فيها. وقد استقر هذا المبدأ عند فقهاء المسلمين فيما بعد عندما أصبح طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.
وتقتضي ضرورة تعليم الصبيان أن يكون الوالد مكلفا بتعليم ابنه بنفسه فإن لم يستطع فعليه أنه يرسله لتلقي العلم بالأجر فإذا لم يكن قادرا على ذلك قام التكليف أقرباؤه. فإذا عجز الأهل عن نفقة التعليم قام بها المحسنون أو قام معلم الكتاب بتعليم الفقراء احتسابا لوجه الله، أو دفع لهم الحاكم أجر تعليمهم من بيت المال. وهكذا يتحقق تعليم كل المسلمين بصرف النظر عن الغني أو الفقير.
تعليم البنت حق:
يعترف القابسي بحق البنت في التعليم انطلاقا من أن التكاليف الدينية واجبة على الرجل والمرأة. وهو يتفق مع روح الإسلام الحقيقة التي جعلت من طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة على حد سواء. إلا أنه ذهب إلى عدم الخلط بين الصبيان والإناث وهو مبدأ سبق أن أكده ابن سحنون لاعتبارات أخلاقية وينبغي أن تعلم البنت ما فيه صلاحها ويبعدها عن الفتنة.
منهج الدراسة:
يذهب القابسي إلى أن الغاية الدينية هي التي تحدد العلوم التي يدرسها الصبيان، وأول هذه العلوم حفظ القرآن وقراءته وكتابته ونطقه وتجويده. وتعليم الحساب والمواد في نظره ليس بشرط لازم، وهو يتفق مع ابن سحنون في هذا الرأي.
الدين أصل الأخلاق:
يعتبر القابسي الدين أصل الأخلاق، فالدين أساس التربية الخلقية في الإسلام. لذلك يجب أن يعمل التعليم على تهذيب الأخلاق وأساس الأخلاق عنده الضمير الخلقي الحي المستمد من الدين الذي يعتمد على ما ورد عن النبي ﷺ عندما سئل ما الإيمان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك" ويكون اكتساب الأخلاق عن طريق التعليم والقدوة. ولذلك كانت سيرة الرسول ﷺ ذات فائدة تعليمية خلقية عظيمة. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ
стр. 352
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ .
الفضائل والرذائل:
إن الفضائل من تمام كمال الإنسان. وقد تنبه القابسي إلى أثر تكوين العادة في اكتساب الفضائل لدى الإنسان ولذا يوصي المعلم بتوجيه الصبيان إلى العادات الحسنة وإبعادهم عن العادات الرذيلة. وأول الصفات الطيبة التي يتحلى بها الصبيان في نظره الطاعة وهي ليست واجبة عليهم نحو المعلم فحسب بل هي واجبة نحو الله والرسول وأولى الأمر كما جاء في القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .
ومن الصفات الطيبة النظام. فالغوضي مفسدة للصبيان. ويقتضي النظام من الصبيان الانتظام في الحضور وعند الانصراف من الدرس والتحلي بالنظام في الدرس والأعمال المدرسية. والعبادات الإسلامية خير ما يعود الإنسان على الطاعة والنظام ولذا كانت ممارستها واجبة. والمعلم مطالب بتعليمها للصبيان باعتبارها أصل الفضائل وعصمة من الرذائل.
الرفق بالصبيان:
إن العقوبة مشروعة في الإسلام وجعل لنا في القصاص حياة. وقد أقر القابسي مبدأ عقاب الصبيان لكنه يترفق معهم تمشيا مع روح الإسلام التي تتسم بالرحمة والعفو. وينزل المعلم من الصبي منزلة الوالد، وطالبه بأن يكون رفيقا به عادلا في عقابه غير متشدد فيه. ومن الرفق ألا يبادر المعلم إلى العقاب إذا أخطأ الطفل وإنما ينبهه مرة بعد أخرى فإذا لم ينتصح لجأ إلى العقاب وقد نهى القابسي عن استخدام أسلوب الحرمان من الطعام والشراب في العقاب. بل طلب من المعلم أن يترفق بالصبيان فيأذن لهم بالانصراف إلى تناول الغذاء من طعام وشراب ثم يعودون. وهذا يعني أن الدراسة بالكتاب كانت تمتد إلى العصر. ونهى القابسي عن الانتقام في العقاب ولذا نهى المعلم عن ضرب الصبيان في حالة الغضب حتى لا يكون "ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه".
стр. 353
وأشار القابسي إلى اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في معاملة الصبيان فأقر الضرب كعقوبة إلا أنه اشترط لها شروطا من أهمها:
١- لا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب.
٢- أن يكون العقاب على قدر الذنب.
٣- أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث، ويستأذن ولي الأمر فيما زاد عن ذلك.
٤- أن يقوم المعلم بالضرب بنفسه ولا يوكله لواحد من الصبيان.
٥- أن يكون الضرب على الرجلين، ويتجنب الضرب على الوجه والرأس أو الأماكن الحساسة من الجسم.
٦- أن تكون آلة الضرب هي الدرة والفلقة، ويجب أن يكون عود الدرة رطبا مأمونا. وهذه نفس الشروط تقريبا التي أشار إليها ابن سحنون من قبل.
نظام الدراسة:
إن نظام الدراسة الذي أشار إليه القابسي هو النظام المتعارف عليه وهو يقوم على أساس الدراسة طول أيام الأسبوع باستثناء يوم الجمعة والنصف الثاني من يوم الخميس، ويخصص مساء الأربعاء وأول يوم الخميس للمراجعة والتدقيق من جانب المعلم للصبيان، وتكون الدراسة في أول النهار حتى الضحى مخصصة للقرآن الكريم ومن الضحى إلى الضحى إلى الظهر لتعليم الكتابة، وعند الظهر ينصرف التلاميذ لتناول الغداء ثم يعودون بعد صلاة الظهر حيث يدرس الصبيان لفيما يتبقى من النهار بقية العلوم كالنحو والحساب والشعر. وهو يتفق في كثير من هذه الأمور مع ابن سحنون.
النهي عن تعليم غير المسلمين:
يتفق القابسي مع ابن سحنون في النهي عن تعليم غير المسلمين في الكتاتيب والنهي أيضا عن تعليم أبناء المسلمين في المدارس النصرانية، ومن الواضح الأساس الذي بني عليه هذا النهي.
стр. 354
المعلم:
اقتصر القابسي في رسالته على الكلام عن معلمي الكتاتيب الذين يتصلون بأولاد العامة وذاع عنهم الحمق فقيل في المثل: "أحمق من معلم الكتاب". وهكذا وصفوا بالحمق وقلة العقل ولم تقبل شهادتهم. وقد انتصر الجاحظ لمعلمي الخاصة وهم المؤدبون الذين كانوا أكثر احتراما من معلمي الصبيان. ولعل هذه الوصمة لحقت بمعلمي الصبية من جراء العناصر الوضيعة التي اشتغلت بالمهنة والممارسات السيئة التي عرفت عنهم مما يتضح مما نهى القابسي المعلمين عنه. ولم تكن هناك شروط يسمح للمعلم بناء عليها بمزاولة المهنة. ولكن كان الأمر يعتمد على الشعور بالقدرة فمن آنس في نفسه المقدرة على التعليم جاز له ذلك، وقد اشترط القابسي في المعلم معرفة القرآن والنحو والشعر وأيام العرب إلى جانب شخصيته الدينية وسمعته الطيبة. وهو بهذا يتفق مع ابن سحنون ويتفق معه أيضا في مطالبة المعلم بعدم الانشغال عن تعليم الصبيان وعدم طلب الهدايا منهم أو إرسال تلاميذهم في قضاء حوائجهم والحصول على طعام باسمهم في مناسبات الأفراح أو إحضار الطعام والحطب من بيوتهم.
ولا يجوز للمعلم أن يترك عمله للصلاة على الجنازة أو السير فيها أو عيادة المرضى أو حضور شهادة البيع والنكاح. وربما من هنا جاءت فكرة عدم قبول شهادة معلم الصبية لا لنقص فيه ولكن لأنه منهي عن الانشغال عن التعليم وهو واجبه بأعمال أخرى.
ومن الواضح أوجه الاتفاق والشبه الكبير بين ما يقول القابسي وما ذهب إليه ابن سحنون. وكلاهما يتفقان أيضا على أن يأخذ المعلم أجرا نظير عمله إما مشاهرة أو مساناة. وأعطى القابسي للمعلم سلطة كبيرة على الصبي تساوي سلطة الوالد، ولكنه حمل المعلم المسئولية والنتيجة النهائية لعمله، وليس له أن يعتذر عن فساد النتيجة بنقص سلطته أو إلقاء اللوم على الصبيان. ولهذا صح عقاب المعلم ومحاسبته على التقصير في أعماله، وقد يصل العقاب إلى حد منعه من الاشتغال بالتعليم.
стр. 355
ابن مسكويه وآراؤه التربوية
مدخل
...
٣- ابن مسكويه وآراؤه التربوية"
"٣٢٠هـ-٤١٢هـ، ٩٣٣م-١٠٣٠م"
هو فارسي الأصل كما يبدو من اسمه الذي يتكون من مقطعين مسك وهو العطر المعروف و"ويه" وتعني رائحة. فيكون معنى اسمه رائحة المسك. واسمه الكامل هو أحمد بن محمد بن يعقوب بن مسكويه. ومسكويه هو اسمه واسم جده أيضا, ولذلك يقال له مسكويه وابن مسكويه "شريف: ١٥٩". أصله من الري وسكن أصفهان وتوفي بها. وإذا كان بعض علماء المسلمين قد لقبوا أرسطوا بالمعلم الأول والفارابي بالمعلم الثاني فابن مسكويه يلقب بالمعلم الثالث.
وكانت ولادته سنة ٣٣٠هـ - ٩٣٣م، ووفاته عام ٤٢١هـ - ١٠٣٠م. وهذا يعني أنه قد عاش ما يقرب من مائة عام. ويعتبر ابن مسكويه من أعيان الشيعة فقد كان شيعيا مخلصا يؤمن كغيره من الشيعة فإقامة سيدنا علي في خلافة المسلمين بعد رسول الله ﷺ . اشتغل بالكيمياء والفلسفة والمنطق مدة طويلة. ثم أولع بالأدب والتاريخ والإنشاء. اشتهر بالخازن لأنه كان أمينا على خزانة كتب ابن العميد ثم كتب عضد الدولة ابن بويه.
