع أبو يوسف عن حضور مجلس أبي حنيفة واتخذ لنفسه منفصلا كتب إليه أبو حنيفة بما أعجزه عن الجواب ثم علق على عجزه بقوله: من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه. وسئل عبد الله بن المبارك: إلى متى تطلب العلم قال: حتى الممات إن شاء الله. لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد. قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل لا يولد عالما وإنما العلم بالتعلم. وقد قال الشاعر العربي في هذا المعنى: تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل

стр. 89

٩- التربية الإسلامية تربية متدرجة: قلنا إن هدف التربية الإسلامية بلوغ الكمال الإنساني بالتدريج. وهذا التدرج صفة مميزة للتربية الإسلامية؛ ذلك أن التربية الإخلاقية تتأتى للفرد بالتدرج. وقد كان الإسلام نفسه في أول أمره تربية متدرجة للعرب ... فقد نزلت آياته وأحكامه بالتدرج لفترة تزيد عن ثلاث وعشرين سنة. ويعتبر التدرج في التربية الأخلاقية أساسا من الأسس المعروفة في التربية الإسلامية. فالتربية نفسها عملية أخلاقية واكتساب الأخلاق بما فيها التحلي بالفضائل والترفع عن الرذائل عملية تحتاج إلى وقت حتى يكتسب الإنسان السلوك المطلوب والعادة المرغوبة. إن الإسلام في تربيته للمسلمين الأوائل لم ينتقل بهم طفرة من أخلاقهم القديمة إلى الأخلاق الإسلامية الجديدة. إنما تدرج معهم في الأمور حتى تؤتي التربية نتائجها وثمارها. وهكذا لم يكلف المسلمون في أول عهدهم بالإسلام بما يشق عليهم فعله أو تركه. وسلك الإسلام بهم سبيل التدرج والرفق حتى يتهيئوا للتكليف فالصلاة مثلا في أول الأمر لم تفرض عليهم خمس مرات في اليوم بل طلبت منهم بالغداة والعشي، ولم تفرض عليهم الزكاة والصيام إلا بعد الهجرة بسنة، وكان التكليف قبل ذلك بما استطاعوا من صدقة أو صوم. ومن المعروف أيضا أن تحريم الخمر على المسلمين تم على مراحل، وبعد أن تدرج القرآن معهم حتى انتهى بهم إلى تحريمه بطريقة طبيعية. ولم يحرم عليهم الميسر وكثيرا من عقود الزواج والربا والمعاملات التي كانت يتعاملون بها في جاهليتهم إلا بالمدينة. "عبد الوهاب خلاف: ص٢٨٩". وقد اهتم الإسلام بتوفير الضمانات المناسبة لتنشئة الخلف الصالح فأوصانا بأن نتخير من البداية لنطفنا فإن العرق دساس. كما طالبنا باختيار الزوجة الصالحة المتدينة لأنها أساس تربية الأبناء. قال رسول الله ﷺ : "ما ورث والد ولدا خيرا من أدب حسن" وقد اهتم الإسلام بتنشئة الطفل من ولادته. ويشير الغزالي إلى أهمية المرضعة وأثر لبنها على أخلاق الطفل الرضيع، فيقول: "فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، فإذا وقع عليه نشوء الصبي عجن طينته من الخبث فيميل طبعه إلى ما يماثل الخبائث" "الغزالي: الإحياء ج٢ ص٧٢" وقد

стр. 90

ورد عن النبي ﷺ قوله: "لا تسترضعوا الورهاء" أي الحمقاء. ويقول ابن سينا "فإذا فطم الصبي عن الإرضاع بدئ بتأديبه ورياضته قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة، وتفاجئه الشيم الذميمة ... فإن الصبي تبادر إليه مساوئ الأخلاق وتنثال عليه الضرائب الخبيثة فما تمكن منه من ذلك غلب عليه فلم يستطع له مفارقة ولا عنه نزوعا ... فينبغي لمعلم الصبي أن يجنبه مقابح الأخلاق وينكب عنه معايب العادات بالترغيب والترهيب بالإيناس والإيحاش وبالإعراض والإقبال وبالحمد مرة وبالتوبيخ أخرى ما كان كافيا" "ابن سينا: كتاب السياسة ص١٢". وقد اهتم المربون المسلمون بضرورة مراعاة التدرج في التعليم، ويقول الغزالي في ذلك: إن أول واجبات المربي أن يعلم الطفل ما يسهل عليه فهمه لأن الموضوعات الصعبة تؤدي إلى ارتباكه العقلي وتنفره من العلم. ويطالب الغزالي المعلم ألا يخوض في العلم دفعة واحد بل يتدرج فيه مع مراعاة الترتيب، ويبتدئ بالأهم وكذلك ينبغي عليه ألا يخوض في علم إلا بعد أن يستوفي ما قبله فالعلوم مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طريق بعض. ويشاركه في ذلك ابن سحنون والماوردي وابن خلدون وغيرهم من المربين المسلمين.

