← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7436

التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية

محمد منير مرسي

Полный текст (538 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

كما تهدف أيضا إلى التربية الصحيحة للشخصية الإسلامية، وفتح الذهن البشري لقبول كل جديد في ميادين العلوم بما يتفق مع أصول ديننا الإسلامي الحنيف. كان لابن تيمية شخصية متميزة وفكر متميز من صغره. ويقول الذهبي إنه في سن السابعة عشرة كان أهلا للإفتاء. وقد شغل منصب أبيه في التدريس وهو في سن الحادية والعشرين. وكان نادرة زمانة ذكاء وألمعية وعلما وحفظا ورواية وتفقها في علوم الدين. لقد امتدت اطلاعات ابن تيمية إلى جميع العصور التاريخية السابقة له تقريبا. بيد أنه كان يفضل عصورا على غيرها منها عصور الخلفاء الراشدين والسلاجقة وصلاح الدين ونور الدين ولم يخف إعجابه بهم وكم تمنى خلود تقاليدهم السياسية "هنري لاوست: ٢٦٠". وامتلأ ابن تيمية في شبابه حماسة بانتصارات الإسلام على الفرنجة والصليبيين. كانت ثقافة ابن تيمية عربية إسلامية خالصة. واستطاع أن يستوعب جميع جوانب الثقافة الإسلامية المعروفة في عصره. وتعمق في دراسة المعارف القرآنية وعلوم الحديث والتوحيد. وكان للقرآن الكريم تأثير كبير على فكره وشغل طوال حياته كلها بتفسيره تفسيرا شاملا. وللقرآن هو في الواقع الأساس لكل آرائه الدينية والتربوية. يقول الدكتور مصطفى حلمي: "إن أبرز معالم شخصية ابن تيمية هو المدافع عن الإسلام في دائرة العقيدة والفقه، الحاذق للحديث، الخائض في صراع دائم مع المتكلمين والفلاسفة والصوفية والفقهاء لبيان مواضع الخطأ والصواب في أفكارهم ونظرياتهم "المرجع السابق: ١٢٤". وقال العمري في ابن تيمية: هو نادرة العصر، وهو البحر من أي من النواحي أتيته. وهو البدر من أي الضواحي أتيته. قطع الليل والنهار دائبين. واتخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن أسر السلف بهداه، ونأى الخلف عن بلوغ مداه. جاء في عصر مأهول بالعلماء، مشحون بنجوم السماء، إلا أن شمسه طمست تلك النجوم، وبحره غرق تلك العلوم. ترد إليه الفتاوى فلا يردها، وتغدو عليه من كل وجه فيجيب عنها بأجوبة كأنه كان قاعدا لها يعدها. تقدم راكبا منهم إماما ولولاه ما ركبوا وراءه" "ابن تيمية: ١٩٨٨: ص٥".

стр. 422

أسرته: ينتمي ابن تيمية إلى أسرة عريقة من الفقهاء الذين كان لهم تأثير كبير على تكوين شخصيته فكان جده مجد الدين عالما جليلا من أئمة الفقة الحنبلي وله كتابات قيمة في أصول وقد رحل إلى البلاد في سبيل العلم ودرس وأفتى "محمد أبو زهرة: ابن تيمية: ص١٩-٢٠". وكان والده عبد الحليم قد ولد بحران سنة ٧٢٧هـ وتعهده أبوه بالعلم ولما مات أبوه أصبح شيخ حران وخطيبها وحكيمها إلى أن غادرها إلى دمشق فرارا من التتار كما كان عمه فخر الدين عالما وخطيبا وواعظا وجمع تفسيرا للقرآن في مجلدات ضخمة. ويقول هنري لاوست: "إن العادة جرت على أن يعهد بالتربية الإسلامية التقليدية إلى سلطة شرعية متخصصة في الأسرة كالأب أو العم مما أسهم في تكوين سلالات من العلماء الأمجاد وفي ضمان استقرار التطور الثقافي الإسلامي" "هنر لاوست ص٢٠٤". ويقول الشيخ محمد أبو زهرة "إن أسرة ابن تيمية حنبلية كلها وأنه تلقى الفقه الحنبلي عن أبيه واشترك في كتاب عن الفقه الحنبلي ابتدأه جده وعمل فيه أبوه وأتمه هو. ولذلك يعده أكثر العلماء فقيها حنبليا خالصا وإن كانت له اجتهاداته الخاصة التي انفرد بها وخالف فيها الحنابلة. ولكن على الرغم من نزعته الحنبلية فإنه كان يعتبر مذهب أحمد بن مالك أمثل المذاهب الإسلامية وأقربها إلى السنة. وفي ذلك يقول: "كان أحمد أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان". وهو يقدر الأئمة من ناحية منازلهم الفقهية أبلغ تقدير. لكنه يوصي الفقيه المحقق ألا يلتزم مذهبا معينا إذا وجد الحق في غيره. بل عليه أن يترك المذاهب كلها إذا وجد حديثا يخالفها "محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٣٥٢-٣٥٤". ولعل هذا هو الذي دفع الدكتور مصطفى حلمي إلى معارضة المستشرق الفرنسي هنري لاوست في كتابه عن ابن تيمية عندما ذهب إلى القول بأن ابن تيمية فقيه حنبلي. إذ يقول في تعليقه إن ابن تيمية لم يكن حنبليا بالمعنى المذهبي المعروف. بل كان مجتهدا وله اجتهاداته الخاصة التي ربما خالف بها المذهب الحنبلي "هنري لاوست: ١٢٢". ويكرر الشيخ محمد أبو زهرة القول بأن ابن تيمية حنبلي النشأة والمذهب والطريقة الفقهية في الجملة ونصب نفسه للدفاع عن طريقة الحنابلة "محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٥٢".

стр. 423

عصره: عاش ابن تيمية في النصف الثاني من القرن السابع الهجري والنصف الأول من القرن الثامن الهجري. وكانت هذه الفترة من تاريخ الأمة الإسلامية التي عاشها ابن تيمية فترة تفكك وانقسام للدولة الإسلامية إلى ممالك ودويلات صغيرة يحكمها أمراء من العجم لا يخضعون لسلطان الخليفة في بغداد. ويقول المقريزي في "تاريخ السلاطين": كانت تربية الأمراء "الأتراك والمماليك" عسكرية بحته وكان إلمامهم باللغة العربية ضئيلا وعلمهم بالإسلام ضحلا وكانت لغتهم هي اللغة التركية واقتصرت معلوماتهم عن الإسلام عن المبادئ الأولية التي لقنهم إياها فقهاء معينون لهذا الغرض. والسلاطين الذين عاصرهم ابن تيمية هم: بيبرس ٦٥٨-٦٧٦هـ وبركة خان "٦٧٦-٦٧٨هـ" وشلامش ٦٧٨هـ وقلاون "٦٧٨-٦٨٩هـ" وخليل بن قلاون "٦٨٩-٦٩٣هـ" ومحمد بن قلاون "٦٩٣-٦٩٤هـ" وكنيفا "٦٩٤-٦٩٦هـ" ولاجين "٦٩٦-٦٩٨" ومحمد بن قلاون "٦٩٨-٧٠٨هـ" وبيبرس الثاني "٧٠٨-٧٠٩هـ" ومحمد بن قلاون "٧٠٩-٧٤١هـ" ومن الخلفاء عاصر ابن تيمية خليفتين هما الحاكم "٦٦١-٧٠١هـ" والمستكفي الثاني "٧٠١-٧٤٠هـ". ومن المعروف أن الخلافة قد سقطت في بغداد عام ٦٥٦ بعد غزو التتار لها واستيلائهم عليها وتدميرها وتخريبها. وانتقلت الخلافة إلى مصر واستولى التتار على دمشق سنة ٦٥٨هـ وهدوا مصر. ولكن الله قد

стр. 424

مكن مصر من صد التتار واستطاع رجالها أن يوقفوا زحفهم بل وأجلوهم عن دمشق وغيرها من المدن السورية تحت قيادة الظاهر بيبرس وقبله قطز من حكام المماليك. ويقول الشيخ محمد أبو زهرة إن مصر أنقذت العالم من شر التتار بدمها ومالها فكانت حقا كنانة الله في أرضه من أرادها بسوء قصم الله ظهره "محمد أبو زهرة: ابن تيمية ١٣٧". وخلال هذه الفترة خيم الضعف على المسلمين وعجزوا عن مقاومة أعدائهم الصلبيين والتتار. كما خيم على الحياة الثقافية الركود والجمود نضوب معين الفكر فقفل باب الاجتهاد وشاعت الخرافات والبدع والشعوذة والغش في المعاملات وانتشرت الفاقة وعم الفقر وأهملت الفرائض والعبادات كالصلاة وحل محلها الأوراد والأذكار "هنري لاوست: ٢٠٢". ومن المعروف أن ابن تيمية عاش في دمشق والقاهرة في ظل حكم المماليك الذي تميز نظام حكمهم بالسيطرة والاستقلال والتخلف. ولذلك تعتبر آراء وأفكار ابن تيمية الدينية والسياسية بمثابة رد فعل واحتجاج على هذه الأوضاع فقد حرص على أن يستبدل نظام الحكم الذي يقوم على الاستقلال الاجتماعي من جانب أقلية عسكرية بمبدأ أسمى للتعاون الجماعي الذي يحقق للإسلام مجده الغابر "المرجع السابق ص٢٠٣". يقول الشيخ محمد أبو زهرة "١٩٧٧: ٢٠٨" كان عصر ابن تيمية يموج بالاضطراب السياسي والمنازعات الحربية. كما كان يسوده التقليد والاتباع في عامة أبواب العلم. وكان الحنابلة الذين انتمى إليهم يخالفون الجمهور في استمساكه بآراء الأشاعرة فكان لذلك نزاع. وكان التصوف يسيطر على العامة في مصر والشام. فجرد ابن تيمية عليه سيف الدليل وناقشه الحساب. وكان الشيعة يتغلغلون في الربوع الإسلامية يبثون فيها أقوالا مخالفة لما تقرر لدى السلف. وقد تصدى ابن تيمية لهم وبين ما في آرائهم من فساد. لم يكن تلقي العلم في عصر ابن تيمية من أفواه الرجال فقط كما كان الحال في عصر أبي حنيفة ومالك. بل كان تلقيه كما هو في عصر تدوين العلم الكتب يدرسها طالب العلم ويفحصها وينقب فيها ويمعن النظر فما حوته إلى

