← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7436

التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية

محمد منير مرسي

Полный текст (538 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الفصل الثامن: مركز التعليم الإسلامي أولا: المساجد ... الفصل الثامن: مركز التعليم الإسلامي كان المسجد والكتاب من أهم مراكز التعليم الإسلامي في العصور الأولى. وعرفت المدارس فيما بعد وقامت بدور كبير في التعليم في البلاد الإسلامية. وإلى جوار هذه المراكز كانت هناك أيضا المكتبات ودور الحكمة وبلاط الخلفاء وحوانيت الوراقين والرباطات والبيمارستانات كمراكز تعليمية مع تفاوت نسبي في الأدوار بينها. وسنفصل الكلام عن هذه المراكز في الصفحات التالية: أولا: المساجد يميز المؤرخون في الإسلام بين نوعين من المساجد: المسجد الصغير وهو لقضاء الصلوات العادية، أما المسجد الجامع فهو مسجد كبير واسع الأركان تقام فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وصلاة العيدين. وكان مركزا للحياة الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية والقضائية. وقد لعبت المساجد دورا تربويا هاما في أول الدعوة الإسلامية وكانت مركزا للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية, وكانت تقوم بوظائف متعددة من أهمها: ١- أنها كانت دورا للعبادة والصلاة. ٢- أنها كانت مراكز تربوية وثقافية هامة يعقد بها حلقات العلماء لدراسة القرآن الكريم والفقه واللغة كما كانت أماكن للفتوى. ٣- أنها كانت تستخدم أيضا كمعاهد لتعليم الناشئة أصول الدين واللغة والأدب. ٤- كانت مكانا للتقاضي يجتمع فيه القضاة للفصل في الشكاوى والخصومات. ٥- كانت مراكز لتصريف شئون الدولة قبل إنشاء الدواوين الحكومية فكان النبي ﷺ يستقبل السفراء في المساجد ويدير شئون الدولة فيها. ٦- كان المسجد مكانا إعلاميا هاما فيه تذاع الأخبار الهامة التي تتعلق

стр. 317

بالمصالح الهامة وفيه التجهيز للحروب والغزوات. ومن الأمثلة على ذلك أن عمر أعلن من على المنبر تقهقر جيوش المسلمين في العراق واستحث قومه على السير إلى هذه البلاد ... وعلى المنبر أيضا وقف عثمان يدافع عن نفسه. ٧- كان الخليفة بعد مبايعته يصعد المنبر ويلقي خطبته الأولى مضمنا إياها سياسته في الحكم، كما كان يلقي خطبة على الناس أثناء خلافته أو التشاور معهم في الأمور الهامة التي تعنيهم كما كان يجلس فيه للفض في الخصومات بين الناس. ومن أشهر المساجد والجوامع المعروفة: المسجد النبوي الشريف بالمدينة والجامع العتيق أو جامع عمرو "المؤسس سنة ٢١هـ في القاهرة" وجامع ابن طولون في القاهرة أيضا، ومسجد الكوفة "١٤هـ"، ومسجد البصرة "١٧هـ" الذي كان يضم حلقات الشعر والأدب والجدل، ومسجد دمشق ويعرف الآن بالمسجد الأموي "بني ١٩هـ" في تونس وجامع الزيتونة في تونس، ومسجد القرويين في فاس، وجامع قرطبة في الأندلس والجامع الكبير في صنعاء. والجامع الأزهري الذي بناه الفاطميون وسموه بالأزهر تيمنا بفاطمة الزهراء بنت الرسول ﷺ جدة الفاطميين. وكان كعبة لكل طلاب العلم من مشرق العالم الإسلامي لمغربه وكان في بدايته يدعو لمذهب الفاطميين وهو أساس إنشائه، ولكن كان يدرس فيه إلى جانب ذلك العلوم العقلية والنقلية بما فيها من فلسفة ومنطق وطب ورياضيات. ويذكر ابن خلدون أن المساجد الكبرى العظيمة أو الجامعة هي التي كان يتولى شئونها الخلفاء أو الحكام فيعينون أئمتها وأهل العلم والفتوى والتدريس بها. أما المساجد الصغيرة فلم تكن تحظى بهذه الرعاية. ويفصل ابن خلدون القول فيقول: فاعلم أن المساجد في المدينة صنفان: مساجد عظيمة، كثيرة الغاشية معدة للصلوات المشهودة، وأخرى دونها مختصة بقوم أو نحلة، وليست للصلوات العامة. فأما المساجد العظيمة، فأمرها راجع إلى الخليفة أو من يفوض

стр. 318

إليه، من سلطان أو من وزير أو قاض فينصب لها الإمام في الصلوات الخمس والجمعة والعيدين والخسوفين والاستسقاء، وتعيين ذلك إنما هو من طريق الأولى والاستحسان. ولئلا يفتات الرعايا عليه في شيء من النظر في المصالح العامة وأما المساجد المختصة بقوم أو نحلة فأمرها راجع إلى الجيران، ولا تحتاج إلى نظر خليفة ولا سلطان. وأما "الفتيا" فللخليفة تصفح أهل العلم والتدريس، ورد الفتيا إلى من هو أهل لها، وإعانته على ذلك ومع من ليس أهلا لها وزجره لأنها من مصالح المسلمين في أديانهم، فتجب عليه مراعاتها لئلا يتعرض لذلك من ليس له بأهل فيضل الناس، وللمدرس الانتصاب لتعليم العلم وبثه والجلوس لذلك في المساجد، فإن كانت من المساجد العظام التي للسلطان الولاية عليها والنظر في أئمتها كما مر فلا بد من استئذانه في ذلك وإن كانت من مساجد العامة، فلا يتوقف ذلك على إذن، على أنه ينبغي أن يكون لكل واحد من المفتين والمدرسين زاجر من نفسه، يمنعه عن التصدي لما ليس له بأهل فيدل به المستهدي ويضل به المسترشد "مقدمة ابن خلدون ص١٥٩". المسجد كمركز تعليمي: كان النبي ﷺ أول من اتخذ المسجد مكانا للدعوة والتعليم ففي أول الأمر كان يتخذ من منزله ومن دار الأرقم بن أبي الأرقم مكانا لنشر الدعوة وبعد الهجرة كان إنشاء المساجد فانتقل الرسول ﷺ بنشاطه الديني والتعليمي إلى المسجد، وكان مسجد قباء أول المساجد التي بنيت في الإسلام وأنشئ بعده مسجد الرسول ﷺ بالمدينة المنورة. وتوالى بعدها إنشاء المساجد. وكان التعليم في المساجد يقوم على تعليم أمور الدين وتذكير الناس بالآخرة. وكان التعليم في هذه الأمور يعتمد على الأسلوب القصصي ممتزجا بالعلوم والحكمة والموعظة، كما كانت تدرس أيضا العلوم الدينية من قرآن وتفسير وحديث. وكان أصحاب المذاهب والملل والنحل المختلفة يجتمعون في المساجد ويلقون الدروس وفقا لمذاهبهم وأحيانا يحرم التدريس في المساجد على مذهب معين

стр. 319

كالشيعة مثلا. وكان أحيانا يحرم التدريس فيها. إلا من كان على مذهب أهل السنة. وقد اتسعت الدراسة بالمساجد وتنوعت فشملت علوم الكلام والفقه وكان يقوم بالتعليم بالمسجد أحد الشيوخ من يأنس في نفسه المقدرة على التعليم. وكان الشيخ يجلس على حصير أو بساط ووسادة أحيانا كان يجلس على كرسي مرتفع حتى يسمعه الحاضرون. وكان الطلاب يجلسون من حوله في حلقة تتفاوت في حجمها حسب مكانة الشيخ العلمية وحسب ظروف العمل للطلاب. وكان الشيخ يفتتح الدرس بالبسملة والحمد لله والحوقلة والصلاة على النبي. وقد يتلو آيات من القرآن الكريم أو الحديث الشريف ما يتصل بطلب العلم وبحث عليه. ثم يبدأ في الكلام عن موضوع درسه وكانت الدروس تتنوع فمنها ما يهدف إلى التوعية العامة بأمور الدين وأصوله وأحكامه ومنها ما كان دروسا منظمة في علم من العلوم. وفي هذه الحالة كان الشيخ يستمد درسه من معلوماته أو من مذكرات كتبها لنفسه ويقوم بإملائها على تلاميذه. ومن أشهر الأمالي المعروفة أمالي أبي على القالي وأمالي سعيد بن الحداد وأمالي هبة الله بن طالب في ثلاثة أجزاء. وكان الشيخ يقوم بالإملاء بتؤدة وتأن وبترتيب المسائل والأمور، ويقوم الطلاب بتسجيل ما يملى عليهم في كناشاتهم. وقد يقوم الشيخ بتملية النص ثم يكمل الشيخ أماليه كانت تعرض عليه أو يقوم الشرح على هامش النص. وعندما يكمل الشيخ أماليه كانت تعرض عليه أو يقوم الطلاب بقراءتها عليه لتصحيح ما قد يكون بها من أخطاء. ثم يوقع الشيخ على نسخة الطالب مجيزا إياه على روايته وتدريس هذه الأمالي من بعده. وكان للطالب أن يسأل أستاذه بتأدب للاستيضاح. وعليه أن يختار الوقت المناسب للسؤال وكان الأستاذ أحيانا هو الذي يوجه الأسئلة لاختيار فهم طلابه وكان يقوم بالإجابة على ما يصعب من الأشياء. وكان الشيخ ينهي درسه عادة بعبارة "والله أعلم ورسوله". ثم تتلى فاتحة الكتابة وبعدها يتقدم الطلاب بشكر الشيخ والترحم على والديه والدعاء له وقد يقومون بالسلام عليه وتقبيل يديه.

стр. 320

وكان الشيوخ والعلماء يقومون بالتعليم في المساجد احتسابا لوجه الله وتجنبا للعنة التي أوجبها الإسلام على من أخفى علمه عن الناس. وكان الشيوخ يعيشون من التكسب من كد يمينهم وعلمهم كما كانوا يتلقون المساعدة والعطايا والهدايا من الملوك والأمراء والأعيان وأهل الخير من العامة. وكان الموسرون من الطلبة لا يبخلون بمالهم على مشايخهم كما كان المشايخ يقبلون الهدايا من طلابهم. وفي تقويم إجمالي للمسجد كمركز تعليمي يمكن القول بأن العلماء المسلمين في آلاف المساجد المنتشرة في البلاد الإسلامية من قرطبة في غرب أوربا إلى سمرقند في وسط آسيا لم يكونوا في عددهم أقل من عدد ما فيها من الأعمدة. وكانت إيواناتها تردد أصداء علمهم وفكرهم.

