← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7436

التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية

محمد منير مرسي

Полный текст (538 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

١- الحركة الإصلاحية السلفية والتعليم: شهدت البلاد العربية ابتداء من النصف الثاني من القرن الثامن عشر انتفاضة ضد الوجود العثماني والضعف والتخلف الذي سيطر على العالم الإسلامي وقد امتدت هذه الحركة خارج البلاد العربية. وكانت حركة إصلاحية تجديدية محافظة. فهي محافظة لأنها دعت إلى العودة إلى المصادر الأساسية للإسلام وهي القرآن الكريم والسنة الإسلامية. وتجديدية في دعوتها لتجديد الإسلام وتصحيح العقيدة وتخليصها مما علق بها من أوهام وأباطيل تحول دون الفهم الصحيح للدين. كما دعت إلى فتح باب الاجتهاد وإحياء الشخصية الإسلامية على أساس الإخاء الإسلامي وتوحيد الاتجاهات الإسلامية بين المسلمين وجعل اللغة العربية صالحة لأن تكون لسان العالم الإسلامي. وقد عرفت هذه الحركة بالسلفية أيضا لأنها تصدر عن السلف الصالح من أمثال ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية. جاءت أول خطوة في هذه الحركة المباركة في العصور الحديثة من قلب الجزيرة العربية قادها محمد بن عبد الوهاب من الحجاز سنة ١٧٥٨ فكانت تعبيرا صادقا عن أصالة الإسلام. فمن هذه الأرض الطيبة بدأ ومن هذه الأرض الطيبة

стр. 457

أيضا قامت حركة تجديده. وكانت حركة رائدة تمثلت بها الحركة الإصلاحية والإسلامية التي تلتها في العالم الإسلامي، كالحركة السنوسية في ليبيا، والحركة المهدية في السودان، والدعوة إلى الجامعة الإسلامية التي قادها جمال الدين الأفغاني ومن بعده تلميذه محمد عبده وتلميذ الشيخ محمد رشيد رضا. وكانت هذه الحركة الإصلاحية بمثابة المناخ الفكري الذي قاد حركة النضال ضد الاستعمار في الوطن العربي فيما بعد ففي مصر قاد عمر مكرم الحركة الإسلامية الوطنية في مصر ضد الفرنسيين وضد الوالي التركي خورشيد حتى عزله وأعلن أن من حق الشعب عزل الحاكم إذا ظلم. وكانت دعوة جريئة تذكرنا بقوة وعظمة المسلمين الأوائل. وفي ليبيا إلى جانب الحركة السنوسية كان هناك عمر المختار الذي قاد مقاومة الاستعمار الإيطالي في ليبيا وعبد القادر الجزائري وعبد الرحمن بن باديس في الجزائر أيضا. ومنهم محمد عبد الله الشوكاني الداعية الإسلامي في اليمن ومحمود شكري الألوسي في العراق وخير الدين التونسي في تونس. وقد امتد صدى هذه الحركة خارج البلاد العربية إلى أصقاع أخرى في البلاد الإسلامية فقاد المجاهد "شامل" حركته ضد السيطرة الروسية في القوقاز. وكان من أهم أساليب الحركة السلفية الإصلاحية في تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها التربية والتعليم فكان محمد بن عبد الوهاب يحارب الأمية في سبيل نشر الدعوة ويلزم أتباعه بتعلم القراءة والكتابة مهما كانت سنه، ومهما كانت منزلته حتى الأمراء كانوا يقرءون مثل بقية الناس. فصار منهم العلماء المعلمون أمثل الإمام سعود الكبير الذي كان يلقي دروسا في التوحيد إلى جانب أعمال الإمارة. وكانت طريقته في التعليم تقوم على ما ذكره في إحدى رسائله. "اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع رسائل: الأولى العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. الثانية العمل به. الثالثة الدعوة إليه الرابعة الصبر على الأذى فيه". وقد ساند هذه الدعوة الوهابية الإصلاحية الأمراء السعوديون. ثم جاء

стр. 458

الملك عبد العزيز آل سعود فوحد البلاد وأنشأ المملكة العربية السعودية وأقام أسسها على تعاليم الإسلام والدعوة إلى العدل والسلام. وفي ليبيا كانت الحركة السنوسية تركز نشاطها التربوي في الزوايا التي كانت تنشئها ولا سيما في برقة. وكانت الزاوية "تعتبر معهد علم ومركز إصلاح ومحكمة للتقاضي وفض الخصومات ومدرسة لتحفيظ القرآن لكريم وتربية الرجال وإعداد الدعاة للطريقة وحارسا لحفظ البلاد من غارات الأعداء حيث كانت كل زاوية تضم مسجد للصلاة ومدرسة قرآنية كما يلحق بها مضيفة خاصة لاستقبال الضيوف للقيام بواجب الضيافة طيلة ثلاثة أيام كما جرى به العرف عند العرب من أهل البلاد". وقد انشرت الزوايا في كل أنحاء ليبيا حتى أصبح لكل قبيلة زاوية أو أكثر يرسلون إليها أولادهم لحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ العلوم الدينية واللغوية، وكان المتفوقون منهم يواصلون الدراسة العالية بالزاوية البيضاء وهي الزاوية التي كانت تعتبر بمثابة المركز الرئيسي للزوايا. إلا أن هذه الزواية أسلمت زعامتها فيما بعد إلى زاوية الجغبوب التي أنشئت سنة ١٨٥٦م. وسميت بذلك الاسم نسبة إلى مدينة الجغبوب على الحدود الشرقية لليبيا مع مصر. وكان جمال الدين الأفغاني رائد الجامعة الإسلامية وروحها الدافق وكان مدرسة تربوية تخرج فيها قادة الإصلاح كما كانت خطبة ذات أثر كبير على الجماهير. وقد كان داعية إلى التحرر من الظلم والاستبداد. وكانت كلماته مؤثرة في أعماق القلوب مدوية في النفوس. لقد خاطب المصريين بقوله: إنكم معشر المصريين قد أنشأتم في الاستعباد وربيتم في حجر الاستبداد وتناولتكم أيدي الفرس واليونان والرومان تسومكم حكوماتهم الحيف والجور والذل وأنتم صابرون صامتون.. انظروا إلى أهرام مصر ومشاهدة سيوة وحصون دمياط فهي شاهد بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم. هبوا من غفلتكم واصحوا من سكرتكم وعيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء. وكان لخطبه وكتاباته أثر كبير في اليقظة الفكرية الإسلامية وحمل الدعوة من بعده تلميذ الشيخ الإمام محمد عبده. وجاهد في سبيلها في مصر وسوريا

стр. 459

وفي لبنان وتونس والجزائر وفي كل مكان ذهب إليه. وكان يرى أن الطريق الوحيد للنهضة والتجديد في العالم الإسلامي هو التربية، وفي ذلك يقول: "إنني أدعو إلى التربية لأنني عرفت أية ثمرة تجنيها الأمم من غراس تغرسه وتقوم على تنميته السنين الطوال". وسار في هذا الطريق الذي رسمه محمد عبده المسلمون في المغرب العربي منهم عبد الحميد بن باديس في الجزائر فقد أنشأ من خلال جمعية العلماء المسلمين التي تزعمها حوالي ٣٠٠ مدرسة حفظت اللغة العربية والإسلام في الجزائر. ووصل الصدى إلى الأصقاع البعيدة في الهند فنجد هناك أحمد خان ينشئ جامعة عليكرة في الهند وشلبي النعماني أنشأ ندوة العلماء في لكنو بالهند ومن روادها أبو الحسن الندوي العالم الإسلامي المعروف. وقد اتجهت ندوة العلماء في نفس الطريق فقامت بإنشاء مدرسة كبرى للعلوم في مدينة "لكنو" كان عملها الأساسي هو "نشر المعارف وإعادة مجد اللغة العربية في بلاد الهند". كما كان السيد أحمد خان مؤسس جامعة عليكرة وسيد أمير علي وشلبي النعماني ومحمد إقبال في مقدمة الدعاة الذين آمنوا بأن التربية والثقافة هي الوسيلة الأساسية لإزالة آثار التخلف الإسلامي.

стр. 460

٢- دعوات التغريب والتشكيك الفكري: شهدت هذه الفترة دعوات وحركات مختلفة نشطة للتغريب والتضليل والتشكيك الفكري في الإسلام ومحاربة اللغة العربية وهي الدعامة الإساسية للدين. ومن هذه الحركات حركة التبشير والحركة الصهيونية والدعوة إلى العامية بدل الفصحى واستخدام الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية. وسنفصل الكلام عن كل واحدة منها في السطور التالية: الحركة التبشيرية ونشاطها التربوي: كانت الحركة التبشيرية التي شهدها العالم العربي في ظل الحكم العثماني التركي صورة أخرى للحروب الصليبية انتقلت فيها المعركة إلى داخل الوطن

стр. 461

العربي الإسلامي نفسه. وقد ارتبطت هذه الحركة بنشاط المبشرين من الأوربيين، والأمريكيين في القرن التاسع عشر في مصر والشام وما قاموا به من إنشاء المدارس والمستشفيات لخدمة أغراضهم. وقد أصبح التبشير حركة عالمية منذ سنة ١٨٣٠ عندما أقره البابوات ورسموا خطته ورصدت له الدول الأوربية الأمور الضخمة للإنفاق عليه. وقد سار العمل التبشيري في طريقين: ١- طريق الاحتلال العسكري، وليس من قبيل الصدفة أن تقوم فرنسا باحتلال الجزائر في نفس السنة التي أصبح فيها التبشير حركة عالمية. ٢- طريق العمل التربوي وكان في تأثيره أقوى مضاء من السيف، وقد عملت الحركة التبشيرية على ترويج الأفكار التي تخدم مصالح التبشير وفي مقدمتها التشكيك في القيم العربية الإسلامية وفي التاريخ الإسلامي وفي فضل العرب والمسلمين على الحضارة العالمية. وقد تغذت في نشر أفكارها على الشبهات والمزاعم التي أثارها المستشرقون. وقد اهتمت حركة التبشير بإنشاء مدارس رياض الأطفال ومدارس البنات بصفة خاصة ليسهل التأثير على عقول النشء. وقد عبرت عن هذا أحسن تعبير إحدى المبشرات في كلامها عن مدرسة تبشيرية للبنات بالقاهرة قالت: "في المدارس بنات الباشوات والبكوات وليس هناك مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ التبشيري، وليس هناك طريق إلى حصن الإسلام أقصر من هذه المدرسة". وقد عبرت بصراحة عن هذا الهدف القرارات التي اتخذتها مؤتمرات التبشير العالمية التي عقدت في العواصم الإسلامية والأوربية في النصف الأول من القرن العشرين. فقد ورد في هذه القرارات فيما بتعلق بالتربية والتعليم ما نصه: "يجب أن يكون العمل في كل ميدان موجها نحو النشء الصغير من المسلمين. ويجب أن يقدم هذا العمل على كل عمل عداه في الأقطار الإسلامية ذلك أن بزوغ روح الإسلام في النشء الحديث يبدأ من فترة مبكرة من عمره ومن