стр. 425

جانب الرجال أيضا يوجهون ويلقنون ويتخرج العالم عليهم. "محمد أبو زهرة: ١١١". وكان ابن تيمية إلى جانب تلقيه العلم عن أبيه وعمه قد تتلمذ على يد شيوخ وفقهاء كثيرين يزيد عددهم في تقدير بعض المؤرخين عن مائتين. منهم الجبائي وأبو القاسم الإسكافي وإسحاق الإسقراييني وابن الجوزي خطيب بغداد وواعظها. وقد تابع تعليمه في مدارس القرآن والحديث والفقه بدمشق. وتخرج في المدارس الحنبلية فقد كان للحنابلة مدارس خاصة بهم مثل المدرسة الجوزية والمدرسة السكرية والمدرسة العمرية "محمد أبو زهرة: ابن تيمية ٢٦". ويقول الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي في مقدمته لتفسير سورة الإخلاص لابن تيمية، إن ابن تيمية درس في المدرسة السكرية بدمشق وتخرج منها كما تخرج والده من قبل. "ابن تيمية: ص٤". وقد ربى ابن تيمية نفسه تربية عالية فتعلم العلوم الرائجة في عصره ولم يترك بابا من أبواب العلم إلا اتقنه. وقد قال فيه أحد معاصريه "قد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد". "المرجع السابق: ٢٨". وقد بلغ من سعة اطلاع ابن تيمية في التفسير أنه كما يقول هو عن نفسه ربما طالعت على الآية الواحدة مائة تفسير ثم أسأل الله الفهم، وأقول يا معلم آدم وإبراهيم علمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأفرغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلم إبراهيم علمني "المرجع السابق: ص٦". ودرس الفقه والحديث على أكبر شيوخه ودرس علوم اللغة كلها على يد شيوخها حتى وصل إلى درجة مكنته من نقد سيبويه إمام النحاة القدماء أمام أبي حيان كبير النحاة في عصره. وكان اهتمامه بدراسة فقه اللغة العربية لأهميته في تفسير نصوص القرآن الكريم والحديث تفسيرا صحيحا. كما درس العلوم العقلية على يد ذوي المهارة فيها. فدرس المنطق وعلم الكلام دراسة فاحصة. ولقد درس ابن تيمية المؤلفات الرئيسية التي صنفها علماء العقيدة

стр. 426

السنيون منها "المقالات" للأشعري وكتاب "الفصل في الملل والنحل" لابن حزم وكتاب الشهرستاني عن الملل والنحل أيضا. وقد استأثرت نظريات الأشاعرة باهتمام ابن تيمية لأنها كانت سائدة ويعتنقها الغالبية. وكان موقفة من أبي الحسين الأشعري يتسم بالاحترام والتقدير وذلك لموافقته مذهب السنة والحديث في صفات الله تعالى والقدر والإمامة وفضائل والصحابة والشفاعة والصراط والميزان ولما له من ردود على المعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية وبيان تناقضهم "هنري لاوست: ٢١٦". كما درس ابن تيمية الأصول الفلسفية التي بنت عليها الفرق الإسلامية المنحرفة مذاهبها ومناهجها أو حاولت أن تستعين بها لتأييد انحرافها. درس ذلك كله. ثم تقدم للميدان مناظرا بالقول. فأرهفت المناظرة قواه وزادته إيمانا بقضاياه فإن المناظرة تنير السبيل في فكر المناظر. وقد تهديه إلى حقائق لما كان ليهتدي إليها وهو في هدأة التفكير والتجرد النفسي. فإن احتكاك الأفكار المتضاربة يؤلق بينها برقا منيرا "محمد أبو زهرة: ١٢١" وفي هذا درس مستفاد لنا ولأبنائنا مفاده أنه لكي نحمي عقيدتنا من أعدائها ينبغي عليها أن ندرس فكرهم وثقافتهم حتى نستطيع أن نرد عليها. وإذا كان قد ورد في الأثر "من تعلم لغة قوم أمن شرهم" فإن اللغة هي الوعاء الثقافي لأي أمة أو جماعة ومن هنا فإن دراسة ثقافة هذه الجماعة إذا كانت مغرضة ضد الإسلام تكون واجبة لحماية عقيدتنا والدفاع عنها. وينبغي أن نشير هنا إلى أن ابن تيمية كان على معرفة باللغة العبرية وفي ذلك يقول ابن تيمية، والألفاظ العبرية تقارب العربية بعض المقاربة كما تتقارب الأسماء في الاشتقاق الأكبر. وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب حتى صرت أفهم كثيرا من كلامهم العبري بمجرد المعرفة العربية "مجموع الفتاوى ج٤ ص١١٠. الرياض ١٣٨١هـ". ونجد في مؤلفات ابن تيمية إشارات إلى الغزالي وكان يقدر عاليا أهمية إنتاجه الضخم ومقدار فضله عليه. وكان يشير كثيرا إلى ما ورد في كتب

стр. 427

الغزالي ومنها "الإحياء" و"كيمياء السعادة" و"المستظهر" و"المقاصد" و"المستصفى" و"الرد على الباطنية". ومع ذلك فقد وجه ابن تيمية انتقادات عديدة للغزالي رغم أنه يسميه بحق أستاذنا ويبدي إعجابه بما جاء في نظرياته من الأمور الحسنة والكثير من القيم السامية والقيم الأخلاقية منقطعة النظير. يدين ابن تيمية بكثير للإمام الشافعي أيضا وهو يشير إلى كتاب "الأم" وأحيانا إلى سنته وإلى كتاباته الجدلية ... وكان يمجده بوصفه مؤسسا لعلم أصول الفقه "هنري لاوست: ٢٥٦-٢٥٧". لقد كان ابن تيمية مضرب المثل في غزارة العلم وسعة الاطلاع. وكان أول ثلاثة قال فيهم الشاعر: ثلاثة ليس لهم رابع ... في العلم والتحقيق والنسك وهم إذا شئت ابن تيمية ... وابن دقيق العيد والسبكي "محمد خليل هراس: ١٨٥". الفتوى الحموية الكبرى. حقق ابن تيمية شهرة مدوية في الحياة السياسية من خلال قضية تتعلق بالعقيدة. فقد طلب إليه أهل حماة سنة ٦٩٨هـ ١٢٩٨م إبان إقامته في سوريا فتوى شرعية يبين لهم فيها صفات الله وطبيعتها وأوفق طريقة لفهم العلاقة بين الذات والصفات ... وفي ربيع الأول من عام ٦٩٨هـ عكف ابن تيمية في عصر يوم واحد كما يقول كتاب سيرته على كتابه إجابة مطولة في ست ورقات من الحجم المتوسط خلدت بعد ذلك في التاريخ باسم "العقيدة الحموية الكبرى" ... وكانت كتابة مثل هذه المؤلفات التعليمية بواسطة الأفراد عادة قديمة في الإسلام استلزم ظهورها عدم وجود سلطة مختصة بتحديد العقيدة الرسمية في الدولة مما

стр. 428

حدا بكل عالم أن يحدد جوهر عقيدته. "هنري لاوست: ٢٧٠" وكان لهذا الفتوى دوي هائل وأثارت موجة من الاحتجاجات من معارضيه واضطهد بسببها. اختصام الناس فيه: اختصم الناس في ابن تيمية واشتد اختلافهم حوله. بل لعل تاريخ الإسلام في عصوره الوسطى والأخيرة لم يشهد شخصية اختلف الناس اختلافهم في ابن تيمية أو كان لها من كثرة الخصوم والأنصار ما كان له. فهو -كما يقول محمد خليل هراس "ص٧"- في نظر فريق من الناس شيخ الإسلام وقدوة الأنام وأحد المجددين للدين وزعيم النهضة الإسلامية الحديثة. قمع البدعة وأظهر السنة ورجع بالناس إلى طريقة السلف الأول من الصحابة والتابعين ... وهو في نظر فريق آخر من المسلمين ضال مضل وكافر ملحد يشبه الله بخلقه ويصفه بأنه مستوٍ على عرشه وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يتكلم بحرف وصوت. كما اختصموا في كونه فقيها حنبليا وهو ما أشرنا إليه في مكان آخر. ويؤكد الشيخ محمد أبو زهرة هذا المعنى الخلافي حول شخصيته فيقول: "إن ابن تيمية في محاولته إعادة الإسلام إلى مجده الأول وإزالة ما علق به من غبار وما شابه من أفكار غريبة عنه أثار إعجاب كثيرين كما أثار غضب وعداوة كثيرين أيضا. وقد انقسم الناس إزاءه إلى ثلاثة أقسام. فريق شايعه وناصره ورفعوه إلى أعلى مراتب الاجتهاد وفريق قاومه ونازله ومنهم من كفره وفريق خالفه. "محمد أبو زهرة: ٣١". تأثره بالصوفية: يقول هنري لاوست المستشرق الفرنسي إن للصوفية تأثيرا كبيرا على فكر وآراء ابن تيمية لكن مع اجتهاد منه. فقد أدمج جميع العوامل الوجدانية التي جاء بها الصوفية في مذهبه وهي المحبة والذوق والمعرفة الحدسية والإلهام والمكاشفة الداخلية. ويقول أيضا نقلا عن ابن تيمية أن الصوفية أسسوا مذهبهم على "الإرادة" كما بنى أهل الحديث مذهبهم على السنة وعلماء الكلام على العقل. وهو يرى أن المبدأ الصوفي الوحيد الذي سن عليه ابن تيمية حربا لا هوادة