стр. 321

ثانيا: الكتاب هدف الكتاب ... ثانيا: الكتاب يقول ابن منظور في كتابه لسان العرب "الكتاب" موضع تعليم الكتاب أي الكتابة. وكان الكتاب أحد مراكز التعليم في الإسلام. ويقال إنه عرف في بلاد العرب قبل الإسلام على نطاق ضيق محدود. وقد يطلق على الكتاب أحيانا اسم "مكتب". وكان الكتاب عبارة عن مكان مستقل أو غرفة في منزل أو حجرة مجاورة للمسجد أو ملحقة به أو خيمة من جملة خيام الحي في البداية "خيمة المؤدب" كما كان يعرف في تونس في شمال إفريقيا. واختلف حجم الكتاب من حجرة صغيرة إلى مكان واسع يتسع لأعداد كبيرة من التلاميذ. فقد روى ابن خلدون أن كتاب أبي قاسم البلخي كان به ثلاثة آلاف تلميذ وكان فسيحا جدا لدرجة أن البلخي كان يركب حمارا ليمر به على التلاميذ، ويشرف على تعليمهم. وقد انتشرت الكتاتيب منذ القرن الأول الهجري في الأمصار الإسلامية ويروى أن الكتاتيب أنشئت في مدينة القيروان منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري. هدف الكتاب: كان الهدف الأساسي من الكتاب تحفيظ القرآن الكريم وتعليم القرآن والكتابة لأن حفظ القرآن لا يسهل إلا بتعليمها. وكان يشترط في تعليم القرآن حسن الترتيل وجودة قراءته. ولما كانت معرفة القرآن معرفة صحيحة تستلزم الإلمام بقواعد الإعراب كان معلم الكتاب يعلم تلاميذه عبارات النحو واللغة وكان يدرس أحيانا الحساب وأيام العرب وتواريخها. وكان الكتاب يمثل بداية مراحل التعليم ينتقل منه الصبي إلى إكمال تعليمه في المسجد حيث يتوسع في طلب العلم.

стр. 322

الدراسة في الكتاب: كانت الدراسة في الكتاب عادة تمتد من يوم السبت إلى الخميس باستثناء يوم الجمعة والنصف الثاني من يوم الخميس. وكان الصبيان يبدءون يومهم المدرسي بحفظ القرآن عندما يكونون مكتملي النشاط، ويستمر ذلك إلى الضحى ثم ينقلون بعد ذلك إلى تعلم الكتاب حتى الظهر. ثم ينصرف التلاميذ إلى بيوتهم. وكان في بعض الكتاتيب فترة في المساء يدرس فيها الصبيان النحو والحساب وأيام العرب وتاريخهم. وكان يوم الخميس يخصص عادة للمراجعة، كما كانت الدراسة تعطل بمناسبة الأعياد. وكان التلاميذ يذهبون إلى الكتاب في الصباح الباكر فيجدون معلمهم جالسا في المكان المخصص له فيجلسون من حوله على اليمين واليسار قعودا على الحصير المصنوعة من السمار أو نبات الحلفاء، وقد كان ذلك هو الأثاث المتواضع الشائع للكتاب. وكان كل منهم يضع في حجره لوحه المصنوع من الخشب المصقول أو الصقيع وعلى اللوح ما كتبه بالأمس فيشرع كل منهم في الحفظ وتتصاعد أصواتهم متشابكة مختلفة لاختلاف ما يقرؤه كل منهم بعد الآخر لتفاوت مستوياتهم. ويقوم معلم الكتاب بالاستماع إلى كل واحد منهم بعد الآخر للتأكد من حفظهم لما كتبوه على الألواح يقوم بعدها الصبي بمسح اللوح بوضعه في إناء به ماء طاهر ثم يجففه. وفي بداية تعلم الصبي للكتابة كان المعلم يقوم بإملاء آية أو آيات من القرآن على كل واحد يطالبه بكتابتها ثم ينتقل إلى صبي ثان ثم ثالث وهكذا. ثم يعود إلى الصبي الأول ليراجع له كتابه. أما كبار التلاميذ فكانوا يقومون بنسخ كتابتهم على الألواح من المصحف مباشرة وكان المعلم يستعين بهؤلاء التلاميذ الكبار كعرفاء يساعدونه في تعليم المبتدئين. ولكل تلميذ لوح ودواة وقلم متواضع من القش أو القصب ومصحف في بعض الأحيان. وكان الصبي تتم دراسته في الكتاب عادة بحفظ القرآن كله وهو ما يسمى "بالختمة" أي أن الصبي يختم القرآن كله. وكانت تعتبر مناسبة سعيدة قد تشهد احتفالا متواضعا. وقد تعطل الدراسة يوما أو يومين احتفاء بهذه المناسبة وأحيانا كثيرة كان الصبي يكتفي وفقا لقدرته بحفظ نصف القرآن أو ثلثه أو ما تيسر له منه.

стр. 323

نقد طريقة التعليم بالكتاب: عرض ابن خلدون لاختلاف الأمصار الإسلامية في تعليم الولدان وكانت هذه الأمصار تختلف فيما بينهما من حيث المواد التي تمزجها مع تعليم القرآن وتحفيظه كله أو جزئه وهو ما يمثل البرنامج الإجباري الرئيسي للكتاب. ويورد ابن خلدون طريقة أبي بكر بن العربي الأندلسي التي تقوم على إرجاء تعليم القرآن والبدء بتعليم العربية والشعر والحساب حتى يسهل على الطفل بعد ذلك فهم القرآن وحفظه، ومع أن ابن خلدون استحسن هذه الطريقة إلا أنه يقول: إن العوائد لا تساعد عليه وهي أملك بالأحوال. كما انتقد ابن خلدون طريقة التلقين التي كانت سائدة في التعليم وفضل عليها طريقة المحاورة والمناظرة، وقد عرضنا لتفصيل ذلك عند الكلام عن آراء ابن خلدون. وبالرغم من هذه الانتقادات فلا يمكن أن ننكر الدور الهام الذي لعبه الكتاب في الحياة الثقافية والفكرية. وكان القاعدة العريضة التي تعلم فيه كثير من علمائنا النابهين.

стр. 324

معلم الكتاب: مقدمة: خضع معلمو الكتاب لكثير من السخرية والتهكم في الكتابات العربية القديمة وانتشرت عنهم الأمثلة التي تحقر من شأنهم واتهامهم بالحمق والسخف وغيرها من النقائص. وهناك من دافع عنهم مثل الجاحظ كما سبق وأن أشرنا. وهناك من ألهبهم بلسان من نار مثل ابن حوقل في وصفه لمعلمي كتاتيب صقلية "صورة الأرض ص١٢٠". شروط معلم الكتاب: كان من أهم الشروط التي ينبغي توافرها في المعلم أن يكون حافظا للقرآن الكريم عالما بأمور الدين وعارفا بالقراءة والكتابة والنحو، ولا بأس من إلمامه بفنون المعرفة الأخرى كالحساب واللغة والأدب. وإلى جانب هذه الشرط الرئيسي هناك أيضا شروط دينية وخلقية منها أن يكون المعلم تقيا ورعا قائما بفروض دينه مشهودا له بالخلق الكريم. أخلاقيات معلم الكتاب: هناك كثير من الكتابات التي تناولت أخلاقيات المعلم بصفة عامة ومنها معلم الكتاب. فمن الناحية الخلقية يجب أن يكون معلم الكتاب رفيقا بالصبيان رحيما بهم وأن يسوي في المعاملة بينهم وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "أيما مؤدب ولي ثلاثة من صبية هذه الأمة فلم يعلمهم بالسوية فقيرهم مع غنيهم وغنيهم مع فقيرهم حشر يوم القيامة مع الخائنين". وكان المعلم يتخذ معه عريفا يساعده إذا زاد عدد التلاميذ. واشترط فيه أن يكون قد حفظ القرآن وهو مستغن عن التعليم. وكان المعلم يلتزم بالوقار مع صبيانه فلا يتبسط في الأمور معهم فيتجرءون عليه، وكان عليه أن يحسن رعاية تلاميذه لأنه راعٍ لتلاميذه وهو مسئول عن رعيته ولا يجوز للمعلم أن يسخر تلاميذه لخدمته أو قضاء حوائجه.

стр. 325

مكان التعليم: وكان المعلم هو الذي يقوم بتأجير الكتاب وتأثيثه، وفي بعض الأحيان كان آباء الصبيان يتعاونون في تأجير المكان للمعلم. وكان الكتاب يضم معلما واحد، وفي بعض الأحيان كان يضم أكثر من معلم. وقد ذكر ابن حوقل أنه رأى في مدينة "بالرمو" بصقلية كتابا واحدا يقوم بالعمل فيه خمسة معلمين. ويرجع ذلك إلى إعفاء المعلمين من الجهاد ففزع كثير من الرجال إلى هذه المهنة وحسنه لديهم جهلهم فرارا من الجهاد وشرفه والغزو وعزه. وذلك أن بلدهم ثغر من ثغور الروم وناحية تحاد العدو والجهاد فيهم لم يزل قائما "ابن حوقل ص١٢٠". الدرة والفلقة: كانت الدرة والفلقة من عدة المعلم يستخدمها في عقاب المقصرين من تلاميذه. ولكن الضرب بالدرة والفلقة كان لا يستخدم عادة إلا إذا فشل النصح، والتقريع بالكلام غير البذيء أو الجارح. وكان الضرب عادة بعيدا عن العنف والقسوة وفي أماكن من الجسم لا يترتب عليها إلحاق ضرر بالطفل، وعادة ما يكون الضرب على الرجلين في حدود ضربة واحدة إلى ثلاث. أجر معلم الكتاب: سبق أن أشرنا إلى أجور المعلمين وبالنسبة لمعلمي الكتاب هنا نقول: إنه كان يتقاضى أجرا عن التعليم إما شهريا أو سنويا وذلك بالاتفاق مع آباء التلاميذ وأحيانا يترك تحديد الأجر بما تجود به همتهم. وقد قال معظم فقهاء المسلمين يجوز أخذ المعلم أجرا على التعليم على الرغم من أن بعضهم ومن بينهم الغزالي والماوردي استقبح ذلك. وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك.

