← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7436

التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية

محمد منير مرسي

Полный текст (538 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

التدرج في طلب العلم: يقول الماوردي تحت هذا العنوان: "اعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها. فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها. ولا يطلب الآخر قبل الأول ولا الحقيقة قبل المدخل فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة لأن البناء على غير أس لا يبني والثمر على غير غرس لا يجني. ويتشابه كلام الماوردي مع ما ذكره ابن خلدون "توفي ٨٠٨هـ ١٤٠٦م" في مقدمته فيما بعد في حديثه عن وجه الصواب في تعليم العلوم حيث يقول: "اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدرج شيئا فشيئا وقليلا قليلا. يلقى إليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال. ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه. حتى ينتهي إلى آخر الفن". وينبغي أن نشير إلى أن الغزالي وهو سابق لابن خلدون ولاحق للماوردي قد أشار أيضا إلى ضرورة مراعاة التدرج في التعليم وقد أشرنا إلى ذلك في مكان آخر من هذا الكتاب.

стр. 387

كبير السن والتعلم: يرى الماوردي أن الشخص كبير السن مهما كان عمره عليه أن يتعلم ويطلب العلم. ويقول في ذلك إنه ربما امتنع الإنسان من طلب العلم لكبر سنه واستحيائه من تقصيره في صغره أن يتعلم في كبره فرضي بالجهل أن يكون موسوما به وآثره على العلم أن يصير مبتدئا به. وهذا من خدع الجهل وغرور الكسل، لأن العلم إذا كان فضيلة فرغبة ذوي الأسنان فيه أولى. والابتداء بالفضيلة فضيلة، ولأن يكون شيخا متعلما أولى أن يكون شيخا جاهلا. وقد حكي أن بعض الحكماء رأى شيخا كبيرا يحب النظر في العلم ويستحيي. فقال له: يا هذا، أتستحيي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله؟ وذكر أن إبراهيم بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه، فقال: يا عم، ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، شغلونا في الصغر واشتغلنا في الكبر. فقال: لم لا تتعلمه اليوم؟ قال: أويحسن بمثلي طلب العلم؟ قال: نعم، والله لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تعيش قانعا بالجهل. قال: وإلى متى يحسن بي طلب العلم؟ قال: ما حسنت بك الحياة، لأن الصغير أعذر، وإن لم يكن في الجهد عذر لأنه لم تطل به مدة التفريط ولا استمرت عليه أيام الإهمال. وقد قيل في منثور الحكم: جهل الصغير مقدور وعلمه محقور. فأما الكبير فالجهل به أقبح، ونقصه عليه أفضح، لأن علو السن إذا لم يكسبه فضلا ولم يفده علما، وكانت أيامه في الجهل ماضية، ومن الفضائل خالية، كان الصغير أفضل منه. لأن الرجاء له أكثر. والأمل فيه أظهر. وحسبك نقصا في رجل يكون الصغير المساوي له في الجهل أفضل منه. ويورد الماوردي إلى جانب استحياء كبير السن وخوفه من التقصير في التعلم وطلب العلم كسب في العزوف عنه سببا آخر هو طلب المادة والتكسب والبحث عن لقمة العيش. ويقول الماوردي وربما امتنع "كبير السن من طلب العلم لتعذر المادة وشغله اكتسابها عن التماس العلم. وهذا وإن كان أعذر من غيره، مع أنه قلما يكون ذلك إلا عند ذي شره، وعيب شهوة مستعبدة. فينبغي أن يصرف للعلم حظا من زمانه. فليس كل الزمان اكتساب ولا بد للمكتسب من أوقات استراحة وأيام عطلة. ومن صرف كل نفسه إلى الكسب حتى لم يترك لها فراغا إلى غيره، فهو من عبيد الدنيا وأسرار الحرص. وقد روي عن النبي

стр. 388

صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل شيء فترة -أي سكون بعد نشاط- فمن كانت فترته إلى العلم فقد نجا". ويورد الماوردي سببا ثالثا يمنع كبير السن عن طلب العلم هو ما يظنه من صعوبته. يقول في ذلك وربما منعه "كبير السن" من طلب العلم ما يظنه من صعوبته وبعد غايته ويخشى من قلة ذهنه وبعد فطنته. وهذا الظن اعتذار ذوي النقص وخيفة أهل العجز. لأن الإخبار قبل الاختيار جهل، والخشية قبل الابتلاء عجز. وقد قال رجل لأبي هريرة ﵁: أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. فقال: كفى بترك العلم إضاعة ... ولا ينبغي لمن قل حظه أن ييأس من نيل القليل وإدراك اليسير الذي يخرج به من حد الجهالة إلى أدنى مراتب التخصيص فإن الماء مع لينه يؤثر في صم الصخور فكيف لا يؤثر العلم الزكي في نفس راغب شهي وطالب خلي "خالي من التردد" لا سيما وأن طالب العلم معان. قال النبي ﷺ : "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب". وهكذا يرى الماوردي أسباب ثلاثة لعزوف الكبير عن طلب العلم والسعي فيه هي الاستحياء والخوف من التقصير والانشغال بالحياة وكسب العيش وصعوبة التعليم وتحصيل العلم. وهي نفس الأسباب التي يتحدث عنها أساتذة تعليم الكبار والباحثين فيه في العصر الحديث.

стр. 389

أسباب التقصير في طلب العلم: يورد الماوردي عدة أسباب للتقصير في طلب العلم وهو يصفها بأنها أسباب فاسدة ودواع واهية هي: ١- أن يكون في نفس طالب العلم أغراض تختص بنوع من العلم، فيدعوه الغرض إلى قصد ذلك النوع ويعدل عن مقدماته، كرجل يؤثر القضاء ويتصدى للحكم فيقصد من علم الفقه إلى أدب القاضي وما يتعلق به من الدعوى والبينات، أو يحب الاتسام بالشهادة فيتعلم كتاب الشهادات، لئلا يصير موسوما بجهل ما يعاني، فإذا أدرك ذلك ظن أنه قد حاز من العلم جمهوره وأدرك منه مشهوره. ولم ير ما بقي منه إلا غامضا طلبه عناء, وعويصا استخراجه فناء، لقصور همته على ما أدرك، وانصرافها عما ترك، ولو نصح نفسه لعلم أن ما ترك أهم مما أدرك، لأن بعض العلم مرتبط ببعض ولكل باب منه تعلق بما قبله فلا تقوم الأواخر إلا بأوائلها. ٢- أن يحب طالب العلم الاشتهار به، أي يقصده طلبا للشهرة أو التكسب أو التجمل، فيقصد من العلم ما اشتهر من مسائل الجدل وطريق النظر، ويتعاطى علم ما اختلف فيه دون ما اتفق عليه، ليناظر على الخلاف وهو لا يعرف الوفاق ويجادل الخصوم وهو لا يعرف مذهبا مخصوصا ... وهذه طريقة من يقول اعرفوني وهو غير عروف "عارف" ولا معروف. وهي أيضا طريقة الديماجوجيين والمغالطين المكابرين في الحق، وطريقة كل من يقول خالف تعرف. ٣- أن يغفل طالب العلم عن التعلم في الصغر ثم يشتغل به في الكبر فيستحيي أن يبتدئ بما يبتدئ به الصغير، ويستنكف أن يساويه الحدث الغرير. فيبدأ بأواخر العلوم وأطرافها، ويهتم بحواشيها وأكنافها، ليتقدم على الصغير المبتدئ ويساوي الكبير المنتهي. وهذا ممن رضي بخداع نفسه. وقنع بمداهنة حسه. وقد قال الشاعر: ترق إلى صغير الأمر حتى ... يرقيك الصغير إلى الكبير فتعرف بالتفكير في صغير ... كبيرا بعد معرفة الصغير ولهذا المعنى وأشباهه كان التعلم في الصغر أحمد كما يقول الماوردي. وهو يروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قوله: قلب الحدث كالأراضي الخالية. ما ألقي فيها من شيء قبلته. وإنما كان ذلك لأن الصغير أفرغ قلبا وأقل شغلا وأيسر تبذلا وأكثر تواضعا. وقد قيل في منثور الحكم المتواضع من طلاب العلم أكثرهم علما كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء. ويورد الماوردي ما حكي عن الأحنف بن قيس أنه سمع رجلا يقول: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر. فقال الأحنف: الكبير أكثر عقلا ولكنه أشغل قلبا. وقد قال بعض الحكماء: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقي

стр. 390

في ذلك الجهل أبدا. وقال بعض حكماء الفرس: إذا قعدت وأنت صغير حيث تحب، قعدت وأنت كبير حيث لا تحب. ٤- أن يكون طالب العلم كثير الشهوات مقسم الأفكار. ٥- أن تحل بطالب العلم الهموم المذهلة والطوارق المزعجة وقد قيل في منثور الحكم الهم قيد الحواس. ٦- أن تكثر أشغال طالب العلم لدرجة أنها تستوعب زمانه وتستغرق كل وقته. فإذا كان ذا يابسة ألهته وإن كان ذا معيشة قطعته. ولذلك قيل "تفقهوا قبل أن تسودوا" أي تعلموا قبل أن يصيروا سادة في قومكم فتمنعكم الأنفة عن التعلم فتعيشوا جهالا. وينسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب ﵁. وقال بزر جمهر: الشغل مجهدة والفراغ مفسدة فينبغي لطالب العلم ألا يني في طلبه. وينتهز الفرصة به. فربما شح الزمان بما سمح وضن بما فتح. ويبتدئ من العلم بأوله ويأتيه من مدخله ... ولا ينبغي أن يترك ما استصعب عليه ... لأن العلم طلبه صعب على من جهله، سهل على من علمه ... وقد قال بعض الحكماء العلوم مطلعها من ثلاثة أوجه: قلب مفكر، ولسان معبر، وبيان مصور ... وقد قال بعض العلماء: من أكثر المذاكرة بالعلم، لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم.