стр. 462

ثم يجب أن يؤتى بالنشء الصغير من المسلمين قبل أن يتكامل نمو عقلهم ويتم إبعادهم عن القوالب الإسلامية فتقسوا عقليتهم وأخلاقهم. إن التعليم التبشيري ما يزال أفضل طريقة للوصول إلى المسلمين". ومن الإشارات ذات المغزى عن دور الاستعمار في مناهج التربية في العالم الإسلامي إشارة تقول: "إن السياسية الاستعمارية لما قبضت على برامج التعليم في المدارس الابتدائية حذفت منها القرآن ثم تاريخ الإسلام وبذلك أخرجت ناشئة لا هي مسلمة ولا هي مسيحية ولا هي يهودية. ناشئة مضطربة مادية الأغراض لا تؤمن بعقيدة ولا تعرف حقا فلا للدين كرامة. ولا للوطن حرمة". وإلى جانب المدارس اهتمت الحركة التبشيرية بإنشاء المستشفيات لعلاج الطبقة الفقيرة وتقديم المساعدات الاجتماعية لهم بهدف التأثير على نفوسهم وأفكارهم. وكانت مالطة أول مركز للبعثات التبشيرية في الشرق الأوسط منذ مطلع القرن التاسع عشر. وكانت بيروت ثاني مركز وفيه تركزت الحركة التبشيرية ونشأت بها جامعة الجيزويت الكلية السورية الإنجيلية "الجامعة الأمريكية" سنة ١٨٦٦ التي لعبت دورا تربويا بارزا. قد خرجت منذ نشأتها الآلاف ومنهم الكثيرون الذي تولوا مراكز القيادة في البلاد. وكان منهم رؤساء الوزارات والأساتذة ورجال الفكر والصحفيون والقضاة والأطباء. وإلى جانب الكلية السورية الإنجيلية أنشئت كلية القديس يوسف "الكلية الفرنسية" سنة ١٨٧٣. كما كان للجمعيات التبشيرية في لبنان مدارسها الابتدائية والثانوية. وكان إنشاء جميعة المقاصد الخيرية الإسلامية التي تأسست في بيروت بأوقافها الخاصة من أراض وعقارات في عهد مدحت باشا الوالي التركي رد فعل للمدارس التبشيرية. إذ كان الغرض من إنشائها تهيئة السبل لإنشاء مجالس إسلامية تعنى بشئون التعليم الخاص بالطائفة الإسلامية على غرار المجالس المسيحية التي تتعهد شئون التعليم لدى الطوائف المسيحية. وكانت مصر تقوم بتزويد هذه المدارس بالمدرسين والكتب. وفي سوريا وجدت الجمعية السورية التي أنشئت سنة ١٨٤٧ بتوجيه وحماية المبشرين

стр. 463

الأمريكيين وحملت لواء الدعوة القومية العربية لتفت في عضد الإسلام. وكان في المغرب مدارس أنشأتها الإرساليات اليهودية والمسيحية منذ أوائل القرن التاسع عشر. ووجدت المدارس التبشيرية في السودان في النصف الأول من القرن العشرين، وقد جاهر غوردون البريطاني بضرورة تنصير السودان. ووجدت المدارس التبشيرية في إستانبول في قلب الدولة العثمانية نفسها. ذلك أن السياسة الداخلية للدولة العثمانية منحت الطوائف الدينية من غير المسلمين امتيازات خاصة في كل ما يتعلق بالشئون الدينية، واعتبرت شئون التعليم من الأمور المرتبطة بالأديان فخولت الطوائف المسيحية والإسرائيلية حق تأسيس المدارس وإدارتها. وكانت فرنسا أنشط الدول الأجنبية في التبشير لأنها اعتبرت نفسها حامية الكوثوليك كما اعتبرت روسيا القيصرية نفسها حامية الطائفة الأرثوذكسية وأسست لها مدارس في الشام. وكانت الإرساليات الإنجيلية أنشطها، كما كان هناك مدارس أنشأتها الإرساليات الألمانية والإيطالية والإيرلندية والدانمركية. وفي مصر وجدت الحركة التبشيرية مجالا خصبا في ميدان التربية في القرن التاسع عشر. ففي سنة ١٨٤٠ أنشأ الآباء العازاريون أول مدرسة فرنسية لهم في الإسكندرية وكذلك أنشأت الجمعية الإنجيلية البروتستانتية مدارس لها. وتبعهم الفرير والإرسالية الأمريكية البروتستانية. وتبعهم بعد ذلك الآباء الجزويت وحتى عام ١٨٧١ كانت توجد ١٦٠ مدرسة أجنبية تضم ٥٥٩١ تلميذا. ولم تكن هناك أي قيود على هذ المدارس بل إن الأغرب من هذا أن المدارس كانت تلقى التشجيع الأدبي والمادي من الحكام المصريين. فكانت تقدم لهم الهبات وتمنح الأراضي وكميات سنوية من القمح وتدفع لها أجور ومرتبات معلمي اللغة العربية وتقدم لها مجانا الكتب الدراسية ومساعدات مالية سنوية أيضا. الحركة الصهيونية: شهد العالم الإسلامي في العصور الحديثة أكبر مؤامرة تدبر ضده وتعتبر امتداد للحروب الصليبية التي انتهت بالنصر للمسلمين. وأخذت الحركة

стр. 464

التبشيرية صورة أخرى للحروب الصليبية انتقلت منها المعركة إلى قلب الوطن العربي الإسلامي ذاته وقد فصلنا الكلام عن ذلك في تناولنا للحركة التبشيرية. وكانت الصهيونية صورة أخرى للحروب الصليبية استهدفت إيجاد جسم غريب دائم يعمل على استنزاف طاقات العالم العربي الإسلامي ويشتت جهوده ويحول دون تقدمه. وقد عملت الحركة الصهيونية منذ نشأتها على يد هرتزل في نهاية القرن التاسع عشر على تزييف حقائق الإسلام وتشويهها في كل الموسوعات التاريخية والثقافية في الغرب كما شوهت الصورة العربية في أعين الأوربيين وغيرهم. وقد انتهى الأمر بالصهيونية إلى خلق كيان لها في الوطن العربي. ووجودها يفرض على البلاد العربية تحديا حضاريا خطيرا تلعب التربية والتعليم الدور الرئيسي في تحديد النتيجة النهائية له، فقد أثبت هذا التحدي أن العبرة ليست بكم البشر وأن على الدول العربية أن تأخذ بالأسلوب الحضاري الشامل إذا كان عليها أن تثبت وجودها أمام هذا التحدي الخطير. الدعوة إلى العامية واستخدام الحروف اللاتينية: بدأت الدعوة إلى العامية بدل الفصحى في مصر في يناير ١٨٩٣ عندما ألقى المهندس الإنجليزي وليم ويلكوكس محاضرة في نادي الأزبكية كان موضوعها: لماذ لا توجد الآن لدى المصريين قوة الابتكار؟ زعم فيها أن قوة الابتكار تأتي من قوة الفكر التي يرثها الفرد عن أبيه ومن قوة الخيال التي يرثها عن أمه. وقال: إن أهم عائق يمنع المصريين من الابتكار أنهم يؤلفون ويكتبون باللغة العربية الفصحى، ولو أنهم ألفوا وكتبوا بالعامية لصاروا مبتكرين. واستدل على ذلك بأن الإنجليز لم يكونوا مبتكرين عندما كانوا يؤلفون باللاتينية فلما اختاروا لغة الفلاحين وكتبوا بها صاروا مبتكرين. وضرب مثالا بشكسبير وبيكون. وقد قام ويلكوكس بترجمة الإنجيل إلى اللغة العامية المصرية، كما ألف كتبا بالعامية المصرية أيضا وكان يوزعها مجانا على الناس. وللأسف أن الدعوة العامية رغم ما فيها من شر مستطير لا يخفى على العين فإنها قد وجدت آذانا مصغية تستجيب لها. وقد ردد سلامة موسى في مجلة "الهلال" دعوة "ويلكوكس" إلى العامية

стр. 465

وأثنى على ويلكوكس كأحد الإنكليز المخلصين لمصر شغل بها كثيرا حتى أصبحت همومه مصرية أكثر منها إنجليزية. وكانت الدعوة إلى العامية رد فعل للشبهات التي أثيرت حول قدرة اللغة الفصحى على الوفاء بمتطلبات العصر من ناحية وأنها لغة لا تستخدم في التخاطب من ناحية أخرى، كما كانت هناك دعوة أخرى مغرضة ترمي إلى إحلال الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية. وهي دعوة سلمت منها البلاد العربية الإسلامية وأثبتت أنها قادرة على تحدي كل محاولات التغريب والتشكيك. وللأسف أن الدعوة إلى استخدام الحروف اللاتينية قد وجدت من أبناء العربية من يناصرها فهذا عبد العزيز باشا فهمي أحد شيوخ مجمع اللغة العربية يقدم إلى المجمع في أوائل شهر مايو سنة ١٩٤٣ اقتراحا بتيسير الكتابة العربية عن طريق استخدام الحروف اللاتينية بدل العربية. وكتب أنيس فريحة، أستاذ اللغة العربية في الجامعة الأمريكية ببيروت "يطالب بعض الناس بتبني الحروف اللاتينية تسهيلا للقراءة وتخفيفا لنفقات الطباعة ونحن من المؤمنين بهذه النظرية ولا نرى حلا للكتابة إلا بتبني الحرف اللاتيني وضبط الكلمات فيه مرة واحدة". وكان دعاة استخدام الحروف اللاتينية هم دعاة استخدام العامية بدل الفصحى وفي ذلك يقول أنيس فريحة أيضا: "إن الفصحى ليست لغة الكلام فلا يرجى منها أن تعبر عن الحياة بحلاوتها ومرارتها وقسوتها ولينها كما تستطيع العامية، الدليل ظاهر فإنك لا تستطيع أن تقول بالفصحى ما تقوله بالعامية وإذا نقلته إلى الفصحى أتى قاسيا جافا خلوا من العنصر الإنساني اللصيق باللغة". إن من الغريب أن يأتي هدم اللغة الفصحى من أناس تصدوا لخدمتها والعمل على رفعتها. ويبدو أن هذه الدعوة اختلطت بدعوات أخرى منها تبسيط اللغة العربية من حيث قواعدها وأسلوب كتابتها دون هجرها إلى غيرها، والارتقاء باللغة العامية لتقترب من الأدبية الفصحى، وقضية تعريب الكلمات الأجنبية بالعربية، وتقريب الفجوة بين اللغة الفصحى والعامية وتجديد الأدب العربي.