стр. 91

١٠- التربية الإسلامية تربية محافظة مجددة: التربية الإسلامية تربية محافظة مجددة، فهي محافظة بما تقوم عليه من مبادئ سماوية راسخة ثابته، وقيم أصيلة عريقة تمتد بجذورها في التاريخ إلى ما يقرب من خمسة عشر قرنا من الزمان. وتعمل التربية الإسلامية على استمرار هذه المبادئ والتقاليد والقيم ونقلها إلى الأجيال الإسلامية المتعاقبة، وهي تقوم بهذا الدور الأصيل للتربية في التنشئة الاجتماعية للأفراد وتشكيل شخصياتهم الإنسانية الإسلامية ليشبوا مسلمين. ولكن التربية الإسلامية ليست تربية محافظة فحسب، وإنما هي تربية مجددة ... فالإسلام صالح لكل زمان ومكان، والمسلمون تتجدد أحوالهم بتجدد ظروف هذا الزمان والمكان، ولذلك كان على التربية الإسلامية أن تكون متجددة لتواجه متطلبات العصر ولتفي بالمطالب المتجددة لحاجات المسلمين ومصالحهم على مر العصور والأزمان. وقد سبق أن أشرنا إلى قول علي بن أبي طالب: "علموا أولادكم خير ما تعلمتم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم".

стр. 92

١١- التربية الإسلامية تربية إنسانية عالمية: فهي تربية لها صفة العموم التي تتصف بها رسالة الإسلام. فهي للناس كافة ولا تقتصر على فئة معينة من الناس كالعرب مثلا. وإنما هي تربية عامة لك البشر والإنسانية. وهي تربية بعيدة عن التعصب أو التمييز العرقي أو الاجتماعي فلا شعوبية في الإسلام ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . وورد عن النبي ﷺ : "أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب". وهي تربية يتساوى فيها الجميع والتفاضل بينهم يكون على أساس التقوى والإيمان لا الحسب والنسب والجاه. وهكذا يؤكد الإسلام على وحدة الألوهية ووحدة البشرية والإنسانية. والمسلمون متساوون في العبودية المطلقة لله . وقد ألزم الإسلام نبيه بالعدل ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ، كما أمره بالمساواة في المعاملة بين الناس دون تمييز فالمسلمون سواء في الحقوق أو التكاليف والمسئوليات. ويقول ﵊: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم حرب على من سواهم"، والتربية الإسلامية تربية إنسانية لأنها تقوم على أخوة الإيمان ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ، "والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره"، فالمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ومن كل عرق ولون أعضاء في الأسرة الإسلامية الواحدة يؤلف الإسلام بين قلوبهم ويجمعهم على قلب رجل واحد في جسد واحد، وهي تربية عالمية والإسلام رسالة عالمية جاء للناس كافة وعالمية الرسالة الإسلامية تعني أيضا عالمية التربية الإسلامية.

стр. 93

أساليب التربية الإسلامية أسلوب القدوة الصالحة ... أساليب التربية الإسلامية: يقوم منهج التربية الإسلامية على أساليب متنوعة بحسب مناسبتها لتحقيق الغرض المطلوب منها. على أن هذه الأساليب تتكامل فيما بينها لتناسب كل المواقف وتتكيف حسب الأغراض. ومن أهم هذه الأساليب: ١- أسلوب القدوة الصالحة: للقدوة الصالحة أهمية كبرى في تربية الفرد وتنشئته على أساس سليم ولا سيما في الفترة الأولى من حياة الإنسان حتى مرحلة النضج والبلوغ. فالطفل منذ ولادته يكتسب ألوان السلوك من خلال تقليده ومحاكاته للآخرين ويتوقف ما يكتسب الطفل من عادات مرغوب فيها أو غير مرغوب فيها على نوع القدوة التي تعرض في تربيته، وهذا يؤكد أهمية القدوة في تحديد سلوك الإنسان والعادات التي يكتسبها، وتؤكد التربية الإسلامية أهمية أسلوب القدوة الصالحة في تنشئة الأجيال الإسلامية تنشئة سليمة يتحقق معها الخير لأنفسهم والمسلمين جميعا. وقديما قال الشاعر: وكل قريب بالمقارن يقتدي وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عودة أبوه وقد دعانا الإسلام إلى الاقتداء بالرسول نبينا الكريم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وضرب الرسول ﵇ مثل الجليس الصالح والجليس السوء وشبههما ببائع المسك ونافخ الكير. وهذا يعني أن نتخير لأبنائنا ولأنفسنا القدوة الصالحة التي يكون في تقليدها الخير والمنفعة والابتعاد عن مخالطة قرناء السوء تجنبا للشر ودفعا لمضرة. كما يجب أن يكون الأبوان في المنزل والمعلمون في المدرسة نماذج طيبة في السلوك حتى يساعدوا الناشئة على تشرب العادات الإسلامية الطيبة منذ نعومة أظفارهم. وينبغي أن يدرك المعلمون ذلك تماما وأن يتعدوا حدود النظرة الضيقة التي تحدد ميدان تأثيرهم على تلاميذهم في مادة تخصصهم التي يدرسونها لهم.

