← Фикх малики

Фикх малики · id 7441

الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني

صالح بن عبد السميع الأزهري

Полный текст (751 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ولا يرث قاتل الخطإ من الدية ويرث من المال وكل من لا يرث بحال فلا يحجب وارثا والمطلقة ثلاثا في المرض ترث زوجها إن مات من مرضه ذلك ولا يرثها وكذلك إن كان الطلاق واحدة وقد مات من مرضه ذلك بعد العدة وإن طلق الصحيح امرأته طلقة واحدة فإنهما يتوارثان ــ فإنه يرثه "ولا يرث قاتل الخطأ من الدية ويرث من المال" ويحجب في موضع يرث ولا يحجب في موضع لا يرث مثال ذلك أن يترك الميت أما وأخوين أحدهما قاتله فإن الأم ترث من المال السدس وما بقي للأخوين معا لأن الأخوين يحجبانها من الثلث إلى السدس وترث من الدية الثلث لأن القاتل لا يرث من الدية فلا يحجبها وباقي موانع الميراث انتفاء النسب باللعان وإبهام التقديم والتأخير كما إذا مات قوم من الأقارب في سفر أو تحت هدم وجهل السابق منهم لفقد الشرط وهو تأخير حياة الوارث من موت الموروث "وكل من لا يرث بحال لا يحجب وارثا" إلا في مسائل مذكورة في الأصول "والمطلقة ثلاثا في المرض" المخوف الذي أشرف فيه الزوج على الموت "ترث زوجها إن مات من مرضه ذلك" الذي طلقها فيه لنهيه ﵊ عن إخراج وارث وبه قضى عثمان فقد ورث زوجة عبد الرحمن بن عوف منه بعد انقضاء عدتها وكان قد طلقها البتة وهو مريض ثم مات من مرضه هذا "ولا يرثها هو" لأنها أجنبية منه ببينونتها "وكذلك إن كان الطلاق واحدة" رجعية "و" الحال أنه "قد مات من مرضه ذلك" الذي طلق فيه "بعد" انقضاء "العدة" في أنها ترثه "وإن طلق الصحيح زوجته طلقة واحدة" رجعية "فإنهما يتوراثان

стр. 667

ما كانت في العدة فإن انقضت فلا ميراث بينهما بعدها ومن تزوج امرأة في مرضه لم ترثه ولا يرثها وترث الجدة للأم السدس وكذلك التي للأب فإن اجتمعا فالسدس بينهما إلا أن تكون التي للأم أقرب بدرجة فتكون أولى به لأنها التي فيها النص وإن كانت التي للأب أقربهما فالسدس بينهما نصفين ولا يرث عند مالك أكثر من جدتين أم الأب وأم الأم وأمهاتهما ويذكر عن زيد بن ثابت أنه ورث ثلاث جدات ــ ما كانت في العدة" وكذا بقية أحكام الزوجية ثابتة بينهما "فإن انقضت العدة فلا ميراث بينهما بعدها" لأن الطلاق في الصحة لا تهمة فيه "ومن تزوج امرأة في مرضه لم ترثه ولا يرثها" لفساد ذلك النكاح "وترث الجدة للأم السدس" فقط لما ثبت أنه ﷺ أعطاها السدس "وكذا" الجدة "التي للأب" ترث السدس بطريق القياس على التي للأم "فإن اجتمعتا فالسدس بينهما" نصفان "إلا أن تكون التي للأم أقرب بدرجة فتكون أولى به لأنها التي" ورد "فيها النص وإن كانت التي للأب أقربهما فالسدس بينهما نصفين" ولا تختص به التي للأب كما اختصت به التي للأم عند القرب لأنها إنما أخذت بطريق القياس وتلك بطريق النص "ولا يرث عند مالك ﵀ أكثر من جدتين أم الأب وأم الأم وأمهاتهما" يقمن مقامهما عند عدمهما تحجب القربى البعدي على حكم ما تقدم "ويذكر عن زيد بن ثابت" ﵁ "أنه ورث ثلاث جدات

стр. 668

واحدة من قبل الأم واثنتين من قبل الأب أم الأب وأم أبي الأب ولم يحفظ عن الخلفاء توريث أكثر من جدتين وميراث الجد إذا انفرد فله المال وله مع الولد الذكر أو مع ولد الولد الذكر السدس فإن شركه أحد من أهل السهام غير الإخوة والأخوات فليقض له بالسدس فإن بقي شيء من المال كان له فإن كان مع أهل السهام إخوة ــ واحدة من قبل الأم" وهي أم الأم "واثنتين من قبل الأب" إحداهما "أم الأب و" الأخرى "أم أبي الأب ولم يحفظ عن الخلفاء" الأربعة ﵃ "توريث أكثر من جدتين" ثم انتقل يتكلم على ميراث الجد فقال: "وميراث الجد" للأب عند عدم الأب من ولد ابنه وإن سفل ذكرا كان أو أنثى "إذا انفرد" بأن لم يكن معه أحد من الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب أو غيرهم من أهل السهام أي كالبنت وبنت الابن "فله المال" كله كالأب إجماعا "وله مع الولد الذكر أو مع ولد الولد الذكر السدس" فقط إذا لم يكن معه صاحب فرض ولا أحد من الإخوة "فإن شركه أحد من أهل السهام غير الإخوة أو الأخوات فليفرض" وفي نسخة فليقض وهي أولى "له السدس" من أصل المال كما تقدم في ميراث الأب مع البنت أو بنت الابن "فإن بقي شيء من المال" بعد أخذ الجد السدس وأهل السهام سهامهم "كان له" أي للجد فهو في هذه الحالة وارث بالفرض والتعصيب "فإن كان مع أهل السهام إخوة" أي جنس الإخوة أشقاء أو لأب "فالجد مخير في ثلاثة أوجه" وفي تعبيره بقوله: مخير تجوز لأنه

стр. 669

فالجد مخير في ثلاثة أوجه يأخذ أي ذلك أفضل له إما مقاسمة الإخوة أو السدس من رأس المال أو ثلث ما بقي فإن لم يكن معه غير الإخوة فهو يقاسم أخا وأخوين أو عدلهما أربع أخوات فإن زادوا فله الثلث فهو يرث الثلث مع الإخوة إلا أن تكون المقاسمة أفضل له والإخوة للأب معه في عدم الشقائق كالشقائق فإن اجتمعوا عاده الشقائق بالذين للأب ــ إنما يأخذ الأفضل منها كما نص على ذلك هو في آخر عبارته بقوله: "يأخذ أي ذلك أفضل له" والأوجه الثلاثة "إما مقاسمة الإخوة" فيقدر أخا "أو" يأخذ "السدس من رأس المال أو" يأخذ "ثلث ما بقي فإن لم يكن معه" أي الجد "غير الإخوة" لا أهل السهام ولا غيرهم "فهو يقاسم أخا وأخوين" أي ويقاسم أخوين "أو عدلهما أربع أخوات" بدل من عدلهما "فإن زادوا" أي الإخوة على الأخ والأخوين وعدلهما بأن يكونوا أكثر من مثلي الجد "فله الثلث" من أصل المال فرضا لا ينقص عنه إذا علمت هذا "فهو" أي الجد "يرث الثلث مع الإخوة إلا أن تكون المقاسمة أفضل له" من أخذ الثلث أو استويا فإنه يقاسم "والإخوة للأب معه" أي مع الجد "في" حال "عدم" الإخوة "الشقائق كالشقائق" إلا في المسألة المشتركة التي تقدمت "فإن اجتمعوا" أي الأشقاء والذين للأب مع الجد "عاده الشقائق بالذين للأب" أي حاسبوه

стр. 670

فمنعوه بهم كثرة الميراث ثم كانوا أحق منهم بذلك إلا أن يكون مع الجد أخت شقيقة ولها أخ لأب أو أخت لأب أو أخ وأخت لأب فتأخذ نصفها مما حصل وتسلم ما بقي إليهم ولا يربى للأخوات مع الجد إلا في الغراء وحدها وسنذكرها بعد هذا ويرث المولى الأعلى إذا انفرد جميع ــ فهو فعل ماض "فـ" بسبب عد الشقائق على الجد الإخوة للأب "منعوه بعدهم كثرة الميراث ثم كانوا" أي الأشقاء الذكور "أحق منه" صوابه منهم أي من الإخوة للأب مثال ذلك أن يترك الميت جدا وأخا شقيقا وأخا لأب فإن الأخ الشقيق يحاسب الجد بالأخ للأب فيكون للجد الثلث وهو الذي تعطيه المقاسمة ثم يرجع الأخ الشقيق فيأخذ السهم الذي للأخ للأب فيكون في يده سهمان وفي يد الجد سهم "إلا أن يكون مع الجد أخت شقيقة ولها أخ لأب أو أخت لأب أو أخ وأخت لأب فتأخذ" الشقيقة "نصفها مما حصل" كما لو كانت تأخذ لو انفردت "و" بعد أن تأخذ نصفها "تسلم ما بقي" من التركة "إليهم" أي إلى من ذكر من جد أو أخ لأب أو أخت لأب أو هما لأب "ولا يربى" أي لا يفرض "للأخوات مع الجد" شيء مسمى "إلا في" المسألة المعروفة عند الفرضيين بالاكدرية وبـ "الغراء وحدها" فإنه يفرض فيها للأخوات مع الجد "وسنذكرها بعد" إن شاء الله تعالى آخر هذا الباب "ويرث المولى الأعلى" وهو المعتق بكسر المثناة "إذا انفرد" بأن لم يكن معه صاحب فرض ولا أحد من عصبة العتيق "جميع

