← Фикх малики

Фикх малики · id 7441

الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني

صالح بن عبد السميع الأزهري

Полный текст (751 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ويجعل في الأخيرة كافور وتستر عورته ولا تقلم أظفاره ولا يحلق شعره ويعصر بطنه عصرا رفيقا وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن ــ معناه عند جميع العلماء أن يذاب السدر المسحوق بالماء ثم يعرك به بدن الميت ويدلك به وهكذا في كل غسلة ما عدا الغسلة الأولى فلا بد فيها من الماء القراح حتى يحصل الغسل الواجب "ويجعل في" الغسلة "الأخيرة" على جهة الاستحباب "كافورا" لأمره ﵊ بذلك فإن لم يوجد قام غيره من الطيب مقامه ويقوم مقام السدر عند عدمه الأشنان ونحوه "و" إذا جرد الميت للغسل "تستر عورته" وهي على ما فهم اللخمي من المدونة السوأتان خاصة والمعتمد أنها ما بين السرة والركبة كما نقل عن ابن حبيب ونقل الباجي عن أشهب ستر صدره ووجهه خشية تغيره فيساء به الظن وبالجملة فالأقوال ثلاثة "وجوبا" ولو كان الغاسل زوجا وسيدا لما في الحديث لا تبن فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت ومعنى لا تبن بضم التاء وكسر الباء أي لا تظهره لغيرك وقوله ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت عام حتى في الزوجين فيخص بغير الزوجين وهذه الرواية مخالفة لما قاله في التحقيق من أن الحديث لا تبرز براء وزاي معجمة ونسبه لابن ماجه قال بعض العلماء راجعت ابن ماجه فوجدته كما قال والذي قال له النبي ﷺ ذلك سيدنا علي ﵁ "ولا تقلم أظفاره ولا يحلق شعره" فإن فعل به هذا كره وضم معه في كفنه "ويعصر بطنه" استحبابا قبل الغسل إن احتيج إلى ذلك "عصرا رفيقا" مخافة أن يخرج منه شيء يلطخ الكفن "وإن وضئ" الميت "وضوء الصلاة فـ" هو "حسن" أي

стр. 282

وليس بواجب ويقلب لجنبه في الغسل أحسن وإن أجلس فذلك واسع ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة والمرأة تموت في السفر لا نساء معها ولا محرم من الرجال ــ مستحب ولا يفتقر لنية لأنه فعل في الغير وقوله: "وليس بواجب" إشارة إلى أن في المسألة قولين بالاستحباب والوجوب فأشار للأول بقوله فحسن ولدفع الثاني بقوله وليس بواجب ولو خرجت منه نجاسة بعد الغسل أزيلت ولا يعاد غسله ولا وضوءه بل يغسل المحل فقط "ويقلب" الميت "لجنبه في الغسل أحسن" من جلوسه لأنه أبلغ في الإنقاء وأرفق بالميت فيجعل أولا على شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن تفاؤلا ثم يجعل على شقه الأيمن فيغسل شقه الأيسر وهذا على جهة الاستحباب فإن بدأ بأي جهة وأنقى أجزأ وإن أجلس في الغسل فذلك "الجلوس" واسع أي جائز وهو اختيار عبد الوهاب أي فعنده الإجلاس أحسن لأنه أمكن في تحصيل غسله "ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة" استعمل لا بأس هنا فيما هو خير من غيره فإن كل واحد من الزوجين مقدم في غسل من مات منهما على سائر الأولياء حتى أنه يقضى له به عند منازعة الأولياء له والأصل فيما ذكر أن عليا ﵁ غسل السيدة فاطمة وأن أبا بكر غسلته زوجته وفي حكم الزوجين السيد وأمته ومدبرته وأم ولده ولا يقضى لهؤلاء اتفاقا عند المنازعة فلا يقضى لهن بالتقدم على أولياء سيدهن ولا يدخل في ذلك السيد فإنه يقضى له عند المنازعة "والمرأة" المسلمة "تموت في السفر لا نساء" مسلمات "معها ولا محرم" لها "من الرجال" وإنما معها

стр. 283

فلييمم رجل وجهها وكفيها ولو كان الميت رجلا يمم النساء وجهه ويديه إلى المرفقين إن لم يكن معهن رجل يغسله ولا امرأة من محارمه فإن كانت امرأة من محارمه غسلته وسترت عورته وإن كان مع الميتة ذو محرم غسلها من فوق ثوب يستر جميع جسدها ــ رجال أجانب "فلييمم رجل" منهم "وجهها وكفيها" إلى الكوعين فقط لأنهما ليسا بعورة فيباح له النظر إليهما بغير شهوة قال الزرقاني وإنما جاز مسهما للأجنبي دون الحياة لندور اللذة هنا ولا يتيمم المصلي إلا بعد فراغ تيمم الميت لأنه وقت دخول الصلاة عليه وظاهر كلام الشيخ آخر الكتاب أنه لا يباح النظر للوجه والكفين "ولو كان الميت رجلا يمم النساء" الأجانب "وجهه ويديه لمرفقيه إن لم يكن معهن رجل" مسلم "يغسله ولا امرأة من محارمه فإن كانت" مع الرجل الميت "امرأة من محارمه" نسبا أو صهرا "غسلته وسترت عورته" فقط على أحد التأويلين على المدونة وصحح لأن جسده عليهن غير ممنوع أي من حيث الرؤية فإنه يجوز لها النظر من محرمها ما عدا ما بين السرة والركبة وقيس المس على النظر للضرورة والتأويل الآخر تستر جميع جسده "وإن كان مع" المرأة "الميتة" في السفر "ذو محرم" من محارمها ولو صهرا ولم يكن معها امرأة "غسلها" محرمها على ما في المدونة وقال أشهب لا يغسلها بل ييممها "من فوق ثوب يستر جميع جسدها" وصورة غسلها أن يصب عليها الماء صبا ولا يباشر جسدها بيده من فوق الثوب ولا من تحته ولما أنهى الكلام

стр. 284

ويستحب أن يكفن الميت في وتر ثلاثة أثواب أو خمسة أو سبعة وما جعل له من وزرة وقميص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر وقد كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية أدرج فيها إدراجا ﷺ ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم ــ على الغسل انتقل يتكلم على التكفين فقال: "ويستحب أن يكفن الميت" غير شهيد المعركة "في وتر ثلاثة أثواب أو خمسة أو سبعة" تكلم على المستحب وسكت عن الواجب وهو ثوب ساتر لجميع جسده وظاهر كلامه أن استحباب السبعة عام للرجال والنساء والذي في المختصر وهو المعتمد اختصاص استحباب التسبيع بالمرأة وكراهة ما زاد على الخمسة للرجال ولما خشي أن يتوهم أن ذلك مقصور على ما يلف فيه دفع ذلك بقوله: "وما جعل له" أي للميت "من وزرة" صوابه من إزرة "وقميص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر" المستحب ثم استدل على استحباب الوتر بقوله: "وقد كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية" بفتح السين وضمها فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار لأنه يسحلها أي يغسلها أو إلى سحول وهي قرية باليمن والضم جمع سحل وهو الثوب الأبيض "أدرج" أي لف "فيها إدراجا" أي لفا " ﷺ ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم" استعمل لا بأس هنا فيما فعله خير من تركه فقد نص في المختصر على استحبابه أي كل واحد منهما مستحب لا أنهما مستحب واحد والعمامة إنما تستحب للرجل ويترك منها

стр. 285

وينبغي أن يحنط ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده ومواضع السجود منه ولا يغسل الشهيد في المعترك ولا يصلى عليه ــ قدر الذراع ذؤابة تطرح على وجهه وأما المرأة فلا تعمم وإنما يجعل على رأسها خمار يترك منه ذؤابة تطرح على وجهها أفضل الكفن الأبيض من القطن أو الكتان والقطن أفضل لأنه أستر وكفن فيه ﵊ ويكره المعصفر ونحوه من الأخضر وكل لون يخالف البياض ومحل الكراهة عند إمكان الأبيض وإلا فلا والكفن والحنوط ومؤنة تجهيزه يقدم على الدين غير المرتهن والوصية وإلا بأن كان هناك رهن على الدين قد حازه المرتهن فإنه يقدم الدين المرهون على مؤن التجهيز "وينبغي" بمعنى ويستحب "أن يحنط" الميت إن كان غير محرم ومعتدة ويلي ذلك غير محرم ومعتدة ويستحب أن ينشف جسده بخرقة طاهرة قبل أن يحنط ويستحب أيضا أن تجمر ثيابه أي تبخر وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا بالعود ونحوه ويجعل "الحنوط" بفتح الحاء وهو ما يطيب به من مسك وعنبر وكافور "بين أكفانه" أي فوق كل لفافة ما عدا العليا "وفي جسده" كعينيه وأذنيه وأنفه وفمه ومخرجيه بأن يذر منه على قطن ويلصق على عينيه وفي أذنيه وأنفه ومخرجه من غير إدخال فيها "ومواضع السجود منه" الجبهة والأنف والركبتين واليدين وأطراف أصابع الرجلين "ولا يغسل الشهيد في المعترك" وهو من مات بسيف القتال مع الكفار في وقت قيام القتال ومثل الموت بالسيف لو داسته الخيل فمات أو سقط عن دابته أو حمل على العدو فتردى في بئر أو سقط من شاهق "و" كذلك "لا يصلى عليه" ظاهر كلامه ولو قتله العدو في

стр. 286

ويدفن بثيابه ــ بلاد الإسلام وهو المشهور ومقابله يقول إذا كان في بلاد الإسلام فإنه يغسل ويصلى عليه لأن درجته انحطت عن الشهيد الذي دخل بلاد العدو فإن رفع من المعترك حيا ثم مات فالمشهور أنه يغسل ويصلى عليه ولو كان حين الرفع منفوذ المقاتل إلا أن يكون لم يبق فيه إلا ما يكون من غمرة الموت ولم يأكل ولم يشرب هذا محصل ذلك القول على ما يستفاد من بعض شروح العلامة خليل ولكن المذهب أن منفوذها لا يغسل رفع مغمورا أم لا وكذا غير منفوذها وهو مغمور "و" كما أنه لا يغسل ولا يصلى عليه "يدفن بثيابه" مصحوبة بخف وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها وأن تكون مباحة وخاتم قل ثمن فصه إلا الدرع والسلاح فيجردان عنه ولا يزاد عليها شيء فإن قصرت ثيابه عن الستر زيد عليها ما يستر وجوبا كما أنه يجب تكفينه إذا وجد عريانا وإنمالم يغسل الشهيد لقوله ﵊: "زملوهم بثيابهم اللون لون الدم والريح ريح المسك", ومعنى زملوهم أي لفوهم وقوله: "والريح ريح المسك", أي ورائحة دم الشهيد عند الله بمنزلة ريح المسك في الرضا فلأجل ذلك لا يغسل ولا يزال عنه الدم وإنما لم يصل عليه لما قيل لمالك أبلغك أن النبي ﷺ صلى على حمزة فكبر سبعين تكبيرة قال لا ولا أنه صلى على أحد من الشهداء قال في الموطأ: "إن النبي ﷺ صلى الناس عليه أفذاذا لا يؤمهم أحد" قال الحافظ جلال الدين ﵀: هذا أمر مجمع عليه واختلف في تعقيله فقيل هو من باب التعبد الذي يعسر تعقل معناه وعلى هذا فالصلاة عليه حقيقية وهو الصواب فقد قال عياض الصحيح الذي عليه الجمهور أن الصلاة على النبي ﷺ كانت صلاة حقيقية لا مجرد الدعاء فقط وقيل المراد بالصلاة عليه مجرد الدعاء فقط قال الباجي ووجهه

стр. 287

ويصلى على قاتل نفسه ويصلى على من قتله الإمام في حد أو قود ولا يصلي عليه الإمام ولا يتبع الميت بمجمر والمشي أمام الجنازة أفضل ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن ــ أنه ﷺ أفضل من كل شهيد والشهيد يغنيه فضله عن الصلاة عليه فهو ﷺ أولى وإنما فارق الشهيد في الغسل لأن الشهيد منع من تغسيله إزالة الدم عنه وهو مطلوب بقاؤه لطيبه ولأنه عنوان شهادته في الآخرة وليس على النبي ﷺ ما تكره إزالته عنه فافترقا "ويصلى على قاتل نفسه" كان القتل عمدا أو خطأ وإثمه على نفسه في العمد ويصلي عليه أهل الفضل في الخطإ دون العمد "و" كذلك "يصلى على من قتله الإمام في حد" وجب عليه فيه القتل كتارك الصلاة كسلا والمحارب أي قاطع الطريق ومن وجب عليه الرجم كلائط وزان محصنين "أو" قتله الإمام "في قود" كمن قتل نفسا بغير نفس "ولا يصلى عليه" أي على من قتله في حد أو قود "الإمام" ولا أهل الفضل وإنما تركت الصلاة عليه من الإمام وأهل الفضل ليكون ذلك ردعا لغيره عن مثل فعله إذا رأوا الأئمة وأهل الفضل امتنعوا من الصلاة عليه "ولا يتبع الميت بمجمر" بفتح الميم الأولى وكسرها اسم للشيء الذي يجعل فيه الجمر والعود نفسه وكذا المجمر بالضم فيهما والمعنى أنه لا يتبع الميت بمجمر فيها نار لنهيه ﷺ عن ذلك "والمشي أمام الجنازة" للرجال "أفضل" من المشي خلفها وإذا ركبوا فيستحب لهم أن يكونوا خلفها ودليل الأول: ما رواه أصحاب السنن من حديث ابن عمر ﵄ قال: "رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة" ودليل الثاني: ما رواه أبو داود أنه ﷺ قال: "الراكب يسير خلف الجنازة" " ويجعل الميت في قبره" على جهة الاستحباب "على شقه الأيمن" إلى

стр. 288

وينصب عليه اللبن ويقول حينئذ اللهم إن صاحبنا قد نزل بك وخلف الدنيا وراء ظهره وافتقر إلى ما عندك اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله ــ القبلة لأنها أشرف المجالس وتمد يده اليمنى على جسده ويعدل رأسه بالتراب ويجعل التراب خلفه وأمامه لئلا ينقلب ويحل عقد كفنه فإن لم يتمكن من جعله على شقة الأيمن فعلى ظهره مستقبل القبلة بوجه فإن لم يمكن فعلى حسب الإمكان وإذا خولف به الوجه المطلوب في دفنه كما إذا جعل لغير القبلة أو على شقه الأيسر ولم يطل فإنه يتدارك ويحول عن حاله والطول يكون بالفراغ من دفنه "و" بعد الفراغ من وضع الميت في لحده "ينصب عليه اللبن" بفتح اللام وكسر الباء على الأصح جمع لبنة وهو ما يعمل من طين وتبن وهو أفضل ما يسد به لما روي أنه ﷺ : "ألحد ابنه إبراهيم ونصب اللبن على لحده" ويستحب سد الخلل الذي بين اللبن لأمره ﷺ بذلك في ابنه إبراهيم ﵇ "ويقول" واضع الميت في قبره أو من حضر دفنه "حينئذ" أي حين نصب اللبن عليه "اللهم إن صاحبنا" المراد به جنس الميت ليدخل فيه الذكر والأنثى صغيرا كان أو كبيرا أبا أو ابنا أو غيرهما "قد نزل بك" أي استضافك أي أنه نزل عندك ضيفا "وخلف" أي نبذ "الدنيا" المراد بها أهله وماله وولده "وراء ظهره" وأقبل على الآخرة "وافتقر إلى ما عندك" وهي رحمتك وهو الآن أشد افتقارا إليها "اللهم ثبت عند المسألة" أي سؤال الملكين "منطقه" أي كلامه فالمراد بالمنطق المنطوق به الذي هو الكلام بحيث يجيب حين السؤال بقوله ربي الله ونبيي محمد الخ "ولا تبتله" أي

стр. 289

في قبره بما لا طاقة له به وألحقه بنبيه محمد ﷺ ويكره البناء على القبور وتجصيصها ولا يغسل المسلم أباه الكافر ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فليواره واللحد ــ لا تختبره الاختبار الامتحان والوارد من ذلك إنما هو السؤال فحينئذ يكون دعاء بأن يلطف به في السؤال أي بحيث يسأل برفق "في قبره بما" أي بشيء "لا طاقة له به وألحقه بنبيه" أي اجعله في جوار نبيه أي في البرزخ بأن تكون روحه مجاورة لروحه وفي الجنة بأن يكون بجواره بذاته "محمد ﷺ ويكره البناء على القبور" ظاهره مطلقا وليس كذلك بل فيه تفصيل خلاصته أن محل الكراهة إذا كان بأرض موات أو مملوكة حيث لا يأوي إليه أهل الفساد ولم يقصد به المباهاة ولم يقصد به التمييز وإلا حرم فيما عدا الأخير وجاز في الأخير كما يحرم في الأرض المحبسة مطلقا كالقرافة قال في التحقيق ويجب على ولي الأمر أن يأمر بهدمها "و" كذا يكره "تجصيصها" أي تبييضها بالجص وهو الجبس لما في مسلم أنه ﷺ نهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه "ولا يغسل المسلم أباه الكافر" لأنه لا يغسل إلا من يصلى عليه وهذا لا يصلى عليه فلا فائدة في غسله والنهي للتحريم وأولى غير أبيه "و" كما لا يغسله "لا يدخله قبره" لأن بالموت سقط بره اللهم "إلا أن يخاف أن يضيع" إذا تركه "فليواره" أي وجوبا ولا فرق بين الكافر الحربي وغيره ولا خصوصية للأب بل وجوب المواراة عند خوف الضيعة عام حتى في الأجنبي ولا يستقبل به قبلتنا لأنه ليس من أهلها ولا قبلتهم لأن في ذلك تعظيما لها "واللحد" بفتح اللام وضمها مع إسكان الحاء

стр. 290

أحب إلى أهل العلم من الشق وهو أن يحفر للميت تحت الجرف في حائط قبلة القبر وذلك إذا كانت تربة صلبة لا تتهيل ولا تتقطع وكذلك فعل برسول الله ﷺ . ــ "أحب إلى أهل العلم من الشق" بفتح الشين لخبر اللحد لنا والشق لغيرنا ولأن الله تعالى اختاره لنبيه ﵊ فأي داع إلى قول المصنف إلى أهل العلم "وهو" أي اللحد "أن يحفر للميت تحت الجرف في حائط قبلة القبر وذلك" أي كون اللحد أفضل "إذا كانت" حائط قبلة القبر "تربة صلبة لا تتهيل" أي لا تسيل كأرض الرمل "ولا تتقطع" أي لا تسقط جذوة جذوة أي قطعة قطعة أما إذا كانت كذلك فالشق أفضل "وكذلك" أي الإلحاد المفهوم من السياق "فعل برسول الله ﷺ " وفسر اللحد ولم يفسر الشق وهو أن يحفر له حفرة كالنهر ويبنى جانباها باللبن أو غيره ويجعل بينهما شق يوضع الميت فيه ويسقف عليه ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت ويجعل في شقوقه قطع اللبن ويوضع عليه التراب.

стр. 291

باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت ــ "باب في" بيان صفة "الصلاة على الجنائز" جمع جنازة قال ابن العربي مذهب الخليل أن الجنازة بالكسر خشب سرير الموتى وبالفتح الميت وعكس الأصمعي وقال الفراء هما لغتان وقال ابن قتيبة الجنازة بكسر الجيم الميت وقال ابن الأعرابي والجنازة بالكسر النعش إذا كان عليه الميت ولا يقال دون ميت جنازة واشتقاقها من جنز إذا ثقل وقال في المصباح جنزت الشيء أجنزه من باب ضرب سترته ومنه اشتقاق الجنازة وعلى كل فهو يناسب كونه اسما للميت "و" في بيان "الدعاء للميت" وحكم الصلاة عليه أنها فرض

стр. 292

والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات ــ كفاية ويصلى عليها في كل وقت من ليل أو نهار إلا عند طلوع الشمس وغروبها فإنها تحرم وتكره في وقت الكراهة وتعاد في الأولى ما لم تدفن ولاتعاد في الثانية مطلقا ومحل ذلك ما لم يخف عليها التغير وإلا جازت الصلاة بلا خلاف ويصلى على كل ميت مسلم حاضر تقدم استقرار حياته ليس بشهيد معركة ولا يصلى على من صلى عليه ولا من فقد أكثره فإذا فقد شيء من هذه الشروط سقطت الصلاة عليه وكذا الغسل فإنهما متلازمان والأولى بالصلاة عليه الموصى له بالصلاة فيقدم على الولي إذا كان معروفا بالخير ترجى بركة دعائه إلا أن يعلم أن ذلك كان من الميت لعداوة بينه وبين الولي فلا تجوز وصيته وأركان الصلاة على الجنازة خمسة القيام فإن صلوا من قعود لم تجز إلا من عذر وهذا على القول بوجوبها ودليل الوجوب مفهوم قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ بناء على أن الذي يفيد المفهوم ضد حكم المنطوق وهو وجوب الصلاة على المؤمنين لا نقيض الحكم المنطوق به وهو عدم حرمة الصلاة على المؤمنين الثاني والثالث الإحرام بمعنى النية والسلام الرابع الدعاء الخامس التكبير وإليه أشار بقوله: "والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات" لفعله ﷺ وذلك لما ثبت أن آخر صلاة صلاها النبي ﷺ كبر فيها أربعا فإن سلم من ثلاث ناسيا وذكر بالقرب رجع بنية فقط ولا يكبر لئلا يلزم الزيادة في عدده فإن كبر حسب من الأربع قاله ابن عبد السلام وإن زاد الإمام خامسة سلم المأموم ولا ينتظره رواه ابن القاسم واعترضه ابن هارون بما إذا قام الإمام لخامسة سهوا فإنهم ينتظرونه حتى يسلموا بسلامه قال المواق سمع ابن القاسم إن كان الإمام ممن يكبر خمسا فليقطع المأموم بعد الرابعة ولا يتبعه

стр. 293

يرفع يديه في أولاهن وإن رفع في كل تكبيرة فلا بأس وإن شاء دعا بعد الأربع ثم يسلم وإن شاء سلم بعد الرابعة مكانه ــ في الخامسة انتهى ومفهومه أنه لو كان ممن لا يكبر خمسا لكنه كبر خمسا سهوا أن المأموم لا يقطع ولكنه يسكت فإذا سلم الإمام سلم بسلامه وقاله مالك في الواضحة وأشهب وبهذا يحسن الجمع بين إطلاقاتهم التي ظاهرها التعارض وعلى هذا فلا اعتراض وإذا ابتدأ التكبير فإنه "يرفع يديه في أولاهن وإن رفع في كل تكبيرة فلا بأس" وهو أحد أقوال أربعة: وهو لأشهب قال يرفع يديه في الأولى: وهو مخير في الباقي إن شاء رفع وإن شاء لم يرفع. ثانيها: أنه يرفع في كل تكبيرة وهو في المدونة واختاره ابن حبيب. ثالثها: وهو في المدونة أيضا يرفع في التكبيرة الأولى فقط وأما الرفع في غيرها فهو خلاف الأولى واختاره التونسي. رابعها: لا يرفع لا في الأولى ولا في غيرها وهو أشهر من الرفع في الجميع وقد تقدم أن الدعاء أحد أركان الصلاة فتعاد الصلاة لتركه واختلف في الدعاء بعد الرابعة فأثبته سحنون قياسا على سائر التكبيرات وخالفه سائر الأصحاب قياسا على عدم القراءة بعد الركعة الرابعة لأن التكبيرات الأربع أقيمت مقام الركعات الأربع أي مجموعها أي الهيئة الاجتماعية من التكبيرات الأربع مع ما احتوت عليه من الدعاء بمنزلة ركعات أربع ولا قراءة بعد الركعة الرابعة فلا دعاء بعد التكبيرة الرابعة وليس المراد أن كل تكبيرة بمنزلة ركعة لوحظت وحدها أو مع الدعاء وإلا لزم في الأول عدم الدعاء بعد غير الرابعة وفي الثاني الدعاء بعد الرابعة وظاهر كلام الشيخ التخيير حيث قال وإن شاء دعا بعد الأربع ثم يسلم "وإن شاء سلم بعد الرابعة مكانه" فيكون قولا ثالثا "تنبيه" لم يتكلم

стр. 294

ويقف الإمام في الرجل عند وسطه وفي المرأة عند منكبيها والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفية للإمام والمأموم ــ الشيخ على النية وهي أحد الأركان وصفتها أن يقصد بقلبه الصلاة على هذا الميت مع استحضار أنها فرض كفاية ولا يضر إن غفل عن هذا الأخير وتصح كما تصح لو صلى عليها مع اعتقاد أنها أنثى فوجدت ذكرا وبالعكس أو أنها فلان ثم تبين أنها غيره لأن مقصوده الشخص الحاضر بين يديه بخلاف ما لو كان في النعش اثنان أو أكثر واعتقد أن الذي فيه واحد فإنها تعاد على الجميع حيث كان ذلك الواحد غير معين وإلا أعيدت على غير المعين الذي نواه ولو نوى واحدا بعينه ثم تبين أنهما اثنان أو أكثر وليس فيهما أو فيهم من عينه فإنها تعاد على الجميع ولو نوى الصلاة على من في النعش مع اعتقاد أنه جماعة ثم تبين أنه واحد أو اثنان صحت لأن الواحد والاثنين بعض الجماعة "ويقف الإمام" على جهة الاستحباب ومثله المنفرد "في" الصلاة "على الرجل عند وسطه" بفتح السين "ويقف الإمام" ومثله المنفرد "في" الصلاة على "المرأة عند منكبيها" تثنية منكب بفتح الميم وكسر الكاف وهو مجمع عظم الكتف والعضد وما ذكره المصنف من التفصيل هو المعروف من المذهب وقال ابن شعبان يقف في الرجل والمرأة حيث شاء "والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة" على المشهور "خفية" وفي نسخة خفيفة بفاءين بينهما ياء ساكنة وينبغي الجمع بين الوصفين فلا يمطط ولا يجهر كل الجهر وظاهر قوله: "للإمام والمأموم" يخالف قوله في المدونة ويسلم إمام الجنازة