стр. 391

أخلاق العلماء: يقول الماوردي فيما يجب أن تكون عليه أخلاق العلماء أن يتحلوا بكل ما هو خلق حميد يليق بهم. وفي مقدمة ذلك التواضع ومجانبة العجب. ويورد قول النبي ﷺ : "إن العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". ويذكر قول عمر بن الخطاب ﵁: "تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة، والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون ليتواضع لكم من تعلمونه ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم". فالعلم أكثر من أن يحيط به بشر. وكل متناه في العلم سجد من هو أعلم منه. وقد قال الله : ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ . ويورد قول الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين" قوله: "اللهم إننا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن. كما نعوذ بك من العجب بما نحسن. ونعوذ بك من شر السلاطة والهذر "أي حدة اللسان وإكثار الكلام بدون فائدة". كما نعوذ بك من شر العي والحقد" "أي عدم القدرة على البيان حياء أو خوفا أو ضعفا". ومن أخلاق العلماء عدم التكلف فيما لا يحسن. ومن قال لا أدري فقد أفتى، لأن ليس إلى الإحاطة بكل العلم سبيل. وليس من العار أو العيب أن يجهل الإنسان بعضه وقد قال بعض الحكماء: "من العلم ألا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم. فحسبك جهلا من عقلك أن تنطق ما لا تفهم. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من سئل فأفتى بغير علم فقد ضل وأضل". ومن أخلاق العلماء ألا يحقر شيئا من العلم وأن يعمل بما علم. وقد روي عن عبد الله بن وهب وهو من كبار المحدثين توفي عام ١٩٧هـ عن سفيان أن الخضر ﵇ قال لموسى ﵇: يابن عمران تعلم العلم لتعمل به ولا تتعلمه لتحدث به، فيكون عليك بوره "إثمه وفساده" ولغيرك نوره. وقال علي بن أبي طالب إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم. وقيل في منثور الحكم لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به. وقال بعض العلماء: ثمرة العلم أن يعمل به وثمر العمل أن يؤجر عليه. وقال بعض الأدباء: ثمرة العلوم العمل بالمعلوم. ومن أخلاق العلماء وآدابهم أن يبذلوا العلم لطالبه وألا يبخلوا بتعليم ما يحسنون ولا يمتنعون عن إفادة ما يعلمون. وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ . وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من كتم علما يحسنه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار". ويقول الماوردي إن النبي ﷺ جعل التعليم صدقة لقوله ﷺ : "تصدقوا على أخيكم بعلم يرشده ورأي يسدده". وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "تعلموا وعلموا فإن أجر العالم والمتعلم سواء. قيل: وما أجرهما؟ قال: مائة مغفرة ومائة درجة في الجنة".

стр. 392

ومن أخلاق العلماء الصلاح والهداية وحسن الخلق والسلوك وحسن المعاملة فقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "أهلك أمتي رجلان عالم فاجر وجاهل متعبد". فقيل: يا رسول الله أي الناس أشر؟ فقال: "العلماء إذا أفسدوا". ومن أخلاق العلماء وآدابهم أن يكون لهم فراسة يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته وقدر استحقاقه ليعطيه ما يتحمله بذكائه أو يضعف عنه ببلادته. ومن أخلاق العلماء التأدب مع رجال الحكم والسلاطين. فبعضهم تكون له رغبة في العلم لفضيلة نفسه وكرم طبعه فلا يجعل ذلك كما يقول الماوردي ذريعة في الانبساط عند الإدلال عليه بل يعطيه ما يستحقه بسلطانه وعلو يده. فإن للسلطان حق الطاعة والإعظام وللعالم حق القبول والإكرام. ثم لا ينبغي أن يبتدئه إلا بعد الاستدعاء ولا يزيد على قدر الاكتفاء. فربما أحب بعض العلماء إظهار علمه للسلطان فأكثره. فصار ذلك ذريعة إلى ملله ومفضيا إلى بعده فإن السلطان منقسم الأفكار مستوعب الزمان فليس له في العلم فراغ المنقطعين إليه ولا صبر المنفردين به. وقد حكى الأصمعي ﵀ قال: قال لي الرشيد: يا عبد الملك. أنت أعلم منا ونحن أعقل منك. فلا تعلمنا في ملا ولا تسرع في تذكيرنا في خلا. واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال. فإذا بلغت من الجواب قدر الاستحقاق فلا تزد إلا أن نستدعي ذلك منك. وانظر إلى ما هو ألطف في التأديب، وأنصف في التعليم وأبلغ بأوجز لفظ غاية التقويم. لكن على العالم أن يحذر اتباع أولي السلطان فيما يجانب الدين ويضاد الحق موافقة لرأيهم ومتابعة لهواهم. فربما زلت أقدام العلماء في ذلك رغبة أو رهبة فضلوا وأضلوا مع سوء العاقبة وقبح الآثار. ويذكر الماوردي من آداب العلماء أيضا تنزيه أنفسهم عن شبهة المكاسب والقناعة بالميسور عن كد المطالب فإن شبهة المكتسب إثم وكد الطالب ذل. والأجر أجدر به من الإثم والعز أليق به من الذل. ذلك أن لذة العلم فوق كل لذة. وقد قال بعض البلغاء من تفرد بالعلم لم توحشه خلوة ومن تسلى بالكتب لم تفته سلوة ومن أنسه قراءة القرآن لم توحشه مفارقة الإخوان. ويذكر الماوردي من آداب العلماء رأيا هو موضع جدل بل ومخالف لما

стр. 393

سبقوه من أمثال القابسي وابن سحنون. هو أن يعلموا بلا أجر ويقصدوا بتعليمهم غيرهم وجه الله ويطلبوا ثوابه دون أن يلتمسوا عليه رزقا. ويذكر قول الله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وقول النبي ﷺ : "أجر المعلم كأجر الصائم القائم". وقد ذكرنا في مكان آخر من هذا الكتاب تفصيل الكلام عن ذلك وأوردنا الآراء والبراهين التي تبيح للمعلم أخذ أجر عن التعليم. ومن آداب العلماء التي يذكرها الماوردي أيضا نصح من علموه والرفق بهم وتسهيل السبيل عليهم وبذل المجهود في مساعدتهم ومعونتهم.. ومن آدابهم أيضا ألا يعنفوا متعلما ولا يحقروا ناشئا ولا يستصغروا مبتدئا. فقد روي عن النبي ﷺ قوله: "علموا ولا تعنفوا"، وقوله ﷺ أيضا: "وقروا من تتعلمون منه ووقروا من تعلمونه".

стр. 394

آداب رياضة النفس واستصلاحها: يتحدث الماوردي حديثا مطولا عن آداب رياضة النفس واستصلاحها فيتحدث عن مجانب الكبر والإعجاب لأنهما يسلبان الفضائل ويكسبان الرذائل. ويتحدث عن حسن الخلق ويذكر ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى اختار لكم الإسلام دينا فأكرموه بحسن الخلق والسخاء فإنه لا يكمل إلا بهما". ويتحدث عن الحياء فيقول: اعلم أن الخير والشر معان كامنة تعرف بسمات دالة فسمة الخير الدعة والحياء وسمة الشر القحة والبذاء. وكفى بالحياء خيرا أن يكون على الخير دليلا. وكفى بالقحة والبذاء شرا أن يكونا إلى الشر سبيلا. وقد روى حسان بن عطية عن أبي أمامة أن الرسول ﷺ قال: "الحياء والعي -أي الصمت- شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان -أي التشدق- شعبتان من النفاق". ويتحدث عن الحلم والغضب. وهو يقول إن الحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب لما فيه من سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب الحمد وذكر الأسباب التي تدعو إلى الحكم. ويقول إن الحليم لا يعرف إلا في الغضب. ويذكر قول الشاعر: ليست الأحلام في حال الرضا ... إنما الأحلام في حال الغضب

стр. 395

ويتحدث عن الصدق والكذب فيقول: إن الصدق ممدوح أما الكذب فهو إجماع كل شر لسوء عواقبه وخبث نتائجه. ويذكر ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة، فإن فيه النجاة وتجنبوا الكذب وإن رأتيم فيه الهلكة"، وقوله ﷺ : "لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عنه الله صديقا ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا". ويقول الماوردي إن من الصدق ما هو مذموم. وهو يقوم مقام الكذب في القبح والمعرة ويزيد عليه في الأذى والمضرة. ويذكر من الصدق المذموم الغيبة والنميمة والسعاية أي الوشاية. كما أن من الكذب ما هو محمود أو مرخص به. والكذب المحمود الذي يمنع شرا أو فتنة ويرخص بالكذب في الحرب وإصلاح ذات البين على وجه التورية والتأويل دون التصريح. ومن أمثلة ذلك ما روي عن النبي ﷺ : -وهو الذي لا يقول إلا حقا وصدقا- أن امرأة عجوزا سألته: أأدخل الجنة يا رسول الله؟ فقال لها: "لا يدخل الجنة عجوز". فقالت له:ولم يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "ألم تسمعي قول الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ " أي أنها لن تكون عجوزا في الآخرة. ويتحدث عن الحسد والمنافسة. ويقول عن الحسد إنه خلق ذميم مع إضراره بالبدن وإفساد للدين حتى لقد أمر الله بالاستعاذة من شره. قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ . وهو يقول فضله كثر حساده. وقد قال النبي ﷺ : "استعينوا على قضاء الحوائج بسترها فإن كل ذي نعمة محسود". ويتحدث عن فضل الكلام والصمت. ويذكر أن للكلام أربعة شروط تجنب المتكلم الزلل وهي: أن يكون الكلام لداع وأن يكون في موضعه وفي حينه وأن يقتصر منه على قدر حاجته دون زيادة أو نقصان وأن يتخير اللفظ الذي يتكلم به. ويقول الشاعر في هذا المعنى: وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي عيوب ذوي العيوب المنطق ومن آداب الكلام عدم التجاوز في المدح وعدم الإسراف في الذم وعدم