стр. 671

المال كان رجلا أو امرأة فإن كان معه أهل سهم كان للمولى ما بقي بعد أهل السهام ولا يرث المولى مع العصبة وهو أحق من ذوي الأرحام الذين لا سهم لهم في كتاب الله ولا يرث من ذوي الأرحام إلا من له سهم في كتاب الله ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو جره ــ المال" لأنه يرث بالتعصيب سواء "كان رجلا أو امرأة" وإنما ثبتت الوراثة للمولى المعتق بالولاء لقوله ﵊ الولاء لحمة كلحمة النسب "فإن كان معه أهل سهم" أي فرض ولم يكن معهم عصبة أخذ أهل السهام سهامهم "وكان" بعد ذلك أي بعد أخذ أهل السهام سهامهم "للمولى الأعلى ما بقي" لأنه إنما يرث بالتعصيب وبهذا قضى ﵊ مثال ذلك أن يترك بنتا فتأخذ هي النصف "و" يأخذ هو الباقي "ولا يرث المولى" الأعلى "مع العصبة" أي عصبة العتيق لأنهم يرثون بالنسب "وهو" بالولاء وهو أي المولى الأعلى "أحق من ذوي الأرحام الذين لا سهم لهم في كتاب الله " لعدم التعصيب فيهم ولا فرض لهم فسقطوا "ولا يرث" عندنا "من ذوي الأرحام إلا من له سهم في كتاب الله" وهم الإخوة للأم "ولا يرث النساء من الولاء" أي من أجل الولاء ومفعول يرث محذوف أي شيئا وأراد بالولاء أثره من المال "إلا ما أعتقن" أي إلا الولاء الكائن في الشخص الذي أعتقنه أي باشرن عتقه أو أعتق عنهن أي أعتقه عنهن غيرهن بإذنهن أو بغير إذنهن كما أفاده التتائي "أو جره"

стр. 672

من أعتقن إليهن بولادة أو عتق وإذا اجتمع من له سهم معلوم في كتاب الله وكان ذلك أكثر من المال أدخل عليهم كلهم الضرر وقسمت الفريضة على مبلغ سهامهم ــ إليهن "من عتقن بولادة أو عتق" قال ابن عمر أما العتق فبين بأن تعتق المرأة عبدا وهو يعتق عبدا فيموت العبد المعتق بالكسر أولا ثم يموت المعتق بالفتح عن معتقة معتقه بالكسر فيهما وأما الولادة ففيها تفصيل فإذا أعتقت أي المرأة الأمة وهي حامل فولاء الأمة والجنين للمرأة وما ولدت بعد العتق فإن ولاءه لموالي أبيه أي الذين أعتقوا أباه فلو انقرض موالي الأب لكان الحق لبيت المال "وإذا اجتمع من له سهم معلوم في كتاب الله تعالى" أو في السنة أو بالإجماع "وكان ذلك أكثر من المال أدخل عليهم كلهم الضرر وقسمت الفريضة على مبلغ سهامهم" وتحقيق ما يقال في هذا الموضع أن تقيم أصل الفريضة بأن تصحح المسألة وتعطي لكل وارث من أهل الفريضة سهمه ثم تجمع ذلك فإن اجتمع مثلها أو أقل علمت أنها غير عائلة وإن اجتمع أكثرها أي أكثر منها علمت أنها عائلة كالمنبرية فإن ثلثيها وسدسيها وثمنها يزيد على أربعة وعشرين وإذا عالت فتجعل الفريضة من الموضع الذي بلغته سهامهم وهو السبعة والعشرون مثال ذلك المنبرية وهي زوجة وأبوان وابنتان للبنتين الثلثان ولكل واحد من الأبوين السدس وللزوجة الثمن فاتحد مخرج فرض الأبوين فاكتفينا بواحد وهو من ستة واندرج فيه فرض البنتين واتفق فرض الزوجة مع مخرج السدس بالنصف فتضرب ثلاثة في ثمانية يحصل أربعة وعشرون للبنتين ثلثاها ستة عشر وللأب سدسها أربعة وللأم كذلك أربعة فصار

стр. 673

ولا يعال للأخت مع الجد إلا في الغراء وحدها وهي امرأة تركت زوجها وأمها وأختها لأبوين أو لأب وجدها فللزوج النصف وللأم الثلث وللجد السدس فلما فرغ المال أعيل للأخت بالنصف ثلاثة ثم جمع إليها سهم الجد فيقسم جميع ذلك بينهما على الثلث لها والثلثين له فتبلغ سبعة وعشرين سهما ــ ذلك أربعة وعشرين فاحتجنا إلى فرض الزوجة فعلنا بقدر ثمنها ثلاثة أسهم فعالت إلى سبعة وعشرين "ولا يعال للأخت مع الجد إلا في" المسألة التي سماها مالك بـ "الغراء وحدها وهي" أي من حيث مثالها "امرأة تركت زوجها وأمها وأختها لأبوين أو لأب وجدها لأبيها فـ" المسألة من ستة "للزوج النصف" وهو ثلاثة "وللأم الثلث" وهو اثنان "وللجد السدس" وهو واحد "فلما فرغ المال أعيل للأخت بالنصف ثلاثة" فتصير المسألة بعولها من تسعة ثم يقول الجد للأخت لا ينبغي لك أن تزيدي علي في الميراث لأنك معي كالأخ فردي ما بيدك وهو ثلاثة إلى ما بيدي وهو سهم ليقسم بيننا للذكر مثل حظ الأنثيين وأربعة على ثلاثة لا تصح ولا توافق فتضرب ثلاثة عدد الرؤوس المنكسرة في الفريضة بعولها وهو تسعة فتكون سبعة وعشرين للزوج ثلاثة مضروبة في ثلاثة بتسعة وللأخت والجد أربعة مضروبة في ثلاثة باثني عشر تأخذ الأخت منها ثلثها وهو أربعة ويأخذ الجد ثلثيها وهو ثمانية ومن هذا علم معنى قول الشيخ "ثم يجمع إليها سهم الجد فيقسم جميع ذلك بينهما على الثلث لها والثلثين له فتبلغ سبعا وعشرين سهما"

стр. 674

باب جمل من الفرائض والسنن الواجبة والرغائب . الوضوء للصلاة فريضة وهو مشتق من الوضاءة إلا المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين منه فإن ذلك سنة والسواك مستحب مرغب فيه والمسح على الخفين رخصة وتخفيف والغسل من الجنابة ودم الحيض والنفاس فريضة وغسل الجمعة ــ "باب جمل" أي في بيان جمل "من الفرائض" وجمل من السنن "الواجبة" أي المؤكدة "و" جمل "من الرغائب" وابتدأ هذا الباب بمسائل فقهية فقال: "الوضوء للصلاة" فرضا كانت أو نفلا "فريضة" أي عبادة مفروضة "وهو مشتق من الوضاءة" وهي الحسن قال زروق وهذا في الظاهر بإزالة الأوساخ وفي الباطن بتكفير الذنوب ولما خشي أن يتوهم من قوله فريضة فرضية جميع أجزائه استثنى ما ليس له هذا الحكم فقال: "إلا المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين منه فإن ذلك سنة" أي كل واحد فالإشارة تعود إلى المذكور "والسواك" في الوضوء بمعنى الاستياك "مستحب مرغب فيه" أي مؤكد في طلبه "والمسح على الخفين رخصة" أي ذو رخصة وهي لغة التخفيف وشرعا إباحة الشيء الممنوع مع قيام السبب المانع ويقابلها العزيمة وهي الحكم المشروع أولا "وتخفيف" عطف بيان "والغسل من الجنابة" وهي الإنزال ومغيب الحشفة "ودم الحيض والنفاس فريضة" أي عبادة مفروضة فرضها الشارع "وغسل الجمعة للصلاة