стр. 94

٢- أسلوب الثواب والعقاب: يعتبر أسلوب الثواب والعقاب من الأساليب والطبيعية التي تستند إليها التربية في كل زمان ومكان. فهذا الأسلوب يتمشى مع طبيعة الإنسان حيثما كان، وأيا كان جنسه أو لونه أو عقيدته فالإنسان يتحكم في سلوكه ويعدل فيه بمقدار معرفته بالنتائج الضارة أو النافعة والسارة والمؤلمة التي تترتب على عمله وسلوكه. والتربية الإسلامية تستخدم أسلوب الثواب والعقاب لما له من أهمية بالغة في التنشئة الصالحة لأبنائنا. فأسلوب القرآن الكريم في تصوير الجنة ونعيمها والنار بأهوالها وعذابها إنما هو أسلوب مناسب لطبيعة الإنسان التي تسعى دائما وراء المنفعة وتبتعد ما أمكن عن المضرة. وهكذا يصبح الجزاء من جنس العمل وهو مبدأ منطقي لا يستطيع أحد أن يجادل فيه ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ . والآباء في تعاملهم مع أبنائهم والمعلمون مع تلاميذهم بل والمجتمع الإسلامي الكبير يستخدم هذا الأسلوب التربوي على أوسع نطاق. بيد أنه ينبغي أن نشير إلى أن الأسلوبين وإن كانا لازمين في الاستخدام لتفاوت طبائع الناس واختلافهم في الامتثال للأصول والقواعد الإسلامية لا يتساويان في قيمة الأثر الذي يحدثه كل منهما. فأسلوب الثواب أفضل من أسلوب العقاب والترهيب؛ لأن الأسلوب الأول إيجابي وأثره باقٍ؛ لأنه يعتمد على استثارة الرغبة الداخلية للإنسان. في حين أن الأسلوب الثاني سلبي وأثره موقوت لأنه يعتمد على الخوف. وقد ضرب الله لنا مثلا بأنه وإن كان يحاسب الناس على ذنوبهم يترك الباب مفتوحا أمامهم للتوبة والعودة إلى الله ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ . و ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ وفي حين أن الله يضاعف الحسنات لأصحابها فإنه يتجاوز عن السيئات في الحدود التي أوضحها لنا. ويكون استخدام العذاب أو العقاب بعد أن تكون الأساليب الأخرى من نصح وهداية وإرشاد قد عجزت عن أن تحقق المطلوب منها. وهذا يعني أن يعول في التربية الإسلامية على أسلوب الثواب والترغيب بصورة أكثر ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ . إن الإنسان معرض للخطأ والوقوع فيه. فجل من لا يخطئ، ومن منا كملت صفاته؟ ولذلك نجد أن الأسلوب الإصلاحي للتربية الإسلامية يفتح الباب أمام العودة إلى الطريق السليم. وفي هذا صلاح للمذنب أو المخطئ وإلا تمادى في خطئه. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . وفي الحديث الشريف: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".

стр. 95

٣- أسلوب التوجيه والنصح: وهو من الأساليب المعروفة في التربية الإسلامية وله تأثيره الحسن في النفوس؛ لأنه يتطرق إلى النفس الإنسانية من مداخلها الحقيقية، ويجعل الناصح في نظر المنصوح شخصا طيب النوايا حريصا على المصلحة. ومن هنا يكون لكلامه قبول حسن. ويكون هذا الأسلوب فعالا ويؤتي ثماره عندما يكون النصح صادرا من القلب. لأن ما يصدر عن القلب يصل على القلب. وفي القرآن الكريم عظات كثيرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ . بل إن القرآن كله موعظة وهدى ورحمة للمؤمنين. وفي أسلوب التوجيه والنصح مجال كبير للمعلمين في توجيه طلابهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم وإلى ما فيه رقي مجتمعهم وأمتهم. إلا أنه ينبغي على المعلم أن كون ذكيا لبقا في نصحه. وأن يبتعد عن أسلوب الأوامر والنواهي على طريقة اعمل كذا ولا تعمل كذا. فإن هذه الطريق إلى جانب أنها قد تكون منفرة للمتعلم لا تحقق الهدف المنشود منها. وأولى للمعلم أن يستخدم الأسلوب غير المباشر في النصح والتوجيه كأن يستعين بالقصص. وللقصص كما هو معروف أثر في النفوس. ويمكن أن تتضمن القصة المغزى الأخلاقي أو التربوي المرغوب. وقد جاء القرآن الكريم بالقصص المعلمة ذات المغزى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ و ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ . ويمكن للمعلم أيضا أن يستعين بدروس من التاريخ وما فيه من عظات وعبر. فكم من أمم هوت لفساد أخلاق أبنائها، وكم من حضارات انهارت لتفكك مجتمعاتها وانحلالها. وكم من أناس هلكوا لطغيانهم وكفرهم وغير ذلك من الدروس التاريخية التي يمتلئ بها القرآن الكريم وكتب التاريخ.

