أخلاق المعلمين:
تختلط الآراء فيما كتب عن أخلاق المعلمين فمنهم من يتهمهم بالحمق وروجوا عنهم الأمثال التي تصفهم بذلك مثل قولهم: "أحمق من معلم كتاب" وقد رد الجاحظ على هذا الزعم، وقال: كيف نستطيع أن نزعم أن الكسائي وقطرب وأتباعهما يقال لهم حمقى. ونفى هذه الصفة عن المعلمين بصفة عامة بقوله: "ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على الطبقة التي دونهم". وأمير الشعراء أحمد شوقي مع أنه عظم المعلم بقوله:
قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا
يقول في قصيدته بعنوان "مصاير الأيام": إن عدوى الصبية تمتد إلى المؤدب فتلقبه صبيا مثلهم. يقول شوقي في ذلك:
ألا حبذا صحبة المكتب ... وأحبب بأيامه أحبب
وياحبذا صبية يمرحون ... عنان الحياة عليهم صبي
خليون من تبعات الحياة ... على الأم يلقونها والأب
كأنهم بعد تلقي الدروس ... مهار عرابيد في الملعب
جنون الحداثة من حولهم ... تضيق به سعة المذهب
عدا فاستبد بعقل الصبي ... وأعدى المؤدب حتى صبي
وقد ورد أيضا أن معلم الكتاب لا تقبل شهادته، وقد يكون تفسير ذلك على أنه تشكك في ذمة المعلم وضميره وإنما على أنه سد الباب أما ترك المعلم لتلاميذه وعمله للإدلاء بالشهادة.
ومن المعروف أن معلم الكتاب كان يحرم عليه ألا يترك عمله ولا ينشغل عن تلاميذه لأي سبب من الأسباب، ولذلك حرم عليه -إلا في حالة الضرورة- أشياء منها عيادة المريض والصلاة على الجنازة أو السير فيها أو الإدلاء بالشهادة في البيع أو النكاح لأن هذه الأشياء تجعله يترك عمله وتلاميذه. بل لا يجوز للمعلم أن ينشغل عن تلاميذه بأن يكتب لنفسه أو لغيره كتب الفقه وغيرها إلا بعد انتهاء عمله مع الصبيان. ويصف ابن جماعة المعلم بأنه "الذي كملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت مروءته وعرفت عفته واشتهرت صيانته وكان أحسن تعليما وأجود تفهيما".
أما بالنسبة لأخلاق وآداب العلماء فإن الكتابات عن هذا الموضوع تضعهم في مكانة عالية رفيعة، ويجب أن يكونوا نبراسا لغيرهم من المشتغلين بالعلم
стр. 282
والتعليم. وإلى جانب بعض الآداب التي سبق ذكرها.. يرى أبو حنيفة أن على العالم المسلم أن يعرف "أن الله إنما بعث رسوله رحمة ليجمع به الفرقة وليزيد به الألفة ولم يبعثه ليفرق الكلمة ويحرش المسلمين بعضهم على بعض" وكذلك من واجبات العالم المسلم أن يبشر ولا ينفر وألا يرمي غيره بالكفر أو غيره من التهم إن اختلفوا معه في الرأي. ولا يجوز أن يصير هذا الخلاف في الرأي خلافا في الدين، فإن صار كذلك كان العالم نفسه مخطئا خطأ تتفاوت حدود امتداده بتفاوت حجم الضرر الناجم عنه.
ويقول الماوردي: ومن آدابهم "أي العلماء" نصح من علموه وتسهيل السبيل عليهم والا يمنعوا طالبا ولا ينفروا راغبا ولا يوئسوا متعلما لما في ذلك من قطع الرغبة فيهم والزهد فيما لديهم.
ويضيف العلموي إلى ذلك أنه إذا سئل عن شيء لا يعرفه، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل لا أعرفه فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم.
قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وقال ابن عمر أيضا: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية ولا أدري. وقال بعضهم: "تعلم لا أدري فإن قلت لا أدري علموك حتى تدري وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري".
قال الحميدي وهو تلميذ الإمام الشافعي: "صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل ويستفيد مني الحديث". وفي الصحيح أنه ﷺ قال: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوب زور". وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى والخضر ﵉ حين لم يرد موسى العلم إلى الله تعالى لما سئل: هل أحد في الأرض أعلم منك.
стр. 283
أجر المعلم:
هناك خلط وسوء فهم في الكتابات العربية عن أجر المعلم وهل يجوز للمعلم أن يأخذ أجرا عن التعليم أم لا. ويرجع هذا الخلط إلى عدم التمييز أو التفرقة بين أخذ المعلم أجرا عن التعليم من المتعلم وبين أخذه أجرا عن التعليم كمهنة يتعيش منها من أولي الأمر. ومن قصد المعنى الأول من علماء المسلمين قال بعدم أخذ المعلم أجرا عن التعليم وإنما يبتغي به مرضاة الله لقوله ﷺ : "قل لا أسألكم عليه من أجر. إن أجري إلا على الله". ومن ذهب إلى هذا القول قلة من علماء المسلمين منهم الغزالي والجيطالي. ومن قصد المعنى الثاني من علماء المسلمين قالوا بأن المعلم يستحق أجرا على تعليم القرآن وغيره وذلك استنادا إلى ما ورد في الأثر: "أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله تعالى". وذهب كل من ابن سحنون والقابسي وغيرهما إلى القول بهذا الرأي, ومنهم الغزالي أيضا عند قصد هذا المعنى إذ يقول: "للمدرس أن يأخذ ما يكفيه ليفرغ قلبه عن المعيشة وليتجرد لنشر العلم فيكون مقصوده نشر العلم وثواب الآخرة. ويأخذ الرزق بلغة ميسرة للمقصود أي مساعدة له على العيش والحياة. ويبرز القابسي إعطاء المعلم أجرا عن التعليم بقوله: لو اعتمد الناس على التطوع لضاع كثير من الصبيان ولما تعلم القرآن كثير من الناس فتكون هي الضروروة القائدة إلى السقوط في فقد القرآن من الصدور، والداعية إلى تثبيت أبناء المسلمين بالجهالة فلا وجه لتضييق ما لم يأت فيه ضيق.
ويروى عن ابن مسعود قوله: ثلاثة لا بد للناس منهم: أمير يحكم بينهم ولولاه لأكل بعضهم بعضا، وشراء المصاحف وبيعها ولولاه لقل كتاب الله، ومعلم يعلم أولادهم ويأخذ على ذلك أجرا ولولا ذلك لكان الناس أميين. ويروى أيضا أن سعد بن مالك قدم برجل من العراق يعلم أبناءهم الكتاب بالمدينة ويعطونه الأجر. ويروى عن مالك قوله: لا بأس بما يأخذ المعلم على تعليم القرآن وإن اشترط شيئا كان حلالا جائزا ولا بأس بالاشتراط في ذلك، وحق الختمة سواء اشترطها أم لم يشترطها. وهذه كلها أمثلة تؤكد استحقاق المعلم للأجر على اشتغاله بالتعليم.
وكان الإمام مالك وجميع علماء المدينة يجيزون أخذ الأجر على تعليم الصبيان القرآن والكتابة. فقد ورد عن ابن وهب صاحب الموطأ قوله: "سئل مالك عن الرجل يجعل للرجل عشرين دينارا يعلم ابنه الكتاب والقرآن حتى يحذقه. فقال: لا بأس بذلك وإن لم يضرب أجلا. ثم قال: "والقرآن أحق
стр. 284
ما يعلم" وقد ورد في فتح الباري بشرح البخاري ٥/ ٣٦٠ "كتاب الإجازة" قول الحكم: "لم أسمع أحدا كره أجر المعلم".
وأورد ابن وهب في موطئه عن عبد الجبار بن عمر قوله: كل من سألت بالمدينة لا يرى لتعليم المعلمين بالأجر بأسا. وهناك أمثلة واقعية لمعلمين كانوا يأخذون أجرا على تعليمهم من أشهرهم المبرد الذي كان لا يعطي الدروس مجانا وكان الزجاج يدفع إليه درهما في اليوم لقاء تعليمه.
وقد رد الطهطاوي في العصور الحديثة على من قال بعدم جواز أخذ أجر عن التعليم، وذهب مذهب جمهور المسلمين في القول بأن يأخذ المعلم أجرا على التعليم، وقد كان المعلم في العصور الإسلامية ولا سيما معلم الكتاب يأخذ أجرا يتفق عليه من أولياء الأمور وكان هذا الأجر يدفع عادة إما مشاهرة "بالشهر" أو مساناة "أي بالسنة". وقد يكون نقديا بالمال أو عينيا بالغلال والحبوب وغيرها من الخيرات أو بهما معا. وقد يترك أمر الأجر لتقدير الآباء وحسب كرمهم وأريحيتهم.
أما المعلمون أو العلماء الذين كان يعينهم الولاة والحكام في مدارسهم التي كانوا ينشئونها كالفاطميين في مصر ونظام الملك في بغداد ونور الدين زنكي في الشام وصلاح الدين الأيوبي في مصر فكانت لهم أجور منتظمة تدفع لهم من خزانة الدولة ومن بيت المال.
وهناك اختلاف بين المؤرخين حول مسألة بدء ترتيب أجور منتظمة للعلماء والمعلمين. فهناك رأي يقول: إن نظام الملك هو أول من رتب الأجور للعلماء والمدرسين في مدارسه النظامية، ورأي آخر يقول: إن ترتيب الأجور للمعلمين بدأ قبل نظام الملك. وهناك رأي يقول: إن الفاطميين أول من رتب أجور منتظمة للعلماء والمعلمين ولكن من المعروف أن العباسيين شيدوا بيت الحكمة في بغداد، وعينوا له العلماء والمترجمين والنساخ ورتبوا لهم المرتبات والأجور. ومن بعدهم بني الفاطميين الأزهر لخدمة المذهب الشيعي ووكلوا إلى رجالهم وعلمائهم الإشراف عليه وتوجيهه.
ثم أنشأ نظام الملك عدة مدارس عرفت باسمه أشهرها نظامية بغداد وكان
стр. 285
الهدف من إنشائها مقاومة المذهب الشيعي الذي كان منتشرا في عهد البويهيين، وعملت هذه المدارس على ترويج المذهب السني. وقد عين لهذه المدراس العلماء والمعلمون ورتبت لهم المرتبات والأجور. ويصدق ذلك أيضا على المدارس التي أنشأها كل من نور الدين زنكي في الشام وصلاح الدين الأيوبي في مصر، فكانت هذه المدارس تروج لمذهب فقهي معين تسير الدراسة وفقا له ويقوم بالتدريس فيها علماء المذهب وشيوخه.
ولم يكن التعليم هو الوسيلة أو المهنة التي يعتمد عليها المعلم في كسب رزقه إذ كان لكل معلم مهنته الخاصة. وقد قام أحد الباحثين الأجانب١ بإحصاء للعلماء المسلمين في القرنين الثالث والرابع للهجرة فوجد أن ٧٥% منهم كانوا من التجار وأصحاب الحرف. فالزجاج كان يعمل في خرط الزجاج. وكان أبو حنيفة خزازا يبيع الخز وكان الواقدي يضارب بالحنطة. ولذلك نجد أن معظم العلماء كانوا في حالة الاكتفاء من الناحية المادية بل إن بعضهم كان من الموسرين لدرجة أنه كان يساعد طلابه المجتاجين. وكان هناك بالطبع عدد قليل من العلماء الفقراء الذين كانوا يتلقون العون والمساعدة من الخلفاء والأعيان.