стр. 675

سنة وغسل العيدين مستحب والغسل على من أسلم فريضة لأنه جنب وغسل الميت سنة والصلوات الخمس فريضة وتكبيرة الإحرام فريضة وباقي التكبير سنة والدخول في الصلاة بنية الفرض فريضة ورفع اليدين سنة والقراءة بأم القرآن في الصلاة فريضة وما زاد عليها ــ سنة" مؤكدة وهذا مفسر لقوله في الجمعة والغسل لها واجب "وغسل العيدين مستحب" على المشهور وقيل إنه سنة "والغسل على من أسلم فريضة لأنه جنب" في الغالب أي فما وجب الغسل إلا للجنابة فإذا تحقق أنه لم يجنب لم يجب "وغسل الميت" أي تغسيله غير شهيد المعركة ومن لم يستهل "سنة" وأما غسل الشهيد فحرام "والصلوات الخمس فريضة" فمن جحد وجوبها استتيب فإن لم يتب قتل كفرا "وتكبيرة الإحرام" وهي الله أكبر "فريضة" على كل من يحسنها من فذ وإمام ومأموم "وباقي التكبير سنة" أي إن كل تكبيرة من تكبيرات الصلاة غير تكبيرة الإحرام سنة وليس الجميع سنة وإن قال به أشهب "والدخول في الصلاة بنية الفرض" أي الفريضة أي المفروضة التي هي الصلاة المعينة "فريضة" أي الدخول المصور بنية الفرض فريضة "ورفع اليدين" عند تكبيرة الإحرام فقط دون ما عداها من التكبيرات "سنة" وقيل إن ذلك مستحب "والقراءة بأم القرآن في الصلاة" المفروضة في حق الإمام والفذ في كل ركعة أو في الجل "فريضة" وأما المأموم فيحملها عنه الإمام "وما زاد عليها" أي على أم القرآن في

стр. 676

سنة واجبة والقيام والركوع والسجود فريضة والجلسة الأولى سنة والثانية فريضة والسلام فريضة والتيامن به قليلا سنة وترك الكلام في الصلاة فريضة والتشهدان سنة والقنوت في الصبح حسن وليس بسنة واستقبال القبلة فريضة وصلاة الجمعة والسعي إليها فريضة والوتر سنة واجبة ــ الفرض "سنة واجبة" أي مؤكدة "والقيام في الصلاة" المفروضة للقادر عليه غير المسبوق "والركوع والسجود" للقادر عليه "فريضة" بلا خلاف في ذلك كله فإن ترك شيئا من ذلك مع القدرة عليه فصلاته باطلة "والجلسة الأولى" فيما فيه تشهدان "سنة والثانية" بمقدار ما يوقع فيه السلام خاصة "فريضة" والزائد على ذلك سنة "والسلام" من الصلاة "فريضة" من كل صلاة لها سلام فلا سلام لسجدة التلاوة "والتيامن به" أي بالسلام قليلا بحيث ترى صفحة وجهه للإمام والفذ والمأموم "سنة" والمعتمد ما اعتمده صاحب المختصر أنه فضيلة "وترك الكلام في الصلاة" لغير إصلاحها "فريضة" وأما من تكلم لإصلاح صلاته أي يسيرا وأما الكثير فيبطل وكذا الناسي إن تكلم يسيرا فلا شيء عليه وأما الكثير فمبطل "والتشهدان" أي كل تشهد "سنة" على المشهور "والقنوت في الصبح" فقط سرا "حسن" أي مستحب وقوله: "وليس بسنة" تأكيد ولا سجود على من نسيه "واستقبال القبلة فريضة" في كل صلاة ذات ركوع وسجود وغيرها كصلاة الجنائز إلا في الفرض في شدة الخوف وإلا في حال المرض إذا لم يجد من يحوله إلى القبلة فإنه يصلي حيث تيسر "والوتر سنة واجبة"

стр. 677

وكذلك صلاة العيدين والخسوف والاستسقاء وصلاة الخوف واجبة أمر الله بها وهو فعل يستدركون به فضل الجماعة والغسل لدخول مكة مستحب والجمع ليلة المطر تخفيف وقد فعله الخلفاء الراشدون والجمع بعرفة والمزدلفة سنة واجبة وجمع المسافر في جد السير رخصة ــ أي مؤكدة "وكذلك صلاة العيدين و" صلاة "الخسوف" أي خسوف الشمس والقمر "و" صلاة "الاستسقاء" أي طلب السقيا "وصلاة الخوف" أي حالة التحام الحرب "سنة واجبة" أي وجوب السنن المؤكدة وآكدها الوتر ثم العيدان ثم الخسوف ثم الاستسقاء "أمر الله " بها بقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآية فالصلاة في نفسها فريضة وعلى الهيئة المذكورة سنة "وهو فعل يستدركون به فضل الجماعة" أي يحصلون به السنة "والغسل لدخول مكة مستحب والجمع" بين المغرب والعشاء "ليلة المطر" وفي الطين والظلمة "تخفيف" أي رخصة "وقد فعله الخلفاء الراشدون" وقد فعله رسول الله ﷺ أيضا وهو القدوة وإنما استشهد بفعلهم دون فعله ﵊ لأن فعله يتطرق إليه النسخ دون فعلهم لأنه لا نسخ بعد وفاته ﷺ "والجمع بعرفة" بين الظهر والعصر "وبالمزدلفة" بين المغرب والعشاء "سنة واجبة" أي مؤكدة "وجمع المسافر" سفرا واجبا كسفر الحج الواجب أو مندوبا أو مباحا كحج التطوع والتجارة "في" حال "جد السير رخصة" وظاهره اشتراط جد السير وهو نص المدونة والذي

стр. 678

وجمع المريض يخاف أن يغلب على عقله تخفيف وكذلك جمعه لعلة به فيكون ذلك أرفق به والفطر في السفر رخصة والإقصار فيه واجب وركعتا الفجر من الرغائب وقيل من السنن وصلاة الضحى نافلة وكذلك قيام رمضان نافلة وفيه فضل كبير ومن قامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ــ في المختصر عدم الاشتراط "وجمع المريض الذي يخاف أن يغلب على عقله" عند الصلاة الثانية "تخفيف" أي رخصة فإذا جمع ولم يغلب على عقله في وقت الثانية فإنه يعيدها "وكذلك جمعه لـ" أجل "علة به" تخفيف "فيكون ذلك أرفق به" لأنه إذا جمع كان له قيام واحد ووضوء واحد فبالجمع حصل التخفيف "والفطر في السفر" الذي تقصر فيه الصلاة ويرخص فيه الجمع "رخصة" إن شاء فعل وإن شاء ترك والمشهور أن الصوم أفضل "والإقصار فيه" أي قصر الصلاة في السفر بشرطه "واجب" وجوب السنن المؤكدة فلا يحرم الإتمام "وركعتا الفجر من الرغائب" لهما نية تخصهما "وقيل" هما "من السنن" والأول هو المشهور "وصلاة الضحى نافلة" أي متأكدة والنافلة ما دون السنة والرغيبة "وكذلك قيام شهر رمضان نافلة وفيه فضل كبير" لما صح من قوله ﵊: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: "ومن قامه إيمانا واحتسابا" أي محتسبا أجره على الله "غفر له ما تقدم من ذنبه" بمحض

стр. 679

والقيام من الليل في رمضان وغيره من النوافل المرغب فيها والصلاة على موتى المسلمين فريضة يحملها من قام بها وكذلك مواراتهم بالدفن وغسلهم سنة واجبة وكذلك طلب العلم فريضة عامة يحملها من قام بها إلا ما يلزم الرجل في خاصة نفسه وفريضة الجهاد عامة يحملها من قام بها إلا أن يغشى العدو محلة قوم ــ الإحسان "والقيام من الليل في رمضان وغيره من النوافل المرغب فيها والصلاة على موتى المسلمين فريضة" من فروض الكفاية "يحملها من قام بها" عن الباقين "وكذلك مواراتهم بالدفن" أي موتى المسلمين "وغسلهم سنة واجبة" أي مؤكدة ولا يخفى عدم الملاءمة في كلامه فإن من يقول بسنية الغسل يقول بسنية الصلاة ومن يقول بوجوبه يقول بوجوبها والراجح القول بوجوب الغسل والصلاة "وكذلك طلب العلم فريضة عامة" أي واجبة على جميع المسلمين "يحملها من قام بها" عن الباقين "إلا" فيـ "ما يلزم الرجل في خاصة نفسه" كالتوحيد والوضوء والصلاة والحج والبيع والشراء لما تقرر وثبت أنه لا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه فهذه من فروض الأعيان لا يحملها أحد عن أحد "وفريضة الجهاد عامة" أي واجبة على جميع المسلمين "يحملها من قام بها منهم" فتسقط عن الباقين "إلا أن يغشى العدو محلة قوم" أي يغير ويهجم على محلة قوم بفتح الميم