стр. 326

ثالثا: المدارس مدخل ... ثالثا: المدارس: كان طالب العلم قبل ظهور المدارس يسعى إليه بالسفر والارتحال في طلبه على يد الشيخ الذي يريده. وكان يبذل الجهد والمال في طلب المشهورين أو المرموقين من الشيوخ. وكانت المساجد أماكن للدرس والتدريس للشيوخ والعلماء يفد إليهم الطلاب من كل صوب وحدب. وفي أواخر القرن الرابع وبداية الخامس الهجري بدأ ظهور المدارس، وبدأ الملوك والأمراء في إنشاء المدارس. ويقول الشيخ محمد أبو زهرة "إن إنشاء المدارس في الإسلام ابتدأ في أواخر القرن الرابع الهجري. وكان يقوم بإنشائها بعض الأمراء وبعض الملوك إذاعة لنفوذهم أو خدمة لدينهم أو نشرا للنور والمعرفة بين شعوبهم. وكانوا يجمعون العلماء في هذه المدارس، فصار طالب العلم لا ينتقل إلى العلم فقد انتقل إليه العلم وصار لا يبحث عن شيخه فقد جاء الشيخ إليه ... كما أن بعض العلماء الذين أوتوا بعض اليسار كانوا يقومون بإنشاء المدارس مثل مدرسة بني قدامة بالشام "محمد

стр. 327

أبو زهرة ١٩٧٧: ١٥٥-١٥٦" وكان يوجد أحيانا مدرسة تختص بفرع واحد من فروع العلوم الإسلامية لا سيما الفقه والحديث. ومن أوائل المدارس وجودا مدرسة أبي علي الحسيني المتوفى سنة ٣٩٣هـ بخراسان وكانت لتعليم الحديث وكان بها ما يقرب من ألف طالب. وكان هناك مدرسة ابن فورك المتوفى سنة ٤٠٦هـ بخراسان أيضا؛ ومدرسة أبو حاتم البستي المتوفى سنة ٤٢٠هـ. ويعقب الشيخ محمد أبو زهرة على ذلك بقوله: "وترى من هذا أن فارس وخراسان سبقا البلاد الإسلامية "الأخرى" بإنشاء المدارس". "محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ١٥٦-١٥٧". بيد أن بعض الباحثين منهم جرجي زيدان "ج٣ ص٢٢٥" يرى أن نظام الملك الوزير السلجوقي الفارسي هو أول من بنى المدارس في الإسلام في القرن الخامس الهجري واشتهر بها. وكان أشهر هذه المدارس النظامية في بغداد. مع أنه أنشأ مدارس نظامية أخرى في البصرة والموصل وبلخ وأصفهان ونيسابور وهراة ومرو. وكانت نظامية بغداد قد تولى بناءها سعيد الصوفي عام ٤٥٧هـ على شاطئ نهر دجلة وكتب عليها اسم نظام الملك. وبنى حولها أسواقا تكون محبسة عليها وابتاع ضياعات وخانات وحمامات وقفها عليها "جرجي زيدان: ٢٢٠". وكان لهذه المدرسة شأن كبير في العالم الإسلامي. فقد تخرج منها جماعة من رجال العلم طار ذكرهم في الآفاق. أول أساتذتها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ثم الإمام أبو نصر الصباغ ثم أبو القاسم الدبوسي وأبو حامد الغزالي والشاشي والهراسي والسهروردي وكمال الدين الأنباري وغيرهم من أقطاب العلم" "المرجع السابق". ويقول "السبكي" في "طبقات الشافعية: إنه ليس صحيحا أن نظام الملك هو أول من بنى المدارس في الإسلام فقد وجد في نيسابور مدارس قبل المدارس النظامية منها المدرسة السعدية التي أنشأها نصر بن سبكتكين حاكم نيسابور والمدرسة البيهقية التي بناها الشيخ أحمد البيهقي في نيسابور أيضا. ويتفق كل من المقريزي والسيوطي مع السبكي في هذه الرأي. وهو رأي مخالف لما ذهب إليه جرجي زيدان.

стр. 328

وبعد نظام الملك جاء محمود نور الدين زنكي فأنشأ مدرسة دمشق للحديث وحبس عليها أحباسا كثيرة. وبنى مدارس أخرى في حلب وحمص وغيرها من بلاد الشام. ثم جاء صلاح الدين فأكثر من إنشاء المدارس بمصر والشام وكان يحضر بعض الدروس فيها. وقد وضع لها نظما ثابتة مقررة "محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ١٥٨". فنظم أجر المعلم وجعله أربعين دينارا، وأجر المعيد عشرون دينارا، كما كان يصرف للمعلم كل يوم ستون رطلا من العيش عدا الكعك واللحم في عيدي الفطر والأضحى وكان يطلق على أجر المعلمين وغيرهم في أيام المماليك جامكية "جمع جوامك". وكانت أول مدرسة نظامية في القاهرة في عهد الأيوبيين المدرسة الناصرية التي بناها السلطان العادل زين الدين كتبغا المنصوري وأتمها السلطان محمد بن قلاون سنة ٧٠٣هـ. وقد وصفها المقريزي في خططه بأنها من أجمل مباني القاهرة وبأنها من أعجب ما صنعته يد بشر. وهكذا ازدهرت المدارس في عهد الأيوبيين. ثم جاء المماليك فساروا على سنة الأيوبيين في عنايتهم بإنشاء المدارس والإنفاق عليها ورصد الأموال لها. وعمت حركة إنشاء المدارس كل العالم الإسلامي. ويذكر المؤرخون أنه كان في الصالحية وهي أحد أحياء دمشق قرابة ٣٦٠ مدرسة لتعليم مختلف العلوم من مختلف التخصصات التي كان لها شأن. فكانت هذه المدارس داخله في نطاق الأوقاف الإسلامية يضاف إليها المستشفيات، والبيمارستات والملاجئ التي يأوي إليها ذوو العاهات وأصحاب الحاجات. وكانت هذه المنشآت التعليمية والخيرية أحسن حالا وأكثر متانة ورونقا من قصور الأثرياء وذوي الجاه والسلطان آنذاك. وشملت النهضة أيضا شمال إفريقيا ومن أشهر المدارس هناك مدرسة القيروان السنية وفي مصر يذكر المقريزي أنه كان في القاهرة وحدها ١٣ مدرسة. وأما في الأندلس فيستفاد مما ذكره المقري صاحب نفح الطيب "ج١ ص١٠٤" أنها لم تعرف المدارس بالصورة التي كانت عليها في الشرق وإنما اعتمدت على المساجد كمراكز للتعليم. يقول المقري: "وليس لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم يقرءون جميع العلوم في المساجد بأجرة".

стр. 329

أسباب إنشاء المدارس: يقول جرجي زيدان "ج٣ ص٢٢٥" "ومن الأسباب التي كانت تحمل الأمراء غير العرب على إنشار المدارس والمساجد -غير التماس الأجر والثواب- أنهم كانوا ينشئون في بلاط السلطان ويغلب أن يكونوا من صنائعه أو مواليه فيكون له عليهم حق الولاء أو الرق. فإذا توفي أحدهم عن مال أو ضياع وأراد السلطان قبضها فعل وحرم أبناءه منها. فكان الرجل منهم إذا بلغ الإمارة وكثر ماله خاف عادية السلطان على ما يخلفه من ذريته فيبني المدارس أو الزوايا أو الربط. ويقف عليها الأوقاف المغلة من ضياعه أو أبنيته. ويجعل في شروط الأوقاف أن يتولاها بعض ولده وله نصيب منها. والأوقاف ثابته فيأمن بذلك على أولاده الفقر". وهو يشير إلى سبب آخر لإنشاء المدارس هو ترويج وتأييد المذهب الذي يتبعه السلطان أو الأمير ويضرب مثلا لذلك بالقاهرة التي كانت شيعية منذ بنيت وكان إنشاء الجامع الأزهر لترويج هذا المذهب. وكانت الدروس التي تلقى فيه على هذا المذهب. فلما تولاهم صلاح الدين الأيوبي أبطل هذا المذهب وأحيا المذهبيين المالكي والشافعي. فأنشأ المدارس لتعليم هذين المذهبيين. فبنى المدرسة الناصرية سنة ٥٦٦هـ للمذهب الشافعي. وهي أول مدرسة بمصر. واقتدى به من جاء بعده من الأكراد والأتراك "المرجع السابق". ويقول الشيخ محمد أبو زهرة "كانت المساجد أماكن الدرس لأكابر العلماء حتى إذا جاء القرن الخامس أخذ الملوك والأمراء ينشئون المدارس إذاعة لنفوذهم أو خدمة لدينهم أو نشرا لنور المعرفة بين شعوبهم "محمد أبو زهرة ١٩٧٧ ص١٥٦". وهنا نجد أنه يضيف سببين جديدين لإنشاء المدارس، وبالإضافة إلى ما سبق أن أشار إليه جورجي زيدان.

стр. 330

نمط المدرسة الإسلامية الأولى: يروى أن المدارس الإسلامية الأولى بنيت على الطراز المعماري للمساجد ولم يكن يميز المدرسة عن المسجد إلا وجود الإيوان وهو قاعة الدرس بالإضافة إلى أماكن إقامة المعلمين والطلاب وما يتطلبه ذلك من مرافق خاصة. وربما يرجع ذلك إلى تداخل وظيفة المدرسة أول ظهورها بوظيفة المسجد. فقد كان يعين للمدارس مؤذنون ويقام فيها منابر للخطابة. وأقيمت فيها الصلاة كالمسجد، كما استخدمت في بعض الأغراض الأخرى للمسجد كمركز للتقاضي وفض المظالم. وكانت المدرسة تتكون عادة من صحن أو فناء ومن إيوانات تحيط بها عليها قباب وكانت تلحق بها مكتبة. وكان برنامج الدراسة يتضمن موادا أساسية هي علوم الدين والعلوم الفرعية وهي الحساب والتاريخ والأدب. وقد تعرض ابن بطوطة في رحلته المشهورة المسماة "تحفة المنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" إلى إشارات عن المدارس والتعليم في البلاد التي زارها. ووصف ابن بطوطة المدرسة المستنصرية التي بناها أمير المؤمنين العباسي المستنصر بالله في بغداد عام ٦٣١هـ "١٢٣٤م" وكانت أشبه بمدينة فيها أربعة أروقة يختص كل منها بمذهب خاص من مذاهب السنة وكان عدد طلابها ثلاثمائة موزعين على هذه الأروقة. وكان الطلاب يقيمون إقامة داخلية بالمدرسة. وكانت إقامتهم وتعليمهم بالمجان كما كان الطالب يعطى دينارا من الذهب في الشهر. وعندما زارها ابن بطوطة كان يدرس بها المذاهب الأربعة فيقول في وصفها: "لكل مذهب إيوان فيه المسجد وموضع التدريس وجلوس المدرس في قبة خشب صغيرة على كرسي عليه البسط ويقعد المدرس وعليه السكينة والوقار لابسا ثياب السواد معتما وعلى يمينه ويساره معيدان يعيدان كل ما يمليه. وهكذا ترتيب كل مجلس من هذه المجالس الأربعة وفي داخل هذه المدرسة حمام لطلبة ودار الوضوء. ووصف جامع دمشق المعروف بجامع بني أميه وعرض باختصار لمدرسيه ومعلميه ووصف طرقهم في التعليم وأشهر المدرسين به. وذكر أيضا مدارس الشافعية بدمشق كالعادلية والظاهرية وإن كانت مجرد إشارة إلى الأسماء فقط دون التعرض بالتفصيل لوصفها. وذكر بعض علماء مصر والإسكندرية وذكر أن مدارسها يعييها الحصر لكثرتها. وابن جبير الرحالة العربي المشهور في القرن الثاني عشر وصف مدارس بغداد وعد منها ثلاثين مدرسة وأهمها المدرسة النظامية التي أنشئت ٤٥٧هـ "١٠٦٥م" وتم بناؤها في عامين. وكان التلاميذ يتلقون العلم بالمجان كما كانوا يحصلون على الطعام والعناية الطبية ويأخذ كل منهم دينارا من الذهب كل شهر لنفقاته كما أشرنا سلفا. ويرجح أن النساء كن أيضا يذهبن إلى المدارس في بعض الأحوال ذلك لأننا سمعنا عن اشتغال النساء بالتدريس "جلال مظهر: ٢٦٧".

стр. 331

طريقة التعليم: كانت طريقة التعليم في هذه المدارس تختلف باختلاف الأماكن فكانت هناك الطريقة القيروانية والقرطبية والبغدادية والمصرية. وقد كتب ابن خلدون في مقدمته فصلا ممتعا عن تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه يقول فيه: "فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف جملة القرآن فيه لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة، وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر.. وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو وهذا هو الذي يراعونه في التعليم فلا يقتصرون لذلك عليه فقط بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتابة ولا يختص عنايتهم بالقرآن دون غيره بل عنايتهم بها من جميعها إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة. وأما أهل إفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب ومدارسه قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها إلا أن عنايتهم بالقرآن واستظهار الولدان إياه ووقوفهم على اختلاف رواياته وقراءاته أكثر مما سواه وعنايتهم بالخط تبعا لذلك. وبالجملة فطريقتهم في تعليم القرآن كذلك على ما يبلغنا ولا أدري أهل الأندلس. وأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم وصف العلم وقوانينه في زمن التشبيبة. ولا يخلطون بتعليم الخط بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراده كما تتعلم سائر الصنائع ولا يتداولونها في مكاتب الصبيان وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط قاصر على الإجادة".

стр. 332

مناقب ومثالب: ترتب على إنشاء المدارس نتائج متباينة تتراوح بين النعمة والنقمة. فمن الناحية الأولى عملت المدارس على انتشار العلم وكثرة المشتغلين به من علماء ومتعلمين. كما ساعدت على كثرة التأليف في العلوم المختلفة بل وظهور الموسوعات العلمية التي ألفها كبار الشيوخ والعلماء سواء في العلوم النقلية أو العلوم العقلية. يضاف إلى ذلك أن المدارس بما جمعته من شيوخ وعلماء وطلاب علم أصبحت بوتقة علمية ينصهر فيها عقول العلماء وطلاب العلم يتلاحقون في فكرهم ويشحذون عقولهم وتفكيرهم. أما من الناحية الثانية فنقتبس ما يقوله الشيخ محمد أبو زهرة من أن إنشاء المدارس مع أنه أدى إلى نشر العلم وكثرة تحصيله قد أدى إلى التعصب الفكري وكثرة الأتباع، وقلة التفكير الحر المستقل الذي ينظر إلى الدليل وما يوصل إليه البرهان من غير تقليد أو اتباع. وإن تساهلنا وقلنا إن ذلك التحيز الفكري قد اقترن بإنشاء المدارس فإنه لا بد أن ذلك كان بعض أسبابه وإن لم يكن كلها. "محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ١٥٧". ويضيف الشيخ محمد أبو زهرة نتيجة سلبية أخرى لإنشاء المدارس هي أن المخلصين وغير المخلص ويطلبه ذوو الأدب وذوو الدين ويطلبه العلية ويطلبه السفلة. حتى ليروى أن علماء ما وراء النهر عندما علموا بإنشاء المدارس وجلب العلماء لها أقاموا مأتما للعلم لأنهم حسبوا ذلك يؤدي إلى ضياعه وفساد الأمر "المرجع السابق".

стр. 333

رابعا: المكتبات لم يكن للمكتبات شأن كبير في العصر الأموي ولكنها انتشرت في العصر العباسي مع انتشار استخدام الورق في نسخ الكتب وظهور كثير من الوارقين وانتشار حلقات الأدباء والعلماء. كان استخدام الورق في الكتابة معروفا في البلاد الإسلامية منذ القرن الثامن الهجري ويقال إنه نقل عن بلاد الصين التي عرفت الورق في وقت مبكر وكان للمسلمين فضل إدخاله إلى أوربا إذ كانت الأندلس أول من عرف الورق من البلاد العربية في منتصف القرن العاشر الميلادي، في حين لم تعرفه ألمانيا إلا في النصف الأول من القرن الثالث عشر وإنجلترا في مطلع القرن الرابع عشر الميلادي. وقد أنشئ أول مصنع للورق في البلاد الإسلامية في بغداد عام ٧٩٤م على يد الفضل بن يحيى وزير هارون الرشيد وكان من الطبيعي أن يسهل ذلك تأليف الكتب وتداولها. وقد حرص المسلمون على اقتناء الكتب تقديرا منهم لقيمة العلم ولم يبخلوا بالأموال في شراء الكتب النفيسة القيمة يجلبونها من كل البلاد. وصارت المكتبات من أهم مراكز التربية والثقافة الإسلامية وكانت هناك مكتبات عامة في المدن تقام لها أبنية خاصة أو تلحق بالمساجد والمدارس والرباطات والبيمارستانات. وكانت هذه المكتبات مفتوحة لراغبي العلم يجلسون في الأروقة المخصصة للاطلاع فقد كانت هناك حجرات خاصة لرواد المكتبة، وحجرات خاصة للنساخ يقومون فيها بنسخ الكتب. وكان أثاث المكتبات العامة متواضعا بسيطا إذ كانت تفرش أرضها بالبسط أو الحصر يجلس عليها القراء كما كان بالمكتبة خزانات وفهارس لها. وكان يشرف على المكتبة خازن كان عادة من رجال العلم والأدب وكان هناك النساخ والمجلدون والمترجمون والخدم الذين يقومون بخدمة القراء. ومن أشهر المكتبات العامة مكتبة بيت الحكمة في بغداد التي بناها هارون الرشيد وبيت الحكمة في رقادة بشمال إفريقيا ودار الحكمة في القاهرة التي بناها الحاكم بأمر الله الفاطمي، وسيأتي تفصيل الكلام عنها. وكانت هناك مكتبة الموصل التي أسسها بعض محبي الخير سنة ٩٥٠م وكان الطلبة يتزودون فيها بالورق والكتب. ومكتبة الري كانت تضم عددا كبيرا من الكتب لدرجة أن فهارس كتبها وصلت إلى عشرة أجزاء، ومكتبة البصرة التي كانت تمنح معاشات شهرية للعلماء المشتغلين فيها، ومكتبة مرو وخوارزم التي يروى أن ياقوت الجغرافي الحموي قضى ثلاث سنوات فيها يجمع معلومات لمعجم بلدانه. وكانت توجد في معظم المدن دور عامة للكتب مفتوحة لطلاب العلم. وكانت هذه المكتبات تعطي رواتب وإعانات لمن يشتغلون فيها من الطلاب.

стр. 334

وعندما قوض المغول بغداد كان يوجد بها ٣٦ مكتبة عامة، وكانت هناك أيضا مكتبة القيروان بشمال إفريقيا التي كانت ملحقة بجامع القيروان وكان لها نفس نظام المكتبات في الشرق إلا أن أدوات الكتابة كان يصنع أغلبها بمدينة القيروان فكانوا يكتبون على جلود الخرفان المصقولة، أو على ورق البردي المجلوب من الإسكندرية، وفيما بعد يصنع الورق من خرق القماش البالي. وكانت النساء تقوم بصنعه وتغطيته بطبقة من الغراء لتزيد تماسكه وصقله. وكان الحبر يصنع من الصمغ أو المواد الكيميائية، وكانت المحابر تصنع من الخزف، أو من الزجاج أو النحاس وكانت الكتابة أحيانا بالرمل الناعم الملون. وكانت توجد في معظم المساجد مكتبات عامة كما كانت هناك مكتبات خاصة يبنيها الأمراء في قصورهم أو العلماء في بيوتهم. وكانت هذه المكتبات ضخمة جدا لدرجة أنه يروى أن الصاحب بن عباد في القرن العاشر كانت تضم مكتبته من الكتب ما يوازي كل الكتب التي كانت تضمها مكتبات أوربا مجتمعة في ذلك الوقت. كما يروى أيضا أن أحد أطباء العيون العرب رفض دعوة سلطان بخارى للإقامة ببلاطه لأنه يحتاج إلى ٤٠٠ بعير لنقل مكتبته، وعندما مات الواقدي ترك وراءه ستمائه صندوق مملوءة بالكتب يحتاج كل منها إلى رجلين لنقله. وهذا يدل على مدى اهتمام المسلمين باقتناء الكتب وجمعها وأحيانا ما كانوا هم أنفسهم يقومون باستنساخها وكانت المكتبات في هذه الفترة مما لا يحصى ولا يعد. وقد زخرت مكتبة قرطبة التي أنشأها الحاكم المستنصر في مقره بقرطبة في منتصف القرن الرابع الهجري، وكانت تضم بين خزائنها ٤٠٠ ألف مجلد في وقت لم تعرف فيه الطباعة، وكانت تحتوي على ١٤ مجلدا للفهارس، وكانت تضم الباحثين والعلماء الذين كانوا يعملون لحساب الخليفة الأموي في الأندلس وانتشروا في جميع أنحاء العالم الإسلامي لجلب الكتب والمؤلفات وكان بها عدد كبير من الناسخين والمجلدين والمزخرفين.

стр. 335

خامسا: دور الحكمة بيت الحكمة في بغداد ... خامسا: دور الحكمة: شهد تطور الحركة الفكرية والثقافية في العصر العباسي ميلاد دور الحكمة التي كانت تعتبر مظهر لما وصل إليه الرقي الفكري، كما أن اسمها يعكس مدى الاحترام الشديد للعلم باعتباره مفتاح الحكمة. ويمكن القول مما يورده المؤرخون عن دور الحكمة: إنها كانت مركزا علميا للبحث والدراسة؛ ولذا نجد بعض الكتابات تطلق عليها اسم الجامعة ولها من الجامعة وظيفة البحث والدراسة. فمدرسة الإسكندرية التي كانت الحاضرة الثقافية والفكرية للعصر الهليني بعد أثينا أخذت شهرتها ومكانتها من مكتبتها ومتحفها. وما نريد أن نخلص إليه هنا أن دور الحكمة كانت مركزا للدراسة والبحث يقوم العلماء ومحبو العلم بالوفود إليها ليجدوا في مكتبتها غايتهم، كما كانت تدرس في بعضها العلوم وكان يلحق ببعضها مساكن لإقامة الطلاب وكان يصرف لهم الغذاء والكساء. وأهم دور الحكمة المعروفة بيت الحكمة في بغداد وبيت الحكمة في رقادة بشمال إفريقيا ودار الحكمة في القاهرة، وسنفصل الكلام عن كل واحدة منها في السطور التالية: أ- بيت الحكمة في بغداد: وقد أسسها هارون الرشيد وجمع فيها الكتب المؤلفة والمترجمة وجعلها مركزا للترجمة والنقل، وكان لها مدير يشرف على شئونها يسميه المؤرخون العرب صاحب بيت الحكمة ... وتوسع المأمون فيها وألحق بها عددا كبيرا من أشهر علماء عصره ومترجميه وأصبحت مركزا للترجمة والنسخ والمطالعة والتأليف، فكان يجتمع فيها القراء والمؤلفون للاطلاع على المصادر التي يريدون مراجعتها، ويجتمع فيها المترجمون للترجمة وبين أيديهم الكتاب الحذاق يكتبون ما يملون عليهم والنساخ في أماكن خاصة بهم ينسخون لأنفسهم أو لغيرهم بالأجر. وكانت بيوت الحكمة أكبر خزائن الكتب في العصر العباسي فظلت قائمة حتى هدم المغول بغداد سنة ٦٥٦هـ، ورموا بكل ما فيها من الكتب في نهري دجلة والفرات.