стр. 286
الفصل السابع: تطور التربية الإسلامية وأهم سماتها في العصور الوسطى
مراحل تطور التربية الإسلامية
مدخل
...
الفصل السابع: تطور التربية الإسلامية وأهم سماتها في العصور الوسطى
مراحل تطور التربية الإسلامية:
يمكننا أن نميز بين أربع مراحل متميزة مرت بها التربية الإسلامية في تطورها هي:
المرحلة الأولى: مرحلة البناء
وتبدأ منذ ظهور الإسلام حتى نهاية الدولة الأموية. وأهم السمات العامة للتربية الإسلامية في تلك الفترة هي:
١- أنها كانت تربية عربية إسلامية خالصة.
٢- أنها استهدفت إرساء قواعد الدين الجديد.
٣- أنها اعتمدت أساسا على العلوم النقلية واللسانية.
٤- أنها اهتمت بالكلمة المكتوبة كوسيلة هامة للاتصال.
٥- أنها أفسحت المجال لتعلم اللغات الأجنبية.
٦- اعتمادها على الكتاب والمسجد والمكتبة كمراكز للتعليم.
المرحلة الثانية: مرحلة العصر الذهبي
وتبدأ بالعصر العباسي حتى انهيار الخلافة العباسية وسقوط بغداد. وأهم السمات العامة للتربية الإسلامية في هذه الفترة هي:
١- دخول العلوم العقلية.
٢- إنشاء المدارس.
٣- ظهور الآراء التربوية المتميزة.
المرحلة الثالثة: مرحلة التطور والانحطاط
وتبدأ بالحكم التركي العثماني حتى استقلال البلاد العربية, وأهم السمات العامة للتربية الإسلامية في هذه الفترة هي:
стр. 287
١- تجمد الفكر الإسلامي.
٢- العودة إلى الاقتصار على العلوم النقلية.
٣- جمود المؤسسات التعليمية.
٤- غلبة الثقافة التركية.
٥- التمييز الثقافي للأقليات الدينية غير الإسلامية.
٦- دخول المؤثرات التربوية الغربية.
المرحلة الرابعة: مرحلة التجديد وإعادة البناء
وتشمل هذ الفترة بداية استقلال البلاد العربية من الحكم التركي وتمتد حتى العصر الحاضر. وأهم السمات العامة للتربية في هذه الفترة هي:
١- اقتباس النظم التعليمية الغربية.
٢- العناية بالعلوم العقلية والحديثة.
٣- تغلغل الثقافة الغربية.
٤- محاولة تطوير مؤسسات التعليم التقليدية
وسنحاول أن نفصل الكلام في الصفحات التالية عن التربية الإسلامية، خلال المرحلتين الأوليين باعتبار وقوعهما زمنيا في العصور الوسطى مرجئين الكلام عن المرحلتين الأخيرتين إلى فترة العصور الحديثة.
стр. 288
المرحلة الأولى للتربية الإسلامية: مرحلة البناء
مقدمة: بين العروبة والإسلام
كان العرب قبل الإسلام يعيشون في المنطقة التي تعرف الآن بشبه الجزيرة العربية، وكانت حياتهم حياة بداوة بسيطة تحكمها الصحراء بجدبها والقبيلة بعصبيتها. ولم تكن هناك وحدة سياسية تشملهم وإنما عاشوا في حالة تفكك اجتماعي وسياسي كبير. ولم يكن يوجد بينهم إلا اللغة والشعر يتطارحونه في أسواقهم الأدبية المعروفة، وهي عكاظ ومجنة وذو المجاز. ولم يكن لهم غير ذلك من نصيب كبير في مجال العلوم والفنون كما أشرنا. وكانوا يعبدون الأصنام ويشربون الخمر ويلعبون الميسر، ويؤمنون بالتطير ويتاجرون في العبيد.
وكانت مكة تحظى بأهمية خاصة لوجود البيت الحرام بها. وهو البيت الذي بناه إبراهيم ﵇ إلى جانب أنها كانت أهم مركز تجاري. وكانت التجارة أهم الوسائل التي تربط العرب بالمجتمع الخارجي وتمثلت الطبقة الغنية هناك في طبقة التجار الذين كانوا يجلبون التجارة من بلاد فارس والشام واليمن. وكانت تجاور العرب في تلك الفترة دولتان كبيرتان على حظ كبير من الحضارة أولاهما دولة الفرس في الشرق وثانيتهما دولة الروم أو الدولة البيزنطية في الغرب، وكانت هذه الدولة الأخيرة تسيطر على العراق والشام ومصر وشمال إفريقيا.
وجاء الإسلام، وكان ثورة اجتماعية شاملة ضد التفكك والتخلف وسرعان ما وحد العرب تحت لوائه. ولكن الإسلام لم يكن لأهل الجزيرة العربية فحسب وإنما للناس قاطبة من عرب وعجم. ومن ثم بدأت رسالة الإسلام تأخذ طريقها إلى خارج الجزيرة لتبشر بالدين الجديد. وقد استطاع العرب تحت لواء الدين الجديد أن يهزموا أكبر دولتين في عصرهما "أي أوائل القرن السابع الميلادي". ولم يمض على وفاة الرسول ﵊ سوى حوالي ثلاثة أرباع قرن من الزمان إلا وكان الإسلام يرفرف على رقعة هائلة تمتد من المحيط الهندي شرقا حتى المحيط الأطلسي وغربا. فقد فتح العرب دمشق سنة ٦٢٥م والعراق سنة ٦٣٧م ومصر وفارس سنة ٦٤١م وبرقة سنة ٦٤٣م وواصلوا فتحهم لشمال إفريقيا سنة ٦٤٤م ولم تأت سنة ٧٠٨م إلا وكانت لهم السيطرة عليها تماما. ودخل العرب إسبانيا سنة ٧١١م وقد انتشر الإسلام بسرعة كبيرة في مناطق أخرى من العالم حتى أصبح يضم اليوم ما يقرب من خمسمائة مليون مسلم في جميع أنحاء العالم. وقد صاحب المد العربي انتشار الإسلام، بل وعندما انحسر الامتداد العربي بقي الإسلام كما هو بل واتسعت رقعته. والمهم من كل هذا هو أن نبين أن ما يعرف الآن بالوطن العربي دخل إلى العروبة عن طريق الإسلام. ومع حركة التعريب اللغوي والثقافي التي شملت هذا الوطن انصهر في بوتقة العروبة
стр. 289
على مر الزمان وكون معها وحدة عضوية متجانسة، وقد ساعد على ذلك وحدة الأرض والتاريخ والآمال والانتماء المصيري.
وهكذا يتضح أن كلمة عرب بمعناها الواسع لا يقصد بها أساس عرقي عنصري وإنما مفهوم ثقافي يطلق على الشعوب والأقوام التي دخلت الإسلام وانصهرت في بوتقة الثقافة العربية من خلال الإسلام واتخذوا اللغة العربية ميراثا مشتركا واكتبوا بها مؤلفاتهم في مختلف العلوم والفنون والآداب في عصر ازدهار الإسلام.
إن التمييز الحادث بين العروبة والإسلام لا يمكن أن نفهمه إلا من خلال النظرة الفاحصة المتمهلة للأصول التاريخية التي يكون بها العالم الإسلامي. إن الإسلام في جوهره الأساسي لم يقم على دعوة عنصرية عرقية كاليهودية مثلا التي يدعي أبناؤها أنهم شعب الله المختار وإنما كان الإسلام للناس كافة. ومن هنا كان لا بد أن يمتد الإسلام خارج جزيرة العرب كما قلنا. وكان حملة لوائه هم العرب أنفسهم لأنه جاء قرآنا عربيا بلسانهم وعلى يد نبي عربي من جلدتهم. وهكذا كان المد الديني والإسلامي مقترنا بالمد الثقافي العربي. وكان هذا المد هائلا وشمل مختلف أرجاء المعمورة ولكن النتيجة لم تكن واحد بالنسبة لكل أرجاء العالم الإسلامي. ذلك أنه حيثما تم انصهار الشعوب في بوتقة العروبة والإسلام تكونت الثمرة الناضجة التي تمثل الآن ما يعرف بالعالم العربي، أما حيثما لم يكتمل الانصهار في بوتقة العروبة والإسلام انحسر مد العروبة لكن بقي مد الإسلام وهذه المناطق تعتبر ثمرة لم تنضج بعد. وقد ترتب على هذا الوضع وجود تمييز درج الناس عليه بين العالم العربي والعالم الإسلامي ومثل هذا التمييز أوجد كثيرا من البلبلة في العقول. وإذا أردنا أن نضع الأمور في مكانها الصحيح قلنا العالم الإسلامي الناطق بالعربية والعالم الإسلامي غير الناطق بالعربية. ولو تصورنا أن العالم الإسلامي غير الناطق بالعربية أصبح يتحدث العربية لاختفى هذا التمييز، ومن هنا يمكن أن نفهم الوحدة الإسلامية الحقيقة. إن انضمام الصومال وموريتانيا إلى عضوية الجامعة العربية حدث له معناه وفحواه، وهو يؤكد القضية التي نحن بصددها ونتمنى أن نرى العالم الإسلامي
стр. 290
كله، وقد تحققت وحدته الفكرية على أساس من اللغة العربية. لقد عرف العالم الإسلامي قمة ازدهاره ومجده عندما كانت اللغة العربية أساس هذه الوحدة الفكرية، وكانت اللغة الراقية للعالم والجنس البشري طيلة أربعة قرون من الزمان منذ القرن الثامن حتى القرن الثاني عشر. وتعلمها كثير من غير أبنائها باعتبارها لغة الثقافة والعلم، وقد كتبوا وألفوا بها. ولم يكن علماء المسلمين من مختلف الأجناس يشعرون بأي غضاضة بالكتابة بالعربية. ولذا نجد جميع علماء الإسلام من عرب وفرس وترك يؤلفون مؤلفاتهم بالعربية، مع أنهم كانوا يعرفون لغاتهم الأصلية. وقد روي عن العالم الإسلامي الكبير البيروني قوله: "والله لأن أهجى بالعربية أحب إلي من أن أمدح بالفارسية". يضاف إلى ذلك أن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وتعلمها من كمال تمام الدين. وقد روى عمر بن الخطاب قوله: "تعلموا العربية فإنها من دينكم". ولا شك أن الأمر هنا موجه إلى كل المسلمين. ويقول العلامة ابن تيمية: "إن اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب. ذلك أنه فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا باللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". ويرى الإمام الشافعي أن على كل مسلم أن يتكلم العربية وأن تعلم اللغة العربية فرض على كل مسلم.
وهكذا يصبح من واجب كل مسلم أن يتعلم العربية. وإذا كان غير المسلم يتحتم عليه أن يتعلم اللغة القومية لدولته إلى جانب لغته الأم لدواعي الحياة والمعيشة كما في دول مختلفة في العالم في سويسرا أو الاتحاد السوفيتي أو الهند وغيرها فما بالك بالمسلم الذي يعتبر تعلم اللغة العربية بالنسبة له من تمام دينه؟
إن على العالم الإسلامي غير الناطق بالعربية أن يسعى حثيثا لا هوادة فيه إلى نشر تعلم اللغة العربية بين أبنائه بنشر مراكز تعليمها على أوسع نطاق. كما يجعل اللغة العربية أجباريا من السنوات الأولى للتعليم في مدارسه ويجب على العالم الإسلامي العربي أن يشجع كل خطوة في هذا الاتجاه، وأن يقدم لها العون المادي والبشري على السواء.
стр. 291
السمات العامة للتربية الإسلامية في فترة البناء:
تميزت الفترة الأولى من ظهور الإسلام بفترة الحكم الشوري للخلفاء الأربعة الأوائل الذين عاصروا الرسول الكريم وتأثروا به كما أنهم قادوا الفتوحات الأولى للإسلام وعملوا على تثبيت أركان الدين والدولة. وفي العصر الأموي أصبح منصب الخليفة وراثيا، فالخليفة يوصي بمن يخلفه، واستمرت خلافتهم ما يقرب من تسعين عاما بين عام ٤٠-١٣٢هـ و٦٦١-٧٥٠. وفي بداية حكمهم نقلوا عاصمة الدولة من المدينة إلى دمشق، وكانت الدولة الأموية دولة عربية على الرغم من أنها نقلت عاصمتها من قلب العروبة إلى منطقة تلتقي فيها الحضارة الرومانية والفارسية. وقد ازدهر الأدب والشعر، وتجلت روائع الفن الإسلامي في مسجد دمشق. كما شهد العصر الأموي بداية حركة الترجمة إلى العربية إلا أنها كانت مقصورة على أفراد وتمثل اهتمامات فردية أو جهودا شخصية. أما في العصر العباسي فكانت تمثل مدرسة كاملة ترعاها الدولة وتباركها. كذلك اهتمت الترجمة في العصر الأموي بالعلوم ترعاها مثل الطب والكيمياء ولم تتعدها إلى العلوم العقلية في الرياضيات والمنطق والفلسفة. ولذا كانت هذه العلوم وليدة الدولة العباسية ذاتها وسيأتي تفصيل الكلام فيما بعد. وقد سبق أن أشرنا إلى أهم السمات العامة للتربية الإسلامية في فترة البناء وسنحاول في السطور التالية أن نفصل الكلام عنها:
١- كانت عربية إسلامية خالصة:
تميزت هذه الفترة من التربية الإسلامية التي تمتد من ظهور الإسلام حتى نهاية الدولة الأموية بأنها كانت إسلامية عربية خالصة، وقد يرجع ذلك إلى غلبة العرب وأن العناصر الإسلامية الجديدة لم تكن قد انصهرت انصهارا ثقافيا كاملا، كما أن العناصر العربية هي التي توجه الحكم والسياسة والدين والثقافة بصورة رئيسية. وفي هذه الفترة ولا سيما في عهد الأمويين نظمت حلقات الدروس في المساجد وقد ساعد على ذلك ظهور المذاهب والفرق الإسلامية والدينية المختلفة
стр. 292
ومنها الخوارج والشيعة والمعتزلة، وقد اعتنق بعض الخلفاء الأمويين مذهب الاعتزال الذي يعتبر من المدارس التقدمية في الإسلام وهو مذهب النزعة العقلية، وقد عمل انتشار المذاهب والفرق الإسلامية على زيادة اهتمام العلماء ببحث المسائل الدينية المختلفة ومنها مسائل القضاء والقدر والجبر والاختيار وارتكاب الكبيرة، وهكذا كان الاهتمام مركزا على الجوانب الدينية في الإسلام كما أن المسلمين لم يشتغلوا بشيء إلا بلغتهم وثقافتهم، وفي ذلك يقول صاعد الأندلسي في كتابه طبقات الأمم "ص٤٧".
"كانت العرب في صدر الإسلام لا تعني بشيء من العلم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها حاشا صناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد من العرب غير منكرة عند جماهيرهم لحاجة الناس طرا إليها، ولما كان عندهم من الأثر عن النبي ﷺ في الحث عليها حيث يقول: "يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء إلا داء واحدا وهو الهرم" أي: الكبر والشيخوخة. وينبغي أن نشير هنا إلى أنه بعد فتح الممالك تفرق الصحابة في الأمصار. وكان منهم علماء رحلوا للتعليم فكانوا نواة لمدارسها.
٢- استهدفت إرساء قواعد الدين الإسلامي الجديد:
كان من الطبيعي أن تستهدف التربية الإسلامية في هذه الفترة الأولى من حياة الإسلام العمل على نشر الدين وتعاليمه؛ ولذلك نجد أن هذه الفترة تميزت بالفتوحات الإسلامية لنشر الدين وتثبيت أركانه وإلى جانب إرساء قواعد الدين وتثبيت أركانه شغل خلفاء المسلمين الأوائل بإرساء قواعد الحكم أيضا باعتبار أن الإسلام دين ودولة فالحاكم هو في نفس الوقت خليفة المؤمنين. وفي عهد عمر بن الخطاب كان من الطبيعي أمام اتساع الدولة أن يهتم بالأمور الدينية والشرعية والاصلاحات الإدارية. وفي عهده أنشئت الدواوين ووضعت سجلات لدخل الدولة. وفي صدر الإسلام ظهرت الخطابة كفن هام له دوره في نشر الدعوة الإسلامية وعلا شأنها على الشعر ولا سيما بعد أن هاجم القرآن الشعراء بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وكان الرسول هو أصحابه يبثون الدعوة ويعلمون الناس في
стр. 293
المدينة وكان يرسل أصحابه ودعاته ورسله إلى الجهات النائية من شبه الجزيرة وغيرها ليعلموا الناس ويقرئوهم القرآن الكريم. وتفرق الصحابة في الأمصار الإسلامية يعلمون الناس ويثقفونهم ويرشدونهم إلى أمور دينهم ويفقهونهم فيه.
وكان الخلفاء أيضا يرسلون العلماء إلى الأمصار ومع الجيوش لنشر الدعوة الإسلامية فيها، كما كانوا أيضا يوصون ولاتهم في الأمصار بضرورة الاهتمام بنشر الدين وتعاليمه. وكان عمر على سبيل المثال عندما يرسل صحابيا إلى بلد ما يبعث معه بخطاب يعرف فيه الناس بقدره ومكانته مثلما فعل مع عبد الله بن مسعود وهو من خيرة الصحابة حين أرسله إلى الكوفة فبعث معه برسالة إلى أهلها يقول لهم فيها "إني بعثت لكم بعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وآثرتكم به عن نفسي فخذوا عنه" وكان لكل صحابي مدرسة من مريديه يعرفون بالتابعين، كما كان لهؤلاء المريدين أيضا مريدون يعرفون بتابعي التابعين. وهكذا وضع الأساس لحركة علمية تعليمية ثقافية وفكرية تستند إلى الدين الجديد، وقد ازدهرت هذه الحركة بعد جيلين أو ثلاثة من جيل الصحابة والتابعين. "مصطفى الشكعة: ص٢١". كما أرسل الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز إلى شمال إفريقية عشرة من الفقهاء لتعليم أبناء البربر تعاليم الدين الإسلامي.
٣- اعتمدت أساسا على العلوم النقلية واللسانية:
اعتمدت التربية الإسلامية خلال هذه الفترة على العلوم النقلية وتشمل علوم الدين المختلفة من قراءات وتفسير وحديث وفقه، وما يتصل بها من علوم لسانية وهي النحو واللغة والأدب، وهذه النزعة النقلية واللسانية للجانب الثقافي من التربية الإسلامية تتمشى مع ما سبق أن أشرنا إليه من كون التربية في هذه الفترة عربية إسلامية خالصة واستهدفت إرساء قواعد الدين بصورة رئيسية.
٤- اهتمت بالكلمة المكتوبة كوسيلة هامة للاتصال:
إلى جانب ما أشرنا إليه من استخدام الخطابة كأسلوب هام في التربية الإسلامية في صدر الإسلام برزت أيضا أهمية الكلمة المكتوبة كوسيلة هامة
стр. 294
للاتصال ولم تكن هذه الأهمية موجودة من قبل.
فقد كان مجيء الإسلام عاملا هاما في ظهور أهمية الكتابة. وبرزت أهميتها أول ما برزت عندما أراد النبي ﷺ كتابة الوحي وما ينزل عليه من آيات القرآن الكريم. وقد استعان بمن كانوا يعرفون الكتابة آنذاك.
وكان أول من كتب له أبي بن كعب الأنصاري وزيد بن ثابت الأنصاري إذ كانا يقومان بكتابة ما يوحى به إليه ﷺ . ومن كتب له أيضا علي وأبو بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن الأرقم وعبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي قبل أن يرتد وعثمان بن عفان وشرحبيل بن حسنة وأبا بن سعيد والعلاء بن الحضرمي ومعاوية بن أبي سفيان وحنظلة بن الربيع والزبير بن العوام وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وعبد الله بن رواحة وغيرهم. ويروى أن هؤلاء الكتبة للوحي لم يكونوا مهرة في الكتابة ولم تكن كتابتهم تسير على نمط واحد أو تخضع لقواعد واحدة من الكتابة أو الإملاء فكانوا لا يميزون بين مواقف الألف يحذفونها في موضع ويضيفونها في موضع آخر ما تساوي الموضعين في الإملاء، وكتبوا التاء المربوطة مفتوحة وغير ذلك. ويقول ابن خلدون في تعليل ذلك: هو ضعفهم في صناعة الخط والكتابة وأنهم لم يبلغوا حد الإجادة فيها.
وكان كتبة الوحي يكتبون على الرقاع والأضلاع وسعف النخل والحجارة الرقائق. كذلك كان نشر الدين الإسلامي عاملا هاما في ظهور أهمية القراءة والكتابة، فالمسلمون الأوائل بدءوا يحسون بالحاجة إلى القراءة والكتابة ليعرفوا أمور دينهم على الوجه الصحيح. وآيات القرآن الكريم كانت تكتب ويتلوها من يعرف القراءة على من لا يعرف وكان من الطبيعي إذن أن يحس المسلمون بحاجتهم إلى تعلم القراءة والكتابة. وقد أقبل الناس على القرآن يقرءونه ويفهمون معانيه ويفسرون آياته ويستنبطون منه الأحكام. كما أن حاجة الرسول ﷺ إلى نشر الدين تطلبت منه الاتصال بمن جاوره من الملوك والأمراء عن طريق الكتابة إليهم وبعث الرسائل لهم، وفي ذلك يقول ابن هشام:
"فبعث رسول الله ﷺ رسلا من أصحابه، وكتب معهم كتبا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام. فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك
стр. 295
الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية وبعث عمرو بن العاص السهمي إلى جيفر وعباد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان وبعث سليط بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي إلى ثمامة بن أثال وخوذة بن علي الحنفيين ملكي اليمامة، وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن شمر الغساني ملك تخوم الشام ... وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن". وهذه الرسائل مكتوبة بالعربية لكنه احتاج إلى من يحسن الرومية والفارسية والحبشية والقبطية لترجمة مضمون هذه الرسائل إلى من وجهت إليهم من غير العرب. ولم تقتصر كتابة الرسائل على الملوك وإنما شملت أيضا كثيرا من رجال العرب وأقوامهم. وقد خصص ابن سعد في طبقاته كلاما مفصلا عن الرسائل العديدة التي بعث بها الرسول ﷺ إلى أولئك الرجال والأقوام "ابن سعد: الطبقات الكبرى ط١ ص٢٥٨".
وقد اتخذ النبي ﷺ له كثيرا من الكتاب الذين يكتبون القرآن ويحررون الكتب التي كان الرسول ﷺ يرسلها إلى الملوك والأمراء وغيرهم من الأقوام. ولذا كان ديوان الإنشاء أي الكتابة أول ديوان وضع في الإسلام يليه ديوان الجيش في عهد عمر. وقد عدد إبراهيم الأبياري في موسوعته القرآنية أربعة وعشرين كاتبا لرسول الله ﷺ "إبراهيم الأبياري ج١: ص٢٩١" كما أن هناك من المؤلفين القدماء من عدد ٤٢ كاتبا لرسول الله ﷺ "عبد الحي الكتاني: ص١١٦".
ومن ناحية أخرى نجد أن الحاجة إلى كتابة معاهدات الصلح والمواثيق والعهود منذ بداية عهد النبي ﷺ كانت عاملا آخر في تأكيد أهمية الكتابة، ولم تكن هذه الحاجة موجودة بهذه الدرجة من قبل. كذلك نجد أن القرآن قد أمر بكتابة الدين ضمانا لحقوق الدائن وإثباتا على المدين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ .
стр. 296
ويورد الكتاني نقلا عن "أبو الوفاء الهوريني المصري" أنه لم تكثر الكتابة العربية في المدينة إلا بعد الهجرة النبوية بأكثر من سنة. وذلك أنه لما أسرت الأنصار سبعين رجلا من صناديد قريش وغيرهم في غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة.
جعلوا على كل واحد من الأسرى فداء من المال وعلى كل من عجز عن الاقتداء بالمال أن يعلم الكتابة لغيره من صبيان المدينة فلا يطلقونهم إلا بعد تعليمهم. فبذلك كثرت فيهم الكتابة وصارت تنتشر في كل ناحية فتحها الإسلام في حياته ﵊ وبعده حتى بلغت عدة كتابه ﵇ ٤٢ رجلا. ولما تولى أبو بكر الخلافة اتخذ عثمان بن عفان كاتبا له، واتخذ عمر زيدا بن ثابت وعبد الله بن الأرقم واتخذ عثمان مروان بن الحكم.
وروى الجهشياري أن عليا كرم الله وجهه قال لكاتبه عبد الله بن رافع: "يا عبد الله ليق دواتك" "أي اجعل لها ليقة أو خرقة توضع في المداد" وأطل شباة قلمك "أي سنة ومقدمته" وفرج بين السطور وقرمط بين الحروف "ويعني بها التقريب بين الحروف مع الدقة". "حسن إبراهيم ج١: ص٤٥٢".
كما أن الاهتمام بأعمال الخلفاء الأول وتسجيل أعمالهم وفتوحاتهم وما اتصل بها من أحداث هامة قد أوجبت تدوينها في كتب السير والمغازي منها على سبيل المثال ما ألفه عروة بن العوام "٢٣-٩٤هـ" الذي يعتبر أقدم من ألف في سيرة الرسول وأبان بن عثمان بن عفان "٢٢٢-١٠٥هـ" الذي جمع له تلميذه عبد الرحمن بن المغيرة كتابا في السير ووهب بن منبه "٣٤-١١هـ" الذي ألف كتابا في المغازي وموسى بن عقبة المتوفى ١٤١هـ الذي جمع كتابا في المغازي. ولما انتقلت الخلافة إلى بني أمية تعدد الكتاب لتعدد مصالح الدولة وأصبح الكتاب خمسة: كاتب الرسائل وكاتب الخراج وكاتب الجند وكاتب الشرطة وكاتب القاضي. وكان كاتب الرسائل أهم هؤلاء الكتاب في الرتبة. وكان الخلفاء لا يلون هذا المنصب إلا أقرباءهم وخاصتهم وظلوا إلى ذلك أيام العباسيين.
وقد ازدادت أهمية الكتابة العربية مع تعريب الدواوين في الأمصار الإسلامية في عهد عبد الملك بن مروان. وقد حذا الوليد حذو أبيه عبد الملك "شوال
стр. 297
٨٦هـ - جمادى الآخرة ٩٦هـ" وحول كتابة الدواوين في مصر إلى العربية بعد أن كانت باليونانية التي كانت اللغة الرسمية في مصر حتى عهده. وهكذا نجد أن إنشاء الدواوين في الإسلام وتعريبها قد تطلب الاهتمام بالكتابة العربية أيضا. ومن المعروف أن عمر بن الخطاب هو أول من أنشأ الدواوين أي الإدارات الحكومية في الإسلام وفي ذلك يقول محمد كرد على المؤرخ المعروف: "وما تعلقت به همة عمر إحداث أوضاع جديدة اقتضتها حالة التوسع في الفتوح فهو أول من حمل الدرة وهو أول من دون الدواوين على مثال دواوين الفرس والروم دونها له عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من نبهاء قريش لهم علم بالأنساب وأيام الناس" ويستطرد فيقول: "والديوان الدفتر أو مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية. وعرفوا الديوان بأنه موضع لحفظ ما تعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال وأطلق بعد حين على جميع سجلات الحكومة وعلى المكان الذي يجلس فيه القائمون على هذه السجلات والأضابير والطوامير" "محمد كرد علي: ١٩٣٤".
ومن المعروف أن أول ديوان وضع في الإسلام هو ديوان الإنشاء كما أشرنا في مكان آخر من هذا الكتاب، وكانت دواوين الشام تكتب بالرومية ودواوين العراق بالفارسية ودواوين مصر بالقبطية يتولاها النصارى والمجوس دون المسلمين. وكذا فرضت الحاجة إلى تعريب هذه الدواوين أهمية خاصة على الكتابة العربية وضرورة قيام نفر من المسلمين بأمرها، وقد تطلب ذلك الاهتمام بها وتعلمها.
ويقول ابن خلدون "المقدمة: ص٤١٩-٤٢١" لما جاء الملك العرب وفتحوا الأمصار وملكوا الممالك ونزلوا البصرة والكوفة. واحتاجت الدولة إلى الكتابة طلبوا صناعتها وتعلموها وبلغت رقبة من إتقان الخط في الكوفة والبصرة إلا أنها كانت دون الغاية ثم انتشر العرب في الأقطار والممالك وفتحوا إفريقية والأندلس، واختلط بنو العباس بقباء، فترقت الخطوط فيها إلى الغاية لما استجرت في العمران ... وعم العمران والحضارة كل قطر في الدول الإسلامية وعظم الملك، وازدهرت العلوم ونسخت الكتب وأجيد نسخها وتجليدها وملئت بها القصور
стр. 298
والخزائن الملوكية وتنافس في ذلك أهل الأقطار.. ولما انحل نظام الدولة الإسلامية وضعف شأن بغداد بضعف الخلافة انتقل شأن العلم والكتابة إلى مصر والقاهرة وأصبح للخط والكتابة معلمون يعلمون حسب قوانين متعارفة بينهم.. أما أهل الأندلس فافترقوا في الأقطار عند تلاشي ملك العرب بها ... فانتشروا في المغرب وبأفريقية وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع فغلب الأندلسي بتونس وما إليها لتوفر أهل الأندلس بها. ولما تراجع أمر الحضارة بتراجع العمران وتقلص الدول، زاد الميل بالخط وفسدت رسومه فصارت الخطوط بأفريقية والمغرب مائلة إلى الرداءة بعيدة عن الجودة وصارت الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل منها لمتصفحها إلا العناء والمشقة لكثرة ما يقع منها من الفساد والتصحيف وتغيير الأشكال الخطية عن الجودة.
٥- أفسحت المجال لتعليم اللغات الأجنبية:
ظهرت الحاجة إلى تعليم اللغات منذ أيام الإسلام الأولى وإن كان ذلك على نظاق ضيق. فقد كانت نتيجة لاتصال المسلمين بالأقطار الأخرى واتساع رقعة الإسلام خارج حدود الجزيرة العربية أن برزت الحاجة إلى تعلم اللغات الأجنبية وقد حث النبي ﷺ بعض أصحابه على أن يتعلموا اللغات الأخرى غير العربية لدواعي الحاجة إليها وفي الحديث الشريف أنه "من تعلم لغة قوم أمن من شرهم".
ويقول ابن سعد في "الطبقات الكبرى": إن النبي ﷺ لما رجع من "الحديبية" في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتابا. فقيل: يا رسول الله إن الملوك لا يقرءون كتبا إلا مختومة. فاتخذ رسول الله يومئذ خاتما من فضة فصه منه نقشه ثلاثة أسطر: "محمد رسول الله" وختم به الكتب فخرج ستة منهم في يوم واحد، وذلك في المحرم سنة سبع وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم" "ابن سعد: ص٢٥٨". وقد دعا النبي ﷺ أصحابه لتعلم العبرية والسريانية ليدون بها
стр. 299
رسائله. ويروى عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال له: "إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا فتعلم السريانية" تعلمها في سبع عشر يوما كما يروى عن زيد بن ثابت أيضا أن النبي ﷺ طلب منه أن يتعلم الكتابة اليهودية "العبرية" ليتولى مراسلات النبي معهم ففعل زيد وكان يقوم بالكتابة لهم على لسان النبي كما كان يقرأ للنبي ما يرسلون له. هكذا كان تعلم اللغات الأجنبية مطلبا للتربية الإسلامية منذ ظهورها للوفاء باحتياجاتها التي فرضت عليها الطبيعة الإنسانية العالمية للدين الإسلامي.
٦- اعتمدت على الكتاب والمسجد:
اعتمدت التربية الإسلامية على الكتاب والمسجد بصورة رئيسية كمراكز للتعليم ولم تكن المدارس قد أنشئت بعد. كما أن المكتبات لم يكن لها شأن كبير في هذه الفترة. فكانت مجالس القضاة في المساجد حافلة بكل أنواع المعرفة والتثقيف. ففي مسجد الرسول كان الإمام جعفر الصادق يجلس ليعلم الناس ويثقفهم ويفقههم في أمور دينهم. وفي مسجد البصرة كان مجلس الحسن البصري، وإلى جانب مجلسه كانت هناك في نفس المسجد حلقات أخرى للدرس. وقد عملت هذه المجالس والحلقات على تنشيط الحركة الفكرية والثقافية الإسلامية ونشطت العقل الإسلامي ودربته على الجدل وتفنيد الحجج والأدلة ومناقشة اليهود والنصارى في محافل عامة أو مجادلة الفرق الكلامية الإسلامية بعضها البعض "مصطفى الشكعة: ص٣٣". ونظرا لأن هذه المراكز قد استمرت تلعب هذا الدور الهام فيما بعد فإننا سنفصل الكلام عنها فيما بعد عند كلامنا عن مراكز التعليم.
стр. 300
المرحلة الثانية: مرحلة العصر الذهبي أو الازدهار
مقدمة تاريخية:
في هذه الفترة من التربية الإسلامية بلغت أملاك الإسلام أقصى حدودها من المحيط الأطلسي في أقصى الغرب إلى حدود الصين في أقصى الشرق ومن وسط آسيا في الشمال إلى وسط إفريقيا في الجنوب, وامتد الإسلام في أوربا حتى جبال البرانس وبلاد الغال جنوب فرنسا. وصهرت أمم هذه الأقطار الواسعة البالغة، الكثيرة في بوتقة الإسلام فأسهمت في حضارة تعد من أسطع ما عرف العالم من الحضارات الفكرية والمادية على السواء.
وكان أكثر أدوار الحضارة الإسلامية ازدهارا هو دور الخلافة العباسية ببغداد التي امتدت خمسة قرون "٧٥٠-١٢٥٨" ودور الأمويين بإسبانيا "٧١١-١٤٩٢" الذي امتد ما يقرب من ثمانية قرون.