стр. 396

الاسترسال في وعد أو وعيد يعجز عنها المتكلم ولا يقدر على الوفاء بها. ومن آداب الكلام العمل بالقول وأن ما يقال يصدقه العمل ومن آدابه أيضا مراعاة مخارج الكلام بحسب مقاصده وأغراضه. فإن كان ترغيبا قرن الكلام باللين واللطف وأن كان ترهيبا خلطه بالخشونة والعنف. ومن آدابه أيضا ألا يرفع بكلامه صوتا مستكرها وأن يتأنى مستقبح الكلام، وليعدل إلى التلميح فيما استقبح فيه التصريح. ومن آداب الكلام اجتناب أمثال العامة الغوغاء والتمثل بأقوال العلماء والأدباء. ويتحدث عن الصبر والجزع. ويذكر ما روي عن النبي ﷺ : "الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب". وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ . وقال بعض البلغاء: "من صبر نال ما تمنى". والصبر مفتاح الفرج. ويقول الشاعر: إن الأمور إذا سدت مطالبها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتجا لا تيأس وإن طالب مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا ويتحدث عن الجزع فيذكر إن من أسبابه تذكر المصاب وشدة الحسرة والأسف وكثرة الشكوى واليأس. ويتحدث عن المشورة ويعتبر أن من الحزم لكل ذي لب ألا يعمل شيئا إلا بمشورة ذوي الرأي الناصح وذي العقل الراجح. قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ . وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "المشورة حصن من الندامة وأمان من الملامة". ويروي الماوردي ضرورة توفر خصال خمس في الشخص المطلوب مشورته هي العقل الكامل وكثرة التجارب والدين والتقوى وأن يكون ناصحا ودودا، سليم الفكر وألا يكون له غرض في الأمر موضع الاستشارة. ويتحدث الماوردي عن كتمان السر فيرى أنه من أقوى أسباب النجاح وأدوم لأحوال الصلاح. ويتحدث عن المزاح والضحك فيرى في المزاح ذهاب الهيبة وتجرئ أو

стр. 397

تشجيع الغوغاء والسفهاء. ويقول إنما سمي المزاح مزاحا لأنه يزيح عن الحق. وقيل في منثور القول المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب. ويذكر الماوردي أن من المزاح ما هو لطيف عندما يكون هدفه إيناس المصاحبين والتودد إلى المخالطين والتخلص من السأم. وقد روي عن النبي ﷺ قوله: "إني لأمزح ولا أقول إلا حقا". أما الضحك فيقول عنه الماوردي إن الإكثار منه يزيل الهيبة والوقار. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: "من كثر ضحكه قلت هيبته". وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه" ويتحدث الماوردي عن الطيرة والفال فيقول: "اعلم أنه ليس شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة". ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء أو يدفع مقدورا فقد جهل. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر". والعدوى ما يظنه الناس من تعدي العلل والأمراض وانتقالها. وأما الهامة فهو ما كانت العرب في الجاهلية تعتقده من أن القتيل إذا طال دمه فلم يدرك بثأره صاحت هامته في القبر. اسقوني أي أنها تطلب الثأر من القاتل. وأما الصفر فهو كالحبة يكون في الجوف يصيب الماشية والناس وهو أعدى عن العرب من الجرب. ويقول الماوردي إن الفرس كانوا أكثر الناس طيرة. كانت العرب إذا أرادت سفرا نفرت أول طائر تلقاه فإن طار يمنة سارت وتيمنت. وإن طار يسرة رجعت وتشاءمت. فنهى النبي ﷺ عن ذلك. وقال: "اقروا الطير على وكناتها": وقال الشاعر لبيد: لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع أما الفأل فيقول الماوردي إنه يقوي العزم ويبعث على الجد ويعين على الظفر. فقد تفاءل رسول الله ﷺ في غزواته وحروبه وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ سمع كلمة فأعجبته فقال: "أخذنا فألك من فيك". وروي أن يوسف ﵇ شكا إلى الله تعالى طول الحبس فأوصى الله تعالى إليه: يا يوسف أنت حبست نفسك حيث قلت: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ ولو قلت:

стр. 398

العافية أحب إلي لعوفيت. ويتحدث الماوردي عن المروءة ويرى أنها من شواهد الفضل ودلائل الكرم وحلية النفوس وزينة الهمم. ويتحدث الماوردي عن أدب المأكل والمشرب فيقول إن الأكل والشرب مندوب إليه عقلا وشرعا لما فيه من حفظ النفس وحراسة الجسد. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ . وينهي الشرع عن الوصال بين صوم اليومين لأنه يضعف الجسد ويميت النفس ويعجز عن العبادة. وكل ذلك يمنع منه الشرع ويدفع عنه العقل. أما الزيادة والإكثار من الطعام والشراب عن قدر الحاجة فهو ممنوع عقلا وشرعا. وقد روي عن النبي ﷺ قوله: "إياكم والبطنة فإنها مفسدة للدين ومورثة للسقم مكسلة عن العبادة". وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات -لقيمات- يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلت لشرابه وثلث لنفسه". ويقول الماوردي عن آدب اللباس إن الحاجة إليه أدعى من المأكل والمشرب لما فيه من حفظ الجسد ودفع الأذى وستر العورة وحصول الزينة. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ . أما بالنسبة للراحة والنوم فيقول الماوردي إن للنفس حالتين حالة للنوم تستريح فيها، وإن حرمت منها، كلت وتعبت، وحالة اليقظة للتصرف والعمل إن استراحت فيها أخلت بواجباتها. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "نومة الصبحة، معجزة منفخة مكسلة مورمة مفشلة منسأة للحاجة". وقيل في منثور الحكم: "من لزم الرقاد عدم المراد". فإذا أعطى النفس حقها من النوم والدعة واستوفى حقه بالتصرف واليقظة خلص بالاستراحة من عجزها وكلالها وسلم بالرياضة من بلادتها وفسادها. ويجعل الماوردي من الليل فرصة ليحاسب الإنسان نفسه على ما صدر من أفعال نهاره لأن الليل أكثر مدعاة للخاطر وأجمع للفكر فإن كان محمودا أمضاه وإن كان مذموما استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل. وقد سبق أن أشرنا إلى كلام ابن مسكويه عن أمراض النفوس

стр. 399

وعلاجها. وهناك اشتراك كبير في المعنى بينه وبين كلام الماوردي. اختيار الإخوان قبل اصطفائهم: يقول الماوردي تحت هذا العنوان على المرء أن يكتشف أخلاق إخوانه ويعرف أحوالهم قبل اصطفائهم وإخائهم لقول الحكماء "اسبر أي اختبر تخبر". ويجب ألا تدفع المرء وحدته على الإقدام قبل الخبرة، ولا حسن الظن على الاغترار بالتصنع، فإن الملق مصايد العقول، والنفاق تدليس الفطن. وهما سجيتا المتصنع. ولذلك قالت الحكماء "اعرف الرجل من فعله لا من كلامه واعرف محبته من عينه لا من لسانه". وقد قال الشاعر في هذا المعنى: كم من أخ لك ليس تنكره ... ما دامت في دنياك في يسر متصنع لك في مودته ... يلقاك بالترحيب والبشر فإذا عدا، والدهر ذو غير ... دهر عليك عدا مع الدهر فارفض باجمال مودة من ... يقلي المقل ويعشق المثرى وعليك من حالاه واحدة ... في العسر إما كنت واليسر ويقول الماوردي إن الإنسان موسوم بسيماء من قارب ومنسوب إليه أفاعيل من صاحب. وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: "ما من شيء أدل على شيء، ولا الدخان على النار، من الصاحب على الصاحب"، وقال بعض الحكماء "اعرف أخاك بأخيه قبلك". وقال عدي بن زيد في هذا المعنى عن المرء لا تسأل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردي فتردى مع الردي وقال بعض الأدباء لا تثق بالصديق قبل الخبرة. وقال الشاعر: لا تحمدن امرأ حتى تجربه ... ولا تدمنه من غير تجريب فحمدك المرء ما لم تبله خطأ ... وذمه بعد حمد شر تكذيب ويجب ألا يغتر المرء بالمظاهر الخداعة. فقد يكون جمال الوجه أو البسمة

стр. 400

أو مدهون الكلام خداعا. فليس كل ما يلمع ذهبا. وعلى حد قول الشاعر إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم وقول آخر: لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب ... فالطير يرقص مذبوحا من الألم ويذكر الماوردي أربع خصال هل أصل الاتفاق في اصطفاء الإخوان هي: العقل الموفور والدين ومحمود الأخلاق والميل والرغبة في المؤاخاة. أما بالنسبة للعقل الموفور فلأن العقل يهدي إلى الرشد. والحمق لا تثبت معه مودة. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "البذاء -أي الفحش في القول- لؤم وصحبة الأحمق شؤم". وأما بالنسبة للدين فلأنه يدفع صاحبه إلى الخير. وقال بعض الحكماء: "اصطف من الإخوان ذا الدين والحسب والرأي والأدب. فإنه رد لك عند حاجتك ويد عند نائبتك وأنس عند وحشتك وزين عند عافيتك". أما بالنسبة لمحمود الأخلاق فلأن فعاله مرضية ويؤثر الخير ويأمر به ويكره الشر وينهي عنه. مودة الشرير تكسب العداء وتفسد الأخلاق. ولا خير في مودة تجلب عداوة وتورث مذمة وملامة. وأما بالنسبة لميل الصاحب إلى صاحبه والرغبة في مؤاخاته فلأن ذلك أوكد لحال المؤاخاة وأمد لأسباب المصافاة. فليس كل مرغوب إليه راغب وليس كل مطلوب إليه طالب. ومن طلب مودة ممتنع عليه كان معنى خائبا. ويقول الماوردي إنه إذا اكتملت هذه الخصال الأربع في إنسان وجب إخاؤه وتعين اصطفاؤه. لكن الماوردي يضع شرطا احترازيا هو أن يكون الميل إلى اصطفاء الصديق والثقة فيه بمقدار توفر هذه الخصال فيه. وغلبة إحداها عليه. لأن الإخوان على طبقات مختلفة ولكل واحد منهم حال يختص بها، والتباين في الناس غالب. وبينهم اختلاف في الشيم والصفات وليس هناك من كملت صفاته. وقال بعض الحكماء الرجال كالشجر شرابه واحد وثمره مختلف. وقال الشاعر في هذا المعنى: بنو آدم كالنبت ... ونبت الأرض ألوان فمنهم شجر الصندل ... والكافور والبان ومنهم شجر أفضل ... ما يحمل قطران

стр. 401

وقال المأمون: "الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا. ويعلق الماوردي على كلام المأمون بقوله "ولعمري إن الناس على ما وصفهم". ثم يستدرك بقوله: ولكن ليس من كان منهم كالداء من الإخوان المعدودين بل هم من الأعداء المحذورين. ويقول الماوردي إنه يجب الإغضاء عن هفوات الإخوان وذلاتهم وأخطائهم فمن منا كملت صفاته. والكمال لله وحده وابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. وقد قال أبو الدرداء رضي الله: "معاتبة الأخ خير من فقده ومن لك بأخيك كله؟ وقد قال الشاعر في هذا المعنى: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه وقال النابغة الذبياني: ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب ويتحدث الماوردي عن حق الصديق على الصديق فيقول: "إن أول حقوقه اعتقاد مودته ثم إيناسه بالانبساط إليه في غير محرم ثم نصحه في السر والعلانية ثم تخفيف الأثقال عنه ثم معاونته فيما ينوبه من حادثة أو يناله من نكبة. فلا يعرف الصديق إلا وقت الضيق". ويذكر الماوردي ناحية هامة في علاقة الصديق بالصديق هي ألا يفرط ولا يكثر في محبته لأن الإفراط داع إلى التقصير، والشيء إذا زاد عن حدة انقلب إلى ضده. وقد روى ابن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما". ومن مأثور القول: احذر عدوك مرة، واحذر صديقك ألف مرة ... فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة

стр. 402

الغزالي وآراؤه التربوية مدخل ... ٥- الغزالي وآراؤه التربوية: ٤٥٠هـ-٥٥٥هـ، ١٠٥٨م-١١١١م من المرجح أن أبا حامد الغزالي ولد بطوس من أعمال خراسان ببلاد فارس سنة ٤٥٠هـ - ١٠٥٨م وأنه توفي في الطابران ٥٥٥هـ - ١١١١م. ومن المرجح أيضا أن تسميته بالغزالي ترجع إلى مهنة والده وهي غزل الصوف، وهناك من يقول: أنها نسبة إلى غزالة وهي بلد ينسب إليها. وقد درس الغزالي في نيسابور على يد الإمام أبي المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين وإمام الشافعية وأخذ عنه المذهب وطرق الجدل. كما درس علم الكلام والحكمة والفلسفة وقرأ للفارابي وابن مسكويه وابن سينا وغيرهم. ويقول الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال": إنه لا يوجد فيلسوف لم يدرس منهاجه ولا متكلم لا يتتبع كلامه ولا صوفي لم يخض في أسراره، وقد لقي الوزير السلجوقي نظام الملك فأعجب به الأخير وعلت مكانته لديه. فعينه أستاذا بالمدرسة النظامية التي بناها ببغداد لنشر المذهب السني بعد أن أنشأ الفاطميون الأزهر بالقاهرة لنشر المذهب الشيعي. وقد قام الغزالي بالتدريس في المدرسة النظامية عندما رحل إليها سنة ٤٨٤هـ وكان عمره آنذاك ٣٤ سنة. واستمر بالتدريس بها طيلة أربع سنوات زهد بعدها في الدنيا وآثر العزلة ورحل إلى البلد الحرام في طلب الحج. وذهب بعدها إلى دمشق حيث اعتكف للزهد والتصوف فترة من حياته. وأقام فترة في الإسكندرية لكنه عاد أخيرا إلى مسقط رأسه "طوس" ليقضي بقية عمره في وعظ الصوفية. واشتغل بتأليف الكتب. وقد ترك الغزالي ما يزيد عن سبعين مؤلفا في الدين والفلسفة والجدل والفقه والأخلاق والتصوف والدفاع عن الدين والرد على الفلاسفة. ويبرز من بينها جميعا كتابه "إحياء علوم الدين" الذي يدل على عبقريته ونفاذ بصيرته. وقد عرض هذا الكتاب آراءه في التربية والتعليم وفي الأخلاق الحقة، وبين في مقدمة الكتاب سبب تأليفه له فقال: "إن طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا قد أصبح بين الخلق مطويا وصار

стр. 403

نسيا منسيا ... ولما كان هذا ثلما في الدين معما وخطبا مدلهما رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب، إحياء لعلوم الدين وكشفا عن مناهج الأئمة المتقدمين وأيضا لمناحي العلوم النافعة عند النبيين والسلف الصالحين". وقد قسم كتاب الإحياء إلى أربعة أجزاء أو أقسام: الربع الأول خاص بالعبادات وقد ذكر فيه آدابها وسننها وأسرار معالجتها. والربع الثاني خصصه للعادات، وقد احتوى على أسرار المعاملات الجارية بين الخلق ودقائق سننها وخفايا الورع في مجاريها. والربع الثالث خاص بالمهلكات وعرض فيها إلى الأخلاق المذمومة من حيث حدها وحقيقتها والأسباب التي تتولد عنها الآفات التي تترتب عليها والعلاقات التي تعرف بها وطرق معالجتها وتزكية النفس عنها وتطير القلب منها. وخصص الربع الأخير للمنجيات وفيه عرض للأخلاق الحميدة والخصال المرغوبة.

стр. 404

الغزالي ناقل عن ابن مسكويه وغيره من المسلمين والإغريق: اعترف الغزالي صراحة بأنه نقل عن ابن مسكويه في كتاب تهذيب الأخلاق ويقول زكي مبارك "ص٥٨": إنه نقل حرفيا عن أبي طالب المكي المحاسبي وغيره من رجال الصوفية. كما أنه تأثر بفلاسفة الإغريق ولا سيما أفلاطون ونقل عنهم. والواقع أن الغزالي استقى آراءه الفكرية والثقافية من روافد شتى وقع تحت تأثيرها. وإلى جانب ما أشرنا إليه للتو نورد هنا ما يذكره ابن تيمية عنه. يقول ابن تيمية: "إن من أساتذة الغزالي أبو المعالي مؤلف "الإرشاد" "والشامل" وأن الغزالي احتفظ بكثير من الشبه بينه وبين الباقلاني. أما في أصول الفقه فلم يكن ابن تيميه يوقره في شيء لأنه كان يرى أنه -لفرط وفائه لتعاليم الباقلاني- كان متأثرا بأبي زيد الدبوسي في فهمه لنظرية القياس المنطقي. وكان الغزالي في الفلسفة تلميذا لابن سينا ولإخوان الصفا كما كان تلميذا لأبي حيان التوحيدي في التصوف. وقد ضلع منه الغزالي وذاعت شهرته إلا أن أصالته كانت مقتبسة في بعضها من الحارسي المحاسبي وفق أبي طالب المكي الذي أثر بكتابه "قوت القلوب" في الإحياء تأثيرا شاملا "هنري لاودست: ٢١٩". كما استفاد الغزالي أيضا من رسالة القشيري "المرجع السابق: ٨١".

стр. 405

وينبغي أن نشير إلى أنه بالرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهها ابن تيمية إلى الغزالي فإنه كان يقدر تماما أهمية إنتاجه الضخم ومقدار فضله عليه. وكان يشير في كثير من الأحيان إلى ما ورد في "الإحياء"، و"كيمياء السعادة"، و"التفرقة" و"المستظهر"، و"المقاصد"، و"المستصفى"، و"الرد على الباطنية" ويستخدم ذلك في كتاباته. وكان الغزالي أول من تلقى منه ابن تيمية تاريخ الفرق الإسلامية والفلسفة وكان حجته في الجدل الكلامي في مناسبات عديدة ... كما اقتبس منه كل مصطلحات المنطق التي استخدمها ... وتمييزه بين التصديق والقصور ومنطقة في المفهوم وفي الحكم وفي الاستنباط الفقهي "المرجع السابق: ٢٢٠". الغزالي والتربية: جاءت آراء الغزالي في التربية انعكاسا لآرائه الفلسفية الصوفية. من ذلك أنه رأى أن الهدف من التربية هو مساعدة الفرد على التقرب إلى الله والعمل للحياة الآخرة. كما دعا إلى الأخذ بأساليب الخشونة والتقشف والبعد عن ملذات الحياة حتى تلك التي أحلها الله من جميل اللباس وطيب الطعام ومتعة الحياة. وقد تناول الغزالي موضوع التربية بفكر واضح يبدو فيه تأثره بأفلاطون وأرسطو ففي كلامه عن الفضيلة مثلا يقول: إنها الاعتدال والتوسط بين أركان النفس الأربعة وقواها، وهي: - قوة الغضب واعتدالها الشجاعة. - قوة الشهوة واعتدالها العفة. - قوة الحكمة والإفراط فيها مضر. - قوة العدل والإفراط فيها أيضا مضر. وفي كلامه عن القلب يخلط بينه وبين النفس والعقل ويقول عنه: "إنه لطيفة ربانية روحانية لها تعلق القلب وهذه اللطيفة هي حقيقة الإنسان لأنه الجزء المدرك فيه". وفي كلامه عن العقل يقول عنه: "إنه القلب نفسه أو تلك اللطيفة الربانية" ويقول عنه أيضا: إنه صفة القلب لأنه جاء من النفس الناطقة، التي

стр. 406

تنقسم إلى عقل علمي يرتبط بالدوافع والانفعالات والقوى المحركة للجسم وعقل نظري هو آلة الإدراك. وتأثر من ناحية أخرى بابن مسكويه في كتاب "تهذيب الأخلاق" الذي تأثر فيه بدوره بالفلاسفة الإغريق. ولكن الغزالي حاول المزاوجة والتوفيق بين من نقل عنهم وبين الإسلام ويشير في قوله عن الحكمة إلى قول الله : ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ . الغاية من التربية: يعتبر الغزالي أن الغاية من التربية هي التقرب إلى الله ، والدليل على ذلك طلب العلوم ومحاسن الأخلاق، وفي ذلك يقول: على المعلم أن ينبه المتعلم على أن الغرض من طلب العلوم هو التقرب إلى الله دون الرياسة والمباهاة. وغاية الأخلاق عنده حب الله وحب لقائه والبعد عن الدنيا، وهو يقول: "مهما كان الأب يصون ولده من نار الدنيا فليصنه عن نار الآخرة أولى وصيانته أن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق". ولم يرفض الغزالي الهدف التربوي التثقيفي من التعلم، ففي كلامه عن قيمة دراسة العلوم يذكر من بين ما يذكر مدى منفعتها للإنسان في تثقيفه واستمتاعه وتدخلها في حياته الاجتماعية، ومثل لها بالشعر والتاريخ والسياسة وقد جعل العلم طريقا للإيمان ففي كلامه عن الإيمان يقسمه إلى ثلاث مراتب: ١- إيمان العوام الذين يصدقون ما يسمعون مثل من قيل لهم فلان بالدار فصدقوا. ٢- إيمان العلماء وهو مبني على استنباط ومثاله أنهم سمعوا أو رأوا ما يدل على أن فلانا بالدار فصدقوا. ٣- يقين العارفين الذين يشهدون الحق دون حجاب ومثاله هم الذين دخلوا الدار ورأوا بأعينهم وهم الأنبياء والرسل ومن في مراتبهم. تقسيم العلوم والمنهج التعليمي: قسم الغزالي العلوم إلى أربعة أنواع: - الأصول وتشمل القرآن الحدث.

стр. 407

- الفروع وتشمل الفقه. - المقدمات وتشمل ما لا غنى عنه في دراسة الأصول مثل النحو واللغة. - المتممات وتشمل القراءات والتفسير. ومن حيث قيمتها يقسمها الغزالي إلى: - علوم مذموم قليلها وكثيرها مثل علوم السحر والطالع والتنجيم لأنه لا يرجى نفع منها في الدنيا والآخرة. - علوم محمود قليلها وكثيرها وهي العلوم الدينية لأنها تطهر النفس وتقرب الإنسان من ربه. - علوم قليلها وكثيرها مذموم لأنها تشكك الإنسان مثل الفلسفة قد تؤدي إلى الإلحاد وهو هنا يحمل على الفلسفة التي ألف لها "تهافت الفلاسفة". ومن حيث أهمية العلوم يقرر الغزالي أنها تقسم إلى نوعين: - ما هو فرض عين على كل فرد وهي العلوم الدينية لأنها الأساس إلى معرفة الله وهي فرض على كل واحد. - ما هو فرض كفاية وهي التي ليست مفروضة على كل فرد مثل علوم الحساب والطب والصناعات. ويعتمد تقسيم علوم المنهج على نظرة الغزالي إلى أهمية العلوم. ويعتبر أن أساس معرفة العلوم يعتمد على عدة معايير أهمها: ١- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان في حياته الدينية وتقربه من الله. ٢- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان من حيث خدمتها لعلوم الدين وهي علوم النحو واللغة. ٣- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان في حياته الدنيا مثل علم الطب والحساب والطبيعة. ٤- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان من تثقيفة واستمتاعه وتدخلها في حياته

стр. 408

الاجتماعية مثل الشعر والتاريخ والسياسة. وهكذا يقسم المنهج عند الغزالي إلى: - العلوم النقلية وهي العلوم المنقولة من السلف وهي علوم القرآن والحديث. - العلوم اللسانية وهي العلوم التي تخدم أمور الدين. - العلوم العقلية بما فيها الفلسفة والتي قسمها إلى خمسة فروع هي الرياضيات والعلوم المنطقية والطبيعيات والسياسيات والخلقيات. العقل عند الغزالي: يرى الغزالي أن العقل يعجز عن الوصول إلى أحكام جازمة في الدين. لأن العقل في جوهره متناه ومن ثم لا يقدر على إدراك غير المتناهي. وقد أثر هذا التشكك الفلسفي الذي اصطنعه الغزالي في قدرة العقل على المذهب العقلي في الفلسفة. ويقول محمد إقبال في تجديد الفكر الديني في الإسلام "ص١٠" بأن هذه الدعوة التي نهض بها الغزالي تكون دعوة للتبشير بمبدأ جديد مثلها في ذلك مثل الدعوة التي قام بها الفيلسوف الألماني "كانط" في القرن الثامن عشر. وهي الدعوة التي تقوم على نقد العقل وبيان عجزه وقصوره. إلا أن هناك فارقا هاما بين الغزالي وكانط. ذلك أن كانط تمشى مع مبادئه تمشيا لم يستطع معه أن يثبت أن معرفة الله ممكنة. أما الغزالي فعندما خاب رجاؤه في الفكر التحليلي ولي وجهه شطر الرياضة الصوفية ووجد فيها مكانا للدين مستقلا عن العلم وعن الفلسفة الميتافييزيقية. وهذا يذكرنا بما قاله "برتراند راسل" أستاذ الفلسفة كما أفهمها شيء وسط بين اللاهوت أي الدين والعلم. فهي كاللاهوت تتكون من تكهنات حول أمور تكون المعرفة فيها غير يقينية. وهي في نفس الوقت كالعلم تخاطب العقل الإنساني.. فالمعرفة المحددة تنتمي إلى العلم والعقيدة تنتمي إلى الكهنوت والدين ... وبين العلم والدين والكهنوت جزيرة لا تنتمي إلى أيهما، لكنها تهاجم من كليهما.. هذه الجزيرة هي الفلسفة". "محمد منير مرسي: فلسفة التربية، ص١٤".

стр. 409

الغزالي وديكارت وكانط: الغزالي سابق لديكارت الفيلسوف الفرنسي المعروف بما يزيد عن خمسة قرون وسابق لكانط الفيلسوف الألماني المعروف الذي أشرنا إليه بما يقرب من سبعة قرون. ومن المعروف عن ديكارت أسلوبه الفلسفي الذي يقوم على الشك المنهجي للوصول إلى اليقين. وأثر عنه عبارته المشهورة في ذلك "أنا أفكر.. إذن أنا موجود" CAGITO ERGO SUM وهو الأسلوب الذي حاول الدكتور طه حسين استخدامه في دراسته المثيرة للجدل عن الأدب الجاهلي. وهناك رأي يقول بأن ديكارت تأثر في شكله المنهجي بالغزالي. كما أن كانط في دعوته التي تقوم على نقد العقل وبيان عجزه وقصوره عن إدراك الحقيقة الإلهية متأثر أيضا بالغزالي. ولهذا الرأي ما يبرره فقد كانت علوم المسلمين هي الغذاء العقلي لأوربا ومفكريها وعلمائها وجامعاتها آنذاك. وقد أشرنا في مكان آخر من هذا الكتاب إلى ما يقوله محمد إقبال في كتابه عن التجديد الديني في الإسلام إلى أن الفكر الأوربي أتى عليه حين من الدهر تلقى فيه وحي النهضة من العالم الإسلامي وأن الثقافة الأوربية في جانبها الفعلي ليست إلا إزدهارا لبعض الجوانب الهامة في ثقافة الإسلام. ومن الثابت المعروف أن كثيرين من علماء الغرب من أمثال "روجر بيكون" مدينون فيما حصلوه من العلوم للعلماء المسلمين وللجامعات الإسلامية في الأندلس. ويقول محمد إقبال إن القسم الخامس من كتاب "روجر بيكون" cepus maius الذي خصصه للبحث في البصريات هو في حقيقة الأمر نسخة من كتاب "المناظر" لابن الهيثم "٩٦٥م-١٠٣٩م" وكتاب بيكون في جملته شاهد ناطق على تأثره بابن حزم. وقد سبق أن أشرنا في هذا الكتاب إلى تأثير كثير من علماء الغرب بأفكار علماء المسلمين ومنهجهم التجريبي. المعرفة عند الغزالي: تناول الغزالي الكلام عن المعرفة ولها في نظره صفتان رئيسيتان:

стр. 410

أ- أنها نسبية: فقد ذهب الغزالي إلى القول بأن المعرفة نسبية وهي تستند إلى الأمثلة المألوفة الملموسة فيقول: هب أن نفرا من العميان لم يروا الفيل قط بل ولم يعرفوا له وصفا وفي يوم علموا بمجيء هذا الحيوان ويودون تكوين فكرة عنه، فيتحسسون هذا الحيوان. ويقع أحدهم على رجل الفيل، والآخر على نابيه، والثالث على أذنه. ثم يطلب منهم أن يصفوه فيقول أحدهم إن الفيل شبيه بالعامود ويرفض الثاني هذا الرأي ويقول مؤكدا: إن الفيل كالوتد ويذهب ثالث إلى أن الفيل كالخيمة الكبيرة. وهكذا يصف كل منهم الفيل حسب العضو أو المكان الذي لمسه، والحق بجانب كل واحد منهم لأن كلا منهم صدق في قوله ولكن غاب الكل عن علمهم وهذا صحيح بالنسبة إلى معظم المسائل التي نبحثها. ب- قال الغزالي بأنه ليس من الضروري أن تكون كل الحقائق بما يؤديها العقل فهناك من الحقائق ما يعجز عن الوصول إليها. وليس مما يخالف الصواب في نظره وجود افتراض قائل بوجود دائرة أخرى فوق دائرة العقل، وإن شئت فقل دائرة التجلي الرباني. ونحن وإن كنا نجهل سنن تلك الدائرة ونواميسها جهلا تاما فإننا نجد الكفاءة في قدرة العقل على الاعتراف بإمكاناتها. الإدراك عند الغزالي: وفي كلام الغزالي عن الإدراك يقسمه إلى إدراك حسي وإدراك معنوي أو نفسي. والإدراك الحسي يتعلق بالعالم المادي ويدرك بالحواس أما الإدراك النفسي فيتعلق بالعالم الخفي عالم الملك والملكوت. إلا أن الإدراك النفسي محدد بقيود الجسم ولذا يجب أن يتحرر منها بالتطهر الجسمي والمادي. وواضح مدى تغلب النزعة الصوفية على فكر الغزالي في هذا التفسير. الأخلاق عند الغزالي: دون الغزالي علم الأخلاق وفلسفته في كتابه إحياء علوم الدين والكتب

стр. 411

المشابهة له مثل كتاب "كيمياء السعادة" الذي ألفه باللغة الفارسية وهو لا يختلف عن كتاب "الإحياء" شكلا أو موضوعا غير أنه يختصر فيه الموضوعات التي يفصلها في الإحياء. ويقوم علم الأخلاق عند الغزالي على روح إسلامية صوفية. وقد أطلق عليه أسماء متعددة مثل علم طريق الآخرة وعلم صفات الأخلاق وأسرار معاملات الدين وأخلاق الأبرار. ويقصد به تكييف النفس إلى ما رسمته البشرية وخططه رجال المكاشفة من علماء الإسلام ومن سبقهم من الأنبياء والصديقين "زكي مبارك: ص١١٣". وعلم الأخلاق عند الغزالي علم معاملة لا مكاشفة، بمعنى أنه يبحث في الأعمال وفيما ينبغي على المرء أن يفعله ليكون سلوكه موافقا لروح الشريعة. وأمارات حسن الخلق في نظر الغزالي هي التي تتفق مع ما ورد في القرآن الكريم. وعلى الإنسان الذي يريد أن يعرف محاسن أخلاقه أن يقيس صفاته بما ورد في القرآن الكريم. وقد نظر الغزالي إلى الفضيلة على أنها حالة التوسط والاعتدال بين رذيلتين وحدين متقابلين تطبيقا للمبدأ القرآني خير الأمور الوسط فاعتدال الغضب "الشجاعة" توسطا بين التهور والجبن واعتدال الشهوة "العفة" توسطا بين الشره والجمود واعتدال العقل "الحكمة" توسطا بين الخبث والبلاهة. ومعيار الاعتدال في نظره يقوم على العقل والشرع. أمهات الفضائل: إن أمهات الفضائل عند الغزالي أربعة: - الحكمة وهي حالة للنفس يمكن بها تمييز الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية. - الشجاعة وتكون بانقياد شهوة الغضب للعقل في إقدامها وإحجامها. - العدل وهي حالة للنفس أن تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة. - العفة وتكون بتأديب قوة الشهوة بتأديب الشرع والعقل.