стр. 466

ظهور الدعوات الشعوبية: كان من أهم الملامح السلبية التي ظهرت في البلاد العربية في ظل الحكم التركي العثماني في القرن التاسع عشر الدعوات الشعوبية المختلفة. وكانت هذه الدعوات غريبة عن روح الإسلام فلا شعوبية في الإسلام وقد ظل طيلة ثلاثة عشر قرنا من الزمان سابقة لهذة الفترة يدعو إلى الأخوة البشرية والمساواة الإنسانية. فنجد الدعوة الطورانية أو الجامعة التركية التي كانت ترمي إلى سلخ تركيا عن الإسلام وبعث حضارتها الجاهلية القديمة لأن الإسلام -في نظرهم- لا يصلح شأنهم. ودعت إلى العودة إلى أسلافهم الطورانيين. فكعبتهم طوران ومثلهم الأعلى جنكيز خان وأمجادهم فتوحات المغول. وكان شعارهم إهمال الجامعة الإسلامية التي دعا إليها الأفغاني إلا إذا كانت خادمة للدعوة الطورانية. وهذا يعني أنهم أتراك أولا ثم مسلمون ثانيا. كما ظهر حزب تركيا الفتاة في نفس الاتجاه. وظهرت القومية في فارس أيضا وأخذ كثير من الفرس يبحثون عن دين فارس القديم كالزرادشتية أو المانوية أو المزدكية وغيرها. وظهرت أيضا الدعوة إلى الإقليمية الانفصالية كالدعوة إلى مصر الفرعونية ولبنان الفينيقية والعراق والآشورية، وفي المغرب العربي كانت الدعوة إلى الانتماء إلى الأصول العرقية للبربر. وهذه الدعوات كانت خطيرة على العالم العربي الإسلامي وعملت على بلبة الأفكار وتفتيت الوحدة الإسلامية كما ساعدت على تعميق التناقضات الفكرية والثقافية في البلاد العربية. وكان من أخطر القضايا التي عرفها العالم العربي آنذاك أيضا الدعوة إلى القومية العربية. إن الدعوى إلى القومية غريبة عن روح الإسلام لأن الإسلام كما هو معروف لا يعرف الشعوبية ولا التعصب العرقي. وقد جاء للناس كافة دون تميز في الجنس أو اللون أو الغنى أو الفقر. وجاء ليقرر أن الناس كأسنان المشط في المساواة ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. ومن المعروف تاريخيا أن الدعوة إلى القومية العربية لم تعرف طريقها إلى العرب إلا خلال القرن الماضي، وقد كان

стр. 467

دخول الفكرة القومية إلى العرب تحت عاملين رئيسيين: أولهما: سياسة التمييز الديني التي اتبعتها الخلافة التركية الإسلامية بين العرب والمسلمين وبناء على هذه السياسية عاملت تركيا غير المسلمين معاملة الأقليات الأجنبية. وعلى الرغم من الاعتراض الذي يمكن أن يوجه لهذه السياسة فإن المسيحيين العرب تمتعوا بميزات لم يكن يحظى بها إخوانهم من المسلمين العرب، وهي حقهم في إنشاء المدارس الخاصة بهم التي كانت تعلم باللغة العربية. هذا في حين أن المسلمين العرب كانوا تائهين في ظل النظام التركي الذي فرض اللغة التركية لغة للتعليم وكانت تدرس العربية كلغة أجنبية هامشية. ومن هنا يمكن أن نفهم السر في كون كثير من حملة مشعل الثقافة العربية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر من غير المسلمين العرب. وقد ساعد ذلك من ناحية أخرى على تأجج الشعور القومي لدى المسيحيين العرب وأخذوا يبحثون عن الرباط الذي يربطهم بهذا الوطن الذي نبتوا على أرضه وبين أحضانه ترعرعوا ولكنهم يعاملون فيه من قبل تركيا معاملة الغرباء. وقد جاءتهم الإجابة من أوربا التي كانت تعيش في ذلك الوقت فترة تعرف في تاريخ أوربا بتكوين القوميات، وكان لهذه السياسة آثار تربوية بعيدة المدى على العالم العربي الإسلامي وهو ما سنعرض له عند الكلام عن السياسة التربوية للدولة العثمانية. العامل الثاني: يتمثل في حرب القوميات التي كانت تخوضها أوربا في القرن التاسع عشر وهو القرن الذي يلقب بقرن القوميات. فقد عمت أوربا موجة من الشعور القومي الذي يستند على أساس فكرة هيجل التي تقول بأن الدولة الحقة هي التي تتكون من قومية واحدة. نظرا لأن الدولة الأوربية لم تكن قائمة على هذا الأساس، وإنما على قوميات مجزأة بين دول مختلفة فقد بدأت نيران الحرب تضطرم بين هذه الدول من أجل تحقيق الفكرة القومية لها. وهكذا شهدت أوربا صراعا مريرا في سبيل تشكيل قومياتها وتحقيق الوحدة القومية لها. وفي هذا الوقت الذي كان يحتدم فيه الصراع كان المسيحيون يبحثون عن سند حقيقي يستندون فيه لتبرير وجودهم الغربي. وهكذا كانت فكرة القومية العربية فكرة خلابة بالنسبة لهم جذبتهم ببريقها وتحمسوا لها. وقد جاءتهم نتيجة اتصالهم

стр. 468

بأوربا من خلال الروابط الكنسية والدينية وكان في مقدمة النتائج التي ترتبت على ذلك تعريب الكنائس المسيحية العربية واستخدام اللغة العربية في الصلوات والطقوس والترانيم الكنسية. وهكذا دخلت فكرة القومية العربية إلى البلاد العربية في القرن التاسع عشر فقط على يد المسيحيين العرب. وقبل هذا القرن لم يكن لهذا المصطلح وجود بل إن شيوع استخدامه في العربية يرجع إلى هذا التاريخ الحديث. ومن هنا أيضا نكرر القول بأن فكرة القومية هي فكرة غريبة عن الثقافة العربية والإسلامية وتعتبر دخيلا عليها على الرغم من الترويج الكبير الذي تحمس له الكثيرون في السنوات الأخيرة، وقد ترتب على ذلك وجود كثير من الدعاوي التي أحدثت البلبلة في العقول واختلطت الأمور أمام أعين الكثيرين حتى المفكرين منهم لدرجة أننا نجد عالما مسلما كبير مثل ساطع الحصري على ما له من أفضال علمية كبيرة يؤلف كتابا بعنوان له معناه هو "العروبة أولا". إن الإسلام ينبغي أن يفهم لا على أنه دين فحسب، إنه نظام حياة اجتماعية تشمل المسلمين والمسيحيين على السواء باعتراف المنصفين من المسيحيين أنفسهم. ويقول منيف الرزاز في كتابه "معالم الحياة العربية الجديدة": إن المسيحيين العرب لم يكتسبوا صفتهم العربية إلا من خلال الإسلام فمن أين جاءهم اللسان العربي المبين الذي يتحدثون به ويكتبون ويؤلفون به؟ وعندما نقول اللسان فإننا نعني بذلك ما يرتبط باللغة من فكر ومعان باعتبارها الوعاء الثقافي وليست مجرد كلمات أو وسيلة للاتصال. يضاف إلى ذلك أن التراث المسيحي نفسه جزء لا يتجزأ من تراث الإسلام. وهكذا ينبغي أن نفهم الإسلام على أنه ثقافة تتكامل في جوانبها المختلفة تقوم في أساسها على اللغة العربية، وهو بهذا ينسحب على المسلمين وغيرهم على السواء ما داموا يعيشون على أرض وطن واحد يجمعهم انتماء مصيري يربط بينهم. السياسة التعليمية العثمانية في البلاد العربية: قامت السياسة التعليمية التي اتبعتها السلطات التركية العثمانية في

стр. 469

البلاد العربية على أساس جعل اللغة التركية اللغة الرسمية في دواوين الحكومة ولغة التعليم في المدارس وكان فرض اللغة التركية كلغة رسمية للحكومة مثارا لشكوى الناس وسخطهم لتعطل أمورهم ومصالحهم بسبب جهلهم باللغة التركية. فكان الضباط المتقاعدون في الجيش العثماني يقومون بتعليم اللغة التركية في المدارس القائمة في الولايات العربية الإسلامية. وكان التعليم في هذه الولايات تعليما تقليديا وكان يتم في الكتاتيب والمساجد والزوايا أو المدارس التي أنشئت بالجهود الفردية وغيرها. وهذه المعاهد التعليمية كانت تقتصر على تعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ الدين، أي أنها اقتصرت على العلوم النقلية، وأهملت العلوم العقلية, ومن كان يريد إكمال تعليمه كان يرحل إلى الجامع الأزهر في مصر أو جامع الزيتونة في تونس. وفي العهد العثماني ظل التعليم التقليدي على حاله متروكا للجهود الأهلية والفردية والتطوعية ولم يعط التعليم الحديث أي اهتمام من جانب العثمانيين لفترة طويلة حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بل وعندما بدءوا يظهرون نوعا من الاهتمام به استخدموه لخدمة أغراضهم العسكرية. وكان للهزائم المتتالية للسلطنة العثمانية أمام الدول الأوربية رد فعل كبير على الاصطلاحات التعليمية والأخذ بالتعليم الحديث. فقد كانت الرغبة في بناء جيش حديث على غرار الجيوش الأوربية هي الدافع الرئيسي وراء إنشاء المدارس الحديثة في السلطنة العثمانية، ولذلك نجد أن المعاهد التعليمية التي أنشئت في بدء اليقظة الفكرية والسياسية في الدولة العثمانية؛ كانت كلها من نوع المدارس العسكرية المقتبسة من النظام الفرنسي. فقد كانت فرنسا آنذاك من أقوى الدول الأوربية، وكان الغرض الأساسي من إنشاء هذه المدارس تعليم الفنون العسكرية، وكان دخول العلوم الحديثة كالتاريخ والجغرافيا والعلوم والرياضة والطبيعة ضرورة استلزمها تعليم الفنون العسكرية في المراحل التعليمية المختلفة. وكانت هذه المراحل تتمثل في المدارس الابتدائية وكان يدرس بها اللغة التركية والتاريخ التركي إلى جانب اللغة العربية والدين الإسلامي والجغرافيا والرياضيات.

стр. 470

والمدارس الرشدية وهي مدارس حديثة أو عسكرية متوسطة مدتها ثلاث سنوات، وكانت اللغة التركية لغة التعليم بها وكان المعلمون من التراك غالبا. والمدارس الإعدادية العسكرية التي تقوم مقام المدرسة الثانوية، وأخيرا المدارس العسكرية الاختصاصية التي تقوم مقام المدارس العالية. وكانت هذه المدارس العالية موجودة في إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية وحدها، وأما المدارس الإعدادية والرشدية العسكرية فقد كانت موجودة في الولايات تحت الإدارة العثمانية وكان الطلاب يتمون الدراسة الرشدية والإعدادية في مراكز الولايات التي ينتسبون إليها، وبعد ذلك ينتقلون إلى عاصمة الدولة لإتمام دراستهم العالية في المعاهد القائمة فيها. وكانت الولايات العربية ترسل بعثات طلابية لمواصلة تعليمهم في المدرسة العسكرية العالية وكذلك للالتحاق بمدرسة العشائر التي كانت أيضا في عاصمة السلطنة في إستانبول وكان هدفها تعليم أبناء العشائر تعليما خاصا يؤهلهم لتولي بعض الخدمات العسكرية والمدنية. وهناك نقطة أخرى هامة تتعلق بالسياسة التعليمية للدولة العثمانية في البلاد العربية هي أن السياسة الداخلية للدولة العثمانية منحت الطوائف الدينية من غير المسلمين امتيازات خاصة في كل ما يتعلق بالشئون الدينية. وقد اعتبرت الدولة العثمانية شئون التعليم من الأمور المرتبطة بالأديان والمذاهب فخولت جميع الطوائف المسيحية والإسرائيلية حق تأسيس المدارس وإدارتها أيضا. وكانت هذه المدارس الطائفية بادئ الأمر من نوع المدارس الدينية حقيقة غير أنها تطورت بعد ذلك بسرعة وتحولت إلى معاهد تعليمية عصرية. وكانت هذه المدارس تسير على مناهج خاصة بها تختلف باختلاف أديان الجامعات ومذاهبها، ولا تمت بأي صلة إلى مناهج المدارس الحكومية واتجاهاتها. وكثيرا ما كانت تستلهم خططها ومناهجها من المدارس الأجنبية نفسها، وكانت الحقوق الممنوحة لهذه الطوائف تشمل "لغة التعليم" بهذه المدارس أيضا. فكان يجوز لكل طائفة أن تعلم أبناءها بلغتها وكان للمسيحيين العرب الحق في أن يعلموا في مدارسهم باللغة العربية. وقد أدت هذه السياسة العثمانية إلى نتائج غريبة بالنسبة للبلاد العربية، فقد ترتب عليها نشاط كبير في إنشاء المدارس الطائفية والأجنبية كما