وحياة ابن مسكويه مليئة بالتناقض. فقد عاش في شبابه حياة ترف ولهو استمتاع ومجون. ولكنه عدل من ذلك فيما بعد في مرحلة متقدمة من عمره. وهو نفسه يشير إلى ذلك في كتابه تهذيب الأخلاق في كلامه عن تأديب الصبية والأمور التي تسيء إلى تربيتهم من سماع الأشعار السيئة ومرافقة أهل السوء وميل طبعه إلى كثرة الطعام واللباس والزينة. ويعقب على ذلك بقوله: "كما اتفق لي مثل ذلك في بعض الأوقات". وقد يرجع سبب ذلك إلى إهمال والديه تربيته منذ الطفولة. فقد تركا له الحبل على الغارب ولم يعوداه على السلوك السليم منذ صغره. بل إن أمه لم تكن مثلا يحتذى له في حياته. فقد تزوجت بعد موت أبيه برجل أقل شأنا منه وكان غير راض عن سلوكه وتصرفاته. والغريب أن هذا الشاب المترف الماجن المستهتر يعود في آخر سنوات حياته ليكتب كتابا عن "تهذيب الأخلاق" يعتبر من أهم الكتب في فلسفة الأخلاق الإسلامية. وربما يكون السبب في ذلك أسفه وندمه الشديد على ما فعله في شباب وتكفيره عن ذلك بكتابه هذا الكتاب الذي اعتمد في كتابته على معرفته بالعلوم الفلسفية وخبرته الذاتية الشخصية.
стр. 356
مؤلفات ابن مسكويه:
يعتبر كتاب "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" من أهم وأشهر كتبه. وهو كتاب صغير الحجم عظيم القدر يبدو منه بوضوح تأثيره على فكر حجة الإسلام الغزالي الذي جاء من بعده ونقل عنه كثيرا من أفكاره. وهناك كتب أخرى لابن مسكويه منها "كتاب الفوز الأصغر والفوز الأكبر وفوز النجاة" و"كتاب ترتيب السعادات" وكتاب "آداب العرب والفرس" و"كتاب تجارب الأمم"، وله كتاب "الحكمة الخالدة" تحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي. ويقول الدكتور أحمد عبد الحليم عطية محقق كتاب السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية لأبي الحسن محمد بن يوسف العامري المتوفى ٣٨١هـ في ص١٧ أن ابن مسكويه نقل فيه عن العامري وخصص فيه فصلا طويلا عن وصايا العامري وآدابه١. هذا إلى جانب بعض الرسائل الصغيرة ما زال الكثير منها إن لم يكن معظمها مخطوطا. من هذه الرسائل رسالة "في النفس والعقل" ورسالة "اللذات والآلام" و"ورسالة في جوهر النفس والبحث عنها".
стр. 357
تأثير ابن مسكويه بفلاسفة الإغريق:
تأثر ابن مسكويه بفلاسفة الإغريق شأنه في ذلك شأن كثير من فلاسفة الإسلام كالكندي وكالفارابي وابن سينا والعامري والغزالي وغيرهم. وهو يشير إلى آراء جالينوس وأرسطو وسقراط وفورفيوس وبروسن وفيثاغورث وبقراط وأفلاطون والرواقيين من فلاسفة الإغريق وينقل عنهم. بل إنه يعترف صراحة بأنه نقل عنهم "ابن مسكويه: ص٦٦، ٨٤، ٨٧، ٩١، ١٦٧، ١٨٠". ويقول أحد الباحثين إن مسكويه اعتمد في كتابه تهذيب الأخلاق على كتاب الأخلاق النيقوماخية لأرسطو "محمد الجليند: ٢٦٥" نسبة إلى نيقوماخوس والد أرسطو.
تأثيره على حجة الإسلام الغزالي: كان لابن مسكويه تأثير واضح على حجة الإسلام الغزالي. ويبدو هذا التأثير فيما نقله نقلا حرفيا عنه في كلامه عن النفس وتقسيماتها والفضائل وأمهاتها وصفاتها الأخلاقية والصفات التي تتدرج تحتها وغير ذلك مما سنشير إليه في كلامنا عن ابن مسكويه وفي كلامنا أيضا عن الغزالي. ويقول ابن الخطيب محقق كتاب ابن مسكويه وشارح غريبه "ص٦" في تعليقه على الكتاب إنه كان قد قرأ أبوابا برمتها منه في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي فظن بادئ ذي بدء أن ابن مسكويه نقل عن الغزالي هذه الأبواب. ولكن بعد البحث وجد أن ابن مسكويه توفي في عام ٤٢١هـ في حين أن الغزالي توفي عام ٥٠٥هـ فيكون ابن مسكويه أسبق من الغزالي. وبذلك يكون الغزالي هو الناقل عن ابن مسكويه.
стр. 358
آراؤه التربوية:
يتحدث ابن مسكويه عن ضرورة الاجتماع البشري ويذكر عبارة "الناس مدينون بالطبع" "ص١٢٦" ويكررها في "ص١٦٧". وهو بهذا يكون سابقا للماوردي والأصفهاني وابن خلدون في القول بذلك. والواقع أن أستاذ ابن مسكويه وهو أبو الحسن محمد بن يوسف العامري المتوفى ٣٨١هـ يذكر مثل هذه العبارة في كتابه "السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية" "ص٢٥٧" وينسبها إلى أرسطو. وتكلم ابن مسكويه في أمور كثيرة تتعلق بالعقل والقلب والنفس والأخلاق وتربية الصبيان وسنعرض في السطور التالية لبعض آرائه.
١- إعلاؤه لشأن العقل: ينزل ابن مسكوية العقل منزلة كبرى تمشيا مع فلاسفة الإغريق الذين يمجدون العقل كأعلى قيمة في حياة الإنسان. والواقع أن الإسلام الذي ينتمي إليه ابن مسكويه يعلي من شأن العقل إلى درجة كبيرة قل أن نجد لها نظيرا في الأديان الأخرى. والقرآن الكريم مليء بالشواهد الكثيرة التي تدل على ذلك. ويتردد في القرآن دائما في عبارة مثل "لعلهم يعقلون" "ألا يعقلون"، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون﴾ "ولعلكم تتفكرون"، "أفلا تنكرون"، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُون﴾ ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون﴾ .
والمفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد ﵀ كتب كما أشرنا كتابا بعنوان "التفكير فريضة إسلامية" فإذا كان التفكير وهو وظيفة العقل فريضة في الإسلام ألا يدل ذلك على إعلاء الإسلام من شأن العقل؟ ولا شك في أن ابن مسكويه قد تأثر في كلامه بما يقوله الإسلام عن العقل إلا أن لأسلوب كلامه طابعا يونانيا قديما.
стр. 359
والعقل عند ابن مسكويه يعتبره على غرار الإغريق قوة النفس الناطقة. ذلك أنه يرى أن للنفس قوى مختلفة لها مراكز جسمية. والعقل والفكر في الدماغ والغضب في القلب والشهوة في البطن.
وهو يرى أن العقل هو مناط التكليف الإلهي. وعلى أساسه يكون حساب الإنسان ثوابا عقابا. وبه يستطيع المرء أن يكون قاب قوسين أو أدنى من سدرة المنتهى التي أشار إليها القرآن الكريم في سورة النجم بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ . وبه أيضا يهوى إلى الدرك الأسفل من النار شأنه شأن المنافقين الذين قال عنهم القرآن الكريم في سورة النار ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ . أو يكون شبه الحيوانات والأنعام الذين قال فيهم رب العزة في سورة الفرقان ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
стр. 360
النفس الإنسانية:
تحدث ابن مسكويه عن النفس من حيث طبيعتها وصلتها بالجسم. فمن حيث طبيعتها يناقش ما إذا كانت النفس الإنسانية نفسا واحدة أم أنها متعددة. ويصل إلى القول بأن النفس واحدة ترد إليها قوى مختلفة هي بمثابة الفروع للشجرة الواحدة. ومن حيث صلة النفس بالجسم يتساءل هل هي جزء من الجسم تفنى بفنائه؟ ويجيب على ذلك بقوله إن النفس مغايرة للبدن وليست جزءا منه ولا حالا من أحواله. ويستدل على ذلك بأن النفس هي التي تحرك البدن وقد تكون هذه الحركة مخالفة لطبيعته كالصعود إلى أعلى أو التحرك من مكان إلى مكان. كما أن الجسم يعتريه التغيير والتبديل والزيادة والنقصان. ومع ذلك يظل الإنسان مدركا لنفسه في كل ذلك. وهذا يعني أن هناك جوهرا غير الجسم مسئول عن ذلك. ويقول أيضا إن النفس ليست جسما بل هي جوهر مفارق للبدن ومخالف له في الطبع. فهي من عالم آخر غير عالم المادة الذي ينتمي إليه الجسم. ويرى ابن مسكويه أن النفس بعد الموت تصعد إلى بارئها أما الجسم فيفسد ويتحلل وهذا يعني أن النفس خالدة ولا تفنى بفناء الجسم. فهي ليس جزاء منه. وهو بهذا يخالف الفلاسفة الحسيين الذين يقولون بأن النفس جزء من
стр. 361
الجسم وأنها تفنى بفنائه.
وينقل ابن مسكويه عن فلاسفة الإغريق وعلى رأسهم أفلاطون تقسيم قوى النفس إلى ثلاث: قوة العقل وآلتها الدماغ وقوة الغضب وآلتها القلب وقوة الشهوة أو القوة البهيمية وآلتها الكبد. وهو يرى أن هذه القوى الثلاث إذا أحسن المرء توجيهها والتحكم فيها فإنها تكون مصدر خيره وسعادته. أما إذا ترك لها الحبل على الغارب وانساق وراء أهوائها فإنه يصبح عبدا لها وتكون وبالا عليه وشرا مستطيرا. وهو يذكر أن لكل قوى من هذه القوى الثلاث للنفس فضيلتها. ففضيلة العقل الحكمة وفضيلة القلب الغضب أو الشجاعة وفضيلة الحس الشهوة أو العفة. ومن هنا كانت صفة العدل شرطا أساسيا لهذه الفضائل وإذا انتفت صفة العدل عن الإنسان لم يعد إنسانا فاضلا وانقلبت هذه الفضائل إلى رذائل. وكان لابن مسكويه تأثيره الواضح على الغزالي في هذا التقسيم الثلاثي لقوى النفس ونقله عنه نقلا كاملا. ويذكر ابن مسكويه أن النفس العاقلة أو ما يسميها بالناطقة أو العالمة تتصف بالحكمة والمعرفة. أما النفس الغضبية فهي حوشية الطبع لكنها تقبل الأدب والتهذيب. أما النفس الشهوانية فلا تقبل التأديب أو التهذيب في نظر ابن مسكويه. ويشبه ابن مسكويه هذه النفوس الثلاث أو القوى الثلاث للنفس بمثال الصياد الذي يركب دابته ومعه كلبه. فإذا كانت القيادة للصياد أمكنه الوصول إلى غايته. أما إذا كانت لدابته أو لكلبه فإنه يضل الطريق ولا يصل إلى مراده. لأن الدابة تمثل قوة الشهوة ولا هم لها إلا إشباع معدتها بالحشائش الخضراء غير عابئة بالعوائق التي تعترض طريقها.