стр. 412

وهذا التقسيم هو نفس تقسم ابن مسكويه الذي سبق أن أشرنا إليه. وقد نقله الغزالي عنه. الوسيلة إلى الأخلاق الحسنة: إن الوسيلة إلى الأخلاق الحسنة في نظر الغزالي هي التخلق أي بتعويد النفس على الخلق الحسن وقد قسم الناس إلى أربعة أقسام: قسم يمثله الإنسان الطفل الذي لا يعرف الحق من الباطل والقبيح من الحسن وهو أكثر الأقسام قبولا للرياضة والتوجيه. ولا يحتاج إلا إلى مرشد وإلى باعث يحمله على الاتباع. - قسم يمثله الإنسان الذي يعرف القبيح من الحسن لكنه لم يتعود العمل الصالح بل زين له سوء عمله فيقدم عليه انقيادا لشهواته وإعراضا عن صواب رأيه. - قسم يمثله الإنسان الذي يرى القبيح حسنا وجميلا. ويرى الغزالي أن هذا النوع لا يرجى صلاحه إلا على الندرة. - قسم يمثله الإنسان الذي يتباهى بفساد خلقه وفساد أمره وكثرة شره. وهذا الصنف هو أصعب المراتب في مجاهدة النفس وتعويدها على الأخلاق الكريمة. ويقول الغزالي: إن كل ذي بصيرة نافذة يرى عيوبه ويسهل عليه علاجها يصلحها إذا رأى فيها اعوجاجا ويكون علاج عيوب النفس بمجاهدتها وتعويدها على فعل الضد. أي أن الرذائل تعالج بضدها، فالبخل مثلا يعالج بالسخاء والجهل والتعليم والتكبر بالتواضع وهكذا. الأخلاق قابلة للتغيير: يرى الغزالي أن الأخلاق قابلة للتغيير عن طريق رياضة النفس وتزكيتها وتهذيبها. وهو يورد رأي من قال بأن الأخلاق غير قابلة للتغيير. وحجتهم في ذلك أن الخلق صورة الباطن والخلق يجعل نفسه طويلا ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيرا ولا القبيح يقدر على تحسين صورته فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى.. وكذلك حسن الخلق.. من مقتضى المزاج والطبع. وهو يرد على هذا

стр. 413

الرأي فيقول لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال رسول الله ﷺ : "حسنوا أخلاقكم". وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد. وكل ذلك تغير للأخلاق "الإحياء: ج٣ ص٥٤". وهو يقول ما قاله ابن مسكويه من: "أن الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة. وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يقال فإن عنود الخير وعمله نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه كل معلم له مؤدب. وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له".

стр. 414

منهج الغزالي في تربية الطفل: يقدم لنا الغزالي منهجا علميا في تربية الطفل تربية إسلامية صحيحة. فبعد أن أكد أن الطفل قابل لكل نقش وصورة نصح الأب بأن يؤدب ابنه وينشئه على محاسن الأخلاق وأن يحفظه من قرناء السوء، وأوصى الأب بألا يحبب ابنه في أسباب الرفاهية حتى لا يتعود على نعيم العيش فيصعب تقويمه بعد ذلك، وعليه أن يعوده على اللباس المحتشم الوقور وأن يمنعه من النوم نهارا وتعويده الحركة والرياضة وأن يمنعه من الافتخار على العطاء لا الأخذ حتى ولو كان فقيرا وأن ينهاه عن القسم صادقا أو كاذبا تأكيدا لقول الله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ ، وأن ينهاه عن الأعمال غير المستحسنة كالبصاق والتثاؤب ولا سيما في المجالس وأن يعوده على الإقلال من الكلام إلا لحاجة وبقدر ما تتطلبه هذه الحاجة وأن يخوفه من السرقة وأكل الحرام وغيرها من الأخلاق المذمومة وأن يعوده على الصبر وأن يأذن له باللعب بعد الدرس حتى يستريح ويتجدد ذكاؤه ونشاطه ويروح عن نفسه مشقة العلم. وقد أشار إلى أن أول ما يغلب على الطفل شره الطعام، وهو في هذا يتفق مع ابن مسكويه وطالب الأب بأن يؤدبه في ذلك وأن يعوده أخذ الطعام بيمينه والبدء باسم الله والأخذ بما يليه. وأن يقبح عنده كثرة الأكل بطريق غير مباشر

стр. 415

كأن يذم الطفل الشره ويمدح المتأدب قليل الأكل. كما طالب الأب بألا يتساهل مع ابنه إذا بلغ سن التمييز في كل ما يحتاج إليه أمر الشرع. ويقدم لنا الغزالي أسلوب الثواب والعقاب لتأديب الصبي إلا أنه يرى ألا يكون العقاب لكل أمر بل من الأفضل التغاضي عن بعض الأمور إذا خجل الطفل منها وتستر لإخفائها ولا يكون العقاب علنا حتى لا يشجع الطفل على تعود الخطأ. ويجب أن يقل من العقاب حتى لا يتعود الطفل المهانة ويهون عليه سماع اللوم والتأنيب. تعليم الصبيان: يؤكد الغزالي في كلامه عن تعليم الصبيان عدة مبادئ تربوية هامة من أبرزها: البدء بالتعليم في الصغر: ينبغي أن يبدأ تعليم الصبيان من صغرهم، وقديما قالوا: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر. ويؤكد الغزالي نفس المعنى عندما يقول عن الصبي: وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش عليه. وقد ردد هذا القول كما أشرنا جون لوك بعد حوالي ١٣ قرنا من الزمان عندما ذهب إلى أن عقل الطفل صفحة بيضاء تنقشه الخبرة والتعليم، ويؤكد الغزالي أن التربية والتعليم عملية تتعاون فيها طبيعة الصبي مع بيئته. مراعاة طبيعة الصبي: يؤكد الغزالي ضرورة فهم المعلم لطبيعة الصبي، وهذا يتأتى من دراسته لنفسية الصبيان الذين يعلمهم. فهم ليسوا سواء وهذه الدراسة تساعده من ناحية أخرى على إيجاد الصلة الإنسانية بينه وبينهم. وعلى المعلم أن يتدرج في تعليم الصبي وأن يبدأ معه من السهل إلى الصعب. وفي ذلك يقول الغزالي: "إن أول واجبات المربي أن يعلم الطفل ما يسهل عليه فهمه لأن الموضوعات الصعبة تؤدي إلى ارتباكه العقلي وتنفره من العلم" "الغزالي: الإحياء ج١ ص٥٢" ويشير الغزالي إلى قضية نفسية هامة هي "أن صحة النفس تتحقق من اعتدال مزاج البدن عندما يتكامل الجسم والنفس".

стр. 416

التدرج في التعليم: إلى جانب ما أشار إليه الغزالي من التدرج في تعليم الصبي والبدء بالأشياء السهلة ثم الانتقال منها إلى ما هو أصعب، ويطالب الغزالي المعلم ألا يخوض في العلم دفعة واحدة بل يتدرج فيه مع مراعاة الترتيب ويبتدئ بالأهم، وكذلك ينبغي عليه ألا يخوض في علم إلا بعد أن يستوفي ما قبله، فالعلوم مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طريق بعض. ضرورة الترويح واللعب في تربية الولد: يشير الغزالي إلى ضرورة الترويح عن الصبي، وأشار إليه بموصوع اللعب الذي قال إن له ثلاث وظائف: - يروض الجسم الصغير ويقويه. - يدخل السرور على قلبه. - يريح الصبي من تعب الدروس. ويروح عن تعب النفس كللها ومللها. وفي بيان أهمية اللعب للطفل يقول الغزالي "وينبغي أن يعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل" وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من المكتب أن يلعب لعبا جميلا يستريح إليه من تعب العلم بحيث لا يتعب في اللعب. فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه في التعليم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه. تربية البنت: يرى الغزالي أن العلم واجب على الرجال والنساء، ولكنه لم يهتم بالحديث عن تربية البنت ولم يكتب عنها إلا النزر اليسير. المعلم في نظر الغزالي: يؤكد الغزالي أهمية الاشتغال بالتعليم ويعلي من قدر أصحابه ويعظم من شأن وخطر المسئولية الملقاة عليهم. وفي ذلك يقول الغزالي: "فمن علم وعمل بما علم فهو الذي يدعى عظيما في ملكوت السماوات فإنه كالشمس تضيء لغيرها. ومن اشتغل بالتعليم فقد تقلد أمرا عظيما وخطرا جسيما فليحفظ آدابه" "الغزالي: الإحياء ج١ ص٤٩".

стр. 417

والمعلم في نظره "متصرف في قلوب البشر ونفوسهم" وهو يمارس أشرف الصناعات بعد النبوة. وهو يعتبر أن حق المعلم بالنسبة للطفل أعظم من حق الوالدين لأن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، أما المعلم فهو سبب الحياة الباقية والمفيد للحياة الآخرة. فهو معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة، وقد أوصى المعلم بعدة أمور من أهمها: ١- الشفقة والرحمة على الصبي فهو منه بمنزلة الولد وهو ما سبق أن ذكره ابن سحنون والقابسي. ٢- ألا يزجر الصبي عما يبدو منه من سوء الخلق بطريقة الرحمة لا التوبيخ وأن يكون تأديبه بالبرهنة والتوجيه لا بالتخويف والضرب والوعيد. ٣- أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله اقتداء في ذلك بسيد البشر ﷺ حيث قال: $"نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم" وقد قيل: "كِلْ لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان فهمه". ٥- ألا يقبح في نفي المتعلم العلوم الأخرى التي يدرسها غيره كمعلم اللغة في عادته تقبيح علم الفقه ومعلم الفقه في عادته تقبيح علم الحديث والتفسير. ٦- أن يكون المعلم قدوة حسنة، وأن يطابق قوله فعله وأن يكون متحليا بالورع والتقوى لأن أعين الصبيان إليه ناظرة وآذانهم إليه مصغية فما استحسن فهو عندهم الحسن وما استقبح فهو عندهم القبيح. ٧- أن يعود الصبي على الأخلاق الكريمة فيقوم احتراما لمن هو أكبر منه كما يعوده على ألا يبصق في المجلس ولا يتمخط ولا يتثاءب. ٨- يجب ألا يرفع العلم التكليف بينه وبين التلميذ حتى لا يتجرأ عليه وحتى الكسل خلقه، وأن يبتعد به عن التدليل ويعوده الخشونة حتى لا يغلب عليه الكسل وأن يراعي التوسط والاعتدال في معاملته. ٩- أن يكون وقورا رزينا لا ثرثارا أهوج ولا يظهر أمام تلاميذه بمظهر الخامل الناعس.

стр. 418

١٠- ألا يطلب المعلم على العلم أجرا وإنما يقصد به ابتغاء وجه الله. وقد عيب على الغزالي هذا الرأي من جانب دارسي التربية الإسلامية لأنه رأي لا يتفق مع الواقع بل إنه في هذا الرأي خالف سابقيه من علماء المسلمين الذين قالوا بجواز أخذ أجر عن التعليم، بل اعتبروا ذلك ضرورة لنشر العلم بين الناس وهو ما يتضح من عرضنا السابق لآراء ابن سحنون والقابسي. والأدلة التاريخية أيضا تدحض هذا الرأي للغزالي فقد كان المعلمون يحصلون على أجر بالفعل نظير قيامهم بتعليم الصبيان. ويروي عن ابن مسعود قوله: ثلاث لا بد للناس منهم: أمير يحكم بينهم ولولاه لأكل بعضهم بعضا وشراء المصاحف وبيعها ولولاه لقل كتاب الله، ومعلم يعلم أولادهم ويأخذ على ذلك أجرا ولولا ذلك لكان الناس أميين. ويروى أيضا أن سعد بن مالك قد مر برجل من العراق يعلم أبناءهم الكتاب بالمدينة ويعطونه الأجر. ويروي عن مالك قوله: لا بأس بما يأخذ العلم على تعليم القرآن وإن اشترط شيئا كان حلالا جائزا ولا بأس بالاشترط في ذلك. وهذه كلها أمثلة تؤكد استحقاق المعلم للأجر على اشتغاله بالتعليم. ولعل الغزالي متأثر في هذا الرأي بما ورد لدى أفلاطون الذي كان يؤمن بنفس الرأي وعاب على السفسطائيين في عصره أنهم يأخذون أجرا على التعليم. وقد انتقد آخرون هذا الرأي لأفلاطون واعتبر رأيا مثاليا لا يتفق مع واقع المجتمع ولا واقع الاشتغال بالتعليم كمهنة. الغريب أن الغزالي نفسه أباح أخذ الأجر لمعلم العلوم غير الدينية مثل الحساب والطب فكيف يحرمه على الآخرين. كما أننا في كلامنا السابق عن أجر المعلم أشرنا إلى قول الغزالي بأن يأخذ المعلم ما يكفيه ليفرغ قلبه عن المعيشة وليتجرد لنشر العلم فيكون مقصوده نشر العلم وثواب الآخرة ويأخذ الرزق بكلفة وميسرة للمقصود أي مساعدة له على العيش والحياة. وقد شرحنا هناك السبب في اختلاف الرأيين. وأرجعناه إلى أن تحريم أخذ العلم للأجر يقصد به الأجر من المتعلمين أما أخذ الأجر كمهنة من أولي الأمر فلا حرج فيه.

стр. 419

ابن تيمية وآراؤه التربوية مقدمة ... ٦- ابن تيمية وآراؤه التربوية: ٦٦١-٧٢٨هـ، ١٢٦٣-١٣٢٨م مقدمة: اسمه الكامل هو أحمد تقي الدين أبو العباس بن الشيخ شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني. وترجع نسبته الحراني إلى حران التي ولد بها يوم الاثنين العاشر من شهر ربيع الأول سنة ٦٦١هـ ١٢٦٣م وقليل من المؤرخين يذكر أنه ولد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول. ولعلهم -كما يقول الشيخ محمد أبو زهرة- يريدون أن يقولوا إنه ولد في اليوم الذي ولد في الرسول ﷺ لأنه سيحيي شريعته. "محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص١٧" وكانت مدينة حران التي ولد بها مهدا للفلسفة والفلاسفة والصابئة والصابئين من أقدم عصور الإسلام. كما كانت مركزا من مراكز الثقافة اليونانية في بعض العصور وكانت مركزا مهما للتبادل والاتصال الفكري والثقافي. ولكن ابن تيمية لم يعش بهذه المدينة طويلا إذ تركها عام ٦٦٧هـ إلى دمشق وعمره سبع سنوات مع أسرته فرارا من غزو التتار أو المغول، أما تسميته بابن تيمية فقد اختلف العلماء فيها. فقيل إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء فرأى هناك طفله اسمها تيمية وعندما رجع وجد امرأته قد ولدت بنتا فسماها تيمية. وقيل إن جده محمدا كانت أمه واعظة وكان اسمها تيمية فنسبت الأسرة إليها وعرفت بها. وقد عاش ابن تيمية حوالي سبعة وستين عاما منها السبع سنوات الأولى في مسقط رأسه حران وأكثر من سبع سنوات أخرى من ٧٠٥-٧١٢هـ في القاهرة ومعظم سنوات عمره قضاها في دمشق. وكانت وقتها مجمع العلماء ومركزا هاما من مراكز الثقافة العربية الإسلامية إلى جانب القاهرة. سار ابن تيمية إلى مصر عام ٧٠٥هـ قادما من دمشق. وكان قد عرف

стр. 420

فضل مصر على الإسلام لا سيما في صد حملات التتار وإجلائهم عن دمشق. ومع أن ابن تيمية ولد بعد حوادث الصليبيين والتتار ولم يشهد إلا أنه وحد آثارها وسمع عنها ممن عاشوها وشاهدوها. وعندما وصل إلى القاهرة استطاع أعداؤه وخصومه أن يكيدوا له كيدا حتى انتهى الأمر بسجنه في مصر في رمضان من نفس السنة. وامتد الأذى إلى الحنابلة الذين ينتمي إليهم وحصل لهم بالديار المصرية كما يقول ابن كثير في تاريخه إهانة عظيمة كثيرة. وقد مكث في السجن نحو سنة ونصف وخرج منه في ٢٣ من ربيع الأول عام ٧٠٧هـ. وهكذا كانت إقامته بمصر بين نعمة ونقمة. ثم غادر مصر إلى دمشق في مستهل ذي القعدة سنة ٧١٢هـ حيث واصل اشتغاله بالعلم وتصنيف الكتب وإفتاء الناس بالكلام والكتابة والاجتهاد في الأحكام الشرعية. وتعرض هناك أيضا للسجن والتعذيب حتى وفاته بسجن القلعة بدمشق عام ٧٢٨هـ. وابن تيمية فقيه سلفي حنبلي المذهب مجتهد وليس مقلدا. وكان محمد بن عبد الوهاب من المعتنقين لآرائه ومبادئه وعمل على نشرها في الجزيرة العربية في القرن ١٩ في ظل دعوة المشهورة "بالوهابية". والدعوة الوهابية هي دعوة تجديدية سلفية تترسم خطي ابن تيمية والسلف الصالح. وقد عبر عن ذلك الملك عبد العزيز في خطبة له بقوله: "يسموننا بالوهابيين ويسمون مذهبنا بالوهابي باعتبار أنه مذهب خاص. وهذا خطأ فاحش نشأ عن الدعاية الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض. نحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة. ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله وما عليه السلف الصالح. نحن نحترم الأئمة الأربعة ولا فرق بين الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأبي حنفية. كلهم محترمون في نظرنا "انظر كتاب خير الدين الزركلي: الوجيزة في سيرة الملك عبد العزيز، دار العلم للملايين. بيروت". ويتلخص هدف الدعوة السلفية في تطهير العقيدة الإسلامية من شوائب البدع والخرافات والشعوذة والعودة بها إلى منابعها الإسلامية الأصيلة وهي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وما درج عليه الصحابة والسلف الصالح.

стр. 421

كما تهدف أيضا إلى التربية الصحيحة للشخصية الإسلامية، وفتح الذهن البشري لقبول كل جديد في ميادين العلوم بما يتفق مع أصول ديننا الإسلامي الحنيف. كان لابن تيمية شخصية متميزة وفكر متميز من صغره. ويقول الذهبي إنه في سن السابعة عشرة كان أهلا للإفتاء. وقد شغل منصب أبيه في التدريس وهو في سن الحادية والعشرين. وكان نادرة زمانة ذكاء وألمعية وعلما وحفظا ورواية وتفقها في علوم الدين. لقد امتدت اطلاعات ابن تيمية إلى جميع العصور التاريخية السابقة له تقريبا. بيد أنه كان يفضل عصورا على غيرها منها عصور الخلفاء الراشدين والسلاجقة وصلاح الدين ونور الدين ولم يخف إعجابه بهم وكم تمنى خلود تقاليدهم السياسية "هنري لاوست: ٢٦٠". وامتلأ ابن تيمية في شبابه حماسة بانتصارات الإسلام على الفرنجة والصليبيين. كانت ثقافة ابن تيمية عربية إسلامية خالصة. واستطاع أن يستوعب جميع جوانب الثقافة الإسلامية المعروفة في عصره. وتعمق في دراسة المعارف القرآنية وعلوم الحديث والتوحيد. وكان للقرآن الكريم تأثير كبير على فكره وشغل طوال حياته كلها بتفسيره تفسيرا شاملا. وللقرآن هو في الواقع الأساس لكل آرائه الدينية والتربوية. يقول الدكتور مصطفى حلمي: "إن أبرز معالم شخصية ابن تيمية هو المدافع عن الإسلام في دائرة العقيدة والفقه، الحاذق للحديث، الخائض في صراع دائم مع المتكلمين والفلاسفة والصوفية والفقهاء لبيان مواضع الخطأ والصواب في أفكارهم ونظرياتهم "المرجع السابق: ١٢٤". وقال العمري في ابن تيمية: هو نادرة العصر، وهو البحر من أي من النواحي أتيته. وهو البدر من أي الضواحي أتيته. قطع الليل والنهار دائبين. واتخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن أسر السلف بهداه، ونأى الخلف عن بلوغ مداه. جاء في عصر مأهول بالعلماء، مشحون بنجوم السماء، إلا أن شمسه طمست تلك النجوم، وبحره غرق تلك العلوم. ترد إليه الفتاوى فلا يردها، وتغدو عليه من كل وجه فيجيب عنها بأجوبة كأنه كان قاعدا لها يعدها. تقدم راكبا منهم إماما ولولاه ما ركبوا وراءه" "ابن تيمية: ١٩٨٨: ص٥".

