Полный текст (751 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ولم يعد ما صلى قبل أن يفعل ذلك ومن صلى على موضع طاهر من حصير وبموضع آخر منه نجاسة فلا شيء عليه.
ــ
في حقه فعل السنة المتروكة ومثل الصلاة الطواف والحاصل أنه مع القرب يفعل المتروك من السنن حيث أراد البقاء على طهارة ولو لم يرد الصلاة ولا غيرها ومع الطول فإنما يسن فعله إذا أراد الصلاة أو الطواف ومفاد المصنف أن الطول هو أن يصلي بذلك الوضوء وعدمه أن لا يصلي به وهو ما صرح به ابن الجلاب "و" إذا صلى بالوضوء الذي نسي منه سنة "لم يعد ما صلى به قبل أن يفعل ذلك" المتروك نسيانا لأنه على يقين من الطهارة ولأن الصلاة لا تبطل بترك شيء من سنن الوضوء ولو كان الترك لجميعها وكذلك سنن الغسل والفرق بين الوضوء والغسل وبين الصلاة حيث جرى الخلاف القوي في سنن الصلاة من أنه إذا ترك سنة عمدا من سننها فقيل بالبطلان وقيل بعدمه لعله احتمال وجوب سننها أي الصلاة لقوله ﵊: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وضعف ذلك في الوضوء لقوله: "توضأ كما أمرك الله" أي ولم يأمر إلا بأربعة وترك المصنف الكلام على ما إذا نكس بأن قدم اليدين مثلا على غسل الوجه وحاصل الكلام عليه أن المنكس يعاد وحده إن بعد الأمر والبعد مقدر بجفاف الأعضاء المعتدلة في الزمان والمكان المعتدلين إن نكس سهوا وإلا أعاد الوضوء والصلاة أبدا أي ندبا في الوقت وغيره وأما مع القرب ولا فرق بين كونه عمدا أو نسيانا فإنه يعيد المنكس ثلاثا استنانا مع تابعه شرعا لا فعلا مرة مرة ندبا "ومن صلى على موضع طاهر من حصير" أو غيره "وبموضع آخر منه" ويروى منها "نجاسة" سواء كانت رطبة أو يابسة تحركت بحركته أو لا "فلا شيء عليه" أي لا إعادة عليه لأن صلاته لم تبطل حتى تستوجب الإعادة لأنه إنما خوطب بطهارة
стр. 212
والمريض إذا كان على فراش نجس فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا ويصلي عليه وصلاة المريض إن لم يقدر على القيام
ــ
بقعته التي تماسها أعضاؤه وهذا بخلاف العمامة يكون بطرفها المسدول على الأرض نجاسة فإن صلاته باطلة باتفاق إن تحركت النجاسة بحركته وعلى المشهور إن لم تتحرك لأنه حامل للنجاسة بخلاف الحصير فإنه ليس حاملا للنجاسة "والمريض إذا كان" مقيما "على فراش نجس فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا ويصلي عليه" ويشترط في الثوب الذي يفرش أن يكون منفصلا عن المصلي وإلا بطلت الصلاة ويشترط فيه أيضا أن يكون كثيفا لا إن كان خفيفا يشف بحيث تبدو منه النجاسة بدون تأمل قياسا على ما قيل في ستر العورة وظاهر كلامه أن الصحيح لا يغتفر له ذلك وهو ظاهر المدونة وقيل إن ذلك عام للمريض والصحيح وصوبه ابن يونس وإنما خص المريض بالذكر للغالب أو ليرتب عليه قوله: "وصلاة المريض" الصلاة المفروضة "إن لم يقدر على القيام" فيها لقراءة جميع الفاتحة لا مستقلا ولا مستندا لغير جنب أو حائض بأن عجز عنه جملة أو تلحقه مشقة شديدة إذا كان مريضا وفقه المسألة أن من لا يقدر على القيام جملة أو يخاف به مرضا أو زيادته أو تلحقه المشقة الشديدة بشرط كونه مريضا لا إن كان صحيحا فلا تكون المشقة المذكورة مبيحة له ترك القيام تجوز له الصلاة جالسا واعلم أن وجوب القيام استقلالا إنما هو في حال فعل الفرض كالركوع والإحرام وقراءة الفاتحة على غير المأموم وأما المأموم فلا فإذا استند المأموم في حال قراءتها لعماد بحيث لو أزيل العماد لسقط فصلاته صحيحة كحال
стр. 213
صلى جالسا إن قدر على التربع وإلا فبقدر طاقته وإن لم يقدر على السجود فليومىء بالركوع والسجود ويكون سجوده
ــ
قراءة السورة مطلقا أي فذا أو إماما أو مأموما كما قرره من يدري ولا تلتفت لمن قال غير ذلك واغتر بظاهر عبارة بعض الشراح والاستناد في نحو الركوع مبطل حيث كان على وجه العمد لا على وجه السهو فتبطل الركعة فقط "صلى جالسا" فذا على المشهور أي ولا يصح أن يكون إماما لا لأصحاء ولا لمرضى ولو لمثله هكذا قرره بعضهم وهو ضعيف والمعتمد صحة إمامته لمثله والأفضل أن يجلس متربعا في موضع القيام "إن قدر على التربع" لينبىء جلوسه على هذا الوجه عن البدلية عن القيام وقيل يجلس كما يجلس للتشهد واختاره المتأخرون وعلى الأول يغير جلسته بين السجدتين كما في التشهد وكذا الأفضل في حق المتنفل جالسا التربع لفعله ﵊ ذلك "وإلا" أي وإن لم يقدر المريض الذي فرضه الجلوس على التربع "فـ" إنه يجلس "بقدر طاقته" من الجلوس والترتيب بينه وبين التربع مندوب لا واجب "وإن لم يقدر" المريض الذي فرضه الجلوس "على" الركوع و "السجود" أيضا بأن عجز عنه جملة أو تلحقه المشقة الشديدة "فليومىء بالركوع والسجود" برأسه وظهره أي لا بد من الإيماء بهما فإن لم يقدر بظهره أومأ برأسه أي إن لم يقدر على الإيماء بهما أومأ برأسه فإن لم يقدر برأسه ويلزم منه عدم القدرة بظهره أومأ بما يستطيع ويضع يديه على ركبتيه إذا أومأ للركوع وإذا رفع رفعهما عنهما وإذا أومأ للسجود وضع يديه على الأرض وإذا رفع منه وضعهما على ركبتيه "ويكون سجوده
стр. 214
أخفض من ركوعه وإن لم يقدر صلى على جنبه الأيمن إيماء وإن لم يقدر إلا على ظهره فعل ذلك ولا يؤخر
ــ
أخفض من ركوعه" استحبابا وقال بعضهم وجوبا وهو المفهوم من كلام المصنف والمدونة ومفهوم أيضا من بعض شراح خليل إذا علمت ذلك فالحكم بالاستحباب ضعيف ويكره للمومىء أن يرفع شيئا يسجد عليه فإن فعل ذلك لم يعد صلاته سواء فعل ذلك عمدا أو جهلا وهذا إذا نوى بإيمائه الأرض فإن نوى به ما رفع دون الأرض لم يجزه كما قاله اللخمي "وإن لم يقدر" المريض أن يصلي جالسا استقلالا ولا مستندا ولا متربعا ولا غير متربع "صلى على جنبه الأيمن إيماء" ويجعل وجهه إلى القبلة كما يوضع في لحده فإن لم يقدر على جنبه الأيمن فعلى جنبه الأيسر ووجهه للقبلة أيضا "وإن لم يقدر" أن يصلي "إلا" مستلقيا "على ظهره فعل ذلك" أي صلى مستلقيا على ظهره إيماء ورجلاه إلى القبلة فإن عجز عن الصلاة مستلقيا على ظهره صلى مضطجعا على بطنه ووجهه إلى القبلة ورجلاه إلى دبرها وحكم الاستقبال في تلك الحالات الوجوب مع القدرة فلو صلى لغيرها مع القدرة بطلت والقدرة تكون بوجود من يحوله فلو وجد من يحوله بعد الصلاة يندب له الإعادة في الوقت واعلم أن الترتيب بين القيام استقلالا واستنادا واجب وبين القيام استنادا مع الجلوس استقلالا مندوب وبين الجلوسين واجب كالترتيب بين الجلوس مستندا والاضطجاع بحالتيه والظهر وحكم الترتيب في هذه الأحوال الثلاثة الندب وبينها وبين الاضطجاع على البطن الوجوب والمصلي من اضطجاع يومىء أيضا وكيفيته أنه يومىء برأسه فإن عجز عن الإيماء برأسه أومأ بعينه وحاجبه فإن لم يستطع فبأصبعه والظاهر كما قال الأجهوري إن ترتيب الإيماء بهذه الثلاثة واجب "ولا يؤخر"
стр. 215
الصلاة إذا كان في عقله وليصلها بقدر ما يطيق وإن لم يقدر على مس الماء لضرر به أو لأنه لا يجد من يناوله إياه تيمم فإن لم يجد من يناوله ترابا تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا أو عليه طين فإن كان عليه جص أو جير فلا يتيمم به
ــ