وفي هذا خطر على الصياد. والكلب وهو يمثل قوة الغضب يندفع ويجري بعيدا باحثا عن صيد. وقد يجر الصياد إلى المهالك التي تقضي عليه. وهذا المثال يذكرنا بأسطورة أفلاطون عن السائق والعربة التي يجرها جوادان أحدهما سلس القيادة والآخر عصي جامح. وذلك في حديثه عن قوى النفس العاقلة والغضبية والشهوانية. والسائق في الأسطورة يمثل العقل والعربة تمثل الجسم أو البدن، والجواد سلس القيادة يمثل إرادة أو قوة الغضب والجواد العصي أو الجامح يمثل الشهوة. "انظر محمود قاسم ص٤٢".
стр. 362
الفضيلة وصفاتها الأخلاقية:
يسلك ابن مسكويه في نظرته إلى المستقبل مسلك أرسطو الذي يقول بأن الفضيلة وسط بين رذيلتين أو نقيضين كل منهما ليس بفضيلة. ويؤكد ابن مسكويه أن هذه الفضائل لا تحقق إلا بالممارسة والتعامل بين الناس. وذلك أن فصيلة الفرد من فضيلة الجماعة والعكس. كما أن خير الفرد من خير الجماعة والعكس صحيح أيضا. ومن هنا تكون العلاقة بين الفرد والجماعة علاقة تفاعلية تبادلية تقوم على أساس الأخذ والعطاء وكل منهما يستمد قوته من الطرف الآخر.
وأمهات الفضائل عن ابن مسكويه الحكمة والشجاعة والعفة والعدل. وإذا كانت الحكمة ترتبط بالعقل والشجاعة ترتبط بالقلب والعفة ترتبط بالحسن فإن العدل كما يراه ابن مسكويه هو العدل بين هذه الفضائل حتى لا تشط إحداها إلى أحد طرفيها فتصبح رذيلة. فالحكمة قد تصبح سفها أو بلاهة والشجاعة قد تصبح تهورا أو جنبا والعفة قد تصبح شرها أو خمودا "عزوفا". وينقلب الإنسان من أخلاق الفضيلة إلى أخلاق الرذيلة، ويندرج تحت ما يسميه ابن مسكويه بالنفوس الضالة الشريرة.
ويورد ابن مسكويه الصفات الأخلاقية التي تتدرج تحت كل فضيلة. ففضيلة الحكمة يندرج تحتها صفات منها الذكاء وهو سرعة اقتراح النتائج وسهولتها على النفس. ومنها الذكر أو التذكير وهو ثبات صورة ما يخلعه العقل أو الوهم من الأمور. ومنها التعقل وصفاء الذهن وقوته وسهولة التعلم وحدة الفهم للأمور النظرية. وفضيلة العدل أو العدالة يندرج تحتها صفات منها حسن القضاء والمعاملة والألفة والمحبة وصلة الرحم وترك الحقد والمعادة واستعمال اللطف وترك القيل والقال والبحث عن السؤال. ويندرج تحت فضيلة العفة صفات أخلاقية منها الحياء والورع والوقار والقناعة ومقاومة الهوى بالصبر والعطاء. ويندرج تحت فضيلة الشجاعة صفات أخلاقية منها عظم الهمة وكبر النفس والنجدة والشهامة والثبات والحلم واحتمال الكد والكدح. وقد نقل الغزالي عن ابن مسكويه كثيرا من هذه الصفات. "انظر: طه عبد الباقي سرور: ص١١٤، والإحياء: ص٣، ص٥٣".
стр. 363
الكمال الإنساني:
يرى ابن مسكويه أن الكمال الإنساني يعتمد على قوتين في نفسه. قوة عالمة تدفع الإنسان إلى الاشتياق إلى تحصيل المعارف والعلوم وقوة عاملة يحتاج إليها الإنسان في تنظيم أموره وتسييرها. وهذه القوة هي التي تتعلق بالكمال الأخلاقي. وإذا كانت القوة العالمة تتعلق بالنظر والفكر والعقل وتحصيل المعارف فإن القوة الثانية تتعلق بأسلوب عمل الإنسان وسلوكه. ولا يتم الكمال الإنساني إلا بتمامهما معا. لأن العلم مبدأ والعمل أو السلوك تمام له. والمبدأ بلا تمام يكون ضائعا والتمام بدون مبدأ يكون مستحيلا. والواقع أن علماء المسلمين قد أكدوا على ضرورة ارتباط العلم بالعمل واعتبروهما وجهين لعملة واحدة. فلا علم بدون عمل ولا عمل بدون علم وهو ما سبق أن فصلنا الكلام عنه.
ويرى ابن مسكويه أن كمال المرء في تميزه عن غيره في أفعال خاصة به لا يشاركه فيها غيره. فكمال الفرس أو الحصان على سبيل المثال هو في هيئته المميزة له وفي قوته وسرعة عدوه. فإذا فقد كمال هيئته وقوته وسرعته فإنه يكون قد فقد كماله كحصان. وكذلك النجار كما له في إتقان صنعته فإذا فقد إتقانه فإنه يفقد كماله كنجار ويصبح إنسانا عاديا.
وهو يرى أن الناس يتفاوتون في الرفعة والوضاعة والشرف والخسة بمقدار اتباعهم للعقل وتحقيقهم لخيرهم وسعادتهم. وأعلى مراتب النفوس تلك التي تخلصت من شهوات البدن وأهوائه وأخذت في تجلية مرآتها حتى تستطيع أن ترى فيها تجلي إشراقات النور الإلهي. وأدنى مراتب النفوس النفوس الضالة التي لا هم لها إلا إشباع الجسم ونزواته. ولهذا صدأت مرآتها فعجزت عن رؤية تجلي النور الإلهي. والفاضل أو الكامل من الناس من يحرص على إعلاء سلطة العقل فوق شهوة الحس.
ويرى ابن مسكويه أن السعادة والفضيلة لا تتحقق عن طريق الزهد والعزلة وابتعاد الفرد عن مخالطة الناس وهو ما يفعله الرهبان المسيحيون والصوفية من
стр. 364
المسلمين. ولا بد من العيش مع الناس ومعاشرتهم والتعامل معهم حتى يظهر المرء ما لديه من فضائل. وبدون ذلك تصبح الفضائل لا قيمة لها. فكيف يطبق الإنسان العدل بدون التعامل مع البشر؟ وكيف يظهر عفته وهو بمعزل عن الناس والبشر؟ وكيف يمارس أي نوع من الفضائل ما لم يحتك بالناس ويتعامل معهم؟ فالفضيلة تتكشف بالممارسة والتعامل مع البشر. ويعرض ابن مسكويه للفضيلة الزائفة التي لا تصدر عن طبع وسجية ونفس خالصة بعيدة عن الرياء والمداهنة. فقد يعمل بعض الناس على الظهور بمظهر العدل وليسوا بعادلين، أو الظهور بمظهر العفة وليسوا بعفيفين. وقد يتظاهرون بالكرم أو السخاء وليسوا بكرماء أو أسخياء، وبالجود أو البر وليسوا من أهله. وهكذا في كل الفضائل والأخلاق الحميدة. ومن هنا كان من الضروري أن يتطابق مظهر الفضيلة مع مخبرها حتى تكون صادقة وإلا اعتبرت زائفة غير حقيقية. وكثير من الناس في واقع حياتهم يتظاهرون بما ليس من حقيقة نفوسهم الداخلية. وهم يتدرجون تحت صفات الغش والخداع والرياء والنفاق حتى لو اكتسوا بثوب الفضيلة. وقد صدق الشاعر حين قال:
ثوب الرياء يشف عما تحته ... فإذا التحفت به فإنك عار
وقال شاعر آخر:
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة ... فلا خير في ود يجيء تكلفا
стр. 365
الأخلاق:
عقد ابن مسكويه في كتابه تهذيب الأخلاق حديثا مستفيضا عن الأخلاق وهو يرى تمشيا مع الاتجاه الأخلاقي العام في الإسلام أن الغاية من الأخلاق هي "بلوغ الكمال" و"السعادة التامة". وهو يرى أن طريق الوصول إلى هذه السعادة إنما يتحقق بمعرفة الله والعمل بما أنزله في كتابه الكريم. ويرفض ابن مسكويه الرهبنة التي رفضها الإسلام. فلا رهبنة في الإسلام. كما أنه يرفض حياة التصوف التي اعتقدت خاطئة أن الحياة انطواء وانعزال عن الناس وزهد وعزوف عما أحله الله لعباده من الطيبات من الرزق والاستمتاع بها. ويرى ابن مسكويه أن علم الأخلاق عظيم الشأن جليل القدر لأنه يتعلق بجوهر الإنسان الذي فضله الله على كثير من خلقه وجعله أشرف المخلوقات. وإذا كان للإنسان هذا الشرف الكبير فإن العالم الذي يختص به له نفس الدرجة من الشرف والتشريف.
ويرى ابن مسكويه أن الخلق حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية. وهي على قسمين: قسم طبيعي من أصل المزاج كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب. وقسم بالعادة والاكتساب والتدريب. وربما كان مبدؤه بالرؤية والفكر ثم يستمر عليه أولا فأول حتى يصير ملكه وخلقا. وهذا يعني أن للأخلاق جانبين: جانب الطبع أو المزاج، وجانب التطبع والاكتساب. ويقول في "ص١٨١" "ولذلك حكمنا أن بعض الناس أخيار بالطبع وبعضهم أخيار بالشرع والتعليم". ويقول في نفس الصفحة: "وتجد من الناس من هو خير فاضل من مبدأ تكوينه نرى فيه النجابة طفلا ونتفرس فيه الفلاحة "أي الفلاح" ناشئا بأن يكون حييا كريم الخيم "السجية والطبع" يؤثر مجالسة الأخيار ومؤانسة الفضلاء وينفر من أضدادهم. وليس يكون ذلك إلا بعناية تلحقه من أول مولده. ونجد أيضا من لا يكون بهذه الصفة من مبدأ تكوينه بل يكن كسائر الصبيان إلا أنه يسعى ويجتهد ويطلب الحق إذا رأى اختلاف الناس فيه. ولا يزال كذلك حتى يبلغ مرتبة الحكماء. أعني أن يصير علمه صحيحا وعمله صوابا. وليس يبلغ هذه الدرجة إلا بالتفلسف وإطراح العصبيات، وسائر ما حذرنا منه. ونجد أيضا من يوجد بهذه السيرة أخذا على الإكراه إما بالتأديب الشرعي وإما بالتعليم الحكمي.