стр. 471

أدت إلى مفارقات ثقافية بين العرب المسلمين وإخوانهم العرب المسيحيين: فقد انحصرت الفرص التعليمية أمام العرب المسلمين في الكتاتيب والمدارس القديمة أو المدارس الرسمية التي كانت تعلم باللغة التركية في حين أن إخوانهم المسيحيين أسسوا مدارس خاصة بهم وجعلوا اللغة العربية لغة التعليم بها. ولهذا السبب انتشر التعليم العربي الحديث بين المسيحيين قبل المسلمين. ولهذا السبب أيضا كان معظم الكتاب والمؤلفين والخطباء الذين ظهروا في الولايات العربية في العهد العثماني مسيحيين بالرغم من قلة عدد هؤلاء بالنسبة إلى المسلمين. وقد لعبت المدارس الأجنبية دورا تأثيريا مماثلا. فقد تأسست هذه المدارس في أول الأمر على أيدي الإرساليات الدينية والجماعات التبشيرية. وكانت كل إرسالية من هذه الإرساليات تعتمد على دولة من الدول الأجنبية، وتصبح بذلك واسطة لنشر لغة تلك الدولة بجانب تعليم العلوم المختلفة من جهة وتعلم اللغة العربية لاجتذاب العرب إليها من جهة أخرى. وكانت فرنسا أنشط الدول الأجنبية في هذا المضمار لأنها اعتبرت نفسها حامية الكاثوليك كما كانت روسيا القيصرية حامية الأرثوذكس وأسست لها مدارس في الشام وهو ما أشرنا إلى تفصيله في الكلام عن الحركة التبشيرية. وقد أشرنا إلى أن اللغة التركية كانت اللغة الرسمية في المدارس والدواوين في البلاد العربية باعتبارها لغة أصحاب السلطان. وكانت اللغة عربية تعيش غريبة في وطنها وكانت تدرس كلغة أجنبية حتى غلبت عليها العجمة. وقد استمر نفوذ اللغة التركية حتى أخذت البلاد العربية في الاستقلال عن الدول العثمانية. وكانت مصر أسبق الدول العربية في ذلك. ومع ذلك ظل نفوذ اللغة التركية فيها قويا واستمرت تدرس باهتمام حتى سنة ١٨٨٨ عندما أصبحت لغة إضافية تدرس اختياريا لمن يرغب في دراستها. تطور التربية الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء: للإسلام تاريخ طويل في إفريقيا وهو يرجع إلى القرن السابع الميلادي عندما انتشر الإسلام في شمال إفريقيا. وبعدها في القرن الثامن بدأ الإسلام في الانتشار في باقي أنحاء إفريقيا عن طريق التجارة في السودان والغرب الإفريقي

стр. 472

وشرق إفريقيا. وكان الطلاب الإفريقيون يغدون إلى الأزهر للتعلم. وكانت هناك مراكز إسلامية وحكام مسلمون، ومن أهم المراكز في غرب إفريقيا منذ القرن الرابع عشر الميلادي تمباكتو Timbuktu حيث كانت مركزا للتعليم الإسلامي وكان لها تأثير كبير على منطقة مالي وموريتانيا المعاصرة. وكانت هناك مراكز أخرى غيرها. وكانت هناك في غرب إفريقيا مراكز إسلامية طيلة قرون طويلة قبل إنشاء الجامع الأزهر عام ٩٩٦م. مثل مدرسة القرويين في المغرب. وفي عام ١٩١٠ كان يوجد في غينيا guinea ما يقرب من ٦٤٠٠ مدرسة إسلامية تضم ٢٧ ألف تلميذ، حيث لم تكن هناك أي مدارس أخرى غريبة "johnson: ١٩٧٥ p٢٢٣". ويروى أن المصلح الإسلامي من شمال نيجيريا عثمان بن فودي usuman dan fodio "١٧٤٥-١٨١٧" قد رحل إلى النيجر عام ١٧٧٤ لتلقي العلم على يد الشيخ جبريل عمر. "hiskett p.٢٣": في عام ١٩٧٧ أسس في كانو في نيجيريا معهد لتخريج معلمات اللغة العربية والعلوم الإسلامية "bray: p.٨٥". بيد أن الشيخ أحمد بن حجر "ص٧٧-٨٧" ينسب الشيخ عثمان بن فودي إلى السودان ويقول إنه أحد أفراد قبيلة الفولا وهي من قبائل رعاة السودانيين وأنه بعد التقائه بعلماء الدعوة الوهابية في موسم الحج وبعد اعتناقه المبادئ التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الله الوهاب عاد إلى بلاده وأخذ يحارب البدع الشائعة بين عشيرته وقومه ويعمل للقضاء على بقايا الوثنية وعبادة الأموات التي كانت لا تزال مختلطة بالعقيدة الإسلامية في نفوس السودانيين وأخذ ينشر تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة ويذيع مبادئ الشيخ محمد بن عبد الوهاب فاستطاع أن يجمع حوله قبيلته في وحدة متماسكة برباط الدين المتين. وبعد ذلك ابتدأ حروبه سنة ١٠٨٢م ضد قبائل الهوسا الوثنية وقضى على "مملكة غير" التي كانت تقع على مجرى النيجر. وما مضت سنتان حتى أقام مملكة "سوكوتو" في السودان على أساس من الدعوة الوهابية، ومدت رواقها على جميع الأقطار الواقعة بين "تمبكتو" وبحيرة "تشاد". وبقيت محافظة على استقلالها ووحدتها نحو قرن حتى استطاع الاستعمار الأوربي أن يقضي عليها.

стр. 473

ومع أن المدارس الغريبة بدأت تنتشر في إفريقيا لأسباب استعمارية معروفة فإنه توجد في بعض مناطق مالي وموريتانيا مدارس إسلامية أكثر من المدارس الغربية. وقد بذلت محاولات متعددة لتطوير المدارس الإسلامية وتحديثها وتدعيمها. ومن أشهر مراكز التعليم في إفريقيا جنوب الصحراء جامعة الخرطوم الإسلامية في السودان، والمعهد الإسلامي في داكار بالسنغال والمعهد الإسلامي للتعليم العالي في بوتلميت بموريتانيا ومركز التعليم الإسلامي في كانو بنيجيريا "BRAY: ١٩٧٦ P.٨٠". ويعتبر التعليم الإسلامي في الدول الإفريقية أداة تطوير المجتمعات الإفريقية ولا سيما تلك التي تحاول أن تتحرر من الاستعمار، وأن تبني اقتصادها ووحدتها القومية.

стр. 474

الفصل الحادي عشر: أعلام النهضة التربوية في الشرق العربي الحديث محمد بن عبد الوهاب وآراؤه التربوية مقدمة ... الفصل الحادي عشر: إعلام النهضة التربوية في الشرق العربي الحديث سنحاول في السطور التالية أن نعرض لآراء بعض أعلام النهضة التربوية في الشرق العربي في العصور الحديثة وهم: محمد بن عبد الوهاب ورفاعة الطهطاوي وعلي مبارك والشيخ محمد عبده. ١- محمد بن عبد الوهاب وآراؤه التربوية: ١١١٥هـ-١٢٠٦هـ، ١٧٠٣-١٧٩١م مقدمة: هو إمام مصلح حنبلي المذهب عاش في القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي. ولد في بلدة العيينة في نجد بشبه الجزيرة العربية عام ١٧٠٣م وتوفي عام ١٧٩١م. ويذكر الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن ابن تيمية أن وفاته كانت عام ١٨٨٧. وواضح أن هناك خطأ في التاريخ. تلقى أول تعليمه ببلدته التي ولد فيها ثم سافر إلى المدينة حيث واصل تعليمه وقد عاش في بغداد والبصرة عدة سنوات. ورحل إلى أماكن إسلامية أخرى منها كردستان وهمذان وأصفهان وقم. ثم عاد أخيرا إلى بلدة ومسقط رأسه حيث اعتكف عدة شهور. وبعدها خرج على الناس بدعوته الإصلاحية الجديدة التي عرفت بالدعوة الوهابية نسبة إليه، وهي دعوة سنية سلفية تقوم على التمسك بالقرآن الكريم وسنة رسوله الكريم وأقوال وأفعال الصحابة والسلف الصالح وتهدف إلى العودة بالدين الإسلامي إلى مساره الصحيح وتطهير العقيدة الإسلامية من البدع والخرافات والأوهام. وهي في هذا الأطار دعوة إسلامية إصلاحية سلفية محافظة. ويورد الشيخ أحمد بن حجر "ص٥١-٥٢". قول الشيخ عمران ﵀ مفتخرا بانتمائه إلى الوهابية ومشيرا إلى أهم مبادئها في الأبيات الآتية:

стр. 475

إن كان تابع أحمد متوهبا ... فأنا المقر بأنني وهابي وأنفى الشريك على الإله فليس لي ... رب سوى المتفرد الوهاب لا قبة ترجى ولا وثن ولا ... قبر له سبب من الأسباب أيضا ولست معلقا لتميمة ... أو حلقة أو دعه أو ناب لرجاء نفع أو لدفع بلية ... الله ينفعني ويدفع ما بي وقد لقيت في بدايتها مقاومة ومعارضة شأنها شأن أي دعوة إصلاحية جديدة. واضطهد صاحبها فخرج من بلدته إلى الدرعية مقر آل سعود وعرض دعوته على أميرها محمد بن سعود فقبلها وتعهد بمناصرته ومؤازرته في سبيل الدفاع عن الدين الإسلامي الصحيح. ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن ابن تيمية إن محمد بن سعود جد الأسرة الملكية السعودية. وكان صهر محمد بن عبد الوهاب وكان فارسا مغوارا قام بمغامرات حربية لنشر مذهب ابن تيمية وحمايته. وكان من أشد أنصار محمد بن عبد الوهاب. وقد عاون كل منهما الآخر. ولما مات الأمير محمد بن سعود وشيخ الدعوة محمد بن عبد الوهاب تعاهد أبناؤهما على مواصلة مسيرة أبويهم وواصلوا العمل والكفاح حتى سيطروا على مكة والمدينة. كان موسم الحج فرصة مناسبة لاستمالة الحجاج من مختلف البلاد الإسلامية إلى قبول الدعوة والعمل على نشرها في بلادهم بعد عودتهم إليها. من هؤلاء السيد أحمد، وكان هذا الرجل من أمراء الهند وذهب إلى الحجاز لأداء فريضة الحج بعد أن اعتنق الإسلام سنة ١٨١٦م. وفي مكة التقى بالوهابيين وأصبح من دعاتهم. ولما عاد إلى وطنه سنة ١٨٢٠ أخذ ينشر التعاليم الوهابية. وبعد مرحلة من الجهاد استطاع هو وأنصاره أن يقيم الدولة الإسلامية في البنجاب الذي سبق أن أشرنا إليه. وقد استطاع بعد عودته من الحج أن يقيم مملكة "سوكوتو" في السودان بين "تمبكتو" وبحيرة تشاد على أساس من الدعوة الوهابية. "أحمد بن حجر: ص٧٨". ومنهم الإمام محمد علي السنوسي مؤسس الحركة السنوسية الذي اعتنق الدعوة الوهابية أثناء حجة, وبعد عودته