стр. 336

ب- بيت الحكمة في رقادة: بناه الأمراء الأغالبة بمدينة رقادة، بشمال إفريقية. وأرادوا له أن يكون على غرار بيت الحكمة الذي أسسه العباسيون في بغداد. وينسب بناء بيت الحكمة إلى إبراهيم الثاني الأغلبي الذي اشتهر بولعه الشديد بحب العلوم والحكمة، وهو الذي أنشأ أيضا مدينة رقادة سنة ٢٦٤هـ، ٨٧٨م. ومن المرجح أن بيت الحكمة كان ملحقا بقصر رقادة، وكان يضم مجالس أو غرفا كثيرة بعضها للمكتبة وبعضها للنسخ وبعضها للدرس والمناقشة والمناظرة وبعضها للرصد. وكانت هذه الغرف مفروشة بالحصر واللباد والبسط القيروانية الشهيرة. وكان للأمير فيه سرير يجلس عليه ليشرف فيه على المناقشات أو المناظرات التي كانت تدور بين العلماء في حضرته. وكان محبو العلم والطلاب يفدون أيضا إلى بيت الحكمة للاطلاع ونسخ الكتب، وكان من يتولى الإشراف على بيت الحكمة يسمى "صاحب بيت الحكمة" كما أشرنا، وكان أبو اليسر إبراهيم الشيباني البغدادي تلميذ الجاحظ أول من تولى هذا المنصب وكان إلى جانب هذا يقوم بتدريس الأدب في بيت الحكمة. وكان الأمراء الأغالبة يوفدون في كل عام سفارة إلى البلاط العباسي لتجديد العهد ودفع الخرج السنوي، وكانوا يكلفون رئيس الوفد بأن يشتري لهم أنفس الكتب المؤلفة والمترجمة، وأن يجلب إلى رقادة فطاحل علماء العصر. وهكذا وجدت في بيت الحكمة مصنفات في جميع العلوم والفنون ومن مختلف الملل والنحل. كما وجد علماء أجلاء من مختلف أقطار العالم الإسلامي. ولما انقرضت دولة بني الأغلب سنة ٢٩٦هـ آل بيت الحكمة إلى بني عبيد الفاطميين الذين انتزعوا الملك منهم. وبهذا أصبح بيت الحكمة مركز إشعاع للدعوة الفاطمية الإسماعيلية, وعندما أنشأ عبد الله المهدي الفاطمي مدينة المهدية سنة ٣٠٨هـ بتونس نقل إليها بيت الحكمة بما كان فيها من أثاث ونفائس وكتب وأدوات وآلات الرصد فأفل نجم رقادة إلى الأبد وتعطلت الرسالة الثقافية لبيت الحكمة وتحولت إلى حركة إسماعيلية، وبعد أن شع بعلومه وثقافته طيلة أربعين عاما. ولما انتقل الفاطميون إلى القاهرة حملوا معهم ما تجمع لديهم من الكنوز والنفائس العلمية وهكذا كانت مكتبة بيت الحكمة في رقادة النواة الأولى لمكتبة دار الحكمة التي بناها الفاطميون في مصر، كما كانت بيت الحكمة في القيروان نواة المدرسة الطبية القيروانية الشهيرة التي انتشر تأثيرها طيلة ثلاثة قرون متتالية.

стр. 337

ج- دار الحكمة بالقاهرة: أنشأها الحاكم بأمر الله الفاطمي سنة ٣٩٥هـ وقد كانت كما أرادها أروع من نظيرتها في بغداد. ويؤكد ذلك وصف المقريزي لها بأنها كانت من عجائب الدنيا "المقريزي ص٢٥٥" ولم يكن لها نظير في الأمصار الإسلامية كما أنها حوت عددا من الكتب يزيد على المليون ونصف المليون وضمت النفيس النادر من المخطوطات في العلوم والآداب المختلفة، ويروى أنها كانت تضم ستة آلاف كتاب في الطب وحده. وكان في هذه المكتبة خريطة جغرافية دقيقة مرسومة على الحرير وصورة لأقاليم الأرض وجبالها وبحارها ومدنها وأنهارها. وقد أنفق عليها الحاكم بأمر الله بسخاء فأمدها بكل ما كانت تحتاجه من النساخين والورقين والأقلام. وكانت موئلا للعلماء والأدباء. وظلت دار الحكمة قائمة حتى أيام صلاح الدين الأيوبي هدمها وبنى عليها مدرسة الشافعية.

стр. 338

سادسا: حوانيت الوراقين: ظهرت في مطلع الدولة العباسية. وكانت تبيع الكتب الهامة كما كان الوراقون يقومون بنسخ الكتب الهامة فيها. وإلى جانب هذا كانت تقوم بمهمة المكتبة العامة التي يفد إليها الناس للاطلاع وكانت تعقد بها المناقشات والمناظرات، يشترك فيها إليها الوراقون أنفسهم فقد كانوا على حظ من الثقافة والاطلاع. وكانوا يحرصون على اجتذاب العلماء إلى حوانيتهم. وقد ارتبط ظهور حوانيت الوراقين باختراع الورق للكتابة. ومع أن أصل صناعة الورق ترجع إلى الصين منذ عام ١٠٥م إلا أن تطوير هذه الصناعة بحيث يستخدم في أغراض الكتابة يرجع إلى العرب. وقد تأسست أول صناعة للورق في بغداد سنة ٧٩٤م كما أشرنا. وذلك عندما أنشئ أول مصنع له بفضل الفضل بن يحيى وزير هارون الرشيد. ومن بعدها انتشرت هذه الصناعة بسرعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي فدخلت سوريا ومصر وشمالي إفريقيا والأندلس. ويقول القلقشندي في صبح الأعشى: إن الرشيد أمر ألا يكتب الناس إلا في الكاغد "الورق" بعد أن كانوا يكتبون على اللخاف والرق. وقد كان هذا الاختراع عاملا هاما في انتشار الكتب في كل مكان في العالم الإسلامي.

стр. 339

سابعا: الرباطات: يختلف معنى الرباطات في الشرق الإسلامي عنه في الغرب الإسلامي والرباطات جمع رباط ويقصد في الشرق الإسلامي البيوت التي كان يقيم بها الفقراء ويتفرغون للعبادة والتعليم ومنها رباط البغدادية للشيخة زينب البغدادية بني ٦٨٤هـ ... وكانت تسكنه مع عدد النساء اللاتي انقطعن للتعليم والعبادة. أما الرباط في المغرب الإسلامي. فهو ثكنة عسكرية محضة ذات صحن واسع تحيط به غرف وقد يكون على طابق واحد أو على طابقين تعلوه صومعه مستديرة للأذان وخصوصا لمراقبة السواحل اتقاء للغارات البحرية الموجهة من طرف أساطيل الروم. فالرباط حصن دفاعي أخذ تسميته من مرابطة المجاهدين في سبيل الله فيه. فكان هؤلاء المجاهدون يرابطون فيه ويقضون يومهم وليلهم في العمل أو العبادة. وجميع الرباطات في المغرب العربي بنيت على ساحل البحر، وكانت تتصل بعضها البعض بواسطة العلامات النارية أو الحمام الزاجل. وكان لكل رباط من الرجال رباط النساء، يتعبدن فيه ويساعدن الرجال في الأشغال الفلاحية وغيرها. وكان المرابطون يقومون بعدة أشغال منها صنع الورق والحبر وهما لازمان لما كانوا يقومون به من نسخ المصاحف وكتب الفقه والحديث. وكان المؤلفون وأصحاب التصانيف يعطون مؤلفاتهم الأصلية التي كتبوها بخط أيديهم إلى الرباطات لتنسخ منها نسخ أخرى ويحتفظ بالأصل للرجوع إليه عند الالتباس. وكان المرابطون يقومون بنسخ الكتب وتوزيعها على طلاب العلم مجانا. وكان الرباط مدرسة يؤمها العلماء والطلبة، وكان العلماء يرابطون فيها فترة من العام قد تكون شهرا ليدرسوا العلم احتسابا لوجه الله. كما كان الطبيب يرابط أيضا فترة من أجل مداواة المرضى، وكذلك رجل البريد. فالكل يرابط من أجل الجهاد في سبيل الله. وفي كل رباط مكتبة مقامة في الجدار على هيئة طاقات في الحائط بها النسخ الأصلية والفرعية للمؤلفات والتصانيف. وأقدم الرباطات التي شيدها العرب بإفريقية هو رباط المستنير، الذي بناه الأمير هزيمة بن أيمن والي القيروان سنة ١٨١هـ وهو ما زال قائما حتى اليوم، ومن الرباطات الأخرى الموجودة حتى الآن رباط سوسة والرباط الأعلى والرباط الأسفل بتونس.

