← Фикх малики

Фикх малики · id 7441

الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني

صالح بن عبد السميع الأزهري

Полный текст (751 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فلا زكاة عليه إلا أن يكون عنده مما لا يزكى من عروض مقتناة أو رقيق أو حيوان مقتناة أو عقار أو ريع ما فيه وفاء لدينه ــ وعليه نصف دينار مثلا "فلا زكاة عليه" في الصورتين وظاهر كلام الشيخ أن الدين يسقط الزكاة ولو كان مهر امرأته التي في عصمته وأخرى إذا كانت مطلقة وعليه مهرها وهو الراجح من أحد التشهيرين وعلى التشهير الآخر لا يسقطها وعلى المشهور أيضا أن الدين يسقط الزكاة ولو دين زكاة بخلاف ديون النذور والكفارات فإنها لا تسقط الزكاة والفرق أن دين الزكاة تتوجه المطالبة به من الإمام العادل وتؤخذ الزكاة ولو كرها ولا كذلك النذور والكفارات ثم استثنى من عموم ما تقدم مسألة فقال: "إلا أن يكون عنده" أي عند من له مال فيه الزكاة وعليه دين مثله أو دين ينقصه عن مال الزكاة شيء "مما لا يزكى من عروض مقتناة" تقدم أن المراد بها هنا الرقيق والعقار والرباع والثياب وجميع الحبوب والثمار والحيوان القاصرة عن النصاب بل لو كان عنده حبوب أو أثمار أو حيوان زكيت فإنه يجعلها في مقابلة ما عليه من الدين ويزكي فقوله: "أو رقيق أو حيوان مقتناة أو عقار" بالفتح مخففا وهي الأصول الثابتة وإن لم يكن لها عتبة كالأرض الساحة "أو ربع" وهو ما له عتبة كالدور من عطف الخاص على العام "ما" اسم يكون بمعنى شيء وخبرها الظرف المتقدم ومما لا يزكى الخ بيان لما ففي كلامه تقديم وتأخير تقديره أن من له مال تجب فيه الزكاة وعليه دين مثله أو ينقصه عن مال الزكاة فإن الزكاة تسقط عنه إلا أن يكون عنده شيء "فيه وفاء لدينه" مما لا تجب فيه الزكاة من

стр. 352

فليزك ما بيده من المال فإن لم تف عروضه بدينه حسب بقية دينه فيما بيده فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية ــ عروض القنية "فلـ" يجعله في مقابلة ما عليه من الدين بشرط أن يحول عليها الحول وحول كل شيء بحسبه فحول المعشر طيبه والمعدن خروجه وأن تكون مما يباع مثله في الدين و "يزك ما بيده من المال" هذا إذا وفت عروضه بدينه "فإن لم تف عروضه بدينه حسب بقية دينه فيما" أي الذي "بيده" من المال "فإن بقي بعد ذلك" أي بعد أن يحسب بقية دينه مما بيده "ما" أي شيء "فيه الزكاة زكاه" مثاله أن يكون عنده ثلاثون دينارا وعليه عشرون دينارا وعنده من العروض التي تباع في الدين وحال عليها الحول ما يفي بعشرة تبقى عشرة يأخذها من الثلاثين ويعطيها أي يلاحظ أنها في مقابلة الدين وليس المراد الأخذ والإعطاء بالفعل لجواز تأخر أجل الدين فتبقى عشرون خالية من الدين فيدفع عنها الزكاة ولما بين أن الدين يسقط زكاة العين شرع يبين أنه لا يسقط زكاة ما عداها فقال: "ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية" وكذلك لا يسقط زكاة معدن ولا ركاز مثل أن يكون عنده شيء من هذه المذكورات وعليه دين يستغرق ما عنده فتجب عليه الزكاة ولا يسقطها الدين المستغرق لما وجبت فيه والفرق بين ذلك وبين العين أن السنة إنما جاءت بإسقاط الدين في العين وأما الماشية والثمار فقد بعث رسول الله ﷺ والخلفاء بعده الخراص والسعاة فخرصوا على الناس وأخذوا منهم زكاة مواشيهم ولم يسألوا هل عليهم دين أم لا وكذلك لا يسقط الدين زكاة الفطر عند أشهب أي وهو

стр. 353

ولا زكاة عليه في دين حتى يقبضه وإن أقام أعواما فإنما يزكيه لعام واحد بعد قبضه وكذلك العرض حتى يبيعه وإن كان الدين أو العرض من ميراث ــ الراجح ويسقطها عند عبد الوهاب ثم انتقل يتكلم على تعلق الزكاة بصاحب الدين فقال: "ولا زكاة عليه" أي على من له مال "في دين" أصله عين عنده أو عرض تجارة "حتى يقبضه" يريد بالدين دين القرض ودين البيع إذا كان محتكرا مثال ذلك أن يكون عنده مال فسلفه لرجل أو يشتري به سلعة ثم يبيعها بدين "وإن أقام" الدين "أعواما" عند المدين "فإنما يزكيه" ربه "لعام واحد" لما مضى من السنين "بعد قبضه" إذا كان نصابا أو مضافا إلى مال عنده قد جمعه وإياه الحول فيكمل به النصاب وظاهر قول المصنف إنما يزكيه لعام واحد الخ وإن كان تأخيره فرارا من الزكاة والذي قاله ابن القاسم إن تركه فرارا من الزكاة زكى ما مضى من السنين وإنما قيدنا قوله في دين بقولنا أصله عين أو عرض تجارة احترازا مما إذا لم يكن كذلك بأن كان من ميراث مثلا فإنه يستقبل به كما سيصرح به وقيدنا دين البيع بما إذا كان محتكرا احترازا مما إذا كان مديرا فإن حكم دينه حكم عروضه يقوم "وكذلك العرض" يعني عرض تجارة الاحتكار فحكمه حكم الدين إذا كان أصله عينا فإنه إنما يزكى لعام واحد وإن أقام أعواما كثيرة "حتى يبيعه" وهذا مكرر مع قوله قبل فإذا بعتها بعد حول الخ ولعله إنما كرره ليرتب عليه قوله: "وإن كان الدين أو العرض من ميراث" أي أتى له من ميراث ولم يقبضه إلا بعد أعوام أو كان العرض الذي باعه من ميراث أي أتى له عرض من ميراث ثم باعه بثمن ولم يقبض

стр. 354

فليستقبل حولا بما يقبض منه وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في العين والحرث والماشية ــ ذلك الثمن إلا بعد أعوام أو كان الدين من هبة أو صدقة بيد واهبها أو متصدقها أو صداقا بيد زوج أو خلع بيد دافعه أو أرش جناية بيد جانيه أو وكيله فلا زكاة فيه إلا بعد حول من قبضه ولو أخره فرارا ولو بقيت العطية بيد معطيها قبل القبول والقبض سنين فلا زكاة فيها لما مضى من الأعوام على واحد منهما لا على المعطى بالفتح لعدم القبض ولا على المعطي بالكسر عند سحنون لأنه بقبول المعطى بالفتح تبين أنها على ملكه من يوم الصدقة ولذا تكون له الغلة من يوم العطية "فليستقبل حولا بما يقبض منه" يعني من الدين أو من ثمن القرض سواء تركه فرارا من الزكاة أم لا "وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في العين والحرث والماشية" لما في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال كانت عائشة ﵂ تليني أنا وأخي يتيمين في حجرها فكانت تخرج من أموالنا الزكاة وفيه عن عمر ﵁ اتجروا في أموال اليتامى لئلا تأكلها الزكاة ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي ولا يخرج ولي الأيتام الزكاة عنهم إلا بعد أن يرفع الأمر للإمام أو القاضي وحاصل فقه المسألة أن العبرة بمذهب الوصي في الوجود وعدمه لأن التصرف منوط به لا بمذهب أبي الطفل لموته وانتقال المال عنه ولا بمذهب الطفل لأنه غير مخاطب بها فلا يزكيها الوصي إن كان مذهبه سقوطها عن الطفل وإلا أخرجها إن لم يكن حاكم أو كان مالكيا فقط أو مالكيا وحنفيا وخفي أمر الصبي عليه "وإلا رفع للمالكي" لعل الصواب ولا رفع للمالكي فإن لم يكن إلا حنفي أخرجها الوصي المالكي إن خفي أمر الصبي على الحنفي وإلا ترك ومثل الأصاغر في وجوب الزكاة في أموالهم المجانين

стр. 355

وزكاة الفطر ولا زكاة على عبد ولا على من فيه بقية رق في ذلك كله فإذا أعتق فليأتنف حولا من يومئذ بما يملك من ماله ولا زكاة على أحد في عبده وخادمه وفرسه وداره ولا ما يتخذ للقنية من ــ وقوله: "وزكاة الفطر" روي بالرفع مبتدأ لخبر محذوف أي وعليهم زكاة الفطر وبالجر عطفا على ما قبله وفي الجر ركة إذ يصير تقديره حينئذ وعلى الأصاغر الزكاة في زكاة الفطر إلا أن يقال يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع "ولا زكاة على عبد" قن "ولا على من فيه بقية رق" كالمدبر والمكاتب والمعتق بعضه زاد في المدونة ولا على ساداتهم عنهم أما عدم وجوبها على العبد فلقوله تعالى: ﴿عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي لا يملك ملكا تاما وأما عدم وجوبها على السيد فلأن المال بيد غيره والإشارة "في" قوله "ذلك كله" عائدة على جميع ما تقدم من العين والحرث والماشية وزكاة الفطر "فإذا أعتق" العبد أو من فيه بقية رق "فليأتنف" أي يستأنف "حولا" أي عاما "من يومئذ" أي من يوم عتقه "بما يملك" وروي بما ملك "من ماله" إن كان مما يشترط فيه الحول وهو العين والماشية وإن كان مما لا يشترط فيه الحول وهو الحبوب والثمار وعتق قبل الطيب وجبت عليه الزكاة وأما إن عتق بعد الطيب فلا زكاة عليه "ولا زكاة على أحد في عبده وخادمه" قال ابن عمر: العبد تارة يطلق على الذكر دون الأنثى وهو ما ذكر هنا وكذا قوله وعلى العبد في الزنا خمسون جلدة ويطلق على الذكر والأنثى وهو قوله قبل هذا ولا زكاة على عبد "و" كذا لا زكاة على أحد في "فرسه وداره ولا" في "ما يتخذ للقنية من

стр. 356

الرباع والعروض ولا فيما يتخذ للباس من الحلي ومن ورث عرضا أو وهب له أو رفع من أرضه زرعا فزكاه فلا زكاة عليه في شيء من ذلك حتى يباع ويستقبل به حولا من يوم يقبض ثمنه ــ الرباع والعروض" ولا يخلو من تكرار مع قوله قبل ولا زكاة في العروض قال بعضهم كرره إشارة لحديث الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" "ولا فيما يتخذ للباس" للنساء ولو كان ملكا لرجل "من الحلي" بفتح الحاء وسكون اللام واحد حلي بضم الحاء وكسر اللام كثدي وظاهر كلامه أن الحلي إذا كان متخذا للكراء تجب فيه الزكاة وظاهر المدونة عدم الزكاة وهو المعتمد وأما الحلي المتخذ بنية التجارة فتجب زكاته بإجماع سواء كان لرجل أو امرأة ويزكيه لعام من حين نوى به التجارة أي يزكي وزنه كل عام إذا كان فيه نصاب أو عنده من الذهب والفضة ما يكمل النصاب وكذا تجب الزكاة فيما كان متخذا للعاقبة كان لرجل أو امرأة "ومن ورث عرضا أو وهب له أو رفع من أرضه زرعا فزكاه فلا زكاة عليه في شيء من ذلك حتى يباع ويستقبل به حولا من يوم يقبض ثمنه بما يقبض منه" استفيد من قوله قبل أو العرض من ميراث الخ وما ذكره يسمى مسألة زكاة الفوائد أي ما عدا قوله ومن رفع من أرضه زرعا والفائدة ما تجدد من المال من غير أصل كالموروث والموهوب أو تجدد عن مال غير مزكى كثمن عرض القنية وظاهر قوله حتى يباع سواء بيع بالنقد أو إلى أجل وظاهره أيضا تركه فرارا من الزكاة أم لا وقوله أو رفع من أرضه زرعا خرج مخرج

стр. 357

وفيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة الزكاة إذا بلغ وزن عشرين دينارا أو خمس أواق فضة ففي ذلك ربع العشر يوم خروجه ــ الغالب إذ الحكم كذلك إذا رفعه من غير أرضه كما إذا استأجر أرضا فزرعها فالحكم فيهما سواء وكذا قوله فزكاة أي الزرع خرج مخرج الغالب أيضا فإن حكمه كذلك إذا لم يزكه وقوله بما يقبض منه بدل من به أي يستقبل بما يقبض من ثمنه أي بما يقبضه وقوله منه بيان لما ثم شرع يتكلم على المعدن فقال: "وفيما يخرج من المعدن" بفتح الميم وكسر الدال من عدن بفتح الدال في الماضي وكسرها في المستقبل عدونا إذا أقام ومنه جنة عدن أي إقامة "من ذهب أو فضة" بيان لما يخرج "الزكاة" ظاهره ولو كان ندرة بفتح النون وسكون المهملة وهو ما يوجد من ذهب أو فضة بغير عمل أو عمل يسير والمشهور أن فيها الخمس ويدفع ذلك الخمس للإمام إن كان عدلا وإلا فرق على فقراء المسلمين ولا زكاة في معدن غير الذهب والفضة من معادن الرصاص والنحاس والحديد والزرنيخ "إذا بلغ" الخارج من معدن الذهب "وزن عشرين دينارا أو" بلغ الخارج من معدن الفضة وزن "خمسة أواق فضة" إثبات التاء لغير المؤنث "فـ" حينئذ يكون "في ذلك" الخارج "ربع العشر" لا الخمس لعموم قوله ﷺ : "وليس فيما دون خمس أواق صدقة" أي بطريق المفهوم فإن مفهومه أنه إذا كان خمس أواق فيها الزكاة وهو شامل للمعدن وظاهر قوله: "يوم خروجه" أي يوم خلاصه أنه لا يشترط فيه الحول قال الأقفهسي يريد الشيخ أن الحول ليس بشرط ويريد بعد تصفيته لأن الوجوب

стр. 358

وكذلك فيما يخرج بعد ذلك متصلا به وإن قل فإن انقطع نيله بيده وابتدأ غيره لم يخرج شيئا حتى يبلغ ما فيه الزكاة وتؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة الأحرار البالغين ولا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم وعبيدهم ــ لا يتعلق به إلا بعد التصفية وهو أحد قولين المشهور منهما ما حمل عليه الأقفهسي الرسالة بقوله يريد بعد تصفيته وظاهرها أن الوجوب يتعلق بإخراجه ولا يتوقف على التصفية وإنما يتوقف عليها الإخراج للفقراء "وكذلك فيما يخرج" من معدن الذهب والفضة "بعد ذلك" أي بعد ما خرج منه نصاب إذا كان "متصلا به" أي بالنصاب المخرج أولا "وإن قل" وهذا الاتصال يحتمل أن يكون في النيل وأن يكون في العمل وأن يكون فيهما معا فالاحتمالات ثلاثة يرجح أولها قوله: "فإن انقطع نيله" أي عرقه الذي في المعدن "بيده" أي بعمله بأن تبعه حتى انقضى فأطلق اليد هنا على العمل "وابتدأ" آخر "غيره لم يخرج شيئا حتى يبلغ" الخارج بعد النصاب الذي خرج أولا "ما فيه الزكاة" فإن لم يبلغ نصابا فلا زكاة فيه ثم انتقل يتكلم على الجزية فقال: "وتؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة والأحرار البالغين ولا تؤخذ من نسائهم و" لا من "صبيانهم و" لا من "عبيدهم" عرفها ابن رشد بقوله ما يؤخذ من أهل الكفر جزاء على تأمينهم وحقن دمائهم مع إقرارهم على الكفر وهي مشتقة من الجزاء وهو المقابلة لأنهم قابلوا الأمان بما أعطوه من المال فقابلناهم بالأمان وقابلونا بالمال وإنما لم تؤخذ من هؤلاء الثلاثة أعني النساء والصبيان والعبيد لأن الله تعالى إنما أوجبها على من قاتل وبحسب الغالب لا يكون إلا الرجال دون النساء والصبيان وأما العبيد فشأنهم

стр. 359

وتؤخذ من المجوس ومن نصارى العرب والجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهما ويخفف عن ــ الشغل بخدمة ملاكهم فليسوا مقاتلين بحسب الشأن ويؤخذ من كلام المصنف أن لأخذ الجزية أربعة شروط الذكورية والبلوغ والحرية والكفر ويشترط أيضا أن يكون مخالطا لأهل دينه فلا تؤخذ من المنعزل بدير أو صومعة ويشترط في الكافر أن يقر على كفره فالمرتد لا تؤخذ منه إذ لا يقر على كفره وبقي شرطان العقل والقدرة على أدائها فلا تؤخذ من المجنون ولا من الفقير الذي لا شيء عنده "وتؤخذ من المجوس" جمع مجوسي منسوب إلى مجوسة نحلة والنحلة الدعوى كما في الصحاح والقاموس والمصباح أي ملة مدعاة وهي بالنون والحاء لا بالميم "و" تؤخذ "من نصارى العرب" قال عبد الوهاب: العرب والعجم وبنو تغلب وغيرهم في ذلك سواء قصد بذلك التعميم ردا لمن خالف فقد قيل إنها لا تؤخذ من العرب وليس إلا القتل أو الإسلام وقال الثوري إنها لا تؤخذ من نصارى بني تغلب فرقة من العرب فالنصرانية ليست متأصلة فيهم لأن المتأصل فيها من أنزل عليه الإنجيل فرده بقوله وبنو تغلب وغيرهم في ذلك سواء لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية ولأن الشرك قد شملهم ثم بين حقيقة الجزية فقال: "والجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهما" هذا في حق أهل العنوة وهم قوم من الكفار فتحت بلادهم قهرا وغلبة وكذا أهل الصلح وهم قوم من الكفار حموا بلادهم حتى صالحوا على شيء يعطونه من أموالهم إن أطلق ولم يقدر عليهم شيء معين أما إن قدر عليهم شيء معين أخذ منهم قليلا كان أو كثيرا "و" إذا أخذت منهم فإنه "يخفف عن

стр. 360

الفقير ويؤخذ ممن تجر منهم من أفق إلى أفق عشر ثمن ما يبيعونه وإن اختلفوا في السنة مرارا وإن حملوا الطعام خاصة إلى مكة والمدينة خاصة أخذ منهم نصف العشر من ثمنه ــ الفقير" بقدر ما يراه الإمام فإن لم يكن له قدرة على شيء سقطت عنه وقال ابن حبيب لا تؤخذ من الفقير واستحسنه اللخمي "وتؤخذ ممن تجر منهم" بفتح الجيم في الماضي وضمها في المضارع أي من أهل الذمة رجالا كانوا أو نساء أحرارا كانوا أو عبيدا بالغين كانوا أو صبيانا "من أفق" بضم الهمزة والفاء وسكونها "إلى أفق" أي من محل إلى غير محل جزيته أي من إقليم إلى إقليم آخر والأقاليم خمسة مصر والشام والعراق والأندلس والمغرب "عشر ثمن ما يبيعونه" عند ابن القاسم وقال ابن حبيب عشر ما يدخلون به كالحربيين فعلى قول ابن القاسم لو أرادوا الرجوع قبل أن يبيعوا أو يشتروا لا يجب عليهم وهو ظاهر كلام الشيخ وعلى قول ابن حبيب يجب عليهم ومنشأ الخلاف هل المأخوذ منهم لحق الانتفاع أو لحق الوصول إلى القطر ومفهوم كلامه أنه لا يؤخذ منهم العشر إذا تجروا في بلادهم وهو كذلك ثم بالغ على أخذ عشر الثمن فقال: "وإن اختلفوا" أي ترددوا "في السنة مرارا" وقال الإمامان أبو حنيفة والشافعي لا يؤخذ منهم في السنة إلا مرة واحدة لنا ما فعل عمر ﵁ ولتكرر الانتفاع والحكم يتكرر بتكرر سببه "وإن حملوا" أي أهل الذمة "الطعام خاصة" قيل المراد به الحنطة والزيت خاصة وقيل المراد به كل ما يقتات به أو يجري مجراه فيدخل في ذلك الحبوب والقطاني والزيتون والأدهان وما في معنى ذلك المذكور من الزيوت والأدهان أي من بقية الأدم ومن المصلح

стр. 361

ويؤخذ من تجار الحربيين العشر إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك وفي الركاز وهو دِفْنُ ــ كجبن وعسل وملح وأما غير الطعام كالعروض فيؤخذ من ثمنه جميع العشر "ويؤخذ من تجار الحربيين العشر" أي عشر ما قدموا به باعوا أو لم يبيعوا وسواء باعوا في بلد واحد أو في جميع بلاد الإسلام وهو قول ابن القاسم وتقدم مذهبه في أهل الذمة أنه لا يؤخذ منهم حتى يبيعوا والفرق بينهما أن أهل الحرب قد حصل لهم الأمان ما داموا في أرض الإسلام وجميع بلاد الإسلام كالبلد الواحدة وأما أهل الذمة فإنما يؤخذ منهم لانتفاعهم وهم غير ممنوعين من بلادنا فلما تكرر نفعهم تكرر الأخذ منهم وظاهر كلام الشيخ أنه لا ينقص من العشر وإن رآه الإمام وهو قول مالك وأشهب وحاصله أنه إن كان قبل النزول يجوز أن يتفق معهم على أكثر من العشر وإن كان بعد النزول لم يؤخذ منهم إلا العشر. وقال ابن القاسم يؤخذ منهم بحسب ما يراه الإمام وصرح مرزوق بمشهوريته وكذلك لا يزاد على العشر شيء هذا كله إذا دخلوا بأمان مطلق وإما إذا شارطوا على أكثر من ذلك عند عقد الأمان فأشار إليه بقوله: "إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك" أي من العشر فيجوز أخذ الأكثر الذي وقع عليه الشرط قال ابن ناجي ولا يمكنون من بيع خمر لمسلم باتفاق والمشهور تمكينهم لغيره ونص عبارة ابن عمر إذا قدموا بالخمر والخنزير فإن كان هناك أهل الذمة الذين يشترون منهم ذلك تركوا ويؤخذ منهم العشر بعد البيع وإن لم يكن هناك من يبتاع ذلك منهم ردوا به ولم يتركوا يدخلون به "وفي الركاز وهو" لغة على ما قال صاحب العين يقال لما يوضع في الأرض ولما يخرج من المعدن من قطع الذهب والورق واصطلاحا "دِفْنُ

стр. 362

الجاهلية الخمس على من أصابه ــ الجاهلية" زاد في الواضحة خاصة والكنز يقع على دفن الجاهلية ودفن الإسلام والدفن بكسر الدال المهملة بمعنى المدفون كالذبح بمعنى المذبوح واختلف هل هو خاص بجنس النقدين أو عام فيه وفي غيره كاللؤلؤ والنحاس والرصاص قولان لمالك اقتصر صاحب المختصر على الثاني وبالغ فيه على أنه يطلق عليه ركاز ولو شك أهو جاهلي أم لا إذا التبست الأمارات أو لم توجد لأن الغالب أن ذلك من فعلهم وقال الفاكهاني المعروف من المذهب الذي رجع إليه مالك وأخبر به ابن القاسم تخصيصه بالنقدين وحكمه أنه يجب فيه "الخمس على من أصابه" ظاهره ولو كان دون النصاب وهو كذلك على المشهور لأن قوله ﵊: "وفي الركاز الخمس" عام في الكثير والقليل وظاهر كلامه أيضا أنه لا يشترط في واجده الإسلام والحرية وهو كذلك وظاهره أيضا أن فيه الخمس ولو وجد بنفقة كثيرة أو عمل في تخليصه وليس كذلك وإنما فيه الزكاة على ما في المدونة والموطأ وظاهره أيضا أنه لمن وجده مطلقا وقرره ابن عمر بذلك وليس كذلك بل فيه تفصيل وهو إن وجده في الفيافي أي موات أرض الإسلام فهو لواجده وإن وجده في ملك واحد من الناس فهو له اتفاقا هذا حكم الركاز وأما ما لفظه البحر أي طرحه من جوفه إلى شاطئه كالعنبر واللؤلؤ وسائر الحلية التي يلفظها فهو لمن وجده ولا يخمس قال الفاكهاني إلا أن يتقدم ملك معصوم مسلم أو ذمي فقولان سمع ابن القاسم من طرح متاعه خوف غرقه أخذه ممن غاص عليه وكذلك ما ترك بمضيعة عجزا عنه ففيه قولان

стр. 363

باب في زكاة الماشية وزكاة الإبل والبقر والغنم . فريضة ولا زكاة من الإبل في أقل من خمس ذود وهي خمس من الإبل ففيها شاة جذعة أو ثنية من جل غنم. ــ "باب في" بيان "زكاة الماشية" من حيث حكمها ونصابها وما تزكى به وإنما أفردها بباب لأنها كذلك وردت في الحديث أي مفردة ولأن العمل فيها مختلف أي من حيث إنه لا ضابط معين بعشر أو نصفه أو ربع عشر وبدأ بحكمها فقال: "وزكاة الإبل والبقر والغنم فريضة" وقوة كلامه يقتضي أن زكاة الماشية محصورة فيما ذكر وهو كذلك عند معاشر المالكية لقوله ﵊: "ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة" وظاهر كلام المصنف أن الماشية تجب فيها الزكاة مطلقا معلوفة أو عاملة وهو المذهب وعن أبي حنيفة والشافعي لا زكاة في العاملة لقوله ﵊: "في الغنم السائمة الزكاة" وبدأ بالكلام على بيان فروض زكاة الإبل اقتداء بالحديث إذ فعل ذلك ﷺ في كتاب الصدقة المكتوب لعمرو بن حزم وفروض زكاتها إحدى عشرة فريضة أربعة منها المأخوذ فيها من غير جنسها وهو الغنم وسبعة المأخوذ فيها من جنسها وقد أشار إلى أولى الأربعة بقوله: "ولا زكاة من الإبل في أقل من خمس ذود" بذال معجمة في أوله ودال مهملة في آخره "وهي خمس من الإبل" فإذا بلغت هذا العدد "فـ" الواجب "فيها شاة جذعة أو ثنية" وهما ما أوفى سنة ودخل في الثانية إلا أن الثنية ما أوفت سنة ودخلت في الثانية دخولا بينا والتاء فيهما للوحدة لا للتأنيث إذ لا فرق بين الذكر والأنثى في الإجزاء "من جل غنم

стр. 364

أهل ذلك البلد من ضأن أو معز إلى تسع ثم في العشر شاتان إلى أربعة عشر ثم في خمسة عشر ثلاث شياه إلى تسعة عشر فإذا كانت عشرين فأربع شياه إلى أربع وعشرين ثم في خمس وعشرين بنت مخاض وهي بنت سنتين فإن لم تكن فيها فابن لبون ذكر ــ أهل ذلك البلد من ضأن أو معز" فالحكم للغالب فإن كان الغالب الضأن أخذت منه وإن كان المعز أخذت منه ولو دفع رب المال بعيرا بدلا عن الشاة الواجبة عليه أجزأه لأنه مواساة من جنس المال بأكثر مما وجب عليه وغاية أخذ الشاة "إلى تسع" فالخمس فرض والأربعة وقص وهي أقل أوقاص الإبل "ثم في العشر شاتان إلى أربعة عشر ثم في خمسة عشر ثلاث شياه إلى تسعة عشر فإذا كانت عشرون فأربع شياه إلى أربع وعشرين" فالوقص في كل واحد من هذه الفروض الثلاثة أربعة أيضا ثم شرع في السبعة الباقية فقال: "ثم في خمس وعشرين بنت مخاض وهي بنت سنتين" ظاهره أنها كملت سنتين والمنصوص لغيره أنها ما أوفت سنة ودخلت في الثانية وسميت بنت مخاض لأن أمها ماخض أي حامل لأن الإبل تحمل سنة وتربي سنة "فإن لم تكن فيها" بنت مخاض أو وجدت لكن معيبة "فـ" المأخوذ حينئذ على سبيل الوجوب "ابن لبون" وهو ما أكمل سنتين ودخل في الثالثة وقوله: "ذكر" تأكيد لاستفادة الذكورية من قوله ابن فإن عدما أي بنت مخاض وابن لبون كلفه الساعي بنت مخاض أي أحب أو كره فجعل حكم عدم الصنفين كحكم وجودهما

стр. 365

إلى خمس وثلاثين ثم في ست وثلاثين بنت لبون وهي بنت ثلاث سنين إلى خمس وأربعين ثم في ست وأربعين حقة وهي التي يصلح على ظهرها الحمل ويطرقها الفحل وهي بنت أربع سنين إلى ستين ثم في إحدى وستين جذعة وهي بنت خمس سنين إلى خمس وسبعين ثم في ست وسبعين بنتا لبون إلى تسعين ــ فإن أتاه في تلك الحالة بابن لبون فذلك إلى الساعي بحسب ما يراه فإن رأى أخذه جاز وإلا لزمه بنت مخاض وغاية أخذ بنت مخاض أو ابن لبون "إلى خمس وثلاثين" فالوقص في هذه الفريضة عشرة "ثم في ست وثلاثين بنت لبون وهي بنت ثلاث سنين" ليس مراده ما أوفت ثلاث سنين بل مراده ما أوفت سنتين ودخلت في الثالثة وسميت بذلك لأن أمها ذات لبن وغاية أخذها "إلى خمس وأربعين" فالوقص في هذه الفريضة تسعة "ثم في ست وأربعين حقة" بكسر الحاء المهملة "وهي التي يصلح على ظهرها الحمل ويطرقها الفحل" فلو دفع عنها بنتي لبون لم يجزيا عنها ولو عادلت قيمتهما قيمتها خلافا للشافعي "وهي بنت أربع سنين" مراده ما أكملت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة وغاية أخذها "إلى ستين" فالوقص في هذه الفريضة أربعة عشر "ثم" بعد ذلك يتغير الواجب فـ "في إحدى وستين جذعة وهي بنت خمس سنين" مراده أيضا ما أكملت أربعة ودخلت في الخامسة سميت بذلك لأنها تجذع سنها أي تسقطه وهي آخر أسنان ما يؤخذ في الزكاة من الإبل وغاية أخذها "إلى خمس وسبعين" فالوقص أربعة عشر "ثم في ست وسبعين بنتا لبون إلى تسعين"

стр. 366

ثم في إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين فإذا بلغتها ففيها تبيع عجل جذع قد أوفى سنتين ثم كذلك حتى تبلغ أربعين فيكون فيها مسنة ولا تؤخذ إلا أنثى وهي بنت أربع سنين ــ فالوقص أربعة عشر أيضا "ثم في إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة" فالوقص تسعة وعشرون فتلخص من هذا أن أوقاص الإبل على خمس مراتب "فما زاد على ذلك" أي على المائة وعشرين "فـ" الواجب "في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" ثم أشار إلى زكاة البقر ونصابها ثلاثون وأربعون وما زاد وما يزكى به بقوله: "ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين" بقرة "فإذا بلغتها" أي الثلاثين "ففيها تبيع" سمي بذلك لأنه يتبع أمه "عجل جذع" ظاهره اشتراط الذكر وليس كذلك بل المشهور عدم الاشتراط وما ذكره في سنه من أنه ما "قد أوفى سنتين" هو الصحيح "ثم كذلك" يستمر أخذ التبيع "حتى تبلغ أربعين" بقرة "فإذا بلغتها" أي الأربعين يتغير الواجب "ويكون فيها مسنة" بضم الميم وكسر السين المهملة ثم النون المشددة فعلى هذا الغاية غير داخلة في المغيا وقوله: "ولا تؤخذ إلا الأنثى" زيادة بيان فإن فقدت المسنة من البقر أجبر ربها على الإتيان بها إلا أن يعطي أفضل منها وهي بنت خمس سنين "وهي" أي المسنة "بنت أربع سنين" ظاهر كلامه ما أوفت أربع سنين وهو قول ابن حبيب وعبد الوهاب ومنهم من أول كلامه بأن

стр. 367

وهي ثنية فما زاد ففي كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة فإذا بلغتها ففيها شاة جذعة أو ثنية إلى عشرين ومائة فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففيها ــ مراده ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة وهو لابن حبيب أيضا فيكون له قولان ومعنى قوله: "وهي ثنية" زالت ثناياها وهما السنتان اللتان من المقدم فوق وتحت والتي بجوارهما فوق وتحت من أي ناحية يقال لها رباعية والنصاب الثالث وما يزكى به أشار إليه بقوله فما زاد أي على الأربعين بقرة "فـ" الواجب "في كل أربعين" بقرة "مسنة وفي كل ثلاثين" بقرة "تبيع" فإن زادت خمسة على الأربعين فلا شيء فيها وإذا بلغت خمسين فلا شيء في العشرة أيضا عندنا فإذا بلغت ستين ففيهما تبيعان وإن بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة وإن بلغت ثمانين ففيها مسنتان فما زاد يجري عليه فهو ضابط له ثم ثلث بالكلام على زكاة الغنم وفروضها أربعة وقد أشار إلى أولها وما تزكى به بقوله: "ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة فإذا بلغتها" أي الأربعين شاة "فـ" الواجب "فيها" حينئذ "شاة جذعة أو ثنية" ولو معزا والشاة تطلق على الذكر والأنثى والضأن والمعز فقوله جذعة أي سنها سن الجذعة أو الثنية لا خصوص الأنثى قاله ابن عمر وقد تقدم بيانهما في زكاة نصاب الإبل ويستمر أخذ الشاة إلى عشرين ومائة فالوقص ثمانون ثم أشار إلى الفريضة الثانية وغايتها وما تزكى به بقوله: "فإذا بلغت" أي كملت الغنم عند المزكي "إحدى وعشرين" شاة "ومائة" أي مائة شاة "فـ" الواجب "فيها" حينئذ

стр. 368

شاتان إلى مائتي شاة فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة فما زاد ففي كل مائة شاة ولا زكاة في الأوقاص وهي ما بين الفريضتين من كل الأنعام ويجمع الضأن والمعز في الزكاة ــ "شاتان" ويستمر ذلك "إلى مائتي شاة" فالوقص هنا تسعة وسبعون ثم أشار إلى الفريضة الثالثة وغايتها وما تزكى به فقال: "فإذا زادت" على المائتين "واحدة" فأكثر "فـ" الواجب "فيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة" ثم أشار إلى الفريضة الرابعة بقوله: "فإن زاد" عدد الغنم على ثلاثمائة من المئين "فـ" الواجب "في كل مائة شاة" قال في الجلاب فما زاد بعد ذلك يعني بعد الثلاثمائة ففي كل مائة شاة وفي ثلاثمائة وتسعة وتسعين ثلاث شياه وفي الأربعمائة أربع شياه وفي الخمسمائة خمس شياه ثم العبرة فيما بعد ذلك من المئات كذلك أي في كل مائة شاة ثم شرع يبين حكم ما بين الفريضتين قال: "ولا زكاة في الأوقاص" جمع وقص بتسكين القاف عند الجمهور على ما قاله سند وقال الأقفهسي وقص بفتح القاف ومن رواه بالسكون فهو خطأ يرده ما في المصباح حيث قال الوقص بفتحتين وقد تسكن القاف "وهو" لغة من وقص العنق الذي هو القصر لقصوره عن النصاب واصطلاحا هو "ما بين الفريضتين من كل الأنعام" كان الأنسب أن يقول وهي أي الأوقاص وأجاب التتائي بما محصله أن هذا تفسير للمفرد لا للجمع "ويجمع الضأن" بالهمز وعدمه واحده ضائن ويقال أيضا في الجمع ضئين بفتح الضاد وكسرها والأنثى ضائنة وجمعها ضوائن وهي ذات الصوف "والمعز" وهي ذات الشعر "في الزكاة" إجماعا على ما نقل بعضهم أي وما نقل عن

стр. 369

والجواميس والبقر والبخت والعراب وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية ــ ابن لبابة من أنها لا تجمع فشاذ لم يقل به غيره كذا قاله في التحقيق لأن اسم الجنس جمعهما في قوله ﵊: "ففي كل أربعين من الغنم شاة" "و" كذلك تجمع في الزكاة "الجواميس والبقر" اتفاقا لأن اسم الجنس جمعهما في قوله ﵊: "ففي كل ثلاثين من البقر تبيع" "و" كذلك تجمع في الزكاة اتفاقا "البخت" وهي إبل خراسان ضخمة مائلة إلى القصر لها سنامان "والعراب" وهي إبل العرب المعهودة إذ لفظ الإبل صادق عليهما في قوله ﵊: "في كل خمس من الإبل شاة" "وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية" على عدد الماشية فالذي توجبه الخلطة المجتمع فيها الشروط الآتية أن يكون المأخوذ من المالكين كالمأخوذ من المالك الواحد في القدر والسن والصنف مثال الأول ثلاثة لكل واحد أربعون شاة من الغنم فإن الواجب عليهم شاة واحدة على كل واحد ثلثها ومثال الثاني اثنان لكل واحد ستة وثلاثون من الإبل فإن الواجب عليهما جذعة على كل واحد نصفها ومثال الثالث اثنان لواحد ثمانون من الضأن وللآخر أربعون من المعز فإن الواجب شاة من الضأن على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى الآخر الثلث وفائدة الخلطة التخفيف كما إذا كان لكل أربعون من الغنم فإن على كل واحد حالة الانفراد شاة وعليهما معا حالة الاجتماع شاة واحدة وقد تفيد التثقيل كما إذا كان لكل مائة وعشرون من الغنم فإن كان على كل واحد منهما حالة الانفراد شاة واحدة وعند الاجتماع عليهما ثلاث شياه وقد لا تفيدهما كما إذا كان لكل واحد مائة من الغنم فإن على كل واحد حالة الانفراد واحدة وكذا حالة الاجتماع

стр. 370

ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة وذلك إذا قرب الحول فإذا كان ينقص أداؤهما بافتراقهما أو باجتماعهما أخذا بما كانا عليه قبل ذلك ــ ويشترط في كون المالكين كالمالك الواحد شروط منها أن يكون لكل واحد نصاب فأكثر حال حوله وإلى ذلك أشار بقوله: "ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة" لعموم قوله ﵊: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" ومنها أن يكونا مخاطبين بالزكاة احترازا من أن يكونا عبدين أو كافرين ومنها أن يتحد الفحل والراعي والمراح والمرعى والدلو والمبيت وأن تكون الخلطة للارتفاق لا فرارا من الزكاة وإلى هذا أشار بقوله: "ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية" الزكاة في "الصدقة" ولو قدم هذا على قوله وكل خليطين الخ لكان أولى لأنه وقع في الحديث مرتبا كذلك "وذلك" أي النهي عن التفريق والجمع "إذا قرب الحول" قال ابن شاس هذا إذا كان ما وجدا عليه من افتراق أو اجتماع منقصا من الزكاة فإن لم يكن منقصا فلا يتهمان بل يزكى المال على ما يوجد عليه وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: "فإذا كان" التفريق أو الاجتماع عند قرب الحول "ينقص أداؤهما بافتراقهما أو باجتماعهما أخذا بما كانا عليه قبل ذلك" الافتراق أو الاجتماع مثال التفريق خوف الزيادة في الصدقة رجلان لكل واحد مائة شاة وشاة فيفرقان في آخر الحول فتجب عليهما شاتان وقد كان الواجب عليهما ثلاثا ومثال الجمع لذلك ثلاث رجال لكل واحد منهم أربعون فيجمعونها في آخر الحول لتجب

стр. 371

ولا تؤخذ في الصدقة السخلة وتعد على رب الغنم ولا تؤخذ العجاجيل في البقر ولا الفصلان في الإبل وتعد عليهم ولا يؤخذ تيس ولا هرمة ولا الماخض ولا فحل الغنم ولا شاة العلف ولا التي تربي ــ عليهم شاة واحدة وقد كان الواجب عليهم ثلاث شياه ثم شرع يبين ما لا يؤخذ في الزكاة من الأنعام فقال: "ولا تؤخذ في الصدقة السخلة" وهي الصغيرة من الغنم ضأنا كانت أو معزا ذكرا كانت أو أنثى "و" مع ذلك "تعد على أرباب الغنم" كان في الأصل نصاب أم لا "و" كذلك "لا" تؤخذ "العجاجيل في" صدقة "البقر" جمع عجل وهو ما كان دون السن الواجب الذي هو التبيع "و" كذلك "لا" تؤخذ "الفصلان في" صدقة "الإبل" جمع فصيل وهو ما دون بنت مخاض "و" مع كونها أي الفصلان والعجاجيل لا تؤخذ في الصدقة "تعد عليهم" أي على أربابها لتؤخذ زكاتها "و" كذلك "لا" يؤخذ في الصدقة "تيس" وهو ذكر المعز الصغير ولا يخفى أنه يستغنى عنه بقوله ولا يؤخذ في الصدقة السخلة "و" كذلك "لا" يؤخذ في الصدقة "هرمة" وهي الكبيرة الهزيلة "و" كذلك "لا" تؤخذ في الصدقة "الماخض" وهي الحامل التي ضربها الطلق بفتح الراء مخففة أي تعلق بها الطلق قاله الفاكهاني وهو موافق للمصباح فإنه قال مخضت المرأة وكل حامل من باب تعب دنا ولادها وأخذها الطلق وإنما لم تؤخذ لأنها من خيار أموال الناس "و" كذلك "لا" تؤخذ في الصدقة "شاة العلف" وهي المعدة للتسمين للأكل لا للنسل ذكرا كانت أو أنثى لأنها من خيار أموال الناس "و" كذلك "لا" تؤخذ في الصدقة "التي تربي

стр. 372

ولدها ولا خيار أموال الناس ولا يؤخذ في ذلك عرض ولا ثمن فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها أجزأه إن شاء الله ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية ــ ولدها" وتسمى الربى بضم الراء وبالموحدة المشددة مقصورة "ولا خيار أموال الناس" يريد ولا شرارها وحاصله أنه لا تؤخذ في الصدقة خيار الأموال لتعلق حق أرباب الأموال بها ولا شرارها لتعلق حق الفقراء بغيرها فإن أعطى المالك الخيار طيبة بها نفسه جاز له ذلك وإن أعطى الشرار فلا تجزىء وإن كانت الأموال كلها خيارا أو شرارا كلف الوسط فإن امتنع أجبر على ذلك "ولا يؤخذ في ذلك" أي الصدقة "عرض ولا ثمن" أي عين بدل ما وجب عليه من حب أو تمر أو ماشية "فإن أجبره المصدق" بتخفيف الصاد وكسر الدال وهو الساعي "على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها" كالحبوب "أجزأه" مفهوم الشرط لو فعل ذلك اختيارا لم يجزه وهو كذلك على المشهور فيهما أي في الطوع والإكراه ونص ابن الحاجب وإخراج القيمة طوعا لا يجزىء وكرها يجزىء على المشهور فيهما وقول الشيخ إن شاء الله إشارة إلى قوة الخلاف وقوله: "ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية" تقدم في الباب الذي قبل هذا ولم يظهر لتكراره معنى "تتميم" مهم مشتمل على عدة مسائل. الأولى: أن يخرجها أي الصدقة بنية الزكاة فإن أخرجها بغير نية الزكاة فلا تجزئ إلا أن يكون مكرها أي ونية المكره بالكسر كافية. الثانية: أن لا ينقلها من الموضع الذي وجبت فيه إلا أن لا يكون فيه من يعطيها له فينقلها إلى أقرب المواضع إليه. الثالثة: أن يخرجها وقت وجوبها فإن أخرها عنه أجزأ وارتكب محرما. الرابعة: أن يصرفها في مصارفها الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ إلى آخر الآية ثم انتقل يتكلم على زكاة الفطر فقال:

стр. 373

باب في زكاة الفطر . وزكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله ﷺ على كل كبير أوصغير ذكر أو أنثى حر أو عبد من المسلمين صاعا ــ "باب في" بيان "زكاة الفطر" أي في بيان الأحكام المتعلقة بها "وزكاة الفطر سنة واجبة" أي مؤكدة ما ذكر من أنها سنة واجبة أي مؤكدة نقل الفاكهاني عن بعض شيوخه أنه المشهور والظاهر من المذهب الوجوب وصرح ابن الحاجب بمشهوريته واختلف في معنى قوله: "فرضها رسول الله ﷺ " فقيل معناه قدرها فيكون مارا على أنها سنة ولاينافيه قوله على كل كبير وعلى الأصاغر فإن الشيخ يستعمل على فيما دون الواجب قال رسول الله ﷺ : "صدقة الفطر من رمضان على الناس صاع من تمر أو صاع من شعير على كل مسلم حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين" وقيل معناه أوجبها وعليه مشى صاحب المختصر وقوله: "على كل كبير أو صغير ذكر أو أنثى حر أو عبد" متعلق بسنة وقوله: "من المسلمين" بيان لكل كبير وما بعده واعترض ابن عمر قوله: "أو عبد" بأن ظاهره وجوبها على العبد ولم يقل به مالك وإنما قال بذلك أهل الظاهر ثم أجاب بأن على بمعنى عن وأوفى كلامه للتنويع لا للتخيير وإنما تتعلق بمن فضل عن قوته في يومه صاع إن كان وحده أو فضل عن قوته وقوت عياله يومه صاع إن كان له عيال فإن لم يقدر على صاع بل على بعضه أخرجه والصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ "صاع" بالرفع خبر مبتدأ محذوف

стр. 374

عن كل نفس بصاع النبي ﷺ وتؤدى من جل عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير أو سلت أو تمر أو أقط أو زبيب أو دخن أو ذرة أو أرز وقيل إن كان العلس قوت قوم أخرجت منه وهو حب صغير يقرب من خلقة البر ــ تقديره قدرها صاع وفي رواية صاعا بالنصب مفعول فرض والصاع المفروض المخرج "عن كل نفس بصاع النبي ﷺ " وهو أربعة أمداد بمده ﷺ "وتؤدى" الصدقة "من جل" أي غالب "عيش أهل ذلك البلد" أي بلد المزكي سواء كان قوتهم مثل قوته أو أعلى أو أدنى فإن كان قوته أعلى من قوتهم وأخرج منه أجزأه وإن كان دون قوتهم وأخرج منه فإن فعل ذلك شحا فظاهر كلام ابن الحاجب أن ذلك لا يجزئه اتفاقا ثم فسر الجل الذي تؤدى منه بقوله: "من بر" وهو الحنطة "أو شعير أو سلت" الشعير معروف والسلت نوع منه ليس عليه قشر كالحنطة "أو تمر أو أقط" بفتح الهمزة وكسر القاف ويجوز إسكانها مع فتح الهمزة وكسرها وهو لبن يابس غير منزوع الزبد "أو زبيب أو دخن" بدال مهملة مضمومة "أو ذرة" بضم الذال المعجمة وفتح الراء المخففة حب معروف "أو أرز" بضم الهمزة والراء على أحد لغاته حب معروف وإذا أخرج من غير هذه الأنواع التسعة لا يجزئه على المشهور هذا إذا كانت موجودة أو بعضها اقتيت أولا وأما إذا لم توجد لا كلا ولابعضا واقتيت غيرها أجزأ وزاد ابن حبيب عاشرا أشار إليه بقوله: "وقيل إن كان العلس" بفتح العين واللام المخففة وبالسين المهملة "قوت قوم أخرجت منه" الزكاة "وهو" أي العلس "حب صغير يقرب من خلقة البر" وهو طعام أهل

стр. 375

ويخرج عن العبد سيده والصغير لا مال له يخرج عنه والده ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته وعن مكاتبه وإن كان لا ينفق عليه لأنه عبد له بعد ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر ــ صنعاء ثم شرع يبين من يلزمه إخراجها عنه فقال: "ويخرج عن العبد سيده" فإن كان مبعضا بأن أعتق بعضه يخرج السيد عن حصته ويسقط عن العبد الجزء المعتق منه والعبد المشترك يخرج كل بقدر ما يملك منه "و" كذا الولد المسلم "الصغير" الذي "لا مال له يخرج عنه والده" مفهومه أن الكبير لا يخرج عنه وليس هو على إطلاقه بل فيه تفصيل وهو إن كان ذكرا وبلغ صحيحا لا يخرج عنه وإن بلغ زمنا أخرج عنه والأنثى يخرج عنها وإن بلغت حتى تتزوج ومفهوم لا مال له أنه لو كان له مال لا يخرج عنه وهو كذلك وتقييد الولد بالمسلم احترازا من الكافر فإنه لا يخرج عنه ولو اقتصر على قوله: "ويخرج الرجل" يعني أو غيره "زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته" بقرابة أو رق أو نكاح لأغنى عما قبله "و" كذلك يخرج زكاة الفطر "عن مكاتبه" على المشهور وعن مالك سقوطها عنهما وقيل تجب على المكاتب فمقابل المشهور قولان "وإن كان لا ينفق عليه لأنه عبد له بعد" أي بعد عجزه "ويستحب إخراجها" أي زكاة الفطر "إذا طلع الفجر من يوم الفطر" لما في مسلم أنه ﷺ كان يأمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى المصلى وتعرض لوقت الاستحباب ولم يتعرض لوقت الوجوب وفيه قولان مشهوران أحدهما أنها تجب بغروب الشمس من آخر أيام رمضان والآخر بطلوع فجر يوم

стр. 376

ويستحب الفطر فيه قبل الغدو إلى المصلى وليس ذلك في الأضحى ويستحب في العيدين أن يمضي من طريق ويرجع من أخرى. ــ العيد ويجوز إخراجها قبل يوم الفطر بيوم أو يومين ولا تسقط بمضي زمنها لأنها حق للمساكين ترتب في الذمة ولا يأثم ما دام يوم الفطر باقيا فإن أخرها مع القدرة على إخراجها أثم وتدفع لحر مسلم فقير أو مسكين فلا تدفع لعبد ولو كان فيه شائبة حرية ولا لكافر ولا لغني "ويستحب الفطر قبل الغدو إلى المصلى" فيه أي في يوم الفطر على أي شيء لكن الأفضل أن يكون على تمر وترا لما صح من فعله ﵊ ذلك "وليس ذلك" أي استحباب الفطر قبل الغدو إلى المصلى "في" عيد "الأضحى" بل المستحب فيه الإمساك حتى يرجع فيأكل من أضحيته لفعله ﵊ ذلك "ويستحب في العيدين أن يمضي من طريق ويرجع من أخرى" تكرار مع ما تقدم له في صلاة العيدين

стр. 377

باب في الحج والعمرة . ــ "باب في" بيان حكم "الحج" بفتح الحاء وكسرها الفتح هو القياس والكسر أكثر سماعا وكذا اللغتان في الحجة "و" في بيان "العمرة" وصفتهما وما يتعلق بهما ولكل واحد منهما معنى لغوي واصطلاحي أما الحج لغة فهو قصد الشيء مرة أو فعل الشيء مرة بعد مرة أو مجرد القصد أقوال مأخوذ من قولك حج فلان فلانا إذا كرر زيارته نظير قوله تعالى: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ أي يرجعون إليه كل عام

стр. 378

وحج بيت الله الحرام الذي ببكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا من المسلمين الأحرار البالغين ــ ويكررون زيارته وأما اصطلاحا فهو عبادة ذات إحرام ووقوف وطواف وسعي وغير ذلك وأما العمرة لغة فهي الزيارة يقال: اعتمر فلان فلانا إذا زاره واصطلاحا عبادة ذات إحرام وسعي وطواف بدأ بحكم الحج فقال: "وحج بيت الله الحرام الذي ببكة" بالباء لغة في مكة وإضافته إلى الله إضافة تشريف ومن شرفه أنه لا يعلوه طير إلا لعلة به وإذا علاه ذو علة شفى الله علته وإذا عم الشتاء ركنا من أركانه عم ذلك البلد الذي يواليه وإذا عم الشتاء جميع أركانه عم الشتاء جميع البلاد "فريضة" بشروط خمسة أشار إلى أحدها بقوله: "على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا" أي إلى بيت الله الحرام ويحتمل عوده إلى الحج كما في التتائي وإلى الثاني أشار بقوله: "من المسلمين" ظاهره أن الاسلام شرط وجوب وهو الذي مشى عليه ابن الحاجب والذي مشى عليه صاحب المختصر أنه شرط صحة فعلى الأول الكفر مانع من وجوبه وعلى الثاني مانع من صحته وإلى الثالث أشار بقوله: "الأحرار" لا خلاف في كون الحرية شرط وجوب فالعبد القن ومن فيه شائبة رق لا يجب عليه لأنه ﷺ حج بأزواجه ولم يحج بأم ولده وإذا لم يجب على أم الولد فغيرها أولى وإلى الرابع أشار بقوله: "البالغين" ولا يختص اشتراط البلوغ بالحج أي فلا ينبغي عده من شروط الحج لأنه لا يعد من شروط الشيء إلا ما كان خاصا به وكذلك لا ينبغي عد الإسلام ولا الحرية لأنهما لا يختصان بالحج ألا ترى أن الحرية شرط أيضا في الزكاة بقي شرط آخر وهو العقل أي فلا يجب الحج على غير العاقل فالمكلف وما قبله شرطا وجوب فلو حج غير المكلف أو العبد صح حجه ولا يسقط عنه حجة الإسلام دل على

стр. 379

مرة في عمره والسبيل الطريق السابلة والزاد المبلغ إلى مكة والقوة على الوصول إلى مكة إما راكبا أو راجلا مع صحة البدن ــ فرضيته الكتاب والسنة والإجماع فمن جحد وجوبه أو شك فيه فهو كافر ومن أقر بوجوبه وامتنع من فعله فالله حسبه أي لا يتعرض له وإنما يجب الحج على من اجتمعت فيه الشروط "مرة" واحدة "في عمره" إجماعا ولا التفات لمن قال إنه يجب في كل خمسة أعوام "والسبيل" المذكور عبارة عن مجموع أربعة أشياء أحدها "الطريق السابلة" أي المأمونة فإن خاف على نفسه سقط عنه اتفاقا وإن خاف على بعض ماله وكان يجحف به سقط عنه وإن كان لا يجحف به سقط على أحد القولين "و" ثانيهما " الزاد المبلغ" أي الموصل "إلى مكة" ظاهر كلامه أنه لا يعتبر إلا ما يوصله فقط وهو نص اللخمي وقيده بقوله إلا أن يعلم أنه لو بقي هناك ضاع وخشي على نفسه فيراعي ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب المواضع مما يمكنه أن يتمعش فيه وبيع في زاده داره وغير ذلك وإن كان يترك ولده وزوجته لا مال لهم إلا أن يخشى عليهم الضياع. "و" ثالثها: "القوة على الوصول إلى مكة إما راجلا" أي ماشيا "أو راكبا" فالأعمى إذا وجد من يقوده ولم يحصل له مشقة فادحة فإنه يجب عليه وقيد المشقة لأنه لا يشترط انتفاؤها جملة وإلا سقط الحج عن أغلب الناس المستطيعين إذ لا بد من أصل المشقة ومثل الأعمى الشيخ الكبير الذي لا يهتدي إلا بقائد فيما ذكر. ورابعها: أشار إليه بقوله: "مع صحة البدن" قيل هو داخل في قوله والقوة على الوصول وقال بعضهم هو شرط رابع فالمريض لا يجب عليه الحج ولو وجد ما يركبه

стр. 380

وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات وميقات أهل الشأم ومصر والمغرب الجحفة فإن مروا بالمدينة ــ ثم اعلم أن للحج فرائض وسننا وفضائل ولم يبينها الشيخ وإنما ذكر صفة الحج على الترتيب الواقع المشتمل عليها ونحن ننبه عليها إن شاء الله تعالى فنقول من الفرائض الإحرام وله ميقاتان زماني ومكاني والأول لم يذكره الشيخ وهو شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه على المشهور وقيل العشر الأول منه وفائدة الخلاف تظهر في تأخير طواف الإفاضة فعلى المشهور لا يلزمه دم إلا بتأخيره للمحرم وعلى مقابله إذا أخره إلى حادي عشره إذا علمت ذلك علمت أن الزمن المحدد بما ذكر وقت للحج تحللا وإحراما لا إحراما فقط فلو أحرم قبل شوال كره وانعقد إحرامه والثاني شرع في بيانه فقال: "وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات" فإن أحرم قبله كره أي ويصح والمستحب أن يحرم من أوله ولا يؤخره لآخره لأن المبادرة للطاعة أولى وهو يتنوع باختلاف حال المحرم فإنه إما أن يكون مكيا أو آفاقيا والمكي لم يذكره الشيخ وهو المقيم بها سواء كان من أهلها أو لا فميقاته للحج مكة ويندب له أن يحرم من جوف المسجد وميقاته للعمرة وللقران الحل لأن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم والآفاقي يتنوع ميقاته إلى خمسة أنواع باختلاف أفقه سواء كان محرما بحج أو عمرة "و" أما "ميقات أهل الشام ومصر والمغرب" فهو "الجحفة" بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وهي قرية على نحو سبع مراحل من المدينة المشرفة وثلاث أو خمس من مكة فالثلاثة على قول والخمسة على قول فانظر الأصح منهما "فإن مروا" أي أهل هذه الأفق الثلاثة "بالمدينة" المشرفة

стр. 381

فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها من ذي الحليفة وميقات أهل العراق ذات عرق وأهل اليمن يلملم وأهل نجد من قرن ومن مر من هولاء بالمدينة فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ لا يتعداه إلى ميقات له ويحرم الحاج أو المعتمر ــ "فالأفضل لهم أن يحرموا" من ميقات أهلها وهو "من ذي الحليفة" بضم الحاء المهملة وفتح اللام وبالفاء بينه وبين المدينة المشرفة ستة أميال وهو أبعد المواقيت من مكة بينهما نحو عشرة مراحل "و" أما "ميقات أهل العراق" أي كالبصرة والكوفة زاد في الجلاب وفارس وخراسان "فذات عرق" بكسر العين المهملة قرية خربت على مرحلتين من مكة "و" أما ميقات أهل "اليمن" فـ "يلملم" بفتح المثناة تحت وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة "و" أما ميقات أهل "نجد" فـ "من قرن" بفتح القاف وسكون الراء وهو جبل صغير منقطع عن الجبال تلقاء مكة على مرحلتين منها "ومن مر من هؤلاء" يعني أهل العراق واليمن ونجد "بالمدينة" المشرفة "فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ لا يتعداه" من مر منهم بالمدينة "إلى ميقات له" بعد فيحرم منه بخلاف من مر من أهل الشام ومصر والمغرب بالمدينة لم يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ يتعداه إلى ميقات له بعد فيحرم منه وإنما خالف الأفضل فقط ومن كان بين المواقيت فميقاته من بيته أي فيحرم منه ومن حج في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم إذا حاذى الجحفة "ويحرم الحاج أو المعتمر

стр. 382

بإثر صلاة فريضة أو نافلة يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وينوي ما أراد من حج أو عمرة ــ بإثر" بكسر الهمزة وسكون المثلثة وفتحهما "صلاة فريضة أو نافلة يقول لبيك" أي في حال كونه قائلا الخ أي على جهة السنية وملخصه أن التلبية واجبة في نفسها بحيث لو تركها يلزمه دم ويسن مقارنتها للإحرام ومعنى لبيك إجابة بعد إجابة فالإجابة الأولى لقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ والثانية حين أذن سيدنا إبراهيم في الناس بالحج فنادى أيها الناس إن لله بيتا فحجوه فكانوا يجيبونه من مشارق الأرض ومغاربها ومن بطون النساء وأصلاب الرجال "لا شريك لك لبيك إن الحمد" بكسر الهمزة "والنعمة" بالفتح على الأشهر أي لعطفه على منصوب إن قبل الاستكمال "لك والملك" اختار بعضهم الوقف عليه والابتداء بقوله: "لا شريك لك وينوي ما أراد من حج أو عمرة" قال ابن عمر ظاهر كلامه على قول ابن حبيب القائل بأن الإحرام إنما ينعقد بالنية والقول أي التلبية فجعل التلبية شرطا في صحته فهي بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة وفي مناسك خليل حقيقة الإحرام الدخول بالنية في أحد النسكين مع قول متعلق به كالتلبية أو فعل متعلق به كالتوجه على الطريق وقال أيضا إن الإحرام لا ينعقد بمجرد النية أي بل لا بد من قول كالتلبية أو فعل كالتوجه إلى الطريق فليس خصوص التلبية شرطا في صحة الإحرام كما يقول ابن حبيب بل المدار على وجود أحد الأمرين من القول أو الفعل ويستحب الاقتصار على التلبية المذكورة لأنها تلبيته عليه الصلاة والسلام

стр. 383

ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم ويتجرد من مخيط الثياب ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة ولا يزال يلبي دبر الصلوات وعند كل شرف وعند ملاقاة الرفاق وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك ــ "ويؤمر" مريد الحج أو العمرة ولو حائضا أو نفساي على جهة السنية "أن يغتسل عند" إرادة "الإحرام قبل أن يحرم" لما في الترمذي أنه ﷺ تجرد للإحرام واغتسل قبل أن يحرم وليس في تركه عمدا أو نسيانا دم وكذا باقي اغتسالات الحج والدليل على سنيته للحائض والنفساء ما في الموطأ أن أسماء ولدت فذكر أبو بكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "مرها فلتغتسل ثم لتهل" ويستحب لمريد الإحرام بأحد النسكين أن يقلم أظفاره ويحلق عانته ويقص شاربه ولايحلق رأسه طلبا للشعث "و" يؤمر أيضا إن كان رجلا على جهة السنية أن "يتجرد من مخيط الثياب" ويلبس إزارا ورداء ونعلين "ويستحب له" أي للمحرم إن كان غير حائض ونفساء "أن يغتسل لدخول مكة" والأفضل أن يكون بذي طوى مثلث الطاء لفعله ﵊ "ولا يزال" المحرم "يلبي دبر الصلوات" الفرائض والنوافل "وعند كل شرف" مكان عال وفي بطون الأودية "وعند ملاقاة الرفاق" جمع رفقة بضم الراء وكسرها الجماعة يرتفقون فينزلون معا ويرتحلون معا وعند اليقظة من النوم ولا يرد الملبي سلاما حتى يفرغ ويستحب رفع الصوت بالتلبية رفعا متوسطا والمرأة تسمع نفسها فقط ولا تكره التلبية للحائض ولا للجنب "وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك" لا وجوبا ولا استحبابا بل هو مكروه عند مالك ذوالإلحاح الإكثار وهو

стр. 384

فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة وإذا خرج خرج من كدى وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج قال فإذا دخل مكة فليدخل المسجد الحرام ــ ملازمة التلبية حتى لا يفتر عن ذلك وكما أنه لا يلح لا يسكت حتى تفوته الشعيرة "فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم" بعد فراغه من الطواف والسعي "يعاودها" أي التلبية ويستمر على ذلك "حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها" وروي يقطعها عند جمرة العقبة وإليه مال اللخمي لما في مسلم: "أنه ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة" "ويستحب" للحاج والمعتمر "أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة" لأن النبي ﷺ فعل كذا والصحابة بعده ويستحب دخولها نهارا لفعله ﵊ ذلك فإن دخل قبل طلوع الشمس فلا يطوف فإن طاف فلا يركع حتى تطلع الشمس وتحل النافلة ويستحب للمرأة إذا قدمت نهارا أن تؤخر الطواف إلى الليل "و" كذلك يستحب له "إذا خرج" من مكة "أن يرجع من كدى" وهو موضع من أسفل مكة وكدى بضم الكاف منون "وإن لم يفعل في الوجهين" ما ذكر من الدخول من الثنية العليا والخروج من السفلى "فلا حرج" أي لا إثم عليه ولا دم لأنه لم يترك واجبا "قال" الإمام مالك ﵀ "فإذا دخل" الحاج أو المعتمر "مكة فليدخل المسجد الحرام" أي يبادر

стр. 385

ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة فيستلم الحجر الأسود بفيه إن قدر وإلا وضع يده عليه ثم وضعها على فيه من غير تقبيل ثم يطوف ــ بدخول المسجد الحرام ولا يقدم عليه غيره إلا ما لا بد منه من حط رحل وأكل خفيف فالتراخي عنه إساءة أدب "وإذا أراد دخول المسجد" الحرام "فمستحسن" أي مستحب "أن يدخل من باب بني شيبة" ويعرف الآن بباب السلام لفعله ﵊ وبعد دخوله المسجد فليكن أول ما يقصده بعد نية الطواف الركن الأسود فإذا وصل إليه "يستلم" بمعنى يلمس "الحجر الأسود بفيه إن قدر" على ذلك "وإلا" أي وإن لم يقدر على استلامه بفيه "وضع يده عليه" أي على الحجر الأسود "ثم وضعها على فيه من غير تقبيل" أي تصويت فإن لم يصل إليه مسه بعود ثم يضعه على فيه من غير تقبيل فلا يكفي العود مع إمكان اليد ولا اليد مع إمكان التقبيل وهذا الاستلام سنة في أول الطواف مستحب في باقيه ودليل الاستلام ما في الصحيحين أن عمر ﵁ قبله وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك, "ثم" إذا فرغ من استلام الحجر الأسود فإنه "يطوف" بالبيت الشريف طواف القدوم وهو واجب على كل من أحرم من الحل سواء كان من أهل مكة أو غيرها أما إذا أحرم من الحرم فإنه لا قدوم عليه لكونه غير قادم وللطواف من حيث هو سواء كان ركنا أو واجبا أو مندوبا واجبات وسنن ومستحبات أما واجباته فستة: الواجب الأول: شرائط الصلاة من طهارتي الحدث والخبث وستر العورة فلو أحدث في أثنائه تطهر وابتدأ ولا يبني

стр. 386

والبيت على يساره سبعة أطواف ثلاثة خببا ثم أربعة مشيا ــ على المشهور ويباح فيه الكلام لما صح من قوله ﷺ : "الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير". والثاني: أن يكون الطواف داخل المسجد. والثالث: جعل البيت على يساره وإليه أشار بقوله: "والبيت" الشريف "على يساره" فلو جعله على يمينه لم يصح طوافه ولزمته الإعادة وينبغي أن يحتاط عند ابتداء الطواف فيقف قبل الركن بقليل بحيث يكون الحجر عن يمين موقفه كذا في الفاكهاني والموافق عن يسار موقفه ليستوعب جملته بذلك لأنه إن لم يستوعب الحجر لم يعتد بالشوط الأول فليتنبه لذلك فإن كثيرا ما يقع فيه الجهال ويكون في طوافه خارجا عن البيت فعلى من قبل الحجر الأسود أن لا يمشي إلا بعد أن ينتصب قائما كما كان ولا يجوز له أن يقبله ثم يمشي وهو مطأطئ رأسه أو يده لئلا يحصل بعض الطواف وليس جميع بدنه خارجا عن البيت لأنه يكون بعض البدن على الشاذروان وهو من البيت فلا يصح طوافه. والرابع: أن يطوف "سبعة أطواف" جمع طوف وهو الشوط وابتداؤه من الحجر إلى الحجر أي الحجر الأسود فلو ابتدأ من الركن اليماني أتم إليه وعليه دم. الخامس: الموالاة فلو نسي شوطا وذكر بالقرب ولم ينتقض وضوءه عاد إليه بالقرب كما يرجع إلى الصلاة وإن طال بطل الطواف قياسا على الصلاة. السادس: أن يركع ركعتين عقبه. وأما سننه فأربعة: أحدها: الرمل بفتح الراء وإليه أشار بقوله: "ثلاثة خببا" الخبب الرمل وهو الهرولة فوق المشي دون الجري وهو سنة الرجل لا المرأة ولو مريضا ولا دم في تركه ولو مع القدرة "ثم أربعة مشيا" ودليل هذا كله فعله ﵊. ثانيها: الدعاء وهو غير محدود. ثالثها: استلام الحجر.

стр. 387

ويستلم كلما مر به كما ذكرنا ويكبر ولا يستلم الركن اليماني بفيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين ثم استلم ــ الأسود أول الطواف كما تقدم. رابعها: استلام الركن اليماني أول شوط. وأما مستحباته فأربعة: الأول: استلام الحجر الأسود في أول كل شوط ما عدا الأول وإليه أشار بقوله: "ويستلم الركن" يعني الحجر الأسود "كلما مر به كما ذكرنا" أولا وهو أن يستلمه بفيه إن قدر وإلا وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل وظاهر قوله: "ويكبر" أنه يجمع بين الاستلام والتكبير وظاهر المدونة خلافه لكن الراجح الجمع بينهما. الثاني استلام الركن اليماني في أول كل شوط غير الأول وإليه وإلى صفة استلامه أشار بقوله: "ولا يستلم" الركن "اليماني بفيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل" ونحوه في المدونة. الثالث: الدنو من البيت للرجال دون النساء. الرابع: الدعاء بالملتزم بعد الفراغ من الطواف والملتزم ما بين الركن والباب فيعتنقه ويلح في الدعاء "فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين" اشتمل كلامه على واجب ومستحبين فالواجب فعل ركعتين بعد الطواف على المذهب والمستحبان كونهما عند المقام واتصالهما بالطواف ومفاده أنه ليس في ترك الاتصال دم مطلقا وليس كذلك بل الدم في بعض الأحوال فحينئذ ليس الاستحباب مطلقا بل في البعض والوجوب في البعض الآخر الذي يترتب فيه الدم وحاصل القول أن من لم يفعل الركعتين حتى تباعد أو رجع لبلده فإنه يفعلهما مطلقا ثم إن كانتا من طواف واجب فعليه الدم وإن كانتا من غيره لم يجب عليه دم وإن لم يتباعد ولا

стр. 388

الحجر إن قدر ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء ثم يسعى إلى المروة ويخب في بطن المسيل فإذا أتى المروة وقف عليها للدعاء ثم يسعى إلى الصفا يفعل ذلك سبع ــ رجع لبلده فإن لم تنتقض طهارته أتى بالركعتين فقط مطلقا وإن انتقضت طهارته عمدا فيأتي بالطواف والركعتين ولو كانتا من غير فرض ويعيد السعي إن كان فعله وإن لم يتعمد نقض طهارته ففي الفرض يعيد الطواف والركعتين والسعي وفي غيره يعيدهما وهل يعيد الطواف أو لا الظاهر ترجيح الثاني ولا يستلم اليماني ويستحب بعد استلام الحجر الأسود أن يمر بزمزم فيشرب منها "ثم يخرج إلى الصفا" صرح الأقفهسي وابن عمر باستحباب الخروج من باب الصفا لكونه أقرب إلى الصفا ونقل زروق عن ابن حبيب أن النبي ﷺ خرج منه "فيقف عليه لـ" أجل "الدعاء ثم" إذا فرغ من الدعاء نزل منه فـ "يسعى" أي يمشي "إلى المروة" قال في المصباح المرو الحجارة البيض الواحدة مروة وسمي بالواحدة الجبل المعروف بمكة "و" الحال أنه "يخب" أي يسرع في مشيه وهذا سنة الرجل دون المرأة "في بطن السيل" خاصة في المرور إلى المروة والمسيل ما بين الميلين الأخضرين هما اللذان في جدار المسجد الحرام على يسار الذاهب إلى المروة أولهما في ركن المسجد تحت منارة علي والثاني بعده قبالة رباط العباس فإذا أتى المروة "وقف عليها لـ" أجل "الدعاء" والدعاء عليها وعلى الصفا غير محدود والوقوف عليهما سنة "ثم" بعد فراغه من الدعاء على المروة "يسعى" أي يمشي "إلى الصفا يفعل ذلك" أي ما ذكر من الوقوف على الصفا والمروة والدعاء عليهما والخبب في بطن المسيل "سبع

стр. 389

مرات فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة ثم يخرج يوم التروية إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر ــ مرات" فيتحصل مما ذكرنا أنه "يقف لذلك أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة" وهذا السعي ركن من أركان الحج والعمرة التي لا بد منها لا يجزىء في تركه هدي ولا غيره دل على فرضيته الكتاب والسنة وله شروط وسنن ومستحبات أما شرائطه فأربعة الأول الترتيب وهو أن يأتي بالسعي بعد الطواف فلو بدأ بالسعي رجع فطاف وسعى الثاني الموالاة فإن جلس وطال وصار كالتارك ابتدأ السعي وإن كان شيئا خفيفا لم يضر وإن أصابه حقن أي حبس بول توضأ وبنى والكلام فيه أخف من الكلام في الطواف أي لا ينبغي له الكلام إلا أنه أخف الثالث إكمال العدد وإليه أشار بقوله سبع مرات فمن ترك شوطا من حج أو عمرة سواء كانا صحيحين أو فاسدين فليرجع لذلك من بلده ومن ترك من السعي ذراعا لم يجزه الرابع أن يتقدمه طواف صحيح ولا يشترط فيه أن يكون واجبا بل يكفي أي طواف كان على ما صدر به ابن الحاجب وفهمه خليل من المدونة وهو الراجح وقال زروق المشهور اشتراط كونه واجبا كطواف الإفاضة والقدوم "ثم" بعد فراغه من السعي إذا قرب وقت الوقوف فإنه "يخرج يوم التروية إلى منى" سميت بذلك لأن إبراهيم ﵊ تمنى فيها كشف ما نزل به من الأمر بذبح ولده وقيل لأن الدماء تمنى أي تراق فيها بينها وبين مكة ستة أميال ويستحب أن يكون خروجه إليها بقدر ما إذا وصل إليها حانت الصلاة "فيصلي بها الظهر والعصر

стр. 390

والمغرب والعشاء والصبح ثم يمضي إلى عرفات ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها وليتطهر قبل رواحه فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام ــ و" يستحب أيضا أن يبيت بها فيصلي بها "المغرب والعشاء" والأصل في هذا فعله ﵊ فقد روى أحمد أنه ﷺ صلى بمنى خمس صلوات الظهر والصبح وما بينهما ومن ترك المبيت بها كره له ذلك ولا دم عليه "ثم" إذا صلى الصبح من اليوم التاسع بمنى يستحب له أن لا يخرج منها إلا بعد طلوع الشمس فـ "يمضي إلى عرفات" وهو موضع الوقوف فإذا وصل إلى عرفة فالمستحب أن ينزل بنمرة وهو من آخر الحرم وأول الحل "ولا يدع التلبية في هذا كله" أي ما ذكر من الخروج بعد طلوع الشمس الخ "حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها" وهو مسجد نمرة "وليتطهر" أي يغتسل بعد الزوال "قبل رواحه إلى المصلى" ولا يتدلك في هذا الغسل دلكا بالغا بل بإمرار اليد فقط وهذا آخر اغتسالات الحج الثلاثة وقد تقدم بيان حكمه وهو للوقوف لا للصلاة فتخاطب به الحائض والنفساء "فـ" إذا وصل إلى المصلى "يجمع بين الظهر والعصر مع الإمام" جمعا وقصرا زاد في المدونة بأذانين وإقامتين والقراءة في ذلك سرا لا جهرا ولو وافقت جمعة لأنه يصلي ظهرا لا جمعة ومن فاته الجمع مع الإمام جمع في رحله وما ذكر من القصر فهو في حق غير أهل عرفة أما هم فيتمون والضابط أن أهل كل مكان يتمون فيه ويقصرون فيما سواه والقصر بعرفة إنما هو للسنة وإلا فهو ليس بمسافة قصر في حق المكي وأهل
следующие страницы →