стр. 476

إلى الجزائر أخذ يبشر بها ويعمل على نشرها. في أواسط القرن التاسع عشر ثم غزت طرابلس بعد ذلك وانتشرت في شمال إفريقيا ثم مدت رواقها نحو الجنوب فتمكنت في السودان هذه الحركة السنوسية التي ناهضت الاستعمار في كل مكان. كما انتشرت هذه الدعوة المباركة بحضرموت وجاوة بواسطة السيد محمد رشيد رضا وتأليفه "جمعية الإرشاد" الداعية هناك إلى الكتاب والسنة ونبذ البدع والخرافات طبق مبادئ الشيخ محمد بن عبد الوهاب "المرجع السابق: ٧٩-٨٠". ومن الذين اقتفوا أثر الدعوة الوهابية الإمام محمد عبده في مصر الذي رجع إلى أصول تعاليم الدعوة الوهابية من زمن الرسول ﷺ إلى زمن ابن تيمية إلى زمن محمد بن عبد الوهاب. ومن المعروف أن ابن عبد الوهاب كان تلميذا لابن تيمية وآمن بآرائه ومنهجه الإصلاحي السلفي التجديدي والذي أعاد الإسلام إلى طريقه الصحيح وخلصه من البدع والأوهام. ومن اتباع ابن تيمية أيضا الإمام الشوكاني في اليمن المولود عام ١١٧٢هـ وقد ألف كتابه القيم "نيل الأوطار" شرح فيه كتاب ابن تيمية "منتقى الأخبار". وقد عمل على نشر هذه الدعوة في بلاده رغم أنه لم يتلقاها عن ابن عبد الوهاب. وهكذا نرى أن الدعوة الوهابية كان لها أثر كبير في العالم الإسلامي وكانت الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله وتأثر بها زعماء الإصلاح في سائر الأقطار الإسلامية "المرجع السابق". وقد أخذت الدعوة الوهابية في الانتشار في شبه الجزيرة العربية وحققت نجاحا كبيرا لدرجة أن الدولة العثمانية وكانت المسيطرة على البلاد آنذاك شعرت بتهديد سيطرتها ونفوذها على الحجاز وخروجه من يدها وهو موطن الحرمين الشريفين. فطلب السلطان العثماني من محمد باشا والي مصر آنذاك إرسال جيوشه لمحاربة الوهابيين. بيد أنهم انتصروا على الحملة الأولى التي أرسلها محمد علي بقيادة الأمير طوسون. لكن محمد علي لم يستسلم وأعد جيشا قويا قاده بنفسه واستطاع أن يحقق النصر وأتم ابنه إبراهيم بقية الانتصار وهكذا هزمت قوة الوهابيين. إلا أن الدعوة نفسها بقيت في نفوس الناس الذين آمنوا بها وعملوا بتعاليمها وهي التعاليم الإسلامية الصحيحة. وقد لقيت الدعوة الوهابية المساندة والتأييد من جانب الأمراء السعوديين حتى جاء الملك عبد العزيز آل سعود فوحد البلاد وأنشأ المملكة السعودية وأقام أسسها على تعاليم الإسلام والدعوة إلى العدل والسلام. لقد كان للدعوة الوهابية أثر كبير في طبع الحياة الاجتماعية في البلاد ولعبت دورا هاما في تكييف معالم هذه الحياة ومظاهرها.

стр. 477

تأثير ابن تيمية: كان محمد بن عبد الوهاب شغوفا بالعلم ودرس على أيدي علماء أفاضل في العراق والشام كما كان أبوه نفسه من كبار علماء نجد. ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن ابن تيمية: إن محمد بن عبد الوهاب عكف على دراسة كتب ابن تيمية في الاعتقاد والفقه وأمعن في فهمها وآمن بما جاءت به. وتحمس لها بل تعصب واشتد في تعصبه ودعا من حوله إلى اعتناق هذه الآراء. ويقول أحمد أمين في زعماء الإصلاح إن "محمد بن عبد الوهاب" اقتفى في دعوته وتعاليمه عالما كبير ظهر في القرن السابع الهجري في عهد السلطان الناصر هو ابن تيمية ويظهر أن محمد بن عبد الوهاب عرف ابن تيمية عن طريق دراسته الحنبلية فأعجب به وعكف على كتبه ورسائله يكتبها ويدرسها. وفي المتحف البريطاني بعض رسائل لابن تيمية مكتوبة بخط ابن عبد الوهاب فكان ابن تيمية إمامه ومرشده وباعث تفكيره والموحي إليه بالاجتهاد والدعوة إلى الإصلاح. والواقع أن ابن تيمية له منزلة خاصة في شبه الجزيرة العربية بما فيها اليمن وقد أشرنا في مكان آخر إلى الإمام الشوكاني أعلم علماء اليمن وإمام أئمته الذي سار على نهج ابن تيمية ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن ابن تيمية: "وإذا كان السعوديون حنابلة فإنهم يعتبرون ابن تيمية الإمام بعد أحمد" "محمد أبو زهرة: ص٥٣١". إفساد العقيدة ضعف المسلمين: كان محمد بن عبد الوهاب ومن نحا نحوه يرون أن السبب الرئيسي لضعف المسلمين في زمانهم هو فساد العقيدة وانحرافها عن مسارها التي سارت عليه في أول عهدها صافية نقية من أي شرك أو بدع أو خرافات. واتجه في منهجه الإصلاحي إلى العقيدة والروح لأنهما الأساس إن صلحا صلح كل شيء وأن فسدا فسد كل شيء. وقد عمل جاهدا في لين ورفق على حث قومه واستنهاضهم للرجوع إلى الإسلام الصحيح وترك البدع والخرافات التي كانت متفشية في عصره مثل النذور وتعظيم الأضرحة وزيارة القبور وما شابه ذلك. كما عمل على استمالة أمراء الحجاز والعلماء في الأقطار الأخرى إلى دعوته ويستثير هممهم للذود عن الإسلام وتخليصه من ضعفه وما علق به من شوائب والعودة به إلى مساره الصحيح حتى يصبح للمسلمين القوة والمنعة كما كانوا في عصورهم الأولى في ظل إسلامهم النقي الصحيح.

стр. 478

أراؤه وجهوده التربوية: لم يتناول محمد بن عبد الوهاب الكلام عن التربية بمفهومها المهني شأنه شأن ابن تيمية. ومع ذلك كان مربيا كبيرا لجماهير شعبه وأتباعه ومريديه. فقد كان معنيا بصفة أساسية بإصلاح العقيدة الإسلامية وتخليصها من الشوائب التي علقت بها والعودة بها إلى مسارها الصحيح. وهو بهذا يدخل ميدان العمل التربوي من أوسع أبوابه. وسنتناول في السطور التالية بعض آرائه وجهودة التربوية. ١- نشر التعليم: عملت الدعوة الوهابية على نشر التعليم ومحو الأمية. وكان محمد بن عبد الوهاب في سبيل نشر دعوته يحارب الأمية ويلزم أتباعه بتعلم القراءة والكتابة مهما كان سنه ومهما كانت منزلته حتى إن الأمراء كانوا يقرءون مثل بقية الناس فصار منهم العلماء والمعلمون أمثال الإمام الأمير سعود الكبير الذي كان يلقي دروسا في التوحيد إلى جانب أعمال الإمارة. وكانت طريقته في التعليم تقوم على ما ذكره في إحدى رسائله: "اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل: الأولى العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. الثانية العمل به. الثالثة الدعوة إليه. الرابعة الصبر على الأذى فيه". وكان يعقد كل يوم عدة مجالس ليلقي دروسه في مختلف العلوم من توحيد وتفسير وحديث وفقه وأصول وسائر العلوم العربية. كما كان يخص طلبة العلم بالمحبة الشديدة وينفق عليهم من ماله ويرشدهم على حسب استعدادهم "أحمد بن حجر: ص٢٨".

стр. 479

تثقيف العقول: كان للدعوة الوهابية أثر كبير في تثقيف العقول وتفتحها وتنورها ولم تحل الأمية القرائية بين أتباع محمد بن عبد الوهاب دون تشربهم للثقافة الإسلامية التي يبشر بها، فضلا عن أنه كان يعمل جاهدا على تعليم أتباعه القراءة والكتابة حتى يخلصهم من الجهالة والأمية القرائية. يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كلامه عن الدعوة الوهابية "وإنه من الحق علينا أن نقول كلمة حق وهي أن تعلق هؤلاء بآراء ابن تيمية وتشددهم فيها وحرص علمائها على بثها في نفوسهم كان سببا في أن وجد فيهم ثقافة مع أميتهم. ولم تكن هذه الثقافة لغيرهم من سكان الجزيرة العربية. ولما صار لهم السلطان في أكثر أصقاعها نشروا هذه الثقافة في سكان الحجاز. وقد كان الجهل بكل شيء مسيطرا عليهم حتى إذا تفتحت العقول واستيقظت الأفهام اتجهت الهمم لإنشاء المدارس ونشر الثقافة في البلاد". ويقول أحمد بن حجر "ص٧٥": إن الدعوة عملت على نشر علوم الشريعة المطهرة من التفسير والحديث والتوحيد والفقه والسير والتواريخ والنحو وما إلى ذلك من العلوم، وأن الدرعية أصبحت كعبة العلوم والمعارف، يفد إليها طلاب العلوم في جميع الطبقات حتى قال المؤرخون: أصبح الراعي يرعى المواشي في الفيافي ولوح التعليم في عنقه. وبلغ من قوة انتشار التعليم وسريانه أن ظهر العلماء الراسخون وألفوا الكتب القيمة في مختلف العلوم.