يقول غوستاف لوبون "كانت بغداد وقرطبة هما القاعدتان اللتان كان السلطان فيهما للإسلام من مراكز الحضارة التي أضاءت العالم بنورها الوهاج" ولهذا سنخصص في هذه المقدمة التاريخية الكلام عن الدولة الإسلامية في المشرق والدولة الإسلامية في المغرب.
أولا: الدولة الإسلامية في المشرق:
ترتبط هذه الفترة التاريخية في المشرق بالدولة العباسية كما قلنا. وفي هذه الفترة انتشرت اللغة العربية في جميع أنحاء آسيا انتشارا سريعا فحلت محل اللغات القديمة بها حتى أصبحت اللغة العربية بالنسبة لدول المشرق كاللاتينية بالنسبة لدول الغرب. وقد تمكن العباسيون بفضل الازدهار الذي غمرهم من القيام بكثير من الأعمال العظيمة ذات النفع العام في شتى الميادين، منها شق الطرق التي تربطها جميع البلاد وإنشاء مرابط للخيل والاستراحات أو الفنادق للقوافل وحفر صهاريج المياه التي تزود المسافرين بالماء. وتقدمت الزراعة والصناعة واستغلت الثروات الطبيعية التي كانت تملأ الخلافة شرقا وغربا فاستغلت مناجم الحديد بخراسان ومناجم الرصاص بكرمان ورخام طوروس كما استغلت مصادر النفط والأحجار الكريمة.
وازدهرت الفنون والآداب وظهرت ألف ليلة وليلة التي غذت خيال الشعراء والأدباء، وارتبطت بهارون الرشيد. وبنيت المستشفيات والمختبرات الطبية والمراصد الفلكية. ومن أئمة علماء هذه الفترة فقيها الإسلام العظيمان أبو حنيفة ومالك اللذان عاشا أوائل الحكم العباسي وعاشا في عهد الخليفة العباسي الثاني
стр. 301
المنصور "٧٥٤-٧٧٥" وكانا يقومان بإلقاء دروسهما.
ويبرز الخليفة المأمون شديد الاهتمام بالتعليم والأدب، وكان يجمع من الأقاليم التابعة له كسوريا وإفريقيا ومصر ما يوجد فيها من كتب بدلا من الضرائب. وكانت مئات الجمال ترى وهي تدخل بغداد حاملة ورقا وكتبا فقط. وكانت تترجم للعربية الكتب القيمة. وكان بلاط المأمون يبدو وكأنه مجلس للعلوم والأدب أكثر من كونه مركزا للحكومة والخلافة إذ كان يتألف من الأساتذة والنقاد والمترجمين والشراح.
وكان المأمون يخلو بالحكماء ويأنس بمناظرتهم ويلتذ بمذاكرتهم إيمانا منه بأن أهل العلم هم صفوة الله من خلقه ونخبته من عبادة؛ فلهذا السبب كان أهل العلم مصابيح الدجى وسادة البشر فأوحشت الدنيا لفقدهم، بل إن المأمون لما فرض السلم على قيصر الروم طلب أن تكون الجزية مجموعة من الكتب، وازدهرت بغداد لا كعاصمة الخلافة العباسية فحسب بل كمركز للثقافة والفنون والآداب لم تشهد له البشرية مثيلا. وحملت بغداد شعلة العلم والمعرفة إلى كل ربوع آسيا: في الهندوستان تحت رعاية الغزنويين في مطلع القرن ١١ على يد البيروني ولدى السلاجقة في أواخر القرن ١١ على يد عمر الخيام ولدى المغول حوالي منتصف القرن ١٣ على يد نصر الدين الطوسي. وفي الصين حوالي أخريات القرن ١٣ على يد "كوشو كينج" ولدى العثمانيين في النصف الأول من القرن الرابع عشر.
وقد قامت على أنقاض الدولة العباسية دول وإمارات. وكانت مصر في العهد الفاطمي في القرن "١١م" وارثة الخلافة في بغداد بعد انحطاط مركزها السياسي والفكري، وقامت إمارات آل سليمان وآل بويه الفارسية، ودول الأتراك السلاجقة والخوارزميين والمغول وامتدت الحضارة الإسلامية إلى الهند والصين وحمل الأغالبة في شمال إفريقية حضارة العرب إلى صقلية، وكذلك كانت الدولة العثمانية وريثة أيضا للدولة العباسية، وعرفت هذه الممالك الإسلامية كثيرا من الأدباء والعلماء والمفكرين الذين أسهموا في بناء صرح الإنسانية. ومن هؤلاء الفردوسي صاحب الشاهنامة، وأحد كبار الشعراء
стр. 302
الحماسيين عاش في بلاط السلطان محمود الغزنوي، وفي دولة بني بويه. وفي فارس السلجوقية ظهر الفيلسوف والعالم الإسلامي الشهير أبو حامد الغزالي الملقب بحجة الإسلام وابن سينا الذي ولد في بخارى وتوفي في همذان، كما ظهر أيضا عمر الخيام العالم الرياضي، المشهور أكثر بشاعريته ولا سيما رباعياته التي لاقت شهرة كبير لا في العالم الإسلامي فحسب بل في دول الغرب أيضا.
ثانيا: الدولة الإسلامية في المغرب:
يتضمن الكلام عن الدولة الإسلامية في المغرب في العصور الوسطى الكلام عن شمال إفريقيا والأندلس.
أ- في شمال إفريقيا:
قبل الفتح الإسلامي كان ما يعرف الآن بالمغرب جزءا من الإمبراطورية الرومانية كما كانت مصر وبلاد الشام جزءا من هذه الإمبراطورية أيضا. وقد عمل الرومان على نشر ثقافتهم اللاتينية في بلاد شمال إفريقيا ونقلوا إليها مدارسهم وأنظمتهم التعليمية، كما كانت الآداب والفنون اليوناينة مزدهرة في روما فإنها قد وجدت لها مراكز خصبة في شمال إفريقيا طيلة القرنين الأولين من استيلاء الرومان على إفريقيا.
وكانت قرطاجنة التي بعثت من جديد بعد أن دمرها الرومان مركزا هاما للثقافة والفنون الهلينية في العالم الروماني حتى أصبحت تفاخر وتنافس جامعتي روما وأثينا. وكانت اللغتان اليوناينة واللاتينية تحييان بها جنبا إلى جنب. وإلى جانب المدارس ومراكز الثقافة الرومانية كانت هناك أيضا المعابد والهياكل الدينية بما فيها من مكتبات وما كان يعقد فيها من محاضرات وندوات وكذلك المسارح والملاعب التي عمت القرى والمدن الإفريقية وعملت على نشر الثقافة الرومانية، وفيما بعد مع بداية القرن الثالث الميلادي نرى أنه قد تعاقب على عرش روما أباطرة أفارقة من آل البينوس "سوسة" وآل سفيروس من أبناء طرابلس الغرب ومكرينوس الشرشابي وآر غرديانوس القرطاجني.
стр. 303
وكان هؤلاء الأباطرة مشغوفين بالعلم مكرمين لأهله كما كانوا يعتزون بأفريقيتهم ويحنون لوطنهم ويعطفون على أبناء جلدتهم فأغدقوا عليهم العطايا وخلعوا عليهم الوظائف السامية كما بنوا المدارس والمعابد بإفريقيا.
وإبان القرن الرابع الميلادي والنصف الأول من القرن الخامس الميلادي بدأت المسيحية بعد أن اعترف بها دينا رسميا في روما تغزو شمال إفريقيا ونجد هناك من يروجون لها.
ولما احتل البيزنطيون شمال إفريقيا وإبان القرن السادس الميلادي لم يعنوا كثيرا بالثقافة والعلم إذ كان عصرهم عصر حروب ومقاومة وثورات وانحطاط فكري وثقافي "إبراهيم التوزري: ج١ ص٢٨-٧٣" وكان ذلك إيذانا بميلاد عصر جديد برز نوره وأخذ يمتد سناه نحو الغرب وكان ذلك مع بشائر الفتح العربي الإسلامي.
وبدون الدخول في تفصيلات تاريخية يمكن القول بأنه عندما تقدمت الجيوش في شمال إفريقيا أقام القائد العربي عقبة بن نافع مدينة القيروان عام ٥٠هـ "٦٧٠م" وأصبحت مركزا سياسيا وحربيا هاما للعرب وتم لهم السيطرة على البرابرة الذين دخلوا في دين الله وأقبلوا على تعلم اللغة العربية وأصبحت القيروان إلى جانب كونها عاصمة سياسية ودينية منتجعا للعلم والثقافة يفد إليها طلاب العلم من مختلف الأصقاع.
وفي عهد الدولة الأغلبية التي أسسها إبراهيم بن الأغلب التميمي الوالي العربي في القيروان في الفترة من ١٨٥هـ-٨٠٠م إلى ٢٩٥هـ-٩٠٩م انتشرت اللغة العربية وازدهرت العلوم وخلفت الدولة الأغلبية الدولة الفاطيمة والعبيدية التي عملت على تشجيع العلوم والمعارف على الرغم من الصراعات والفتن المذهبية التي كانت تقلقها وتعكر صفوها.
وبلغت العلوم والمعارف أوج ازدهارها في عهد الدولة الصنهاجية البربرية "الزيرية" التي خلقت الفاطميين بعد رحليهم إلى مصر عام ٣٦٢هـ-٩٧٣م وانقرضت هذه الدولة على يد الموحدين المغاربة عام ٥٥٦هـ-١١٦٠م، عندما اختفت هذه النهضة الثقافية الفكرية. وهكذا كانت مدينة القيروان مركزا هاما
стр. 304
من مراكز الثقافة العربية الإسلامية خلال العصور الوسطى، وسنشير إلى بعض جوانب الحركة الثقافة فيها فيما بعد.
وبالنسبة لنشأة المدارس فقد تأخر ظهور المدرسة في المغرب والأندلس عن مثيلتها بالمشرق. وترجع نشأة المدارس بالمغرب إلى القرن السابع الهجري عندما أنشأ أمير المؤمنين يعقوب بن عبد الحق "٦٥٦-٦٨٤هـ" الملقب بالمؤيد والمنصور والقائم مدرسة بفاس وأوقف عليها الأوقاف وأجرى على طلاب العلم بها المرتبات ... واتبع ابنه السلطان أبو سعيد عثمان بن يعقوب سنة أبيه في بناء المدارس فأسس مدرسة "المدينة البيضاء" بفاس "والمدرسة العظمى" بفاس أيضا سنة ٧٢٣هـ والتي عرفت فيما بعد بمدسة العطارين. وفي وصف هذه المدرسة يقول المؤرخ أبو العباس الناصري في كتابه "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى": من أعجب مصانع الدول لم يبن ملك قبله مثلها وأجرى فيها الماء من بعض العيون ورتب فيها الطلبة وجعل لها إماما ومؤذنين وقومة يقومون بأمرها. ورتب فيها فقهاء التدريس وأجرى على هؤلاء المرتبات والمؤن الزائدة عن الكفاية. وقد اشترى لأجل ذلك عدة أملاك وأوقفها عليها.