стр. 340

ثامنا: البيمارستانات والمستشفيات البيمارستان كلمة فارسية مركبة من كلمتين: بيمار: مريض، وستان: دار فهي إذن دار المرضى، وظلت هذه الكلمة تطلق على دور العلاج والمرضى حتى حلت محلها كلمة مستشفى عند إنشاء مستشفى أبو زعبل في مصر ويقول المقريزي: إن أول من بنى البيمارستانات في الإسلام الوليد بن عبد الملك سنة ٨٨هـ وجعل فيها الأطباء وأجرى فيها الإنفاق. وهذا خلاف ما ذكره ديورانت أن أول بيمارستان معروف لنا أنشئ في بغداد أيام هارون الرشيد. "ديورانت: ١٣ ص١٩٨٠". وقد انتشرت دور الاستشفاء أو المستشفيات في العالم الإسلامي تحصيها كتب التاريخ بثلاث وأربعين دارا كانت منتشرة من فارس إلى مراكش ومن شمال سوريا إلى مصر. وكان في بغداد وحدها سنة ٩٣١م ثمانمائة وستون طبيبا مرخصا، وكانت أجورهم ترتفع حسب قربهم من بلاط الخلفاء. وقد حقق بعضهم ثروات هائلة فقد جمع ابن بختيشوع طبيب هارون الرشيد والمأمون والبرامكة ثروة تقدر بحوالي سبعة ملايين دينار. ويقول عنه المؤرخون إنه كان يتقاضى من

стр. 341

الخليفة مائة ألف درهم نظير حجامته مرتين في العام ومثل هذا المبلغ لإعطائه مسهلا كل نصف عام. وقد أسس ابن طولون أول مستشفى في مصر سنة ٨٧٢م ومن بعده كان هناك البيمارستان المنصوري الكبير الذي بني ٦٨٣هـ وكان من أشهر البيمارستانات. وأنشأ نور الدين في دمشق سنة ١١٧٠م بيمارستانا ظل ثلاثة قرون يعالج المرضى من غير أجر ويمدهم بالدواء من غير ثمن. ولما وفد ابن جبير إلى بغداد سنة ١١٨٤م دهش من بيمارستانها العظيم الذي كان يرتفع كما ترتفع القصور الملكية على شاطئ نهر دجلة. وكان يطعم المرضى ويعالجهم ويمدهم بالدواء كما أشرنا. وربما يكون مستشفى السلطان قلاون الذي تأسس بالقاهرة سنة ١٢٨٥م أعظم مستشفيات العالم الإسلامي وأكثرها شهرة في العصر الوسيط، وقد أورد له المقريزي وصفا رائعا في خططه "ج - ص٢٦٠". وكانت هذه البيمارستانات معدة ومنظمة جيدا فكان بها قسم للرجال وآخر للحريم. وكل قسم مجهز بالآلات والعدد والمشرفين والخدم وفي كل قسم قاعات لمختلف الأمراض. قاعة للأمراض الباطنية وأخرى للجراحة وثالثة للحاملة ورابعة للتجبير. وكان للبيمارستان صيدلية سميت "شرانجاز" في العصر المتأخر ولها رئيس يسمى شيخ صيدلي البيمارستان. وكان لك بيمارستان رئيس أطفال يلقى دروسه على طلبة الطب ويأذن لمن أتم دراسته منهم وقدم رسالة في فرع الطب الذي يختاره بممارسة المهنة ويعطيه ترخيصا كتابيا أو إجازة بذلك، ولم يكن يجوز لأحد أن يمارس هذه المهنة إلا إذا قدم لامتحان يعقد لهذا الغرض.

стр. 342

تاسعا: منازل العلماء لعبت منازل العلماء دورا كبيرا في نشر العلم وتوسيع مجالات التعليم فقد كان الطلبة يقفون على أبواب الشيوخ ليسألوهم أو ليسمعوا منهم. وكانت الدروس المنتظمة تلقى في تلك البيوت التي كانت تصاميم بنائها تلائم هذه الأغراض. وربما عقدت مجالس الدروس عند عتبة الباب حيث يجلس الطلبة في الطريق مع شيخهم الذي يلقي عليهم دروسه. كما كان يجلس هناك بعض رفاقه. ومن هذه المجالس مجالس النظر التي كان يعقدها القاضي المجاملي كل يوم أربعاء وتبحث فيها المسائل الفقهية وقد استمر هذا المجلس حتى بعد وفاته، ومن هذه المجالس أيضا مجلس القاضي السمناني ومجلس اللغة لإبراهيم الحربي الذي واظب على حضوره النحوي المشهور ثعلب مدة خمسين عاما. وكان منزل الإمام أحمد بن حنبل ملتقى لعلماء بغداد وللوافدين عليها وكان يقصده عدد كبير من الطلبة.

стр. 343

الفصل التاسع: أعلام التربية الإسلامية في العصر الوسيط ابن سحنون وآراؤه التربوية ... الفصل التاسع: أعلام التربية الإسلامية في العصر الوسيط المقدمة: سبق أن أشرنا إلى تميز المرحلة الثانية من تطور التربية الإسلامية بظهور الآراء التربوية المتميزة، وسنحاول في الصفحات التالية أن نعرض لأهم آراء أعلام التربية في الإسلام مبتدئين برائدهم ابن سحنون. ١- ابن سحنون وآراؤه التربوية: الاسم الكامل له هو محمد بن سعيد بن حبيب، التنوخي القيرواني، ولد بالقيروان بتونس ٢٠٢هـ ومات سنة ٢٥٦هـ ودفن بجوار أبيه في القيروان، وقد نشأ ابن سحنون في بيئة مثقفة متدينة فقد كان أبو الإمام سحنون عالما متدينا ذائع الصيت وقاضيا متنورا عادلا تولى القضاء في عهد الأمير أبي العباس أحمد بن الأغلب وباشر الحسبة والمظالم بنفسه واستحق أن يلقب بسراج القيروان وقد تلقى ابنه محمد العلم عنه وعن غيره من علماء عصره, وارتحل إلى الشرق حبا في الاستزادة في طلب العلم. وقد ألف محمد بن سحنون كتبا كثيرة تزيد على العشرين مصنفا في مختلف العلوم. إلا أن شهرته بالنسبة لدراسة التربية الإسلامية ترتبط بكتابه المعروف "آداب المعلمين" الذي نشر ١٣٤٨هـ - ١٩٢٩م وقامت بنشره اللجنة التونسية لنشر المخطوطات العربية على أساس نسخة خطية من مخطوطات يرجع تاريخها إلى القرن الثامن الهجري. وقد نسب ابن خلدون في مقدمته هذا الكتاب خطأ إلى محمد بن أبي زيد. والكتاب نفسه صغير الحجم عظيم القدر فهو يقع في اثنتي عشرة صفحة في النسخة الخطية وفي ٢٦ صفحة في النسخة المنشورة، وقد نقل ابن سحنون هذا الكتاب عن أبيه كما يتضح من التذييل المكتوب في نهاية الكتاب، وكما يتضح أيضا من محتويات الكتاب نفسه. ويتضمن الكتاب عشرة أبواب على الترتيب هي:

стр. 344

١- ما جاء في تعليم القرآن العزيز. ٢- ما جاء في العدل بين الصبيان. ٣- باب ما يكره محوه من ذكر الله تعالى. ٤- ما جاء في الأدب ما يجوز في ذلك وما لا يجوز "العقاب". ٥- ما جاء في الختم وما يجب في ذلك للمعلم "من حيث الأجر". ٦- ما جاء في القضاء بعطية العيد. ٧- ما ينبغي أن يخلى الصبيان فيه "العطلات المدرسية". ٨- ما يجب على المعلم من لزوم الصبيان. ٩- ما جاء في إجازة المعلم ومتى تجب "أجر المعلم". ١٠- ما جاء في إجازة المصحف وكتب الفقه وما شابهها. وهناك تداخل أحيانا وتكرار أيضا في الآراء التي يوردها ابن سحنون تحت هذه العناوين بل إنه قد يرد تحت العنوان كلام لا يدخل في بابه أو موضوعه. وفي ضوء هذا التنبيه وهذه الإشارة سنعرض لأهم الآراء والمبادئ التي أوردها ابن سحنون تحت هذه العناوين مع التزامنا بترتيبها كما أوردها، ولا يعتبر ذلك نقدا لابن سحنون أو تقليلا لأهمية الآراء التي أوردها فهو صاحب فضل وسبق كبير باعتباره أول من ألف في التربية الإسلامية من العرب والمسلمين، فلم يرد قبله كتاب تناول هذا الموضوع. وهو بهذا يعتبر رائدا في الكتابة عن التربية الإسلامية. وقد اعتمد عليه من ألف بعده في نفس الموضوع، ومنهم القابسي في رسالته عن أحوال المعلمين والمتعلمين، بل إن القابسي كان ينقل أحيانا نقلا حرفيا عن ابن سحنون وأحيانا أخرى كان ينقل بتصرف في العبارة دون إخلال بالمعنى. أهم الآراء التي وردت في رسالة ابن سحنون: لا يورد ابن سحنون آراء وأحكاما مستقلة تعبر عن رأيه وإنما يستخلص هذه الآراء من الكتاب والسنة ويوردها منسوبة إليهما أو الروايات المدققة.

стр. 345

فضل تعليم القرآن وتعلمه: كان أول ما أكده ابن سحنون فضل تعلم القرآن الكريم وتعليمه، ويقتبس لذلك أحاديث للنبي كقوله ﷺ . "أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه". "ويرفع الله بالقرآن أقواما" و "أن لله أهلين من الناس: حمله القرآن هم أهل الله وخاصته" و "من قرأ القرآن بإعراب فله أجر شهيد". العدل بين الصبيان: في إشارته إلى عدل المؤدب بين الصبيان يورد ابن سحنون حديث النبي ﷺ الذي يقول: "أيما مؤدب ولي ثلاثة صبية من هذه الأمة فلم يعلمهم بالسوية فقيرهم مع غنيهم وغنيهم مع فقيرهم حشر يوم القيامة مع الخائنين". ما يكره محوه من ذكر الله تعالى: يستدل ابن سحنون في الكلام عما يكره محوه من ذكر الله تعالى بما ورد عن أنس بن مالك قوله: "إذا محت صبية الكتاب تنزيل رب العالمين من ألواحهم بأرجلهم نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره ثم لم يبال حين يلقى الله على ما يلقاه عليه". ويورد على لسان أنس تفسيره للطريقة التي كانت تمحى بها الألواح وما عليها من القرآن أيام الخلفاء الأربعة فيقول: كان للمؤدب "إجانة" وكان كل صبي يأتي يوم نوبته بماء طاهر يصبه فيها، وتمحى الألواح بغمسها في الإجانة المملوءة بالماء ثم يوضع الماء بعد الانتهاء في غسل الألواح في حفرة في أرض يصب فيها لينشف كما يمكن مسح الألواح بلعقها أو بمسحها بالمنديل وما أشبه. ما يجوز في الأدب وما لا يجوز: يورد ابن سحنون تحت هذا العنوان روايات تتضمن أقوالا للنبي ﷺ تحدد مدى ما يجوز للمعلم في عقاب الصبيان وتأديبهم، منها قول النبي ﷺ : "لا يضرب أحدكم أكثر من عشرة أسواط إلا في حد" وقوله ﷺ : "أدب الصبي ثلاث درر فمن زاد عليه قوصص -من القصاص- يوم القيامة". وهذا يعني أن ضرب المعلم الصبي يجوز بين ثلاث درر ولا يزيد عن عشرة عند تأديبهم

стр. 346

على اللعب والبطالة. ويكون التأديب بهدف منفعتهم لا بسبب غضب المؤدب. ولا يجوز أن يزيد في ضربه على ثلاث درر في تأديب الصبي على قراءة القرآن ويجب أن يكون التأديب على قدر الذنب دون إسراف. وفي ختمة القرآن وما يجب للمعلم: يفهم مما يورده ابن سحنون أن ختمة القرآن إما بحفظ القرآن كله أو معظمه أو نصفه أو ثلثه أو ربعه، ويكون ذلك حسب قدرة المتعلم ولا يجوز للمعلم أن يحمل المتعلم فوق ما يريد أن يحفظه من القرآن إلا بإذن أبيه. كما يجوز للمعلم أن يأخذ هدايا من الصبيان في مناسبة الختمة والأعياد فقط ولا يجوز له أن يأخذ منهم هدايا فيما عدا ذلك إلا بإذن الآباء. وفي عطية العيد: لا يجوز للمعلم أن يكلف الصبيان فوق أجره شيئا من هدية أو غير ذلك، وحرام عليه أن يقبل منهم هدية سألهم عليها ولا جناح عليه أن يقبل الهدية إذا جاءت منهم بدون سؤال، ولا يجوز له أن يعاقبهم أو يهددهم على عدم إهدائهم، كما لا يحل له أن يخليهم إذا أهدوا له لأن التخلية داعية إلى الهدية وهو أمر مكروه. ما ينبغي أن يخلى الصبيان فيه: يفهم مما يذكره ابن سحنون أن إجازة الصبيان في الأعياد تكون من يوم إلى ثلاثة في عيد الفطر ومن ثلاثة أيام إلى خمسة في عيد الأضحى. ولا يجوز للمعلم أن يرسل أحد من صبيانه في طلب من تغيب منهم إلا بإذن أولياء الأمور إلا أن تكون الأماكن قريبة لا تلهي الصبي عن دراسته، وعليه أن يتعهد المتغيبين من الصبيان بنفسه، وأن يخبر آباءهم بتغيبهم. ومن الأفضل ألا يكلف أحد صبيانه في القيام بالضرب وألا يجعل لهم عريفا عليهم إلا إذا كان قد ختم القرآن وعرفه وأصبح مستغنيا عن التعليم فلا بأس من أن يستعين به في التعليم لما في ذلك من منفعة للصبي. وله أن يستأذن والده في ذلك. ويجوز له أن يستأجر من يعينه إذا كان في مثل كفاءته.