المكلف بمعنى لا يترك "الصلاة إذا كان في عقله وليصلها بقدر ما يطيق" من قيام وجلوس وإيماء واضطجاع ويصلي المريض بقدر ما يستطيع أي ولو بنية أفعالها إن كان لا يقدر على الإيماء بطرف أو غيره وصفة الإتيان بها أن يقصد أركانها بقلبه بأن ينوي الإحرام والقراءة والركوع والرفع والسجود وهكذا إلى آخر أفعال الصلاة ثم شرع يبين ما ذكر في باب التيمم أن في باب جامع الصلاة شيئا من مسائل التيمم وهو قوله: "وإن لم يقدر" المخاطب بأداء الصلاة "على مس الماء لضرر به أو لأنه لا يجد" المريض "من يناوله إياه" أي الماء "تيمم" أي ففرضه التيمم "فإن لم يجد" المريض "من يناوله ترابا تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا" أي بني بالطين "أو" بني بغير طين ولكن ركب "عليه طين" وفهم من كلامه أنه يتيمم بالتراب المنقول أي حيث قال فإن لم يجد من يناوله ترابا وفهم منه أيضا أنه لا يتيمم بالحائط إلا مع عدم التراب وهو خلاف المذهب والمذهب جواز التيمم بالحائط مع وجود التراب لكن يندب له أن لا يتيمم به إلا مع عدم التراب قال صاحب المختصر كتراب وهو الأفضل والحاصل أنه يجوز التيمم على الحائط اللبن والحائط الحجر للمريض والصحيح ولو مع وجود التراب حيث لم يكن به حائل يمنع من مباشرته "فإن كان عليه" أي الحائط التي بجنبه "جص أو جير فلا يتيمم به" أي عليه
стр. 216
والمسافر يأخذه الوقت في طين خضخاض لا يجد أين يصلي فلينزل عن دابته ويصلي فيه قائما يومىء بالسجود أخفض من الركوع فإن لم يقدر أن ينزل فيه
ــ
لدخول الصنعة في ذلك وقوله جير صوابه جيار ذكره الزبيدي بفتح الزاي في لحن العوام "والمسافر" الراكب "يأخذه" أي يضيق عليه "الوقت" المختار حالة كونه سائرا كذا في بعض شراح خليل وشرح التتائي أيضا والأحسن الوقت الذي فيه اختياريا أو ضروريا "في طين خضخاض" وهو الطين الرقيق وييأس أن يخرج منه في الوقت الذي هو فيه اختياريا أو ضروريا وهو يستطيع النزول به ولكنه "لا يجد أين يصلي" لأجل تلطخ ثيابه أو لأجل الغرق بالطريق الأولى "فلينزل عن دابته ويصلي فيه قائما يومىء" بالركوع والسجود أي للركوع الخ لكن محل إيمائه للركوع إذا كان الخضخاض آخذا له لصدره بحيث لا يتمكن منه وأما لو كان آخذا لركبتيه مثلا بحيث يتمكن من الركوع فإنه يركع بالفعل ويكون إيماؤه "بالسجود أخفض من الركوع" وإذا أومأ للركوع وضع يديه على ركبتيه وإذا رفع رفعهما عنهما وإذا أومأ للسجود أومأ بيديه إلى الأرض وينوي الجلوس بين السجدتين قائما وكذلك جلوس التشهد إنما يكون قائما أي يفرق بين القيام والجلوس بالنية واحترز بالخضخاض عن اليابس فإنه ينزل ويصلي فيه بالركوع والسجود والجلوس وهكذا حكم من أخذه الوقت في طين خضخاض وغلب على ظنه أنه لا يخرج منه في الوقت الذي هو فيه ضروريا أو اختياريا وأما من غلب على ظنه أنه يخرج منه قبل خروج الوقت فإنه يؤخر إلى آخر الوقت "فإن لم يقدر أن ينزل فيه"
стр. 217
صلى على دابته إلى القبلة وللمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به
ــ
أي إن محل كونه ينزل عن دابته ويصلي إيماء إن أمكن أن ينزل في الخضخاض فإن لم يمكن أن ينزل فيه لخوف الغرق "صلى على دابته إلى القبلة" فلا يبيح الصلاة على الدابة إلا خوف الغرق وأما خشية تلطخ الثياب لا يوجب صحة الصلاة على الدابة وإنما يبيح الصلاة إيماء بالأرض وكذلك أي ومثل الصلاة على الدابة إلى القبلة إن لم يكن طين وخاف أن ينزل عن دابته من اللصوص أو السباع فإنه يصلي على دابته يومىء بالركوع والسجود إلى الأرض ويرفع عمامته عن جبهته إذا أومأ للسجود ولا يسجد على سرج الدابة ولا غيره ويكون جلوسه متربعا إن أمكنه ذلك وحكم الحاضر حكم المسافر إذا أخذه الوقت في طين خضخاض وإنما اقتصر على المسافر لأن الخضخاض غالبا إنما يكون في السفر "و" يجوز المراد به خلاف الأولى "للمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به" دابته ظاهره كان راكبا على ظهرها أو في شقدف أو غيره ولكن لا بد أن يكون الركوب معتادا فيخرج الراكب مقلوبا أو بجنبه ومفاد المصنف بحسب الظاهر سواء أحرم إلى القبلة في أول الأمر أم لا خلافا لما نص عليه ابن حبيب من أنه يوجه الدابة إلى القبلة أولا ثم يحرم ثم يصلي حيثما توجهت ومذهب مالك جواز ذلك ليلا ونهارا خلافا لابن عمر لا يتنفل المسافر نهارا ويكون في جلوسه متربعا إن أمكنه ويرفع العمامة عن وجهه في السجود وله ضرب الدابة وركضها إلا أنه لا يتكلم ولا يلتفت واحترز بالمسافر عن الحاضر فإنه لا يتنفل على الدابة وكذلك الماشي لا يتنفل في سفره ماشيا وقوله حيثما توجهت به احتراز من راكب السفينة فإنه لا يتنفل
стр. 218
إن كان سفرا تقصر فيه الصلاة وليوتر على دابته إن شاء ولا يصلي الفريضة وإن كان مريضا إلا بالأرض إلا أن يكون إن نزل صلى جالسا إيماء لمرضه فليصل على الدابة بعد أن توقف له ويستقبل بها القبلة ومن رعف
ــ
فيها إلا إلى القبلة فيدور معها حيثما دارت إن تمكن من ذلك والأصل فيما ذكر ما صح عنه أنه ﷺ كان يسبح على الراحلة قبل أي جهة توجهت ويوتر عليها أي يصلي النافلة ولا يصلي المكتوبة والراحلة هي الناقة التي تصلح لأن ترحل "إن كان سفرا تقصر فيه الصلاة" أي إن شرط جواز تنفل المسافر على الدابة حيثما توجهت أن يكون سفره سفرا تقصر فيه الصلاة فلو كان دون مسافة القصر أو سفر معصية فلا "وليوتر" المسافر "على دابته إن شاء" بالشرط المتقدم وإن شاء أوتر على الأرض وهو الأفضل "ولا يصلي" أي المسافر "الفريضة وإن كان مريضا إلا بالأرض" دليله الحديث المتقدم "إلا أن يكون إن نزل" عن دابته "صلى جالسا إيماء" بالركوع والسجود "لـ" أجل "مرضه فليصل" الفريضة "على الدابة بعد أن توقف له ويستقبل بها القبلة" ظاهره كالمختصر الجواز من غير كراهة والذي في المدونة الكراهة وقيدت بما إذا صلى حيثما توجهت به راحلته وأما إذا أوقفت له واستقبل وصلى فلا كراهة وهذا التقييد نقله الفاكهاني عن الشيخ ثم قال فالذي في الرسالة تقييد لما في المدونة "ومن رعف" قد ذكر في الصحاح فيه ثلاث لغات وهي فتح العين في الماضي وضمها وفتحها في المستقبل والشاذ ضمها فيهما وعبر صاحب المصباح بالقلة فيما عبر فيه الصحاح بالشذوذ والمعنى
стр. 219
مع الإمام خرج فغسل الدم ثم بنى ما لم يتكلم أو يمش على نجاسة
ــ
أن من خرج من أنفه دم حالة كونه في الصلاة "مع الإمام خرج فغسل الدم" أي يخرج لغسل الدم الذي خرج من أنفه ممسكا لأنفه من أعلاه ولم يظن دوامه لآخر الوقت المختار وأما إذا ظن دوامه لآخر الوقت المختار فإنه يتمها ولا يخرج ولو كان الدم سائلا حيث كان في غير مسجد أو فيه وفرش شيئا يلاقي به الدم أو كان محصبا أو متربا لا حصير عليه لأن ذلك ضرورة ويغسل الدم بعد فراغه فإن كان في مسجد مفروش أو مبلط يخشى تلويثه ولو بأقل من درهم فإنه يقطع وجوبا ومحل كونه يتم صلاته بالركوع والسجود ما لم يخش ضررا بالركوع والسجود أو تلطخ ثيابه التي يفسدها الغسل وإلا أتمها ولو بالإيماء لا إن خشي تلطخ جسده أو ثيابه التي لا يفسدها الغسل فلا يجوز له الإيماء "ثم" بعد أن يفرغ من غسل الدم "بنى" بمعني يبني لأن الفقيه إنما يتكلم على أحكام مستقبلة ولا يقطع الصلاة على المشهور وقال ابن القاسم الأفضل القطع قال زروق وهو أولى بالعامي ومن لا يحسن التصرف في العلم لجهله وسند المشهور عمل جمهور الصحابة والتابعين وقال أبو حنيفة تبطل الصلاة بناء على أن الخارج النجس ينقض الوضوء وحيث قلنا بالبناء فله ستة شروط أشار إلى اثنين منها بقوله: "ما لم يتكلم أو يمش على نجاسة" أما الأول فظاهره البطلان إن تكلم مطلقا عمدا أو جهلا أو نسيانا ولا فرق بين أن يكون الكلام في ذهابه أو عوده ما لم يكن لإصلاحها وإنما بطلت بالكلام نسيانا لكثرة المنافيات قاله الأجهوري وأما الثاني فظاهره البطلان إن مشى على نجاسة مطلقا سواء كانت النجاسة رطبة أو يابسة أما إذا كانت رطبة فمتفق على
стр. 220
...................................................................................