وكان الخلفاء والولاة في عاصمة الدولة الإسلامية يهتمون بنشر الدين في الأقاليم البعيدة. وقد أرسل الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز إلى شمال إفريقيا عشرة من الفقهاء لتعليم أبناء البربر مبادئ الدين، كما أن بعض الحكام والسلاطين المحليين أظهروا اهتمامهم بالتعليم أيضا منهم على سبيل المثال السلطان أبو الحسن بن أبي سعيد المريني "٧٣٢-٧٤٩هـ" قد أظهر اهتمامه ببناء المدارس حتى قبل تولية الخلافة، إذ بنى سنة ٧٢١هـ مدرسة في فاس غرب جامع الأندلس. وبنى حولها سقاية ودار وضوء وفندقا لسكنى الطلاب. وعين فقهاء للتدريس وأجرى عليهم جميعا الإنفاق والكسوة وأوقف لها ربوعا كثيرة. وأنشأ مدارس عديدة بفاس منها "مدرسة الوادي" ومدرسة الصهريج ومدرسة "الرخام" ومدرسة "الحلقاويين" ومدرسة "المصباح" نسبة إلى أول فقية تولى التدريس فيها، وهو أبو الضياء مصباح بن عبد الله الباصلواتي. كما أنشأ مدارس أخرى خارج العاصمة فاس في سبتة وطنجة وآزمور وأغمات والعقد
стр. 305
الكبير والعباد وغيرها "أبو العباس الناصري: ج٢ ص٦٥-١١٢". وسار ابنه السلطان أبو عنان فارس بن أبي الحسن المتوكل "٧٤٩-٧٥٩" على سنة والده أبي الحسن في بناء المدارس فبنى المدارس العنانية على اسمه ومدرسة أخرى بسلا.
ب- في الأندلس:
نعني بالكلام عن الدولة الإسلامية في المغرب "الأندلس: بصفة خاصة، وقد فتحها العرب في القرن الأول الهجري "أوائل السابع الميلادي" وكان العرب يطلقون اسم "الأندلس" على جميع بقاع إسبانيا التي خضعت للمسلمين، وترجع التسمية إلى القبائل التي كانت تسكن إسبانيا. فقد ظلت إسبانيا تحت حكم الرومان حتى أغارت عليها قبائل تعرف بقبائل الوندال فأطلق عليها العرب "الأندلس".
ويورد ليفي بروفنسال في كتابه: "حضارة العرب في إسبانية" القاهرة ١٩٣٨ دليلا على لسان "ألفارو" القرطبي المسيحي الذي كان من غلاة المتعصبين في شبة الجزيرة الأندلسية في القرن التاسع يوضح فيه مدى انتشار الثقافة العربية بين المسيحين ويصرخ مما أصاب أهله من انتشارها يقول فيها: "أبناء ديني يحبون إنشاد الأشعار العربية بل إنهم يدرسون مؤلفات علماء الكلام لا ليدحضوها ويفندوها وإنما ليقوموا نطقهم العربي تقويما صحيحا ... إن جميع شبان النصارى بما لهم من نبوغ لا يعرفون غير اللغة العربية وأدابها، وإنهم يقرءون الكتب العربية ويدرسونها باهتمام بالغ. وكونوا لأنفسهم مكتبات منها أنفقوا عليها أموالا كثيرة معلنين في كل مكان إعجابهم بهذه الكتب والآداب. واحسرتاه! لقد نسي النصارى لسانهم الديني ولا تكاد تجد بين كل ألف منا واحد يستطيع أن يكتب بصورة لائقة رسالة باللاتينية إلى صديق له. أما إذا كان الأمر يتعلق بكتابة رسالة بالعربية وجدت الكثير من الناس قادرا على التعبير بهذه اللغة تعبيرا مناسا. بل إن من بينهم من يقدر على نظم القصائد بالعربية بصورة قد تفوق من الناحية الفنية ما ينظم العرب أنفسهم". وهذا يوضح مدى انتشار الثقافة العربية في الأندلس آنذاك. ومع أن الأندلس لم يكن
стр. 306
لها صلة بالشرق إلا لمدة حوالي ٤٤ سنة من آخر سنوات الدولة الأموية وقطعت هذه الصلة بقيام الدولة العباسية فإن العرب في إسبانيا استطاعوا في أقل من قرن بالأندلس أن يحيوا ميت الأرض ويعمروا خراب المدن ويقيموا أفخم المباني ويوطدوا وثيق الصلات التجارية بجميع الأمم.
ومن الأندلس كان العرب يصدرون منتجات المناجم ومعامل الأسلحة ومصانع الحرير والجلود والسكر إلى الشرق وإفريقيا. وأنشئوا المدارس والمساجد والفنادق والمستشفيات في كل مكان إلى جانب أنهم شقوا الطرق والجسور.
وكانت الزراعة موضع عناية خاصة بهم فقد درس العرب أمر الزراعة دراسة قائمة على معرفة تامة بالإقليم والأرض ونمو النبات وتكاثر الحيوان لدرجة يقال معها أحيانا إنه لم يتوفر لأي أمة متمدنة في أوربا وآسيا أو إفريقيا من أصول الزراعة بمثل ما توفر لعرب الأندلس. ولم تصل أي بلد من الازدهار الزراعي درجة أعلى مما وصلت إليه الأندلس العربية ولا سيما مملكة غرناطة. فقد كان إقليم الأندلس يدر ثلاثة محاصيل في كل عام. وكان العرب أول من أدخل إلى الأندلس زراعة الأرز والموز واللوز والفستق والنخيل وقصب السكر وجلبوا إليها الزهور والخضر التي لم تكن معروفة ومنها انتشرت فيما بعد إلى أوربا. ولا تزال معظم أسماء الزهور في اللغة الإسبانية شاهدا على ما استعير مباشرة من العرب والمسلمين. كما كان للصناعة نهضة فاستغلت مناجم الزئبق والياقوت كما استخرج اللؤلؤ والمرجان من الشواطئ. وطورت صناعة الجلود ودباغتها ونسج القطن والكتان والقنب.
أما الناحية العقلية والفكرية فكان للأندلس نشاط بالغ في ميدان العقل والفكر إلى جانب الازدهار المادي. وبلغت أسماء ابن رشد وابن ماجه وابن عربي وابن حزم شهرتها، وكانت الأندلس في عهد العرب أعظم دول الغرب في هذا العصر ازدهارا وحضارة. وظهرت قرطبة أكبر عواصم أوربا آنذاك نورا وكثرت القصور والمدارس، والمراصد والمكتبات. وقد أنشأ العرب مدرسة الطب في مونبليه في جنوب فرنسا.
ويروي مؤلفو الغرب أنه كان يوجد في الأندلس في ذلك الحين سبعون
стр. 307
مكتبة عامة، وأن مكتبة الخليفة "الحكم" بقرطبة كانت تشتمل على أربعمائة ألف مجلد منها ٤٤ مجلدا للفهارس وحدها. وكانت بلاطات ملوك المسلمين في المدن الأندلسية المختلفة مثل طليطة وبطليوس وبلنسية والمرية وغرناطة وإشبيلية على الخصوص ندوات يجتمع فيها الشعراء والأدباء والعلماء والفلاسفة والأطباء والمتخصصون في العلوم المختلفة وكانوا يحصلون على مكافآت مادية مجزية يدفعها لهم أمراء متنورون نصراء للعلم والأدب.
وقد ظلت الحياة الفكري مزدهرة واستمرت بالرغم من التدهور السياسي حتى انقراض إمارة غرناطة التي كانت آخر الإمارات الإسلامية. وقد كانت الحياة العقلية والفكرية مزدهرة في هذه الإمارة ولا سيما في مدينتيها الكبيرتين "مالقة والمرية". وجاءت النهاية الحزينة في الثاني من يناير ١٤٩٠ الذي كان يوما حزينتا مشئوما استسلمت فيه غرناطة آخر الإمارات الإسلامية. وبعدها بدأ اضطهاد العرب بل والموريسيكيين منهم، "وهم المسلمون الذين تنصروا سرا" واستمر الاضطهاد طيلة حوالي قرن من الزمان بلغ ضحاياه في تقدير المؤرخين ثلاثة ملايين من العرب ... وينتهي دور الاضطهاد عام ١٥٥٦ بطرد جميع العرب من الأندلس إلى إفريقية. ونقل مليونه منهم بطريقة بالغة القسوة. ويروي المؤرخون أنه ذبح في الطريق ثلاثة أرباعهم. وحرقت الكتب والمخطوطات العربية الثمينة، وفي غرناطة وحدها أحرق ما يقرب من ثمانين ألف مخطوط عربي. وقد كانت هذه النهاية نهاية الأندلس الإسلامية ونهاية إسبانيا المسيحية أيضا. إذ خسرب بفقد العرب شريان حياتها الدافق. وترك العرب وراءهم فراغا كبيرا انعكس على الحياة في إسبانيا لعدة قرون تالية ولم يكن يملأ هذا الفراغ كل الذهب الذي جمعه غزاة الإسبان من المكسيك وبيرو وجاءوا به إلى إسبانيا وطنهم الأم. لقد جفت المياة الجارية ونضبت الينابيع المتدفقة وجفت الزهور اليانعة وعم الأرض البور والخراب وخلت المدن من سكانها، وتدهورت الفنون والحرف. ولم تلبث الدولة التي كانت على رأس جميع الأمم أن هوت إلى الحضيض. ويحدد القرن التاسع الهجري "السادس عشر الميلادي" النهاية الحزينة لسقوط الحضارة الإسلامية بعد أن كانت منارة الإنسانية طيلة العصور الوسطى، وتلك سنة الله في خلفه ولله في خلقه شئون.
стр. 308
السمات العامة للتربية الإسلامية في العصر الذهبي
دخول العلوم العقلية
...
السمات العامة للتربية الإسلامية في العصر الذهبي:
كان من أهم السمات العامة للتربية الإسلامية في هذه الفترة دخول العلوم العقلية وإنشاء المدارس وظهور الآراء التربوية المتميزة وهو ما سنفصل الكلام عنه في السطور التالية:
١- دخول العلوم العقلية:
يميز علماء المسلمين بين العلوم النقلية وهي علوم العقيدة والشريعة الإسلامية وبين العلوم العقلية. يقصد بها: علوم الفلسفة والرياضيات والهندسة والجبر والفلك والطب والطبيعية والكيمياء والموسيقى والتاريخ والجغرافيا.
وقد سبق أن أشرنا إلى فضل المسلمين على هذه العلوم. بيد أنه لا يمكن أن تغفل أثر حركة الترجمة الهائلة التي قام بها المسلمون في العصر العباسي لترجمة علوم الإغريق وكتبهم. ويقول ابن خلدون في "المقدمة" في كلامه عن العلوم العقلية: "واعلم أن أكثر من عني بها في الأجيال الذين عرفنا أخبارهم الأمتان العظيمتان في الدولة قبل الإسلام وهما فارس والروم.. وأما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيما. ولما فتحت أرض فارس وجدوا فيها كتبا كثيرة". وقد بلغت الثقافة العربية قمة ازدهارها عندما انفتحت على الثقافات الأخرى وتفاعلت معها، وقد قام المسلمون بترجمة علوم اليونان ودراستها وكان للخليفة المنصور شرف المبادرة في اتخاذ الخطوة الأولى وسار على نهجه الخلفاء من بعده المهدي والرشيد والمأمون. ويذكر صاعد الأندلس في كتابه "طبقات الأمم" "ص٤٧": أن الخليفة المأمون طلب من ملوك الروم كتب حكماء اليونان فأرسلوا إليه على سبيل الهدية مؤلفات أفلاطون وأرسطو وبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس. وبلغ من اهتمام الخليفة المأمون بهذه الكتب أنه أمر بترجمتها وحث الناس على قراءتها ودراستها. وقد نالت هذه الكتب شهرة ورواجا في عصره وراجت الفلسفة اليونانية وكثر المشتغلون بها وأغدق عليهم
стр. 309
المأمون من كرمه بالجوائز والمناصب الرفيعة. وأصبحت الدول العباسية منافسة للدولة الرومية في هذه العلوم.
ومن المعروف أنه عندما نفي الإمبراطور الروماني جستنيان فلاسفة الإغريق وعلماءهم من "أثينا" لوثنيتهم فروا إلى بلاد الفرس لما وجدوه من ترحيب كسرى أنو شروان "٥٣١-٥٧٨". وكان قد أسس في "جند يسابور" من أعمال خوزستان في وسط آسيا دارا للعلم قام فيها هؤلاء العلماء بتدريس الفلسفة والطب. وبقي أثرها في تلك البلاد حتى ظهرت الدولة العباسية. كما غدت "حران" مركزا من مراكز الثقافة اليونانية ببلاد العراق. وتكلم أهلها وهم "الصابئة" اللغة العربية في سهولة ويسر، وساعدوا إلى حد كبير على نشر الثقافة اليونانية بين المسلمين. وإليهم يرجع الفضل في ترجمة كثير من الكتب عن اللغات الأجنبية، وشهد العالم الإسلامي حركة علمية كبيرة بلغت ذروتها في القرن الرابع الهجري. وكان قوام هذه الحركة ترجمة المسلمين لعلوم الإغريق واليونان والرومان والفرس والهنود من علوم مختلفة في الطب والفلسفة والرياضيات والطبيعة والفلك والموسيقى. وقد أعجب المسلمون إعجابا كبيرا بهذه العلوم الجديدة وأقبلوا على دراستها، بل ولقبوا أرسطو أحد مشاهير روادها بالمعلم الأول. والحسن بن الهيثم "٩٦٥-١٠٣٩م" وهو من أكبر علماء الفيزياء على مر العصور وله جهود عظيمة في علم البصريات ودرس العلوم المختلفة من طب وفلسفة ورياضيات والإلهيات كتب يقول موضحا سر اهتمامه بهذه العلوم ومعلنا إعجابه بأرسطو:
"ازدريت أعوام الناس ولم ألتفت إليهم واشتهيت إيثار الحق وطلب العلم واستقر عندي أنه ليس ينال الناس من الدنيا شيئا أجود ولا أشد قربة من الله من هذين الأمرين. فخضت لذلك في ضروب الآراء والاعتقادات وأنواع العلوم والبيانات، فلم أحظ من شيء منها للحق منهجا ولا إلى الرأي اليقيني مسلكا جددا، فرأيت أنني لا أصل إلا عن آراء يكون عنصرها الأمور الحسية وصورتها الأمور العقلية فلم أجد ذلك إلا فيما قرره أرسطو من علوم المنطق والطبيعيات والإلهيات. فلما تبينت ذلك أفرغت وسعى في طلب الفلسفة وهي ثلاثة
стр. 310
علوم رياضية وطبيعية وإلهية" "ابن أبي أصيبعة: ج٢ ص٩٢".
والفيلسوفان المعروفان الفارابي "ب٣٣٩هـ" وابن سينا "ت٤٢٨هـ" اعترفا بعظمة أرسطو. وابن رشد "ت٥٩٥هـ" يفوق السابقين في تعظيمه لأرسطو وتقدير مكانته لدرجة لا مثيل لها. وهناك من ناحية أخرى من علماء المسلمين في الفلسفة من رفض في أول الأمر فلسفة أرسطو ومنطقه. وتصدى كثير منهم للرد عليه. وكان علماء المعتزلة أول من فعل ذلك. منهم النظام وأبو علي الجبائي. وفي القرن الثالث الهجري ألف حسن بن موسى النويختي كتاب "الآراء والديانات" رد فيه على بعض المسائل المنطقية عند أرسطو. وفي القرن الرابع الهجري ألف الإمام أبو بكر الباقلاني كتاب بعنوان "الدقائق" فند فيه الفلسفة وأثبت فضل منطق العرب على اليونان، وفي القرن الخامس الهجري قام الشهرستاني صاحب كتاب "الملل والنحل" المعروف وألف كتابا في الرد على برقلس وأرسطو. ونقض فيها أولهما وفق أصول المنطق وقواعده. وقام الغزالي في نهاية القرن الرابع الهجري بتأليف كتابه المعروف "تهافت الفلاسفة في نقد الفلسفة". وفي القرن السادس الهجري قام أبو البركات البغدادي بتأليف كتاب "المعتبر" أبطل فيه أفكار أرسطو "أبو الحسن الندروي: ١٩٨٧، ص١٦٥". وقام ابن تيمية بنقد الفلسفة اليونانية ونقد أرسطو مؤيدا حججه بالأدلة والبراهين. ويمكن الرجوع إلى تفصيل نقده في الجزء الخاص به من هذا الكتاب.
وفي القرن السابع الهجري تبرز شخصية نصر الدين الطوسي "المتوفى ٦٧٢هـ" الذي عرف باسم المحقق الطوسي في أوساط وحلقات الفلسفة. ودافع عن فلسفة أرسطو ونفخ فيها روحا جديدة. ومن المعروف عنه أنه عاش إبان غزو التتار وسقوط بغداد بل إن كان من مستشاري زعيم التتار هولاكو ومن المقربين إليه. وقد توفي بعد عشر سنوات من مولد ابن تيمية "المرجع السابق: ١٦٦".
ولا شك أن العرب في نقلهم لعلوم اليونان والرومان قد نقلوها بعد تطويعها لثقافتهم الإسلامية فالإسلام لا يعرف التعصب ولا يعرف الانغلاق وقد لعب العرب دور الوسيط في نقل هذه العلوم. وقد عبر أحد المؤرخين بقوله، وهي
стр. 311
شهادة شاهد من غير أهله:
"كان العرب مستعدين استعدادا عجيبا لتمثيل دور الوسيط وكانوا ذوي نشاط منقطع النظير يعتبر آية على دورهم الممتاز في تاريخ الدنيا. وكانوا على عكس بني إسرائيل المتعصبين راغبين في مصاهرة الأمم المغلوبة من غير جحود لخلقهم القومي وتقاليدهم على الرغم من تغلبهم في مختلف الأمصار".
"ولو أن دور الحضارة الإسلامية اقتصر على إنقاذ علوم القدماء وعلى الاحتفاظ بها ذخيرة كاملة تسلم إلى الأجيال القادمة لاعتبر هذا الدور خدمة جليلة للإنسانية لا تقدر بثمن. بيد أن دور العرب والمسلمين لم يقتصر على مجرد حفظهم لعلوم اليونان والرومان وإنما أضافوا لها وزادوا عليها. ذلك أنهم لم يتلقوا هذه العلوم كتلامذة وإنما كأساتذة". ويعتقد كثير من المؤرخين أنه بدون هذا الدور الذي قام به العرب بالنسبة لعلوم اليونان والرومان لتعذر ظهور عصر النهضة الأوربية. ويقول المؤرخ الفرنسي "سيديللو" في كتابه عن تاريخ العرب "باريس ١٨٥٤" "إن العرب وحدهم كانوا ممثلي الحضارة في القرون الوسطى فدحروا توحش أوربا التي زلزلتها غارات أمم الشمال". ومع هذا ردد كثير من الأوربيين الدعوى القائلة بأن حضارة العرب في القرون الوسطى لم تكن إلا ظل الحضارة اليونانية وأن العرب كانوا مجرد ناقلين أو حافظين لهذه الحضارة. وفي هذه الدعوى كثير من الزيف والخطأ والتعصب وقد رفضها المنصفون من علماء الأوربيين أنفسهم. وفي هذا القول يقول درابر DRAPER "ادعينا طويلا أن المسلمين لم يفعلوا شيئا أكثر من نقل علوم اليونان ونحن لا نستطيع أن نسير في مثل هذا النهج الغامض دون أن نتهم بالجهل والخطأ". وفي هذا يقول أيضا جورج سارتون SARTON أنه من سذاجة الأطفال أن نفترض أن العلم بدأ في بلاد الإغريق لأن المعجزة الإغريقية سبقتها آلاف الجهود العلمية في مصر وفي بلاد ما وراء النهرين وغيرها من البلاد، إن العلم اليوناني كان إحياء أكثر منه اختراعا وكفانا سوءا أننا أخفينا الأصول الشرقية المصرية والبابلية التي لم يكن التقدم الهليني ممكنا بدونها.
ويقول العالم الفرنسي سيديللو SIDILLOT الذي سبقت الإشارة إليه في كتابه
стр. 312
"تاريخ العرب العلام" إن العرب كانوا أساتذة أوربا في جميع فروع المعرفة. وقد حاول الأوربيون أن يقللوا من شأن العرب ولكن الحقيقة ناصعة وليس من مفر أمامنا إلا أن نرد العرب عاجلا أو آجلا ما يستحقونه من عدل.
وعلى كل حال فإن دخول العلوم العقلية تمثل مرحلة جديدة في التربية الإسلامية مكنت الفكر الإسلامي من القيام بدوره في إثراء الفكر العالمي ودخلت هذه العلوم العقلية إلى منهاج التربية الإسلامية في مراكز التربية والتعليم المختلفة وفي مقدمتها المدارس.
стр. 313
٢- نشأة المدارس:
شهدت هذه الفترة ظهور المدارس ولم تكن معروفة من قبل ويقال إن نظام الملك هو أول من أنشأ المدارس في الإسلام فكان إنشاؤها يمثل قمة التربية المدرسية الإسلامية. وسنتناول الكلام بالتفصيل عن المدارس في كلامنا فيما بعد عن مراكز التعليم في الإسلام.
стр. 314
٣- ظهور الآراء التربوية المتميزة:
كان من أهم السمات التي تميزت بها التربية الإسلامية خلال هذه الفترة تصدي علماء المسلمين للكتابة عن موضوع التربية والتعليم كتابة مستفيضة تعكس اهتماما خاصا بها. وكان أول المؤلفين في هذا الموضوع، ابن سحنون في القرن الثالث الهجري والقابسي في القرن الرابع الهجري وغيرهم كثيرون ممن تناولوا الكلام في هذا الموضوع من أشهرهم ابن مسكويه والغزالي في القرن السادس الهجري وابن خلدون في القرن الثامن الهجري وألف برهان الدين الزرنوجي المتوفى عام ٥٩١هـ كتاب "تعليم المتعلم طريق التعلم" الذي ترجم إلى اللاتينية وحظى بشهرة كبيرة عند المسلمين. ويقول عنه الأهواني: إن قيمته ضئيلة الشأن لا تتعدى حجمه الصغير ويبرر ذلك بقوله إن صاحبه لم يأت بجديد وإنه كثيرا ما كان ينزل إلى مستوى العامة في الاعتقاد بأوهام لا تستند إلى أساس علمي "أحمد فؤاد الأهواني: ص٢١٠" وربما كان هذا الحكم قاسيا على الزرنوجي فهو لا يقف وحيدا في النقل عن السلف كما أن كتابه لا يخلو من قيمة تربوية وقد اعتبره إبراهيم سلامة واحدا من أهم كتابين في التربية ثانيهما هو
стр. 315
كتاب القابسي كما أن المتأخرين من دارسي الزرنوجي قد اعتبروا كتابه ذا أهمية تربوية ونفسية. ويتضح ذلك من آرائه التربوية التي أشرنا إلى بعضها في هذه الكتاب والتي تدل على سعة أفقه وعمق تفكيره إلى جانب خبرته وتجاربه.