وهناك غموض فيما يقوله ابن مسكويه لأنه يعود فيقول بأن كل خلق ليس من الطبع وذلك باستخدام القياس المنطقي في قضية تتكون من مقدمتين ونتيجة على النحو التالي:
المقدمة الأولى: كل خلق يمكن تغييره.
المقدمة الثانية: كل ما يمكن تغييره ليس من الطبع.
والنتيجة هي: كل خلق ليس من الطبع.
стр. 366
فكيف نوفق إذن بين قوله هذا وبين ما سبق أن أشرنا إليه من قوله بأن بعض الناس أخيار بالطبع؟ وهو يدلل على صحة المقدمة الأولى بما جاءت به الشرائع السماوية لهداية الخلق وتوجيههم وبما هو واقع ومشاهد في العيان من وجوب التأديب ونفعه وتأثيره في الأحداث والصبيان. ويستدل على صحة المقدمة الثانية بأننا لا نروم أبدا تغيير شيء مما هو بالطبع. فلا أحد يروم تغيير حركة الحجر في سقوطه إلى أعلى بدلا من سقوطه إلى أسفل. ولو رامه ما صح له تغيير شيء منه ولا يجوز منه ولا مما يجري مجراه.
ومن الواضح أن ابن مسكويه ويتبعه الغزالي في ذلك لا يقول بفطرية الخلق أو الأخلاق كما ذهب الفلاسفة المثاليون ولا يقول بأن الأخلاق كلها مكتسبة كما يقول الفلاسفة التجريبيون والوصفيون. وإنما تجمع الأخلاق بين هذا وذاك "انظر الإحياء. ج٣ ص٥٩" ويرى ابن مسكويه أن مسئولية تهذيب الأخلاق تقع على الفرد نفسه فهو المسئول عن أفعاله وأعماله. وهو الذي يستطيع أن يغير طبعه ويشذبه ويهذبه. وهو يرى أن المبادئ والمعايير الخلقية تكتسب بالتأديب والتعليم. وليس هناك في فطرة الإنسان ما يمنعه عن هذا الاكتساب بالتأديب والتعليم. فالأخلاق استعداد وتهيؤ لدى الإنسان. واختلاف الناس في قبول الأخلاق ترجع إلى اختلاف استعدادهم وتهيؤهم. فكل مهيأ لما خلق له. كما ترجع إلى مسئولية كل فرد في تهذيب خلقه كما أشرنا.
وهو يرى أن الإرادة أساس الفعل الأخلاقي بل إنها تعتبر شرطا رئيسيا لاعتبار الفعل أخلاقيا. فنحن نحكم على الإنسان بكونه خيرا أو شرا حسب اتجاه إرادته نحو الخير والشر. فالإنسان كائن مريد. وهو في هذا يختلف عن الكائنات الأخرى التي تحيا طبيعتها الحيوانية. ومن ثم فهي لا تتصف بصفات أخلاقية ولا تسلك وفقا لأي سلوك أخلاقي.
стр. 367
أمراض النفوس وعلاجها:
يتحدث ابن مسكويه حديثا مستفيضا عن أمراض النفوس وعلاجها ويخصص لها جزءا كبيرا في كتابه يقول فيه: إن النفوس تمرض كما يمرض البدن، وأن أمراض النفوس تؤثر في البدن. وأمراض النفس قد تكون بالغضب أو بالحزن أو بالعشق أو بالشهوات الهائجة. والمريض بها تتغير صورة بدنه حتى يضطرب ويرتعد ويصفر ويحمر ويهزل ويسمن ويلحقه ضروب التغبر المشاهدة بالحس. ولعلاج أمراض النفوس يقول: علينا أن نتفقد مبدأ المريض إذا كان من نفوسنا. فإن كان مبدؤه من ذاتها كالفكر في الأشياء الرديئة وإحالة الرأي فيها. وكاستشعار الخوف، والخوف من الأمور العارضة والمترقبة، والشهوات الهائجة قصدنا علاجها بما يغضها. وإن كان مبدؤه من المزاج ومن الحواس كالخور الذي مبدؤه ضعف حرارة القلب مع الكسل والرفاهية. وكالعشق الذي مبدؤه النظر مع الفراغ والبطالة قصدنا علاجه أيضا بما يخصه. إن طب الأبدان ينقسم إلى قسمين: أحدهما حفظ صحتها إذا كانت حاضرة، أي إذا كانت الصحة موجودة. والثاني رد صحة الأبدان إذا كانت غائبة أي غير موجودة. وكذلك طب النفوس ينقسم إلى القسمة بعينها. فنحفظ على النفوس صحتها إذا كانت حاضرة، ونردها إليها إذا كانت غائبة. فإذا كانت النفوس خيرة فاضلة تحب نيل الفضائل وتحرص على إصابتها، وتشتاق إلى العلوم الحقيقية والمعارف الصحيحة، فيجب على صاحبها أن يعاشر من يجانسه ويشاكله ويماثله ولا يأنس بغيرهم ولا يجالس سواهم. ويحذر كل الحذر من معاشرة أهل الشر والمجون ولا يصغى إلى أخبارهم مستطيبا، ولا يروي أشعارهم مستحسنا، ولا يحضر مجالسهم مبتهجا. ذلك أن حضور مجلس واحد من مجالسهم أو سمع خبر واحد من أخبارهم يعلق من وضره ووسخه بالنفس المحنك وغواية العالم المستبصر فضلا عن الحدث الناشئ المسترشد. ومما يحفظ على النفس صحتها مداومة النظر والفكر والنشاط. وذلك أن النفس متى تعطلت عن النظر وعدمت الفكر والغوص عن المعاني تبلدت وبلهت وانقطعت عنها مادة كل خبر. وإذا ألفت الكسل واختارت العطلة قرب هلاكها لأن في عطلتها هذه انسلاخا من صورتها الخاصة بها، ورجوعا منها إلى رتبة البهائم. وهذا هو الانتكاس في الخلق نعوذ بالله منه. وهو يرى أن من أمراض النفوس النسيان وهو آفة العلم ويوصي بالمتعلم بألا يتكاسل عن معاودة ومراجعة ما علمه وتعلمه ودرسه. ويورد قول الحسن البصري ﵀:
стр. 368
"اقدعوا هذه النفوس "أي كفوها عن الآثام" فإنها طائعة وحادثوها فإنها سريعة الدثور" أي النسيان. ويعلق على هذه العبارة بقوله: واعلم أن هذه الكلمات مع قلة حروفها كثيرة المعاني وهي مع ذلك فصيحة واستوفت شروط البلاغة "ابن مسكويه: ١٨٥-١٨٨". ومما يحافظ على صحة النفس ألا يحرك المرء قوته الشهوانية والغضبية بل يتركها حتى يتحركا بأنفسهما. ولذلك يجب ألا يتذكر أعمال هاتين القوتين حتى لا يشتاق إليهما ويتحرك نحوها. بل يتركهما فإنهما يهيجان عند حاجتهما ويلتمسان ما يحتاج البدن إليه. ويتخذان من باعث الطبيعة ما يغني عن باعث الفكر. لأن الله تعالى إنما وهب هاتين القوتين لنا لنستخدمهما عند الحاجة إليهما لا لنخدمهما ونتعبد لهما.
ومن الأمور التي ينصح بها ابن مسكويه في المحافظة على صحة النفس أن يمعن المرء النظر في كل ما يعمل ويدبر حتى لا يخالف ما يجب تمييزه وتعقله. فما أكثر ما يعرض للإنسان من أفعال تخالف ما عقد عليه عزمه ورأيه. وعندما يقع له ذلك وجب عليه أن يضع لنفسه عقوبات لمقابلة مثل هذه الأخطاء أو الذنوب. فإذا أنكر من نفسه مبادرة إلى طعام ضار أو تناول فاكهة أو حلواء غير موافقة عاقب نفسه بصوم لا يفطر منه إلا على ألطف ما يقدر عليه وأقله، وإن أمكنه الطي "أي طي البطن وهو الجوع" فليفعل ويمكن في توبيخه لنفسه أن يقول لها: إنما قصدت تناول النافع فتناولت الضار. وهذا فعل من لا عقل له. وإن أنكر من نفسه كسلا وتدانيا في مصلحة له فليعاقب نفسه بسعي فيه مشقة أو صلاة فيها طول أو بعض الأعمال الصالحة التي فيها كدر وتعب. وليحذر في كل أوقاته ملابسة رذيلة أو مساعدة رفيق عليها أو مخالفة صواب. ولا يستحقون شيئا مما يأتيه من صغار السيئات. ولا يطلبن رخصة منها فإن ذلك يدعوه إلى أعظم منها. ومعظم النار من مستصغر الشرر. ويجب على المرء أن يتعود الصبر على ما يجب الصبر عليه والحلم عما ينبغي أن يحلم عنه ويضبط النفس عن الشهوات الرديئة ولا ينتظر دفع هذه الرذيلة وقت هجائها فإن الأمر يكون عن ذلك صعبا جدا. ولعله غير ممكن البته. ومن تعود في أول نشأته وشبابه ضبط النفس عن شهواتها عند ثورة غضبه وحفظ لسانه واحتمال أقرانه خف عليه
стр. 369
ما يثقل على غيره ممن لم يتأدب بهذه الآداب "المرجع السابق: ١٩٤-١٩٦".
ومن الأمور التي يحافظ بها المرء على صحة نفسه معرفته لعيوبها حتى يسهل عليه علاجها. ويورد ابن مسكويه ما ذكره جالينوس في هذا الصدد بقوله: "إنه لما كان كل إنسان يحب نفسه خفيت عليه معايبه ولم يرها وإن كانت ظاهرة. وينتقد ما أشار به جالينوس من علاج لتخلص المرء من عيوبه. وذلك باختيار صديق كامل فاضل يحكمه في بيان عيوبه ومساوئه. ويعلق فيه. ويرى بدلا من ذلك أن العدو في هذا الموضع أنفع من الصديق. فالعدو لا يحتشم في إظهار عيوبنا. بل يتجاوز ما يعرف منا إلى التحرض والكذب فيها. فننتبه إلى كثير من عيوبنا. بل نتجاوز ذلك إلى أن نتهم نفوسنا بما ليس فيها.. ويعود فيقول إن لجالينوس مقالة أخرى يذكر فيها إن خيار الناس ينتفعون بأعدائهم. ويوافقه على ذلك. ويورد ابن مسكويه ما قاله في ذلك أبو يوسف بن إسحاق الكندي. وهو أن على طالب الفضيلة أن يتخذ صور جميع معارفه من الناس مرآة له تريه صورة كل واحد منهم عندما تعرض له آلام الشهوات التي تثمر السيئات حتى لا يغيب عنه شيء من السيئات التي له. وبذلك يكون متفقدا لسيئات الناس. فإذا رأى سيئة بادية من أحد ذم نفسه عليها كأنه هو الذي فعلها، وأكثر عتبه على نفسه من أجلها. وإذا وقف عند محاسبته لنفسه، فإن النفوس بهذا ترتدع عن المساوئ وتألف الحسنات. ويعلق ابن مسكويه على ما ذكره الكندي بأنه أبلغ مما قاله من سبقوه وتقدموا عليه "المرجع السابق: ١٩٦-١٩٨".
ومن الأمراض الغالبة على النفس الغضب. ويقول عنه ابن مسكويه إن الغضب في الحقيقة حركة للنفس يحدث بها غليان دم القلب شهوة للانتقام. فإذا كانت هذه الحركة عنيفة أججت نار الغضب واحترامتها فاحتد غليان دم القلب وامتلأت الشرايين والدماغ دخانا مظلما مضطربا يسوء منه حال العقل ويضعف فعله. فلذلك يعمى الإنسان عن الرشد ويصم عن الموعظة. بل تصير المواعظ في
стр. 370
تلك الحالة سببا لزيادة الغضب ومادة اللهب والتأجج. وليس له في تلك الحال حيلة. فالناس يتفاوتون بحسب المزاج. فإن كان المزاج حارا يابسا كان أشبه بالكبريت الذي إذا أدنيت منه الشرارة الضعيفة التهب. وإن كان بالضر فماله بالضر. ولكن إذا احتدم الغضب فيكاد الحال يتفاوت مثله مثل اشتغال النار في الحطب اليابس والرطب. ومثل اشتعال النار بسرعة وشدة من الكبريت والنفط. كما أن الاحتكاك وإن كان ضعيفا في توليد النار فربما قوي حتى تلتهب منه الأمة العظيمة. وكذلك النفس إذا استشاطت غضبا فليس يرجى لها حيلة البتة.
وأسباب الغضب كما يذكرها ابن مسكويه هي: العجب والافتخار والمراء واللجاج والمزاج والتيه والاستهزاء والغدر والضيم أو الظلم وطلب الأمور التي فيها لذة ويتنافس فيها الناس ويتحاسدون عليها. وغاية هذه الأسباب جميعا شهوة الانتقام. وعواقبها الندامة وتوقع العقاب عاجلا أو آجلا وتغير المزاج وتعجل الألم. ذلك أن الغضب جنون ساعة أو لحظة وربما أدى إلى التلف باختناق حرارة القلب فيه. وربما كان سببا لأمراض صعبة مؤدية إلى التلف. ومن لواحقه أيضا مقت الأصدقاء وشماتة الأعداء واستهزاء الحساد والأراذل من الناس. ويرى ابن مسكويه أن لكل من أسباب الغضب السابقة علاجا يبدأ به حتى يقتلع من أصله.
فالعجب وهو من أسباب الغضب، هو في حقيقته ظن كاذب بالنفس باستحقاق مرتبة غير مستحقة لها. وعلى المرء أن يعرف أنه لا يخلو من عيوب ونقائض فالفضل مقسوم بين البشر. ولا يكمل المرء إلا بفضائل غيره. ومن كانت فضيلته عند غيره وجب عليه ألا يعجب بنفسه. وكذلك الافتخار بما هو خارج عنه فقد باهى بما لا يملكه. وكيف يملك ما هو معرض للزوال في كل ساعة وفي كل لحظة. وأوضح مثال على ذلك ما ذكره القرآن الكريم في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا
стр. 371
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ .
وأما المزاج واللجاج فيولدن الفرقة والتباغض بين الإخوان ولذلك ينبغي الابتعاد عنها وتجنبها. وأما المزاج المعتدل منه محمود وكان رسول الله صلى الله عليه سلم يمزج ولا يقول إلا حقا. ولذلك ينبغي الاعتدال في المزاج وعدم التمادي فيه حتى لا يخرج عن حده وينقلب إلى ضده. فيثير غضبا كامنا ويزرع حقدا باقيا. وقد قال الشاعر في هذا الصدد:
ورب حرب جره اللعب ... وبعض الحرب أوله مزاح
وأما التيه فهو قريب من العجب. والفرق بينهما أن التياه ينبه على غيره ولا يكذب نفسه أما العجب فيعجب بنفسه ويكذب عليها فيما يظن لها. وعلاج الاثنين واحد. وذلك بأن يعرف المرء أن ما يتيه به لا مقدار له عند العقلاء وأنهم لا يعتدون به لخساسة قدره وزوال نعمه.
وأما الاستهزاء فيستعمله الماجنون من الناس ومن لا يبالي بمن يقابل به والحر القاضل من يبتعد عن هذا المقام حتى يكرم نفسه وعرضه بعدم تعرضها للسفهاء الذين قال فيهم رب العزة في سورة النساء: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ . ونحن نقول في دعوانا ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
وأما الغدر فهو مذموم بكل لسان وينفر السماع من ذكره وضده الوفاء. ومن عرف قبح الغدر باسمه ونفور العقلاء منه وجب عليه أن يبتعد عنه وينفر منه.
стр. 372
أما الضيم فهو الظلم الذي قد يكون شهوة للانتقام. وقد نفى رب العزة الظلم عن نفسه فقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ . ولذلك وجب أن يبتعد المرء عن الضيم لأنه مدمر للحياة الاجتماعية وعكسه العدل الذي سبق أن أفضنا في الكلام عنه. ويجب ألا يسرع المرء إلى الانتقام عندما يحيق به ظلم أو يلحقه ضيم حتى لا يعود عليه بضرر أعظم من احتمال الظلم أو الضيم.
أما طلب الأمور التي فيها لذة ويتنافس فيها الناس مثل الجواهر النفيسة والأحجار الكريمة وغيرها من المقنيات فلا يقدر عليها إلا الموسرون. وهي قليلة الانتفاع بها والحاجة إليها وعادة ما تقتني لخزنها وقد لا ينتفع بها إلا نادرا. والتنافس على شرائها وامتلاكها خطأ من القادرين على شرائها فضلا عن أوساط الناس "المرجع السابق: ص٢٠٥-٢١٣".
ومن أمراض النفس الخوف. ويكون من توقع مكروه وانتظار محذور. والتوقع والانتظار إنما ذكن للحوادث في الزمان المستقبل. وهذه الحوادث قد تكون عظيمة أو يسيرة وقد تكون ضرورية أو ممكنة. والأمور الممكنة قد تكون نحن أسبابها وقد يكون غيرنا سببها. وجميعها لا ينبغي للعاقل أن يخاف منها. وهي تقع أو تكون وقد لا تقع ولا تكون. ويجب على المرء ألا يصر على أنها تكون فيستشعر الخوف منها ويتعجل مكروه التألم بها وهي لم تقع بعد ولعلها لا تقع بالمرة. ويجب أن يكون الخوف من مكروه على قدر حدوثه. وإنما يحسن العيش وتطيب الحياة بالظن الجميل والأمل القوي وترك الفكر في كل ما يمكن ألا يقع من المكاره. وأما ما كان سببه سوء اختيارنا وجنايتنا على أنفسنا فينبغي أن نحذر منه بترك الذنوب والأعمال التي نخاف عواقبها ولا تؤمن غوائلها وأما الأمور الضرورية كالهرم وكبر السن وتوابعه فعلاج الخوف منه أن تعلم أن الإنسان إذا أحب طول الحياة فقد أحب لا محالة الهرم. ومع الهرم يحدث نقصان الحرارة الغريزية والرطوبة الأصيلة التابعة لها. وضعف الأعضاء الأصيلة كلها. ويتبع ذلك قلة الحركة وبطلان النشاط وضعف آلات الهضم وسقوط آلات الطحن ونقصان القوى المدبرة للحياة. وأما الخوف من الموت فسببه الجهل بحقيقته وحقيقة مصير الناس بعده لأن الإنسان يخاف من المجهول. وهذا الجهل
стр. 373
هو الذي حمل الحكماء على طلب العلم والتعب به. وهو تعب فيه راحة من الجهل وأن التعب الحقيقي هو تعب الجهل لأنه مرض مزمن للنفس، والبرء من خلاص لها وراحة سرمدية ولذة أبدية. ولذلك هانت عليهم أمور الدنيا كلها واستحقروا جميع ما يستعظمه الجمهور من المال والثروة واللذات الحسية والمطالب التي تؤدي إليها. أما صاحب النفس المطمئنة الذي يعرف أنها ترجع إلى ربها راضية مرضية لتشاهد ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فهو لا يخاف الموت ولا يخشاه بل يتلقاه ويتقبله بنفس راضية. ولأن الموت تمام حد الإنسان فهو حي ناطق ميت. والموت كمال ربه يصير إلى الأفق الأعلى. وقد جزم الحكماء بأن الموت موتان: موت إرادي وعنوا به إماته الشهوات وترك التعرض لها، وموت طبيعي وهو مفارقة النفس للبدن. ومن خاف الموت الطبيعي فقد خاف ما ينبغي أن يرجوه ومن أجهل ممن يخاف تمام ذاته؟ ومن خاف الموت ظنا منه أن ينبغي أن يرجوه ومن أجهل ممن يخاف تمام ذاته؟ ومن خاف الموت ظنا منه أن للموت ألما عظيما فعلاجه أن يبين له أن هذا ظن كاذب لأن الألم إنما يكون للحي. أما الجسم الذي ليس فيه أثر النفس فإنه لا يألم ولا يحس. ومن خاف الموت لأجل العقاب على ذنوبه وسيئاته. فالواجب عليه أن يحذر في حياته تلك الذنوب ويجتنبها.
ومن أمراض النفس التي يشير إليها ابن مسكويه أيضا الحزن. ويقول عنه إنه ألم نفساني يعرض لفقد محبوب أو فوات مطلوب. وسببه الشرة إلى الشهوات البدنية والحسرة على ما يفقده المرء أو يفوته منها ويورد ما حكى عن سقراط عندما سئل عن سبب نشاطه وقلة حزنه فقال: لأنني لا أقتني ما إذا فقدته حزنت عليه. وهو يذكر أن الحزن مرض عارض. والعاقل من ينظر إلى أحوال الناس في الحزن وأسبابه ليعلم أنه ليس يختص من بينهم بمصيبة غريبة ولا يتميز عنهم بمحنة بديعة وأن غايته من مصيبته السلوة. ومن رأى مصيبة غيره وبلواه هانت عليه مصيبته.
أما الحسد فيقول عنه إنه أشنع الشرور وأقبح الأمراض. وقد قال الشاعر:
وأظلم أهل الأرض ما بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب
وقد أشار رب العزة في سورة الفلق إلى التعوذ من شر حاسد إذا حسد ومن المعروف أن الحسد مكروه لأن الحاسد يتمنى زوال نعمة المحسود. أما الغبطة فتعني تمنى المرء مثل ما للمغبوط من نعمة من غير تمني زوالها. فهو يغبطه على نعمته ولا يحسده عليها.
стр. 374
تربية النشء:
أكد ابن مسكويه في تربية النشء على أهمية الدين واعتبره دعامة قوية في هذه التربية لأنه حصن للشباب وغير عاصم لهم من الزلل والخطأ. وهو يرى أن تربية الصبي وتنشئته على الخلال الحميدة إنما تكون عن طريق العقل، وأن ظهور الحياء عليه دليل على بزوغ عقله وأنه أصبح يدرك القبيح والحسن ويميز بينهما. كما أنه يرى أن نفس الصبي مهيأة للإدراك والمعرفة. فهي أشبه بصفحة بيضاء ولم تنتقش بعد صورة ولا رأي لها وعزيمة تمليها من شيء إلى شيء. فإذا تفشت بصورة وقبلتها نشأت عليها واعتادتها. وقد تردد صدى هذا القول لابن مسكويه عند الغزالي فيما بعد "الإحياء: ج٣٥، ص٦٩". كما ذهب جون لوك في العصور الحديثة إلى القول أيضا بأن عقل الطفل صفحة بيضاء Tabula Rasa. ولهذا يرى ابن مسكويه أنه يجب أن نطبع في نفس الصبي القيم والمثل العليا والاعتزاز بالنفس والكرامة. كما يجب أن نطالب الصبي بحفظ جيد الأشعار ومحاسن الأخبار، وأن نجنبه سماع الأشعار السيئة ومرافقة أهل السوء. ويشير ابن مسكويه إلى ناحية تربوية هامة في التعامل مع الصبي وهي أن نمدحه على كل ما يظهر منه من خلق جميل وفعل حسن ونكافئه عليه وإن حدث منه مخالفة فالأولى ألا يوبخ عليها ولا يكاشف بها بل يتغافل عنها لا سيما إذا حاول إخفاءها. ذلك أنه إذا تعود على التوبيخ والمكاشفة حمله ذلك على الوقاحة وحرضه على معاودة ما كان قد استقبحه. وهان عليه سماع الملامة في ركوب القبائح التي تدعو إليها نفسه. وهو ما نقله الغزالي نقلا يكاد يكون حرفيا "انظر الإحياء: ج٣ ص٧٠" وبالنسبة لأدب العلم والتعلم يقول ابن مسكويه إنه ينبغي أن يعود الصبي على خدمة نفسه ومعلمه وكل من كان أكبر منه. وأن يعود على طاعة والديه ومعلميه ومؤدبيه وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم. وفي تلقيه العلم من أستاذه عليه ألا يعترض ولا يسأل بل يكتفي في بداية أمره
стр. 375
بالقبول حتى إذا بلغ في العلم شأنا يمكنه من معرفة الأسباب والعلل طالع الحكمة فوجدها موافقة لما تقدمت عادته به فاستحكم رأيه وقويت بصيرته ونفذت عزيمته.
وينبغي أن يؤذن للصبي في بعض الأوقات أن يلعب لعبا جميلا ليستريح إليه من تعب الأدب ولا يكون في لعبة ألم ولا تعب شديد. وقد نقل الغزالي هذا القول عن ابن مسكويه وردده في كتابه إحياء علوم الدين. "الإحياء ج٣: ص٧١".
وتعرض ابن مسكويه بتفصيل كبير إلى آداب الأكل والطعام. فأشار إلى عدة مبادئ هامة منها أن يوضح للنشء أن الأطعمة إنما تراد للصحة لا للذة أي أننا نأكل لنعيش ولا نعيش لنأكل. وهو مبدأ صحي وأخلاقي سليم فالأطعمة والأغذية شبيهة بالأدوية نداوي بها الجوع كما نداوي بالأدوية المرض. ومن مبادئ آداب الطعام أيضا أن يعلم الصبية إذا جلسوا مع غيرهم على مائدة الطعام ألا يبادروا إلى الطعام أولا، وألا يديموا النظر إلى أنواعه الموجودة. ولا ينبغي لهم أن يتسرعوا في الأكل أو يضخموا الكمية المتناولة. وينبغي عليهم أن يمضغوا الطعام جيدا ولا يبادروا ببلعه. ولا ينبغي للصبي أن يلطخ يده أو ثوبه بما يتناوله من طعام. وهو ما ردده الغزالي فيما بعد "الإحياء: ج٣: ص٧٠". ويشير إلى الشعوب العربية والإسلامية. وهي ألا يجعل غذاءه الرئيسي نهارا لأن ذلك يحمله على الكسل ويلجئه إلى النوم ويتبلد ذهنه وفهمه. وإنما يستوفي غذائه العشى لأن هذا أصح له وأنسب بعد عناء يومه. ومن الواضح أن هذا على نقيض ما تجري عليه عادة الكثيرين منا من جعل وجبة الغذاء هي الوجبة الرئيسية.
وينصح ابن مسكويه بمنع الصبي من الإكثار من أكل اللحم، وإن منع منه في أكثر أوقاته كان أنفع له حتى لا يتعود على الترف. أما الحلوى فيمنع منها البتة إن أمكن وإلا فليتناول القليل منها لأنها تستحيل في بدنه فتكثر انحلاله كما أنها تعوده على الشر والاستكثار من الأكل. وهذا عكس ما يفعله كثيرون منا مع أبنائهم إذ يغمرونهم باللحوم من مختلف الأنواع وبالحلوى من مختلف
стр. 376
الأشكال والمذاق.
وبالنسبة إلى آداب اللباس يشير ابن مسكويه بألا يتزين الصبي بملابس النساء، ولا يلبس الخليع منها، ولا يفتخر على أقرانه بشيء من مأكله وملبسه ولا بما يملكه والده. ويجب أن يعود الصبي على التواضع وكرم المعاشرة وعدم الكذب وعدم الحلف باليمين البتة سواء كان صادقا أم كاذبا. ويجب أن يعود الصمت وقلة الكلام. ويمنع من خبيث الخلام ومن السب واللعن ولغو الكلام. وقد أشار الغزالي إلى نفس هذه الآداب نقلها عن ابن مسكويه نقلا يكاد يكون حرفيا. "انظر كتاب الإحياء: ج٣. ص٦٩-٧١".
стр. 377
الماوردي وآراؤه التربوية
مقدمة
...
٤- الماوردي وآراؤه التربوية:
"٣٦٤هـ-٤٥٠هـ"
مقدمة:
الاسم الكامل للماوردي هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، ولد بالبصرة وتلقى تعليمه بها. ثم انتقل إلى بغداد حيث واصل تعليمه في دراسة الفقه والحديث وغيرهما من العلوم. وقد امتدت حياته من عام مولده سنة ٣٦٤هـ حتى مماته سنة ٤٥٠هـ وله من العمر ست وثمانون عاما. وهذا يعني أنه عاش خلال الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري والنصف الأول من القرن الخامس الهجري. وهي الفترة التي كانت الثقافة الإسلامية في قمة ازدهارها. وهو علم من أعلام الفكر الإسلامي وأكبر فقهاء الشافعية يقول عنه تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى إنه كان إماما جليلا له اليد الباسطة في المذهب والتفنن التام في سائر العلوم. ويقول عنه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد إنه كان من وجوه الفقهاء الشافعيين، وله تصانيف عدة في أصول الفقه وفروعه وغير ذلك، وتولى القضاء في بلدان كثيرة وكان ثقة. كما اشتغل بالتدريس عدة سنين في البصرة وبغداد.
стр. 378
شيوخه وأساتذته:
تلقى الماوردي تعليمه على يد شيوخ وأساتذة عديدين نذكر منهم الحسن بن علي بن محمد الجبلي ومحمد بن الفضل البغدادي ومحمد بن المعلي الآزدي وأبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفراييني.
توليه القضاء:
تذكر كتب التاريخ أن الماوردي تولى القضاء في بلدان كثيرة. ويقول عنه ياقوت إنه كان يلقب بأقضى القضاة. وكان رئيس القضاة في إحدى نواحي نيسابور. واختير سفيرا بين رجالات الدولة في بغداد وبني بويه من "٣٨١هـ-٤٢٢هـ" فكانت له منزلة كريمة عند الخليفة القادر وعند آل بويه كذلك "الماوردي طبعة بيروت. مقدمة لمصطفى السقا ص٤".
كتبه ومؤلفاته:
ترك لنا الماوردي كتبا كثيرة تقدر بنحو اثني عشر كتابا بعضها لم يطبع وهي تشمل كتبا دينية وأخرى لغوية وأدبية وثالثة في السياسة والاجتماع. ومن أضخم كتبه كتاب الحاوي الكبير وهو موسوعة ضخمة في فقه الشافعية تقع في أكثر من عشرين جزءا، وكتاب الإقناع وهو مختصر من الحاوي، وكتاب أدب القاضي وهو لم يطبع وكتاب أعلام النبوة لم يطبع أيضا، وكتاب الأحكام السلطانية وقد طبع في مصر عدة طبعات. تكلم فيه عن نظم الدولة والقضاء والإمارة والحدود والجزية والحسبة، وكتاب قوانين الوزارة وسياسة الملك وقد طبع في مصر عام ١٩٢٩ بعنوان "أدب الوزير"، وكتاب البغية العليا في أدب الدين والدنيا. وهو أكثر كتبه شهرة وانتشارا. وعرف باسم كتاب "أدب الدنيا والدين" وقد طبع بمصر عدة طبعات كما ترجم إلى الإنجليزية. ويتناول الكتاب الأخلاق والفضائل الدينية مستندا إلى ما جاء في القرآن والسنة كما يتناول الكتاب كثيرا من الآداب الاجتماعية. وهو كتاب عظيم الشأن يضم آراءه في تربية النشء وله في ذلك نظرة ثاقبة. وسنعتمد في بيان آرائه التربوية على ما جاء في هذا الكتاب.
стр. 379
الماوردي والأصفهاني وابن خلدون:
يقول الأستاذ مصطفى السقا في مقدمته لكتاب "أدب الدنيا والدين" طبعة دار الكتب العلمية ببيروت إنه يلوح له من مباحث الماوردي أنه كان أحد الرواد الأوائل الذين مهدوا لابن خلدون عالم الاجتماع والتاريخ سبيل القول في كثير من الأبواب والفصول التي وضعها في مقدمته لتاريخه الكبير. وهذه ملاحظة قيمة له يعود بعدها فيقول إن إثباتها يحتاج إلى بحث مستقل. وكنت قبل قراءتي لهذه الملاحظة في هذه الطبعة قد قرأت كتاب أدب الدنيا والدين الذي طبعته مطبعة صبيح وأولاده بالقاهرة. وتوصلت إلى نفس الملاحظة وأشرت إليها في طبقة سابقة لكتابي عن التربية الإسلامية. وقد اتسع نطاق هذه الملاحظة عندما قرأت كتابي الراغب الأصفهاني "الذريعة في أحكام الشريعة" و"تفصيل النشأتين" فوجدت عبارات مشابهة لما ورد عن الماوردي وهو سابق له أيضا. وسأشير هنا إلى بعض الأمثلة.
كثير منا عندما تذكر عبارة "الإنسان مدني بالطبع" ينسبها للتو إلى ابن خلدون وقد ذكرها في مقدمته في الباب الأول في أول كلامه عن العمران البشري وقد سبق أن وردت هذه العبارة كعنوان نصه الإنسان مدني بطبعه في أول كلام عن باب أدب الدنيا. كما وردت هذه العبارة بنفس النص عند الراغب الأصفهاني في كتاب الذريعة المشار إليه والواقع أن ابن مسكويه قد ذكر هذه العبارة وهو سابق لهم جميعا. وهو ما سبق أن أشرنا إليه عند كلامنا عن ابن مسكويه. وكلام الماوردي عن التدرج في طلب العلوم "ص٥٥ طبعة بيروت" يتشابه مع كلام ابن خلدون في حديثه عن وجه الصواب في تعليم العلوم. وسنفصل الكلام عن ذلك. وكلام ابن خلدون عن الظلم مؤذن بخراب العمران يتشابه مع ما ذكره الماوردي في قوله ص١٤١: "وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور -أي الظلم-".
стр. 380
الإنسان مدني بطبعه:
يقول الماوردي تحت هذا العنوان في أول الكلام عن باب أدب الدنيا "اعلم أن الله تعالى لنافذ قدرته وبالغ حكمته خلق الخلق بتدبيره وفطرهم بتقديره فكان من لطيف ما دبر وبديع ما قدر أن خلقهم محتاجين وفطرهم عاجزين ... ثم جعل الإنسان أكثر حاجة من الحيوان لأن من الحيوان ما يستقل بنفسه عن جنسه والإنسان مطبوع على الافتقار إلى جنسه".
ويقول ابن خلدون في أول كلامه في الباب الأول الكتاب الأول عن العمران البشري: "إن الاجتماع الإنساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع. وهو معنى العمران ... إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء ... ويحتاج ... في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه لأن الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها وقسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوان ... أكمل من حظ الإنسان.. فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه "الإنسان" وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تتم حياته.
ومن الواضح التشابه بينهما. كما أن ابن خلدون لا ينسب إلى نفسه عبارة "الإنسان مدني بالطبع" مما يوضح أنه ناقل لها من غيره.
стр. 381
العقل أس الفضائل:
يعتبر الماوردي العقل أصل الفضائل وأساسها. وهو ينبوع الآداب. جعله الله تعالى للدين أصلا وللدنيا عمادا فأوجب التكليف بكماله وجعل الدنيا تدبر بأحكامه. وألف به بين خلقه مع اختلاف هممهم ومآربهم وتباين أغراضهم ومقاصدهم. ويورد حديث النبي ﷺ "ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردي"، وقوله ﷺ : "أفضل الناس أعقل الناس". وهو يقسم العقل إلى قسمين غريزي ومكتسب. والعقل الغريزي هو الفطري الذي يولد به ويميزه عن سائر الحيوان. أما العقل المكتسب فهو الذي يتكون لدى الإنسان من الخبرة والتجارب التي يمر بها في الحياة "المرجع السابق: ٢٠". والماوردي بهذا سابق -بهذا القول- لعلماء النفس المحدثين لا سيما عالم النفس الأمريكي كاتل CATTELL الذي خرج علينا بفكرته عن الذكاء الفطري أو الطبيعي والذكاء المكتسب FLUID AND CRYSTALLIZED INTELLIGENCE في الأربعينيات من القرن العشرين وبدأت في الذيوع عام ١٩٦٥ عندما جاء جون هورن JOHN HORN أحد تلاميذ كاتل في الدكتوراه وعمل على نشرها من خلال بحوثه. وهو يقول إن العقل سمي بذلك تشبيها بعقل الناقة لأن العقل يمنع الإنسان من الإقدام على شهواته إذا جبحت كما يمنع العقال الناقة من الشرود إذا نفرت. ويؤيد قوله بما ورد في السنة عن النبي ﷺ قوله: "العقل نور في القلب يفرق بين الحق والباطل".
стр. 382
ضرورة التأديب:
يروي الماوردي أن التأديب ضروري لأن النفس مجبولة على شيم مهملة وأخلاق مرسلة لا يستغنى محمودها عن التأديب والتهذيب. لأن النفس ربما جمحت عن الأفضل وهي به عارفة، ونفرت عن التأديب وهي له مستحسنة، لأنها عليه غير مطبوعة فتصير منه أنفر ولضده آثر. وقد قيل: ما أكثر من يعرف الحق ولا يطيعه. وإذا شرفت النفس كانت للآداب طالبة وفي الفضائل راغبة فإذا مازجها صارت طبعا ملائما. ويقول الماوردي إن الأدب مكتسب بالتجربة ومستحسن بالعادة. وقد روي عن النبي ﷺ قوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وهو يرى أن التأديب يلزم من وجهين أو جانبين. أحدهما ما يلزم الوالد لولده في صغره. والثاني ما يلزم الإنسان في نفسه عند نشأته وكبره ... وقد سبق أن أشرنا إلى الجانب الأول في كلامنا عن تربية الطفل في الإسلام. أما الأدب اللازم للإنسان عند نشأته وكبره فيذكر الماوردي أنه على نوعين: أدب مواضعه واصطلاح وأدب رياضة واستصلاح. أما النوع الأول وهو أدب المواضعة والاصطلاح فيؤخذ تقليدا على ما استقر عليه اصطلاح العقلاء واتفق عليه استحسان الأدباء. وهذا الاصطلاح والاستحسان هو نوع من العرف المتفق عليه ولا يخضع لتعليل عقلي ولا دليل علمي يبرهن عليه. وإنما هو عادات درج الناس عليها مثل أصول السلوك الإنساني في المواقف المختلفة وكيف يأكل وينام ويشرب ويلبس ويتعامل مع الناس.
أما النوع الثاني وهو أدب الرياضة واستصلاح فهو ما لا يختلف العقلاء في صلاحه وفساده. ويمكن تعليله بالعقل والبرهنة عليه بالدليل. وأول هذا النوع من الأدب ألا يسارع الإنسان إلى حسن الظن بنفسه فلا يرى مذموم شيمه وأخلاقه وما فيه من عيوب. لأن النفس أمارة بالسوء. وقد قال رسول الله ﷺ : "أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك ثم أهلك ثم عيالك". وقد قال بعض الحكماء: "من ساس نفسه ساد نفسه". وقال عمر بن الخطاب ﵁: "العاجز من عجز عن سياسة نفسه".
ويورد الماوردي بعد ذلك فصولا وكلاما مطولا عن آداب الرياضة، والنفس واستصلاحها. وسنتناول الكلام عنها فيما بعد.
стр. 383
شرف العلم وفضله:
يورد الماوردي في أول كلامه عن أدب العلم في الباب الثاني من كتاب أدب الدنيا والدين قوله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ويعلق على ذلك بقوله إن الله منع المساواة بين العالم والجاهل لما قد خص به العالم من فضيلة العلم. وهو يورد أمثلة كثيرة على شرف العلم وفضله على صاحبه. منها قول عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني تعلموا العلم. فإن كنتم سادة فقتم، وإن كنتم وسطا سدتم، وإن كنتم سوقة عشتم.
ويقول الماوردي في المفاضلة بين العلوم: إن العلوم شريفة ولكل علم منها فضيلة والإحاطة بجميعها محال. ويقول أيضا إنه لا حد للعلم ولا نهاية ويذكر ما وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من ظن أن للعلم نهاية، فقد بخسه حقه ووضعه في غير منزلته التي وصفه الله بها حيث يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ " وقول بعض العلماء: "المتعمق في العلم كالسابح في البحر ليس يرى أرضا ولا يعرف طولا ولا عرضا". وهو يعتبر أن أفضل العلوم علوم الدين ويورد قول النبي ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء" ويعلق على ذلك بقوله: لأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم.
ومن قبيل المقارنة بين فضل العلم وفضل المال يفضل الماوردي العلم على المال ويورد قول علي بن أبي طالب ﵁ في فضل العلم على المال "العلم خير من المال. العلم يحرسك وأنت تحرس المال. العلم حاكم والمال محكوم عليه. مات خزان الأموال وبقي خزان العلم أعيانهم مفقودة وأشخاصهم في القلوب موجودة".
وقيل لبزر جمهر العلم أفضل أم المال؟ فقال: بل العلم. قيل: فما بالنا نرى العلماء على أبواب الأغنياء ولا نكاد نرى الأغنياء على أبواب العلماء؟ قال: ذلك لمعرفة العلماء بمنفعة المال وجهل الأغنياء بفضل العلم.
стр. 384
شروط طلب العلم:
يتناول الماوردي الكلام عن الشروط التي يجب أن تتوافر في طالب العلم ويورد تسعة شروط هي:
١- العقل الذي يدرك به حقائق الأمور.
٢- الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم.
٣- الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره وفهم ما علمه.
٤- الشهوة أو الرغبة التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليها الملل.
٥- الاكتفاء بمادة تغنيه عن تلقي الطلب.
٦- الفراغ الذي يكون معه التوفر ويحصل به الاستكثار.
٧- عدم القواطع "أي ما يسبب الانقطاع" المذهلة من هموم وأشغال وأمراض.
٨- طول العمر واتساع المدة لينتهي بالاستكثار مراتب الكمال.
٩- الظفر بعالم سمح بعلمه متأن في تعليمه.
ويقول الماوردي إن طالب العلم الذي استكمل هذه الشروط التسعة هو أسعد طالب وأنجح متعلم. وقد قال الإسكندر في هذا المعنى يحتاج طالب العلم إلى أربعة. مدة، وجدة، وقريحة، وشهوة "رغبة". وتمامها في الخامسة معلم ناصح.
стр. 385
الباعث على طلب العلم:
تحدث الماوردي عن الدافع أو الباعث على طلب العلم. وفي ذلك يقول اعلم أن لكل مطلوب باعثا وهو ما يقرره علم النفس الحديث. ويستطرد الماوردي فيقول: والباعث على المطلوب شيئان رغبة ورهبة أو ثواب وعقاب بلغة علم النفس الحديث. ويقول فليكن طالب العلم راغبا راهبا. أما الرغبة ففي ثواب الله تعالى لطالبي مرضاته وحافظي مفترضاته. وأما الرهبة فمن عقاب الله تعالى لتاركي أوامره ومهملي زواجره. فإذا اجتمعت الرغبة والرهبة أدتا إلى كنه العلم وحقيقة الزهد لأن الرغبة أقوى الباعثين على العلم. والرهبة أقوى السببين في الزهد. وقد قالت الحكماء: أصل العلم الرغبة وثمرته السعادة وأصل الزهد الرهبة وثمرته العبادة. فإذا اقترن الزهد والعلم فقد تمت السعادة وعمت الفضيلة ويروى عن النبي ﷺ قوله: "من ازداد في العلم رشدا ولم يزدد في الدنيا زهوا لم يزدد في الدنيا إلا بعدا"، وقول مالك بن دينار: "من لم يؤت من العلم ما يقمعه فما أوتي منه لا ينفعه".
стр. 386
التدرج في طلب العلم:
يقول الماوردي تحت هذا العنوان: "اعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها. فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها. ولا يطلب الآخر قبل الأول ولا الحقيقة قبل المدخل فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة لأن البناء على غير أس لا يبني والثمر على غير غرس لا يجني. ويتشابه كلام الماوردي مع ما ذكره ابن خلدون "توفي ٨٠٨هـ ١٤٠٦م" في مقدمته فيما بعد في حديثه عن وجه الصواب في تعليم العلوم حيث يقول: "اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدرج شيئا فشيئا وقليلا قليلا. يلقى إليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال. ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه. حتى ينتهي إلى آخر الفن".
وينبغي أن نشير إلى أن الغزالي وهو سابق لابن خلدون ولاحق للماوردي قد أشار أيضا إلى ضرورة مراعاة التدرج في التعليم وقد أشرنا إلى ذلك في مكان آخر من هذا الكتاب.
стр. 387
كبير السن والتعلم:
يرى الماوردي أن الشخص كبير السن مهما كان عمره عليه أن يتعلم ويطلب العلم. ويقول في ذلك إنه ربما امتنع الإنسان من طلب العلم لكبر سنه واستحيائه من تقصيره في صغره أن يتعلم في كبره فرضي بالجهل أن يكون موسوما به وآثره على العلم أن يصير مبتدئا به. وهذا من خدع الجهل وغرور الكسل، لأن العلم إذا كان فضيلة فرغبة ذوي الأسنان فيه أولى. والابتداء بالفضيلة فضيلة، ولأن يكون شيخا متعلما أولى أن يكون شيخا جاهلا. وقد حكي أن بعض الحكماء رأى شيخا كبيرا يحب النظر في العلم ويستحيي. فقال له: يا هذا، أتستحيي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله؟ وذكر أن إبراهيم بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه، فقال: يا عم، ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، شغلونا في الصغر واشتغلنا في الكبر. فقال: لم لا تتعلمه اليوم؟ قال: أويحسن بمثلي طلب العلم؟ قال: نعم، والله لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تعيش قانعا بالجهل. قال: وإلى متى يحسن بي طلب العلم؟ قال: ما حسنت بك الحياة، لأن الصغير أعذر، وإن لم يكن في الجهد عذر لأنه لم تطل به مدة التفريط ولا استمرت عليه أيام الإهمال. وقد قيل في منثور الحكم: جهل الصغير مقدور وعلمه محقور. فأما الكبير فالجهل به أقبح، ونقصه عليه أفضح، لأن علو السن إذا لم يكسبه فضلا ولم يفده علما، وكانت أيامه في الجهل ماضية، ومن الفضائل خالية، كان الصغير أفضل منه. لأن الرجاء له أكثر. والأمل فيه أظهر. وحسبك نقصا في رجل يكون الصغير المساوي له في الجهل أفضل منه.
ويورد الماوردي إلى جانب استحياء كبير السن وخوفه من التقصير في التعلم وطلب العلم كسب في العزوف عنه سببا آخر هو طلب المادة والتكسب والبحث عن لقمة العيش. ويقول الماوردي وربما امتنع "كبير السن من طلب العلم لتعذر المادة وشغله اكتسابها عن التماس العلم. وهذا وإن كان أعذر من غيره، مع أنه قلما يكون ذلك إلا عند ذي شره، وعيب شهوة مستعبدة. فينبغي أن يصرف للعلم حظا من زمانه. فليس كل الزمان اكتساب ولا بد للمكتسب من أوقات استراحة وأيام عطلة. ومن صرف كل نفسه إلى الكسب حتى لم يترك لها فراغا إلى غيره، فهو من عبيد الدنيا وأسرار الحرص. وقد روي عن النبي
стр. 388
صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل شيء فترة -أي سكون بعد نشاط- فمن كانت فترته إلى العلم فقد نجا".
ويورد الماوردي سببا ثالثا يمنع كبير السن عن طلب العلم هو ما يظنه من صعوبته. يقول في ذلك وربما منعه "كبير السن" من طلب العلم ما يظنه من صعوبته وبعد غايته ويخشى من قلة ذهنه وبعد فطنته. وهذا الظن اعتذار ذوي النقص وخيفة أهل العجز. لأن الإخبار قبل الاختيار جهل، والخشية قبل الابتلاء عجز. وقد قال رجل لأبي هريرة ﵁: أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. فقال: كفى بترك العلم إضاعة ... ولا ينبغي لمن قل حظه أن ييأس من نيل القليل وإدراك اليسير الذي يخرج به من حد الجهالة إلى أدنى مراتب التخصيص فإن الماء مع لينه يؤثر في صم الصخور فكيف لا يؤثر العلم الزكي في نفس راغب شهي وطالب خلي "خالي من التردد" لا سيما وأن طالب العلم معان. قال النبي ﷺ : "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب".
وهكذا يرى الماوردي أسباب ثلاثة لعزوف الكبير عن طلب العلم والسعي فيه هي الاستحياء والخوف من التقصير والانشغال بالحياة وكسب العيش وصعوبة التعليم وتحصيل العلم. وهي نفس الأسباب التي يتحدث عنها أساتذة تعليم الكبار والباحثين فيه في العصر الحديث.
стр. 389
أسباب التقصير في طلب العلم:
يورد الماوردي عدة أسباب للتقصير في طلب العلم وهو يصفها بأنها أسباب فاسدة ودواع واهية هي:
١- أن يكون في نفس طالب العلم أغراض تختص بنوع من العلم، فيدعوه الغرض إلى قصد ذلك النوع ويعدل عن مقدماته، كرجل يؤثر القضاء ويتصدى للحكم فيقصد من علم الفقه إلى أدب القاضي وما يتعلق به من الدعوى والبينات، أو يحب الاتسام بالشهادة فيتعلم كتاب الشهادات، لئلا يصير موسوما بجهل ما يعاني، فإذا أدرك ذلك ظن أنه قد حاز من العلم جمهوره وأدرك منه مشهوره. ولم ير ما بقي منه إلا غامضا طلبه عناء, وعويصا استخراجه فناء، لقصور همته على ما أدرك، وانصرافها عما ترك، ولو نصح نفسه لعلم أن ما ترك أهم مما أدرك، لأن بعض العلم مرتبط ببعض ولكل باب منه تعلق بما قبله فلا تقوم الأواخر إلا بأوائلها.
٢- أن يحب طالب العلم الاشتهار به، أي يقصده طلبا للشهرة أو التكسب أو التجمل، فيقصد من العلم ما اشتهر من مسائل الجدل وطريق النظر، ويتعاطى علم ما اختلف فيه دون ما اتفق عليه، ليناظر على الخلاف وهو لا يعرف الوفاق ويجادل الخصوم وهو لا يعرف مذهبا مخصوصا ... وهذه طريقة من يقول اعرفوني وهو غير عروف "عارف" ولا معروف. وهي أيضا طريقة الديماجوجيين والمغالطين المكابرين في الحق، وطريقة كل من يقول خالف تعرف.
٣- أن يغفل طالب العلم عن التعلم في الصغر ثم يشتغل به في الكبر فيستحيي أن يبتدئ بما يبتدئ به الصغير، ويستنكف أن يساويه الحدث الغرير. فيبدأ بأواخر العلوم وأطرافها، ويهتم بحواشيها وأكنافها، ليتقدم على الصغير المبتدئ ويساوي الكبير المنتهي. وهذا ممن رضي بخداع نفسه. وقنع بمداهنة حسه.
وقد قال الشاعر:
ترق إلى صغير الأمر حتى ... يرقيك الصغير إلى الكبير
فتعرف بالتفكير في صغير ... كبيرا بعد معرفة الصغير
ولهذا المعنى وأشباهه كان التعلم في الصغر أحمد كما يقول الماوردي. وهو يروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قوله: قلب الحدث كالأراضي الخالية. ما ألقي فيها من شيء قبلته. وإنما كان ذلك لأن الصغير أفرغ قلبا وأقل شغلا وأيسر تبذلا وأكثر تواضعا. وقد قيل في منثور الحكم المتواضع من طلاب العلم أكثرهم علما كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء.
ويورد الماوردي ما حكي عن الأحنف بن قيس أنه سمع رجلا يقول: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر. فقال الأحنف: الكبير أكثر عقلا ولكنه أشغل قلبا. وقد قال بعض الحكماء: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقي
стр. 390
في ذلك الجهل أبدا. وقال بعض حكماء الفرس: إذا قعدت وأنت صغير حيث تحب، قعدت وأنت كبير حيث لا تحب.
٤- أن يكون طالب العلم كثير الشهوات مقسم الأفكار.
٥- أن تحل بطالب العلم الهموم المذهلة والطوارق المزعجة وقد قيل في منثور الحكم الهم قيد الحواس.
٦- أن تكثر أشغال طالب العلم لدرجة أنها تستوعب زمانه وتستغرق كل وقته. فإذا كان ذا يابسة ألهته وإن كان ذا معيشة قطعته. ولذلك قيل "تفقهوا قبل أن تسودوا" أي تعلموا قبل أن يصيروا سادة في قومكم فتمنعكم الأنفة عن التعلم فتعيشوا جهالا. وينسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب ﵁. وقال بزر جمهر: الشغل مجهدة والفراغ مفسدة فينبغي لطالب العلم ألا يني في طلبه. وينتهز الفرصة به. فربما شح الزمان بما سمح وضن بما فتح. ويبتدئ من العلم بأوله ويأتيه من مدخله ... ولا ينبغي أن يترك ما استصعب عليه ... لأن العلم طلبه صعب على من جهله، سهل على من علمه ... وقد قال بعض الحكماء العلوم مطلعها من ثلاثة أوجه: قلب مفكر، ولسان معبر، وبيان مصور ... وقد قال بعض العلماء: من أكثر المذاكرة بالعلم، لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم.