Полный текст (751 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بطنها أفطرت ولم تطعم وقد قيل تطعم وللمرضع إن خافت على ولدها ولم تجد من تستأجر له أو لم يقبل غيرها أن تفطر وتطعم
ــ
بطنها" أو نفسها هلاكا أو حدوث علة "أفطرت" وجوبا "ولم تطعم" على المشهور وتقضي "وقد قيل تطعم" رواه ابن وهب ومفهوم كلامه أنها إذا لم تخف لا تفطر ولو جهدها الصوم وليس كذلك بل إذا جهدها الصوم تخير في الفطر والذي يفيده كلام ابن عرفة أن الحامل ومثلها المرضع والمريض يباح لهم الفطر حيث كان يشق عليهم الصوم وإن لم يخافوا حدوث مرض ولا زيادته وأما الصحيح فليس له الفطر لحصول مشقة الصوم وهل له الفطر لخوف المرض أو لا قولان ومن الثاني أي الفطر المباح المرض في بعض صوره وهو ما إذا خاف زيادة المرض أو تماديه وأما إذا خاف هلاكا أو شديد أذى فيجب والخوف المجوز للفطر هو المستند صاحبه إلى قول طبيب حاذق أو تجربة في نفسه أو خبر من هو موافق له في المزاج والسفر بشرطه وسيأتي الكلام عليهما ومنه ما أشار إليه بقوله: "وللمرضع" بناء على أن اللام للإباحة أي أن محل كونه من الثاني إذا جعلت اللام للإباحة أي ويباح للمرأة المرضع "إن خافت على ولدها" أو على نفسها من الصوم "ولم تجد ما" ويروى من "تستأجره له أو" وجدت ولكنه أي الولد "لم يقبل غيرها أن تفطر و" يجب عليها حينئذ أن "تطعم" وقيل اللام في كلامه بمعنى على أي وعلى المرضع وجوبا إذا خافت على ولدها أو نفسها أن تفطر وظاهر كلامه أن الإجارة عليها وهو كذلك إذا لم يكن له ولا لأبيه مال ولا ترجع به بعد ذلك على أحد ومنه ما أشار إليه بقوله
стр. 317
ويستحب للشيخ الكبير إذا أفطر أن يطعم والإطعام في هذا كله مد عن كل يوم يقضيه وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر
ــ
"ويستحب للشيخ الكبير" الذي لا يقدر على الصوم في زمن من الأزمنة "إذا أفطر أن يطعم" وإنما أبيح له الفطر لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وما ذكره من استحباب الإطعام ظاهر المدونة خلافه ونصها لا فدية إلا أن المدونة حملت على أنه لا يجب الإطعام فلا ينافي ندبه "والإطعام" المتقدم ذكره "في هذا كله" أي في فطر الحامل الخائفة على ما في بطنها والمرضع الخائفة على ولدها والشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم "مد" بمده ﵊ وهو رطل وثلث "عن كل يوم يقضيه" أي إن كان يجب عليه القضاء فلا يرد الشيخ الهرم وغيره فإنهما يطعمان ولا يقضيان والتشبيه في قوله: "وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر" راجع إلى القدر لا إلى الحكم فإن الحكم مختلف لأن إطعام الشيخ كما تقدم مستحب وإطعام المرضع واجب وظاهر كلامه أن قضاء رمضان على التراخي وهو الذي يدل عليه حديث عائشة في الموطأ أي فإنها قالت إن كان ليكون علي الصيام من رمضان فما أستطيع أن أصومه حتى يأتي شعبان للشغل برسول الله ﷺ فظاهره لو كان يجوز تأخيره عن شعبان لأخرته ولو كان واجبا على الفور لما أخرته فلزم من ذلك أن يكون واجبا موسعا وعن مالك إنما هو على الفور وهو ضعيف وعلى الأول إنما يراعى تفريطه في شعبان إذا كان فيه صحيحا مقيما فيجب عليه الإطعام فإذا كان عليه خمسة
стр. 318
ولا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام وتحيض الجارية وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ ومن أصبح
ــ
عشر يوما فتعتبر الإقامة والصحة في النصف الأخير من شعبان فيجب الإطعام إن كان فيه صحيحا مقيما وإن مرض فيه أو سافر فلا إطعام وعلى الثاني الضعيف إنما يراعى تفريطه في شوال بقدر ما عليه من الصيام على قياس ما قلنا في شعبان ولو كان رمضان ثلاثين وصام شهرا قضاه عنه فكان تسعة وعشرين كمل ثلاثين ويجوز القضاء في كل وقت يجوز فيه التطوع بالصوم ولا يقضي في الأيام الممنوع فيها الصوم ثم أشار إلى الشرط الموعود بمجيئه وهو البلوغ بقوله: "ولا صيام على الصبيان" لا وجوبا ولا استحبابا "حتى يحتلم الغلام وتحيض الجارية" لو قال حتى يبلغوا لكان أولى فإن البلوغ يكون بالاحتلام أي الإنزال أو السن وهو ثمان عشرة على المشهور بخلاف الصلاة فإنهم يؤمرون بها استحبابا "وبالبلوغ" هو قوة تحدث في الصغير يخرج بها من حال الطفولية إلى حال الرجولية والعقل ولو قال بالتكليف إلخ لكان أولى من قوله: وبالبلوغ "لزمتهم أعمال الأبدان" من صلاة وصيام وحج وغزو "فريضة" بالنصب على الحال المؤكدة لعاملها لأن اللزوم والفرض مترادفان وكذلك بالبلوغ لزمتهم أعمال القلوب كوجوب النيات أي النيات الواجبة لأن الذي من عمل القلب النية لا وجوبها والاعتقادات كاعتقاد أن الله واحد مثلا واستدل على لزوم الصبيان الفرائض بالبلوغ بقوله "قال الله سبحانه" وتعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ لأن الاستئذان واجب وقد علقه بالبلوغ "ومن أصبح"
стр. 319
جنبا ولم يتطهر أو امرأة حائض طهرت قبل الفجر فلم يغتسلا إلا بعد الفجر أجزأهما صوم ذلك اليوم ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا يوم النحر ولا يصوم اليومين اللذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا
ــ
بمعنى طلع عليه الفجر "جنبا" كانت الجنابة من وطء أو احتلام عمدا أو نسيانا في فرض أو تطوع "ولم يتطهر" بالماء "أو امرأة حائض طهرت" بمعنى انقطع عنها دم الحيض ورأت علامة الطهر "قبل" طلوع "الفجر" الصادق "فلم يغتسلا" أي الجنب والحائض المذكوران "إلا بعد الفجر" سواء أمكنهما الغسل قبل طلوع الفجر أم لا "أجزأهما صوم ذلك اليوم" ولا شيء عليهما أما صحة صوم الجنب فلما صح أنه ﷺ كان يدركه الفجر في رمضان وهو جنب فيغتسل ويصوم وأما صحة صوم الحائض إذا طهرت قبل الفجر في رمضان فمتفق عليه إذا كان طهرها قبل الفجر بقدر ما تغتسل فيه وعلى المشهور إن كان قبله بمقدار لا يسع غسلها وأما إذا طهرت بعد الفجر فلا يصح صومها "ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا" صيام "يوم النحر" أي ولا يصح إذ لا يلزم من عدم الجواز عدم الصحة لنهيه ﵊ عن صيامهما وهل النهي تعبد أو معلل بضيافة الله "ولا يصام اليومان اللذان بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا" كذا الرواية يصام بالبناء لما لم يسم فاعله والمتمتع بالرفع والصواب أن يقول ولا يصوم اليومين الخ وجهه أن المتمتع فاعل ففعله يكون بصيغة المبني للفاعل لا بصيغة المبني للمفعول مع أنه هنا بتلك الصيغة وأيضا فقد استوفى عمدته الذي هو نائب الفاعل ووجهت الرواية بأن المتمتع فاعل
стр. 320
واليوم الرابع لا يصومه متطوع ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط وكذلك من أفطر فيه لضرورة من مرض
ــ
بفعل مضمر تقديره إلا أن يصومهما المتمتع ومثل المتمتع القارن والمفتدي ومن وجب عليه الدم لنقص في الحج غير ما ذكر والنهي في قوله ولا يصام الخ للتحريم على الراجح "واليوم الرابع" من يوم النحر "لا يصومه متطوع ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك" كمن صام شوالا وذا القعدة عن كفارة ظهار أو قتل ثم مرض ثم صح في ليلة الرابع فإنه يصومه "ومن أفطر" بأكل أو شرب أو جماع "في نهار رمضان" حال كونه "ناسيا فعليه القضاء فقط" وجوبا ويجب عليه الإمساك احترز بنهار رمضان عما إذا أفطر ناسيا في التطوع فإنه لا قضاء عليه أي ويجب عليه الإمساك وعما إذا أفطر ناسيا في واجب غير رمضان فإنه لا قضاء عليه على المشهور واحترز بناسيا عما إذا كان فطره عمدا فإن عليه مع القضاء الكفارة واحترز بقوله فقط عن الكفارة لأنه لا كفارة عليه خلافا لابن الماجشون وأحمد أن عليه الكفارة إذا كان فطره بجماع لحديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ وهو يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكت وأهلكت, فقال له النبي ﷺ : "وما ذاك؟ " أي شيء سبب ذاك, قال: جامعت أهلي في رمضان فأمره بالكفارة أجاب عنه السادة المالكية بأن قرينة الحال من الضرب والنتف تدل على أن الجماع كان عمدا "وكذلك" يجب على "من أفطر فيه" أي في نهار رمضان "لـ" أجل "ضرورة من مرض" يشق معه الصوم أو لا يشق
стр. 321
ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فله أن يفطر وإن لم تنله ضرورة وعليه القضاء والصوم أحب إلينا ومن سافر أقل من أربعة برد فظن أن الفطر مباح له فأفطر فلا كفارة عليه وعليه القضاء وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه
ــ
لكن يخاف معه طول المرض أو زيادته أو تأخر برء القضاء فقط من غير كفارة أما إذا كان المرض لا يشق معه الصوم ولا يخاف زيادة المرض ولا تأخر البرء وأفطر فعليه القضاء والكفارة "ومن سافر سفرا" أي تلبس بسفر وقت انعقاد النية بأن وصل إلى محل بدء القصر قبل طلوع الفجر "تقصر فيه الصلاة" بأن كان أربعة برد فأكثر ذاهبا أو راجعا ولم يكن سفر معصية وبات على الفطر "فـ" يباح "له أن يفطر" بأكل أو شرب أو جماع وبالغ على ذلك بقوله: "وإن لم تنله ضرورة" غير ضرورة السفر فمع الضرورة أحرى "و" مع إباحة الفطر للمسافر يجب "عليه القضاء" إذا أفطر من غير خلاف لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . "والصوم" في السفر "أحب إلينا" أي إلى المالكية لمن قوي عليه لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ويبيت الصيام في السفر كل ليلة "ومن سافر أقل من أربعة برد فظن" أي اعتقد "أن الفطر مباح له فأفطر" لذلك "فلا كفارة عليه" لأنه متأول وإنما يجب عليه القضاء فقط من غير خلاف ولو ذكر هذه المسألة بعد قوله وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه لكان أولى لأنها جزئية من هذه الكلية وظاهر كلامه أن المتأول لا كفارة عليه مطلقا وهو خلاف المشهور إذ المشهور التفصيل وهو إن كان التأويل قريبا وهو ما قوي سببه فلا
стр. 322
وإنما الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب أو جماع
ــ
كفارة عليه لأنه معذور باستناده إلى سبب قوي وإن كان التأويل بعيدا وهو ما لم يقو سببه فالكفارة فمن الصور التي قوي سببها الصورة التي ذكرها الشيخ ومنها من أفطر ناسيا ثم أفطر متعمدا ظانا الإباحة فهذا لا كفارة عليه ومنها من كان جنبا أو حائضا قبل الفجر ولم يغتسل من ذلك إلا بعد الفجر فظن أن صوم ذلك اليوم لا يلزم فأفطر عامدا فلا كفارة عليه ومنها من تسحر في الفجر فظن أن صوم ذلك اليوم لا يلزمه فأفطر بعد ذلك عامدا فلا كفارة عليه ومنها من قدم من سفره ليلا في رمضان فاعتقد أن صبيحة تلك الليلة لا يلزم فيها صوم وأن من شروط لزوم الصوم أن يقدم من سفره قبل غروب الشمس فأفطر فلا كفارة عليه ومن صور التأويل البعيد وهو ما ضعف فيه السبب أن يرى هلال رمضان ولم تقبل شهادته فظن أن الصوم لا يلزمه فأصبح مفطرا فهذا عليه الكفارة ومنها من عادته أن تأتيه الحمى في كل ثلاثة أيام فأصبح في اليوم الذي تأتي فيه مفطرا ثم إن الحمى أتته في ذلك اليوم فإنه يلزمه الكفارة وأولى إن لم تأته ومنها من عادتها الحيض في يوم معين فأصبحت ذلك اليوم مفطرة ثم جاءها الحيض في بقية ذلك اليوم ومنها من اغتاب شخصا في رمضان فظن أن ذلك أبطل صومه لأنه أكل لحم صاحبه فأفطر عامدا فعليه الكفارة وأولى القضاء "وإنما الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب" بالفعل فلو عزم على الأكل أو الشرب أو الجماع ولم يفعل فلا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة كمن عزم على أن ينقض وضوءه بريح مثلا ولم يفعل فلا وضوء عليه "أو جماع" من غير خلاف إن كان على سبيل الانتهاك وعلى المشهور إن كان بتأويل بعيد واحترز بالمتعمد من الناسي والجاهل أي
стр. 323
مع القضاء والكفارة في ذلك إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد بمد النبي ﷺ فذلك أحب إلينا
ــ
ناسي الحرمة وجاهلها وهو من لم يستند لشيء كحديث عهد بالإسلام يعتقد أن الصوم لا يحرم الجماع مثلا وجامع فلا كفارة عليه وأشار بقوله: "مع القضاء" إلى أن القضاء لازم للكفارة ففي كل موضع تلزم فيه الكفارة يلزم فيه القضاء ولما تقدم له ذكر الكفارة استشعر سؤال سائل قال له وما هي فقال: "والكفارة في ذلك" أي في الأكل والشرب والجماع عمدا في رمضان على وجه الانتهاك أو التأويل البعيد تكون بأحد أمور ثلاثة على وجه التخيير أحدها "إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد بمد النبي ﷺ " وهو وزن رطل وثلث بالبغدادي ابن بشير وهل يكون من عيش المكفر أو من غالب عيش الناس إن اختلف ذلك قال اللخمي يجري ذلك على الخلاف في الكفارة أي كفارة اليمين وفي زكاة الفطر والراجح فيها قوت أهل البلد ومفهوم قوله كالمدونة ستين الخ أنه لا يجزىء إعطاء ثلاثين مسكينا مدين مدين فإن أعطى لدون ستين استرجع من كل واحد منهم ما زاد على المد إن كان بيده وكمل الستين فإن ذهب ذلك فلا رجوع له لأنه هو الذي سلطهم على ذلك وليس المراد بالمسكين هنا ما يراد به في الزكاة أي من أنه الذي لا يملك شيئا بل المراد به المحتاج الشامل له وللفقير الذي لا يملك قوت عامه وكون كفارة رمضان واجبة على التخيير هو المشهور وعليه انبنى الخلاف في أي أنواعها الثلاثة أفضل والمشهور أنه الإطعام وإليه أشار الشيخ بقوله: "فذلك" أي الإطعام المذكور "أحب إلينا" أي إلى بعض أصحاب مالك وهو منهم لأنه أعم نفعا وثانيها العتق
стр. 324
وله أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة ومن أغمي عليه ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم
ــ
وإليه أشار بقوله: "وله أن يكفر بعتق رقبة" ويشترط فيها أن تكون كاملة غير ملفقة مؤمنة سليمة من العيوب كالعمى والبكم والجنون الخ محررة وتحريرها أن يبتدىء إعتاقها من غير أن تكون مستحقته بوجه وثالثها الصوم وإليه أشار بقوله: "أو صيام شهرين متتابعين" وتتعدد الكفارة بتعدد الأيام ولا تتعدد بتكررها في اليوم الواحد قبل إخراجها اتفاقا ولا بعد التكفير على المذهب "وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة" لأن الكفارة من خصائص رمضان وما ذكره لا خلاف فيه على ما قال ابن ناجي وإنما الخلاف هل يقضي يوما واحدا أو يومين الراجح أنه يقضي يومين كما قاله ابن عرفة.
"تنبيه": يصح قضاء رمضان متفرقا ومتتابعا والتتابع أحسن "ومن أغمي عليه" أي ذهب عقله "ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم" قال ابن حبيب ولا يؤمر بالكف عن الأكل بقية النهار والإغماء زوال العقل بمرض يصيبه كما في التحقيق والذي عول عليه شراح خليل وهو المعتمد أنه إن أغمي عليه كل النهار أو جله فلا بد من القضاء سلم أوله أو لا وإن أغمي عليه أقل من الجل الشامل للنصف فإن سلم أوله أجزأ وإلا فلا وقولنا سلم أوله أي سلم من الإغماء وقت النية ولو كان قبلها أغمي عليه حيث سلم قبل الفجر بمقدار إيقاعها وإن لم يوقعها على المعتمد حيث تقدمت له نية في تلك الليلة قبله باندراجها في نية الشهر وإلا فلا بد منها لعدم صحته بدون نية والسكران بحلال
стр. 325
ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقته وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله
ــ
كالمغمى عليه في التفصيل المذكور والسكران بحرام ليلا واستمر على سكره عليه القضاء من باب أولى ولم يجز له استعمال المفطر بقية يومه والنائم ينوي أول الشهر ثم ينام جميع الشهر صح صومه وبرئت ذمته "ولايقضي" من أغمي عليه ليلا وأفاق بعد طلوع الفجر "من الصلوات" المفروضة "إلا ما أفاق في وقته" وقد تقدم هذا في باب جامع الصلاة وإنما أعاده لينبه على أن الصوم يخالف الصلاة ألا ترى أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة لمشقة التكرار "وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه" قيل ينبغي في كلامه بمعنى الاستحباب وقيل بمعنى الوجوب ولا معارضة بين القولين فيحمل من قال بالوجوب على الكف عن المحرم ومن قال بالندب على الكف عن غير المحرم كالإكثار من الكلام المباح "وجوارحه" من عطف العام على الخاص وجوارحه سبعة السمع والبصر واللسان واليدان والرجلان والبطن والفرج وإنما صرح باللسان وإن كان داخلا فيها لأنه أعظمها آفة قيل ما من صباح إلا والجوارح تشكو اللسان ناشدناك الله إن استقمت استقمنا وإن انعوجت انعوجنا ودخل عمر على أبي بكر ﵁ فوجده يجذب لسانه فقال له مه يا أبا بكر فقال له ﵁ دعني فإنه أوردني الموارد فإذا كان أبو بكر يقول هذا فما ظنك بغيره وخص الشيخ الصائم بالذكر تأكيدا له فينبغي لأهل الفضل والصلاح أن يقلوا من الكلام فيما لا يعني "و" ينبغي للصائم أيضا أن "يعظم من شهر رمضان ما عظم الله" من زائدة المعنى ويعظم شهر رمضان الذي عظمه
стр. 326
سبحانه ولا يقرب الصائم النساء بوطء ولا مباشرة ولا قبلة للذة في نهار رمضان ولا يحرم ذلك عليه في ليله ولا بأس أن يصبح جنبا من الوطء
ــ
الله بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ الآية بقراءة القرآن والذكر والصيام والقيام والصدقة وسائر العبادات ويكره تعظيمه بالتزويق والوقود ونحو ذلك "ولا يقرب" بضم الراء وفتحها وهو الأفصح أي لكونها لغة القرآن كما قال التتائي "الصائم" فاعله و "النساء" مفعوله "بوطء ولا مباشرة ولا قبلة للذة" أما الوطء فحرام إجماعا وأما ما بعده فقيل حرام وقيل مكروه ويمكن أن يقال لا تنافي فتحمل الحرمة إذا لم تعلم السلامة والكراهة حيث علمت ومحصله أنه يكره للشيخ والشاب رجلا أو امرأة أن يقبل زوجته أو أمته وهو صائم أو يباشر أو يلاعب وكذلك أن ينظر أو يذكر إذا علم من نفسه السلامة من مني ومذي وإن علم عدم السلامة أو شك فيها حرمت ولا يحرم ذلك عليه في ليله إلا أن يكون معتكفا أو صائما في كفارة ظهار فيستوي عنده الليل والنهار فإن فعل شيئا من ذلك وهو صائم وسلم فلا شيء عليه وإن أنزل فعليه القضاء والكفارة "في نهار رمضان" ثم صرح بمفهوم هذا زيادة في الإيضاح فقال: "ولا يحرم ذلك" أي ما ذكر من الوطء والمباشرة والقبلة "عليه" أي على الصائم "في ليله" أي ليل رمضان لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية وإنما يستوي الليل والنهار في حق المعتكف وصائم كفارة الظهار "ولا بأس أن يصبح" الصائم "جنبا من الوطء" لا يقال إنه مكرر مع ما تقدم لأن ما قدمه لبيان كون الصوم صحيحا وما هنا لبيان
стр. 327
ومن التذ في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمذى لذلك فعليه القضاء وإن تعمد ذلك حتى أمنى فعليه الكفارة ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وإن قمت فيه
ــ
جواز الإصباح بالجنابة "ومن التذ في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمذى لذلك" أي للمباشرة أو القبلة ومثلهما الفكر والنظر فيجب القضاء بالمذي الناشىء عنهما أدام أو لا فليس في المذي إلا القضاء فقط نشأ عن مباشرة أو قبلة أو فكر أو نظر استدام ما ذكر أو لا "فعليه القضاء" وجوبا مفهومه أنه إذا لم يمذ لا قضاء عليه وإن أنعظ وهو ما رواه ابن وهب وأشهب عن مالك في المدونة وهو الراجح وقال ابن القاسم إذا حرك ذلك منه لذة وأنعظ كان عليه القضاء "وإن تعمد ذلك" أي المباشرة والقبلة "حتى أمنى فعليه" مع القضاء "الكفارة" على المشهور وسكت عن النظر والتذكر قال الفاكهاني إن تابع النظر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة وإن لم يتابعه فعليه القضاء فقط على المشهور وقال القابسي إذا نظر نظرة واحدة متعمدا فعليه القضاء والكفارة وصححه الباجي وحكم التذكر حكم النظر فإن تابع التذكر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة وإن لم يتابعه فعليه القضاء بلا كفارة.
"ومن قام رمضان إيمانا" أي تصديقا بالأجر الموعود عليه "واحتسابا" أي محتسبا أجره على الله تعالى يدخره له في الآخرة لا يفعل ذلك رياء ولا سمعة "غفر له ما تقدم من ذنبه" والمراد بالذنوب التي يكفرها القيام الصغائر التي بينه وبين ربه وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله وحكم قيام رمضان الاستحباب ثم إن ثواب القيام لا يتقيد بالليل كله بل يحصل لكل من قام منه شيئا على قدر حاله من غير تحديد وإلى ذلك أشار بقوله: "وإن قمت فيه" أي في رمضان
стр. 328
بما تيسر فذلك مرجو فضله وتكفير الذنوب به والقيام فيه في مساجد الجماعات بإمام ومن شاء قام في بيته وهو أحسن لمن قويت نيته وحده وكان السلف الصالح يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة ثم يوترون بثلاث ويفصلون
ــ
"بما تيسر فذلك" القيام "مرجو فضله و" مرجو "تكفير الذنوب به" ظاهره كل الذنوب أي الصغائر فحينئذ يستوي القليل والكثير في تكفير كل الذنوب ولا يستبعد هذا على فضل الله واهب المنن "والقيام فيه" أي في رمضان يجوز فعله "في مسجد الجماعات" وفي كل ما يجتمعون فيه ويكون "بإمام" وجواز فعل التراويح بإمام مستثنى من كراهة صلاة النافلة جماعة المشار إليه بقول الشيخ خليل عطفا على المكروه وجمع كثير بنفل أو بمكان مشتهر لاستمرار العمل على الجمع فيها من زمن عمر بن الخطاب ومن سنته القيام أي من طريقته أي إن وقت القيام بعد عشاء صحيحة وشفق للفجر فوقته وقت الوتر "ومن شاء قام في بيته وهو أحسن" أي أفضل "لمن قويت نيته" يعني نشطت نفسه "وحده" ولم يكسل قال في المصباح كسل كسلا فهو كسل من باب تعب وكسلان أيضا وقيد بعضهم هذا بأن لا تعطل المساجد ولما فرغ من بيان المحل الذي يفعل فيه شرع يبين عدده فقال: "وكان السلف الصالح" وهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين "يقومون فيه" أي في زمن عمر بن الخطاب ﵁ "في المساجد بعشرين ركعة" وهو اختيار جماعة منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد والعمل الآن عليه "ثم" بعد قيامهم بالعشرين ركعة "يوترون بثلاث" أي ثلاث ركعات "ويفصلون
стр. 329
بين الشفع والوتر بسلام ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر وكل ذلك واسع ويسلم من كل ركعتين قالت عائشة ﵂ ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر
ــ
بين الشفع والوتر بسلام" وقال أبو حنيفة لا يفصل وخير الشافعي بين الوصل والفصل "ثم صلوا" أي السلف غير السلف الأول أي فهم سلف بالنسبة إلينا وقد تقدم أن السلف الأول الصحابة فيكون المراد بهذا السلف التابعين "بعد ذلك" أي بعد القيام بعشرين ركعة غير الشفع والوتر "ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر" وكان الآمر لهم بذلك عمر بن عبد العزيز لما في ذلك من المصلحة لأنهم كانوا يطيلون القراءة الموجبة للملل والسآمة فأمرهم بتقصير القراءة وزيادة الركعات والسلطان إذا نهج منهجا لا تجوز مخالفته والذي نحاه عمر بن عبد العزيز هو الذي اختاره مالك في المدونة وعنه أي مالك في غير المدونة فيما يظهر الذي يأخذ بنفسي في ذلك أي القيام والمعنى الحقيقي لهذا اللفظ الذي يأخذ نفسي ويتناولها فالباء زيادة لتأكيد ذلك ومن لازم ذلك التمكن فأطلق اللفظ وأراد لازمه أي الذي يتمكن في نفسي أن الذي جمع عليه عمر الناس إحدى عشرة ركعة منها الوتر وهي صلاة النبي ﷺ "وكل ذلك" أي القيام بعشرين ركعة أو بست وثلاثين ركعة "واسع" أي جائز "ويسلم من كل ركعتين" ولما بين قيام السلف استشعر سؤال سائل قال له هذا قيام السلف فما قيام النبي ﷺ فأجاب بقوله: "وقالت عائشة ﵂: ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر" ما ذكره
стр. 330
.................................................................................
ــ
عن عائشة مخالف لما في الموطأ عنها من قولها: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة أي ومخالف أيضا لما روي عنها من أن قيامه بخمس عشرة وسبع عشرة وروى غيرها من أزواجه ﷺ أنه رجع إلى تسع ثم إلى سبع ويمكن الجمع بينها بأن النبي ﷺ كان أول ما يبدأ إذا دخل بعد العشاء بتحية المسجد وإذا قام يتهجد افتتح ورده بركعتين خفيفتين لينشط وإذا خرج لصلاة الصبح ركع ركعتي الفجر فتارة عدت ما يفعله في ليله بتمامه وهو سبع عشرة بتسمح في عد ركعتي الفجر وتارة أسقطت ركعتي الفجر لأنهما ليستا من الليل فعدت خمس عشرة وتارة أسقطت تحية المسجد فعدت ثلاث عشرة وتارة أسقطت الركعتين الخفيفتين فعدت إحدى عشرة ركعة هكذا جمع بعضهم وقال في فتح الباري أو كانت هذه المراتب بحسب الأوقات أو الأعذار من مرض أو كبر سن والله أعلم.
стр. 331
باب في الاعتكاف .
والاعتكاف من نوافل الخير والعكوف الملازمة.
ــ
"باب في الاعتكاف" وإنما عقب الصيام بالاعتكاف لأنه شرع عقبه وبدأ بحكمه فقال: "والاعتكاف من نوافل الخير" المرغب فيها وأفضله في العشر الأواخر من رمضان لمواظبته ﵊ عليه أي على العشر الأواخر "والعكوف الملازمة" هذا معناه لغة وهو ملازمة الشيء وحبس النفس عليه وأما معناه شرعا فهو لزوم المسلم المميز المسجد للذكر والصلاة وقراءة القرآن صائما كافا عن الجماع ومقدماته يوما فما فوقه بنية وقد اشتمل هذا التعريف على أركانه أي التي هي الإسلام والتمييز وكونه في مسجد وكون المذكور ذكرا وصلاة وغير ذلك والكف عن
стр. 332
ولا اعتكاف إلا بصيام ولا يكون إلا متتابعا ولا يكون إلا في المساجد كما قال الله سبحانه: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فإن كان بلد فيه الجمعة فلا يكون إلا في الجامع إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة
ــ
الجماع ومقدماته والمراد بالأركان ما تتوقف حقيقة الشيء عليه وإلا فهو اللزوم المقيد بتلك القيود "ولا اعتكاف إلا بصيام" على المشهور فلا يصح من مفطر ولو لعذر خلافا لمن يقول يصح اعتكاف الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم وضعيف البنية ونحوهما ولا يشترط أن يكون الصوم للاعتكاف على المذهب وقال ابن الماجشون وسحنون لا بد من صوم يخصه فلا يجزىء في رمضان ويرده فعله ﷺ له في رمضان "و" من شرط الاعتكاف أن "لايكون إلا متتابعا" ما لم ينذره متفرقا فإن نذره كذلك لم يلزمه التتابع "ولا يكون" الاعتكاف "إلا في المساجد" فلا يصح في البيوت والحوانيت ونحوها "كما قال الله : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ " فيصح الاعتكاف في أي مسجد كان ولو كان غير المساجد الثلاثة في أي بلد كان "فإن كان بلد" بالرفع على أن كان تامة وبالنصب على أنها ناقصة اسمها ضمير فيها تقديره كان هو أي اعتكافه في بلد فيه الجمعة وهو ممن تلزمه الجمعة ونذر أياما تأخذه فيها الجمعة "فلا يكون" بمعنى لا يصح الاعتكاف "إلا في" المسجد "الجامع" في المكان الذي تصح فيه الجمعة فلا يصح على سطح المسجد ولا في بيت الخطابة ولا السقاية ولا بيت قناديله لكونها محجورا عليها فأشبهت الحوانيت والمستحب عجز المسجد لأنه أخفى للعباد "إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة" مثل ستة
стр. 333
وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه وإن نذر ليلة لزمه يوم وليلة ومن أفطر فيه متعمدا فليبتدئ اعتكافه وكذلك من جامع فيه ليلا أو نهارا ناسيا أو متعمدا
ــ
أيام فأقل فإنه يصح أن يعتكف في أي مسجد كان على المذهب "وأقل ما هو أحب" أي مستحب "إلينا" أي إلى المالكية على رأي "من الاعتكاف عشرة أيام" وأكمله شهر وتكره الزيادة عليه وعلى رأي أقله يوم وليلة وأكمله عشرة أيام وما زاد عليها مكروه أو خلاف الأولى "ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه" ما نواه ظاهره أنه إذا نذر يوما لا يلزمه ليلته ومذهب المدونة خلافه أي إذا نذر يوما يلزمه يوم وليلة فإن قلت هذا مشكل إذ كيف يلزم مع أنه مكروه لأن المدونة صرحت بكراهة ما دون العشرة على القول بأن أقل مستحبه عشرة ويجاب عنه بما قيل في ناذر رابع النحر فإنه يلزمه مع أنه مكروه وذكره الأجهوري "وإن نذر ليلة لزمه يوم وليلة" على المشهور وعن سحنون البطلان لأن من نذر الاعتكاف ليلا فقد نواه بغير شرطه فلا يصح ثم شرع يتكلم على مفسدات الاعتكاف فقال: "ومن أفطر فيه" أي اعتكافه بأكل أو شرب "متعمدا فليبتدئ اعتكافه" ظاهر كلامه التفريق بين العامد والناسي وهو كذلك في المدونة ومثل الفطر ناسيا المرض والحيض أي فإذا أكل ناسيا أو مرض أو حاضت فلا يبتدئه لعدم بطلانه ويقضيه بعد زوال عذره الذي حصل فيه الفطر "وكذلك" يبتدئ اعتكافه "من جامع فيه ليلا أو نهارا ناسيا أو متعمدا" زاد في المدونة أو قبل أو باشر أو لمس قال ابن ناجي ظاهره وإن
стр. 334
وإن مرض خرج إلى بيته فإذا صح بنى على ما تقدم وكذلك إن حاضت المعتكفة وحرمة الاعتكاف عليهما في المرض وعلى الحائض في الحيض فإذا طهرت الحائض أو أفاق المريض في ليل أو نهار رجعا ساعتئذ
ــ
لم تحصل لذة وقيدها أبو الحسن بقوله يريد إذا وجد لذة أو قصدها ولم يجدها "وإن مرض" المعتكف مرضا يمنعه من المكث في المسجد أو من الصوم خاصة دون المكث في المسجد "خرج" منه "إلى بيته" أي وجوبا مع المرض المانع من المكث في المسجد وجوازا مع المانع من الصوم فقط وفي الرجراجي أنه يجب عليه المكث في المسجد "فإذا صح" من مرضه رجع إلى المسجد "ويبني على ما تقدم" من الاعتكاف المراد بالبناء في كلامه الإتيان ببدل ما فات بالعذر سواء كان على وجه القضاء بأن كانت أياما معينة وفاتت أو لا على وجه القضاء بأن كانت الأيام غير معينة بل مضمونة "وكذلك" الحكم "إن حاضت المعتكفة" أو نفست فإنها تخرج وتبني على ما تقدم "وحرمة الاعتكاف" مستمرة "عليهما" فلا يجوز لهما أن يفعلا خارج المسجد ما ينافي الاعتكاف إلا الفطر وقوله: "في المرض" عائد على المريض وقوله: "وعلى الحائض في الحيض" عائد على الحيض إلا أنه لو قال في المرض والحيض لكان أحسن ليسلم من التكرار إذ قوله وعلى الحائض مكرر باعتبار دخولها في عليهما لأنه عائد على المريض والحائض "فإذا طهرت الحائض" بمعنى أنها رأت علامة الطهر واغتسلت "أو أفاق المريض" من مرضه سواء حصل لهما ذلك "في ليل أو نهار رجعا" وفي نسخة رجع أي كل من الحائض والمريض "ساعتئذ" أي ساعة إذ طهرت
стр. 335
إلى المسجد ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لحاجة الإنسان وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه ولا يعود مريضا
ــ
الحائض من الحيض بعد غسلها أو أفاق المريض من مرضه "إلى المسجد" وإن لم يرجعا حينئذ ابتدأ على المشهور وإذا رجعا نهارا لا يعتد بذلك اليوم لتعذر الصوم فيه "ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لحاجة الإنسان" وهي كل ما يحمله على الخروج من بول وغائط وغسل جمعة وعيد ووضوء وغسل جنابة وأكل وشرب بشرط أن لا يتجاوز محلا قريبا إلى ما هو أبعد وإلا فسد اعتكافه وبشرط أن لا يشتغل مع أحد بالمحادثة وإلا فسد اعتكافه أيضا ثم شرع يبين الوقت الذي يبتدىء منه الاعتكاف فقال: "وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه" وهذا الأمر على جهة الاستحباب وانظر مع ما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه ويجاب عنه بأنه دخل من أول الليل وإنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لاعتكافه بعد صلاة الصبح والمراد بمعتكفه الخباء الذي تضربه له السيدة عائشة وكان ﷺ يصلي الصبح ثم يدخله "ولا يعود مريضا" أي أنه ينهى المعتكف في مدة اعتكافه عن عيادة المريض مالم يكن أحد أبويه أو هما معا فيجب أن يخرج لبرهما لوجوبه بالشرع ويبطل اعتكافه ولا يجوز له أن يخرج لجنازة أبويه معا فإن خرج بطل اعتكافه وأما لجنازة أحدهما فيخرج وجوبا لما في عدم الخروج من عقوق الحي أي أنه مظنة لذلك ولا
стр. 336
ولا يصلي على جنازة ولا يخرج لتجارة ولا شرط في الاعتكاف
ــ
كذلك في موتهما معا ويبطل اعتكافه وهذا في الأبوين دنية ولوكافرين "ولا يصلي على جنازة" ولو وضعت بلصقه أي ولو جنازة جار أو صالح فالكراهة على كل حال فإن عاد مريضا في المسجد أو صلى على جنازة فيه لم يبطل اعتكافه "ولا يخرج لتجارة" قال ابن عمر: هل قوله: ولا يخرج لتجارة خرج مخرج الغالب لأن التجارة إنما تكون في الأسواق فينهى عن التجارة في المسجد وخارجه أو نقول إنه لم يخرج مخرج الغالب فيجوز له أن يفعل ذلك في المسجد اهـ الراجح الاحتمال الأول الموافق لما قاله الأقفهسي إن عقد على سلعة داخل المسجد لم يفسد اعتكافه وكذا خارجه بين يديه وأما إذا خرج عن ذلك بطل اعتكافه إلا إن كان بسمسار منع من غير خلاف وإن كان بغير سمسار فإن كان شيئا يسيرا جاز من غير كراهة وإن كان كثيرا كره ولا يفسد الاعتكاف في الوجهين أي كان بسمسار أم لا كما أنه لا يفسخ المبيع من غير خلاف أي سواء في قسم الحرمة أو الكراهة ولا يتوهم ذلك في صورة الجواز ويجوز له الخروج لغير التجارة مما لا يستغنى عنه ولو خارجه ببعد بحيث لا يتجاوز محلا قريبا يمكن الشراء منه وبشرط أن لا يجد من يشتري له ومعنى قوله: "ولا شرط في الاعتكاف" أنه لا يجوز الشرط فيه ظاهره الحرمة مثل أن يقول أعتكف عشرة أيام فإن بدا لي رأي في الخروج خرجت أو يقول أعتكف الأيام دون الليالي أو العكس وكذا لو شرط إن عرض له أمر يوجب القضاء فلا قضاء عليه لم يفده ولا فرق في ذلك بين أن يشترط قبل دخول المعتكف أو بعده فإن وقع شيء من ذلك بطل الشرط وصح الاعتكاف وانظر هل
стр. 337
ولا بأس أن يكون إمام المسجد وله أن يتزوج أو يعقد نكاح غيره ومن اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج
ــ
أراد بقوله: "ولا بأس أن يكون إمام مسجد" إن تركه أحسن أي فيكره كونه إماما للمسجد أو أشار به إلى من يقول لا يكون إمام المسجد أي للرد عليه فقد حكى ابن وضاح عن سحنون أنه لم يجز للمعتكف أن يكون إماما في الفرض والنفل أي بل يجوز أن يكون إمام المسجد جوازا مستوي الطرفين على ما قال ابن ناجي أو يستحب أن يكون إماما راتبا وهو المعتمد أو إنما أخبر بالجواز أي بدون أن يكون قصده الرد قال أبو عمران إنما أخبر بالجواز وقد نص في المختصر على كراهة كونه إماما راتبا وانظره مع ما صح أن النبي ﷺ كان يعتكف وهو الإمام اهـ ولا يخفاك ضعف ما في المختصر واعتماد القول بالاستحباب الموافق للحديث "وله" أي ويباح للمعتكف "أن يتزوج" بمعنى يعقد لنفسه "أو يعقد نكاح غيره" وقيده في المدونة بأن يغشاه وهو في مجلسه أي يتلبس به وهو في مجلسه وأما لو كان بغير مجلسه فإن كان في المسجد كره وإن كان خارجه حرم وبطل اعتكافه وهو مقيد أيضا بأن لا يطول التشاغل به وإلا كره سواء كان زوجا أو وليا فإن قيل المحرم ممنوع من عقد النكاح فما الفرق بينه وبين المعتكف مع أن كلا منهما في عبادة يمنع فيها الوطء وأجيب بأجوبة منها أن الأصل جواز عقد النكاح لكل أحد خرج المحرم بقوله ﷺ : "المحرم لا ينكح ولا ينكح", بالفتح في الأول أي لا يعقد لنفسه وبالضم في الثاني أي لا يعقد لغيره وبقي ما عداه على الأصل وهو الجواز "ومن اعتكف أول الشهر" يعني أول شهر من الشهور غير رمضان أو وسطه "خرج" بمعنى جاز له
стр. 338
من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى.
ــ
الخروج "من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره" أي من آخر أيام اعتكافه من غير خلاف في المذهب هذا إن اعتكف بزمن غير رمضان وأما إن كان اعتكافه في رمضان فقد أشار إليه الشيخ بقوله: "وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر" يعني أن من اعتكف بزمن يكون آخره غروب الشمس ليلة عيد الفطر فليبت تلك الليلة على جهة الاستحباب "في المسجد" أي الذي اعتكف فيه "حتى يغدو منه إلى المصلى" لفعله ﵊ أي وليصل عبادة بعبادة.
стр. 339
باب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين .
ــ
"باب في زكاة العين" أي في بيان حكم القدر الذي تجب فيه الزكاة والقدر المخرج منه "و" في بيان حكم "الحرث" وبيان القدر الذي تجب فيه الزكاة وبيان القدر المخرج "و" في بيان حكم "الماشية و" بيان "ما" أي القدر الذي تجب فيه الزكاة مما "يخرج من المعدن" وبيان القدر المخرج منه "و" في بيان "ذكر الجزية" أي ذكر من تؤخذ منه ومن لا تؤخذ منه والقدر الذي يؤخذ منها "و" في بيان "ما" أي القدر الذي "يؤخذ من تجار" بالضم والتشديد جمع تاجر كفاجر فجار وبالكسر والتخفيف كصاحب وصحاب "أهل الذمة والحربيين" وتبرع في هذا الباب بالكلام
стр. 340
وزكاة العين والحرث والماشية فريضة فأما زكاة الحرث
ــ
على شيئين الركاز وزكاة العروض أي ذكرهما ولم يترجم لهما والزكاة لغة النمو والزيادة يقال زكا الزرع وزكا المال إذا كثر وشرعا مال مخصوص يؤخذ من مال مخصوص إذا بلغ قدرا مخصوصا في وقت مخصوص يصرف في جهات مخصوصة ووجه تسميته زكاة أن فاعلها يزكو بفعلها عند الله تعالى أي يرفع حاله أي مرتبته بذلك عنده يشهد له قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وبدأ الشيخ ﵀ بالحكم فقال: "وزكاة العين" وهو الذهب والفضة والتذكير باعتبار الخبر وإنما سمي ما ذكر من الذهب والفضة بذلك أي بالعين أي باسم العين لشرفه أي لشرف ما ذكر كما أن العين شريفة ويسمى نقدا أيضا "والحرث" وهو المقتات المتخذ للعيش غالبا "والماشية" وهي الإبل والبقر والغنم "فريضة" فرضت في العام الثاني من الهجرة ودليل فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع من جحد وجوبها فهو كافر ومن أقر بوجوبها وامتنع من أدائها ضرب وأخذت منه كرها وتجزئه ولا يكفر وعن ابن حبيب يكفر واستبعد ولها شروط وجوب وشروط صحة أما الأولى فسبعة في الجملة وإنما كانت سبعة في الجملة لأن عد الإسلام من شروط الوجوب مبني على عدم خطاب الكفار بفروع الشريعة والأصح خطابهم بها فيكون الإسلام شرط صحة الإسلام والحرية والنصاب والملك والحول في غير المعادن والمعشرات وعدم الدين في العين ومجيء الساعي في الماشية إذا كان ثم سعاة وأمكنهم الوصول وأما الثانية فأربعة النية وتفرقتها بموضع وجوبها وإخراجها بعد وجوبها ودفعها للإمام العدل في أخذها وصرفها إن كان أو لأربابها وهم الأصناف الثمانية المشار لها بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ الخ ثم بين وقت وجوب زكاة الحرث بقوله: "فأما زكاة الحرث
стр. 341
فيوم حصاده والعين والماشية ففي كل حول مرة ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق
ــ
فيوم حصاده" بفتح الحاء وكسرها اعلم أن في الحبوب قولين وفي الثمار ثلاثة أقوال الأول لمالك قال إذا أزهت النخل وطاب الكرم واسود الزيتون أو قارب وأفرك الزرع واستغنى عن الماء وجبت فيه الزكاة قال ابن عبد السلام وهو المشهور والثاني لابن مسلمة أنها لا تجب في الزرع إلا بالحصاد ولا تجب في التمر إلا بالجذاذ واحتج بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وهذا معنى قوله بالحصاد والجذاذ والثالث خاص بالتمر أنها لا تجب إلا بالخرص وهو للمغيرة وترتيب هذه الأشياء في الوجود وهو أن الطيب أولا ثم الخرص ثم الجذاذ وأن الإفراك أولا ثم الحصاد "و" أما "العين" غير المعدن والركاز "والماشية" فتجب أي في كل منهما "في كل حول مرة" أي بعد تمام الحول قال زروق وشرط الماشية بعد الحول مجيء الساعي على المشهور إن كان ويصل وإلا وجبت بالحول اتفاقا وعلى المشهور لو أخرجت قبل مجيئه حيث يكون لم تجز ثم بين قدر النصاب الذي تجب فيه الزكاة من الحرث بقوله: "ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق" لما صح أنه ﷺ قال: "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق". قال ابن عمر: انظر هل تدخل القطاني في الحب والزبيب والزيتون في التمر أم لا بعض الشراح أدخلها في الحب وجعل الحب شاملا لما عدا التمر الذي هو تسعة عشر نوعا وهي القمح والشعير والسلت والأرز والدخن والذرة والعلس والقطاني السبعة التي هي العدس واللوبيا والفول والحمص والترمس والبسيلة والجلبان وذوات الزيوت وهي حب الفجل الأحمر والسمسم المعبر
стр. 342
وذلك ستة أقفزة وربع قفيز والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ وهو أربعة أمداد بمده ﵊ ويجمع القمح والشعير والسلت في الزكاة
ــ
عنه بالجلجلان والقرطم والزيتون والزبيب فهي بالتمر عشرون نوعا فلا تجب الزكاة في غيرها من بزر الكتان أو سلجم أو غير ذلك وقد ذكروا للأوسق الخمسة ضابطين أحدهما بالكيل والآخر بالوزن أما الأول فبينه الشيخ بقوله: "وذلك" أي الخمسة أوسق "ستة أقفزة وربع قفيز أقفزة" جمع قفيز وهو ثمانية وأربعون صاعا "والوسق" بفتح الواو وكسرها واحد أوسق كفلس وأفلس وهو لغة ضم شيء إلى شيء قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي ضم وجمع أي من الظلمة والنجم أو لما عمل فيه واصطلاحا "ستون صاعا بصاع النبي ﷺ وهو" أي صاع النبي ﷺ "أربعة أمداد بمده ﵊" وقد حرر النصاب أي في سنة سبع وأربعين وسبعمائة بمد معير على مد النبي ﷺ فوجد ستة أرادب ونصفا ونصف ويبة بأرادب القاهرة والإردب ست ويبات والويبة ستة عشر قدحا ثم إن القدر المأخوذ يختلف باختلاف المأخوذ منه فإن كان المأخوذ منه حاصلا بعناء ومشقة كما لو سقي بالدواليب ففيه نصف العشر وإن كان بغير مشقة كما لو سقي بماء السماء ففيه العشر والأرض الخراجية وغيرها سواء في الزكاة ثم شرع يبين أن الأنواع تضم فإذا اجتمع من مجموعها نصاب زكيت وإلا فلا وأن الأجناس لا تضم فإذا لم يجتمع من كل جنس نصاب لا يزكى فمن الأول قوله: "ويجمع القمح والشعير والسلت" بضم السين ضرب من الشعير ليس له قشر كأنه حنطة بناء على أنها كلها جنس واحد وهو المنصوص في المذهب ولا مفهوم لقوله: "في الزكاة" لأن هذه
стр. 343
فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق فليزك ذلك وكذلك تجمع أصناف القطنية وكذلك تجمع أصناف التمر
ــ
الثلاثة في البيع أيضا جنس واحد على المشهور أي فيحرم التفاضل في بيع بعضها ببعض وما ذكره من الجمع محله إذا كانت زراعتها وحصادها في عام واحد أما إذا كانا في عامين أو أعوام فقيل المعتبر ما نبت في زمن واحد فيضاف بعضه إلى بعض ولا يضاف ما نبت في زمان إلى ما نبت في زمان آخر وقيل المعتبر الزراعة فإن زرع الثاني قبل حصاد الآخر ضم إليه وإلا فلا والأول لمالك في كتاب ابن سحنون والثاني لابن مسلمة وعليه اقتصر صاحب المختصر ثم بين فائدة الضم بقوله: "فإذا اجتمع من جميعها" أي جميع ما ذكر من القمح والشعير والسلت "خمسة أوسق فليزك ذلك" قال ابن عمر: فيخرج من كل ما ينوبه فيخرج الأعلى عن الأعلى والأدنى عن الأدنى والأوسط عن الأوسط فإذا أخرج الأعلى عن الأدنى أجزأه وإن أخرج الأدنى عن الأعلى لم يجزه فوقع الاتفاق في الحبوب أنه يخرج عن كل نوع ما ينوبه ووقع الاتفاق في المواشي أنه يخرج الوسط واختلف في التمر فقيل هو مثل المواشي وقيل مثل الحبوب ومنه أيضا قوله: "وكذلك يجمع أصناف القطنية" بكسر القاف وفتحها وأصلها من قطن بالمكان إذا أقام به فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها بناء على أنها جنس واحد في الزكاة وهو المذهب بخلاف البيع فإنها فيه أجناس وهي البسيلة والحمص بكسر الميم المشددة وفتحها والعدس والجلبان والفول والترمس واللوبيا والجلجلان بجيمين مضمومتين بعد كل جيم لام قاله شارح الموطأ وحب الفجل ومنه أيضا قوله: "وكذلك تجمع أصناف التمر" فإذا
стр. 344
وكذلك أصناف الزبيب والأرز والدخن والذرة كل واحد منها صنف لا يضم إلى الآخر في الزكاة وإذا كان في الحائط أصناف من التمر أدى الزكاة عن الجميع من وسطه ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق أخرج من زيته
ــ
اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها "وكذلك أصناف الزبيب" بجمع فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها "و" من الثاني "الأرز" فيه ست لغات إحداها ضم الهمزة والراء "والدخن" بضم الدال المهملة "والذرة" بضم الذال المعجمة "كل واحد" منها صنف على حدته "لا يضم إلى الآخر" على المذهب لتباين مقاصدها واختلاف صورها في الخلقة وقوله: "في الزكاة" إشارة لمن يقول إنها كلها صنف واحد في الربا أي فلا يجوز التفاضل بينها وهو قول ابن وهب والمشهور خلافه "وإذا كان في الحائط أصناف" ثلاثة "من التمر" جيد ورديء ووسط "أدى الزكاة عن الجميع من وسطه" على المشهور أما إن كان فيها نوع واحد أخذت منه جيدا كان أو رديئا وليس عليه أن يأتي بالوسط ولا بالأفضل منه وإن كان فيها جيد ورديء أخذت من كل ما يصيبه بحصته ولو كان الرديء قليلا لأن الأصل أن تؤخذ زكاة كل عين من أصله لقوله ﷺ : "زكاة كل مال منه" فخصته السنة بالماشية أي فأخرجت السنة من عمومه الماشية بسبب أنها تؤخذ من الوسط وبقي ما سواه على الأصل "ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق" أي مقدرة الجفاف وقال ابن وهب لا زكاة فيه ولا في كل ما له زيت ابن عبد السلام وهو الصحيح على أصل المذهب أي صحة جارية على قاعدة المذهب وهو أن كل ما لا يقتات لا زكاة فيه قال في التحقيق وهو
стр. 345
ويخرج من الجلجلان وحب الفجل من زيته فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله ولا زكاة في الفواكه والخضر
ــ
وإن لم يقتت فله مدخل فيه إذ هو مصلح للقوت وعلى القول بأنه يزكى أخرجت زكاته من زيته لا من حبه على المشهور ولا يشترط في الزيت بلوغه نصابا بالوزن وإنما الشرط بلوغ الحب نصابا كما صرح به الشيخ وحكى ابن الحاجب الاتفاق عليه فلو أخرج من حبه لم يجزه "و" كذلك "يخرج من الجلجلان" وهو السمسم "و" في "حب الفجل" ونحوهما مما يعصر "من زيته" إذا بلغ حبه خمسة أوسق "فإن باع ذلك" أي الزيتون وما بعده "أجزأه أن يخرج من ثمنه" كان الثمن نصابا أم لا وإنما يراعى نصاب الحب خاصة لا نصاب الثمن قال بعضهم إنما قال: "إن شاء الله" لضعف هذا القول ومنهم من قال: إنما قال ذلك لقوة الخلاف فيه والذي في المختصر وشرحه أن الزيتون ونحوه إن كان له زيت أخرج من زيته وإن لم يكن له زيت كزيتون مصر أخرج من ثمنه وكذلك ما لا يجف كرطب مصر وعنبها والفول الأخضر يزكى من ثمنه وإن بيع بأقل مما تجب فيه الزكاة بشيء كثير إذا كان خرصه خمسة أوسق وإن نقص عنها لم يجب فيه شيء وإن بيع بأكثر مما تجب فيه الزكاة بأضعاف "ولا زكاة في الفواكه" الخضرة كالتفاح والمشمش "و" لا في "الخضر" لما صح عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر وفيما سقي بالنضح أي بالماء الذي ينضحه الناضح أي يحمله البعير من نهر أو بئر لسقي الزرع ولكن المقصود هنا ما سقي بآلة نصف العشر" وإنما ذلك في التمر
стр. 346
ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا فإذا بلغت عشرين دينارا ففيها نصف دينار ربع العشر فما زاد فبحساب ذلك وإن قل ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم وذلك خمس أواق والأوقية أربعون درهما من وزن سبعة أعني أن السبعة دنانير وزنها عشرة دراهم
ــ
والحنطة والحبوب وأما القثاء والبطيخ فمعفو أي فشيء معفو عنه عفا عنه رسول الله ﷺ "ولازكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا فإذا بلغت" الدنانير "عشرين دينارا ففيها نصف دينار" وقوله: "ربع العشر" تفسير لنصف الدينار "فما زاد" على العشرين دينارا "فـ" يخرج منه "بحساب ذلك" أي ما زاد "وإن قل" فلا يشترط بلوغه أربعة دنانير في الذهب ولا أربعين درهما في الفضة واشترط ذلك أبو حنيفة: "ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم وذلك" أي المائتا درهم "خمسة أواق" بحذف الياء وثبوتها مخففة ومشددة جمع أوقية "والأوقية" بضم الهمزة وتشديد الياء زنتها "أربعون درهما" بالدرهم الشرعي وهو الدرهم المكي وقد تقدم أن زنته خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير المتوسط إلى آخره ويقال له درهم الكيل لأن به تتحقق المكايل الشرعية إذ تركب منها الأوقية والرطل والمد والصاع أفاده في التحقيق "من وزن سبعة أعني أن السبعة دنانير" شرعية "وزنها عشرة" أي وزن عشرة "دراهم" شرعية وذلك أنك إذا اعتبرت ما في سبعة دنانير وما في عشرة دراهم من درهم الكيل وجدتهما واحدا لأن وزن الدرهم كما تقدم خمسون حبة وخمسا
стр. 347
فإذا بلغت هذه الدراهم مائتي درهم ففيها ربع عشرها خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك ويجمع الذهب والفضة في الزكاة فمن كان له مائة درهم وعشرة دنانير فليخرج من كل مال ربع عشره ولا زكاة في العروض
ــ
حبة من الشعير المتوسط وكل دينار وزنه اثنتان وسبعون حبة فإذا ضربت عشرة في خمسين خرج من ذلك خمسمائة وتبقى الأخماس وهي عشرون خمسا بأربع حبوب فهذه خمسمائة وأربع حبوب وإذا ضربت سبعة في اثنين وسبعين يخرج من ذلك خمسمائة وأربع حبوب فاتفق السبعة دنانير والعشرة دراهم في عدد الحبوب وكرر قوله: "فإذا بلغت" الدراهم "من هذه الدراهم مائتا درهم" صوابه مائتي درهم ليرتب عليه قوله: "ففيها ربع عشرها" وهو "خمسة دراهم فما زاد" على المائتي درهم "فبحساب ذلك ويجمع الذهب والفضة في الزكاة" لفعله ﵊ ذلك بينه في التحقيق بقوله وروي عن بكير بن عبد الله بن الأشج أنه قال مضت السنة أن النبي ﷺ ضم الذهب إلى الفضة والفضة إلى الذهب وأخرج الزكاة عنهما ثم فرع على الجمع فقال: "فمن له مائة درهم وعشرة دنانير فليخرج من كل مال ربع عشره" فالجمع بالأجزاء لا بالقيمة أي بالتجزئة والمقابلة بأن يجعل كل دينار بعشرة دراهم ولو كانت قيمته أضعافها كما لو كان له مائة درهم وعشرة دنانير أو مائة وخمسون وخمسة دنانير فلو كان له مائة وثمانون درهما ودينار يساوي عشرين درهما فلا يخرج شيئا ويجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر على المشهور "ولازكاة في العروض"
стр. 348
حتى تكون للتجارة فإذا بعتها بعد حول فأكثر من يوم أخذت ثمنها أو زكيته ففي ثمنها الزكاة لحول واحد
ــ
المراد بها في هذا الباب الرقيق والعقار والرباع والثياب والقمح وجميع الحبوب والثمار والحيوان إذا قصرت عن النصاب وهي إما للقنية ولا زكاة فيها اتفاقا وإما للتجارة ففيها الزكاة اتفاقا وإما للإدارة وستأتي وإما للاحتكار وهي التي يترصد بها الأسواق لربح وافر ولوجوب الزكاة فيها شروط أحدها النية وإليه أشار بقوله: "حتى" أي إلا أن "تكون للتجارة" أي ينوي بها التجارة فقط أو التجارة مع القنية أو الغلة احترازا من عدم النية كأن يعاوض بها الظاهر قراءته بالفتح أي كأن تدفع عوضا له في مقابلة شيء يعطيه أو تكون له نية مضادة لنية التجارة كالقنية فقط أو الغلة فقط أو هما معا فلا زكاة إذن.
ثانيها: أنه يترصد بها الأسواق أي يمسكها إلى أن يجد فيها ربحا جيدا وأخذ هذا من قوله فإذا بعتها بعد حول فأكثر.
ثالثها: أن يملكها بمعاوضة وأخذ هذا من قوله: "من يوم أخذت ثمنها أو زكيته" احترازا من أن يملكها بإرث أو هبة ونحو ذلك فإنه لا زكاة فيها إلا بعد حول من يوم قبضت ثمنها ولو أخر قبضه هروبا من الزكاة.
رابعها: أن يبيعها بعين لا إن لم يبعها أصلا أو باعها بغير عين إلا أن يقصد ببيعه بغير العين الهروب من الزكاة ولا فرق في البيع بين أن يكون حقيقة وهو ظاهر أو مجازا بأن يستهلكه شخص ويأخذ التاجر قيمته ولا بد أن يكون المباع به نصابا لأن عروض الاحتكار لا تقوم بخلاف المدير فيكفي في وجود الزكاة في حقه مطلق البيع ولو كان ثمن ما باعه أقل من نصاب لأنه يجب عليه تقويم بقية عروضه وأخذ هذا الشرط من قوله: "ففي ثمنها الزكاة لحول واحد" احترازا من أن يبيعها بعرض فإنه لا يزكى. خامسها:
стр. 349
أقامت قبل البيع حولا أو أكثر إلا أن تكون مديرا لا يستقر بيدك عين ولا عرض فإنك تقوم عروضك كل عام وتزكي ذلك مع ما بيدك من العين وحول ربح المال حول
ــ
مضي حول من يوم زكى الأصل أو ملكه وسكت عن شرط وهو أن يكون أصل ذلك العرض عينا اشتراه بها ولو كانت أقل من نصاب أو عرض ملك بمعاوضة ولو للقنية ثم باعه واشترى به ذلك العرض لقصد التجارة "أقامت قبل البيع حولا أو أكثر" احترازا من أن يبيعها قبل تمام الحول فلا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول ثم انتقل يتكلم على عروض الإدارة وهي التي تشترى للتجارة وتباع بالسعر الواقع ولا ينتظر بها سوق نفاق البيع ولا سوق كساد الشراء كسائر أرباب الحوانيت المديرين لسلع فقال مستثنيا من قوله ففي ثمنها الزكاة لحول واحد "إلا أن تكون مديرا لا يستقر" أي لا يثبت "بيدك عين ولا عرض" بل تبيع بالسعر الحاضر وتخلفها ولا تنتظر سوق نفاق البيع ولا سوق كساد الشراء "فإنك تقوم عروضك كل عام" كل جنس بما يباع به غالبا في ذلك الوقت قيمة عدل على البيع المعروف دون بيع الضرورة لأن بيع الضرورة يكون بالرخص الفاحش فالديباج وشبهه كالثياب القطن الرفيعة والرقيق والعقار يقوم بالذهب والثياب الغليظة واللبيسة أي الملبوسة أي التي شأنها كثرة اللبس تقوم بالفضة وابتداء التقويم أي ابتداء حول التقويم عند أشهب من يوم أخذ في الإدارة وقال الباجي من يوم زكى الثمن أو من يوم إفادته واستظهره بعضهم وهو ظاهر قول الرسالة من يوم أخذت ثمنها أو زكيته "و" بعد أن تفرغ من التقويم "تزكي ذلك" أي الذي قومته
стр. 350
أصله وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات ومن له مال تجب فيه الزكاة وعليه دين مثله أو ينقصه عن مقدار مال الزكاة
ــ
من العروض بشرط أن ينض من أثمانها أي العروض المدارة شيء ما ولو درهما ولا فرق بين أن ينض له شيء في أول الحول أو في آخره أما إذا لم ينض له شيء أو نض له بعد الحول بشهر مثلا فإنه يقوم حينئذ وينتقل حوله إلى ذلك الشهر ويلغى الزائد على الحول وكذا يزكي المدير النقد إن كان معه وإليه أشار بقوله: "مع ما بيدك من العين" وكذلك يزكي عن دينه النقد الحال المرجو "وحول ربح المال حول أصله" ظاهره كان الأصل نصابا أم لا وهو كذلك على المشهور مثاله أن يكون عنده دينار أقام عنده أحد عشر شهرا ثم اشترى به سلعة باعها بعد شهر بعشرين فإنه يزكي الآن أي حين بيعه بعد شهر مضاف إلى إقامتها عنده أحد عشر شهرا ويصير حوله ثاني عام من يوم التمام "وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات" والأصل في هذا قول عمر ﵁ عد عليهم السخلة بحملها ولا تأخذها والربح كالسخال والسخلة تطلق على الذكر والأنثى من أولاد الضأن والمعز ساعة تولد والجمع سخال إلا أن المراد الصغيرة "ومن له مال" يعني من العين "تجب فيه الزكاة" مثل أن يكون عنده عشرون دينارا "وعليه دين" بعوض سواء كان عرضا أو طعاما أو ماشية أو غيرها وسواء كان حالا أو مؤجلا "مثله" أي مثل الذي له وهو عشرون دينارا "أو" عليه دين "ينقصه" أي ينقص المال الذي معه "عن مقدار مال الزكاة" أي القدر الذي تجب فيه الزكاة مثل أن يكون عنده عشرون
стр. 351
فلا زكاة عليه إلا أن يكون عنده مما لا يزكى من عروض مقتناة أو رقيق أو حيوان مقتناة أو عقار أو ريع ما فيه وفاء لدينه
ــ
وعليه نصف دينار مثلا "فلا زكاة عليه" في الصورتين وظاهر كلام الشيخ أن الدين يسقط الزكاة ولو كان مهر امرأته التي في عصمته وأخرى إذا كانت مطلقة وعليه مهرها وهو الراجح من أحد التشهيرين وعلى التشهير الآخر لا يسقطها وعلى المشهور أيضا أن الدين يسقط الزكاة ولو دين زكاة بخلاف ديون النذور والكفارات فإنها لا تسقط الزكاة والفرق أن دين الزكاة تتوجه المطالبة به من الإمام العادل وتؤخذ الزكاة ولو كرها ولا كذلك النذور والكفارات ثم استثنى من عموم ما تقدم مسألة فقال: "إلا أن يكون عنده" أي عند من له مال فيه الزكاة وعليه دين مثله أو دين ينقصه عن مال الزكاة شيء "مما لا يزكى من عروض مقتناة" تقدم أن المراد بها هنا الرقيق والعقار والرباع والثياب وجميع الحبوب والثمار والحيوان القاصرة عن النصاب بل لو كان عنده حبوب أو أثمار أو حيوان زكيت فإنه يجعلها في مقابلة ما عليه من الدين ويزكي فقوله: "أو رقيق أو حيوان مقتناة أو عقار" بالفتح مخففا وهي الأصول الثابتة وإن لم يكن لها عتبة كالأرض الساحة "أو ربع" وهو ما له عتبة كالدور من عطف الخاص على العام "ما" اسم يكون بمعنى شيء وخبرها الظرف المتقدم ومما لا يزكى الخ بيان لما ففي كلامه تقديم وتأخير تقديره أن من له مال تجب فيه الزكاة وعليه دين مثله أو ينقصه عن مال الزكاة فإن الزكاة تسقط عنه إلا أن يكون عنده شيء "فيه وفاء لدينه" مما لا تجب فيه الزكاة من
стр. 352
فليزك ما بيده من المال فإن لم تف عروضه بدينه حسب بقية دينه فيما بيده فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية
ــ
عروض القنية "فلـ" يجعله في مقابلة ما عليه من الدين بشرط أن يحول عليها الحول وحول كل شيء بحسبه فحول المعشر طيبه والمعدن خروجه وأن تكون مما يباع مثله في الدين و "يزك ما بيده من المال" هذا إذا وفت عروضه بدينه "فإن لم تف عروضه بدينه حسب بقية دينه فيما" أي الذي "بيده" من المال "فإن بقي بعد ذلك" أي بعد أن يحسب بقية دينه مما بيده "ما" أي شيء "فيه الزكاة زكاه" مثاله أن يكون عنده ثلاثون دينارا وعليه عشرون دينارا وعنده من العروض التي تباع في الدين وحال عليها الحول ما يفي بعشرة تبقى عشرة يأخذها من الثلاثين ويعطيها أي يلاحظ أنها في مقابلة الدين وليس المراد الأخذ والإعطاء بالفعل لجواز تأخر أجل الدين فتبقى عشرون خالية من الدين فيدفع عنها الزكاة ولما بين أن الدين يسقط زكاة العين شرع يبين أنه لا يسقط زكاة ما عداها فقال: "ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية" وكذلك لا يسقط زكاة معدن ولا ركاز مثل أن يكون عنده شيء من هذه المذكورات وعليه دين يستغرق ما عنده فتجب عليه الزكاة ولا يسقطها الدين المستغرق لما وجبت فيه والفرق بين ذلك وبين العين أن السنة إنما جاءت بإسقاط الدين في العين وأما الماشية والثمار فقد بعث رسول الله ﷺ والخلفاء بعده الخراص والسعاة فخرصوا على الناس وأخذوا منهم زكاة مواشيهم ولم يسألوا هل عليهم دين أم لا وكذلك لا يسقط الدين زكاة الفطر عند أشهب أي وهو
стр. 353
ولا زكاة عليه في دين حتى يقبضه وإن أقام أعواما فإنما يزكيه لعام واحد بعد قبضه وكذلك العرض حتى يبيعه وإن كان الدين أو العرض من ميراث
ــ
الراجح ويسقطها عند عبد الوهاب ثم انتقل يتكلم على تعلق الزكاة بصاحب الدين فقال: "ولا زكاة عليه" أي على من له مال "في دين" أصله عين عنده أو عرض تجارة "حتى يقبضه" يريد بالدين دين القرض ودين البيع إذا كان محتكرا مثال ذلك أن يكون عنده مال فسلفه لرجل أو يشتري به سلعة ثم يبيعها بدين "وإن أقام" الدين "أعواما" عند المدين "فإنما يزكيه" ربه "لعام واحد" لما مضى من السنين "بعد قبضه" إذا كان نصابا أو مضافا إلى مال عنده قد جمعه وإياه الحول فيكمل به النصاب وظاهر قول المصنف إنما يزكيه لعام واحد الخ وإن كان تأخيره فرارا من الزكاة والذي قاله ابن القاسم إن تركه فرارا من الزكاة زكى ما مضى من السنين وإنما قيدنا قوله في دين بقولنا أصله عين أو عرض تجارة احترازا مما إذا لم يكن كذلك بأن كان من ميراث مثلا فإنه يستقبل به كما سيصرح به وقيدنا دين البيع بما إذا كان محتكرا احترازا مما إذا كان مديرا فإن حكم دينه حكم عروضه يقوم "وكذلك العرض" يعني عرض تجارة الاحتكار فحكمه حكم الدين إذا كان أصله عينا فإنه إنما يزكى لعام واحد وإن أقام أعواما كثيرة "حتى يبيعه" وهذا مكرر مع قوله قبل فإذا بعتها بعد حول الخ ولعله إنما كرره ليرتب عليه قوله: "وإن كان الدين أو العرض من ميراث" أي أتى له من ميراث ولم يقبضه إلا بعد أعوام أو كان العرض الذي باعه من ميراث أي أتى له عرض من ميراث ثم باعه بثمن ولم يقبض
стр. 354
فليستقبل حولا بما يقبض منه وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في العين والحرث والماشية
ــ
ذلك الثمن إلا بعد أعوام أو كان الدين من هبة أو صدقة بيد واهبها أو متصدقها أو صداقا بيد زوج أو خلع بيد دافعه أو أرش جناية بيد جانيه أو وكيله فلا زكاة فيه إلا بعد حول من قبضه ولو أخره فرارا ولو بقيت العطية بيد معطيها قبل القبول والقبض سنين فلا زكاة فيها لما مضى من الأعوام على واحد منهما لا على المعطى بالفتح لعدم القبض ولا على المعطي بالكسر عند سحنون لأنه بقبول المعطى بالفتح تبين أنها على ملكه من يوم الصدقة ولذا تكون له الغلة من يوم العطية "فليستقبل حولا بما يقبض منه" يعني من الدين أو من ثمن القرض سواء تركه فرارا من الزكاة أم لا "وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في العين والحرث والماشية" لما في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال كانت عائشة ﵂ تليني أنا وأخي يتيمين في حجرها فكانت تخرج من أموالنا الزكاة وفيه عن عمر ﵁ اتجروا في أموال اليتامى لئلا تأكلها الزكاة ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي ولا يخرج ولي الأيتام الزكاة عنهم إلا بعد أن يرفع الأمر للإمام أو القاضي وحاصل فقه المسألة أن العبرة بمذهب الوصي في الوجود وعدمه لأن التصرف منوط به لا بمذهب أبي الطفل لموته وانتقال المال عنه ولا بمذهب الطفل لأنه غير مخاطب بها فلا يزكيها الوصي إن كان مذهبه سقوطها عن الطفل وإلا أخرجها إن لم يكن حاكم أو كان مالكيا فقط أو مالكيا وحنفيا وخفي أمر الصبي عليه "وإلا رفع للمالكي" لعل الصواب ولا رفع للمالكي فإن لم يكن إلا حنفي أخرجها الوصي المالكي إن خفي أمر الصبي على الحنفي وإلا ترك ومثل الأصاغر في وجوب الزكاة في أموالهم المجانين
стр. 355
وزكاة الفطر ولا زكاة على عبد ولا على من فيه بقية رق في ذلك كله فإذا أعتق فليأتنف حولا من يومئذ بما يملك من ماله ولا زكاة على أحد في عبده وخادمه وفرسه وداره ولا ما يتخذ للقنية من
ــ
وقوله: "وزكاة الفطر" روي بالرفع مبتدأ لخبر محذوف أي وعليهم زكاة الفطر وبالجر عطفا على ما قبله وفي الجر ركة إذ يصير تقديره حينئذ وعلى الأصاغر الزكاة في زكاة الفطر إلا أن يقال يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع "ولا زكاة على عبد" قن "ولا على من فيه بقية رق" كالمدبر والمكاتب والمعتق بعضه زاد في المدونة ولا على ساداتهم عنهم أما عدم وجوبها على العبد فلقوله تعالى: ﴿عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي لا يملك ملكا تاما وأما عدم وجوبها على السيد فلأن المال بيد غيره والإشارة "في" قوله "ذلك كله" عائدة على جميع ما تقدم من العين والحرث والماشية وزكاة الفطر "فإذا أعتق" العبد أو من فيه بقية رق "فليأتنف" أي يستأنف "حولا" أي عاما "من يومئذ" أي من يوم عتقه "بما يملك" وروي بما ملك "من ماله" إن كان مما يشترط فيه الحول وهو العين والماشية وإن كان مما لا يشترط فيه الحول وهو الحبوب والثمار وعتق قبل الطيب وجبت عليه الزكاة وأما إن عتق بعد الطيب فلا زكاة عليه "ولا زكاة على أحد في عبده وخادمه" قال ابن عمر: العبد تارة يطلق على الذكر دون الأنثى وهو ما ذكر هنا وكذا قوله وعلى العبد في الزنا خمسون جلدة ويطلق على الذكر والأنثى وهو قوله قبل هذا ولا زكاة على عبد "و" كذا لا زكاة على أحد في "فرسه وداره ولا" في "ما يتخذ للقنية من
следующие страницы →