стр. 429

فيها كان وحده الوجود عند ابن عربي "هنري لاوست:٢٣٣". كما أنه يرى أن ابن تيمية كان متأثرا بالصوفية لا على طريقة ابن عربي وإنما على طريقة الصوفية الأخلاقية التي تتجلى في الحاجة إلى الحياة الوجدانية المنظمة والتي تسمح بأن تضم إلى الشجاعة الناقذة المستقلة معنى التفاني الجارف من أجل الجماعة "المرجع السابق ٢٦٤". معادات لمنطق أرسطو: كان ابن تيمية معاديا للفلسفة اليونانية ولمنطق أرسطو وخصه بمؤلفات لبيان خطئه منها: "الرد على المنطقيين" و"نقض المنطق" ومنها ما بثه في ثنايا مؤلفاته. وهي جميعا تنطق بمعارضة ابن تيمية للمنطق الأرسطاليسي وانتقاده للفقهاء والأصوليين الآخذين به "هنري لاوست: ص١٥٨ - هامش". لقد قام ابن تيمية بنقد الفلسفة اليونانية ونقد أرسطو مؤيدا حججه بالأدلة والبراهين. وكان في موقفه من النقد متزنا معتدلا. فهو يفرق بين الطبيعيات والرياضيات والإلهيات. وهو يعترف بصحة معظم مسائل الطبيعيات والرياضيات. وفي ذلك يقول: " نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد". كما يقول "لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية. وهذا بحر علمهم وله تفرغوا وفيه ضيعوا زمانهم. والجانب الهام الذي يعارض فيه ابن تيمية فلاسفة اليونان هو جانب "الإلهيات" فهو يؤكد عجز فلسفة اليونان عن إدراك سر الإلهيات وفقرها وقلة بضاعتها وفي ذلك يقول: للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات فإنهم أجمل الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها. وكلام أرسطو معلمهم فيه كثير الخطأ "أبو الحسن الندوي: ص١٦٩. نقلا عن معارج الوصول لابن تيمية ص١٨٦". وفي مكان آخر يقول ابن تيمية "تفسير سورة الإخلاص ص٥٧": "وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جدا وأما ملائكته وكتبه ورسله فلا يعرفون ذلك البتة ولم يتكلموا فيه ولا ينفي ولا بإثبات. وإنما تكلم في ذلك المتأخرون الداخلون في الملل". ويقول في مكان آخر الرد على المنطقين

стр. 430

ص٣٩٤، وأما ما جاءت به الأنبياء فلا يعرفه هؤلاء التبة وليسوا قريبين منه. بل كفار اليهود والنصارى أعلم منهم بالأمور الإلهية. وهو يفرق بين المتقدمين من فلاسفة اليونان مثل فيثاغورس وسقراط وأفلاطون وبين المتأخرين منهم أمثال أرسطو فيقول: إن الأساطين الأوائل من فلاسفة اليونان ويقصد بهم الثلاثة الذين سبق ذكرهم كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشام ويتلقون عن لقمان الحكيم ومن بعده من أصحاب داود وسليمان ﵉. ولذلك كانوا أقرب إلى فهم الحقائق الغيبية ومعرفة المفاهيم الدينية. أما أرسطو فلم يسافر إلى أرض الأنبياء ولم يكن عنده من العلم بالأنبياء ما عند سلفة. وكان عنده قدر يسير من الصابئية الصحيحة فابتدع لهم هذه التعاليم القياسية وصارت قانونا مشي عليه اتباعه. "أبو الحسن الندوي: ١٩٨٧: ص١٧٣: نقلا عن نقض المنطق لابن تيمية: ص١١٣". اختلافه عن الغزالي: إن ابن تيمية في دراسته للفلسفة يختلف عن الغزالي. فقد درس ابن تيمية الفلسفة وما عند الفلاسفة لا ليطلب الحقائق من ورائها بل ليبين بطلان ما يعارض الدين منها ... أما الغزالي فقد درس الفلسفة ليطلب الحقيقة من روائها. وخلص نفسه من كل شيء ليصل إلى الحق المستقيم واعتبر الشك هو الطريق للوصول إلى الحق. ولكن تبين له بطلان ما يقوله الفلاسفة. فعاد إلى الدين وأشرق في نفسه نور الحقائق في خلوات صوفية عرف فيها نفسه ثم حمل حملته على الفلاسفة وبين تهافتهم "محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٢٣٧". ابن تيمية والتربية والتعليم: لم يتناول ابن تيمية الكلام عن التربية بمعناها المدروس المعروف الضيق وإنما اتجه إلى معالجة القضايا الكبرى للعقيدة الإسلامية ودرسها دراسة متسفيضة في ضوء القرآن الكريم والسنة والنبوية الشريفة وما ورد عن الصحابة والسلف والصالح. كما قام بالتعليم والتدريس داخل السجن وخارجه. وهو بهذا يكون أكبر مرب للأمة الإسلامية كلها. ففي فكره وعلمه واجتهاده وآرائه نور

стр. 431

وهداية للمسلمين جميعا. كما أن شخصيتة وما تتمتع به من صفات تعتبر قدوة ونبراس لأبناء المسلمين. قد تبين من عرضنا السابق مكانة الرجل العلمية والثقافية التي أهلته لأن يكون باعث النهضة الإسلامية في عصره. ومن هنا فإننا سنتناول في السطور التالية الكلام عن قيامه بالتدريس داخل السجن وخارجه وعن صفات ابن تيمية ومضاميتها التربوية ثم نعرض لبعض الموضوعات الهامة التي طرقها وتناولها ورأيه فيها. وهو ما يعتبر في حد ذاته مؤشرات تربوية للعمل التربوي. أولا: قيامه بالتدريس داخل السجن وخارجه: يذكر أبو الحسن الندوي في كتابه عن ابن تيمية ص٧٣ نقلا عن الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي صاحب "الكواكب الورية" فيما يرويه الشيخ علم الدين البرزالي معاصرا ابن تيمية وزميله إذ يقول: "ولما دخل ابن تيمية الحبس وجد المحابيس مشغولين بأنواع من اللعب يلتهون بها عما هم فيه كالشطرنج والنرد مع تضييع الصلوات. فأنكر الشيخ ذلك عليهم وأمرهم بملازمة الصلاة والتوجه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة والتسبيح والاستغفار والدعاء. وعلمهم من السنة ما يحتاجون إليه. ورغبهم في أعمال الخير، وحضهم على ذلك حتى صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيرا من كثير من الزوايا والربط والخوانق والمدارس وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده". كما اشتغل ابن تيمية قبل وبعد خروجه من السجن بالتدريس واستفاد من دروسه ومجالسه الكثيرون وأعجب الناس بعلمه الفياض وإخلاصه في خدمة العقيدة الإسلامية. ثانيا: صفات ابن تيمية ومضامينها التربوية: كان ابن تيمية يتمتع بصفات طيبة حباه بها الله. وفي مقدمتها الذاكرة أو الحافظة القوية الواعية التي كانت موضع حديث عصره. وهذا يعني أن تحصيل العلم والنبوغ فيه إنما يعتمد على حافظة واعية قوية. وبهذا يتكون لدى المتعلم بالتدريج مخزون علمي وثقافي يساعده على النمو والنضج وبلورة فكره والوصول إلى استنتاجه الخاصة. وقد يؤدي به ذلك في النهاية إلى أن

стр. 432

تتكون لديه شخصية علمية متميزة مستقلة. وهذا ما نحتاج إليه في تربية أبنائنا إذا كان لهم أن يتفوقوا علميا وثقافيا وتربويا وتكون لهم شخصياتهم المتميزة. ومن صفاته أيضا الشجاعة الأدبية فقد كان يجابه العلماء بما يوحيه فكره وما يعتقد أنه حق وصواب يعلنه بين الناس بعد طول الفحص والدراسة خصوصا ما يكون مخالفا كما جرى عليه الناس. ومن صفات ابن تيمية أيضا العمق والتأمل في دراسة المسائل الفقهية والدينية. بل ربما قضى الليالي متفكرا في مسألة واحدة حتى يحل مغلقها وينتهي إلى الأمر الحازم فيها. وكان يتأمل الآيات والأحاديث وقضايا العقل. ويوازن ويقايس بفكر مستقيم حتى ينبلج له الحق واضحا. ولذلك كان من أدق العلماء وأقدرهم على استنباط المعاني من الأحاديث وآيات القرآن الكريم "محمد أبو زهرة: ٩٧". وهذه صفة العالم الحق وينبغي على المعلمين والمربين والآباء وكل المعنيين بتربية النشء أن يحثوا شبابنا على الاقتداء بهذه القدوة الجليلة وأن يشجعوهم في مجال الدراسة وتلقي العلم على إعمال الفكر والتعمق والتأمل في دراسة الأمور حتى تنمو لديهم هذه السمة العقلية الهامة التي لا غنى عنها لكل إنسان في عالمنا المعاصر. وليس الهدف أن يصبح كل متعلم على مستوى ابن تيمية في هذه الناحية ولكل نسعى إلى حثه على أن يصل فيها إلى أقصى ما تسمح به استعداداته وتكوينه العقلي. وبهذا تنفتح أمام المتعلم أسرار العلوم ودقائقها. ذلك أن العلم لا ينفتح لمتعلم عابر ولا يكشف عن مكنوناته وجواهره لمتعجل سطحي. ومن صفات ابن تيمية الاستقلال الفكري وهي أبرز صفاته في تكوين علمه وشخصيته. وهو في كل ما يصل إليه من علم وفكر ورأي لا هادي له إلا كتاب الله وسنة رسوله وآثار السلف الصالح من الصحابة وكبار التابعين "محمد أبو زهرة: ١٩" وما أحوجنا نحن المربين إلى تنمية هذه الصفة الحميدة في نفوس أبنائنا وشبابنا في مدارسنا وجامعاتنا. وشتان بين الإمعة الذي يقول أنا مع الناس أي أنه فرد في القطيع وبين

стр. 433

صاحب الفكر المستقل. ولا يعني الفكر المستقل مخالفة الآخرين كهدف وإنما يكون الفكر مستقلا عندما يتسم بالعقلانية والموضوعية والبعد عن التعصب والتوصل إلى الآراء أو النتائج أو الأحكام التي تستند إلى الأدلة والحقائق والبراهين وليس على العواطف أو الأهواء. ومن صفات ابن تيمية أيضا الإخلاص في طلب الحق. فقد كان إدراكه للأمور مستقيما لا عوج فيه. ولا شيء يضلل العقل ويجعله يحيد عن طريق الهداية أكثر من الغرض والهوى والتواء المقاصد. وقد أخلص ابن تيمية في طلب الحقيقة فأدركها وأخلص في نصرة الحق في هذا الدين. وقد وصل إخلاصه وتفانيه في طلب الحق إلى حد الجهاد في سبيله وتحمل هوان السجن والصمود على الضر وتحمل ألوان شتى من الكيد والإيذاء من خصومه وأعدائه. ونخرج من ذلك نحن المربين بنتيجة مفادها أنه ينبغي توجيه شبابنا سواء في دور العلم أو العبادة إلى الإخلاص في طلب العلم والحق وألا يتكاسلوا ويقنعوا من الغنيمة بالإياب. ولكل مجتهد نصيب. ومن الصفات الأخرى لابن تيمية حضور البديهة وقوة فراسته وفصاحة لسانه وقدرة بيانه والشجاعة والصبر وقوة الاحتمال. وهي كلها صفات حميدة ينبغي أن يتحلى بها المسلم عملا بتعاليم دينه. وهي صفات ينبغي على المعلمين في تربيتهم للنشء أن يلفتوا أنظارهم إليها وأن يحثوهم على التحلي بها اقتداء بسلفنا الصالح. "لتفصيل الكلام عن هذه الصفات انظر محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٩٦-١١٠". ثالثا: بعض القضايا التربوية الهامة: نعرض هنا لبعض القضايا الهامة التي تعرض لها ابن تيمية وهي قضايا لها مضامينها التربوية: ١- المثل الأعلى: لقد سعى ابن تيمية إلى إيجاد الدعائم الصحيحة للسلوك الإنساني المتفق مع أحكام الشريعة. لقد نظر في دوافع الإنسان ومراميه ووضع مثلا أعلى له يتجه إلى عبوديته لله وحده وفسر كل أمر بالتزكية في القرآن

стр. 434

بأنها تزكية الأخلاق وكانت اتجاهاته الأخلاقية والوجدانية قرآنية بحتة لا أثر فيها لاتجاهات الصوفية "هنري لاوست: ٢٦٥". كما كان ابن تيمية يشعر طوال حياته بالحاجة الملحة إلى تنظيم سلوك الفرد داخل الجماعة. وقد عمق معنى التفاني من أجل الجماعة وطوره إلى درجة تحريم الدعوة إلى الثورة حتى على الحكام الفجرة "المرجع السابق ص٢٣٢". ٢- العلم والعمل متلازمان: يرى ابن تيمية أن العلم يقتضي العمل. فلا يكفي علم بلا عمل ولا عمل بلا علم. وهذه نظرة صحيحة إلى قيمة العلم في ارتباطه بالعمل وقيمة العمل في توجهه بالعلم. بل إن الكلمتين تتكونان من نفس الحروف. وقديما قالوا علم بلا عمل وبال وعمل بلا علم ضلال وعلم وعمل كمال. ولا خير في علم لا يعمل به صاحبه وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الغنى ... كيما يصحوا به وأنت سقيم ونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدا وأنت من الرشاد عديم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم ٣- النفس الإنسانية: إن حديث ابن تيمية عن النفس الإنسانية مستمد من الشرع فهو يرى أن الروح مدبرة للبدن وهي التي تفارق بالموت بعد أن نفخت فيه عند بدء الحياة. وهو يستخدم الآيات والأحاديث التي تشير إلى الروح والنفس بمعنى واحد كمترادفين.. "هنري لاوست: ص١١٠". ويقال إن النفوس ثلاثة أنواع: وهي النفس الأمارة بالسوء التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي والنفس اللوامة وهي التي تذنب وتتوب لأنها تلوم صاحبها على الذنوب لأنها تلوم أي تردد بين الخير والشر. والنفس المطمئنة وهي التي تحب الخير والحسنات وتبغض الشر والسيئات "المرجع السابق: ص١١٠".

стр. 435

وهذه الصفات للنفس وأحوالها وليست أنواعا مستقلة عن بعضها أو منفصلة قائمة بذاتها. أما عن علاقة النفس بالبدن ومكانها فيه فإننا لا نعلم مسكنها من الجسد إذ لا اختصاص للروح بشيء منه بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع البدن. فإن الحياة مشروطة بالروح في الجسد. فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة وإذا فارقته الروح فارقته الحياة "المرجع السابق ص١١١". ٤- حرية إرادة الإنسان: يرى ابن تيمية أن للإنسان مشيئة وإرادة كاملة تجعله مسئولا عما يفعل. وفي الوقت الذي يقرر فيه ابن تيمية أن عموم الإرادة الإلهية والقدرة الكونية وشمولها لكل شيء ثابت بالنصوص يقرر أيضا أن القدرة الإنسانية ثابتة بالحس والشعور. ولا سبيل لإنكار ما ثبت بالنص ولا مجابهة الحس. وأن الناس بالحس والشعور يتحملون مسئوليات أعمالهم في الدنيا. ولا يحتج بقدره وقضائه وأن القدر لازم لا مناص منه إلا عندما يغالط حسه ويكابر نفسه. فليس لأحد أن يحتج في الذنوب بقدر الله تعالى وعليه ألا يفعلها. وإذا فعلها فعليه أن يتوب منها كما فعل آدم. ولهذا قال بعض الشيوخ اثنان إذنبا ذنبي إبليس وآدم. فآدم تاب فتاب الله عليه واختاره وهداه. وإبليس أصر واحتج بالقدر. فمن تاب من ذنبه أشبه آباه آدم ومن أصر واحتج بالقدر أشبه إبليس. ٥- الثقة في العقل ليست مطلقة: كان ابن تيمية يرى أن الثقة في العقل ليست مطلقة لأن العقل قد يخطئ صواب السبيل وقد يغالط في الأحكام والاستنتاجات. لا سيما في مقدمات الحكم على العقائد من حيث سلامتها أو عدم صحتها وخصوصا في متشابه الأمور. ولذلك يأخذ على الفلاسفة والمتكلمين طريقتهم في التفكير والمقدمات التي يبنون عليها النتائج. ويعزو خلافه معهم في النتائج إلى اختلاف الطريقة واختلاف المنهاج "محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٢١٣". وهو لا يهمل العقل وإنما

стр. 436

يجعله تابعا لا متبوعا ومحكوما بالقرآن ومقدماته في الاستدلال لا حاكما على أدلة القرآن ومنهاج القرآن. وبالتالي لا يكون متأولا للقرآن إن خالفه بل عليه أن يتجه إلى القرآن يتفهمه بالفكر وبموازنة القرآن بعضه ببعض. فتأويل القرآن يكون من القرآن لا من أقوال المتفلسفين والمتكلمين وأمثالهم. وهو يلوم الذين يجعلون العقل حاكما على النصوص ويعرض بالغزالي لأنه في بعض أرائه الفكرية نهج ذلك المنهاج "المرجع السابق: ٢١٥". ٦- لا تعارض بين صريح العقل وصحيح النقل: يذكر أبو الحسن الندوي في كتابه عن ابن تيمية "ص٢٤٩" أنه أي ابن تيمية كان لا يرى أي تعارض بين صريح العقل وصحيح النقل وأنه لم يعثر على أي تعارض بين العقل والنقل خلال دراسته الطويلة الواسعة بشرط أن يكون العقل سليما والنقل صحيحا ومحفوظا. وقد ألف ابن تيمية في هذا الموضوع كتابا ضخما باسم "بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" أثبت فيه بالدلائل وبكل التفاصيل ألا تعارض بين المعقول والمنقول. وتوصل إلى أن الأمور التي ثبتت صحتها بالكتاب والسنة والوحي والنبوة يصدقها العقل الكامل الصحيح. ٧- تقديره لغيره من العلماء وإن خالفهم: كان ابن تيمية يقدر في غيره العلم وإن كان مخالفا له فهو لا يلعن المخالف ولا يكذبه ولا يرميه بالبهتان ولكنه يعتذر له ويقدره في خلافه ووفاقه. ويرى أن العالم مجتهد والمجتهد يخطئ ويصيب وله أجره في كلا الحالين. وهذه سمة العالم الحق. بل إنه كتب رسالة العنوان: رفع الملام عن الأئمة الأعلام، يعتذر فيها عنهم إذا جاءت أفواههم مخالفة للسنة الصحيحة بأعذار قوية ترفع عنهم الملام. ويدعو إلى تقديرهم وإكبارهم فيقول: "يجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن وخصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها إلا المسلمين. فإن علماءهم

стр. 437

خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته والمحيون لما مات من سنتة. بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا. وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته دقيق ولا جليل. فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . وإذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه. جميع الأعذار ثلاثة أصناف. أحدها عدم اعتقاده بأن النبي ﷺ قاله. والثاني عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول. والثالث اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. "محمد أبو زهرة: ١٩٧٧: ٢١٩". ٨- طاعة ولي الأمر في غير معصية: يرى ابن تيمية أن طاعة ولي الأمر واجبة ما دامت في غير معصية تمشيا مع قوله ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". ولقوله : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . وروى البخاري أن الرسول ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة". وفي صحيح مسلم عن أم الحصين أنها سمعت الرسول ﷺ يقول في حجة الوداع: "وإن استعمل عليكم أسود مجدع يقودكم كتاب الله فاسمعوا وأطيعوا" ويتساءل ابن تيمية هل تجوز الثورة على الظالم أو من يكره الناس على الطاعة في المعاصي؟ ويجيب ابن تيمية على ذلك بالنفي. فهو لا يسوغ الثورة لأنها تؤدي إلى الفتن والفوضى والهدم. ويأمر بالاحتمال مع الصبر. واستقراء التاريخ يبين أن الفتنة لا تقيم عدلا ولا ترفع ظلما. ويرا أن الطريق الصحيح يكون بالإرشاد والموعظة الحسنة والكلمة الحق تقل للظالمين من الحكام أو أولى الأمر مهما يكن ما يترتب عليها من قتل أو سجن أو تعذيب. وهو يرى أن من واجب العلماء إرشاد الحكام الظالمين بكلمات الحق والعدل. وذلك في نظره أخص أعمالهم وألزمها تمشيا مع قوله ﷺ : "أفضل الجهاد كلمة حق لسلطان جائر". وهو لا يرى مطلقا الدعوة إلى الفتنة أو الثورة لأنها لا تغير من الظلم شيئا فضلا عن أنت نتائجها وخيمة. وهو يورد قول النبي ﷺ : "من ولي

стр. 438

عليه وال قرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره مما يأتي من معصية ولا ينزعن يدا عن طاعة". ٩- منع التقرب إلى الله بالموتى وزيارة قبور الصالحين: لا يسوغ ابن تيمية التقرب إلى الله بالموتى من الأنبياء والصالحين. لأن التقرب إلى الله بالاقتداء بهم والنهج على منهاجهم وليس لأجل أن يستغاث بهم أو يطلب الدعاء منهم؛ يؤدي إلى الشرك بالله ... وإذا كان الطلب من الموتى ولو كانوا أنبياء ممنوعا خشية الشرك، فالنذر للقبور أو لسكانها والعاكفين عليها نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان وفي ذلك يقول: "ومن اعتقد أن في النذر للقبور نفعا أو أجرا فهو ضال جاهل ... ومن يعتقد أنها باب الحوائج إلى الله وأنها تكشف الضر وتفتح الرزق وتحفظ العمر، فهو كافر مشرك يجب قتله". ويعلق الشيخ محمد أبو زهرة على هذا الرأي لابن تيمية والحكم بالكفر بأنه مغالاة دفعته إليها حدة الجدال ولو أنه اقتصر على أنه ضلال لا كفر لما كان في ذلك تطرف ولا مغالاة "محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٣٢٣". أما بالنسب لزيار قبور الصالحين فهو يرى أن زيارتها للاتعاظ جائز بل مندوب إليه لأنها عبرة واعتبار وتذكرة واستبصار. أم القصد إلى زيارة قبر رجل صالح بعينه أو نبي بعينه فإن ذلك لا يجوز ... والأساس الذي بنى عليه المنع هو الأساس الذي بنى عليه عدم دعاء الميت لأنه يرى أن ذلك يؤدي إلى الوثنية والشرك. ولأن النبي ﷺ نهى عن أن يتخذ قبره مسجدا حتى لا يزار ولذلك دفن في حجرة عائشة ﵂. فقد جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وقد خالف أبو حامد الغزالي وأبو محمد بن قدامة. ابن تيمية في رأيه بمنع زيادة القبور لعموم قوله ﷺ : "زوروا القبور". "محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٣٢٢-٣٢٤". ويتفق الشيخ محمد أبو زهرة مع ابن تيمية في عدم زيار قبور الصالحين ولكنه يختلف معه بالنسبة لزيارة قبر الرسول ﷺ اختلافا تاما لأن زيارة قبر نبي الوحدانية استشعار لحقيقتها وتقديس لمعناها ... كما أن الناس يزورون قبر الرسول على مر العصور إلى يومنا هذا. ومع ذلك لا ينظر إليه أحد نظرة عبادة أو وثنية "المرجع السابق: ٣٢٦".

стр. 439

وفاته: يقول الشيخ محمد أبو زهرة "١٩٧٧: ٩٠": إن ابن تيمية توفي في سجن القلعة في دمشق في العشرين من شوال عام ٧٢٨هـ عقب مرض لم يمهله أكثر من بضعة وعشرين يوما. وكان عمره سبعة وستين عاما ويذكر أحد الباحثين المسلمين في رسالة علمية له عن ابن تيمية أنه توفي في العشرين من ذي القعدة سنة ٧٢٨هـ ١٣٢٨م. وذلك نقلا عن ابن كثير "البداية والنهاية ج١٤ ص١٣٥" "انظر: صبري المتولي: ص١٨". ويتفق مع هذا الباحث في تحديد تاريخ وفاة ابن تيمية المستشرق الفرنسي هنري لاوست إذ يذكر أن وفاة ابن تيمية في كانت في العشرين من ذي القعدة عام ٧٢٨هـ "هنري لاوست: ٣٠١". ودفن في مقابر الصوفية خارج مدينة دمشق وسط حشد ضخم من مودعيه قدر بمائتي ألف رجل وخمسة عشر ألف امرأة "صبري المتولي: ١٨ نقلا عن دائرة المعارف الإسلامية". وكان الحزن عليه عميقا في كل مكان وما وصل خبر وفاته إلى بلد إلا صلى عليه في جميع جوامعه خصوصا أرض مصر وسوريا والعراق. ويقول المؤرخون إن الحياة توقفت في دمشق فأغلقت الأسواق وحضر ناس من كل الأوساط لتشييع الجنازة. وانفعل بعض الناس إلى حد أن شرف بعضهم ماء غسله. ويروى أن بعض الناس دفع خمسمائة درهم ثمنا للطاقية التي يلبسها. وكان الزحام شديدا على نعشة وكان الناس يلقون على النعش مناديلهم وعمائمهم للترك. وخرج الناس من جميع أبواب المدينة، من باب الفرج حيث مرت الجنازة ومن باب الفراديس وباب النصر وباب الجابية. ودفن في مقابر الصوفية خارج المدينة بجوار قبر أخيه شرف الدين "هنري لاوست ٣٠٠-٣٠١".

стр. 440

٧- ابن خلدون وآراؤه التربوية: ٧٢٢هـ-٨٠٨هـ ١٣٢٢م-١٤٠٦م يعتبر ابن خلدون من أئمة علماء العرب ومن أشهر علماء المسلمين الذين تعددت شهرتهم حدود بلادهم وطوقت الآفاق. وقد ولد عبد الرحمن بن خلدون ٧٣٢هـ - ١٣٢٢م في تونس وتوفي ٨٠٨هـ - ١٠٤٦م في القاهرة، ومقبرته لا تزال موجودة حتى الآن. ودرس العلم وحصله على أيدي علماء كثيرين. وإلى جانب اشتغاله بالعلم اشتغل بالسياسة وخاض غمارها وجرب المصائب والمؤامرات والحروب كان لا يستقر في مكان واحد. فقد أمضى ما يقرب من ثلث حياته "٢٤" سنة في تونس وثلث آخر في المغرب والأندلس وثلث ثالث في الشام والحجاز ومصر. وقد وصف مصر بأنها حاضرة الدنيا وبستان العالم ومحشر الأمم ومدرج الذر من البشر وإيوان الإسلام وكرسي الملك. وتقلد بعض الوظائف بينها خطة المظالم أي القضاء، وصار وزيرا وسفيرا وخطيبا ومدرسا ودرس بالجامع الأزهر أستاذا وشيخا من شيوخ رواق المغاربة فيه. وسافر بعدها لأداء فريضة الحج وعاد إلى القاهرة وتولى منصبه الذي يشغله من قبل وهو القضاء المالكي الذي تولاه في مصر أكثر من مرة. وقد نشأ ابن خلدون في أسرة جمعت بين العلم والرياسة والسلطان. فقد تولوا في تونس مراتب عليا في الدولة وشاركوا في الكثير من حروبها دون أن تنقطع صلتهم بالعلم والأدب. وفي ظل هذه البيئة العائلية كما يقول ساطع الحصري تولد في نفسه نزعتان قويتان: حب المنصب والجاه من ناحية وحب الدرس والعلم من ناحية أخرى. وقد كانت حياة ابن خلدون مليئة بالهموم فقد هلك أبواه في الطاعون الجارف الذي اكتسح وطنه وقضى على كثير من العلماء والشيوخ وكان عمر ابن خلدون آنذاك ١٧ عاما، وهكذا حرم من والديه في ريعان الشباب. لم يعرف

стр. 441

الاستقرار طول حياته فقد كانت مليئة بالقلاقل وكانت أشد صدمة عليه ما حدث لزوجته وولديه وبناته الخمس عندما كانوا في طريقهم إليه من المغرب إلى القاهرة فغرقت بهم السفينة ولم ينج منهم إلا ولداه. حدث ذلك في وقت كان فيه ابن خلدون لا يحسد عليه. وفي ذلك يقول: "ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد. وصلوا من المغرب في السفن "السفينة" فأصابها قاصف من الريح فغرقت وذهب الموجود والسكن والمولود فعظم المصاب والجزع ورجع الزهد". ولابن خلدون مؤلف معروف بعنوان كبير هو كتاب "العبر وديوان المتبدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" وهو في سبعة أجزاء أشهرها الجزء الأكبر الذي يعرف بالمقدمة وهي مقدمة ضخمة يرتبط بها من سلطان. وكانت هذه المقدمة منهلا لطلاب العلم في كل فن وعرض فيها لكل أنواع العلوم المعروفة في عصره وعرض فيها للعلوم والتعليم في الأمصار الإسلامية وعرض لآرائه في التربية والتعليم. وقد نقل ابن خلدون في مقدمته عن كثيرين غيره وهو يورد فيها عبارات توضح ذلك مثل ... ويعبر الحكماء عن كذا أو على ما ذكره الحكماء، وتبين في كتب الحكماء ... وهكذا. ويشير ابن خلدون في مقدمته أيضا إلى جالينوس في كتاب منافع الأعضاء وينقل عنه وقوله الذي يقارن فيه بين الإنسان والحيوان: "ولما كان العدوان طبيعيا في الحيوان جعل لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعته. وجعل للإنسان عوضا عن ذلك ... الفكر واليد فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر. والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوان للدفاع مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة، والسيوف عن المخالب الجارحة ... كما يشير إليه وغيره في كتب التشريح. ويشير إلى بطليموس في كتاب الجغرافيا وينقل عنه تقسيمه للأرض كما يعتمد على المشاهدة والأخبار والمتواترة

стр. 442

الآراء التربوية لابن خلدون: الواقع أن كثيرا من الآراء التربوية التي عبر عنها ابن خلدون وردت عند من سبقوه في الكلام عن هذا الموضوع من أمثال ابن سحنون القابسي والغزالي وغيرهم. وسنعرض في السطور التالية لأهم آرائه في التربية. كلمة التربية: وردت كلمة "التربية" عند ابن خلدون مرة واحدة في كلامة في الفصل "٣٤" عن مراتب الملك والسلطان وألقابها يقول "ص٢٣٥": "إن الاستعانة إذا كانت بأولي القربى من أهل النسب أو التربية أو الاصطناع القديم للدولة كانت أكمل لما يقع في ذلك من مجانسة خلقهم لخلقه فتتم المشاكلة في الاستعانة". قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ وواضح أن المقصود بالتربية هنا معناها اللغوي الذي ينصرف إلى التنشئة وليس إلى معناها الاصطلاحي الذي نقصده عادة. العلم والتعليم طببيعي في العمران البشري: يقول ابن خلدون: إن الإنسان مدني بالطبع، وهي عبارة ترددت قبل أكثر من ثلاثة قرون ونصف عند ابن مسكويه في كتاب تهذيب الأخلاق وعند العالم الإسلامي الشافعي الكبير أبي الحسن الماوردي "توفي ٤٥٠هـ" في كتابه "أدب الدنيا والدين ص:١٣٢" وعند الراغب الأصفهاني "توفي ٥٠٢هـ" في كتابه الذريعة إلى أحكام الشريعة، وتفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين. وهو ما سبق أن أشرنا إليه. يقرر ابن خلدون أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري ذلك لأن الإنسان تميز عن الحيوان بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيئ لذلك التعاون وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله

стр. 443

تعالى والعمل به واتباع صلاح أخراه فهو مفكر في ذلك كله دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر، وعن هذا الفكر تنشأ العلوم وما قدمنا من الصنائع. وهو يقرر في فصل آخر أن الصنائع تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته وأن العلوم تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة. الرحلة في طلب العلم: يقرر ابن خلدون أن الرحلة في طلب العلم مفيدة ولا بد منها لما فيها من اكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومعاشرة الرجال، وقد أشرنا إلى تفصيل كلامه عن ذلك في موضع سابق. القرآن أصل التعليم: ذهب ابن خلدون كسابقيه إلى القول بأن القرآن هو أول العلوم التي يتعلمها الصبي، فالقرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل من الملكات. اختلاف الأمصار الإسلامية في تعليم القرآن: يقارن ابن خلدون بين الأمصار الإسلامية في تعليم القرى، واختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات. فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط. وأخذهم أثناء الدراسة بالرسم ومسائله واختلاف حمله القرآن فيه، ولا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا من فقه، ولا من شعر ولا من كلام العرب، إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة. وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم إلى أن تجاوزوا حد البلوغ إلى الشبيبة. وكذا في الكبير إذا راجع مدرسة القرآن بعد طائفة من عمره. فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم. أما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو١ وهذا

стр. 444

هو الذي يراعونه في التعليم. إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك ورأسه، ومنبع الدين والعلوم وجعلوه أصلا في التعليم. فلا يقتصرون لذلك عليه فقط بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجود الخط والكتاب، ولا تختص عنايتهم في التعليم بالقرآن دون هذه بل عنايتهم فيه بالخط أكثر من جميعها، إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى التشبيبة وقد شدا بعض الشيء في العربية والشعر والبصر بهما. وبرز في الخط والكتاب وتعلق بأذيال العلم على الجملة لو كان فيها سند لتعليم العلوم. لكنهم ينقطعون عند ذلك لانقطاع سند التعليم في آفاقهم، ولا يحصل بأيديهم إلا كما حصل من ذلك التعليم الأول، وفيه كفاية لمن أرشده الله تعالى واستعداد إذا وجد العلم. أما أهل إفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب، ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها إلا أن عنايتهم بالقرآن، واستظهار الولدان إياه، ووقوفهم على اختلاف رواياته، وقراءاته أكثر مما سواه، وعنايتهم بالخط تبعا لذلك. وبالجملة فطريقتهم في تعليم القرآن أقرب إلى طريقة أهل الأندلس، لأن سند طريقتهم في ذلك متصل بمشيخة الأندلس الذين أجازوا عند تغلب النصارى على شرق الأندلس، واستقروا بتونس، وعنهم أخذ ولدانهم بعد ذلك. وأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك على ما بلغنا ولا أدري بم عنايتهم منه. والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة القرآن وصحف العلم وقوانينه في زمن التشبيبة ولا يخلطون بتعليم الخط، بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون على انفراده، كما نتعلم سائر الصنائع، يتداولونها في مكاتب الصبيان. وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط قاصر عن الإجادة. ومن أراد تعلم الخط فعلى ما يسنح له بعد ذلك من الهمة في طلبه ويبتغيه من أهل صنعته. فأما أهل إفريقية والمغرب فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ملكة اللسان جملة، وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة كما أن البشر

стр. 445

مصروفون عن الإتيان بمثاله، فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والاحتذاء بها، وليس لهم ملكة في غير أساليبه فلا يحصل لصاحبه ملكة في اللسان العرب، وحظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام. وربما كان أهل إفريقية في ذلك أخف من أهل المغرب لما يخلطون في تعليمهم القرآن بعبارات العلوم في قوانينها كما قلناه، فيقتدرون على شيء من التصرف ومحاذاة المثل بالمثل، إلا أن ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة كما سيأتي في فصله. أما أهل الأندلس فأفادهم التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر والترسل ومدارسة العربية من أول العمر حصول ملكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي وقصروا في سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها فكانوا لذلك أهل خط وأدب بارع أو مقتصر على حسب ما يكون التعليم الثاني من بعد تعليم الصبا. تقديم تعليم العربية وتأخير تعليم القرآن: "طريقة ابن العربي". يشير ابن خلدون إلى طريقة ابن العربي في تقديم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم وتأخير البدء بتعليم القرآن بعد أن يكون المتعلم قد تعلم العربية وهي وسيلته في فهم القرآن. ويقول ابن خلدون في تفصيل هذه الطريقة "ص٥٠٧": "ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم، وأعاد في ذلك وابدأ. وقدم اللغة العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس قال: "لأن الشعر ديوان العرب ويدعو إلى تقديمه وتعليم العربية في التعليم ضرورة فساد اللغة. ثم ينتقل منه إلى الحساب فيتمرن فيه حتى يرى القوانين. ثم ينتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسر عليه بهذه المقدمة". ثم قال: "ويا غفلة أهل بلادنا أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره، يقرأ ما لا يفهم وينصب في أمره غيره أهم عليه" ثم قال: "ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه". ونهى مع ذلك أن

стр. 446

يخلط في التعليم علما إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك بجودة الفهم والنشاط ويمتدح ابن خلدون هذه الطريقة ويعتبرها مذهبا حسنا في التعليم لكنه يستدرك فيقول: إن العادات المتبعة في التعليم لا تساعد على اتباع هذه الطريقة والأخذ بها لأن العرف درج على البدء بتعليم القرآن. وفي تفسير ذلك يقول "ص٥٠٧-٥٠٨": "ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك والثواب. وخشية ما يعرض للولد من جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن لأنه ما دام في الحجر منقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ربقة القهر فربما عصفت به رياح التشبيبة فألقته بساحل البطالة. فيغتنمون في زمان الحجر وربقة الحكم تحصيل القرآن لئلا يذهب خلوا منه. ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم وقبوله التعليم لكان هذا المطلب الذي ذكره القاضي أولى مما أخذ به أهل المغرب والمشرق ولكن الله يحكم ما يشاء، لا معقب لحكمه، سبحانه". تعليم اللغة أساس لتعليم سائر الفنون: اعتبر ابن خلدون تعليم اللغة أساسا لتعليم سائر الفنون، وهذا صحيح لكنه قال: إن اللغة الدارجة أهون على التعبير ولذا نصح بتعليم اللغات الدارجة إلى جانب اللغة العربية وهو رأي غريب لا يمكن أن نوافقه عليه لما يؤدي ذلك إلى التقليل من شأن اللغة العربية التي تعتبر الربط الثقافي والفكري لكل البلاد العربية. تعليم اللسان العربي: يؤكد ابن خلدون في تعليم اللسان العربي على كثرة حفظ كلام العرب وأشعارهم والتمرن على النسخ على منوالهم حتى يصبح اللسان العربي سليقة: يقول ابن خلدون: "المقدمة: ص٥٢٦" "ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة "ملكة اللسان العربي" ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم

стр. 447

الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم، حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عبارتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتها رسوخا وقوة. ويحتاج مع ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عبارتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة. ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب، وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الأحوال. ويشير ابن خلدون إلى أن مجرد معرفة قوانين النحو والإعراب لا تكون ملكة اللسان العربي ويشرح ذلك فيقول: "فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس هو نفس العمل. ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سئل في كتابه سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامه أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي. وكذا تجد كثيرا من يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور، وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور، ولا شيئا من قوانين صناعة العربية "المقدمة ص٧٢٥". ويقارن بين أهل الأندلس وأهل المغرب في تعليم اللسان العربي فيقول: "أهل صناعة العربية بالأندلس ومعلموها أقرب إلى تحصيل هذه الملكة وتعليمها من سواهم، لقيامهم فيها على شواهد العرب وأمثالهم، والتفقه في كثير من التراكيب في مجالس تعليمهم، فيسبق إلى المبتدئ كثير من الملكة أثناء التعليم

стр. 448

فتنقطع النفس لها ويستعد إلى تحصلها وقبولها". وأما من سواهم من أهل المغرب وإفريقية وغيرهم فأجروا صناعة العربية مجرى العلوم بحثا وقطعوا النظر عن التفقه في تراكيب كلام العرب إلا أن أعربوا شاهدا أو رجحوا مذهبا من جهة الاقتضاء الذهني لا من جهة محامل اللسان وتراكيبه. فأصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل، وبعدت عن مناحي اللسان وملكته، وما ذلك إلا لعدولهم عن البحث في شواهد اللسان وتراكيبه وتمييز أساليبه، وغفلتهم عن المران في ذلك للمتعلم، فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللسان، وتلك القوانين إنما هي وسائل للتعليم، لكنهم أجروها على غير ما قصد بها، وأصاروها علما بحتا، وبعدوا عن ثمرتها "المقدمة ص٥٢٨" وقد امتدح كتاب سيبويه لأنه لم يقتصر على قوانين الإعراب فقط بل لأنه مملوء بأمثال العرب وأشعارهم، كما امتدح طريقة أهل الأندلس التي أشرنا إليها لأنها أقرب إلى تعليم هذه الملكة من الاهتمام بكلام العرب وأشعارهم وأمثالهم. الفلسفة صناعة باطلة: اعتبر ابن خلدون الفلسفة صناعة باطلة لأن الفلاسفة يزعمون أنهم يعرفون كل شيء والعالم أوسع من أن يحاط به. سمو التعليم النظري: ردد ابن خلدون ما ذهب إليه أفلاطون من سمو تدريب العقل على الجسم فاعتبر ابن خلدون التعليم النظري أرقى من تعلم الفنون العملية لأن التعليم النظري يقوم على العقل. وهو رأي وإن ساد الفكر التربوي ردحا من الزمن إلا أنه بمعايير الفكر التربوي المعاصر لا يمكن قبوله. التعليم في الصغر أشد رسوخا: يردد ابن خلدون ما قاله الغزالي وغيرهم من المربين المسلمين أن التعليم في