стр. 480

رفاعة الطهطاوي وآراؤه التربوية مدخل ... ٢- رفاعة الطهطاوي وآراؤه التربوية: ١٨٠١-١٨٧٣م ينتسب الطهطاوي من ناحية أبيه إلى الحسين بن فاطمة الزهراء بنت الرسول ﷺ . وترجع تسميته بالطهطاوي إلى بلدته طهطا في صعيد مصر وقد ولد بها عام ١٨٠١م. ويؤخذ مما كتبه عن نفسه أن أجداده كانوا من ذوي اليسار لكن الدهر أخنى عليهم. وقد تهيأت له في طفولته ثقافة أزهرية حتى قبل أن يدخل الأزهر إذ قرأ بعض المتون الأزهرية على أخواله ومنهم بعض علماء الأزهر كالشيخ عبد الصمد الأنصاري والشيخ أبو الحسن الأنصاري والشيخ فراج الأنصاري. وعندما توفي والده قدم إلى الأزهر وانتظم في الدراسة به. ودرس على أيدى علمائه من أمثال الشيخ حسن العطار العالم اللغوي والشاعر الكاتب الذي خص الطهطاوي بعنايته لما لمسه فيه من النبوغ. وكان الطهطاوي يتردد على منزله لينهل من علمه ويشترك معه في الاطلاع على الكتب العربية التي لم تتداولها أيدي علماء الأزهر. ولما أكتمل تعليم الطهطاوي اشتغل بالتدريس في الأزهر ثم سافر سنة ١٨٢٦ بتزكية من الشيخ حسن العطار مع البعثة التي أوفدت إلى فرنسا ليكون إماما لها، وهناك تعلم الفرنسية ودرس أصول الترجمة طيلة خمس سنوات. واشتغل بها بعد عودته إلى مصر. ولعل أهم حدث في حياته بعد عودته من البعثة هو نفيه إلى الخرطوم سنة ١٨٥٠ ويقال: إن لكتابه "تخليص الإبريز في أخبار باريز" صلة بنفيه إذ إن الكتاب يحوي آراء وأفكارا تحررية لا ترضي حاكما مستبدا مثل الخديوي عباس وكان الكتاب قد طبع للمرة الثانية في أوائل عهده. لكن الطهطاوي يقول في تفسير سبب نفيه: إنه سافر إلى السودان بسعي بعض الأمراء بضمير مستتر بوسيلة نظارة مدرسة الخرطوم. ويبدو من الأشعار التي نظمها أن الطهطاوي كان متألما لنفيه ويصور الأمر على أنه وشاية فيقول: وما خلت العزيز يريد ذلي ... ولا يصفى لأخصام لداد لديه سعوا بألسنة حداد ... فكيف صغى لألسنة حداد رحلت بصفقة المغبون عنها ... وفضلي في سواها في المزاد وما السودان قط مقام مثلي ... ولا سلماي فيه ولا سعادي وقد قضى الطهطاوي في السودان أربعة أعوام كانت قاسية على نفسه

стр. 481

لاغترابه عن أسرته وأهله، وبعد عودته من السودان عين ناظرا لمدرسة الحربية بالقلعة ومعها نظارة قلم الترجمة والمحاسبة والهندسة والملكية والتفتيش والعمارة. ثم ألغيت المدرسة الحربية وقلم الترجمة وما معها وعين عضوا في قومسيون المدارس ووكل إليه الإشراف على صحيفة روضة المدارس التي أنشأها علي مبارك سنة ١٨٧٠، وكانت مجلة علمية أدبية اجتماعية. وكان للطهطاوي فضل كبير في حركة الترجمة والنشر فقد كان رائدا لها. وبفضل جهوده أنشئت مدرسة الترجمة سنة ١٨٣٥م التي عرفت بمدرسة الألسن فيما بعد وصار ناظرا ومديرا لها. وقد كتب الطهطاوي وترجم كثيرا وألف عدة كتب من أهمها: تخليص الإبريز في أخبار باريز: وهو كتاب مؤلف وصف فيه رحلته لباريس منذ مغادرته مصر حتى عودته إليها. وقد وصف فيه أحوال فرنسا وأخلاق أهلها وعاداتهم وعلومهم وفنونهم وأساليب حكمهم ومعيشتهم. مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية: وهي مجموعة دراسات في الآداب والأخلاق وقد وصف فيها مصر وحضارتها كما ضمت دراسات قيمة في الآداب من ثمار الكتب العربية والفرنسية ودراسات في الأخلاق والمواعظ. المرشد الأمين في تربية البنات والبنين: وهو كتاب ضمنه آراء في التربية والتعليم مما سنعرض له بالتفصيل فيما بعد. كما كان له الفضل في نشر العلوم والمعارف بحمل الحكومة على طبع طائفة من أمهات الكتب العربية على نفقتها مثل: تفسير الفخر الرازي ومعاهد التنصيص وخزانة الأدب ومقامات الحريري وغير ذلك.

стр. 482

آراؤه التربوية: يعتبر الطهطاوي أول من كتب بتوسع عن التربية في العصور الحديثة في العالم العربي. وكان في كتاباته عنها متأثرا بما كتبه سابقوه عن التربية الإسلامية وردد آراءهم كما كان لدراسته في فرنسا وإقامته بها أثر واضح في آرائه. والتربية في نظره تعني تنمية الأعضاء الجسمية والعقلية وهي طريقة تهذيب النوع البشري ذكرا كان أو أنثى ليتحصل له أسباب السعادة والسيادة. "محمد عمارة: ١٩٧٣ ج٢ ص٣٨٥". تعميم التربية واجب: يرى الطهطاوي ضرورة تعميم التربية وشمولها لجميع أبناء الأمة ذكورا وإناثا على السواء وفي ذلك يقول: "بالجملة فتربية أولاد الملة وصبيان الأمة وأطفال المملكة ذكورا وإناث من أوجب الواجبات" "المرجع السابق ص٢٤٩". ويضرب المثل بتربية أمة اليونان القديمة المشهورة بالحكمة في قديم الزمان والتي كانت تحسن تربية أبناء ملوكها غاية الإحسان كما كانت تحسن تربية أطفالها وصغارها على القوة والشجاعة. ويشير إلى تربية الإسكندر الأكبر بقوله: "ترشح بتهذيب أستاذه أرسطو إلى أن ملك الدنيا وهزم في كل الممالك الملوك والعسكر". كما يشير إلى التربية الأوربية في مساواتها بين تربية الأولاد والبنات وهو يشيد بالتربية عند العرب القدماء وعنايتهم بالتربية على الشجاعة والبطولة. مراعاة ميول المتعلم: آمن الطهطاوي بضرورة مراعاة ميول المتعليم وتوجيهه وفق هذه الميول إلى دراسة العلوم التي تناسبه، وهذا التوجيه التعليمي يتأتى بعد أن ينتهي المتعلم من دراسة العلوم الابتدائية والتجهيزية "الثانوية" وبعدها يظهر ميله إلى الخصوصيات التي تناسبه من الصنائع والفنون. وهو يحث أهل الخير أن يساعدوا من يخرج من مجال التعليم ببضاعة رابحة على نيل الوظائف الأهلية العمومية الكافية لقوام معاشهم وانتعاشهم.

стр. 483

تحدث الطهطاوي عن أنواع التعليم العام ومراتبه فقسمها إلى ثلاثة أنواع: تعليم أولي أو ابتدائي وتعليم ثانوي تجهيزي وتعليم عال كامل انتهائي "المرجع السابق ص٣٨٧". التعليم الأولي الابتدائي: وهو في نظره تعليم عام لجميع الناس ينتفع به أبناء الأغنياء والفقراء على السواء ذكورهم وإناثهم. وهو "عبارة عن تعلم القراءة والكتابة ضمن تعليم القرآن الشريف والنحو ومبادئ الحساب والهندسة". وهو يعتبر "التعليم الأولي ضروريا لسائر الناس يحتاج إليه كل إنسان كاحتياجه إلى الخبز والماء" وهي عبارة تردد صداها عنه طه حسين فيما بعد عندما نادى بأن التعليم حق لكل إنسان كالماء والهواء. التعليم الثانوي أو التجهيزي: وهو يعتبر تعليما أكثر صعوبة من سابقة، ولذلك "فهو في الغالب لا يلتفت إلى البراعة فيه غالب الأهالي" وينبغي للحكومة أن ترغب الأهالي وتشوقهم إليه نظرا لأهميته. في هذا التعليم في نظره يكون تمدين جمهور الأمة وكسبها درجة الترقي في الحضارة والعمران. وأنواع هذا التعليم كثيرة فيما ينبغي أن يشتغل به أبناء الأهالي منه المهم فالأهم كالعلوم الرياضية بأنواعها والجغرافيا والتاريخ والمنطق وعلم المواليد الثلاثة "أي الحيوان والنبات والمعادن" والطبيعة والكيمياء وإدارة الملكية وفنون الزراعة والإنشاء والمحاضرات وبعض الألسنة التي يعود نفعها على الدولة. وقد يبدو غريبا على رجل مثل الطهطاوي الذي يعرف اللغات الأجنبية أن يضع تعليمها في آخر القائمة. وهو يرى أن يكون التعليم الثانوي كثيرًا منتشرًا في أبناء الأهالي القابلين له الراغبين فيه فيتاح لهم التعليم ليكونوا من الدرجة الوسطى وهو بهذا ترك التعليم الثانوي اختياريا لمن أراد وكان قادرًا على الاستفادة منه.

стр. 484

التعليم العالي: هو ما يسميه درجة العلوم العالية، ويقصد به اشتغال الإنسان بعلم مخصوص يتبحر فيه بعد تحصيله علوم المبادئ والتجهيزات "أي علوم الابتدائي والثانوي" ويضرب أمثلة لذلك بعالم الفقه والطبيب والفلكي والجغرافي والمؤرخ. ويطالب الطهطاوي طالب هذا النوع من التعليم بأن "يجول في أصوله وفروعه غاية الجولان حتى يكون كالمجتهد فيه". وهو يعتبر تعليما معدا لأرباب السياسات والرئاسات وأهل الحل والعقد في الممالك والحكومات. ولذلك يذهب الطهطاوي إلى أن يقتصر هذا النوع من التعليم على أناس قلائل اشترط فيهم الطهطاوي أن يكونوا من أصحاب الثروة واليسار وهو أمر قد يبدو غريبا من الطهطاوي إلا أنه يبرر ذلك بأن الغنى لا يضر تفرعه للعلوم العالية بالمملكة. ويستطرد قائلا: "فمن الخطر على من له صناعة يتعيش منها وينتفع بها الناس أن يترك هذه الصناعة ليدخل في دائرة معالي المعارف التي لا تصلح أن تكون له بضاعة ولا ينبغي أن يرخص للتلاميذ المتعلمين العلوم الأولية والثانوية أن ينتظموا في سلك أرباب المعارف القصوى إذا كانت في حقهم قليلة الجدوى". وهذه العبارة الأخيرة للطهطاوي يمكن أن يفهم منها أنه يجوز أن يلتحق بالتعليم العالي من كان قادرا على الاستفادة منه وهو رأي تربوي سليم بمعايير العصر.

стр. 485

أخلاق المعلمين والمتعلمين: يورد الطهطاوي في كلامه عن أخلاق المعلمين مما رواه الثعالبي أن النبي ﷺ قال: "خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون". وهو يذهب مذهب جمهور علماء المسلمين في جواز أن يأخذ المعلم أجرا على التعليم استنادا إلى قول النبي ﷺ : "أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله تعالى" ويورد قول بعض العلماء إنه ينبغي للمعلم أن يرغب المتعلمين في التحصيل ويدلهم على مكانته ويصرف عنهم الهموم المشغلة لهم ويهون عليهم مؤنته ويذكرهم بما حصله من الفوائد والغرائب وينصحهم في الدين فبذلك يستنير قلبهم ويزكو علمهم "المرجع السابق ص٧٣٨-٧٣٩". وهو يردد آراء سابقيه ممن كتبوا في التربية الإسلامية فيقول إن صلة المعلم بتلاميذه يجب أن تقوم على الحب وأن يجريهم منه مجرى أبنائه وأن يكون بهم عطوفا وعليهم صبورا لما يبدو منهم من سوء السلوك. وهو يورد مختلفة الآراء في العقاب ويتشدد في عدم ضرب التلاميذ لأن الضرب مضر بهم. فضلا عن أنه خروج على حدود الشرع، وأجاز الضرب للأب إذ يجوز له أن يضرب ابنه لتأديبه. وهو في هذا يخالف من كتب قبله عن التربية الإسلامية وأباحوا الضرب للمعلم تحت شروط متشددة كما سبق أن أشرنا. وهو يكرر ما ذهب إليه الغزالي من الإذن للصبي باللعب دون إجهاد وفي بعض الأوقات. ويكرر نفس عباراته بأن يكون لعبا جميلا غير متعب لهم، ليستريحوا من كلفة الأدب. ويكرر قوله عن فوائد اللعب بقوله بأنه رياضة تروح النفس وتحرك الحرارة الغريزية وتحفظ الصحة وتنفي الكسل وتطرد البلادة وتبعث النشاط وتزكي النفس، فإن النفس تمل من الدءوب في الجد وترتاح إلى بعض المباح من اللهو "محمد عمارة: ١٩٧٣ ص٣٩٣". ويؤكد الطهطاوي على ضرورة احترام الصبي لأستاذه وأن يدعو له كلما شرع في قراءة درس وبعد الانتهاء منه، كما أوجب الطاعة على الصبي لأستاذه إلا في معصية الخالق إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وعلى الصبيان أن يسمعوا أقوال معلمهم وأن ينتصحوا بها.