стр. 96

٤- أسلوب الحوار والمناقشة: من الأساليب التي تقوم عليها التربية الإسلامية في توجيه الإنسان نحو الحق والخير أسلوب الحوار والمناقشة والإقناع والاقتناع عن طريق العقل والمنطق. والقرآن الكريم مليء بالأمثلة التي تؤكد أهمية الصبغة العقلية للإنسان. وعلينا كمسلمين أن نستخدم عقولنا في التمييز بين الصواب والخطأ. وبين الصالح والطالح من الأمور. وقد ضرب الله مثلا لرسوله الكريم بأن يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعطة الحسنة ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ . ويتضمن أسلوب الحوار والمناقشة في التربية الإسلامية ضرورة تعريف الناشئة بالأساس العقلاني والمنطقي لأي قضية مطروحة أمامهم، وألا يرددوا المعلومات ترديدا أعمى دون فهم لمضمونها الحقيقي. أو دون إدراك لارتباطها بواقعهم الفردي والاجتماعي. كما يجب أن تتاح لهم الفرصة للمناقشة الجادة البناءة التي تحلل أبعاد الموضوع المطروح للمناقشة وتلقي الضوء على جوانبه المختلفة. ومن الطرق التي يمكن أن يلجأ إليها المعلم لإقناع التلاميذ في الأمور الدينية ولا سيما في الغيبيات أن يوضح لطلابه أن هناك أنواعا مختلفة من المعرفة من بينها المعرفة اللدنية الغيبية والنقل عن السلف الصالح، وأن هذا اللون من المعرفة قد يقصر عقل الإنسان عن فهمه وتصوره وما أكثر الأمور التي تبين ذلك حتى في ميدان العلم الطبيعي أو التجريبي، والكون من حولنا مليء بالظواهر التي لا نراها ولا نحسها ولا نسمعها ومع ذلك لا يستطيع أحد أن ينكر وجودها، ومن أمثلتها الموجات الصوتية والضوئية فهناك كائنات متناهية في الدقة مثل دبيب النمل لا يمكن سماعه بالأذن العادية. وهذه أمور موجودة لم يكن يعلم الإنسان من قبل عنها شيئا. وقد يصعب على العقل مثلا تصور اختراق الأشعة السينية للأجسام الصلبة. وليس من الضروري أن تستدل على الشيء بوجوده المباشر، وإنما عن طريق آثاره، فقديما قالوا: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير. ومظاهر إبداع الكون تدل بالتالي على عظمة خالقه. والعلم الحديث يأخذ بهذا الأسلوب في التفكير، فالطاعة مثلا هو موضوع علم الطبيعية برمته، ومن الصعب تعريفها تعريفا مباشرا إلا من خلال آثارها التي تحدثها أو من خلال ما يعرف "بالتعريف الإجرائي" الذي يعرف الظاهرة بإجراءاتها وعملياتها التي تتضمنها. ونحن في التربية لا نعرف على وجه التحديد ماذا يحدث في عقل الإنسان نتيجة لعملية التعلم. نحن نسلم بأن الإنسان يتعلم ألوانا من المعارف والسلوك والمهارات أما كيف يحدث هذا التعلم في الإنسان وما الأثر الذي يحدثه

стр. 97

في عقله؟ فهذا اجتهاد للنظريات الكثيرة التي تحاول تفسير التعليم عند الإنسان. والحياة نفسها فيها المعقول واللامعقول. ونحن قد نرفض قبول الجانب اللامعقول فيها عندما نفكر بطريقة عقلية منطقية. ومع ذلك نحن نعيش هذا الواقع ونتأثر به. كم منا مثلا من يسلم علميا أو منطقيا بما يقال أحيانا "من عاش بالصحة مات بالمرض" أي أنه من يعيش ملتزما تماما بالأصول الصحبة لا بد أن يموت مريضا، ومع ذلك فإن الحياة قد تظهر لنا في بعض الأحيان أنه أحد قوانينها. والنظرية العلمية نفسها ليست خالدة، وكم من نظريات العلم التي سادت التفكير في فترة ما ثبت خطؤها أو عدم صحتها فيما بعد. وأرجو ألا يفهم من ذلك أنني أشكك في العلم أو أقلل من أهمية منجزاته، فإنني أردت من كلامي السابق أن أبين اختلاف أساليب الإقناع وأن العقل الإنساني نفسه محدود والإنسان قد يصل إلى الاقتناع العقلي، ومع ذلك يكون أسيرا لعادة تحكمت فيه، فكثير منا مثلا مقتنع بمضار التدخين ومع ذلك لا يستطيع أن يمتنع عنه. وقد يكون الإنسان مقتنعا بشيء من الناحية العقلية المنطقية لكنه غير مقتنع من الناحية العاطفية أو الوجدانية مما يحول بينه وبين السير في الطريق الذي يمليه التفكير العقلي والمنطقي، ويبدو هذا الأمر بوضوح في المسائل التي تتصل بعواطف الإنسان، ولذلك تهتم التربية الإسلامية بتربية الإنسان المسلم تربية سليمة تمكنه من التحكم في عواطفه والسيطرة عليها والبعد عن التعصب الأعمى. ويجب أن يهتم المعلم في إقناعه لتلاميذه بالأساس العقلي الذي يساعد تزكية العواطف النبيلة لدى الإنسان ومثله العليا في الحق والخير والجمال. ويؤكد ابن خلدون أن الطريقة الصحيحة في التعليم هي التي تهتم بالفهم والوعي والمناقشة لا الحفظ الأعمى عن ظهر قلب، ويشير إلى أن "ملكة العلم" إنما تحصل بالمحاورة والمناظرة والمفاوضة في مواضيع العلم وهو يعيب طريقة الحفظ عن ظهر قلب ويعتبرها مسئولة عن تكوين أفراد ضيقي الأفق عقيمي التفكير لا يفقهون شيئا ذا بال في العلم. والواقع أن المربين المسلمين قد اهتموا بأسلوب المناظرة والحوار في التدريس