ــ
البطلان وأما إن كانت يابسة كالقشب فكذلك عند سحنون قال بهرام وهذا كله في العذرة وأما أرواث الدواب وأبوالها فإنه يبني إذا مشى عليها اتفاقا لأن الطرقات لا تخلو عن ذلك غالبا وظاهر عبارته ولو رطبة ولو عامدا وليس كذلك قال الحطاب قلت وينبغي أن يقيد بما إذا وطئها ناسيا أو مضطرا لذلك لعمومها وانتشارها في الطريق وأما إن وطئها عامدا من غير عذر لسعة الطريق وعدم عمومها وإمكان عدوله فينبغي أن تبطل صلاته لانتفاء العلة التي هي الضرورة وفقه المسألة أن المرور على النجاسة مع العمد والاختيار مبطل مطلقا ولو يابسة ولو أرواث داوب وأما مع الاضطرار فلا بطلان ولا إعادة أيضا في المرور على أن أرواث الدواب ولو رطبة وكذا في المرور على غيرها لا بطلان لكن يستحب الإعادة في الوقت هذا كله مع العلم وأما مع النسيان ففي نحو العذرة إن لم يتذكر إلا بعد الصلاة فلا بطلان وتندب الإعادة في الوقت وإذا تذكر وهو في الصلاة وقد تعلق به شيء بطلت صلاته وإن لم يتعلق به شيء فيتحول وتصح صلاته على الراجح وأما أرواث الدواب فإن لم يتذكر إلا بعد الفراغ فلا إعادة عليه لا في الوقت ولا في غيره وإن تذكر فيها فلا بطلان أيضا ولا إعادة وإنما يدلكها.
الشرط الثالث: أن لا يتجاوز ماء قريبا إلى آخر ولا بد أن يكون الماء القريب قريبا في نفسه لا قريبا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه.
الرابع: أن لا يستدبر القبلة لغير طلب الماء وأما لطلب الماء فلا بطلان.
الخامس: أن يقطر الدم أو يسيل ولا يتلطخ به أما إن رشح فقط من غير أن يسيل أو يقطر فلا يخرج لغسله.
السادس: أن يكون الراعف في جماعة إماما كان أو مأموما أما الفذ ففي بنائه قولان مشهوران منشؤهما هل رخصة البناء لحرمة الصلاة وهي المنع من إبطالها أو لتحصيل فضل الجماعة فيبني على الأول دون الثاني فإذا استكملت الشروط
стр. 221
ولا يبني على ركعة لم تتم بسجدتيها وليلغها ولا ينصرف لدم خفيف وليفتله بأصابعه إلا أن يسيل أو يقطر
ــ
"و" بنى فـ "لا يبني على ركعة" يعني لا يعتد بركعة "لم تتم بسجدتيها" وإنما يعتد بركعة تمت بسجدتيها على ما نقل عن ابن القاسم وقال ابن مسلمة يبني على القليل والكثير كان ذلك في الركعة الأولى أو في غيرها واستظهره ابن عبد السلام فعلى رواية ابن القاسم لو رعف بعد الركوع وقبل السجود أو بعد أن سجد سجدة واحدة ألغى ذلك وابتدأ القراءة "وليلغها" تكرار زيادة في البيان وهذا الذي تقدم إذا كان الدم كثيرا يدل عليه قوله: "ولا ينصرف لـ" غسل "دم خفيف وليفتله بأصابعه" يعني برؤوس أصابع يده اليسرى وصفة الفتل أن يلقاه أولا برأس الخنصر ويفتله برأس الإبهام ثم بعد الخنصر البنصر ثم الوسطى ثم السبابة وانظر قول المصنف "إلا أن يسيل أو يقطر" هل أراد ابتداء فيكون تقدير كلامه وليفتله بأصابعه إلا أن يسيل أو يقطر فلا يبتدىء فتله ولينصرف إلى الماء وإنما أراد إذا سال أو قطر بعد أن فتله فيكون تقدير الكلام أنه يفتله بأصبعه إلا أن يغلب عليه بالسيل أو القطر فلا يفتله وهذا هو المناسب وأما الاحتمال الأول فهو عين قوله ومن رعف الخ وحينئذ فقوله إلا أن يسيل أو يقطر أي فلا يفتله وهذا إذا كان القاطر لا يمكن فتله وإلا فتله وهل أراد بقوله أيضا إلا أن يسيل أو يقطر على الأرض أو على ثوبه أما إذا سال أو قطر على الأرض فإنه ينصرف ويغسله ويبني استحبابا وله القطع وهذا إذا لم يخش تلويث مسجد ولو بأقل من درهم وإلا قطع ولو ضاق الوقت وإن سال على ثوبه أو على أصابعه وتجاوز الأنملة العليا إلى الوسطى بقدر لا يعفى عنه بأن زاد على درهم فإنه يقطع وأما ما كان في العليا فلا بطلان به ولو زاد على
стр. 222
ولا يبني في قيء ولا حدث ومن رعف بعد سلام الإمام سلم وانصرف وإن رعف قبل سلامه انصرف وغسل الدم ثم رجع فجلس
ــ
درهم وإن سال على ثوبه فإنه يبني أيضا إن سلمت ثيابه من القذر الذي لا يعفى عنه ولما كان البناء للرعاف تعبديا لا يقاس عليه وخشي أن يتوهم القياس عليه رفع ذلك التوهم بقوله: "ولا يبني" ويروى ولا يبن فعلى الأولى لا نافية وعلى الثانية ناهية والفعل مجزوم بحذف الياء "في قيء" مطلقا عمدا أو سهوا أي قيء متنجس خرج منه حال صلاته ولو قليلا ومثله الطاهر الكثير والحاصل أن الصلاة لا تبطل بالطاهر بشرط كونه يسيرا وخرج غلبة فإذا كان نجسا ولو يسيرا أو طاهرا كثيرا أو تعمد إخراجه بطلت صلاته وكذا لو تعمد ابتلاعه والموضوع أنه خرج غلبة وأما لو ابتلعه غلبة في ذلك الموضوع ففي بطلان صلاته قولان متساويان لا أرجحية لأحدهما على الآخر وأما سهوا فلا "ولا" يبني أيضا في "حدث" ولا غيرهما على المشهور ومقابله ما لأشهب من أنه يبني في الحدث ويبني أيضا من رأى في ثوبه أو جسده نجاسة أو أصابه ذلك وهو في الصلاة وسند القول المشهور أن الأصل عند البناء في الجميع فجاءت الرخصة في الرعاف وبقي ما سواه على الأصل "ومن رعف بعد سلام الإمام سلم وانصرف" وإنما أبيح له السلام وهو حامل النجاسة لأنه أخف من ذهابه إلى الماء "وإن رعف قبل سلامه" أي قبل سلام الإمام "انصرف" إلى الماء "وغسل الدم" لأنه إن لم يخرج فقد تعمد حمل النجاسة في صلاته وقد بقي بعضها "ثم رجع" ليسلم "فجلس" وأعاد التشهد إن كان قد تشهد على المشهور
стр. 223
وسلم وللراعف أن يبني في منزله إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام إلا في الجمع فلا يبني إلا في الجامع
ــ
فإن لم يكن تشهد تشهد من غير خلاف "وسلم" وظاهر كلامه أنه يخرج لغسل الدم ولو كان سلام الإمام عقيب رعافه وليس كذلك بل إن كان سلام الإمام قريبا من رعافة فإنه يسلم وينصرف وتجزئه صلاته كالمسألة التي قبلها لأنه لم يبق عليه شيء من فعل الصلاة يحتاج معه إلى البناء عليه ثم انتقل يبين أين يتم الراعف صلاته بعد غسل الدم بالشروط المتقدمة فقال "وللراعف" إذا كان في جماعة "أن يبني في منزله" أي في مكانه الذي غسل فيه الدم إن أمكنه أو في أقرب الأماكن التي يمكنه فيها الصلاة "إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام" المراد باليأس هنا غلبة الظن قال ابن ناجي ظاهر كلامه أنه إذا طمع أن يدرك شيئا من صلاة الإمام ولو السلام فإنه يرجع إليه وهو كذلك على ظاهر المدونة وغيرها وقال ابن شعبان إن لم يرج إدراك ركعة أتم مكانه وإنما لزم الرجوع مع الشك لأن الأصل لزوم متابعته للإمام فلا يخرج منها إلا بعلم أو ظن وما تقدم من أن للراعف أن يبني في أي مكان يمكنه الصلاة فيه عام في كل صلاة جماعة "إلا في" صلاة "الجمعة" إذا أدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها وكذلك يجب الرجوع على من ظن إدراك ركعة مع الإمام بعد رجوعه وإن لم يدرك معه ركعة قبل الرعاف وأما إذا لم يدرك ركعة قبل الرعاف ولا ظن إدراك ركعة بعد رجوعه مع الإمام فإنه لا يرجع بل يقطع ويبتدىء ظهرا بإحرام ولو بنى على إحرامه وصلى أربعا فالظاهر الصحة كما قال الحطاب ومحل ابتدائها ظهرا حيث لم يتمكن من صلاة الجمعة وإلا فلا بأن كان البلد مصرا تتعدد فيه الجمعة "فـ" إنه "لا يبني" فيها "إلا في الجامع" أي الذي
стр. 224
ويغسل قليل الدم من الثوب ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره
ــ
ابتدأها فيه ولو ظن فراغ إمامه لأن الجامع شرط في صحة الجمعة ولا يتمها برحابه ولو كان ابتدأها به لضيق أو اتصال صفوف كما استظهره الحطاب وقال ابن عبد السلام يصح إتمامها في الرحاب ومن كلف بالبناء في الجامع الذي ابتدأها فيه لا يكلف بموضعه الذي صلى فيه مع الإمام بل يكفي أي موضع منه لأن ذلك يؤدي إلى كثرة الفعل وكثرته تبطل ولو صلى في جامع غير الذي صلى فيه لبطلت صلاته وإن كان أقرب منه تت وعج وظاهر قوله لا يبني إلا في الجامع سواء حال بينه وبين عوده إليه حائل أم لا وهو المشهور وعليه فإن حال بينه وبين الجامع الذي ابتدأها فيه حائل قبل إتمام صلاته بطلت جمعته ولما تكلم على الرعاف شرع يتكلم على مسألة تقدمت في باب الطهارة لمناسبة تلك المسألة لذلك المقام من حيث الحكم على الغسل المذكور بالاستحباب الذي هو المعتمد إذ هو يؤذن بأن هذا الدم معفو عنه فقال: "ويغسل قليل الدم من الثوب" يعني والجسد والبقعة قال ابن عمر يريد المصنف على جهة الاستحباب فيكون مفاد المصنف ويغسل قليل الدم الخ أي ندبا لا وجوبا وهذا هو مذهب المدونة أي إن غسل الدم القليل لا الكثير مستحب على مذهب المدونة إذا تقرر هذا تعلم أن مذهب المدونة واستحباب غسل القليل لا الكثير وتعلم أيضا أنه مخالف لقول زروق أن مذهب المدونة وجوب غسل قليل الدم "ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره" وفي حده وحد اليسير مشهور الخلاف فقيل الكثرة معتبرة بالعرف وقيل لا وهو المشهور أي إن المشهور اعتبار الكثير بالدرهم البغلي فيما كانت مساحته قدر مساحة الدرهم البغلي أي الذي في ذراع البغل فهو كثير وإليه أشار مالك في العتبية وقال ابن
стр. 225
وقليل كل نجاسة غيره وكثيرها سواء ودم البراغيث ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش
ــ
سابق اليسير ما دون الدرهم والكثير ما فوقه اه وفي الدرهم روايتان قيل إنه من حيز الكثير وقيل من حيز اليسير وقول المصنف ولا تعاد الخ يعني في الوقت إذا صلى به ناسيا وإن صلى به عامدا أعاد أبدا على قول ابن القاسم فيفيد هذا أن ابن القاسم يقول بأن إزالة النجاسة واجبة والدم من أفرادها وهذا يخالف ما نقله صاحب البيان أن المشهور من رواية ابن القاسم عن مالك أن رفع النجاسة سنة ولما كان غير الدم من النجاسات مخالفا له في الحكم من حيث التفرقة بين القليل فيعفى عنه والكثير لا عفو فيه وخشي أن يتوهم أن غيره كذلك دفع هذا بقوله: "وقليل كل نجاسة" من "غيره" أي الدم "وكثيره سواء" في وجوب الإزالة على القول بوجوب إزالة النجاسة وإعادة الصلاة أبدا إذا صلى متلبسا بالنجاسة عامدا وفي الوقت إذا صلى ناسيا أو عاجزا والفرق بين الدم وغيره من النجاسات أن الدم لا يكاد يتحفظ منه لأن بدن الإنسان كالقربة المملوءة بخلاف سائر النجاسات فإنه يمكن أن يتحرز منها في الغالب "ودم البراغيث ليس عليه غسله" لأن في غسله كبير مشقة وزيادة كلفة إذ لا يكاد يفارق الإنسان مع أن يسير الدم معفو عنه "إلا أن يتفاحش" ويخرج عن العادة فيستحب غسله وقيل يجب وحد التفاحش ما بلغ حدا يستحى من ظهوره بين الناس.
стр. 226
باب في سجود القرآن
ــ
"باب في سجود القرآن" كذا في بعض النسخ وفي بعضها باب سجود
стр. 227
وسجود القرآن إحدى عشرة سجدة وهي العزائم ليس في المفصل منها شيء في المص عند قوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ وهو آخرها
ــ
القرآن بحذف في وفي بعضها "وسجود القرآن" من غير ذكر باب وزيادة واو وهو سنة وقضية ابن عرفة أنه الراجح وقيل فضيلة وظاهر كلام ابن الحاجب وغيره أنه المشهور في حق القارىء وقاصد الاستماع لا السامع ويشترط في سجود المستمع ثلاثة شروط الأول أن يكون القارىء صالحا للإمامة أي بالفعل بأن يكون ذكرا بالغا عاقلا متوضئا فلا يسجد لسماع قراءة آية السجدة من الخنثى ولا من المرأة ولا من الصبي ولا من غير متوضىء الثاني أن يكون المستمع جلس ليتعلم من القارىء ما يحتاج إليه في القراءة من الإدغام ونحوه أو لحفظ ذلك المقروء والثالث أن لا يجلس القارىء ليسمع الناس حسن قراءته بل جلس قاصدا تلاوة كلام الله أو قاصدا إسماع الناس لأجل أن يتعظوا فينزجروا عن المعاصي وإذا وجدت هذه الشروط ولم يسجد القارىء سجد قاصد الاستماع على المشهور والمشهور أن سجدات القرآن "إحدى عشرة سجدة وهي العزائم" أي الأوامر بمعنى المأمور بالسجود عند قراءاتها فليس المراد بالأمر حقيقته بل المراد به اسم المفعول وإنما سميت بالعزائم للحث على فعلها خشية تركها الذي هو مكروه "ليس في المفصل" وهو ما كثر فيه الفصل بالبسملة وأوله الحجرات على ما اختاره بعضهم "منها" أي العزائم "شيء" فلا سجود في التي في النجم والانشقاق والقلم.
أولها: في " ﴿المص﴾ عند قوله" تعالى: " ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ " وإنما قال: "وهو آخرها" وإن كان من المعلوم أنه آخرها ليرتب عليه قوله
стр. 228
فمن كان في صلاة يسجدها فإذا سجدها قام وقرأ من الأنفال أو من غيرها ما تيسر عليه ثم ركع وسجد وفي الرعد عند قوله: ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ وفي النحل: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ وفي بني إسرائيل: ﴿َيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ وفي مريم: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ وفي الحج أولها ﴿وَمَنْ
ــ
"فمن كان في صلاة" نافلة أو فريضة وقرأها "يسجدها" أي وإن كان في وقت حرمة لأنها تبع للصلاة ويكره تعمد قراءة آية السجدة في الصلاة المفروضة "فإذا سجد قام فقرأ" على جهة الاستحباب "من" سورة "الأنفال أو من غيرها ما تيسر عليه" مما يليها على نظم المصحف فليس المراد بالذي يليها ما كان بلصقها وإلا نافى قوله أو من غيرها "ثم ركع وسجد" وإنما أمر بالقراءة لأن الركوع لا يكون إلا عقب القراءة أي الركوع المعتد به كما لا يكون إلا عقب القراءة "و" ثانيها: "في" سورة "الرعد عند قوله" تعالى: " ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ . و" ثالثها: "في" سورة "النحل" عند قوله تعالى: " ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ و" رابعها: "في" سورة "بني إسرائيل" عند قوله تعالى: " ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ و" خامسها: "في" سورة "مريم" عند قوله تعالى: " ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ و" سادسها "في" سورة "الحج" وهو المذكور "أولها" عند قوله تعالى: " ﴿وَمَنْ
стр. 229
يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ وفي الفرقان: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ وفي الهدهد: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ وفي: ﴿الم تنزيل﴾ ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وفي ص: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ وقيل عند قوله: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وفي: ﴿حم تنزيل﴾ ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
ــ
يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ونبه بقوله أولها إلى قول الشافعي أن فيها سجدتين أولها وآخرها.