стр. 422

أسرته: ينتمي ابن تيمية إلى أسرة عريقة من الفقهاء الذين كان لهم تأثير كبير على تكوين شخصيته فكان جده مجد الدين عالما جليلا من أئمة الفقة الحنبلي وله كتابات قيمة في أصول وقد رحل إلى البلاد في سبيل العلم ودرس وأفتى "محمد أبو زهرة: ابن تيمية: ص١٩-٢٠". وكان والده عبد الحليم قد ولد بحران سنة ٧٢٧هـ وتعهده أبوه بالعلم ولما مات أبوه أصبح شيخ حران وخطيبها وحكيمها إلى أن غادرها إلى دمشق فرارا من التتار كما كان عمه فخر الدين عالما وخطيبا وواعظا وجمع تفسيرا للقرآن في مجلدات ضخمة. ويقول هنري لاوست: "إن العادة جرت على أن يعهد بالتربية الإسلامية التقليدية إلى سلطة شرعية متخصصة في الأسرة كالأب أو العم مما أسهم في تكوين سلالات من العلماء الأمجاد وفي ضمان استقرار التطور الثقافي الإسلامي" "هنر لاوست ص٢٠٤". ويقول الشيخ محمد أبو زهرة "إن أسرة ابن تيمية حنبلية كلها وأنه تلقى الفقه الحنبلي عن أبيه واشترك في كتاب عن الفقه الحنبلي ابتدأه جده وعمل فيه أبوه وأتمه هو. ولذلك يعده أكثر العلماء فقيها حنبليا خالصا وإن كانت له اجتهاداته الخاصة التي انفرد بها وخالف فيها الحنابلة. ولكن على الرغم من نزعته الحنبلية فإنه كان يعتبر مذهب أحمد بن مالك أمثل المذاهب الإسلامية وأقربها إلى السنة. وفي ذلك يقول: "كان أحمد أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان". وهو يقدر الأئمة من ناحية منازلهم الفقهية أبلغ تقدير. لكنه يوصي الفقيه المحقق ألا يلتزم مذهبا معينا إذا وجد الحق في غيره. بل عليه أن يترك المذاهب كلها إذا وجد حديثا يخالفها "محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٣٥٢-٣٥٤". ولعل هذا هو الذي دفع الدكتور مصطفى حلمي إلى معارضة المستشرق الفرنسي هنري لاوست في كتابه عن ابن تيمية عندما ذهب إلى القول بأن ابن تيمية فقيه حنبلي. إذ يقول في تعليقه إن ابن تيمية لم يكن حنبليا بالمعنى المذهبي المعروف. بل كان مجتهدا وله اجتهاداته الخاصة التي ربما خالف بها المذهب الحنبلي "هنري لاوست: ١٢٢". ويكرر الشيخ محمد أبو زهرة القول بأن ابن تيمية حنبلي النشأة والمذهب والطريقة الفقهية في الجملة ونصب نفسه للدفاع عن طريقة الحنابلة "محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٥٢".

стр. 423

عصره: عاش ابن تيمية في النصف الثاني من القرن السابع الهجري والنصف الأول من القرن الثامن الهجري. وكانت هذه الفترة من تاريخ الأمة الإسلامية التي عاشها ابن تيمية فترة تفكك وانقسام للدولة الإسلامية إلى ممالك ودويلات صغيرة يحكمها أمراء من العجم لا يخضعون لسلطان الخليفة في بغداد. ويقول المقريزي في "تاريخ السلاطين": كانت تربية الأمراء "الأتراك والمماليك" عسكرية بحته وكان إلمامهم باللغة العربية ضئيلا وعلمهم بالإسلام ضحلا وكانت لغتهم هي اللغة التركية واقتصرت معلوماتهم عن الإسلام عن المبادئ الأولية التي لقنهم إياها فقهاء معينون لهذا الغرض. والسلاطين الذين عاصرهم ابن تيمية هم: بيبرس ٦٥٨-٦٧٦هـ وبركة خان "٦٧٦-٦٧٨هـ" وشلامش ٦٧٨هـ وقلاون "٦٧٨-٦٨٩هـ" وخليل بن قلاون "٦٨٩-٦٩٣هـ" ومحمد بن قلاون "٦٩٣-٦٩٤هـ" وكنيفا "٦٩٤-٦٩٦هـ" ولاجين "٦٩٦-٦٩٨" ومحمد بن قلاون "٦٩٨-٧٠٨هـ" وبيبرس الثاني "٧٠٨-٧٠٩هـ" ومحمد بن قلاون "٧٠٩-٧٤١هـ" ومن الخلفاء عاصر ابن تيمية خليفتين هما الحاكم "٦٦١-٧٠١هـ" والمستكفي الثاني "٧٠١-٧٤٠هـ". ومن المعروف أن الخلافة قد سقطت في بغداد عام ٦٥٦ بعد غزو التتار لها واستيلائهم عليها وتدميرها وتخريبها. وانتقلت الخلافة إلى مصر واستولى التتار على دمشق سنة ٦٥٨هـ وهدوا مصر. ولكن الله قد

стр. 424

مكن مصر من صد التتار واستطاع رجالها أن يوقفوا زحفهم بل وأجلوهم عن دمشق وغيرها من المدن السورية تحت قيادة الظاهر بيبرس وقبله قطز من حكام المماليك. ويقول الشيخ محمد أبو زهرة إن مصر أنقذت العالم من شر التتار بدمها ومالها فكانت حقا كنانة الله في أرضه من أرادها بسوء قصم الله ظهره "محمد أبو زهرة: ابن تيمية ١٣٧". وخلال هذه الفترة خيم الضعف على المسلمين وعجزوا عن مقاومة أعدائهم الصلبيين والتتار. كما خيم على الحياة الثقافية الركود والجمود نضوب معين الفكر فقفل باب الاجتهاد وشاعت الخرافات والبدع والشعوذة والغش في المعاملات وانتشرت الفاقة وعم الفقر وأهملت الفرائض والعبادات كالصلاة وحل محلها الأوراد والأذكار "هنري لاوست: ٢٠٢". ومن المعروف أن ابن تيمية عاش في دمشق والقاهرة في ظل حكم المماليك الذي تميز نظام حكمهم بالسيطرة والاستقلال والتخلف. ولذلك تعتبر آراء وأفكار ابن تيمية الدينية والسياسية بمثابة رد فعل واحتجاج على هذه الأوضاع فقد حرص على أن يستبدل نظام الحكم الذي يقوم على الاستقلال الاجتماعي من جانب أقلية عسكرية بمبدأ أسمى للتعاون الجماعي الذي يحقق للإسلام مجده الغابر "المرجع السابق ص٢٠٣". يقول الشيخ محمد أبو زهرة "١٩٧٧: ٢٠٨" كان عصر ابن تيمية يموج بالاضطراب السياسي والمنازعات الحربية. كما كان يسوده التقليد والاتباع في عامة أبواب العلم. وكان الحنابلة الذين انتمى إليهم يخالفون الجمهور في استمساكه بآراء الأشاعرة فكان لذلك نزاع. وكان التصوف يسيطر على العامة في مصر والشام. فجرد ابن تيمية عليه سيف الدليل وناقشه الحساب. وكان الشيعة يتغلغلون في الربوع الإسلامية يبثون فيها أقوالا مخالفة لما تقرر لدى السلف. وقد تصدى ابن تيمية لهم وبين ما في آرائهم من فساد. لم يكن تلقي العلم في عصر ابن تيمية من أفواه الرجال فقط كما كان الحال في عصر أبي حنيفة ومالك. بل كان تلقيه كما هو في عصر تدوين العلم الكتب يدرسها طالب العلم ويفحصها وينقب فيها ويمعن النظر فما حوته إلى

стр. 425

جانب الرجال أيضا يوجهون ويلقنون ويتخرج العالم عليهم. "محمد أبو زهرة: ١١١". وكان ابن تيمية إلى جانب تلقيه العلم عن أبيه وعمه قد تتلمذ على يد شيوخ وفقهاء كثيرين يزيد عددهم في تقدير بعض المؤرخين عن مائتين. منهم الجبائي وأبو القاسم الإسكافي وإسحاق الإسقراييني وابن الجوزي خطيب بغداد وواعظها. وقد تابع تعليمه في مدارس القرآن والحديث والفقه بدمشق. وتخرج في المدارس الحنبلية فقد كان للحنابلة مدارس خاصة بهم مثل المدرسة الجوزية والمدرسة السكرية والمدرسة العمرية "محمد أبو زهرة: ابن تيمية ٢٦". ويقول الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي في مقدمته لتفسير سورة الإخلاص لابن تيمية، إن ابن تيمية درس في المدرسة السكرية بدمشق وتخرج منها كما تخرج والده من قبل. "ابن تيمية: ص٤". وقد ربى ابن تيمية نفسه تربية عالية فتعلم العلوم الرائجة في عصره ولم يترك بابا من أبواب العلم إلا اتقنه. وقد قال فيه أحد معاصريه "قد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد". "المرجع السابق: ٢٨". وقد بلغ من سعة اطلاع ابن تيمية في التفسير أنه كما يقول هو عن نفسه ربما طالعت على الآية الواحدة مائة تفسير ثم أسأل الله الفهم، وأقول يا معلم آدم وإبراهيم علمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأفرغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلم إبراهيم علمني "المرجع السابق: ص٦". ودرس الفقه والحديث على أكبر شيوخه ودرس علوم اللغة كلها على يد شيوخها حتى وصل إلى درجة مكنته من نقد سيبويه إمام النحاة القدماء أمام أبي حيان كبير النحاة في عصره. وكان اهتمامه بدراسة فقه اللغة العربية لأهميته في تفسير نصوص القرآن الكريم والحديث تفسيرا صحيحا. كما درس العلوم العقلية على يد ذوي المهارة فيها. فدرس المنطق وعلم الكلام دراسة فاحصة. ولقد درس ابن تيمية المؤلفات الرئيسية التي صنفها علماء العقيدة
следующие страницы →