стр. 347

ما يجب على المعلم من لزوم الصبيان: مما يورده ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يلي: ١- لا يحل للمعلم أن ينشغل عن الصبيان وهو يقوم بتعليمهم اللهم في الأوقات التي تتخلل عمله فلا بأس من أن يتحدث وهو يتفقدهم وعينه عليهم. ٢- يعرض ابن سحنون لتحريم رمي الفاكهة على الناس عند الاحتفال بختم القرآن لأن ذلك يعتبر طعاما ننهبه، وقد نهى الرسول ﷺ عن أكل الطعام النهبة. ٣- يجب على المعلم أن يتفرغ لتلاميذه ولا يترك عمله للصلاة على الجنائز إلا في حالات الضرورة، ولا يجوز له أن يترك عمله للسير في الجنائز أو عيادة المرضى. ٤- ينبغي أن يخصص المعلم لتلاميذه وقتا لتعليم الكتاب وينبغي أن يعلمهم إعراب القرآن والشكل والهجاء والخط الحسن والقراءة الحسنة والتوقيف والترتيل أما تعليم الحساب والشعر والعربية والنحو فليس واجبا عليه إلا إذا اشترط عليه ذلك. ٥- لا يجوز للمعلم أن يضرب الصبي على رأسه أو وجهه ولا يجوز له أن يمنع من طعامه وشرابه إذا أرسل في طلبه. ٦- لا يجوز للمعلم أن يوكل تعليم الصبية لبعضهم بل يجب أن يتولى ذلك بنفسه. ٧- لا يجوز للمعلم أن ينشغل عن الصبيان بأن يكتب لنفسه أو لغيره كتب الفقه إلا بعد انتهاء الصبيان من القراءة. ٨- على المعلم أن يحضر الدرة والفلقة وعليه أيضا استئجار الحانوت وليس على الصبيان شيء من ذلك كله، ولكن إذا استأجر الآباء المعلم على تعليم الصبيان لمدة سنة فعليهم استئجار المكان للمعلم. ٩- على المعلم أن يختبر مدى تقدم صبيانه في التعليم.

стр. 348

١٠- على المعلم أن يخصص وقتا معلوما لمراجعة حفظ القرآن مثل عشية الأربعاء ويوم الخميس وأن يعفيهم "أي التلاميذ" من الحضور للدراسة يوم الجمعة. ١١- لا يجوز للمعلم أن يعلم صبيانه قراءة القرآن بالألحان والغناء لأنه مكروه. ١٢- يجعل المعلم وقت الدراسة بالكتاب من الضحى إلى وقت الظهر، "الانقلاب". ١٣- يجوز للمعلم أن يجعل صبيانه يملي بعضهم بعضا لما في ذلك من منفعة لهم ويجب أن يتفقد إملاءهم أو يفحصها. ١٤- لا يجوز للمعلم أن ينقل الصبي من سورة إلى سورة إلا إذا حفظها بإعرابها وكتابتها. ١٥- لا يجوز للمعلم أن يرسل الصبيان في قضاء حوائجه. ١٦- يجب على المعلم أن يأمر الصبي بالصلاة إذا كان ابن سبع سنين ويضربه عليها إذا كان ابن عشر. وعليه أن يعلمهم الوضوء والصلاة لأنها من تمام دينهم, ويعلمهم أيضا سنن الصلاة، والابتهال إلى الله. ١٧- لا يجوز تعليم الصبيان في المسجد لأنهم لا يتحفظون من النجاسة ولم ينصب المسجد لتعليم الصبيان. ١٨- لا يجوز للمعلم أن يعلم أولاد النصارى القرآن. ١٩- من المكروه تعليم الجواري باختلاطهن بالغلمان لأن ذلك فساد لهم. ٢٠- على المعلم أن يؤدب الصبيان إذا آذى بعضهم بعضا. ٢١- إذا أدب المعلم الصبي الذي يجوز له تأديبه فأخطأ ففقأ عينيه أو أصابه فقتله كان على المعلم حد الكفارة في القتل والدية إذا جاوز حد التأديب إلى القسوة وإذا لم يجاوز المعلم الحد فلا دية عليه. وإذا ضرب المعلم الصبي بشيء غير مسموح به فقتله فعلى المعلم القصاص. ومن الإشارات الطريفة عن المعلمين لابن سحنون قوله: إنهم كانوا يسرون بوقوع الحبر على ثيابهم دلالة على اجتهادهم الشديد في تعليم الصبيان.

стр. 349

ما جاء في إجازة "أجر" المعلم ومتى تجب: من أهم المبادئ التي أوردها ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يأتي: ١- يجوز أن يؤجر المعلم شهريا أو سنويا أو يدفع له الأجر حسب الاتفاق. ٢- يستحق المعلم الأجر المتفق عليه ولو كان لمدة سنة في حالة مرض الصبي أو خروجه مع والده في سفر. ٣- يجوز أن يستأجر المعلم لجماعة من الصبيان إذا تراضى الآباء بذلك ويقوم كل منهم بدفع نصيبه. ٤- يمنع المعلم من التعليم إذا عرف عنه التفريط أو التقصير في تعليم تلاميذه. ٥- يجوز للمعلم أن يعلم مع صبيان استؤجر على تعليمهم صبيانا آخرين بحيث لا يضر بتعليمهم. ما جاء في إجازة المصحف وكتب الفقه: من أهم المبادئ التي أوردها ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يأتي: ١- يجوز أن يستأجر المصحف للقراءة فيه كما يجوز بيعه لأن ما يباع هو الحبر والورق. ٢- ويجوز أيضا إجازة كتب الفقه وبيعها إذا علم من استأجرها واشتراها.

стр. 350

٢- القابسي وآراؤه التربوية: الاسم الكامل للقابسي هو أبو الحسن علي بن محمد خلف المعافري المعروف بالقابسي، ولد بالقيروان سنة ٣٢٤هـ "٩٣٥م" وبها تربى وتعلم وعلم. وبها مات ودفن سنة ٤٠٢هـ "١٠١٢م". ويرجع نسب القابسي على الأرجح إلى قرية المعافرين التي ينتسب إليها وكانت ضاحية من ضواحي تونس. وكان القابسي عالما ضريرا فقيها ورعا. وله مؤلفات كثيرة تصل إلى ١٥ كلها في الفقه والحديث والمواعظ باستثناء واحد أفرده القابسي لشئون التعليم في الإسلام هي رسالته المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين. وقد صنفها في النصف الثاني من القرن الرابع وضاع الأصل وبقيت منه نسخة خطبة فريجة ترجع إلى عام ٧٠٦هـ وهي محفوظة بالمكتبة القومية بباريس ومكتوبة بخط مغربي جميل. وهذه الرسالة أكبر من حجمها من رسالة ابن سحنون وقد تأثر بما كتبه ابن سحنون ونقل عنه نقلا حرفيا في بعض الأحيان، كما سبق أن أشرنا، كما نقل أيضا عن الفقهاء الذين أخذ عنهم ابن سحنون كابن القاسم وابن وهب إلا أن للقابسي فضل التوسع والاستفاضة في الأبواب والمعالجة. آراء القابسي التربوية: تصدى القابسي في رسالته إلى الكلام عن تعليم الصبيان من حيث أغراضه ومناهجه وطرق تدريسه وأماكنه ومراحل. كما تحدث عن بعض الأحكام الخاصة بالمعلم. وقد تناول القابسي في الجزء الأول من رسالته فضل تعلم القرآن وتعليمه. وهو بهذا يشترك مع ابن سحنون بل إنه ينقل نفس الأحاديث النبوية إلا أنه يتوسع في الكلام. الغرض من التعليم معرفة الدين علما وعملا: يجعل القابسي من تعليم القرآن غرضا هاما لتعليم الصبيان. بالقرآن ضرورة لمعرفة الدين. والصلاة لا تتم إلا بقراءة شيء من القرآن وهي مفروضة على المسلمين لأنها ركن من أركان الدين. وهو يتفق مع غيره من علماء المسلمين في أن الغرض الأول من تعليم الصبيان هو معرفة الدينه علما وعملا أو نظرا وتطبيقا وممارسة. وجوب تعليم الصبيان: يتعرض القابسي لقضية لم ترد عند ابن سحنون هي قضية القول بضرورة تعليم جميع الصبيان فتعليمهم واجب وجوبا شرعيا. وهو يدلل على هذا الوجوب بوجوب معرفة القرآن والعبادات، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولذا كان التعليم واجبا لأنه شرط معرفة القرآن والعبادات. وهكذا نجد بذور فكرة التعليم الإجباري الإلزامي عند القابسي، وقد كان صريحا كما كان جريئا