ويلاحظ أن من ألف في التعليم من المتأخرين اعتمد بصورة أساسية على تلخيص آراء المتقدمين وأحيانا بدون ذكر المصادر التي أخذوا عنها. فالقابسي في رسالته المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين نقل كثيرا من آراء ابن سحنون أول من ألف في الموضوع "رسالة آداب المعلمين" والغزالي نقل عن ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق. والعجب أن ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق نقل عن بروسين وعن الإغريق. وشمس الدين الإنبابي في رسالته "رياضة الصبيان" نقل أيضا عن ابن مسكويه. وشيخ الإسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري في كتابه "اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم" نقل عن الغزلي. وهكذا كان الخلف ينقل عن السلف. كما لم يجد علماء المسلمين حرجا في النقل عن الإغريق وفي مقدمتهم أرسطو الذي لقبوه بالمعلم الأول.
وسنتناول تفصيل الكلام عن بعض مشاهير علماء المسلمين الذين تحدثوا عن التربية والتعليم واهتموا بدراسة الموضوع دراسة تحليلية تفصيلية فيما بعد عند الكلام عن أعلام التربية في الإسلام.
стр. 316
الفصل الثامن: مركز التعليم الإسلامي
أولا: المساجد
...
الفصل الثامن: مركز التعليم الإسلامي
كان المسجد والكتاب من أهم مراكز التعليم الإسلامي في العصور الأولى. وعرفت المدارس فيما بعد وقامت بدور كبير في التعليم في البلاد الإسلامية. وإلى جوار هذه المراكز كانت هناك أيضا المكتبات ودور الحكمة وبلاط الخلفاء وحوانيت الوراقين والرباطات والبيمارستانات كمراكز تعليمية مع تفاوت نسبي في الأدوار بينها. وسنفصل الكلام عن هذه المراكز في الصفحات التالية:
أولا: المساجد
يميز المؤرخون في الإسلام بين نوعين من المساجد: المسجد الصغير وهو لقضاء الصلوات العادية، أما المسجد الجامع فهو مسجد كبير واسع الأركان تقام فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وصلاة العيدين. وكان مركزا للحياة الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية والقضائية.
وقد لعبت المساجد دورا تربويا هاما في أول الدعوة الإسلامية وكانت مركزا للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية, وكانت تقوم بوظائف متعددة من أهمها:
١- أنها كانت دورا للعبادة والصلاة.
٢- أنها كانت مراكز تربوية وثقافية هامة يعقد بها حلقات العلماء لدراسة القرآن الكريم والفقه واللغة كما كانت أماكن للفتوى.
٣- أنها كانت تستخدم أيضا كمعاهد لتعليم الناشئة أصول الدين واللغة والأدب.
٤- كانت مكانا للتقاضي يجتمع فيه القضاة للفصل في الشكاوى والخصومات.
٥- كانت مراكز لتصريف شئون الدولة قبل إنشاء الدواوين الحكومية فكان النبي ﷺ يستقبل السفراء في المساجد ويدير شئون الدولة فيها.
٦- كان المسجد مكانا إعلاميا هاما فيه تذاع الأخبار الهامة التي تتعلق
стр. 317
بالمصالح الهامة وفيه التجهيز للحروب والغزوات. ومن الأمثلة على ذلك أن عمر أعلن من على المنبر تقهقر جيوش المسلمين في العراق واستحث قومه على السير إلى هذه البلاد ... وعلى المنبر أيضا وقف عثمان يدافع عن نفسه.
٧- كان الخليفة بعد مبايعته يصعد المنبر ويلقي خطبته الأولى مضمنا إياها سياسته في الحكم، كما كان يلقي خطبة على الناس أثناء خلافته أو التشاور معهم في الأمور الهامة التي تعنيهم كما كان يجلس فيه للفض في الخصومات بين الناس.
ومن أشهر المساجد والجوامع المعروفة: المسجد النبوي الشريف بالمدينة والجامع العتيق أو جامع عمرو "المؤسس سنة ٢١هـ في القاهرة" وجامع ابن طولون في القاهرة أيضا، ومسجد الكوفة "١٤هـ"، ومسجد البصرة "١٧هـ" الذي كان يضم حلقات الشعر والأدب والجدل، ومسجد دمشق ويعرف الآن بالمسجد الأموي "بني ١٩هـ" في تونس وجامع الزيتونة في تونس، ومسجد القرويين في فاس، وجامع قرطبة في الأندلس والجامع الكبير في صنعاء. والجامع الأزهري الذي بناه الفاطميون وسموه بالأزهر تيمنا بفاطمة الزهراء بنت الرسول ﷺ جدة الفاطميين. وكان كعبة لكل طلاب العلم من مشرق العالم الإسلامي لمغربه وكان في بدايته يدعو لمذهب الفاطميين وهو أساس إنشائه، ولكن كان يدرس فيه إلى جانب ذلك العلوم العقلية والنقلية بما فيها من فلسفة ومنطق وطب ورياضيات.
ويذكر ابن خلدون أن المساجد الكبرى العظيمة أو الجامعة هي التي كان يتولى شئونها الخلفاء أو الحكام فيعينون أئمتها وأهل العلم والفتوى والتدريس بها. أما المساجد الصغيرة فلم تكن تحظى بهذه الرعاية. ويفصل ابن خلدون القول فيقول: فاعلم أن المساجد في المدينة صنفان: مساجد عظيمة، كثيرة الغاشية معدة للصلوات المشهودة، وأخرى دونها مختصة بقوم أو نحلة، وليست للصلوات العامة. فأما المساجد العظيمة، فأمرها راجع إلى الخليفة أو من يفوض
стр. 318
إليه، من سلطان أو من وزير أو قاض فينصب لها الإمام في الصلوات الخمس والجمعة والعيدين والخسوفين والاستسقاء، وتعيين ذلك إنما هو من طريق الأولى والاستحسان. ولئلا يفتات الرعايا عليه في شيء من النظر في المصالح العامة وأما المساجد المختصة بقوم أو نحلة فأمرها راجع إلى الجيران، ولا تحتاج إلى نظر خليفة ولا سلطان.
وأما "الفتيا" فللخليفة تصفح أهل العلم والتدريس، ورد الفتيا إلى من هو أهل لها، وإعانته على ذلك ومع من ليس أهلا لها وزجره لأنها من مصالح المسلمين في أديانهم، فتجب عليه مراعاتها لئلا يتعرض لذلك من ليس له بأهل فيضل الناس، وللمدرس الانتصاب لتعليم العلم وبثه والجلوس لذلك في المساجد، فإن كانت من المساجد العظام التي للسلطان الولاية عليها والنظر في أئمتها كما مر فلا بد من استئذانه في ذلك وإن كانت من مساجد العامة، فلا يتوقف ذلك على إذن، على أنه ينبغي أن يكون لكل واحد من المفتين والمدرسين زاجر من نفسه، يمنعه عن التصدي لما ليس له بأهل فيدل به المستهدي ويضل به المسترشد "مقدمة ابن خلدون ص١٥٩".
المسجد كمركز تعليمي:
كان النبي ﷺ أول من اتخذ المسجد مكانا للدعوة والتعليم ففي أول الأمر كان يتخذ من منزله ومن دار الأرقم بن أبي الأرقم مكانا لنشر الدعوة وبعد الهجرة كان إنشاء المساجد فانتقل الرسول ﷺ بنشاطه الديني والتعليمي إلى المسجد، وكان مسجد قباء أول المساجد التي بنيت في الإسلام وأنشئ بعده مسجد الرسول ﷺ بالمدينة المنورة. وتوالى بعدها إنشاء المساجد.
وكان التعليم في المساجد يقوم على تعليم أمور الدين وتذكير الناس بالآخرة. وكان التعليم في هذه الأمور يعتمد على الأسلوب القصصي ممتزجا بالعلوم والحكمة والموعظة، كما كانت تدرس أيضا العلوم الدينية من قرآن وتفسير وحديث.
وكان أصحاب المذاهب والملل والنحل المختلفة يجتمعون في المساجد ويلقون الدروس وفقا لمذاهبهم وأحيانا يحرم التدريس في المساجد على مذهب معين
стр. 319
كالشيعة مثلا. وكان أحيانا يحرم التدريس فيها. إلا من كان على مذهب أهل السنة. وقد اتسعت الدراسة بالمساجد وتنوعت فشملت علوم الكلام والفقه وكان يقوم بالتعليم بالمسجد أحد الشيوخ من يأنس في نفسه المقدرة على التعليم. وكان الشيخ يجلس على حصير أو بساط ووسادة أحيانا كان يجلس على كرسي مرتفع حتى يسمعه الحاضرون. وكان الطلاب يجلسون من حوله في حلقة تتفاوت في حجمها حسب مكانة الشيخ العلمية وحسب ظروف العمل للطلاب.
وكان الشيخ يفتتح الدرس بالبسملة والحمد لله والحوقلة والصلاة على النبي. وقد يتلو آيات من القرآن الكريم أو الحديث الشريف ما يتصل بطلب العلم وبحث عليه. ثم يبدأ في الكلام عن موضوع درسه وكانت الدروس تتنوع فمنها ما يهدف إلى التوعية العامة بأمور الدين وأصوله وأحكامه ومنها ما كان دروسا منظمة في علم من العلوم. وفي هذه الحالة كان الشيخ يستمد درسه من معلوماته أو من مذكرات كتبها لنفسه ويقوم بإملائها على تلاميذه. ومن أشهر الأمالي المعروفة أمالي أبي على القالي وأمالي سعيد بن الحداد وأمالي هبة الله بن طالب في ثلاثة أجزاء.
وكان الشيخ يقوم بالإملاء بتؤدة وتأن وبترتيب المسائل والأمور، ويقوم الطلاب بتسجيل ما يملى عليهم في كناشاتهم. وقد يقوم الشيخ بتملية النص ثم يكمل الشيخ أماليه كانت تعرض عليه أو يقوم الشرح على هامش النص. وعندما يكمل الشيخ أماليه كانت تعرض عليه أو يقوم الطلاب بقراءتها عليه لتصحيح ما قد يكون بها من أخطاء. ثم يوقع الشيخ على نسخة الطالب مجيزا إياه على روايته وتدريس هذه الأمالي من بعده. وكان للطالب أن يسأل أستاذه بتأدب للاستيضاح. وعليه أن يختار الوقت المناسب للسؤال وكان الأستاذ أحيانا هو الذي يوجه الأسئلة لاختيار فهم طلابه وكان يقوم بالإجابة على ما يصعب من الأشياء. وكان الشيخ ينهي درسه عادة بعبارة "والله أعلم ورسوله". ثم تتلى فاتحة الكتابة وبعدها يتقدم الطلاب بشكر الشيخ والترحم على والديه والدعاء له وقد يقومون بالسلام عليه وتقبيل يديه.
стр. 320
وكان الشيوخ والعلماء يقومون بالتعليم في المساجد احتسابا لوجه الله وتجنبا للعنة التي أوجبها الإسلام على من أخفى علمه عن الناس.
وكان الشيوخ يعيشون من التكسب من كد يمينهم وعلمهم كما كانوا يتلقون المساعدة والعطايا والهدايا من الملوك والأمراء والأعيان وأهل الخير من العامة. وكان الموسرون من الطلبة لا يبخلون بمالهم على مشايخهم كما كان المشايخ يقبلون الهدايا من طلابهم.
وفي تقويم إجمالي للمسجد كمركز تعليمي يمكن القول بأن العلماء المسلمين في آلاف المساجد المنتشرة في البلاد الإسلامية من قرطبة في غرب أوربا إلى سمرقند في وسط آسيا لم يكونوا في عددهم أقل من عدد ما فيها من الأعمدة. وكانت إيواناتها تردد أصداء علمهم وفكرهم.