"و" سابعها: "في" سورة "الفرقان" عند قوله تعالى: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ و" ثامنها: "في" سورة "الهدهد" عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ و" تاسعها: "في" سورة ﴿الم تنزيل﴾ عند قوله تعالى: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ و" عاشرها: "في" سورة ﴿ص﴾ عند قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ وقيل" السجود فيها "عند قوله" تعالى: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ والأول هو المشهور لأن قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ كالجزاء على السجود فكان بعد السجود فقدم السجود عليه "و" حادية عشرتها "في" سورة " ﴿حم تنزيل﴾ عند قوله" تعالى: " ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ " هذا هو المشهور لأنه موضع الأمر وقيل السجود فيها عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ لأنه تمام الأول ولمخالفته للكافر المتكبر بالسآمة أي المتكبر عن السجود مع ملله
стр. 230
ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء ويكبر لها ولا يسلم منها وفي التكبير في الرفع منها سعة وإن كبر فهو أحب إلينا ويسجدها من قرأها في الفريضة والنافلة
ــ
وضجره منه أي إن الذي منعه من السجود أمران تكبره وسآمته "ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء" لأنه يشترط لها ما يشترط لسائر الصلوات من الطهارتين أي الحدث والخبث واستقبال القبلة "ويكبر لها" في الخفض والرفع اتفاقا إن كان في صلاة وعلى المشهور إن كان في غير صلاة وقيل يكره وقيل هو مخير بين التكبير وعدمه فإذا الأقوال ثلاثة ولا يرفع يديه أي يكره ذلك في الخفض والرفع ولا يتشهد على المشهور وقيل يتشهد "ولا يسلم" منها أي يكره إلا أن يقصد الخروج من الخلاف قالوا وقول الشيخ "وفي التكبير في الرفع منها سعة" أنه رابع في المسألة التي حكى ابن الحاجب فيها الأقوال الثلاثة أي من حيث إنه خير في الرفع ولم يخير في الخفض كما نبه عليه ابن ناجي وانظر قوله: "وإن كبر فهو أحب إلينا" هل هو عائد إلى التكبير في الرفع أي فيكون المعنى أنه يكبر في الرفع كما أنه يكبر في الخفض فيكون عين القول الأول من الأقوال الثلاثة أو عائد إلى التكبير في الرفع والخفض الذي هو الأول أيضا فهو على كل حال اختيار منه للمشهور "ويسجدها" أي سجدة التلاوة "من قرأها" وهو "في" صلاة "الفريضة و" صلاة "النافلة" سواء كان إماما أو فذا وإن كره لهما تعمدها في الفريضة على المشهور وظاهر المصنف ولو كان يصلي الفريضة وقت النهي عن النافلة وقال التتائي على المختصر ينبغي أن تقيد بما إذا لم يتعمد قراءة السجدة أي في وقت النهي اه وإنما كره
стр. 231
ويسجدها من قرأها بعد الصبح مالم
ــ
لهما أي الإمام والفذ تعمد قراءة السجدة في الفريضة لأنه إن لم يسجد دخل في الوعيد وإن سجد يزيد في سجود الفريضة على أنه ربما يؤدي إلى التخليط على المأمومين وأما النافلة فلا يكره تعمد قراءة السجدة فيها فذا كان أو جماعة جهرا أو سرا في حضر أو سفر ليلا أو نهارا متأكدا أو غير متأكد خشي على من خلفه التخليط أولا "تنبيهات" فهم من قوله فريضة ونافلة أنه لو قرأها في حال الخطبة لا يسجد وهو كذلك لما فيه من الإخلال بنظام الخطبة وحكم الإقدام على قراءتها الكراهة وإن وقع أنه سجد في الخطبة لم تبطل وإن نهى عن السجود الثاني لو كان القارىء للسجدة إماما وتركها فإن المأموم يتركها فإن سجدها المأموم دون إمامه بطلت صلاته في العمد دون السهو كما أنها لا تبطل صلاة المأموم بترك السجود مع إمامه الساجد ولو كان تركه عمدا ولكنه أساء وروى ابن وهب لا تكره قراءتها في الفريضة ابتداء وصوبه اللخمي وابن يونس وابن بشير وغيرهم لما ثبت أنه ﷺ كان يداوم على قراءة السجدة في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة قال ابن بشير: وعلى ذلك كان يواظب الأخيار من أشياخي وأشياخهم وتفعل في كل وقت من ليل أو نهار إلا عند خطبة الجمعة وعند طلوع الشمس واصفرارها وعند الإسفار فإنه يكره فعلها في هذه الأوقات واختلف في فعلها قبل الإسفار والاصفرار بعد أن تصلي الصبح وبعد أن تصلي العصر ففي الموطأ لا تجوز بعدهما مطلقا اصفرت أو أسفرت أولا وفي المدونة وهو المعتمد يسجدها بعدهما ما لم تصفر أو تسفر وعليه مشى الشيخ فقال: "ويسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم
стр. 232
يسفر وبعد العصر ما لم تصفر الشمس.
ــ
يسفر" بالسين من الإسفار وهو الضياء "وبعد العصر ما لم تصفر الشمس" بالصاد من الاصفرار وهو التغير لأنها سنة مؤكدة وبذلك شبهت بالجنائز ففارقت من فعلها في الوقتين بسبب كونها سنة مؤكدة النوافل المحضة لأنها أي النوافل المحضة لا تفعل بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح.
стр. 233
باب في صلاة السفر
ومن سافر مسافة أربعة برد وهي ثمانية وأربعون
ــ
"باب في" بيان "صلاة السفر" وحكمها وهو السنية وسببها هو السفر ومحلها وهو الرباعية وبعض شروطها وهو أربعة برد وبعض ما يبطل القصر ومسائل متعلقة بها وقد أشار إلى الخمسة الأول أي التي هي صفة صلاة السفر وحكمها وسببها ومحلها وبعض شروطها بقوله ومن سافر إلى قوله حتى يجاوز الخ بإدخال الغاية ومعنى قوله: "ومن سافر" أي قصد سفرا في البر أو في البحر واجبا كان كسفر الحج الواجب أو مندوبا كسفر الحج التطوع أو مباحا كسفر التجارة "مسافة أربعة برد" جمع بريد وهو أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال والميل ألفا ذراع وصحح ابن عبد البر كونه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع والذراع ما بين طرفي المرفق إلى آخر الأصبع المتوسط وهو ستة وثلاثون أصبعا كل أصبع ست شعيرات بطن إحداهما إلى ظهر الأخرى كل شعيرة ست شعرات من شعر البرذون وهذا بيان لأقل المسافة التي تقصر فيه الصلاة وحدها بالزمان سفر يوم وليلة بسير الحيوانات المثقلة بالأحمال المعتادة "وهي" أي الأربعة برد "ثمانية وأربعون
стр. 234
ميلا فعليه أن يقصر الصلاة فيصليها ركعتين إلا المغرب فلا يقصرها
ــ
ميلا فعليه أن يقصر" بفتح الياء وسكون القاف وضم الصاد فإن قصر فيما دونها فإن كان فيما مسافته خمسة وثلاثون ميلا أعاد أبدا وفيما مسافته أربعون لا إعادة وفيما مسافته بينهما خلاف هل يعيد في جل الوقت أم لا أي لا إعادة عليه أصلا قاله ابن رشد وفي التوضيح يعيد من قصر في ستة وثلاثين ميلا أبدا على المذهب "الصلاة" المفروضة المؤداة في السفر والمقضية لفواتها فيه "فيصليها ركعتين إلا المغرب فلا يقصرها" لأنها وتر لا نصف لها قال في التحقيق ليس في الشريعة نصف ركعة فإن قيل لم لم تكمل ركعتين كما فعل في طلاق العبد وفيمن طلق طلقة ونصف طلقة قيل في جوابه لو فعل ذلك لذهب مقصود الشرع من كون عدد ركعات الفرض في اليوم والليلة وترا وللشرع قصد في الوتر وانظر لم سكت عن الصبح مع أنها لا تقصر أيضا لأنه لم يثبت في الشرع قصرها وإن كان ذلك ممكنا بأن تجعل ركعة والذي يغني عن تطويل القول فيه وفي المغرب أن الإجماع انعقد على أنهما لا يقصران ولا تأثير للسفر فيهما وللقصر شروط أحدها أن تكون المسافة مقصودة دفعة واحدة فلو لم تكن مقصودة مثل أن يمشي في طلب حاجة له يظن أنها أمامه بل ولو جزم بأنها أمامه إلا أنه لم يدر عين موضعها فلا يقصر ولو مشى أربعة برد وكذا لا يقصر إذا قام فيما بين تلك المسافة إقامة توجب الإتمام كأربعة أيام صحاح وملخصه أن الشرط الأول اشتمل على أمرين أحدهما مقصودة والثاني دفعة ثانيها أن يكون السفر مباحا ثالثها على ما قال في الذخيرة أن لا يقتدي بمقيم قال ابن القاسم في الكتاب يتم وراءه إن أدرك معه ركعة إلى أن
стр. 235
ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء ثم لا يتم حتى يرجع إليها أو يقاربها بأقل من الميل
ــ