стр. 295

وفي الصلاة على الميت قيراط من الأجر وقيراط في حضور دفنه وذلك في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا ويقال في الدعاء على الميت غير شيء محدود وذلك ــ واحدة ويسمع نفسه ومن يليه ويسلم المأموم واحدة يسمع نفسه فقط وإن أسمع من يليه فلا بأس به وأجاب بعضهم بأن قوله للإمام والمأموم راجع لواحدة لا لقوله خفيفة وقوله خفية عائد على المأموم فقط ولكن لا قرينة في اللفظ على ذلك التقدير "وفي الصلاة على الميت" المسلم "قيراط من الأجر وقيراط في حضور دفنه وذلك" القيراط "في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا" القيراط اسم لمقدار من الثواب يقع على القليل والكثير بينه بقوله مثل جبل أحد ومعنى المماثلة أنه لو جعل هذا الجبل في كفة وجعل القيراط في كفة مقابلة لها لتعادلا وأراد المصنف بذلك بيان قوله ﷺ في الصحيح: "من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط" "ويقال في الدعاء على الميت غير شيء محدود" أي معين لأن الأدعية المروية عن النبي ﷺ والمروية عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم في ذلك مختلفة وحكى ابن الحاجب وغيره الاتفاق على أنه لا يستحب دعاء معين وتعقب بأن مالكا في الموطأ استحب دعاء أبي هريرة ﵁ وهو: "اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده" وقال الشيخ "وذلك" أي

стр. 296

كله واسع ومن مستحسن ما قيل في ذلك أن يكبر ثم يقول الحمد لله الذي أمات وأحيا والحمد لله الذي يحيي الموتى له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والسناء وهو على كل شيء قدير اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته ــ ما ورد من الدعاء "كله واسع" أي جائز فقل ما شئت منه "ومن مستحسن ما قيل في ذلك" أي الدعاء "أن يكبر ثم يقول" الأولى الفاء بدل ثم "الحمد لله الذي أمات وأحيا" أمات من أراد إماتته وأحيا من أراد بقاءه "والحمد لله الذي يحيي الموتى" في الآخرة "له العظمة والكبرياء" هما بمعنى واحد "والملك" أي التصرف بالهداية والإضلال والثواب والعقاب "والقدرة" المتعلقة بكل ممكن إيجادا وإعداما "والسناء" بالمد العلو والرفعة وإذا كان مقصورا كان معناه الضياء "وهو على كل شيء قدير" أي مشيء بمعنى مراد "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد" أي محمود "مجيد" أي كريم "اللهم" أي يا الله "إنه" أي هذا الميت "عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته" أي أخرجته من العدم إلى الوجود "ورزقته" من يوم خلقته إلى يوم

стр. 297

وأنت أمته وأنت تحييه وأنت أعلم بسره وعلانيته جئناك شفعاء له فشفعنا فيه اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له إنك ذو وفاء وذمة اللهم قه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ــ أمته "وأنت أمته" الآن في الدنيا "وأنت تحييه" في الآخرة "وأنت أعلم" أي عالم "بسره" منه ومن غيره وفي بعض النسخ "وعلانيته" وهي أحرى "جئناك شفعاء" أي نطلب "له" الشفاعة "فشفعنا" أي اقبل شفاعتنا "فيه اللهم إنا نستجير" أي نطلب منك الإجارة له والأمن من عذابك "بحبل" أي بعهد "جوارك" بكسر الجيم على الأفصح أي أمانك "له إنك ذو وفاء وذمة" أي صاحب عهد ووفاء "اللهم قه" أي نجه "من فتنة القبر" لا شك أن الفتنة هي السؤال وهو لا بد منه فيكون طلب النجاة ليس منه بل مما ينشأ عنه وهو عدم الثبات "و" قه "من عذاب جهنم اللهم اغفر له" أي استر ذنوبه ولا تؤاخذه بها "وارحمه" أي أنعم عليه "واعف عنه" أي ضع عنه ذنوبه "وعافه" أي أذهب عنه ما يكره "وأكرم نزله" قال الفاكهاني رويناه بسكون الزاي وهو ما يهيأ للنزيل أي للضيف ولا يخفى التجوز في العبارة لعدم صحة المعنى الحقيقي فالمعنى أكرمه في نزله أي فيما يهيأ له وقال الأقفهسي نزله حلوله في قبره بأن يرى ما يرضاه ويسره "ووسع مدخله" بفتح الميم وضمها فبالفتح الدخول وموضع الدخول وبالضم الإدخال "واغسله بماء وثلج وبرد

стр. 298

ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في ــ بفتح الراء قال أبو عمران الثلج أنقى من الماء والبر أنقى من الثلج فارتكب طريق الترقي وليس المراد بالغسل هنا ظاهره بل هو استعارة للطهارة العظيمة من الذنوب "و" كأنه يقول اللهم "نقه" أي طهره تنقية عظيمة "من الخطايا" أي الذنوب "كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" أي الأوساخ "وأبدله" أي عوضه "دارا" وهي الجنة "خيرا من داره" وهي الدنيا "و" أبدله "أهلا" أي قرابة في الآخرة يوالونه "خيرا من أهله" أي من قرابته في الدنيا "و" أبدله "زوجا خيرا من زوجه" الذي تركه في الدنيا "اللهم إن كان محسنا" أي ذا إحسان أي طاعة "فزد" أي فضاعف له "في" ثواب "إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه" أي عن سيئاته "اللهم إنه قد نزل بك" أي استضافك "و" الحال أنك "أنت خير منزول به" الضمير في به راجع إلى موصوف أي أنت خير مضيف أي أنت خير من ينزل به ولا يصح جعل الضمير لله لأنه يلزم عليه أنت يا الله خير من الله هكذا صرح به الأجهوري وأنه "فقير" أي أشد افتقارا "إلى رحمتك" الآن "وأنت غني عن عذابه اللهم ثبت عند المسألة" أي سؤال الملكين "منطقه" أي كلامه "ولا تبتله" أي لا تختبره "في

стр. 299

قبره بما لا طاقة له به اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده تقول هذا بإثر كل تكبيرة وتقول بعد الرابعة اللهم اغفر لحينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم متقلبنا ومثوانا ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان وللمسلمين والمسلمات ــ قبره بما" أي بشيء "لا طاقة له به" أي لا تجعل نهاية الاختبار بالسؤال شيئا لا طاقة له به وهو عدم الجواب بل اجعل له قدرة على الجواب أو أن مصدوق الشيء كون سؤال الملكين بعنف "اللهم لا تحرمنا أجره" أي أجر الصلاة عليه "ولا تفتنا" أي لا تشغلنا بسواك "بعده" فإن كل ما يشغل عنك فهو فتنة "تقول هذا" جميع ما ذكر من الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه ﷺ إلى قوله ولا تفتنا بعده "بإثر كل تكبيرة" قال بعضهم هذا عام أريد به الخصوص إذ لا يقول ذلك بعد الرابعة وإنما يقول بعدها ما سيذكره الآن وقال بعضهم هو عام بإثر كل تكبيرة حتى الرابعة ويزيد عليه قوله وتقول بعد الرابعة ولكن المتبادر من المصنف أن يقول ذلك وحده وإلا لقال ويزيد بعد الرابعة "وتقول بعد الرابعة" يريد إن شئت يدل على التخيير ما تقدم من قوله وإن شاء دعا بعد الأربع "اللهم اغفر لحينا وميتنا" أي استر ذنوب من عاش منا ومن مات أي من المؤمنين "وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم متقلبنا" أي تصرفاتنا في جميع أمورنا "و" تعلم "مثوانا" أي إقامتنا في أحد الدارين "و" اغفر "لوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان و" اغفر "للمسلمين والمسلمات

стр. 300

والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام وأسعدنا بلقائك وطيبنا للموت وطيبه لنا واجعل فيه راحتنا ومسرتنا ثم تسلم وإن كانت امرأة قلت اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث غير أنك لا تقول وأبدلها زوجا خيرا من زوجها لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا ــ والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات اللهم من أحييته" أي أبقيته "منا فأحيه" بحذف حرف العلة أي أبقه "على الإيمان" حتى تميته عليه "ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام" وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولما كان المراد من الإسلام الشهادتين وقد قال ﷺ : "من مات وهو يقول لا إله إلا الله دخل الجنة" ناسب الدعاء بالوفاة عليه "وأسعدنا بلقائك" أي برؤيتك في الآخرة "وطيبنا" أي طهرنا "للموت" بالتوبة الصادقة ورد مرفوعا وهي أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن في الضرع "وطيبه لنا واجعل فيه" أي في الموت "راحتنا ومسرتنا" بحصول ما يسر "ثم تسلم" كما تسلم من الصلاة "وإن كانت" الجنازة "امرأة قلت: اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث" فتقول وبنت أمتك وبنت عبدك أنت خلقتها ورزقتها الخ "غير أنك لا تقول وأبدلها زوجا خيرا من زوجها لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا" وإنما أتى بقد الدالة على التوقع أي على شيء يتوقع حصوله لا مجزوم بحصوله لاحتمال أن يكون لها زوج في الدنيا وتكون لغيره "تنبيه" لو لم تعلم الميت هل ذكر أو أنثى

стр. 301

ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلا والرجل قد يكون له زوجات كثيرة في الجنة ولا يكون للمرأة أزواج ولا بأس أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة ــ فتنوي الصلاة على من حضر كما إذا لم يعلم هل هو واحد أو متعدد وتقول في الدعاء اللهم إنهما عبداك أو أمتاك الخ وفي الجمع المذكر اللهم إنهم عبيدك وأبناء عبيدك الخ وفي الجمع المؤنث اللهم إنهن إماؤك وبنات إمائك وبنات عبيدك الخ وإذا اجتمع مذكر ومؤنث غلب المذكر "ونساء الجنة مقصورات" أي محبوسات "على أزواجهن لا يبغين بهم بدلا والرجل قد يكون له زوجات كثيرة في الجنة" قال الأقفهسي: وانظر هل من الآدميات أو من الحور العين الجواب أن الزوجات الكثيرات منهما معا فقد روى أبو نعيم أنه ﷺ قال: "يزوج كل رجل من أهل الجنة أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف أيم ومائة حوراء" الحديث والله أعلم ولا يخفى أن هذا صريح في أكثرية نساء الدنيا في الجنة فيرد عليه حديث: "اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها الرجال واطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء" وأجيب بحمل قوله في الحديث: "يزوج كل رجل" على الكل المجموعي أي بعض الرجال "ولا يكون للمرأة أزواج في الجنة" لأن اجتماع جماعة من الرجال على فرج واحد في الدنيا مما تنفر منه النفوس "ولا بأس" بمعنى ويستحب "أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة" عند جمهور العلماء خلافا لمن قال: إنها لا تجمع بل يصلى على كل ميت وحده وعلى القول بجمع الجنائز في صلاة واحدة على أي هيئة توضع الجنائز هل يلي الإمام الأفضل وغيره إلى جهة القبلة أو يجعلوا صفا واحدا ويقرب إلى الإمام أفضلهم وإلى الأول

стр. 302

ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء وإن كانوا رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام وجعل من دونه النساء والصبيان من وراء ذلك إلى القبلة ولا بأس أن يجعلوا صفا واحدا ويقرب إلى الإمام أفضلهم وأما دفن الجماعة في قبر واحد فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة ــ أشار بقوله: "ويلي الإمام" بالنصب في الصلاة على جماعة الموتى "الرجال" بالرفع ويجوز نصبه ورفع الإمام "إن كان فيهم نساء وإن كانوا" أي الجنائز "رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام وجعل من دونه النساء و" جعل "الصبيان من وراء ذلك إلى القبلة" وما ذكره من تقديم النساء على الصبيان هو قول ابن حبيب والمشهور خلافه وهو أن الذكور الأحرار البالغين يكونون مما يلي الإمام الأفضل فالأفضل ثم الذكور الأحرار الصغار ثم الخنثى ثم الأرقاء الذكور ثم النساء الأحرار ثم صغارهن ثم أرقاؤهن والهيئة الثانية أشار إليها بقوله: "ولا بأس أن يجعلوا" أي الجنائز "صفا واحدا ويقرب إلى الإمام أفضلهم" هذا إذا كانوا كلهم من جنس واحد كرجال أو نساء أو صبيان وأما إن كانوا رجالا ونساء وصبيانا فيتقدم إلى الإمام صف الرجال ثم صف الصبيان ثم صف النساء هذا من حيث الجنائز وأما من حيث الإمامة فيقدم الأعلم ثم الأفضل ثم الأسن ولما كان وضع الجنائز إذا اجتمعت للصلاة عليها مخالفا لوضعها في قبر واحد إذا دعت لذلك ضرورة أتى الشيخ بأداة الفصل فقال: "وأما دفن الجماعة في قبر واحد فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة" لما في السنن الأربعة أي أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال يوم

стр. 303

ومن دفن ولم يصل عليه وووري فإنه يصلى على قبره ولا يصلى على من قد صلي عليه ويصلى على أكثر الجسد واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل ــ أحد "احفروا وأوسعوا وعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد وقدموا أكثرهم قرآنا" قال الترمذي: حسن صحيح وظاهر كلام الشيخ جواز ذلك مطلقا دعت الضرورة لجمعهم في قبر واحد أم لا وليس كذلك بل إن دعت الضرورة جاز وإلا كره ومحل الجواز للضرورة والكراهة لغيرها إذا حصل دفنهم في وقت واحد وأما لو أردنا دفن ميت على آخر بعد تمام دفنه فيحرم لأن القبر حبس على الميت لا ينبش ما دام به إلا لضرورة فلا يحرم "ومن دفن" من أموات المسلمين "ولم يصل عليه وووري فإنه يصلى على قبره" عند ابن القاسم وقال أشهب: لا يصلى عليه قال القرافي: وهو أحسن وأما ما روي أنه ﷺ صلى على قبر المسكينة فذلك خاص بها أو لأنه وعدها بالصلاة عليها وعلى القول بالصلاة على القبر فقيل يصلى ما لم يغلب على الظن أنه تغير وتمزق وقيل ما لم يجاوز شهرين ومفهوم قوله وووري أنه لولم يوار يخرج ويصلى عليه بل لو ووري وتم دفنه يجب إخراجه ويصلى عليه ما لم يخش تغيره "ولا يصلى على من قد صلي عليه" على جهة الكراهة أي سواء كان مريد الصلاة ثانيا هو الذي صلى عليه أولا أو غيره "ويصلى على أكثر الجسد" كالثلثين فأكثر لأن حكم الجل حكم الكل وينوي بالصلاة عليه الميت أي جميعه ما حضر منه وما غاب ولا يصلى على نصف الجسد عند ابن القاسم وهو المعتمد بل ولو زاد على النصف وكان دون الثلثين لأنه يؤدي إلى الصلاة على الغائب واغتفر غيبة اليسير لأنه تبع "واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل" أطلق المثل على الشيء نفسه فذكر الخلاف في اليد والرجل فقال مالك: لا يصلى عليه لاحتمال أن يكون صاحبها حيا وقال ابن مسلمة يصلي على اليد والرجل وينوي بذلك الميت أي ويغلب كون صاحبها ميتا.

стр. 304

باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله . تثني على الله ﵎ وتصلي على نبيه محمد ﷺ ثم تقول: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته وأنت ــ "باب في الدعاء" أي في بيان ما يدعى به "للطفل" ذكرا كان أو أنثى وقال بعض أهل اللغة: يقال" للذكر طفل والأنثى طفلة وهو ما بلغ سنة فأقل أي عند أهل اللغة وعند الفقهاء يطلق على من دون البلوغ أي مجازا للمشابهة بينهما وفي بيان "الصلاة عليه" أراد من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه من الأطفال "و" في بيان "غسله" أراد به بيان من يغسله ومن لا يغسله وإنما فسر هذا وما قبله بالإرادة المذكورة لا بما يعطيه ظاهر لفظه لأنه هو المذكور في هذا الباب وإنما أفرد هذا الباب عما قبله لأن فيه أحكاما تختص بالطفل من الاستهلال وغسل الصغير ومن أنه يصلى على من استهل صارخا وغير ذلك وقد ابتدأ الدعاء له بقوله: "تثني على الله ﵎ وتصلي على نبيه محمد ﷺ ثم تقول: اللهم" أي يا ألله "إنه" أي الطفل "عبدك وابن عبدك وابن أمتك" ظاهره عام في ولد الزنى وولد الملاعنة وغيرهما وقد قيل إنما يقال هذا في الثابت النسب وأما غيره فيقال فيه اللهم إنه عبدك وابن أمتك "أنت خلقته" أي أنشأته "ورزقته" تقول ذلك ولو مات عقب الاستهلال لأن الله رزقه في بطن أمه "وأنت

стр. 305

أمته وأنت تحييه اللهم فاجعله لوالديه سلفا وذخرا وفرطا وأجرا وثقل به موازينهم وأعظم به أجورهم ولا تحرمنا وإياهم أجره ولا تفتنا وإياهم بعده اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وعافه من فتنة ــ أمته" في الدنيا "وأنت تحييه" في الآخرة "اللهم فاجعله لوالديه" قال الفاكهاني: رويناه بكسر الدال فيدخل فيه الأجداد والجدات ولذا قال وثقل به موازينهم بصيغة الجمع ولو كان بالفتح لقال وثقل به موازينهما "سلفا" أي متقدما "وذخرا" بذال معجمة أي مدخرا في الآخرة والادخار في الدنيا بدال مهملة "وفرطا" بمعنى سلفا "وأجرا" عظيما أي من حيث كون موته مصيبة عظيمة "وثقل به" أي بأجر مصيبته "موازينهم" أي موزوناتهم لأنه الموصوف بالثقل أي بحيث ترجح حسناتهم على سيئاتهم "وأعظم" أي كثر "به" أي بأجر مصيبته "أجورهم" ولما كان لا يلزم من التكثير التثقيل ولا من التثقيل التكثير أتى بقوله وأعظم به الخ بعد قوله وثقل به الخ "ولا تحرمنا وإياهم أجره" أي أجر شهود الصلاة عليه "ولا تفتنا وإياهم بعده" بما يشغلنا عنك "اللهم ألحقه بصالح سلف" أولاد "المؤمنين في كفالة" أي حضانة "أبينا إبراهيم" الخليل ﵊ "وأبدله دارا" أي في الآخرة "خيرا من داره" أي في الدنيا "و" أبدله "أهلا" أي قرابة في الآخرة "خيرا من أهله" أي من قرابته في الدنيا بجواره بالأنبياء والصالحين يؤانسونه "وعافه" أي نجه "من فتنة

стр. 306

القبر ومن عذاب جهنم تقول ذلك في كل تكبيرة وتقول بعد الرابعة اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ولمن سبقنا بالإيمان اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ثم تسلم ولا يصلى على من لم يستهل صارخا ــ القبر" وهي عدم الثبات الناشىء عن السؤال لأن الفتنة هي السؤال ويتسبب عنه عدم الثبات وقضيته أن الطفل يسأل وأنه قابل للافتتان وقد جرى الخلاف في السؤال وأما الافتتان فهو مشكل إلا أن يقال إنه قابل له وإن كان غير مكلف نظرا لكون الله له أن يعذب الطفل عقلا وإن امتنع شرعا وكذا يقال في قوله بعد وعافه من عذاب جهنم "و" عافه "من عذاب جهنم تقول ذلك" أي كل ما تقدم من الثناء على الله تعالى إلى هنا "في كل" أي بعد كل "تكبيرة" ما عدا الرابعة "وتقول بعد الرابعة" إن شئت "اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا" هما بمعنى واحد "و" اغفر "لمن سبقنا بالإيمان اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان" الكامل "ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام" يعني شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله "واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ثم سلم" كتسليمك من الصلاة "ولا يصلى على من لا يستهل صارخا" ولا يغسل ولو تحرك أو بال أو عطس أو رضع يسيرا أي لا كثيرا فهو علامة الحياة وهذا النهي على جهة الكراهة أما من استهل

стр. 307

ولا يرث ولا يورث ويكره أن يدفن السقط في الدور ولا بأس أن يغسل النساء الصبي الصغير ابن ست سنين أو سبع ولا يغسل الرجال الصبية واختلف فيها إن كانت لم تبلغ أن تشتهى ــ فله حكم الأحياء في جميع أموره وإن مات بالفور بلاخلاف "و" من أحكام من لا يستهل أنه "لا يرث" من تقدمه بالموت "ولا يورث" ما تصدق به عليه أو وهب له وهو في بطن أمه لأن الميراث فرع ثبوت الحياة وخرج بما تصدق به عليه الغرة فتورث عنه وإن نزل علقة أو مضغة لأنها مأخوذة عن ذاته وإذا كان لا يورث ما تصدق به عليه فيرجع إلى من تصدق أو وهب "ويكره أن يدفن السقط" بتثليث السين المهملة من لم يستهل صارخا ولو تمت خلقته "في الدور" خوفا من أن تنهدم الدار فتنبش عظامه "ولا بأس أن يغسل النساء" الأجانب أي يباح ذلك "الصبي الصغير ابن ست سنين أو سبع" سنين وثمان سنين ولا يغسلنه إذا زاد على ذلك ولا يسترن عورته أي لا يكلفن بستر عورته لأنه يجوز لهن النظر إلى بدنه "ولا يغسل الرجال الصبية" وهذا النهي على جهة المنع اتفاقا إن كانت ممن تشتهى كبنت ست سنين أو سبع ويغسلونها إن كانت رضيعة اتفاقا والمراد بها من لم تبلغ ثلاث سنين بدليل قوله بعد كبنت ثلاث سنين "واختلف فيها" أي في غسلها "إن كانت" غير رضيعة وكانت "ممن لم تبلغ أن تشتهى" كبنت ثلاث سنين فأجازه أشهب قياسا على غسل النساء ابن ثلاث سنين وأربع وخمس ومنعه ابن القاسم وهو مذهب المدونة والمعتمد ما قاله ابن القاسم لأن مطلق الأنوثة مظنة الشهوة وأحب في قول الشيخ

стр. 308

والأول أحب إلينا. ــ "والأول أحب إلينا" للوجوب أي وجوب ترك الغسل ولما أنهى الكلام على الصلاة التي هي ركن من أركان الإسلام انتقل يتكلم على ركن من أركانه أيضا وهو الصوم فقال:

стр. 309

باب في الصيام . وصوم شهر رمضان فريضة يصام لرؤية الهلال ــ "باب في" بيان حكم "الصيام" وما يتعلق به أي بالصيام أي يرتبط به كصلاة التراويح وهو لغة الإمساك والترك فمن أمسك عن شيء ما قيل له صائم قال تعالى حكاية عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ أي صمتا وهو الإمساك عن الكلام وشرعا الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية قبل الفجر أو معه في غير أيام الحيض والنفاس وأيام الأعياد والصوم باعتبار حكمه ينقسم إلى واجب وغيره ومن الواجب صوم رمضان وإليه أشار بقوله: "وصوم شهر رمضان فريضة" أخبر بالمؤنث عن المذكر باعتبار كونه عبادة لا باعتبار كونه مصدرا دل على وجوبه الكتاب والسنة والإجماع فمن جحد وجوب صوم رمضان فهو كافر إجماعا يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل ومن أقر بوجوبه وامتنع من صومه فهو عاص يجبر على فعله فإن لم يفعل قتل حدا كالصلاة أي بعد أن يؤخر إلى أن يبقى من وقت نيته قدر ما يسعها ويثبت صوم رمضان بأحد شيئين إما بإتمام شعبان ثلاثين يوما وإما برؤية الهلال وإليه أشار بقوله: "يصام لرؤية الهلال" يعني هلال رمضان ظاهر كلامه سواء كانت الرؤية مستفيضة بأن وقعت من جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب لأن خبرهم يفيد العلم

стр. 310

ويفطر لرؤيته كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما فإن غم الهلال فيعد ثلاثين يوما من غرة الشهر الذي قبله ثم يصام وكذلك في الفطر ويبيت الصيام في أوله ــ أو بشاهدي عدل فقط مع غيم أو صحو أي ولا فرق بين البلد الكبير والصغير ومثل العدلين العدل الواحد الموثوق بخبره ولو عبدا أو امرأة إذا كان المحل لا يعتنى فيه بأمر الهلال في حق أهل الرائي وغيرهم وأما إذا كان المحل يعتنى فيه بأمر الهلال فلا يثبت برؤية الواحد ولو في حق أهله ولو صدقوه ولكن يجب عليه أن يرفع أمره إلى الحاكم ولا يجوز له الفطر فإن أفطر كفر ولو متأولا لأن تأويله بعيد "و" كما يصام لرؤيته "يفطر لرؤيته" أي لرؤية هلال شوال سواء "كان" الشهر الذي قبل الشهر تثبت رؤيته "ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما" أي لأن الشهر يأتي ناقصا وكاملا "فإن غم" بضم الغين وتشديد الميم "الهلال" يعني هلال رمضان بأن حال بينه وبين الناس غيم "فيعد ثلاثين يوما من غرة" يعني من أول "الشهر الذي قبله" وهو شعبان "ثم يصام وكذلك في الفطر" يفعل فيه كذلك فإن غم هلال شوال فإنه يعد ثلاثين يوما من أول الشهر الذي قبله وهو رمضان ثم يفطر وأصل هذا ما في الصحيحين من قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة". وشروط الصوم سبعة: أولها: النية وأشار إليه بقوله: "ويبيت الصيام في أوله" أي ينوي بقلبه أول ليلة من رمضان بعد غروب الشمس وقبل طلوع الفجر أو مع طلوعه القربة إلى الله تعالى بأداء ما افترض عليه من استغراق

стр. 311

وليس عليه البيات في بقيته ويتم الصيام إلى الليل ومن السنة تعجيل الفطر ــ طرفي النهار بالإمساك عن الأكل والشرب والجماع "و" بعد أن يبيت الصيام أول ليلة فـ "ليس عليه" وجوبا "البيات في بقيته" أي بقية شهر رمضان وعن مالك يجب التبييت كل ليلة وبه قال الإمامان الشافعي وأبو حنيفة لأن أيام الشهر عبادات ينفرد بعضها عن بعض ولا يفسد بعضها بفساد بعض ويتخللها ما ينافيها كالأكل والشرب والجماع ليلا فصارت الأيام كالصلوات الخمس في اليوم فيجب أن ينفرد صوم كل يوم بنية كما تنفرد كل صلاة بنية ووجه المذهب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فتناول هذا الأمر صوما واحدا وهو صوم الشهر وإنما كانت مبيتة لما رواه أصحاب السنن من قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" وإنما اغتفر تقديمها في الصوم للمشقة قال ابن ناجي ظاهر كلام الشيخ أنه لا يلزم تجديد النية لمن انقطع صومه كالحائض وهو كذلك عند أشهب وغيره بقي المريض والمسافر إذا تماديا على الصوم فإنه يجب عليهما النية في كل ليلة لعدم وجوب التتابع في حقهما وعند صحة المريض وقدوم المسافر يكفيهما نية لما بقي كالحائض تطهر والصبي يبلغ في أثناء الصوم والكافر يسلم في أثناء الشهر ثانيها الإسلام ثالثها العقل رابعها النقاء من الحيض والنفاس خامسها الإمساك عن المفطرات سادسها القدرة على الصوم سابعها البلوغ ثم بين غايته بقوله: "ويتم الصيام إلى الليل" للآية ولقوله ﵊ في الصحيح: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" أي انقضى صومه وتم "ومن السنة تعجيل الفطر" بعد تحقق دخول الليل واختلف في الإمساك بعد الغروب

стр. 312

وتأخير السحور وإن شك في الفجر فلا يأكل ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان ومن صامه كذلك لم يجزه وإن وافقه من رمضان ــ فقال بعضهم: يحرم كما يحرم يوم العيد وقال بعضهم: هو جائز وله أجر الصائم وفقه المسألة أن القول بأن له أجر الصائم ضعيف والقول بالحرمة لا وجه له إلا أن يكون قصده أنه واجب عليه وإلا فالوجه الكراهة إذا كان لغير ضرورة "و" من السنة أيضا "تأخير السحور" بفتح السين وضمها فالفتح اسم للمأكول والضم اسم للفعل وقدر التأخير الأفضل أن يبقى بعد الفراغ من الأكل والشرب إلى الفجر قدر ما يقرأ القارىء خمسين آية والأصل في هذا قوله ﵊ لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور رواه الإمام أحمد "وإن شك" صائم رمضان "في" طلوع "الفجر فلا يأكل" ولا يشرب ولا يجامع وهذا النهي يحتمل الكراهة والتحريم والمشهور التحريم وإن شك في الغروب فيحرم الأكل ونحوه اتفاقا "ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان" وهذا النهي للكراهة على ظاهر المدونة وقال ابن عبد السلام: الظاهر أنه للتحريم لما رواه الترمذي وقال حسن صحيح أن عمار بن ياسر قال: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ " والأول يقول إن العصيان كناية عن التشديد ويوم الشك المنهي عن صيامه عندنا أن تكون السماء مغيمة ليلة ثلاثين ولم تثبت الرؤية فصبيحة تلك الليلة هو يوم الشك "ولمن صامه" يعني يوم الشك "كذلك" يعني احتياطا ثم ثبت أنه من رمضان "لم يجزه وإن وافقه من رمضان" لعدم جزم النية قال زروق قوله وإن وافقه كذا بالواو وهي تفهم

стр. 313

ولمن شاء صومه تطوعا أن يفعل ومن أصبح فلم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه وليمسك عن الأكل في بقيته ويقضيه وإذا قدم المسافر مفطرا أو طهرت الحائض نهارا فلهما الأكل في بقية يومهما ومن أفطر في تطوعه عامدا أو سافر فيه فأفطر لسفره ــ المبالغة والصواب إن وافقه إذ لا محل لغيره ولمن شاء صومه تطوعا أن يفعل أي بدون أن تكون عادته سرد الصوم أو صوم يوم بعينه "ومن أصبح" يوم الشك "فلم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه" لفقد النية "وليمسك" وجوبا "عن الأكل" والشرب وعن كل ما يبطل الصوم في بقيته وكذلك يجب عليه الصوم إن أكل أو شرب أو نحو ذلك وقوله: "ويقضيه" أي ولا كفارة إذا كان ناسيا أو عامدا متأولا وأما غيره فتجب عليه الكفارة "وإذا قدم المسافر" من سفره نهارا حالة كونه "مفطرا أو طهرت الحائض نهارا فـ" يباح "لهما الأكل في بقية يومهما" ولا يستحب لهما الإمساك وكذا الصبي يبلغ والمجنون يفيق والمريض يصبح مفطرا ثم يصح وكذا المغمى عليه ثم يفيق والمضطر لضرورة جوع أو عطش والمرضع يموت ولدها نهارا وكذا الكافر يسلم إلا أن هذا يستحب له الإمساك دون غيره وأما من أفطر ناسيا أو لكون اليوم يوم شك أو أفطر مكرها فإذا زال عذرهم فيجب عليهم الإمساك وإذا أفطر المكره بعد زوال الإكراه وجب القضاء كالكفارة إلا أن يتأول "ومن أفطر في تطوعه عامدا" من غير ضرورة ولا عذر "أو سافر فيه" أي أحدث سفرا حالة كونه متلبسا بصوم التطوع "فأفطرا" أجل "سفره

стр. 314

فعليه القضاء وإن أفطر ساهيا فلا قضاء عليه بخلاف الفريضة ولا بأس بالسواك للصائم في جميع نهاره ولا تكره له الحجامة إلا خيفة التغرير ــ فعليه القضاء" في الصورتين وجوبا قال ابن عمر واختلف إذا أفطر عامدا هل يستحب إمساك بقيته أم لا الراجح لا يستحب كما أفاده الأجهوري وسكت عن الجاهل والمشهور أنه كالعامد "وإن أفطر" في تطوعه "ساهيا فلا قضاء عليه" وجوبا بلا خلاف واختلف في قضائه استحبابا على قولين سماع ابن القاسم منهما الاستحباب وهذا "بخلاف الفريضة" إذا أفطر فيها ساهيا فإنه يجب عليه القضاء قال زروق وظاهر كلامه كانت الفريضة من رمضان أو من غيره "ولا بأس بالسواك للصائم" وكذا عبر في المدونة والجلاب بلا بأس وهي في كلامهم بمعنى الإباحة كما صرح به ابن الحاجب حيث قال: والسواك مباح كل النهار بما لا يتحلل منه شيء وكره بالرطب وفي كلام بعضهم ما يفيد أن محل الإباحة بعد الزوال لغير مقتض شرعي وأما لمقتض شرعي كالوضوء والصلاة والقراءة والذكر فهو مندوب وهو الصواب كما يفيده الحديث وهو قوله ﵊: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" فعم الصائم وغيره وأشار بقوله: "في جميع نهاره" إلى قول الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى أنه يجوز قبل الزوال ويكره بعده لما في الصحيح من قوله ﷺ : "لخلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" والخلوف بضم الخاء ريح متغير كريه الشم يحدث من خلو المعدة والمراد بطيبه عند الله رضاه به وثناؤه على الصائم بسببه "ولا تكره له" أي للصائم "الحجامة إلا خيفة التغرير" أي المرض قال في القاموس

стр. 315

ومن ذرعه القيء في رمضان فلا قضاء عليه وإن استقاء فقاء فعليه القضاء وإذا خافت الحامل على ما في ــ غرر بنفسه تغريرا أي عرضها للهلكة فيكون تفسيره بالمرض من تفسير الشيء بمتعلقه أو يراد بالهلاك ما يشمل المرض فلا تكره الحجامة إلا إذا خاف المرض بأن شك في السلامة وعدمها وأما إذا علمت السلامة فلا كراهة "ومن ذرعه" بذال معجمة وراء وعين مهملتين مفتوحتين سبقه وغلبه "القيء في" صوم شهر "رمضان" وغيره "فلا قضاء عليه" لا وجوبا ولا استحبابا سواء كان لعلة أو امتلاء وسواء تغير عن حالة الطعام أم لا هذا إذا علم أنه لم يرجع منه شيء بعد وصوله إلى فمه أما إن علم برجوع شيء منه بعد وصوله إلى فمه فعليه القضاء إذا لم يتعمد وإلا كفر وكذا يجب القضاء إذا شك في الوصول والقلس كالقيء وهو ما يخرج من المعدة عند امتلائها وأما البلغم يصل إلى طرف اللسان وتعمد ابتلاعه فلا قضاء عليه وكذا الريق يتعمد جمعه في فيه ثم يبتلعه فلا قضاء عليه "وإن استقاء" الصائم أي طلب القيء "فقاء فعليه القضاء" وهل وجوبا أو استحبابا قولان شهر ابن الحاجب الأول وهو الراجح واختار ابن الجلاب الثاني وظاهر كلام الشيخ أنه لا كفارة على من استقاء في رمضان والمسألة ذات خلاف في الكفارة وعدمها قال عبد الملك عليه القضاء والكفارة وقال ابن الماجشون من استقاء من غير مرض متعمدا فعليه القضاء والكفارة وقال أبو الفرج: لو سئل مالك عن مثل هذا لألزمه الكفارة وروي عن ابن القاسم أنه يقضي خاصة واعلم أن الفطر في رمضان يجب في مسائل ويباح في بعضها فمن الأول المرأة تحيض نهارا فيجب عليها الفطر بقية يومها "و" منه "إذا خافت" المرأة "الحامل" وهي صائمة في شهر رمضان "على ما في

стр. 316

بطنها أفطرت ولم تطعم وقد قيل تطعم وللمرضع إن خافت على ولدها ولم تجد من تستأجر له أو لم يقبل غيرها أن تفطر وتطعم ــ بطنها" أو نفسها هلاكا أو حدوث علة "أفطرت" وجوبا "ولم تطعم" على المشهور وتقضي "وقد قيل تطعم" رواه ابن وهب ومفهوم كلامه أنها إذا لم تخف لا تفطر ولو جهدها الصوم وليس كذلك بل إذا جهدها الصوم تخير في الفطر والذي يفيده كلام ابن عرفة أن الحامل ومثلها المرضع والمريض يباح لهم الفطر حيث كان يشق عليهم الصوم وإن لم يخافوا حدوث مرض ولا زيادته وأما الصحيح فليس له الفطر لحصول مشقة الصوم وهل له الفطر لخوف المرض أو لا قولان ومن الثاني أي الفطر المباح المرض في بعض صوره وهو ما إذا خاف زيادة المرض أو تماديه وأما إذا خاف هلاكا أو شديد أذى فيجب والخوف المجوز للفطر هو المستند صاحبه إلى قول طبيب حاذق أو تجربة في نفسه أو خبر من هو موافق له في المزاج والسفر بشرطه وسيأتي الكلام عليهما ومنه ما أشار إليه بقوله: "وللمرضع" بناء على أن اللام للإباحة أي أن محل كونه من الثاني إذا جعلت اللام للإباحة أي ويباح للمرأة المرضع "إن خافت على ولدها" أو على نفسها من الصوم "ولم تجد ما" ويروى من "تستأجره له أو" وجدت ولكنه أي الولد "لم يقبل غيرها أن تفطر و" يجب عليها حينئذ أن "تطعم" وقيل اللام في كلامه بمعنى على أي وعلى المرضع وجوبا إذا خافت على ولدها أو نفسها أن تفطر وظاهر كلامه أن الإجارة عليها وهو كذلك إذا لم يكن له ولا لأبيه مال ولا ترجع به بعد ذلك على أحد ومنه ما أشار إليه بقوله

стр. 317

ويستحب للشيخ الكبير إذا أفطر أن يطعم والإطعام في هذا كله مد عن كل يوم يقضيه وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر ــ "ويستحب للشيخ الكبير" الذي لا يقدر على الصوم في زمن من الأزمنة "إذا أفطر أن يطعم" وإنما أبيح له الفطر لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وما ذكره من استحباب الإطعام ظاهر المدونة خلافه ونصها لا فدية إلا أن المدونة حملت على أنه لا يجب الإطعام فلا ينافي ندبه "والإطعام" المتقدم ذكره "في هذا كله" أي في فطر الحامل الخائفة على ما في بطنها والمرضع الخائفة على ولدها والشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم "مد" بمده ﵊ وهو رطل وثلث "عن كل يوم يقضيه" أي إن كان يجب عليه القضاء فلا يرد الشيخ الهرم وغيره فإنهما يطعمان ولا يقضيان والتشبيه في قوله: "وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر" راجع إلى القدر لا إلى الحكم فإن الحكم مختلف لأن إطعام الشيخ كما تقدم مستحب وإطعام المرضع واجب وظاهر كلامه أن قضاء رمضان على التراخي وهو الذي يدل عليه حديث عائشة في الموطأ أي فإنها قالت إن كان ليكون علي الصيام من رمضان فما أستطيع أن أصومه حتى يأتي شعبان للشغل برسول الله ﷺ فظاهره لو كان يجوز تأخيره عن شعبان لأخرته ولو كان واجبا على الفور لما أخرته فلزم من ذلك أن يكون واجبا موسعا وعن مالك إنما هو على الفور وهو ضعيف وعلى الأول إنما يراعى تفريطه في شعبان إذا كان فيه صحيحا مقيما فيجب عليه الإطعام فإذا كان عليه خمسة

стр. 318

ولا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام وتحيض الجارية وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ ومن أصبح ــ عشر يوما فتعتبر الإقامة والصحة في النصف الأخير من شعبان فيجب الإطعام إن كان فيه صحيحا مقيما وإن مرض فيه أو سافر فلا إطعام وعلى الثاني الضعيف إنما يراعى تفريطه في شوال بقدر ما عليه من الصيام على قياس ما قلنا في شعبان ولو كان رمضان ثلاثين وصام شهرا قضاه عنه فكان تسعة وعشرين كمل ثلاثين ويجوز القضاء في كل وقت يجوز فيه التطوع بالصوم ولا يقضي في الأيام الممنوع فيها الصوم ثم أشار إلى الشرط الموعود بمجيئه وهو البلوغ بقوله: "ولا صيام على الصبيان" لا وجوبا ولا استحبابا "حتى يحتلم الغلام وتحيض الجارية" لو قال حتى يبلغوا لكان أولى فإن البلوغ يكون بالاحتلام أي الإنزال أو السن وهو ثمان عشرة على المشهور بخلاف الصلاة فإنهم يؤمرون بها استحبابا "وبالبلوغ" هو قوة تحدث في الصغير يخرج بها من حال الطفولية إلى حال الرجولية والعقل ولو قال بالتكليف إلخ لكان أولى من قوله: وبالبلوغ "لزمتهم أعمال الأبدان" من صلاة وصيام وحج وغزو "فريضة" بالنصب على الحال المؤكدة لعاملها لأن اللزوم والفرض مترادفان وكذلك بالبلوغ لزمتهم أعمال القلوب كوجوب النيات أي النيات الواجبة لأن الذي من عمل القلب النية لا وجوبها والاعتقادات كاعتقاد أن الله واحد مثلا واستدل على لزوم الصبيان الفرائض بالبلوغ بقوله "قال الله سبحانه" وتعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ لأن الاستئذان واجب وقد علقه بالبلوغ "ومن أصبح"

стр. 319

جنبا ولم يتطهر أو امرأة حائض طهرت قبل الفجر فلم يغتسلا إلا بعد الفجر أجزأهما صوم ذلك اليوم ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا يوم النحر ولا يصوم اليومين اللذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا ــ بمعنى طلع عليه الفجر "جنبا" كانت الجنابة من وطء أو احتلام عمدا أو نسيانا في فرض أو تطوع "ولم يتطهر" بالماء "أو امرأة حائض طهرت" بمعنى انقطع عنها دم الحيض ورأت علامة الطهر "قبل" طلوع "الفجر" الصادق "فلم يغتسلا" أي الجنب والحائض المذكوران "إلا بعد الفجر" سواء أمكنهما الغسل قبل طلوع الفجر أم لا "أجزأهما صوم ذلك اليوم" ولا شيء عليهما أما صحة صوم الجنب فلما صح أنه ﷺ كان يدركه الفجر في رمضان وهو جنب فيغتسل ويصوم وأما صحة صوم الحائض إذا طهرت قبل الفجر في رمضان فمتفق عليه إذا كان طهرها قبل الفجر بقدر ما تغتسل فيه وعلى المشهور إن كان قبله بمقدار لا يسع غسلها وأما إذا طهرت بعد الفجر فلا يصح صومها "ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا" صيام "يوم النحر" أي ولا يصح إذ لا يلزم من عدم الجواز عدم الصحة لنهيه ﵊ عن صيامهما وهل النهي تعبد أو معلل بضيافة الله "ولا يصام اليومان اللذان بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا" كذا الرواية يصام بالبناء لما لم يسم فاعله والمتمتع بالرفع والصواب أن يقول ولا يصوم اليومين الخ وجهه أن المتمتع فاعل ففعله يكون بصيغة المبني للفاعل لا بصيغة المبني للمفعول مع أنه هنا بتلك الصيغة وأيضا فقد استوفى عمدته الذي هو نائب الفاعل ووجهت الرواية بأن المتمتع فاعل

стр. 320

واليوم الرابع لا يصومه متطوع ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط وكذلك من أفطر فيه لضرورة من مرض ــ بفعل مضمر تقديره إلا أن يصومهما المتمتع ومثل المتمتع القارن والمفتدي ومن وجب عليه الدم لنقص في الحج غير ما ذكر والنهي في قوله ولا يصام الخ للتحريم على الراجح "واليوم الرابع" من يوم النحر "لا يصومه متطوع ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك" كمن صام شوالا وذا القعدة عن كفارة ظهار أو قتل ثم مرض ثم صح في ليلة الرابع فإنه يصومه "ومن أفطر" بأكل أو شرب أو جماع "في نهار رمضان" حال كونه "ناسيا فعليه القضاء فقط" وجوبا ويجب عليه الإمساك احترز بنهار رمضان عما إذا أفطر ناسيا في التطوع فإنه لا قضاء عليه أي ويجب عليه الإمساك وعما إذا أفطر ناسيا في واجب غير رمضان فإنه لا قضاء عليه على المشهور واحترز بناسيا عما إذا كان فطره عمدا فإن عليه مع القضاء الكفارة واحترز بقوله فقط عن الكفارة لأنه لا كفارة عليه خلافا لابن الماجشون وأحمد أن عليه الكفارة إذا كان فطره بجماع لحديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ وهو يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكت وأهلكت, فقال له النبي ﷺ : "وما ذاك؟ " أي شيء سبب ذاك, قال: جامعت أهلي في رمضان فأمره بالكفارة أجاب عنه السادة المالكية بأن قرينة الحال من الضرب والنتف تدل على أن الجماع كان عمدا "وكذلك" يجب على "من أفطر فيه" أي في نهار رمضان "لـ" أجل "ضرورة من مرض" يشق معه الصوم أو لا يشق
следующие страницы →