стр. 98

واعتبروه أسلوبا مفضلا مجديا في التعليم. يقول الزرنوجي: إن قضاء ساعة واحدة في المناقشة والمناظرة أجدى على المتعلم من قضاء شهر بأكمله في الحفظ والتكرار. وقد احتاط المربون المسلمون من سوء استخدام أسلوب المناظرة والحوار بأن له بعض الشروط التي تجعل منه أسلوبا فعالا للتعلم والبحث العلمي من أهمها أن يكون هدف المناظرة الوصول إلى الحقيقة لا التضليل وحب الانتصار بالباطل. كما يشترط في المتناظرين الإلمام بموضوع المناظرة والتحلي بالهدوء وسعة الصدر وعدم التكلف وغيرة الصدر. ومع أن أسلوب المناظرة هو أقرب إلى الدراسات العالية فإننا نجد صورة مبسطة منه في أسلوب الحوار والنقاش الذي يدبره المعلم مع تلاميذه ليحفزهم على التفكير.

стр. 99

٥- أسلوب المعرفة النظرية: يعتبر أسلوب المعرفة النظرية من أقدم وأشيع الأساليب المستخدمة في التربية. وهو يعتبر من الأساليب التي تقوم عليها التربية الإسلامية. وللمعرفة والعلم قيمة حقيقية في الإسلام فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون بصرف النظر عن ماذا يعلمون. وقد أشرنا في مكان آخر إلى أن الإسلام اعتبر العلم طريقا لطاعة الله وخشيته. كما سبق لنا أن بينا بالتفصيل مكانة العلم في الإسلام والمعرفة النظرية مهمة في حد ذاتها لأنها تنمي عقل الإنسان وفكره وتساعد على تكوين خلفية ثقافية تمكنه من التعامل مع مجتمعه وتساعده على القيام بدور المواطنة الصالحة فيه، ولقد تعالت الصيحات من جانب المربين يتساءلون حول جدوى المعرفة النظرية، وانتقدوا التعليم المعاصر لأنه تعليم لفظي نظري يفتقر إلى مغزاه الوظيفي والتطبيقي، وقد ترتب على ذلك عزلة التعليم عن مجتمعه ونفور الطلاب في بعض الأحيان منه وعزوفهم عنه. وقد حدا هذا الوضع ببعض المربين إلى وصف المعلمين بأنهم أناس يحاولون أن يعلموا أناسا أخرين أشياء لا يرغبون في تعلمها. وقد تكون في الأمر بعض المبالغة التي تغلف ما في هذه الدعوى من صحة. ولكن ذلك لا يقلل بأي حال من الأحوال من المعرفة النظرية. ولن يكف التعليم المدرسي في يوم ما عن تقديم هذا اللون من المعرفة لضرورته وأهميته. إن أية فكرة عملية لا بد أن تبدأ بفكرة في عقل الإنسان يفكر بالرموز. والإسلام كما أشرنا يحترم العلم وأهله ويقدرهم. كما أنه يعتبر المعرفة أساس المساءلة ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . ولكن التربية الإسلامية في اهتمامها بأسلوب المعرفة النظرية كأحد الأساليب التي تستخدمها فإنها أيضا تؤكد أهمية الأساليب الأخرى التي تتكامل فيما بينها لتكون المنهج الشامل للتربية في الإسلام.

стр. 100

أسلوب الممارسة العملية ... ٦- أسلوب الممارسة العلمية: من الأساليب التي تهتم بها التربية الإسلامية الممارسة العملية. وقد سبق أن أشرنا إلى أن التكاليف الإسلامية كلها والمبادئ الرئيسية للإسلام من شهادة بواحدانية الله ونبوة محمد ﷺ وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان إنما تتطلب ممارسة وأسلوبا عمليا من جانب الإنسان. ويجب أن يتطابق سلوك المسلم الحق مع ما في ضميره وقلبه "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". وأن الله يحاسبنا على أعمالنا بمقدار ما ترتبط هذه الأعمال بنوايا الإنسان وسرائره. فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وينبغي على المربي المسلم أن يهتم بتنمية السلوك العلمي الرشيد، وأن يدرك أن تلاميذه إنما يحسن تعليمهم إذا هم مارسوا ما تعلموه من خلال خبرتهم وتجربتهم المباشرة. كما يجب أن يهتم العلم بإظهار الجوانب الوظيفية التطبيقية لما يتعلمه التلميذ في واقع حياته كفرد في واقع المجتمع الإسلامي الكبير. إن الناشئة الصغار لا يمكن أن يتعلموا ألوان السلوك الديني والاجتماعي إلا إذا مارسوها وأصبحت عادة لديهم وهذا يعني ألا يقتصر المعلم على المعرفة اللفظية وإنما يجب أن يتعدى ذلك ليربط بين الفكر والعمل والنظرية والتطبيق.

стр. 101

٧- أسلوب الرسم والإيضاح: ومن أساليب التربية الإسلامية الرسم والإيضاح. فقد كان الرسول ﷺ يشرح لأصحابه بالرسم والشكل بعض المفاهيم الهامة تقريبا لأذهانهم وقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قوله: "خط لنا رسول الله ﷺ خطا مربعا، وخط خطا خارجا منه، وخط خطوطا صغارا إلى هذا في الوسط من جانبه الذي في الوسط. فقال: "هذا الإنسان وهذا أجله محيط به، وهذا الذي خارج "أي خارج عن الخط" أمله. وهذه الخطوط الصغار والأعراض هو الحوادث والنوائب المفاجئة. فإن أخطأ هذا نهشه هذا، وإن أخطأ هذا نهشه هذا. وإن أخطأه كلها أصابه الهرم". وهذا هو المخطط الذي خطه ﵊ "نقلا عن عبد الله علوان: ص٧١٧"

стр. 102

٨- أسلوب التلقين والحفظ: ساد أسلوب التلقين والحفظ في الممارسات التعليمية القديمة، وما زال يمارس حتى الآن. ويرجع ذلك بالطبع إلى التصور الذي كان يؤمن به المعلمون بالنسبة لعملية التعلم؛ فقد كان الهدف من التعليم في نظرهم حشو عقل التلميذ بالمعلومات عن طريق الحفظ والتلقين، وكأن التحصيل الدراسي غاية في ذاته وقيمة التليمذ تقاس بمقدار ما حفظه من معلومات وتحصل في عقله من معارف وليست التربية الإسلامية وحيدة زمانها في ذلك وإنما هي ممارسة شاعت في التعليم في مختلف المجتمعات وعلى مر العصور والأزمان. وتركز الطريقة التلقينية على تعليم المواد الدراسية وتعطيها كل عنايتها دون اهتمام خاص أو عناية بالمتعلم نفسه. وقد انتقد المربون المسلمون الطريقة التلقينية وطريقة الحفظ بدون فهم وفضلوا عليها طريقة المناقشة، والحوار.

стр. 103

أسلوب الرسول الكريم: يشير عبد الله علوان "ص٧٢١" إلى الأساليب التربوية التي يتبعها النبي ﷺ في توجيه الصغار والكبار وإرشادهم وتنوير أذهانهم وتفتيح عقولهم فيقول كان ﵊ لا يختص بأسلوب واحد في إرشاد الناس وهدايتهم وإصلاحهم وتوجههم. وإنما كان ينتقل بهم من القصة إلى الحوار والاستجواب ومن التأثير الخاشع إلى المداعبة اللطيفة، ومن ضرب الأمثال إلى التوضيح بالرسم أو التمثيل باليد.. ومن الموعظة بالكلمة إلى الاقتداء بالفعل ومن التذكير بالقرآن الكريم إلى استجلاء العبرة بانتهاز المناسبة.. ومن السؤال المهم إلى السؤال الأهم، ومن النهي بالقول إلى النهي بالمشاهدة. ويعلق على ذلك ويقول: "لا يخفى ما في هذا التنوع من الأساليب من أثر كبير في ترسيخ المعلومات وإثارة الفهم وتحريك الذكاء وقبول الموعظة وقدح الفطنة والانتباه لدى المخاطب والولد.

стр. 104

التعليم الإسلامي خصائص التعليم الإسلامي التقليدي ... التعليم الإسلامي: بعض خصائص التعليم الإسلامي التقليدي: لنظام التعليم الإسلامي التقليدي صفات وخصائص كانت تميزه عن غيره من النظم من أهمها: ١- أنه نظام أكثر مرونة ويقل الاعتماد فيه على الإجراءات الإدارية والتنظيمية الكثيرة المتبعة في شئون الطلاب والمعروفة في النظم الأخرى. ومن الأمثلة التي توضح ذلك نظام الدراسة الذي كان متبعا في الماضي ونظام الدراسة الآن. ٢- أن التعليم فيه ممتد طول الحياة فالطالب يستطيع أن يتعلم مدى الحياة دون التقيد بسن أو زمان أو مكان. ومن المعروف أن التعليم الحديث في الدول المعاصرة على سبيل المثال لا يحبذ بقاء التلاميذ في التعليم مددا طويلة، وإنما ينتهي تعليمهم رسميا عند سن الإلزام. لكن هناك نظم متعددة لتعليم الكبار حتى مراحل عمرهم المتأخرة. ٣- أنه يقلل من أهمية الشهادات على عكس التعليم في الغرب. مع أنه كان يوجد نظام لها يعرف "بالإجازة" حيث يمنح الأستاذ إجازة "شهادة" لتلميذه. أي أنها إجازة لتدريس العلم الذي أجازه فيه، ويتصل بالإجازة ما يعرف

стр. 105

بالإسناد. والإسناد يعني تسلسل النقل من عالم لآخر في رواية الحديث وصحته أو في تدريس علم معين. مما يبرهن مصداقية الإجازة. فالطالب كان يستطيع أن يعرف مكانة أستاذه من قائمة إسناده أي قائمة أسماء العلماء الذين تلقى عليهم العلم، وكما كانت قيمة هؤلاء العلماء كبيرة زاد ذلك من قيمة الأستاذ العلمية. ٤- أنه كان يعتمد على تلقي العلم على يد أهله من الأساتذة لا من بطون الكتب. ولذا كانت الرحلة في طلب العلم سمة مميزة لعلماء المسلمين. وقد امتدح ابن خلدون الرحلة، في طلب العلم. وسبق أن أشرنا إليها. لقد انتقد التعليم الإسلامي في الماضي بأنه يركز منذ البداية على تعليم وتحفيظ القرآن قبل أن يتعلم التلميذ شيئا من العربية. وقد عاب ابن خلدون هذه الطريقة وفضل عليها طريقة ابن العربي في الأندلس التي تبدأ بتعليم اللغة والأدب ثم القرآن. وقد أثار بعض النقاد المحدثين من الغرب انتقادات مماثلة واعتبروا التعليم الإسلامي على هذا النحو قليل الجدوى من الناحية التربوية، وأشاروا إلى أنه في كثير المجتمعات الإسلامية غير المتحدثة بالعربية يردد التلاميذ آيات القرآن دون أن يعرفوا معناه "BRAY: P.٨٣". وهناك نقاد آخرون يختلفون في وجهة نظرهم. منهم "ويلكس" WILKS في دراسة عن التعليم الإسلامي في مالي وغينيا وبوركينا فاسو وساحل العاج وغانا. وهو يرى أن كثيرا من الانتقادات التي وجهت إلى التعليم الإسلامي كانت قاسية جدا. وهو يرى أن مدارس هذا النوع من التعليم الإسلامي تقدم على الأقل أرضية لتعليم العربية يمكن أن يبني عليها من أوتي القدرة والاهتمام. وهو يرى أيضا أن المتعلم الموهوب يستطيع إذا أجيد تعليمه أن يجيد العربية بسرعة، وأنه يستطيع في أوائل شبابه أن يقرأ ويدرس المؤلفات الأساسية في الشريعة الإسلامية. "WILKS: P.١٦٦".

стр. 106

المنهج المدرسي الإسلامي: هناك بعض الاعتبارات الرئيسية التي تتحكم في اختيار المواد الدراسية والعلوم التي تقدم للمتعلم في الإسلام. ويأتي في مقدمة هذه الاعتبارات أهمية العلوم ونقاوتها في الدرجة والشرف وأشرف العلوم وأعلاها ما يتعلق منها بمعرفة الله ، وهو أمر يتمشى مع الهدف الأسمى من التربية الإسلامية وهو معرفة الخالق وما يتصل بها من علوم اللسان واللغة التي تمهد لدراسة العلوم الدينية. فالعلوم عند أهل الديانات ثلاثة كما يقول ابن عبد البر القرطبي: علم أعلى وعلم أسفل وعلم أوسط، فالعلم الأعلى عندهم علم الدين والعلم الأوسط هو معرفة علوم الدنيا كعلم الطب والهندسة والعلم الأسفل هو أحكام الصناعات وضروب الأعمال مثل السباحة والفروسية والخط وهي التي تحصل بتدريب الجوارح. "ابن عبد البر القرطبي: ج٢ ص٤٦".

стр. 107

وسائل التدريس ١: أشهر وسائل التدريس عند علماء المسلمين هي السماع والإملاء والإجازة وهي تتفاوت فيما بينها من حيث الأهمية. فالسماع يكون بأن يقرأ الأستاذ من كتابه أو من ذاكرته ما يريد روايته لطلبته وهو أعلى طرق التعليم. ولم يكن مسموحا للطلاب بأن يكتبوا أثناء قراءة الأستاذ مما اضطر الأساتذة إلى عقد مجالس الإملاء. وقد يكون السماع بأن يقرأ الطالب من كتاب أستاذه أو من نسخته هو أو من ذاكرته بحضور أستاذه، وهذا يسمى "العرض"، ومن العلماء من كان لا يحبذ السماع أو العرض خشية أن يكون الطلبة غير منتبهين لما يقرأ عليهم أما الإملاء فقد عده أغلب العلماء خير وسائل التعليم حتى لمن يأخذون بأسلوب السماع. وكانت مجالس الإملاء تعقد يوم الجمعة في الغالب. ويكون الإملاء من الكتب أو الذاكرة، وعندما تكون المجالس كبيرة يستعان بالمستملين الذين يمكن أن يسموا مدرسين مساعدين أو "معيدين" مهمتهم إعادة ما يلقيه الأستاذ ليسمعه البعيدون عنه. وقد يتعدد المستملون حسب كثرة عدد الحاضرين. وقد عرف بعضهم بقوة الصوت، وهذه هي أهم صفاتهم. إلا أنه كان

стр. 108

من واجبهم معرفة الموضوع الذي يملونه وإجادة اللغة مع صحة التلفظ. وقد وجد بين هؤلاء المستملين علماء من ذوي الشهرة. وفضلا عن ذلك كان عليهم أن يتحلوا بسعة الصدر لا سيما عندما يطلب إليهم إعادة الإملاء أكثر من مرة. ويبدو أن الأساتذة هم الذين كانوا يعينون المستملي. وكان البعض يتخذ الاستملاء مهنة يعيش منها. وقد يطلب الأستاذ إلى أحد طلابه أن يساعده في الإملاء إذا لم يتيسر وجود مستمل. والمستملي يقف عادة على رجليه بخلاف الأستاذ والطلبة إلا إذا وجد مقعدا عاليا يجلس عليه بحيث يراه الطلاب ويسمعونه، ومن طريق ما يروى أن أحد المستملين ارتقى نخلة وصار يملي منها. وكان على المستملي أن يعيد قراءة ما أملي في نهاية المجلس ويعد نسخة مكتوبة للدرس كله. إلا أن بعض الطلبة كانوا لا يحبون السماع إلا من الشيخ نفسه بدون واسطه رغم أن المستملي ينقل ما يسمع حرفيا وليس له أن يغير شيئا منه بل حتى ولا يصحح ما قد يقع من أغلاط. أما الإجازة فهي السماح بنقل العلم إلى الآخرين. ولها ستة أشكال منها: المناولة وذلك أن يعطي الشيخ كتبه أو بعضها لتلميذه أو لأحد العلماء مؤكدا لهم أنها بخط يده، ويخبره باسم الشيخ الذي أخذ ما فيها عنه وشكل إجازته له بها ويجيزهم بإعطائها للآخرين. وبعض العلماء يعدون المناولة كالسماع في القوة. وتوسع البعض فيها فيجيز الشيخ كتب مكتبته كلها. ومنها أن يجيز الشيخ جميع قراءته ومسموعاته للآخرين وهذا هو الشكل الثاني ولم يقبله بعض الشيوخ. الشكل الثالث هو أن يرسل أحاديث معينه أو أجزاء من كتب الحديث المكتوبة ويجيزها لمن أرسلت إليه. والشكل الرابع هو إجازة شخص ما برواية الأحاديث الصحيحة في كتاب ما دون تحديد. وهذا النوع لقي أيضا بعض المعارضة، أما الشكل الخامس فهو أن يتقدم أحدهم بورقة مكتوب فيها حديث أو رأي ويسأل الشيخ عما إذا كانت هي له فإذا أيدها ذلك الشيخ أصبحت إجازة لصاحبها. والشكل السادس هو أن يصدر الشيخ إجازة لغيره برواية ما تلقاه هو بالإجازة. وهناك نوع رابع من وسائل التدريس نشأ حوله بعض الخلاف يسمى "الوجادة" من وجد، وهو أن يتبنى الإنسان شيئا وجده أو قرأه في كتاب أو تعليق ولم يطلب الإجازة من كاتبه ولم يسمعه منه. وقد انتفع العلماء أو على الأقل بعضهم بهذا النوع من التدريس ولكنهم في الغالب اتهموا بالسرقة أو على الأقل اتهموا بأنهم يروون شيئا لم يجازوا بروايته. وكان التعليم يتم أيضا خلال الأسفار والرحلات ومواسم الحج. وقد أوعز الخليفة المهدي للإمام مالك بن أنس بروايته كتابه "الموطأ" أثناء موسم الحج ليتلقاه عنه علماء الأمصار.

стр. 109

مساكن الطلبة: كانت هناك بيوت يستأجرها الطلبة الغرباء للإقامة فيها، كانت المساجد أكثر الأماكن ارتيادا منهم وكان بعض الأساتذة يدعون طلابهم الغرباء للإقامة معهم في بيوتهم حتى إن أحدهم وكان غنيا استضاف خمسين طالبا منهم. هذا بالإضافة إلى وجود الخانات والفنادق في المدن الكبرى حيث يحل عادة المسافرون الغرباء.

стр. 110

الجمع بين طلب العلم والتكسب: يقول الزرنوجي: إن كان لا بد لطالب العلم من الكسب لنفقة عياله وغيرهم فليتكسب وليكرر وليذاكر ولا يكسل. وكان الناس في الزمان الأول يتعلمون الحرفة ثم يتعلمون العلم حتى لا يطمعوا في أموال الناس. وفي الحكمة من استغنى بمال الناس افتقر. والعالم إذا كان طماعا لا تبقى له حرمة علم ولا يقول بالحق. وقد كان الإمام أبو حنيفة يطلب العلم ويشتغل به في الوقت الذي كان فيه يبيع الثياب ليتكسب معاشه. ويعيب الماوردي من شغلته المعيشة واكتساب الرزق عن التماس العلم ومع أنه يلتمس العذر له أكثر من غيره إلا أنه يقول إن الواجب عليه أن يصرف للعلم خظا من زمانه. فليس كل الزمان زمان اكتساب. ولا بد للمكتسب من أوقات استراحة وأيام عطلة. ومن صرف كل نفسه إلى الكسب حتى لم يدرك لها فراغا إلى غيره فهو من عبيد الدنيا وأسراء الحرص. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل شيء فترة -أي زمان سكون- فمن كانت فترته إلى العلم فقد نجا".
следующие страницы →