قال فإن أدرك أقل من ركعة قال مالك لا يتم وفقه المسألة إن المأموم المسافر خلف المقيم تارة ينوي الإتمام خلفه ومثله الإحرام بما أحرم به الإمام وتارة ينوي صلاة سفر وفي كل إما أن يدرك ركعة أم لا ففي القسم الأول يتبعه مطلقا وفي الثاني إن أدرك معه ركعة بطلت صلاته وإلا صحت ويصلي ركعتين رابعها أن لا يعدل عن مسافة قصيرة إلى طويلة بلا عذر خامسها لا يقصر حتى يبرز عن بيوت القرية وإليه أشار الشيخ بقوله: "ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر" قال ابن ناجي ظاهر كلامه سواء كان الموضع موضع جمعة أم لا وهو كذلك على المشهور ومقابله ما رواه مطرف وابن الماجشون عن الإمام ﵁ أن القرية التي ابتدأ السفر منها إن كانت قرية جمعة لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال من سورها وإلا فمن آخر بنيانها ومحل الخلاف في الزائد على البساتين للاتفاق على مجاوزة البساتين ومجاوزة العمودي حلته بكسر الحاء أي منزل إقامته ولو تفرقت البيوت فلا بد من مفارقة الجميع حيث جمعهم اسم الحي والدار أو اسم الدار فقط أو اسم الحي حيث كان يرتفق بعضهم ببعض وإلا قصر بمجرد انفصاله عن منزله "وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء" هو عين ما قبله فالداعي لتكريره زيادة البيان فكأنه يقول ليس أمامه ولا عن يمينه ولا عن شماله منها شيء ولما بين المبدأ أراد أن يبين المنتهى فقال: "ثم لا يتم حتى يرجع إليها" أي إلى البيوت "أو يقاربها بأقل من الميل" استشكل
стр. 236
وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يظعن من مكانه ذلك
ــ
ابن عمر كلام الشيخ فقال هذا اللفظ مشكل لأن أول الكلام جعله في أقل من الميل مسافرا وآخر الكلام جعله فيه مقيما وهذا لا يصح قال بعضهم لدفع هذا التنافي إن قوله حتى يرجع إليها يعني على قول وقوله أو يقاربها يعني على قول آخر وقال بعضهم معنى قوله حتى يرجع إليها أي حتى يدنو منها وحينئذ يكون قوله أو يقاربها هو بمعنى قوله حتى يرجع إليها ومحصل هذا التأويل أنه متى كان أقل من الميل يتعين عليه الإتمام سواء كان بها بساتين أم لا كانت البساتين قليلة بحيث تكون ثلث ميل مثلا أو أكثر "وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يظعن" بالظاء المعجمة أي يرتحل ويصير إذا ظعن كالظاعن من بلده فيقصر إذا جاوز البلد وما في حكمها واعتمد ذلك ابن ناجي "من مكانه ذلك" تقدم أن المصنف إذا أتى بأو يكون أراد أن المسألة ذات قولين ومفاد كلامه أن القصر بشرطه يقطعه نية إقامة أربعة أيام صحاح فأكثر مع إدراك عشرين صلاة وهو الذي مشى عليه ابن القاسم فابن القاسم يراعي في قطع حكم السفر الأربعة الأيام الصحاح والعشرين صلاة فالإقامة القاطعة لحكم السفر عنده أن يقيم إلى عشاء الرابع فمن دخل قبل فجر يوم ونوى الخروج بعد غروب الرابع فإنه يقصر لأنه لم يقم مدة عشرين صلاة وقال سحنون وعبد الملك إن نية ما يصلي فيه عشرين صلاة قاطع لحكم السفر وفائدة الخلاف يظهر إذا دخل وقت الظهر فإن قدر بالصلوات حسب ظهر يومه وعصره فيتم الظهر والعصر وإن قدر بالأيام ألغى اليوم الذي دخل فيه بمعنى أنه لا يحسبه من
стр. 237
ومن خرج ولم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما سفريتين فإن بقي قدر ما يصلي فيه
ــ
الأربعة أيام التي يقيمها فمن نوى إقامة أربعة أيام صحاح فإنه يتم من حين دخوله في المحل الذي نوى فيه ذلك فإذا دخل وقت الظهر أتمه وأتم العصر والعشاء وإن كان يوم دخوله لا يحسب في الأيام التي يقيمها وأخذ من قوله نوى أن الإتمام يكون بالنية خاصة بخلاف القصر فإنه لا يكون إلا بالنية والفعل وهو تعدي البساتين المسكونة وذلك أن الإتمام هو الأصل فلا ينتفل عنه إلا بشيئين والقصر فرع ينتفل عنه بشيء واحد وأخذ منه أيضا أنه إذا أقام من غير نية إقامة أربعة أيام فإنه يقصر ما دام ناويا للسفر واستثنوا من كون نية إقامة أربعة أيام فأكثر يبطل حكم السفر نية العسكر الإقامة بدار الحرب والمراد بدار الحرب محل إقامة العسكر ولو في دار الإسلام حيث لا أمن ومما يقطع القصر أيضا العلم بالإقامة عادة كعادة الحاج إذا دخل مكة أن يقيم أربعة أيام "ومن خرج" أي شرع في السفر "و" الحال أنه "لم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما سفريتين" اتفاقا إن كان تركهما ناسيا وعلى المنصوص إن كان تركهما عامدا ويكون آثما وإنما كان كذلك أي يصليهما سفريتين لأنه سافر في وقتيهما إذ يقدر للظهر ركعتان وتبقى ركعة للعصر واختلف في هذا التقدير هل يراعى قبله تقدير الطهارة إن لم يكن على طهارة وبه قال اللخمي والقرافي وأبو الحسن أم لا وبه قال آخرون وعليه ابن عرفة "فإن بقي" أي من النهار بعد أن خرج والحال أنه لم يصلهما "قدر ما يصلي فيه
стр. 238
ركعتين أو ركعة صلى الظهر حضرية والعصر سفرية ولو دخل لخمس ركعات ناسيا لهما صلاهما حضريتين فإن كان بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والعصر حضرية وإن قدم في ليل وقد بقي للفجر ركعة فأكثر ولم
ــ
ركعتين أو ركعة صلى الظهر حضرية" لفوات وقتها وهو غير مسافر فترتبت في ذمته حضرية "و" صلى "العصر سفرية" لأنه مسافر في وقتها ويبدأ بالظهر عند ابن القاسم وهو الراجح وبالعصر عند ابن وهب لئلا يفوتها عن وقتها وقال أشهب يبدأ بأيتهما شاء لاختلاف أهل العلم في ذلك فمالك وابن شهاب يقولان يبدأ بالأولى وسعيد بن المسيب يقول يبدأ بالأخيرة "ولو دخل" من سفره "لخمس ركعات" أي وإذا دخل وقد بقي من النهار مقدار ما يصلي فيه خمس ركعات والحال أنه لم يصل الظهر والعصر "ناسيا لهما صلاهما حضريتين" لأنه مدرك لوقتيهما الظهر بأربع والعصر بركعة وحكم العامد كالناسي وإنما اقتصر المصنف على الناسي لأنه الغالب "فإن كان" دخوله "بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية" لأنها بخروج وقتها ترتبت في ذمته سفرية "و" صلى "العصر حضرية" لأنه أدركها في الحضر ولما أنهى الكلام على الصلاتين المشتركتي الوقت نهارا خروجا ودخولا انتقل يتكلم على المشتركتي الوقت ليلا كذلك لكنه بدأ بالكلام على الدخول عكس ما تقدم في النهار فقال: "وإن قدم في ليل وقد بقي لطلوع الفجر ركعة فأكثر" أي مما يقدر به "و" الحال أنه "لم
стр. 239
يكن صلى المغرب والعشاء صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية ولو خرج وقد بقي من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثم صلى العشاء سفرية.
ــ
يكن صلى المغرب والعشاء" ناسيا أو عامدا "صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية" لأنه قد بقي من الوقت ما يدرك به العشاء فوجب أن يصليها حضرية وأما المغرب فلم يختلف حكمها في السفر والحضر فلا معنى لذكرها ثم عقب بالخروج فقال: "ولو خرج وقد بقي عليه من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثلاثا ثم صلى العشاء سفرية" لأنه مدرك لوقتها في السفر وقاعدة هذا الباب بالنسبة لليليتين أنه يقدر بركعة دخولا وخروجا وبالنسبة للنهاريتين أو إحداهما أنه في الخروج إذا بقي ما يسع ثلاثا فإنه يصليهما سفريتين واثنتين أو واحدة فالثانية سفرية وبالنسبة للنهاريتين أنه في الدخول إذا بقي من النهار ما يصلي فيه خمس ركعات صلاهما حضريتين وبقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والله أعلم.
стр. 240
باب في صلاة الجمعة .
والسعي إلى الجمعة فريضة
ــ
"باب في" بيان حكم السعي إلى "صلاة الجمعة" أي من أنه واجب وفي بيان وقت وجوبها والمحل الذي تجب فيه ومن تجب عليه وغير ذلك مما له تعلق بها وهي مشتقة من الجمع لاجتماع الناس فيها وأول من سماها جمعة قصي فإنه جمع قريشا في يومها وقال هذا يوم الجمعة وابتدأ بحكم السعي فقال: "والسعي إلى الجمعة واجب" وإذا وجب السعي وهو وسيلة فأحرى ما سعى
стр. 241
وذلك عند جلوس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنون في الأذان
ــ
إليه وقد صرح بوجوب ما سعى إليه في باب جمل فقال وصلاة الجمعة والسعي إليها فريضة دل على وجوبه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال الفاكهاني قال مالك السعي في كتاب الله العمل والفعل عطف مرادف أي فالمراد بالسعي إلى الذكر مطلق الذهاب سواء كان بالمشي على الأرجل أم لا واستدل الفاكهاني على ذلك بقراءة فامضوا إلى ذكر الله والمراد بالذكر الخطبة أو الصلاة أو هما معا أفاده شارح الموطأ.
وأما السنة فما في مسلم من قوله ﵊ لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم" وأما الإجماع فقال الفاكهاني لا خلاف بين الأئمة أن الجمعة واجبة على الأعيان والسعي إليها إنما يجب حيث لا مانع فإن كان ثم أي هناك مانع سقطت والمانع عدة أشياء منها المرض الذي يشق معه السعي إليها ومنها أن يكون قد اشتد بأحد والديه المرض أو احتضر أو خشي عليه الضيعة ومثل أحد والديه كل قريب خاص كولد وزوج ومنها أن يخاف على ماله من سلطان أو سارق أو حريق ومنها المطر الشديد والوحل الكثير إلى غير ذلك "وذلك" أي وجوب السعي إلى صلاة الجمعة على من قربت داره يكون "عند جلوس الإمام على المنبر" بكسر الميم وفتح الموحدة "وأخذ" بصيغة الفعل بفتح الخاء والذال المعجمتين بمعنى شرع "المؤذنون في الأذان" وفي بعض النسخ وأخذ بصيغة الاسم وجر المؤذنين على الإضافة وحينئذ تكون جملة وأخذ المؤذنين حالية ووجوب السعي إذ ذاك أي عند جلوس الإمام على المنبر إنما هو في حق من قربت داره من المسجد وأما
стр. 242
والسنة المتقدمة أن يصعدوا حينئذ على المنار فيؤذنون
ــ
السعي في حق من بعدت داره فبمقدار ما يصل فيه عند الزوال أي بمقدار زمن يصل فيه إلى الموضع الذي تقام فيه الجمعة عند الزوال وهذا التفصيل في غير من تنعقد به الجمعة
وأما من تنعقد به الجمعة فيجب عليه السعي بحيث يسمع الخطبة من أولها كما هو المعول عليه ولا يتقيد حضوره بالزوال ولا بجلوس الإمام على المنبر ويجب السعي إليها على من في المصر ومن على ثلاثة أميال منه فأقل ولما تقدم ذكر الأذان وكان للجمعة أذانان أحدهما لم يكن في زمن النبي ﷺ والآخر في زمنه أراد أن يبين ذا من ذا فقال "والسنة المتقدمة" أي الطريقة المندوبة "أن يصعدوا" بمعنى يرتفعوا أي المؤذنون "حينئذ" أي حين جلوس الإمام على المنبر "على المنار فيؤذنون" أراد بالسنة المتقدمة سنة الصحابة إذ لم يكن في زمنه ﷺ منار وإنما كانوا يؤذنون عند باب المسجد قاله زروق وحاصل كلامه أنه كان في زمن النبي ﷺ أذان واحد يفعل عند باب المسجد والنبي ﷺ جالس على المنبر ثم أحدث سيدنا عثمان ﵁ أذانا آخر يفعل قبل هذا على المنار ويكون الإمام جالسا على المنبر حينئذ أيضا
وقال الفاكهاني: قال ابن حبيب: كان النبي ﷺ إذا دخل المسجد رقي المنبر فجلس ثم يؤذن المؤذنون وكانوا ثلاثة يؤذنون على المنار واحدا بعد واحد فإذا فرغ الثالث قام النبي ﷺ للخطبة وكذا في زمن أبي بكر وعمر ثم لما كثر الناس أمر عثمان بإحداث أذان سابق على الذي يفعل على المنار وأمرهم بفعله عند الزوال عند الزوراء وهو موضع بالسوق ليجتمع الناس ويرتفعوا من السوق فإذا خرج وجلس على المنبر أذن المؤذنون على المنار ثم إن هشام بن عبد الملك في زمن إمارته نقل الأذان الذي كان بالزوراء فجعله على المنار عند الزوال
стр. 243
ويحرم حينئذ البيع وكل ما يشغل عن السعي إليها وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية
ــ
فإذا جلس على المنبر أذن بين يديه فإذا فرغ المؤذن خطب فالأذان الذي أحدثه عثمان أول في الفعل وثان في المشروعية وهو الواقع الآن على المنار والواقع بين يدي الخطيب ثان في الفعل وأول في المشروعية لأن الذي يفعل بين يدي الخطيب الآن هو ما كان يفعل عند باب المسجد زمن النبي ﷺ وحوله هشام والمراد بالمنار في كلام ابن حبيب موضع التأذين لأنه لم يكن منار في زمنه ﷺ وموضع التأذين هو باب المسجد "ويحرم حينئذ" أي حين الأذان بين يدي الإمام "البيع" أي والشراء على كل من تجب عليه الجمعة إلا من اضطر إليه كمن أحدث وقت نداء الجمعة ولا يجد ماء يتطهر به إلا بالثمن فيجوز كل من البيع والشراء لأن هذا من باب التعاون على العبادة فإن وقع ما حظر من البيع بين من تلزمهما الجمعة فسخ فإن فات فالقيمة حين قبضه أي فالقيمة معتبرة حين قبضه ويكون مستثنى من قاعدة أن المختلف فيه يمضي بالثمن وهذا قد مضى بالقيمة "و" كذلك يحرم "كل ما يشغل" بفتح الياء والغين "عن السعي إليها" كالأكل والخياطة والسفر وأدخلت الكاف الشركة والهبة والصدقة والأخذ بالشفعة "وهذا الأذان الثاني" في الأحداث هو الأول في الفعل "أحدثه بنو أمية" يعني عثمان بن عفان ﵁ وهو أول أمراء بني أمية واعلم أن الجمعة لها شرائط وجوب وشرائط أداء والفرق بينهما أن شرائط الوجوب ما تعمر بها الذمة ولا يجب على المكلف تحصيلها وشرائط الأداء ما تبرأ بها الذمة ويجب على المكلف تحصيلها والأولى عشرة الإعلام بدخول وقتها والإسلام والبلوغ والعقل والذكورية والحرية والإقامة والصحة والقرب
стр. 244
والجمعة تجب بالمصر والجماعة والخطبة فيها واجبة قبل الصلاة
ــ
بحيث لا يكون على أكثر من ثلاثة أميال ويلحق بالثلاثة أميال ربع ميل أو ثلثه والاستيطان والثانية أربعة الإمام والجماعة والجامع والخطبة وقد ذكر الشيخ بعض هذه الشروط ولم يميز بعضها من بعض فقال: "والجمعة تجب بالمصر والجماعة" أما الأول فظاهر على مذهب أبي حنيفة أن الجمعة لا تكون إلا في المصر وزاد بعض أصحابه وأن يكون بالمصر الإمام الذي يقيم الحدود ومذهب الإمام مالك أنها تكون في المصر وفي القرى المتصلة البنيان بل ولو لم يكن اتصال إلا أن هناك ارتفاقا بأن كان يعاون بعضهم بعضا ولو لم يكن بها ما يقيم الحدود فعلى هذا لا بد من التأويل في كلام الشيخ بأن يقال إنه أراد بقوله تجب بالمصر وبالقرى المتصلة البنيان أي جنس القرى فيصدق بالقرية الواحدة وأما الثاني فشرط صحة أي من شروط إقامة الجمعة أن يكون هناك جماعة ولا يحصرون بعدد عند الإمام مالك بل المطلوب وجود من يستقل بحيث يدفع من يقصده ويساعد بعضهم بعضا في المعاش الحاجي وغيره ومتى كان يمكنهم الإقامة على التأبيد مع الأمن والقدرة على الدفع عن أنفسهم صحت الجمعة ولو لم يحضر منهم إلا اثنا عشر رجلا باقين لتمام الصلاة مع الإمام لا فرق بين أول جمعة وغيرها "والخطبة فيها" أي الجمعة "واجبة" على المشهور وقيل إنها سنة حكاهما في المقدمات فهي شرط صحة لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ صلاها بلا خطبة فإذا صلوا بغير خطبة أعادوا في الوقت فإن لم يعيدوا حتى خرج الوقت فإنهم يعيدونها ظهرا ولصحة الخطبة شروط منها ما أشار إليه بقوله: "قبل الصلاة" لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ والفاء للترتيب
стр. 245
ويتوكأ الإمام على قوس أو عصا ويجلس في أولها وفي وسطها
ــ
والتعقيب فمن كونه للتعقيب لا يرد أن يقال إن كون الانتشار بعد الصلاة لا ينافي أن يكون بعد الخطبة بأن تكون الخطبة بعد الصلاة فإن البعدية ظرف متسع ولفعله ﵊ وفعل الخلفاء الراشدين بعده فمن جهل وصلى بهم قبل الخطبة أعاد الصلاة فقط ومنها أن تكون بعد الزوال ومنها أن تكون بحضور الجماعة الذين تنعقد بهم الجمعة ومنها أن تكون اثنتين فإن خطب واحدة وصلى أعاد الجمعة بعد الإتيان بالخطبة الثانية والفصل بين الخطبتين بالصلاة يسير فلا يكون موجبا لبطلان الخطبة الأولى وأقل ما يجزىء من الخطبة على المشهور ما يقع عليه اسم الخطبة عند العرب وهو نوع من الكلام مسجع مخالف النظم والنثر ووقوعها بغير اللغة العربية لغو فإن لم يوجد من يعرف اللغة العربية سقطت وقيل إن أقله الحمد لله والصلاة على رسول الله وتحذير وتبشير وهو ضعيف إذ المعتمد أنهما يستحبان في الخطبتين ويشترط في الخطبة أن تكون جهرا وسرها لغو وهل يشترط في صحتهما الطهارة قولان مشهوران المشهور منهما أنه لا يشترط فيها الطهارة غايته الكراهة "ويتوكأ" أي يعتمد الإمام في قيامه لخطبته "على قوس أو عصا" على جهة الاستحباب ويكون ما يتوكأ عليه بيده اليمنى قال ابن العربي ولا يقال عصاة وهو أول لحن سمع بالبصرة ولكن المسموع من الفراء أول لحن سمع هذه عصاتي فجعل أول اللحن هذه عصاتي لا عصاة كما هو عن ابن العربي ولم يقيد بالبصرة كما قيده ابن العربي "ويجلس في أولها" أي الخطبة "وفي وسطها" واختلف في هذا وفي القيام لها قال المازري إن القيام لها واجب شرطا وقيل سنة فإن خطب جالسا صحت وأساء وحاصل الكلام أن كلا من
стр. 246
وتقام الصلاة عند فراغها ويصلي الإمام ركعتين يجهر فيهما بالقراءة يقرأ في الأولى بالجمعة ونحوها
ــ
الجلوسين الأول والثاني سنة على المشهور ومقدار الجلوس الوسط مقدار الجلوس بين السجدتين والأصل فيما ذكر استمرار العمل على ذلك في جميع الأمصار والأعصار منذ زمانه ﷺ إلى هلم جرا وأخذ من قوله: "وتقام الصلاة عند فراغها" اشتراط اتصال الصلاة بالخطبة ويسير الفصل عفو بخلاف كثيره ويجب على سبيل الشرطية أن يكون إمام الصلاة هو الخطيب فإن طرأ ما يمنع إمامته كحدث أو رعاف فإن كان الماء قريبا يجب انتظاره وإن كان بعيدا فإنه يستخلف اتفاقا وكذلك عند مالك في القريب وحيث يستخلف فإنه يندب استخلاف من حضر الخطبة ثم انتقل يتكلم على صفة صلاة الجمعة فقال: "ويصلي الإمام ركعتين" اتفاقا فإن زاد عمدا بطلت وإن زاد سهوا فتجري على حكم الزيادة في الصلاة ولا بد أن ينوي الإمام الإمامة وإلا لم تجز ويستحب تعجيلها في أول الوقت قال بهرام لم يختلف أحد أن أوله زوال الشمس والمشهور امتداده إلى الغروب وصفة القراءة في ركعتي الجمعة أنه "يجهر فيهما بالقراءة" إجماعا "يقرأ في" الركعة "الأولى" بعد الفاتحة "بـ" سورة "الجمعة" واعترض ابن عمر على قوله: "ونحوها" بأن القراءة فيها بسورة الجمعة مستحبة لما تضمنته من أحكام الجمعة ولأن النبي ﷺ كان يقرؤها في أول ركعة ويجاب عن المصنف بأن غرضه الرد على من قال إنه ﵊ لم يقرأ في الجمعة إلا بها ففي مسلم أنه ﷺ قرأ في الركعة الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلا اعتراض على
стр. 247
وفي الثانية بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ونحوها ويجب السعي إليها على من في المصر ومن على ثلاثة أميال منه فأقل ولا تجب على مسافر ولا على أهل منى ولا على عبد ولا امرأة ولا صبي
ــ
المصنف "و" يقرأ "في" الركعة "الثانية بـ" سورة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ونحوها أي أن المندوب في الركعة الأولى الجمعة وفي الثانية: إما بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ أو ﴿سَبِّحِ﴾ أو ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾ "و" يجب "السعي إليها على من في المصر" اتفاقا إذا وجدت فيه شروط الجمعة ولم يمنعه مانع شرعي "و" كذا يجب على "من" هو خارج عن المصر إذا كان "على ثلاثة أميال منه" أي من المصر ظاهره أن مبدأ الثلاثة من المصر وهو قول ابن عبد الحكم وصدر به ابن الحاجب وقال عبد الوهاب وغيره مبدؤها من المسجد وصدر به صاحب العمدة استظهره لأن التحديد بالثلاثة أميال للسماع والسماع إنما هو من المنار وظاهر قوله: "فأقل" أن الثلاثة أميال تحديد فلا يجب على من زاد عليها ولو قلت الزيادة وهو مذهب أشهب والمعتمد رواية ابن القاسم أن الثلاثة تقريب فيجب على من زاد عليها زيادة يسيرة بنحو الربع أو الثلث ثم أشار إلى بعض شروط الجمعة فقال: "ولا تجب على مسافر" اتفاقا "ولا على أهل منى" غير ساكنيها وأما ساكنوها فتجب عليهم إذا كان فيهم عدد تنعقد بهم الجمعة كانوا حجاجا أو لا "و" كذلك "لا" تجب الجمعة "على عبد" على المشهور ومقابله أنها واجبة على العبد إذا أسقط السيد حقه "ولا على امرأة ولا" على "صبي" اتفاقا فيهما والأصل فيما ذكر ما رواه الطبراني في الكبير من قوله ﷺ : "الجمعة واجبة إلا على امرأة أو صبي أو مريض أو عبد أو مسافر" ولما كان بعض
стр. 248
وإن حضرها عبد أو امرأة فليصلها وتكون النساء خلف صفوف الرجال ولا تخرج إليها الشابة وينصت للإمام في خطبته
ــ
ما تقدم ممن لا يجب عليه إذا حضرها وصلاها أجزأته عن الظهر نبه عليه بقوله: "وإن حضرها عبد أو امرأة أو مسافر فليصلها" يعني وتجزئه عن الظهر أما العبد فباتفاق ويستحب له حضورها إن أذن له سيده ليشهد الخير ودعوة المسلمين أي دعاء المسلمين لأن الإنسان حين يدعو يعمم الدعاء له وللحاضرين وأما المرأة فكذلك يجزئها اتفاقا وصلاتها في بيتها أفضل لها وأما المسافر فتجزئه عند مالك وقال ابن الماجشون لا تجزئه لأنه غير مخاطب بها والنفل لا يجزىء عن الفرض ورد بالاتفاق في المرأة والعبد على الإجزاء ولما ذكر أن المرأة إذا حضرتها تصليها بين موقفها بقوله: "وتكون النساء خلف صفوف الرجال" ولما أوهم كلامه أن المرأة تخرج إلى الجمعة مطلقا شابة أو غيرها رفع ذلك التوهم بقوله: "ولا تخرج إليها" أي إلى صلاة الجمعة "الشابة" وهذا النهي على جهة الكراهة إلا أن تكون فائقة في الجمال فيحرم خروجها وفهم من كلامه أن المتجالة تخرج إليها أي جوازا بمعنى خلاف الأولى والأولى لها صلاتها في بيتها ثم انتقل يتكلم على شيئين واجبين كان المناسب ذكرهما عند الكلام على الخطبة لأنهما يتعلقان بها أحدهما أشار إليه بقوله: "وينصت" بالبناء للمفعول أي يجب الإنصات وهو السكوت على كل من شهد الجمعة "لـ" أجل سماع "الإمام" وهو "في" حال "خطبته" الأولى والثانية وفي الجلوس بينهما سمع الخطبة أو لم يسمعها سب الإمام من لا يجوز سبه أو
стр. 249
ويستقبله الناس والغسل لها واجب والتهجير حسن
ــ
مدح من لا يجوز مدحه وقال ابن حبيب يجوز الكلام إذا تكلم الإمام بما لا يجوز وصوبه اللخمي واقتصر عليه صاحب المختصر ولا يشمت عاطسا وإذا عطس هو حمد الله سرا في نفسه ولا يسلم ولا يرد سلاما ولو بالإشارة ولا يشرب الماء والحاصل أنه يحرم كل ما ينافي وجوب الإنصات ولو على غير السامع والأصل في ذلك قوله ﵊ في الصحيحين: "إذا قلت لصاحبك: أنصت, والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت" سمي الأمر بالمعروف لغوا فغيره أولى واللغو الكلام الذي لا خير فيه وظاهر كلام الشيخ أن الكلام بعد الفراغ من الخطبة جائز وهو كذلك ويستمر الجواز إلى أن يشرع في الإقامة فيكره إذا إلى أن يحرم الإمام فيحرم ومن أوقات الجواز الوقت الذي فيه الترضي على الصحب والدعاء للسلطان ويجوز الكلام حال الخطبة في مسائل منها الذكر القليل عند سببه والتأمين عند سماع المغفرة أو النجاة من النار والتعوذ عند سماع ذكر النار أو الشيطان والصلاة على النبي ﷺ عند ذكره كل ذلك سرا ويكره جهرا "ويستقبله الناس" يعني أن الناس يستقبلون الإمام في حال خطبته أي يستقبلون جهته وذاته وظاهر كلامه أن الصف الأول وغيره سواء وهو ظاهر المدونة عند بعضهم وهو الراجح وضعف ما حكاه الباجي أن الصف الأول لا يلزمه ذلك "والغسل لها" أي لصلاة الجمعة لا لليوم فهو من آداب الصلاة "واجب" وجوب السنن يعني أنه سنة مؤكدة ووقته قبل صلاة الجمعة ولا بد من اتصاله بالرواح إلى الجمعة على المشهور وقال ابن وهب إن اغتسل بعد الفجر أجزأه وإن لم يتصل رواحه بغسله وصفته كصفة غسل الجنابة "والتهجير" أي ومن آداب الجمعة التهجير وحكمه أنه "حسن" أي مستحب لأن النبي
стр. 250
وليس ذلك في أول النهار وليتطيب لها ويلبس أحسن ثيابه وأحب إلينا أن ينصرف بعد فراغها ولا يتنفل في المسجد
ــ
ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفعلون ذلك أي يأتون المسجد في هذا الوقت وأول أجزائه الساعة السادسة المعنية في قوله ﵊: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة" الحديث, "وليس ذلك في أول النهار" وأما في أول النهار فمكروه لأن النبي ﵊ لم يفعله ولا فعله أحد من أصحابه "وليتطيب لها" أي للجمعة استحبابا فمن آداب الجمعة استعمال الطيب لمن يحضرها من الرجال دون النساء ويكون مما خفي لونه وظهرت رائحته كالمسك ويقصد به امتثال السنة ولا يقصد به الفخر والرياء "ويلبس أحسن ثيابه" أي أن من الآداب التزين باللباس الحسن يوم الجمعة فالتجمل بجميل الثياب من آداب اليوم ويعتبر في الحسن الحسن الشرعي وهو ما يعده أهل الشرع حسنا في هذا اليوم أي يوم الجمعة وهو الأبيض والأصل فيما ذكر ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه ومس من الطيب إن كان عنده ثم يأتي الجمعة ولم يتخط أعناق الناس ثم يصلي ما كتب الله تعالى عليه ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته كانت له كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها" قال ويقول أبو هريرة وزيادة "ثلاثة أيام" ويقول: إن الحسنة بعشر أمثالها "وأحب إلينا" أي المالكية "أن ينصرف" مصلي الجمعة "بعد فراغها" أي وبعد الفراغ مما يتصل بها من تسبيح وغير ذلك "ولا يتنفل في المسجد" ظاهره إماما كان أو مأموما وهو كذلك اتفاقا في الأول وعلى أحد قولين في الثاني أي من الآداب أن مصلي
следующие страницы →