стр. 351

فيها. وقد استقر هذا المبدأ عند فقهاء المسلمين فيما بعد عندما أصبح طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. وتقتضي ضرورة تعليم الصبيان أن يكون الوالد مكلفا بتعليم ابنه بنفسه فإن لم يستطع فعليه أنه يرسله لتلقي العلم بالأجر فإذا لم يكن قادرا على ذلك قام التكليف أقرباؤه. فإذا عجز الأهل عن نفقة التعليم قام بها المحسنون أو قام معلم الكتاب بتعليم الفقراء احتسابا لوجه الله، أو دفع لهم الحاكم أجر تعليمهم من بيت المال. وهكذا يتحقق تعليم كل المسلمين بصرف النظر عن الغني أو الفقير. تعليم البنت حق: يعترف القابسي بحق البنت في التعليم انطلاقا من أن التكاليف الدينية واجبة على الرجل والمرأة. وهو يتفق مع روح الإسلام الحقيقة التي جعلت من طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة على حد سواء. إلا أنه ذهب إلى عدم الخلط بين الصبيان والإناث وهو مبدأ سبق أن أكده ابن سحنون لاعتبارات أخلاقية وينبغي أن تعلم البنت ما فيه صلاحها ويبعدها عن الفتنة. منهج الدراسة: يذهب القابسي إلى أن الغاية الدينية هي التي تحدد العلوم التي يدرسها الصبيان، وأول هذه العلوم حفظ القرآن وقراءته وكتابته ونطقه وتجويده. وتعليم الحساب والمواد في نظره ليس بشرط لازم، وهو يتفق مع ابن سحنون في هذا الرأي. الدين أصل الأخلاق: يعتبر القابسي الدين أصل الأخلاق، فالدين أساس التربية الخلقية في الإسلام. لذلك يجب أن يعمل التعليم على تهذيب الأخلاق وأساس الأخلاق عنده الضمير الخلقي الحي المستمد من الدين الذي يعتمد على ما ورد عن النبي ﷺ عندما سئل ما الإيمان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك" ويكون اكتساب الأخلاق عن طريق التعليم والقدوة. ولذلك كانت سيرة الرسول ﷺ ذات فائدة تعليمية خلقية عظيمة. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ

стр. 352

فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ . الفضائل والرذائل: إن الفضائل من تمام كمال الإنسان. وقد تنبه القابسي إلى أثر تكوين العادة في اكتساب الفضائل لدى الإنسان ولذا يوصي المعلم بتوجيه الصبيان إلى العادات الحسنة وإبعادهم عن العادات الرذيلة. وأول الصفات الطيبة التي يتحلى بها الصبيان في نظره الطاعة وهي ليست واجبة عليهم نحو المعلم فحسب بل هي واجبة نحو الله والرسول وأولى الأمر كما جاء في القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . ومن الصفات الطيبة النظام. فالغوضي مفسدة للصبيان. ويقتضي النظام من الصبيان الانتظام في الحضور وعند الانصراف من الدرس والتحلي بالنظام في الدرس والأعمال المدرسية. والعبادات الإسلامية خير ما يعود الإنسان على الطاعة والنظام ولذا كانت ممارستها واجبة. والمعلم مطالب بتعليمها للصبيان باعتبارها أصل الفضائل وعصمة من الرذائل. الرفق بالصبيان: إن العقوبة مشروعة في الإسلام وجعل لنا في القصاص حياة. وقد أقر القابسي مبدأ عقاب الصبيان لكنه يترفق معهم تمشيا مع روح الإسلام التي تتسم بالرحمة والعفو. وينزل المعلم من الصبي منزلة الوالد، وطالبه بأن يكون رفيقا به عادلا في عقابه غير متشدد فيه. ومن الرفق ألا يبادر المعلم إلى العقاب إذا أخطأ الطفل وإنما ينبهه مرة بعد أخرى فإذا لم ينتصح لجأ إلى العقاب وقد نهى القابسي عن استخدام أسلوب الحرمان من الطعام والشراب في العقاب. بل طلب من المعلم أن يترفق بالصبيان فيأذن لهم بالانصراف إلى تناول الغذاء من طعام وشراب ثم يعودون. وهذا يعني أن الدراسة بالكتاب كانت تمتد إلى العصر. ونهى القابسي عن الانتقام في العقاب ولذا نهى المعلم عن ضرب الصبيان في حالة الغضب حتى لا يكون "ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه".

стр. 353

وأشار القابسي إلى اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في معاملة الصبيان فأقر الضرب كعقوبة إلا أنه اشترط لها شروطا من أهمها: ١- لا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب. ٢- أن يكون العقاب على قدر الذنب. ٣- أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث، ويستأذن ولي الأمر فيما زاد عن ذلك. ٤- أن يقوم المعلم بالضرب بنفسه ولا يوكله لواحد من الصبيان. ٥- أن يكون الضرب على الرجلين، ويتجنب الضرب على الوجه والرأس أو الأماكن الحساسة من الجسم. ٦- أن تكون آلة الضرب هي الدرة والفلقة، ويجب أن يكون عود الدرة رطبا مأمونا. وهذه نفس الشروط تقريبا التي أشار إليها ابن سحنون من قبل. نظام الدراسة: إن نظام الدراسة الذي أشار إليه القابسي هو النظام المتعارف عليه وهو يقوم على أساس الدراسة طول أيام الأسبوع باستثناء يوم الجمعة والنصف الثاني من يوم الخميس، ويخصص مساء الأربعاء وأول يوم الخميس للمراجعة والتدقيق من جانب المعلم للصبيان، وتكون الدراسة في أول النهار حتى الضحى مخصصة للقرآن الكريم ومن الضحى إلى الضحى إلى الظهر لتعليم الكتابة، وعند الظهر ينصرف التلاميذ لتناول الغداء ثم يعودون بعد صلاة الظهر حيث يدرس الصبيان لفيما يتبقى من النهار بقية العلوم كالنحو والحساب والشعر. وهو يتفق في كثير من هذه الأمور مع ابن سحنون. النهي عن تعليم غير المسلمين: يتفق القابسي مع ابن سحنون في النهي عن تعليم غير المسلمين في الكتاتيب والنهي أيضا عن تعليم أبناء المسلمين في المدارس النصرانية، ومن الواضح الأساس الذي بني عليه هذا النهي.

стр. 354

المعلم: اقتصر القابسي في رسالته على الكلام عن معلمي الكتاتيب الذين يتصلون بأولاد العامة وذاع عنهم الحمق فقيل في المثل: "أحمق من معلم الكتاب". وهكذا وصفوا بالحمق وقلة العقل ولم تقبل شهادتهم. وقد انتصر الجاحظ لمعلمي الخاصة وهم المؤدبون الذين كانوا أكثر احتراما من معلمي الصبيان. ولعل هذه الوصمة لحقت بمعلمي الصبية من جراء العناصر الوضيعة التي اشتغلت بالمهنة والممارسات السيئة التي عرفت عنهم مما يتضح مما نهى القابسي المعلمين عنه. ولم تكن هناك شروط يسمح للمعلم بناء عليها بمزاولة المهنة. ولكن كان الأمر يعتمد على الشعور بالقدرة فمن آنس في نفسه المقدرة على التعليم جاز له ذلك، وقد اشترط القابسي في المعلم معرفة القرآن والنحو والشعر وأيام العرب إلى جانب شخصيته الدينية وسمعته الطيبة. وهو بهذا يتفق مع ابن سحنون ويتفق معه أيضا في مطالبة المعلم بعدم الانشغال عن تعليم الصبيان وعدم طلب الهدايا منهم أو إرسال تلاميذهم في قضاء حوائجهم والحصول على طعام باسمهم في مناسبات الأفراح أو إحضار الطعام والحطب من بيوتهم. ولا يجوز للمعلم أن يترك عمله للصلاة على الجنازة أو السير فيها أو عيادة المرضى أو حضور شهادة البيع والنكاح. وربما من هنا جاءت فكرة عدم قبول شهادة معلم الصبية لا لنقص فيه ولكن لأنه منهي عن الانشغال عن التعليم وهو واجبه بأعمال أخرى. ومن الواضح أوجه الاتفاق والشبه الكبير بين ما يقول القابسي وما ذهب إليه ابن سحنون. وكلاهما يتفقان أيضا على أن يأخذ المعلم أجرا نظير عمله إما مشاهرة أو مساناة. وأعطى القابسي للمعلم سلطة كبيرة على الصبي تساوي سلطة الوالد، ولكنه حمل المعلم المسئولية والنتيجة النهائية لعمله، وليس له أن يعتذر عن فساد النتيجة بنقص سلطته أو إلقاء اللوم على الصبيان. ولهذا صح عقاب المعلم ومحاسبته على التقصير في أعماله، وقد يصل العقاب إلى حد منعه من الاشتغال بالتعليم.

стр. 355

ابن مسكويه وآراؤه التربوية مدخل ... ٣- ابن مسكويه وآراؤه التربوية" "٣٢٠هـ-٤١٢هـ، ٩٣٣م-١٠٣٠م" هو فارسي الأصل كما يبدو من اسمه الذي يتكون من مقطعين مسك وهو العطر المعروف و"ويه" وتعني رائحة. فيكون معنى اسمه رائحة المسك. واسمه الكامل هو أحمد بن محمد بن يعقوب بن مسكويه. ومسكويه هو اسمه واسم جده أيضا, ولذلك يقال له مسكويه وابن مسكويه "شريف: ١٥٩". أصله من الري وسكن أصفهان وتوفي بها. وإذا كان بعض علماء المسلمين قد لقبوا أرسطوا بالمعلم الأول والفارابي بالمعلم الثاني فابن مسكويه يلقب بالمعلم الثالث. وكانت ولادته سنة ٣٣٠هـ - ٩٣٣م، ووفاته عام ٤٢١هـ - ١٠٣٠م. وهذا يعني أنه قد عاش ما يقرب من مائة عام. ويعتبر ابن مسكويه من أعيان الشيعة فقد كان شيعيا مخلصا يؤمن كغيره من الشيعة فإقامة سيدنا علي في خلافة المسلمين بعد رسول الله ﷺ . اشتغل بالكيمياء والفلسفة والمنطق مدة طويلة. ثم أولع بالأدب والتاريخ والإنشاء. اشتهر بالخازن لأنه كان أمينا على خزانة كتب ابن العميد ثم كتب عضد الدولة ابن بويه. وحياة ابن مسكويه مليئة بالتناقض. فقد عاش في شبابه حياة ترف ولهو استمتاع ومجون. ولكنه عدل من ذلك فيما بعد في مرحلة متقدمة من عمره. وهو نفسه يشير إلى ذلك في كتابه تهذيب الأخلاق في كلامه عن تأديب الصبية والأمور التي تسيء إلى تربيتهم من سماع الأشعار السيئة ومرافقة أهل السوء وميل طبعه إلى كثرة الطعام واللباس والزينة. ويعقب على ذلك بقوله: "كما اتفق لي مثل ذلك في بعض الأوقات". وقد يرجع سبب ذلك إلى إهمال والديه تربيته منذ الطفولة. فقد تركا له الحبل على الغارب ولم يعوداه على السلوك السليم منذ صغره. بل إن أمه لم تكن مثلا يحتذى له في حياته. فقد تزوجت بعد موت أبيه برجل أقل شأنا منه وكان غير راض عن سلوكه وتصرفاته. والغريب أن هذا الشاب المترف الماجن المستهتر يعود في آخر سنوات حياته ليكتب كتابا عن "تهذيب الأخلاق" يعتبر من أهم الكتب في فلسفة الأخلاق الإسلامية. وربما يكون السبب في ذلك أسفه وندمه الشديد على ما فعله في شباب وتكفيره عن ذلك بكتابه هذا الكتاب الذي اعتمد في كتابته على معرفته بالعلوم الفلسفية وخبرته الذاتية الشخصية.
следующие страницы →