стр. 486

طريقة التعليم: يشير الطهطاوي في طريقة التعليم بالنسبة للمتعلم إلى بعض المبادئ التي سبق أن قررها سابقوه منها أن يبدأ المتعلم بالعلوم الأهم وألا يخرج المتعلم من علم إلى غيره إلا بعد أن يجيده وأن يقسم الدرس إلى أقسام حتى يسهل استيعابه وحفظه واعتبر المناظرة والمطارحة أجدى في تحصيل العلوم من التكرار. ويجب على المتعلم أن يأخذ العلوم عن أساتذتها. ويحذر الطهطاوي من استخدام الكتب إلا في علم الحديث. تعليم المرأة: ينظر الطهطاوي إلى المرأة على أنها أجمل ما صنع الله القدير وهي قرينة الرجل في الخلقة والمعينة له في تدبير أمره والحافظة لأطفاله والقائمة بأمر عياله والمسلية له في أيام حياته. وهي تمتاز عن الرجل باللين واللطف والرخاوة، ويعتبر الطهطاوي أن التربية أساس صلاح المرأة ومن صفات كمالها. وترفع قدرها في نظر الرجل، والتعليم يزيل عنها سخافة العقل والطيش الذي يصيب المرأة الجاهلة. كما أن التعليم يمكن المرأة من العمل على قدر قوتها وطاقتها. وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل. فالعلم يصون المرأة عما لا يليق ويقربها من الفضيلة. ويرد الطهطاوي على التخوف من تعلم المرأة يقول: "إن التجربة في كثير من البلاد قضت أن نفع تعليم البناب لا ضرر فيه" ويستعين أيضا بما روي في كتب الأحاديث وما كان في زمن الرسول من تعليم النساء والتعليم الذي يليق بالبنات في نظره هو القراءة والكتابة والحساب وبعض الصنائع كالخياطة والتطريز. وهو يرد على من ذهب على تحريم تعليم القراءة والكتابة والحساب وبعض الصنائع وأنها مكروهة في حقهن لما قد يؤدي إليه تعليمها من إساءة استخدام، بأن ذلك لا ينبغي أن يكون عمومه. ويضرب أمثلة بمن كان يعرف القراءة والكتابة من زوجات النبي ﷺ وغيرهن من النساء في كل زمان. ويرجع التشدد في عدم تعليم المرأة إلى المبالغة في الغيرة عليها وفي ذلك يقول: "وليس مرجع التشديد في حرمان البنات من الكتابة إلا التغالي في الغيرة عليهن من إبراز محمود صفاتهن أيا ما كانت في ميدان الرجال تبعا للعوائد المحلية المشوبة بحمية جاهلية، ولو جرب خلاف هذه العادات لصحت التجربة" "المرجع السابق: ص٢٩٤".

стр. 487

على مبارك وآراؤه التربوية مدخل ... ٢- علي مبارك وآراؤه التربوية: ١٨٢٣-١٨٩٣م يعتبر علي مبارك "أبا التعليم المصري" الحديث، وباسمه ترتبط أعظم المحاولات لإعادة التعليم المصري إلى أصوله الإسلامية، وبعد أن جاء في تنظيمه الحديث، غريبا على الشعب وعن النظم التعليمية التي عرفها عبر تاريخه الطويل. وهو مع زملائه -الشيخ رفاعة الطهطاوي وعبد الله باشا فكري والشيخ محمد عبده- يمثلون أركان النهضة العلمية في مصر في تلك الفترة. وقد ولد علي مبارك سنة ١٨٢٣ في برنبال إحدى قرى الدقهلية في دلتا مصر ودرس في الكتاب وكافح ليواصل دراسته حتى التحق بالمهندسخانة وأكمل تعليمه فيها. وبعدها سافر إلى فرنسا في بعثة لمواصلة الدراسة التي استمرت هناك طيلة خمس سنوات. وكان سفره إلى فرنسا في عهد محمد علي باشا وعاد في عهد عباس الأول وكان عهد عباس هذا عهد انكماش في التعليم إذ لم يكن يرضى عن الحركة العلمية في البلاد بل كان همه بناء القصور لا فتح المدارس بل ولا الاحتفاظ بالموجود فألغى الكثير منها وخفض ميزانية التعليم بدرجة كبيرة وكان أميل إلى تعليم أولاد الأتراك دون المصريين. فعهد إلى علي مبارك في إدارة البقية الباقية القليلة من المدارس "أحمد أمين ص٢٠٦". وكان علي مبارك بعد عودته إلى مصر قد تقلد عدة وظائف منها وظيفة ضابط الجيش وناظر لمدرسة المهندسخانة ووصل إلى أرقى منصب يحلم به عندما عين ناظرا لديوان المدارس أي وزيرا للمعارف آنذاك. لقد توالت على "علي مبارك" أيام البؤس وأيام النعيم، وكانت الحالة في مصر غير مستقرة. وكل الموظفين وخاصة كبارهم رهن بإشارة الحاكم ورهن بما يحاك من دسائس فيوما يرضى فيرفعه إلى السماء ويوما يغضب فينزله إلى الحضيض. والبيت الحاكم منشق على نفسه. إذا تقرب أحد إلى بعضه غضب عليه بعض الآخر. ويرضى محمد علي باشا وإبراهيم باشا عن الشيخ رفاعة

стр. 488

الطهطاوي. فإذا جاء عباس غضب عليه وأخرجه من إدارة مدرسة الألسن وعينه ناظرا لمدرسة ابتدائية تنشأ في الخرطوم. ويرضى عباس الأول عن "علي مبارك" ويقربه إليه في تنفيذ أمور كثيرة فإذا جاء سعيد باشا غضب على "علي مبارك" وأعاد الشيخ رفاعة الطهطاوي وقربه إليه. وأراد سعيد باشا أن يتخلص من "علي مبارك" فأرسله مع الفرقة الحربية لمساعدة الدولة العثمانية في حربها مع روسيا. وهناك في تركيا في الأستانة والأناضول أقام فيها نحو سنتين لقي فيها عناء كثيرا احتمله في صبر وثبات واستطاع من خلال هذه المدة أن يتعلم اللغة التركية ويجيدها. وبعد عودته إلى مصر من تركيا كانت حياته مزيجا من السعادة والشقاء يوظف أحيانا ويطرد أحيانا ويعمل أحيانا بالأعمال الحرة تاجرا مرة ومهندسا مدنيا تارة أخرى. ويصل به الملل والسخط أحيانا إلى التفكير في العودة إلى أهله في برنبال ليعمل عمل الفلاحين ويعيش معيشتهم وعلى الله العوض فيما تعلم. ولكن الحظ لم يلبث أن ابتسم له، ويأتي إسماعيل باشا إلى الحكم ويسعى إلى إعادة الحياة العلمية ويتوسع فيها، واستقر الحال بعلي مبارك وكان هذا العهد أبرك عهوده، وأخصبها. وعمل "علي مبارك" أعمالا كثيرة تتصل بتخصصه في الهندسة المدنية والحربية. وعهد إليه بمشروعات هندسية عظيمة في تصميم الشوارع والترع والجسور والمساجد وبنائها. ولكن ذلك لم يكن سر عظمته وصحيفة خلوده وإنما كان ذلك في شيء لم يتعلمه ولم يتلقنه عن أستاذه هو إصلاحه للتعليم في مصر بالوسائل المختلفة وبناؤه في ذلك بناء ضخما يعد دعامة النهضة التعليمية في مصر. لقد أريد له أن يهندس المباني والمنشآت، فهندس هو طرق التربية والتعليم ووضع تصميماتها ووقف على تنفيذها في دقة وإحكام حتى عد من كبار المصلحين. "أحمد أمين: ص٢٠٧".

стр. 489

جهوده الفكرية والثقافية: يعتبر علي مبارك أحد زعماء النهضة الفكرية الثقافية البارزين الذين لعبوا دورا هاما في دفع حركتها في مصر. ومن أهم جهوده الفكرية والثقافية ما يأتي: ١- كتب وألف في مختلف فروع العلم والثقافة. ومن أهم الكتب التي ألفها "الخطط التوفيقية" في عشرين جزءا. وفيها وصف القاهرة وشوارعها ومساجدها ومدارسها. كما وصف مدن مصر وقراها وهي تكملة لخطط المقريزي المعروفة. كما ألف كتابا سماه "علم الدين" كان الغرض منه تفتيح أذهان الشرق لما في الغرب، وهو قصة لشيخ تربى في الأزهر وتتلمذ له مستشرق إنجليزي تعلم منه اللغة العربية ودعاه الإنجليزي لزيارة إنجلترا فلبى الدعوة. وكانا كلما مرا على شيء من القاهرة إلى الإسكندرية سأل الإنجليزي الشيخ "علم الدين" فكان يجيبه. وبعد الإسكندرية انقلب الشيخ تلميذا والإنجليزي معلما فكان يسأل الشيخ عن كل ما يجهل فكان يجيبه الإنجليزي. والكتاب مليء بالمعلومات القيمة عن الشرق والغرب ومظاهر الحضارة الأوربية "أحمد أمين: ٢٠٣" وألف وهو وزير المعارف كتابا من جزأين لتعليم الأطفال القراءة والكتابة لعدم رضائه عن الطريقة التي كانوا يعلمون بها، وخصص الجزء الأول لتعليم حروف الهجاء وكيفية تركيبها، وخصص الجزء الثاني للتمرين على المطالعة والقراءة السهلة في موضوعات مفيدة. ٢- أنشأ مجلة "روضة المدارس المصرية" التي رأس تحريرها الشيخ رفاعة الطهطاوي، وذكر في أول عدد منها أن مدير المدرسة وهو "علي مبارك" "جعلها ملحوظة بنظر نظارته لا يتدرج فيها شيء إلا بإشارته". وطلب من الأساتذة أن يمدوها بالمقالات. ٣- أنشأ دار الكتب المصرية وكانت الكتب قبل ذلك متفرقة في المساجد أو الأماكن المهجورة عرضة للسرقة والتلف فجمعها في مكان واحد ورتبها وسهل الاستفادة منها وجعل لها قاعة للمطالعة. ٤- أنشأ قاعة للمحاضرات كانت تعتبر جامعة مفتوحة يحضرها كل من يشاء وكان يحاضر فيها كبار الأساتذة من مصريين وأجانب. فكان على سبيل المثال، الشيخ حسين المرصفي يحاضر في الأدب وإسماعيل بك الفلكي في

стр. 490

الفلك, والشيخ عبد الرحمن البحراوي في الفقه وميسو بروكسن في التاريخ العام وأحمد ندا في النبات. فإذا حاضر محاضر باللغة الأجنبية ألقيت محاضرته بعد ذلك باللغة العربية. وكانت هذه المحاضرات تعقد يوميا باستثناء يوم الجمعة. وكل محاضرة ساعة ونصف وبعض الموضوعات كان لها محاضرتان أسبوعيا وبعضها محاضرة واحدة "أحمد أمين: ص٢١٢". ٥- أنشأ مدرسة دار العلوم ١٨٧٢ وكانت أول معهد لإعداد المعلم وقد تطورت إلى كلية دار العلوم حاليا وكان طلبتها يؤخذون من خبرة طلبة الأزهر بامتحان خاص كما يختار لها خير العلماء من الأزهر وغيره. وكان طلبتها يعلمون العلوم الدينية واللغوية وشيئا من علوم الرياضة والجغرافيا والتاريخ والطبيعة والكيمياء.

стр. 491

جهوده في التربية والتعليم: لم يتعلم علي مبارك في مصر ولا في فرنسا علوم التربية وأصولها على معلم مختص وإنما تعلمها من حسن استعداده وصدق نظره ومن دروس في التربية الفاسدة تلقاها في الكتاب حين كان يضرب وفي مدرسة القصر العيني حين كان يضرب أيضا ومدرسة أبي زعبل حين كان يلقى عليه الدرس فلا يفهم. يبد أن "علي مبارك" كان يهتم بالمسائل الكلية في سياسة التربية والتعليم وتنظيمها وتخطيطها وتنفيذها. وإذا نظر إلى الجزئيات فلتطبيق الكليات عليها. لذلك لا نجد له آراء تفصيلية عن المباحث الجزئية للتربية والتعليم وهو في هذا عكس الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي كان ينظر إلى المسائل الجزئية ويعني بإصلاحها وتنفيذها. ولهذا نجد له كثيرا من الآراء الجزئية في مختلف موضوعات التربية "أحمد أمين: ص٢١٧". وكان علي مبارك يرى أن إصلاح التعليم هو خير أنواع الإصلاح بل إن الإصلاح السياسي لا قيمة له ما لم يرتكز على الإصلاح التعليمي. ولذلك لا نرى له دورا في الثورة العرابية. وتتركز أهم الجهود التربوية لعلي مبارك في جانبين رئيسيين هما:

стр. 492

- إصلاح الكتاتيب ووضع نظام قومي للتعليم أساسه التعليم الشعبي الذي نظمته لائحة رجب التي أعدها كوثيقة هام تعتبر من أهم الوثائق التعليمية الحديثة في مصر. - إصلاح المعلم ركن الزاوية في التعليم، وقد تجسدت خطة علي مبارك في هذا الإصلاح في إنشاء دار العلوم. وسنفصل الكلام عن هذين الجانبين في السطور التالية: أولا- الكتاتيب ووضع نظام قومي للتعليم: اهتم علي مبارك بتطوير التعليم في الكتاتيب فهو نفسه تعلم فيها وأحس بنواحي النقص فيها. وقد وصفها بقوله: "كانت الكتاتيب الأهلية في المدن والأرياف جارية على العادة القديمة ليس فيها على قلة أهلها إلا تعليم القرآن الشريف وأقل القليل من يتمه منهم ويجيد حفظه ويجوده ويحسن قراءته مع رداءة الخط في عامة المكاتب". وكانت الكتاتيب في حالة يرثى لها، وصفها أحمد أمين بقوله: فكثير منها إما في دكان أو حجرة مظلمة بجانب مراحيض المسجد والتلاميذ يختلط صحيحهم بمريضهم وقد يكون المرض معديا فأقرع وأبرص وأجرب ومحموم ينشرون العدوى في الأصحاء. يجلسون على حصير بال ويشربون بكوز واحد من زير واحد ويأكلون في الظهر من صحن واحد. وفقيه الكتاب كثيرا ما يكون أعمى لا يحسن أن يرعى التلاميذ ولا أن يدبر شئونهم. وكل كفايته أنه يحفظ القرآن ويحفظه من غير فهم لا علم له بالدنيا ولا بالدين ووسائل التأديب عنده ليست إلا السب والضرب" "أحمد أمين: ص٢١٠". وعاب على الفقهاء في الكتاتيب والمدارس الأساليب التي يستخدمونها في التربية وفي مقدمتها القسوة على التلاميذ اعتقاد منهم بأن "عصا الفقيه من الجنة" ومنها، الخوف والرهبة التي كانت تقوم عليها العلاقة بين المعلم والتلميذ مما يدفع الأخير إلى النفاق والرياء. وعلي مبارك نفسه قد قاسى من هذه الأساليب التي جعلته يكره الكتاب كرها شديدا، ومنها آمن بضرورة تطوير أساليب التعليم والمدارس بحيث تكون مسايرة لمتطلبات المجتمع وحاجاته.

стр. 493

لائحة رجب "١٢٨٣هـ - ١٨٦٨م": تعتبر لائحة رجب من أهم الإنجازات التربوية لعلي مبارك إذ وضعت هذه اللائحة كيانا قوميا للتعليم أساسه تعليم شعبي متطور تشرف عليه الحكومة وتوليه عنايتها. وتنقسم لائحة رجب إلى ثلاث أقسام: والقسم الأول منها يتناول تطوير المكاتب في المدن من حيث إدارة المباني والتجهيزات والرعاية الصحية. والقسم الثاني: يتناول تنظيم المكاتب في القرى. والقسم الثالث: يتناول المدارس المركزية في مراكز المديريات. وقد لخص علي مبارك خطته في الإصلاح بقوله: "فجميع المدارس والمكاتب سواء بالقرى أو البنادر تكون تحت أصول تنظيمية وترتيبات حسنة منتجة وامتحانات سنوية وملاحظات وتفتيشات من طرف الحكومة وهذا لتحسين حالهم واستقبالهم ومنفعتهم الخصوصية العائدة من المنفعة العمومية على الحكومة مع تهذيب رعاياها وإصلاح حالهم ووجود التعاون بينهم ومعاونتهم لأوطانهم". وأهم المبادئ التي قامت عليها لائحة رجب هي: - تطوير الكتاتيب مع الاحتفاظ بروحها الأصيلة التي تتميز بالبساطة في الأثاث والاهتمام بتعليم القرآن الكريم. - الاحتفاظ للكتاتيب بطابعها الشعبي وعدم تدخل الحكومة في شئونها وترك مسئوليتها على الأهالي. - وصل الكتاتيب بالتعليم الأميري أو الرسمي الذي يوصل إلى المراحل الأعلى من التعليم. - تنظيم الإشراف والتفتيش على المدارس والمكاتب. - تنظيم الامتحانات وجعل منها مهرجانات آخر العام تعزف فيها الموسيقى وتوزع الجوائز على المتفوقين. - اشترطت اللائحة شروطا في المعلم منها حسن الأخلاق والصفات وأهليته لتعليم القرآن والمعرفة بأمور الدين يحسن باب العدية في الحساب. وجعلت تعيينهم بمعرفة ديوان المدارس.

стр. 494

- تركت لائحة رجب تدبير الأموال لإصلاح الكتاتيب على الأهالي وكانت هذه أهم نقطة ضعف في اللائحة على الرغم من أن علي مبارك كان عليه أن يراعي الظروف المالية للبلاد في ذلك الوقت إذ كانت تمر بأول وأعظم ضائقة مالية عرفتها وجرت عليها الويلات والتدخل الأجنبي. وتشير المصادر التاريخية إلى أن الشعب لم يستطع أن يقوم بالأعياء المالية فضلا عن أن اللائحة لم تضع الطريقة التي يمكن بها جمع المال بل تركت الأمر مفتوحا دون تحديد. وكان ذلك عائقا حقيقيا دون الوصول إلى الأهداف التي أرادها علي مبارك من إصلاح التعليم. ولكن على الرغم من هذا فإن لائحة رجب قد تركت بصماتها على الطريق، وظلت علامة تشير إلى جهود المخلصين من أبناء هذه الأمة الذين عملوا من أجل رفعتها وكان الإخلاص رائدهم. ثانيا: إصلاح المعلم كان من المسائل الهامة التي عني بها علي مبارك مسألة المعلمين وكيف يصلح من أحوالهم. فقد كان يقوم بتدريس اللغة العربية في المدارس رجال من الأزهر. وكان التعليم في الأزهر إذ ذاك على أسلوبه في القرون الوسطى يعلم الكتب ولا يعلم العلم وغاية النابغ منهم أن يحسن فهم عبارة الكتب لا فهم الموضوع. وهذا يؤدي إلى أنه لا يحسن تطبيق ما تعلم فأكثرهم لا يحسن قراءة صفحة ولا أن يكتب موضوعا ولا أن يقيم وزنا لبيت من شعر. كما وصفهم بذلك عبد الله باشا فكري في مقال كتبه تحت عنوان: "فكيف يصلحون بعد لتعليم الناشئة". ولهذا اتجه فكر علي مبارك إلى إنشاء مدرسة يؤخذ لها خيرة طلبة الأزهر ويختار لها خيرة علماء الأزهر وغيره فكان إنشاء دار العلوم كأول معهد لإعداد المعلم كما أشرنا.

стр. 495

الشيخ محمد عبده وآراؤه التربوية مدخل ... ٤- الشيخ محمد عبده وآراؤه التربوية: ١٨٤٩-١٩٠٥م يعتبر الإمام الشيخ محمد عبده من أنصار الحركة الإصلاحية السلفية التي سبقت الإشارة إليها وكان داعية إلى الجامعة الإسلامية التي تزعمها أستاذه جمال الدين الأفغاني الذي كان يعتبر في نظر الإمام محمد عبده نابغة العصر وأستاذ الجيل وبخاصة فيما يتعلق بالثورة الفكرية الإسلامية الصحيحة. وقد تأثر محمد عبده بآراء أستاذه وعمل معه. وكان أكبر تأثير على شخصية الإمام قبل اتصاله بجمال الدين الأفغاني هو تأثير الشيخ درويش خضر أحد أخوال أبيه. وكان رجلا صوفيا طيب القلب ذكي الفؤاد. وقد تحدث محمد عبده نفسه عن ذلك الأثر الطيب الذي تلقاه في ريعان شبابه من الشيخ درويش خضر فقال: ".. ولم أجد إماما يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي إلا ذلك الشيخ الذي أخرجني في بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيج ... هو "هذا الشيخ" مفتاح سعادتي إن كانت لي سعادة في هذه الدنيا أو هو الذي رد لي ما كان غاب عني من غريزتي وكشف لي ما كان خفيا عني مما أودع في فطرتي". "السيد محمد رشيد رضا: ج١ ص٢٣". بيد أن تأثير جمال الدين الأفغاني عليه كان قويا. فقد كان الأفغاني قوة دافقة لا تعرف الكلل أو الملل في سبيل إيقاظ الأمة الإسلامية من سباتها وضعفها. وعند حضوره إلى مصر اتصل به محمد عبده وسعد زغلول وإبراهيم اللقاني وإبراهيم الهلباوي ومحمود سامي البارودي وأديب إسحاق وغيرهم. لكن كان محمد عبده أقربهم إلى نفس الأفغاني لما لمسه فيه من سعة العقل وسمو النفس والحماسة للإصلاح ويقول الإمام محمد عبده في تقرير أثر الأفغاني عليه: "إن أبي وهبني حياة أشارك فيها عليا ومحروسا "وهما أخوان له كان مزارعين" والسيد جمال الدين وهبني حياة أشارك فيها محمدا وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين". لقد جمع بين الشيخين وحدة الغرض والانسجام الروحي فتلازما وتحابا وكان محمد عبده يرى كأستاذه أنه لا سبيل لإصلاح الأمة
следующие страницы →