стр. 449

الصغر أشد رسوخا وأنه أصل لما بعده. الشدة مضرة بالمتعلمين: يكرر ابن خلدون ما أكده سابقوه من الرفق بالمتعلم لأن الشدة مضرة به، وقد بين ضرر الشدة على المتعلم وما يترتب عليه من آثار ضارة فتسلمه إلى التبلد والكذب والخبث. ويقول ابن خلدون "المقدمة ص٥٠٨-٥١٩": "ومن أحسن مذاهب ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال: "يا أحمد إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه. فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له حيث وضعك أمير المؤمنين. أقرئه القرآن وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، واخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجلس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمر بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها، من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه. وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة. التدرج في التعليم: نادى ابن خلدون بما نادى به سابقوه من مراعات التدرج في تعليم الصبيان ومراعاة قدراتهم. إلا أنه يتميز عن سابقيه فيما ذهب إليه بالقول مبدأ التكرارات الثلاثة في عملية التعليم. وتشير هذه التكرارات إلى ثلاث مراحل متدرجة في التعليم. يكون التعليم في المرحلة الأولى إجمالا وفي الثانية تفصيلا وفي الثالثة تعميقا بدراسة ما استشكل في العلم ووسائل الخلاف فيه. ويقول ابن خلدون في ذلك: "إن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدرج شيئا

стр. 450

فشيئا وقليلا قليلا. يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، يقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية ضعيفة. وغايتها أنها هيأته لفهم الفن، وتحصيل مسائله. ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال ويذكر أن له ما هناك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته. ثم يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصا ولا مبهما ولا مغلقا إلا وضحه وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته. هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات. وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه". ويعيب ابن خلدون على المعلمين الذين يجهلون الطريقة الصحيحة للتعليم أنهم يقدمون للمتعلم في أول عهده بالتعليم المسائل الصعبة أو المشكلة مما يعوق تعليمه. يقول ابن خلدون: "وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه ... فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجيا. ويكون المتعلم في أول الأمر عاجزا عن الفهم بالجملة إلا في الأقل، وعلى سبيل التقريب والإجمال بالأمثلة الحسية. عدم إطالة الفواصل الزمنية بين الدروس: نادى ابن خلدون بعدم إطالة الفواصل الزمنية بين دروس العلم الواحد حتى لا ينسى المتعلم ما سبق أن درسه.

стр. 451

الاختصارات في العلوم مخلة بالتعليم: من الإشارات التربوية الهامة لدى ابن خلدون أيضا قوله بأن الاختصارات المؤلفة في العلوم تعتبر في نظره مخلة بالتعليم. وهي نظرة سليمة من ابن خلدون لما يترتب على هذه الاختصارات من إخلال بالعلم. التعليم يكون بالمحاورة ولا الحفظ: يؤكد ابن خلدون أن الطريقة الصحيحة في التعليم هي التي تهتم بالفهم والوعي والمناقشة لا الحفظ الأعمى عن ظهر قلب، ويشير إلى أن "ملكة العلم" إنما تحصل بالمحاورة والمناظرة والمفاوضة في مواضع العلم. وهو يعيب طريقة الحفظ عن ظهر قلب ويعتبرها مسئولة عن تكوين أفراد ضيقي الأفق عقيمي التفكير لا يفقهون شيئا ذا بال في العلم. وهو يشير في ذلك إلى الطريقة التي اتبعت في المغرب، فيقول في المقدمة "ص٣٩٨". "وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حس التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان، ولم يتصل سند التعليم فيهم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم. وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب من شأنها ويحصل مرامها. فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا ولا يفاوضون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة فلا يحصلون على طائل من التصرف في العلم والتعليم، ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علم، وما آتاهم القصور إلا من قبيل "رداءة طريقة" التعليم وانقطاع سنده. وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك. ومما يشهد بذلك في المغرب أن المدة المعينة لسكنى طلبة العلم بالمدارس عندهم ست عشرة سنة وهي بتونس خمس سنين. وهذه المدة بالمدارس على المتعارف هي أقل ما

стр. 452

يأتي فيها لطالب العلم حصول مبتغاه من الملكة العلمية أو اليأس من تحصيلها. فطال أمدها في المغرب لهذه المدة لأجل عسرها من قلة الجودة في التعليم خاصة لا مما سوى ذلك". وقد تردد هذا القول في القرن العشرين لدى بعض الباحثين الغربيين الذين قاموا بدراسات التعليم الحديث في المغرب وذهبوا إلى القول بأن الطفل المغربي بعد دراسته الأولى في المدارس القرآنية يذهب إلى المدرسة العامة الحديثة وهو يتمتع بقدرة فائقة على التذكر تنطفئ معها قدرتها على التخيل والتصور والتفكير الناقد١. والواقع أن المربين المسلمين قد اهتموا بأسلوب المناظرة والحوار في التدريس واعتبروه أسلوبا مفضلا مجديا في التعليم. يقول الزرنوجي إن قضاء ساعة واحدة في المناقشة والمناظرة أجدى على المتعلم من قضاء شهر بأكمله في الحفظ والتكرار. وقد احتاط المربون المسلمون من سوء استخدام المناظرة والحوار بأن له بعض الشروط التي تجعل منه أسلوبا فعالا للتعلم والبحث العلمي من أهمها أن يكون هدف المناظرة الوصول إلى الحقيقة لا التضليل وحب الانتصار بالباطل. كما يشترط في المتناظرين الإلمام بموضوع المناظرة والتحلي بالهدوء وسعة الصدر وعدم التكلف وغيرة الصدر. ومع أن أسلوب المناظرة هو أقرب إلى الدراسات العالية فإننا نجده صورة مبسطة منه في أسلوب الحوار أو النقاش الذي يديره المعلم مع تلاميذه ليحفزهم على التفكير.

стр. 453

الفصل العاشر: التربية في الشرق العربي الإسلامي في العصور الحديثة مقدمة مدخل ... الفصل العاشر: التربية في الشرق العربي الإسلامي في العصور الحديثة مقدمة: تركنا البلاد العربية الإسلامية في العصور الوسطى وقد وصلت إلى قمة ازدهارها وعظمة مجدها وكانت مشعل الحضارة والعلم الذي أضاء عصر النهضة لأوربا ومن بعدها نهضتها الحديثة. وشهدت تلك الفترة نهضة في الفكر التربوي الإسلامي ونهضة في التعليم وإنشاء المدارس. ولكن لكل شيء إذا ما تم نقصان. وقد عجل بهذا النقصان سقوط الدولة الإسلامية فريسة للتتار والمغول في منتصف القرن الثالث عشر عندما سقطت لهم بغداد كعبة العلم والثقافة. وورثوا تراث المسلمين وخلفوهم في الحكومة. "وناهيك بؤسا وشقاء للإنسانية وخرابا للعالم أن تتولى قيادة العالم أمة جاهلة وحشية ليس عندها دين ولا علم ولا ثقافة ولا حضارة" "أبو الحسن الندوي: ص٢٥٧". ولم يلبث أن ظهر الأتراك على المسرح العالمي كقوة حربية هائلة مكنتهم من السيطرة على الشعوب العربية منذ عام ١٥١٧م عندما استولوا على مصر وسوريا ومن بعدها امتدت سيطرتهم على بقية ربوع العالم الإسلامي. ولم تجد الشعوب الإسلامية غضاضة في الحكم التركي تحت شعار الإسلام بل وبعث الأمل فيها من جديد لإعادة مجد الإسلام على يد الأتراك. وكان الأتراك قد اتخذوا الهلال شعارا لهم من القرن الثالث عشر باعتباره رمزا دينيا وحربيا. ومن سوء حظ المسلمين أن الأتراك لم يحققوا هذا الأمل وشغلوا ببناء قوتهم العسكرية وتوسيع ملكهم حتى استنزفت قوتهم وانتهى بهم الأمر إلى الضعف والتدهور. وكان شر ما أصيبوا به جمود الحياة الفكرية والثقافية، وكانت النتيجة وخيمة على العالم الإسلامي إذ استسلم لفترة من النوم العميق امتدت إلى ما يقرب من أربعة قرون. وكان حال العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر أسوأ مما كان في القرن الثالث عشر، وهذا يعني أن العالم الإسلامي كان متأخرا بست

стр. 454

قرون. وكانت أحوال التعليم بالطلب انعكاسا لهذا التأخر. فقد كانت متأخرة أيضا بنفس الدرجة كما سيتضح فيما بعد. وأصيب الإسلام وهو روح الأمة الإسلامية بالجمود والركود وتحولت إيجابياته إلى سلبيات، وأصبح شعارا أكثر من عمل. وتوقفت اللغة العربية عن النمو ونافستها التركية فغلبت عليها العجمي. ولم يعد القرآن دستور المسلمين الحيوي بقدر ما كان كتابا يقرأ على القبور ويكتب بماء الذهب بحروف جميلة على ورق مصقول وهو ما اشتهر به الأتراك. ونضب معين الفكر لم يعد مجاله إلا المجادلات الكلامية حول المسائل الشكلية والموضوعات الفقهية الفرعية. ويمكن أن توصف الفترة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين حتى نهاية الحرب العالمية الأولى بأنها كانت فترة من عدم الرضا عن واقع العالم الإسلامي وما آل إليه الحال من الانحطاط. وفي هذه الفترة تعالت الدعوات بأنه لا صلاح لحال المسلمين إلا بتجديد الإسلام وإصلاح العقيدة والعودة إلى منابع الإسلام وأصوله، وظهرت في العالم الإسلامي روح الجهاد الوطني الديني التي قادها العلماء المسلمون الوطنيون من أمثال محمد بن عبد الوهاب الذي أول صيحة لليقظة الإسلامية في العصر الحديث وكان طليعة الحركة السلفية التي كان لها دور في التجديد الإسلامي. كما كانت الحملة الفرنسية على مصر سنة ١٧٩٨ بمثابة ناقوس الخطر الذي نبه العالم الإسلامي وفتح عينه على الفجوة الحضارية الخطيرة بين الشرق والغرب. كما أنها أيضا كانت نذيرا بما يتوعد العالم العربي الإسلامي في مستقبله من وقوعه تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي والإنجليزي وفرض التجزئة عليه. ولم تكن الحملة الفرنسية أول من أيقظ العالم العربي فقبل الحملة بعشرين عاما تقريبا علا صوت محمد بن عبد الوهاب في الحجاز. وكان كما أشرنا أول صوت ينادي بتجدد الإسلام وتصحيح العقيدة، ويؤكد أنه لا مخرج للمسلمين مما هم فيه من تخلف إلا بالعودة إلى أصول دينهم الحنيف. وبصرف النظر عما يقال من تقليل دور الحملة الفرنسية في التجديد الثقافي في مصر والشام في العصور الحديثة فلا شك أنها كانت دافعا قويا لهذا

стр. 455

التجديد. لقد كان المضمون التربوي للحملة الفرنسية مضمونا حضاريا وثقافيا. كان لما قام به نابليون من إحلال اللغة العربية محل التركية والمصريين محل الأتراك والمماليك في الحكومة أكثر من مغزى. وقد تميزت الفترة خلال الحكم التركي العثماني باتجاهات سلبية وإيجابية كان لها تأثير بعيد المدى على التطور الحضاري للبلاد العربية. فعلى الجانب الإيجابي كانت هناك الدعوة إلى تجديد الإسلام وتصحيح العقيدة وهي ما تمثل في الحركة السلفية التي بدأها محمد بن عبد الوهاب وتبعه فيها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. وعلى الجانب السلبي كانت هناك دعوات التغريب والتشكيك الفكري والدعوات الشعوبية وهو ما سنفصل الكلام عنه في السطور الآتية:

стр. 456

١- الحركة الإصلاحية السلفية والتعليم: شهدت البلاد العربية ابتداء من النصف الثاني من القرن الثامن عشر انتفاضة ضد الوجود العثماني والضعف والتخلف الذي سيطر على العالم الإسلامي وقد امتدت هذه الحركة خارج البلاد العربية. وكانت حركة إصلاحية تجديدية محافظة. فهي محافظة لأنها دعت إلى العودة إلى المصادر الأساسية للإسلام وهي القرآن الكريم والسنة الإسلامية. وتجديدية في دعوتها لتجديد الإسلام وتصحيح العقيدة وتخليصها مما علق بها من أوهام وأباطيل تحول دون الفهم الصحيح للدين. كما دعت إلى فتح باب الاجتهاد وإحياء الشخصية الإسلامية على أساس الإخاء الإسلامي وتوحيد الاتجاهات الإسلامية بين المسلمين وجعل اللغة العربية صالحة لأن تكون لسان العالم الإسلامي. وقد عرفت هذه الحركة بالسلفية أيضا لأنها تصدر عن السلف الصالح من أمثال ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية. جاءت أول خطوة في هذه الحركة المباركة في العصور الحديثة من قلب الجزيرة العربية قادها محمد بن عبد الوهاب من الحجاز سنة ١٧٥٨ فكانت تعبيرا صادقا عن أصالة الإسلام. فمن هذه الأرض الطيبة بدأ ومن هذه الأرض الطيبة

стр. 457

أيضا قامت حركة تجديده. وكانت حركة رائدة تمثلت بها الحركة الإصلاحية والإسلامية التي تلتها في العالم الإسلامي، كالحركة السنوسية في ليبيا، والحركة المهدية في السودان، والدعوة إلى الجامعة الإسلامية التي قادها جمال الدين الأفغاني ومن بعده تلميذه محمد عبده وتلميذ الشيخ محمد رشيد رضا. وكانت هذه الحركة الإصلاحية بمثابة المناخ الفكري الذي قاد حركة النضال ضد الاستعمار في الوطن العربي فيما بعد ففي مصر قاد عمر مكرم الحركة الإسلامية الوطنية في مصر ضد الفرنسيين وضد الوالي التركي خورشيد حتى عزله وأعلن أن من حق الشعب عزل الحاكم إذا ظلم. وكانت دعوة جريئة تذكرنا بقوة وعظمة المسلمين الأوائل. وفي ليبيا إلى جانب الحركة السنوسية كان هناك عمر المختار الذي قاد مقاومة الاستعمار الإيطالي في ليبيا وعبد القادر الجزائري وعبد الرحمن بن باديس في الجزائر أيضا. ومنهم محمد عبد الله الشوكاني الداعية الإسلامي في اليمن ومحمود شكري الألوسي في العراق وخير الدين التونسي في تونس. وقد امتد صدى هذه الحركة خارج البلاد العربية إلى أصقاع أخرى في البلاد الإسلامية فقاد المجاهد "شامل" حركته ضد السيطرة الروسية في القوقاز. وكان من أهم أساليب الحركة السلفية الإصلاحية في تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها التربية والتعليم فكان محمد بن عبد الوهاب يحارب الأمية في سبيل نشر الدعوة ويلزم أتباعه بتعلم القراءة والكتابة مهما كانت سنه، ومهما كانت منزلته حتى الأمراء كانوا يقرءون مثل بقية الناس. فصار منهم العلماء المعلمون أمثل الإمام سعود الكبير الذي كان يلقي دروسا في التوحيد إلى جانب أعمال الإمارة. وكانت طريقته في التعليم تقوم على ما ذكره في إحدى رسائله. "اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع رسائل: الأولى العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. الثانية العمل به. الثالثة الدعوة إليه الرابعة الصبر على الأذى فيه". وقد ساند هذه الدعوة الوهابية الإصلاحية الأمراء السعوديون. ثم جاء

стр. 458

الملك عبد العزيز آل سعود فوحد البلاد وأنشأ المملكة العربية السعودية وأقام أسسها على تعاليم الإسلام والدعوة إلى العدل والسلام. وفي ليبيا كانت الحركة السنوسية تركز نشاطها التربوي في الزوايا التي كانت تنشئها ولا سيما في برقة. وكانت الزاوية "تعتبر معهد علم ومركز إصلاح ومحكمة للتقاضي وفض الخصومات ومدرسة لتحفيظ القرآن لكريم وتربية الرجال وإعداد الدعاة للطريقة وحارسا لحفظ البلاد من غارات الأعداء حيث كانت كل زاوية تضم مسجد للصلاة ومدرسة قرآنية كما يلحق بها مضيفة خاصة لاستقبال الضيوف للقيام بواجب الضيافة طيلة ثلاثة أيام كما جرى به العرف عند العرب من أهل البلاد". وقد انشرت الزوايا في كل أنحاء ليبيا حتى أصبح لكل قبيلة زاوية أو أكثر يرسلون إليها أولادهم لحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ العلوم الدينية واللغوية، وكان المتفوقون منهم يواصلون الدراسة العالية بالزاوية البيضاء وهي الزاوية التي كانت تعتبر بمثابة المركز الرئيسي للزوايا. إلا أن هذه الزواية أسلمت زعامتها فيما بعد إلى زاوية الجغبوب التي أنشئت سنة ١٨٥٦م. وسميت بذلك الاسم نسبة إلى مدينة الجغبوب على الحدود الشرقية لليبيا مع مصر. وكان جمال الدين الأفغاني رائد الجامعة الإسلامية وروحها الدافق وكان مدرسة تربوية تخرج فيها قادة الإصلاح كما كانت خطبة ذات أثر كبير على الجماهير. وقد كان داعية إلى التحرر من الظلم والاستبداد. وكانت كلماته مؤثرة في أعماق القلوب مدوية في النفوس. لقد خاطب المصريين بقوله: إنكم معشر المصريين قد أنشأتم في الاستعباد وربيتم في حجر الاستبداد وتناولتكم أيدي الفرس واليونان والرومان تسومكم حكوماتهم الحيف والجور والذل وأنتم صابرون صامتون.. انظروا إلى أهرام مصر ومشاهدة سيوة وحصون دمياط فهي شاهد بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم. هبوا من غفلتكم واصحوا من سكرتكم وعيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء. وكان لخطبه وكتاباته أثر كبير في اليقظة الفكرية الإسلامية وحمل الدعوة من بعده تلميذ الشيخ الإمام محمد عبده. وجاهد في سبيلها في مصر وسوريا

стр. 459

وفي لبنان وتونس والجزائر وفي كل مكان ذهب إليه. وكان يرى أن الطريق الوحيد للنهضة والتجديد في العالم الإسلامي هو التربية، وفي ذلك يقول: "إنني أدعو إلى التربية لأنني عرفت أية ثمرة تجنيها الأمم من غراس تغرسه وتقوم على تنميته السنين الطوال". وسار في هذا الطريق الذي رسمه محمد عبده المسلمون في المغرب العربي منهم عبد الحميد بن باديس في الجزائر فقد أنشأ من خلال جمعية العلماء المسلمين التي تزعمها حوالي ٣٠٠ مدرسة حفظت اللغة العربية والإسلام في الجزائر. ووصل الصدى إلى الأصقاع البعيدة في الهند فنجد هناك أحمد خان ينشئ جامعة عليكرة في الهند وشلبي النعماني أنشأ ندوة العلماء في لكنو بالهند ومن روادها أبو الحسن الندوي العالم الإسلامي المعروف. وقد اتجهت ندوة العلماء في نفس الطريق فقامت بإنشاء مدرسة كبرى للعلوم في مدينة "لكنو" كان عملها الأساسي هو "نشر المعارف وإعادة مجد اللغة العربية في بلاد الهند". كما كان السيد أحمد خان مؤسس جامعة عليكرة وسيد أمير علي وشلبي النعماني ومحمد إقبال في مقدمة الدعاة الذين آمنوا بأن التربية والثقافة هي الوسيلة الأساسية لإزالة آثار التخلف الإسلامي.

стр. 460

٢- دعوات التغريب والتشكيك الفكري: شهدت هذه الفترة دعوات وحركات مختلفة نشطة للتغريب والتضليل والتشكيك الفكري في الإسلام ومحاربة اللغة العربية وهي الدعامة الإساسية للدين. ومن هذه الحركات حركة التبشير والحركة الصهيونية والدعوة إلى العامية بدل الفصحى واستخدام الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية. وسنفصل الكلام عن كل واحدة منها في السطور التالية: الحركة التبشيرية ونشاطها التربوي: كانت الحركة التبشيرية التي شهدها العالم العربي في ظل الحكم العثماني التركي صورة أخرى للحروب الصليبية انتقلت فيها المعركة إلى داخل الوطن
следующие страницы →