стр. 680

فيجب فرضا عليهم قتالهم إذا كانوا مثلي عددهم والرباط في ثغور المسلمين وسدها وحياطتها واجب يحمله من قام به وصوم شهر رمضان فريضة والاعتكاف نافلة والتنفل بالصوم مرغب فيه وكذلك صوم يوم عاشوراء ورجب وشعبان ويوم عرفة والتروية وصوم يوم عرفة لغير الحاج أفضل منه للحاج ــ المكان ينزله القوم "فيجب فرضا عليهم" أي يجب وجوبا مؤكدا عينا على الذكر والأنثى الحر والعبد "قتالهم إذا كانوا مثلي عددهم" فإذا بلغ عدد الكفار أكثر من مثليهم جاز لهم الفرار "والرباط" وهو الإقامة "في ثغور المسلمين" وهي الفرج الكائنة بين المسلمين والكفار "وسدها وحياطتها" أي حفظها "واجب" وجوب فرض الكفاية "يحمله من قام به" عن بقية المسلمين "وصوم شهر رمضان فريضة" على كل مسلم مكلف "والاعتكاف" وهو ملازمة المسجد المباح للذكر وتلاوة القرآن "نافلة" وقيل إنه سنة "والتنفل بالصوم مرغب فيه" وهو أحسن ما فسر به قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فقد فسر الصبر بالصوم "وكذلك صوم يوم عاشوراء" بالمد وهو العاشر من المحرم مرغب فيه "و" كذلك صوم شهر "رجب مرغب" فيه "و" كذلك صوم شهر "شعبان" مرغب فيه "و" كذلك صوم "يوم عرفة" وهو التاسع من ذي الحجة مرغب فيه "و" كذلك صوم "يوم التروية" وهو الثامن من ذي الحجة مرغب فيه "وصوم يوم عرفة لغير الحاج أفضل" وفي نسخة أحسن "منه للحاج"

стр. 681

وزكاة العين والحرث والماشية فريضة وزكاة الفطر سنة فرضها رسول الله ﷺ وحج البيت فريضة والعمرة سنة واجبة والتلبية سنة واجبة والنية بالحج فريضة والطواف للإفاضة فريضة والسعي بين الصفا والمروة فريضة والطواف المتصل به واجب وطواف الإفاضة آكد منه والطواف للوداع سنة والمبيت بمنى ليلة يوم عرفة سنة والجمع بعرفة واجب والوقوف ــ وأما الحاج فالفطر له أفضل "وزكاة العين" الذهب والفضة "و" زكاة "الحرث و" زكاة "الماشية فريضة" أي كل ذلك واجب "وزكاة الفطر سنة" أي واجبة بالسنة وهو معنى قوله: "فرضها رسول الله ﷺ " أي فهي واجبة بالسنة "وحج البيت فريضة" في العمر مرة واحدة "والعمرة سنة واجبة" أي مؤكدة مرة واحدة في العمر "والتلبية" في الحج والعمرة "سنة واجبة" أي مؤكدة "والنية بالحج فريضة و" كذا "الطواف للإفاضة" وهو الذي يفعل بعد الرجوع من عرفة "فريضة" بلا خلاف "و" كذلك "السعي بين الصفا والمروة فريضة وكذلك الطواف المتصل به" أي بالسعي وهو طواف القدوم "واجب" يترتب على تركه دم "وطواف الإفاضة آكد منه" أي من طواف القدوم "والطواف للوداع سنة" والذي في المختصر أنه مستحب "والمبيت بمنى ليلة يوم عرفة سنة" لا دم على من تركه وقوله: "والجمع بعرفة واجب" تكرار مع ما تقدم "والوقوف

стр. 682

بعرفة فريضة ومبيت المزدلفة سنة واجبة ووقوف المشعر الحرام مأمور به ورمي الجمار سنة واجبة وكذلك الحلاق وتقبيل الركن سنة واجبة والغسل للإحرام سنة والركوع عند الإحرام سنة وغسل عرفة سنة والغسل لدخول مكة مستحب والصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة والصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ فذا أفضل من الصلاة في سائر المساجد واختلف في مقدار ــ بعرفة فريضة" بلا خلاف "ومبيت المزدلفة سنة واجبة" أي مؤكدة "ووقوف المشعر الحرام مأمور به" استحبابا "ورمي الجمار سنة واجبة" أي مؤكدة "وكذلك الحلاق" في حق الرجل دون المرأة "سنة واجبة" أي مؤكدة "وتقبيل الركن" يعني الحجر الأسود في أول شوط "سنة واجبة" أي مؤكدة "والغسل للإحرام سنة" للرجل والمرأة ولو حائضا أو نفساء "والركوع عند الإحرام سنة وغسل عرفة" لأجل الوقوف بعرفة سنة وقوله: "والغسل لدخول مكة مستحب" تكرار "والصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" وفي رواية بخمس وعشرين جزءا ولا تنافي لجواز كون الجزء أكبر من الدرجة "والصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊ فذا أفضل من الصلاة في سائر المساجد" ويليهما في الفضل مسجد إيلياء وهو بيت المقدس "واختلف في مقدار

стр. 683

التضعيف بذلك بين المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊ ولم يختلف أن الصلاة في مسجد الرسول ﷺ أفضل من ألف صلاة فيما سواه وسوى المسجد الحرام من المساجد وأهل المدينة يقولون إن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف وهذا كله في الفرائض وأما النوافل ففي البيوت أفضل والتنفل بالركوع ــ التضعيف" أي الزيادة "بذلك" التفضيل "بين المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊" لم يرد ما هو الظاهر من أنه اختلف بماذا يفضل أحد المسجدين على الآخر وإنما أراد بيان الخلاف الواقع بين العلماء هل مكة أفضل أو المدينة ومشهور المذهب أن المدينة أفضل ومعنى التفصيل بينهما أن ثواب العمل في إحداهما أكثر من ثواب العمل في الأخرى "ولم يختلف أن الصلاة في مسجد الرسول" ﵊ "أفضل من ألف صلاة فيما سواه وسوى المسجد الحرام من المساجد" واختلفت هل الصلاة فيه أفضل أو الصلاة في المسجد الحرام "فأهل" أي علماء "المدينة المشرفة يقولون إن الصلاة فيه" أي في مسجد الرسول ﵊ "أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف" قال بعضهم معناه: بسبعمائة "وهذا" التفضيل الذي ذكر إنما هو "في الفرائض وأما النوافل فـ" فعلها "في البيوت أفضل" لقوله ﵊: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم" أي شيئا من صلاتكم في بيوتكم "والتنفل بالركوع

стр. 684

لأهل مكة أحب إلينا من الطواف والطواف للغرباء أحب إلينا من الركوع لقلة وجود ذلك لهم ومن الفرائض غض البصر عن المحارم وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج ولا في النظر إلى المتجالة ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها وشبهه وقد أرخص في ذلك ــ لأهل مكة" أي سكانها "أحب إلينا" أي إلى المالكية "من الطواف" لئلا يزاحموا الغرباء "وبالطواف للغرباء" وهم أهل المواسم "أحب إلينا من الركوع لقلة وجود ذلك لهم" وذلك أن الطواف إنما يكون حول البيت الحرام وأما الركوع فيتيسر ولو للخارج من مكة "ومن الفرائض غض البصر" قال ابن القطان الإجماع على أن العين لا تتعلق بها كبيرة ولكنها أعظم الجوارح آفة على القلب وأسرع الأمور في خراب الدين والدنيا "عن النظر إلى جميع المحارم" أي المحرمات كالنظر للأجنبية والأمرد على وجه التلذذ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية الغض اسم للكسر والبصر للعين "وليس في النظرة الأولى" إلى المحارم "بغير تعمد" أي قصد "حرج" أي إثم "ولا" حرج "في النظر إلى المتجالة" أي التي لا أرب فيها للرجال "ولا" حرج "في النظر إلى الشابة" وتأمل صفتها "لعذر من شهادة عليها" في نكاح أو بيع ومثل الشاهد الطبيب والجرائحي وإليه أشار بقوله: "أو شبهه" أي شبه العذر من شهادة فيجوز للطبيب والجرائحي النظر إلى موضع العلة وإن كانت في العورة لكن يبقر الثوب قبالة العلة وينظر إليها لأنه إذا لم يبقر الثوب لربما تعدى نظره إلى غير موضع العلة "وقد أرخص في ذلك" أي في النظر إلى الشابة

стр. 685

للخاطب ومن الفرائض صون اللسان عن الكذب والزور والفحشاء والغيبة والنميمة والباطل كله قال الرسول ﵊: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا ــ "للخاطب" أي إذا كان قصده مجرد علم صفتها فقط وهذا نظره قاصر على رؤية الوجه والكفين وإنما رخص له في النظر إليهما لأنه يستدل برؤية الوجه على الجمال وبرؤية الكفين على خصب البدن ومصدر ذلك أمره ﵊ بذلك "ومن الفرائض صون اللسان" أي حفظه "عن الكذب" وهو الإخبار عن الشيء على غير ما هو عليه "و" من الفرائض أي من الأمور الواجبة على كل إنسان بعينه صون اللسان عن شهادة "الزور" وهو أن يشهد بما لم يعلم وإن وافق الواقع "و" منها صون اللسان عن "الفحشاء" وهي كل محرم أي من قول أو فعل "و" منها صون اللسان عن "الغيبة" وهي أن يقول الإنسان في غيره في غيبته ما يكره أي من شأنه فخرج ما إذا كان الإنسان يكره أن يذكر بطاعة لأن هذا مدح والمدح ليس شأنه ذلك فإذا مدحه بما يكرهه وليس فيه فيحرم من جهة أنه كذب لا من جهة أنه غيبة "والنميمة" أي ومنها صون اللسان عن النميمة وهي نقل الكلام عن المتكلم به إلى غير المتكلم به على وجه الإفساد بالإضافة البيانية أي وجه هو الإفساد "و" عن "الباطل كله" أي يجب صون اللسان عن الباطل كله من الأقوال حيث كان مصدرها اللسان فالمراد الباطل من الأقوال والباطل أكثر من أن يحصى وهو خلاف الحق ثم استدل على ما ذكر بحديثين صحيحين وإن كانا لا ينتجان خصوص المدعى وهو الفرضية إلا أنهما ينتجان المدعى بوجه عام وهو مطلق طلب صون اللسان على الكذب بقوله: "قال الرسول ﵊: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا

стр. 686

أو ليصمت" وقال ﵇: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وحرم الله سبحانه دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها ولا يحل دم امرئ مسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه ــ أو ليصمت" لما كان ظاهر الحديث أنه مخير بين قول الخير أو السكوت عنه وهذا غير صحيح لأن الكلام قد يكون واجبا كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلذا صرف عن ظاهره وقيل إن معناه فليقل خيرا يثب عليه ويسكت عن شر يعاقب عليه أي فيكون مطلوبا بالأمرين فعل الخير والسكوت عن الشر "وقال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" الذي لا يعنيه هو كل ما لا تعود عليه منه منفعة لدينه ولا لآخرته والذي يعنيه ما يكون في تركه فوات الثواب وإنما قال: "من حسن إسلام المرء" ولم يقل من إسلام المرء لأن ترك ما لا يعني ليس هو الإسلام ولا جزءا منه وإنما هو من أوصافه الحسنة "وحرم الله دماء المسلمين" بقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وكذا دماء أهل الذمة والمعاهد "و" حرم "أموالهم وأعراضهم" بقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وقال ﷺ : "إن أربى الربا عند الله استحلال عرض المسلم" مفاد الحديث اعتقاد حليته إلا أنه ليس بمراد وإنما المراد التكلم في عرضه لكن لما كان المتكلم في الأعراض كأنه مستحل لها أطلق عليه الاستحلال والاستثناء في قوله: "إلا بحقها" راجع للأمور الثلاثة فحق الأموال أن من استهلك شيئا منها فعليه قيمته وحق الأعراض ما يأتي من قوله ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما وحق استباحة الدماء ما أشار إليه بقوله: "ولا يحل دم امرئ مسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه" أي بعد أن يستتاب

стр. 687

أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض أو يمرق من الدين ولتكف يدك عما لا يحل لك من مال أو جسد أو دم ولا تسع بقدميك فيما لا يحل لك ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وحرم الله سبحانه الفواحش ــ ثلاثة أيام "أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض" وهو قطع الطريق لمنع السلوك "أو يمرق من الدين" بأن يعتقد اعتقاد أهل الأهواء الذين قال فيهم النبي ﷺ : "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" في المصباح: "مرق السهم من الرمية مروقا" من باب قعد نفذ من الجانب الآخر انتهى والرمية ما يرمى من الحيوان ذكرا كان أو أنثى "ولتكف يدك عما لا يحل لك" تناوله "من مال كالسرقة أو" مباشرة "جسد" غير الزوجة والأمة مما يتلذذ به ذكرا كان أو أنثى "أو" مباشرة "دم" قتلا أو جرحا "ولا تسع بقدميك فيما لا يحل لك" المشي إليه كالزنا "ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك" مثل الزنا واللواط والاستمناء باليد "قال الله سبحانه" وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أي المتجاوزون ما لا يحل لهم "وحرم الله سبحانه الفواحش" قال التتائي هي كل مستقبح من قول أو فعل

стр. 688

ما ظهر منها وما بطن وأن يقرب النساء في دم حيضهن أو نفاسهن وحرم من النساء ما تقدم ذكرنا إياه وأمر بأكل الطيب وهو الحلال فلا يحل لك أن تأكل إلا طيبا ولا تلبس إلا طيبا ولا تركب إلا طيبا ولا تسكن إلا طيبا وتستعمل سائر ما تنتفع به طيبا ومن وراء ذلك ــ "ما ظهر منها" على الجوارح "وما بطن" في الضمائر "و" حرم الله "أن يقرب النساء في دم حيضهن أو نفاسهن" بالجماع في الفرج بل يحرم التمتع بغير النظر بما بين السرة والركبة ولو بغير الوطء ومن فوق حائل ولا حرج في النظر ومصداق هذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ "وحرم من النساء ما تقدم ذكرنا إياه" في باب النكاح وهو أنه يحرم سبع بالقرابة وسبع بالرضاع والصهر "وأمر بأكل الطيب وهو الحلال" والحلال هو ما انحلت عنه التبعات فلم يتعلق به حق الله ولا حق لغيره وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ والمراد بالأكل هنا الانتفاع فإذا علمت أن الله تعالى أمرك تأكل الطيب "فلا يحل لك أن تأكل إلا طيبا" أي حلالا قال ابن عباس لا يقبل الله صلاة من في بطنه حرام "ولا" يحل لك "أن تلبس إلا طيبا" أي حلالا "ولا" يحل لك "أن تركب" شيئا من الدواب "إلا طيبا" فركوب الدابة المغصوبة أو المشتراة بمال حرام حرام "ولا" يحل لك "أن تسكن إلا طيبا" فسكنى ما اشترى بمال حرام حرام "وتستعمل سائر ما تنتفع به طيبا" أي حلالا "ومن وراء ذلك" أي

стр. 689

مشتبهات من تركها سلم ومن أخذها كان كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه وحرم الله سبحانه أكل المال بالباطل ومن الباطل الغصب والتعدي والخيانة والربا والسحت والقمار والغرر والغش والخديعة ــ الحلال أمور "متشابهات من تركها سلم ومن أخذ منها كان كالراتع حول الحمى يوشك" بكسر الشين أي يقرب "أن يقع فيه" فإذا وقع فيه فإنه يخاف عليه من سطوة صاحب الحمى والحمى لغة ما يحميه صاحب الشوكة ويمنع غيره من الرعي فيه والقصد اجتناب المتشابه والاقتصار على محقق الحل "وحرم الله سبحانه أكل المال بالباطل" أي أخذه من وجه غير جائز وليس المراد حقيقة الأكل وإنما عبر عن الأخذ بالأكل لأن الغالب فيما يكتسب أن يراد للأكل "ومن الباطل الغصب" وهو استيلاء يد عادية على مال الغير "و" من الباطل "التعدي" في الكراء "و" منه "الخيانة" وهو أن يخون غيره في ماله أو أهله أو في أمانته أو نفسه "و" منه "الربا" وهو الزيادة في الثمن أو الأجل على غير وجه سائغ "و" منه "السحت" وهو الرشوى التي يأخذها الشاهد على شهادته أو القاضي على حكمه والذي في غير هذه النسخة الرشوة بالهاء وكذا في المصباح بالهاء "و" منه "القمار" وهو ما يأخذ بعضهم من بعض على لعب الشطرنج ونحوه "و" منه "الغرر" الكثير كشراء الطير في الهواء والسمك في البحر وأما اليسير فمغتفر لأن البياعات لا تنفك عنه كالحبوب المباعة فإنها لا تخلو من نحو طين "و" منه "الغش" بكسر الغين وهو خلط الشيء بغير جنسه أو بجنسه الدنيء "و" منه "الخديعة" بالكلام أو الفعل

стр. 690

والخلابة وحرم الله سبحانه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وما ذبح لغير الله وما أعان على موته ترد من جبل أو وقذة بعصا أو غيرها والمنخنقة بحبل أو غيره ــ ليتوصل إلى عرض دنيوي كأن يقول من يتعاطى البيع لرجل قدم عليه نهارك مبارك حصل أنسكم قصده التوصل إلى أن يشتري منه "و" منه "الخلابة" بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وفسرت بالخديعة "وحرم الله" "أكل الميتة" ما عدا ميتة البحر "و" أكل "الدم و" حرم "لحم الخنزير" أي أكله "و" حرم أكل "ما أهل لغير الله به" أي ما ذبح ورفعت عليه الأصوات بغير ذكر الله تعالى مثل أن يذكر عليه اسم المسيح "و" حرم الله أكل "ما ذبح لغير الله" كالأصنام وفي كلامه هنا مع ما تقدم من قوله في الضحايا ولا بأس بأكل طعام أهل الكتاب معارضة وجهها أن من جملة طعام أهل الكتاب ذبائحهم لقصد عيسى مثلا فيكون مفيد الحل ما ذبح لغير الله وأجاب ابن عمر بأن ما قاله هنا محمول على ذبائح المجوس ويبقى ما في الضحايا على إطلاقه وحاصل هذا الجواب أن ذبائح أهل الكتاب تؤكل مطلقا أهل عليها لغير الله أو لا وليس كذلك وفقه المسألة أن ذبح الكتابي لا يحل إذا أهل به لغير الله وذبح المجوسي لا يحل مطلقا "و" أكل "ما" أي الذي "أعان على موته ترد من جبل" أي فلا يؤكل ولو ذكي لأنه لا يدرى هل مات من الذكاة أو السقوط من علو إلى سفل كما لو سقط من نحو جبل "أو" أعان على موته "وقذة" أي رمية "بعصا أو غيرها" كالحجر "و" حرم الله "المنخنقة" أي أكلها وهي ما تخنق "بحبل أو غيره" مثل أن تخنق بين عودين

стр. 691

إلا أن يضطر إلى ذلك كالميتة وذلك إذا صارت بذلك إلى حال لا حياة بعده فلا ذكاة فيها ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود فإن استغنى عنها طرحها ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ ولا يصلى عليه ولا يباع ــ ودليل تحريم هذه المذكورات قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الخ الآية "إلا أن يضطر إلى" أكل "ذلك" فإنها لا يحرم أكلها "كـ" المضطر لأكل "الميتة" من مأكول اللحم وغيره ما عدا ميتة الآدمي "وذلك" أي تحريم أكل المتردية وما ذكر معها "إذا صارت بذلك" الفعل الذي هو التردي أو الوقذ أو الخنق "إلى حال لا حياة بعده" عادة فإذا وصلت إلى هذه الحالة "فلا ذكاة" تؤثر "فيها" ظاهره سواء أنفذت مقاتلها أم لا وهو خلاف المذهب والمذهب التفصيل فإن أنفذت مقاتلها تحقيقا أو شكا لم تفد فيها الذكاة وإلا فالذكاة مفيدة فيها وإن أيس من حياتها "ولا بأس للمضطر" الذي بلغ الجوع منه مبلغا يخاف منه على نفسه الهلاك "أن يأكل الميتة" وظاهر قوله ولا بأس إن ترك الأكل أفضل وليس كذلك بل هو واجب كما قال مالك لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ "و" إذا أكل لا بأس أن "يشبع" منها كما قال ابن ناجي وعند مالك لا يأكل إلا ما يسد رمقه خاصة "و" أن "يتزود" منها فقال مالك له ذلك وقيل ليس له ذلك وإذا قلنا بالأول "فـ" إنه إن "استغنى عنها طرحها" أي وجوبا "ولا بأس بالانتفاع بجلدها" أي الميتة "إذا دبغ" في اليابسات والماء فقط أما إذا لم يدبغ فلا ينتفع به أصلا "ولا يصلى عليه ولا يباع"

стр. 692

ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها وينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في الحياة وأحب إلينا أن يغسل ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها وكره الانتفاع بأنياب الفيل وكل شيء من الخنزير حرام وقد أرخص في الانتفاع بشعره وحرم الله سبحانه شرب الخمر قليلها وكثيرها وشراب العرب ــ على المشهور فالمشهور أنه لا يصلى عليه ولا يباع "ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها وينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في" حال "الحياة" أي إن جز أيضا والضمير في منها راجع للميتة لا من حيث كونها ميتة بالفعل أي ميتة بحسب الإمكان "وأحب إلينا أن يغسل" وقال ابن حبيب يجب غسله "ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها" المراد بالريش قصب ريش الميتة لأن الزغب كالشعر في طهارته بالجز وأما القرن فلا ينتفع به مطلقا طرفه وأصله سواء في عدم الانتفاع والأظلاف هي الأخفاف "وأنيابها وكره الانتفاع بأنياب الفيل" أي غير المذكى "وكل شيء من الخنزير" لحمه وشحمه وعظمه وجلده "حرام" أي أكله والانتفاع به "وقد أرخص في الانتفاع بشعره" لأنه ليس بنجس على المشهور "وحرم الله سبحانه" وتعالى "شرب الخمر قليلها وكثيرها" قال في شرح عمدة الأحكام إن بعض الشيوخ يقول حتى لو أخذ منها برأس إبرة على لسانه لحد انتهى "وشراب العرب" وهم الصحابة وغيرهم لأن

стр. 693

يومئذ فضيخ التمر وبين الرسول ﵇ أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام وكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر وقال الرسول ﵇: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" ونهى عن الخليطين من الأشربة وذلك أن يخلطا عند الانتباذ ــ الخمر لم يكن حراما قبل "يومئذ" أي يوم تحريم الخمر "فضيخ التمر" بفاء وضاد وخاء معجمتين بينهما تحتية ساكنة وهو تمر يهرس ويجعل في الأواني ويجعل عليه ماء ويترك حتى يتخمر أي يصير خمرا مسكرا "وبين الرسول عليه" الصلاة و "السلام أن كل ما أسكر كثيره من جميع الأشربة فقليله حرام" أي ولو لم يسكر "وكل ما خامر" أي ستر "العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر" لما كان يتوهم قصر الخمر على ماء العنب قال وكل ما خامر العقل أي ستر العقل وقوله فأسكره أي فليس المراد كل ساتر للعقل بل أراد سترا تسبب عنه إسكار أي نشوة وفرح "وقال الرسول ﵊: "إن الذي حرم شربها" وهو الله "حرم بيعها" روى مالك في الموطأ أن ابن عباس قال أهدى رجل لرسول الله ﷺ راوية خمر فقال له رسول الله ﷺ : "أما علمت أن الله حرمها؟ ", قال: لا, فسأله إنسان إلى جنبه, فقال له رسول الله ﷺ : "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" ففتح المزادتين حتى ذهب ما فيهما "ونهى" ﵊ "عن الخليطين من الأشربة" أي عن شرب الخليطين لأن النهي إنما يتعلق بالأفعال "و" يصور "ذلك" بحالتين إحداهما "أن يخلطا عند الانتباذ" بأن

стр. 694

وعند الشرب ونهى عن الانتباذ في الدباء والمزفت ونهى ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن أكل لحوم الحمر الأهلية ودخل مدخلها لحوم الخيل والبغال لقول الله ﵎: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ولا ذكاة في شيء منها إلا ــ يفضخ التمر والزبيب مثلا ويخلطا ويوضعا في إناء ويصب عليهما الماء ويتركا حتى يتخمرا "و" الحالة الثانية أن ينبذ هذا على حدة وهذا على حدة ثم يخلطا "عند الشرب" فالنهي متعلق بكل من الحالتين "ونهى" ﵊ "عن الانتباذ في الدباء" بضم الدال وتشديد الباء وبالمد القرع "و" عن الانتباذ في "المزفت" وهي قلال تزفت أي تطلى بالزفت وإنما نهى عن ذلك لأن السكر يسرع إليهما "ونهى عليه" الصلاة و "السلام عن" أكل "كل ذي ناب من السباع" وهو كل ما له ناب يعدو به ويفترس كالفهد والنمر والذئب وأما الثعلب فليس بسبع وإن كان له ناب لأنه لا يعدو به ولا يفترس "ونهى عليه" الصلاة و "السلام عن أكل لحوم الحمر الأهلية ودخل مدخلها" في منع الأكل "لحوم الخيل والبغال" أي شارك أكلها في الحرمة أكل لحوم الخيل الخ وذلك أن الله تعالى لما ذكر الأنعام قال: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ولما ذكر هؤلاء لم يذكر غير الركوب والزينة فدل على أنه لا يجوز فيها إلا ذلك وإلى ذلك الغرض أشار الشيخ بقوله: "لقول الله ﵎: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ أي يتزين بها "ولا ذكاة في شيء منها" أي من ذي الناب وما بعده أي لا تعمل فيه الذكاة شيئا أصلا بحيث يترتب عليها حل الأكل "إلا

стр. 695

في الحمر الوحشية ولا بأس بأكل سباع الطير وكل ذي مخلب منها ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين وإن كانا مشركين فليقل لهما قولا لينا وليعاشرهما بالمعروف ولا يطعهما في معصية كما قال الله وعلى المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين وعليه موالاة المؤمنين. ــ في الحمر الوحشية" فإنها تعمل فيها الذكاة ما دامت متوحشة والاستثناء في كلامه منقطع لأن الحمر الوحشية لم تدخل فيما تقدم "ولا بأس بأكل سباع الطير" كالبازي وظاهر قوله: "وكل ذي مخلب منها" أن السباع غير ذي المخلب وليس كذلك ويلتزم التأويل في كلامه بأن نقول تقديره وهي كل ذي مخلب منها والمخلب الظفر الذي يعقر به "ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين" بالعمل أو الاعتقاد "وإن كانا مشركين" أي فيقود الأعمى منهما للكنيسة ويحملهما لها ويعطيهما ما ينفقانه في أعيادهما "فليقل لهما قولا لينا" بأن لا يرفع صوته فوق صوتهما "وليعاشرهما بالمعروف" أي بكل ما عرف من الشرع الإذن فيه "ولا يطعهما في معصية كما قال الله ": ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ "و" يجب "على المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين" لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ "ولا يستغفر لهما إذا كانا كافرين بعد الموت إجماعا "و" يجب "عليه" أي المؤمن "موالاة المؤمنين" وهي الألفة والاجتماع أي إظهار المحبة لهم وعدم ما يوجب المنافرة من حسد

стр. 696

والنصيحة لهم ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه كذلك روي عن رسول الله ﷺ : وعليه أن يصل رحمه ومن حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ــ وغيره "و" يجب على المؤمن "النصيحة لهم" أي للمؤمنين لما صح من قوله ﵊: "الدين النصيحة" أي معظم الدين النصيحة كما قال: "الحج عرفة" وحين قال له الحاضرون: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" فالنصيحة لله أن تصفه بما وصف به نفسه من سائر الصفات الواجبة له وتنزهه عما لا يليق به والنصيحة لكتابه أن تتلوه حق تلاوته وتمتثل أوامره وتجتنب نواهيه والنصيحة لرسوله أن تؤمن به وبجميع ما جاء به والنصيحة لأئمة المسلمين بامتثال أوامرهم واتباع قوانينهم الموافقة للشرع من الموازين والمكاييل وغير ذلك والنصيحة لعامتهم أن ترشدهم إلى ما فيه مصالحهم وأن تعاملهم بالصدق "ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه" ذكر المحبة مبالغة لأنها الركن الأعظم ومستلزمة لبقية الأركان فلا يرد أن الإيمان له أركان أخر وذكر الأخ ليحترز به عن الرسول صلوات الله عليه فإن المرء لا يكون مؤمنا حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من ماله وولده ونفسه أفاده التتائي "و" يجب "عليه" أي المؤمن "أن يصل رحمه" وهو كل قرابة أي ذي قرابة بنسب من جهة الأبوة أو الأمومة "ومن حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه" أي يبدأه بالسلام "إذا لقيه و" من حقه عليه أن "يعوده إذا مرض" ومن آداب ذلك أن يقل عنه السؤال أي عن

стр. 697

ويشمته إذا عطس ويشهد جنازته إذا مات ويحفظه إذا غاب في السر والعلانية ولا يهجر أخاه فوق ثلاث ليال والسلام يخرجه من الهجران ولا ينبغي له أن يترك كلامه بعد السلام والهجران الجائز هجران ذي البدعة أو متجاهر بالكبائر لا يصل إلى عقوبته ــ حاله وأن يظهر له الشفقة وأن لا يقنطه "و" من حقه عليه "أن يشمته إذا عطس" أي يقول له: يرحمك الله إذا سمعه يحمد الله "و" من حقه عليه "أن يشهد جنازته إذا مات" لأجل الصلاة عليه والدفن "وأن يحفظه إذا غاب في السر" بأن لا يغتابه "و" يحفظه في "العلانية" بأن لا يشتمه ولا يأخذ ما له علانية "ولا" يجوز للمؤمن أن "يهجر أخاه" المؤمن بحيث لا يكلمه ولا يسلم عليه "فوق ثلاث ليال" بأيامها لقوله ﵊: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال" ومفهومه أن هجران الثلاثة جائز وهو كذلك لأنه لو حرم الهجران مطلقا لكان في ذلك مشقة لأن طبع الإنسان قل أن ينفك عن غضب "والسلام يخرج من الهجران" إن نوى به ذلك فإن رد الآخر فقد خرجا من الهجران معا وإلا فقد خرج المسلم فقط "ولا ينبغي" بمعنى يستحب "له أن" لا "يترك كلامه بعد السلام" أي يستحب له أن يسترسل ويداوم على كلامه لأن في تركه بعد السلام إساءة الظن به "والهجران الجائز" شيئان "هجران ذي البدعة" المحرمة كالقدرية هم طائفة يقولون الخير والشر من الإنسان لا من الله "أو متجاهر بالكبائر" أي معلن بها بحيث

стр. 698

ولا يقدر على موعظته أو لا يقبلها ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما ولا فيما يشاور فيه لنكاح أو مخالطة ونحوه ولا في تجريح شاهد ونحوه ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من ــ لا يستتر عند فعلها كما إذا كان يشرب الخمر مثلا جهارا ومحل هجران معلن الكبيرة إذا كان لا يقدر على عقوبته الشرعية من أدب ونحوه كبقية أنواع التعزير وإلا لزمه ذلك "ولا يقدر على موعظته" أي لشدة تجبره "أو" يقدر عليها لكنه "لا يقبلها" أي لعدم عقل ونحوه "ولا غيبة في هذين" أي المبتدع والمتجاهر "في ذكر حالهما" أي بسبب ذكر حالهما بالفسق بالاعتقاد وبالجارحة فقط إذا سئل عن حالهما بأن يقول في المبتدع فلان اعتقاده باطل لمخالفته أهل السنة وفي حق المتجاهر فلان مصر على الكبائر فيجوز ذكر كل بما يتجاهر به ويحرم ذكره بغيره من العيوب "ولا" تجوز غيبتهما في غير هذين الوجهين إلا "فيما يتشاور فيه" أي الذي تشرع فيه المشاورة مثل أن يسأل عنه "لـ" أجل "نكاح" أي بأن يقول شخص لآخر أريد أن أتزوج بنت فلان ولا أعرف حاله فيجوز له ذكر حاله بقصد النصيحة لا غير "أو" لأجل "مخالطة" كالشركة "ونحوه" مثل أن يسأل عنه لأجل أن يتصدق عليه هل هو أهل لذلك أم لا "و" كذا "لا" غيبة "في تجريح شاهد ونحوه" أي نحو الشاهد كالإمام للصلاة يريدون أن يقدموه فسألوه عنه فإنه يجوز له أن يخبرهم بجراحته بل يجب عليه ذلك وكذا يجوز له جراحة الراوي مخافة أن يتقول على النبي ﷺ مالم يقل "ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من

стр. 699

حرمك وتصل من قطعك وجماع آداب الخير وأزمته تتفرع عن أربعة أحاديث قول النبي ﵇: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" وقوله ﵇: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقوله ﵇ للذي اختصر له في الوصية: "لا تغضب" ــ حرمك وتصل من قطعك" لقوله ﵊: "أمرني ربي أن أصل من قطعني وأعطي من حرمني وأعفو عمن ظلمني" "وجماع آداب الخير" أي خصال الخير وسميت بالآداب لأن بها يحصل التأديب "وأزمته" جمع زمام الطريق الموصل إليه وهو في الأصل ما يقاد به البعير أطلق على الطريق الموصل للخير على جهة المجاز لأن كلا يقود إلى ما ينتفع به "تتفرع" أي تتخرج "عن أربعة أحاديث" مرفوعة: أحدها: "قول النبي ﵊: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" أي فليقل خيرا يؤجر عليه أو يسكت عن شر يعاقب عليه. وثانيها: "قوله عليه" الصلاة و "السلام: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وهو ما لا تعود عليه منه منفعة دنيوية ولا أخروية. "و" ثالثها: "قوله عليه" الصلاة و "السلام لـ" لرجل "الذي اختصر له في الوصية" حين قال له أوصني قال: "لا تغضب" فردد مرارا أي فرجع ترجيعا مرارا أي حيث يقول له أوصني يعتقد أن عدم الغضب ليس أمرا يعتد به فقال: "لا تغضب" مفيدا له أن عدم الغضب أمر عظيم يعتد

стр. 700

وقوله ﵇: "المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه" ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله ولا أن تتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل لك ولا سماع شيء من الملاهي والغناء ــ به لما يترتب على الغضب من المفاسد الدنيوية والأخروية وعلى عدمه من المصالح والثمرات الأخروية ما لا يحصى لأن الله تعالى خلق الغضب من النار وعجنه بطينة الإنسان فمهما نوزع في غرض من أغراضه اشتعلت نار الغضب فيه وفارت فورانا يغلي منه دم القلب وينتشر في العروق فيرتفع إلى أعالي البدن ارتفاع الماء في القدر ثم ينصب في الوجه والعينين حتى يحمرا منه إذ البشرة لصفائها كالزجاجة تحكي ما ورءاها وغرض الشارع صلوات الله عليه أي لا تعمل موجبات الغضب لا أنه ينهاه عن شيء جبل عليه لأنه لا يمكن إخراجه عن جبلته. "و" رابعها "قوله عليه" الصلاة و "السلام: "المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه" وهو في البخاري بلفظ: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" أي من الطاعات والأشياء المباحات "ولا يحل لك" أيها المكلف "أن تتعمد سماع الباطل كله" كان الباطل قولا كالغيبة أو فعلا كصوت آلات الملاهي وصوتها فعل لها حقيقة وفعل للشخص من حيث إنه متسبب عن فعله "ولا" يحل لك "أن تتلذذ بسماع صوت" كلام "امرأة لا تحل لك" أي لا يحل لك مناكحتها أي فيجوز التلذذ بكلام من تحل من زوجة أو أمة وكذا لا يحل التلذذ بصوت الأمرد الذي فيه لين "ولا" يحل لك "سماع شيء من آلات الملاهي" كالعود "و" كذا لا يحل لك سماع "الغناء بالمد"

стр. 701

ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه مع إحضار الفهم لذلك ومن الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض ــ وهو الصوت الذي يطرب به "ولا" يحل لك "قراءة القرآن" ولا سماعه "باللحون المرجعة" أي الأصوات المطربة "كترجيع الغناء" بالمد أي المشبهة بالغناء "وليجل" أي يعظم وينزه "كتاب الله العزيز أن يتلى" أي يقرأ "إلا بسكينة ووقار" أي طمأنينة وتعظيم فمرجع الطمأنينة إلى سكون الجوارح بحيث لا يعبث بيده ولا ينظر إلى ما يلهي ومرجع التعظيم إلى كونه إذا عرض له الريح يمسك عن القراءة حتى يتكامل خروجه ونحو ذلك "وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه" أي على حالة يغلب على ظنه أن الله يرضى بها بأن يكون على طهارة مستقبل القبلة جالسا كجلوس المتعلم بين يدي أستاذه أو قائما في الصلاة وقوله ويقرب منه أي يوقن أن الله يقرب القارىء منه أي بوجهه وحالة تقرب القارىء من المولى أي قرب قبول وإحسان "مع إحضار الفهم لذلك" أي لما يتلوه فإذا مر بآية نهي تيقن أنه المنهي أو بآية أمر تيقن أنه المأمور فهذا من ثمرات إحضار الفهم "ومن الفرائض الأمر بالمعروف" وهو ما أمر الله ورسوله به "والنهي عن المنكر" وهو ما نهى الله ورسوله عنه "على كل من بسطت يده" بالبناء للمفعول أي بسط الله يده أي حكمه "في الأرض" كالسلطان

стр. 702

وعلى كل من تصل يده إلى ذلك فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم ومن أراد بذلك غير الله لم يقبل عمله والرياء الشرك الأصغر والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار والإصرار ــ "وعلى كل من تصل يده إلى ذلك" أي الأمر والنهي "فإن لم يقدر على" ذلك التغيير بيده "فبلسانه فإن لم يقدر" بلسانه "فبقلبه" وصفة تغيير القلب إذا رأى منكرا يقول في نفسه لو كنت أقدر على تغييره لغيرته وإذا رأى معروفا ضاع يقول في نفسه لو كنت أقدر على الأمر به لأمرت ويحب الفاعل للمعروف ويكره الفاعل للمنكر بقلبه "وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم" أي ذات الله الكريم لا رياء ولا سمعة فدخل مرتبتان الكاملة بأن لا يقصد جنة ولا نارا والناقصة بأن يقصد دخول الجنة والبعد عن النار "ومن أراد بذلك" القول أو العمل "غير" وجه "الله" الكريم "لم يقبل عمله" ولا قوله: "والرياء" هو أن يريد بعمله أي مما كان قربة وقوله غير الله بأن أراد الناس فلا يتأتى في غير القربة كالتجمل باللباس "الشرك الأصغر" لما رواه أحمد من قوله ﵊: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء" الحديث, "والتوبة فريضة من كل ذنب" وهي الندم على ما فات والإقلاع عن الذنب في الحال والنية أن لا يعود وقوله: "من غير إصرار" زائد لأن التوبة لا تصلح إلا برفع الإصرار "والإصرار

стр. 703

المقام على الذنب واعتقاد العود إليه ومن التوبة رد المظالم واجتناب المحارم والنية أن لا يعود وليستغفر ربه ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه وترك ما يكره فعله ويتقرب إليه بما تيسر له من نوافل الخير وكل ما ضيع من فرائضه فليفعله الآن وليرغب إلى الله في تقبله ويتوب إليه من ــ المقام" بضم الميم بمعنى الإقامة "على الذنب واعتقاد العود إليه ومن التوبة رد المظالم" إلى أهلها بأن يدفعها إليهم إن كانت أموالا أو يردها لوارثه فإن لم يجده ولا وجد وارثه تصدق بها على المظلوم وإن كان أعراضا كقذف استحل المقذوف "واجتناب المحارم والنية أن لا يعود" هذه شروط التوبة الواجبة فيها وإلى شروط الكمال أشار بقوله: "وليستغفر ربه ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه" أي عليه "ويتقرب إليه" أي إلى الله تعالى "بما تيسر له" فعله وإن قل "من نوافل الخير" كالصلاة لما صح من قوله ﷺ عن الله: "وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته وإن استعاذ بي لأعيذنه" "وكل ما ضيع من فرائضه" التي أوجبها عليه كالصلاة "فليفعله الآن" وجوبا على الفور "و" إذا فعل التائب ما ضيعه من الفرائض فـ "ليرغب إلى الله تعالى في تقبله" منه "ويتوب إليه من

стр. 704

تضييعه وليلجأ إلى الله فيما عسر عليه من قياد نفسه ومحاولة أمره موقنا أنه المالك لصلاح شأنه وتوفيقه وتسديده لا يفارق ذلك على ما فيه من حسن أو قبيح ولا ييأس من رحمة الله والفكرة في أمر الله مفتاح العبادة فاستعن بذكر الموت والفكرة فيما بعده ــ تضييعه" للفرائض "وليلجأ" أي يتضرع "إلى الله" تعالى "فيما عسر عليه من قيادة نفسه" إلى الطاعة لأنه هو المسهل والميسر "و" يتضرع إليه في "محاولة أمره" أي فيما يشكل عليه في حاله حال كونه "موقنا" أي مصدقا "أنه المالك لصلاح شأنه" أي حاله "و" المالك "لتوفيقه وتسديده" هما بمعنى واحد وهو الاستقامة على الطاعة "لا يفارق ذلك" أي ما ذكر من اللجأ واليقين "على ما فيه" أي على أي حالة هو فيها "من حسن" وهو الطاعة "أو قبح" وهو المعصية ولا يمنعه الذنب من ذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ والتواب: هو الذي كلما أذنب تاب ولا ييأس من رحمة الله تعالى على ما هو عليه من المعصية والفكرة أي التفكر "في أمر الله" تعالى أي مخلوقاته لأنه إذا تفكر في مصنوعات خالقه علم وجوب وجوده وكمال قدرته وحقيقة ربوبيته فيجد في عبادته وفيه إشارة إلى أنه لا يتفكر في ذاته لعدم قدرة العبد على إدراكها وحينئذ فالنظر في مخلوقات الله تعالى كما قال الشيخ: "مفتاح العبادة واستعن" على نفسك "بذكر الموت" لأن الإنسان إذا تفكر في الموت قصر أمله وكثر عمله "و" استعن عليها أيضا "بالفكرة فيما بعده" لأن الموت أشد

стр. 705

وفي نعمة ربك عليك وإمهاله لك وأخذه لغيرك بذنبه وفي سالف ذنبك وعاقبة أمرك ومبادرة ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك. ــ مما قبله وما بعده أشد منه "و" استعن عليها أيضا بالفكرة "في نعمة ربك عليك" لأنك إذا تفكرت في نعمه عليك استحييت أن تبارزه بالمعاصي "و" تفكر أيضا "في إمهاله لك" وأنت تعصيه "وأخذه لغيرك" من الأمم الماضية "بذنبه" في الحال "و" استعن أيضا وتفكر "فيـ" ما تقدم من "سالف ذنبك" وخف الأخذ به "و" تفكر أيضا في "عاقبة أمرك" إذ لا تدري بماذا يختم الله لك "و" تفكر أيضا في "مبادرة" أي مسارعة "ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك" بيان لما أي مسارعة أجلك الذي عسى الأجل أي لعله أن يكون قد اقترب أي تفكر هل هو أي الأجل نهاية يوم أو أقل لأن ذلك يسهل الطاعة ويقل الأمل والحرص ولأنه إذا تفكر في الموت أتاه وهو مستعد له وإذا أتاه بغتة فيندم حيث لا ينفعه الندم فيا لطيف الطف بنا فإنه لا حول ولا قوة إلا بك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →