Полный текст (751 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه مع إحضار الفهم لذلك ومن الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض
ــ
وهو الصوت الذي يطرب به "ولا" يحل لك "قراءة القرآن" ولا سماعه "باللحون المرجعة" أي الأصوات المطربة "كترجيع الغناء" بالمد أي المشبهة بالغناء "وليجل" أي يعظم وينزه "كتاب الله العزيز أن يتلى" أي يقرأ "إلا بسكينة ووقار" أي طمأنينة وتعظيم فمرجع الطمأنينة إلى سكون الجوارح بحيث لا يعبث بيده ولا ينظر إلى ما يلهي ومرجع التعظيم إلى كونه إذا عرض له الريح يمسك عن القراءة حتى يتكامل خروجه ونحو ذلك "وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه" أي على حالة يغلب على ظنه أن الله يرضى بها بأن يكون على طهارة مستقبل القبلة جالسا كجلوس المتعلم بين يدي أستاذه أو قائما في الصلاة وقوله ويقرب منه أي يوقن أن الله يقرب القارىء منه أي بوجهه وحالة تقرب القارىء من المولى أي قرب قبول وإحسان "مع إحضار الفهم لذلك" أي لما يتلوه فإذا مر بآية نهي تيقن أنه المنهي أو بآية أمر تيقن أنه المأمور فهذا من ثمرات إحضار الفهم "ومن الفرائض الأمر بالمعروف" وهو ما أمر الله ورسوله به "والنهي عن المنكر" وهو ما نهى الله ورسوله عنه "على كل من بسطت يده" بالبناء للمفعول أي بسط الله يده أي حكمه "في الأرض" كالسلطان
стр. 702
وعلى كل من تصل يده إلى ذلك فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم ومن أراد بذلك غير الله لم يقبل عمله والرياء الشرك الأصغر والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار والإصرار
ــ
"وعلى كل من تصل يده إلى ذلك" أي الأمر والنهي "فإن لم يقدر على" ذلك التغيير بيده "فبلسانه فإن لم يقدر" بلسانه "فبقلبه" وصفة تغيير القلب إذا رأى منكرا يقول في نفسه لو كنت أقدر على تغييره لغيرته وإذا رأى معروفا ضاع يقول في نفسه لو كنت أقدر على الأمر به لأمرت ويحب الفاعل للمعروف ويكره الفاعل للمنكر بقلبه "وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم" أي ذات الله الكريم لا رياء ولا سمعة فدخل مرتبتان الكاملة بأن لا يقصد جنة ولا نارا والناقصة بأن يقصد دخول الجنة والبعد عن النار "ومن أراد بذلك" القول أو العمل "غير" وجه "الله" الكريم "لم يقبل عمله" ولا قوله: "والرياء" هو أن يريد بعمله أي مما كان قربة وقوله غير الله بأن أراد الناس فلا يتأتى في غير القربة كالتجمل باللباس "الشرك الأصغر" لما رواه أحمد من قوله ﵊: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء" الحديث, "والتوبة فريضة من كل ذنب" وهي الندم على ما فات والإقلاع عن الذنب في الحال والنية أن لا يعود وقوله: "من غير إصرار" زائد لأن التوبة لا تصلح إلا برفع الإصرار "والإصرار
стр. 703
المقام على الذنب واعتقاد العود إليه ومن التوبة رد المظالم واجتناب المحارم والنية أن لا يعود وليستغفر ربه ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه وترك ما يكره فعله ويتقرب إليه بما تيسر له من نوافل الخير وكل ما ضيع من فرائضه فليفعله الآن وليرغب إلى الله في تقبله ويتوب إليه من
ــ
المقام" بضم الميم بمعنى الإقامة "على الذنب واعتقاد العود إليه ومن التوبة رد المظالم" إلى أهلها بأن يدفعها إليهم إن كانت أموالا أو يردها لوارثه فإن لم يجده ولا وجد وارثه تصدق بها على المظلوم وإن كان أعراضا كقذف استحل المقذوف "واجتناب المحارم والنية أن لا يعود" هذه شروط التوبة الواجبة فيها وإلى شروط الكمال أشار بقوله: "وليستغفر ربه ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه" أي عليه "ويتقرب إليه" أي إلى الله تعالى "بما تيسر له" فعله وإن قل "من نوافل الخير" كالصلاة لما صح من قوله ﷺ عن الله: "وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته وإن استعاذ بي لأعيذنه" "وكل ما ضيع من فرائضه" التي أوجبها عليه كالصلاة "فليفعله الآن" وجوبا على الفور "و" إذا فعل التائب ما ضيعه من الفرائض فـ "ليرغب إلى الله تعالى في تقبله" منه "ويتوب إليه من
стр. 704
تضييعه وليلجأ إلى الله فيما عسر عليه من قياد نفسه ومحاولة أمره موقنا أنه المالك لصلاح شأنه وتوفيقه وتسديده لا يفارق ذلك على ما فيه من حسن أو قبيح ولا ييأس من رحمة الله والفكرة في أمر الله مفتاح العبادة فاستعن بذكر الموت والفكرة فيما بعده
ــ
تضييعه" للفرائض "وليلجأ" أي يتضرع "إلى الله" تعالى "فيما عسر عليه من قيادة نفسه" إلى الطاعة لأنه هو المسهل والميسر "و" يتضرع إليه في "محاولة أمره" أي فيما يشكل عليه في حاله حال كونه "موقنا" أي مصدقا "أنه المالك لصلاح شأنه" أي حاله "و" المالك "لتوفيقه وتسديده" هما بمعنى واحد وهو الاستقامة على الطاعة "لا يفارق ذلك" أي ما ذكر من اللجأ واليقين "على ما فيه" أي على أي حالة هو فيها "من حسن" وهو الطاعة "أو قبح" وهو المعصية ولا يمنعه الذنب من ذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ والتواب: هو الذي كلما أذنب تاب ولا ييأس من رحمة الله تعالى على ما هو عليه من المعصية والفكرة أي التفكر "في أمر الله" تعالى أي مخلوقاته لأنه إذا تفكر في مصنوعات خالقه علم وجوب وجوده وكمال قدرته وحقيقة ربوبيته فيجد في عبادته وفيه إشارة إلى أنه لا يتفكر في ذاته لعدم قدرة العبد على إدراكها وحينئذ فالنظر في مخلوقات الله تعالى كما قال الشيخ: "مفتاح العبادة واستعن" على نفسك "بذكر الموت" لأن الإنسان إذا تفكر في الموت قصر أمله وكثر عمله "و" استعن عليها أيضا "بالفكرة فيما بعده" لأن الموت أشد
стр. 705
وفي نعمة ربك عليك وإمهاله لك وأخذه لغيرك بذنبه وفي سالف ذنبك وعاقبة أمرك ومبادرة ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك.
ــ
مما قبله وما بعده أشد منه "و" استعن عليها أيضا بالفكرة "في نعمة ربك عليك" لأنك إذا تفكرت في نعمه عليك استحييت أن تبارزه بالمعاصي "و" تفكر أيضا "في إمهاله لك" وأنت تعصيه "وأخذه لغيرك" من الأمم الماضية "بذنبه" في الحال "و" استعن أيضا وتفكر "فيـ" ما تقدم من "سالف ذنبك" وخف الأخذ به "و" تفكر أيضا في "عاقبة أمرك" إذ لا تدري بماذا يختم الله لك "و" تفكر أيضا في "مبادرة" أي مسارعة "ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك" بيان لما أي مسارعة أجلك الذي عسى الأجل أي لعله أن يكون قد اقترب أي تفكر هل هو أي الأجل نهاية يوم أو أقل لأن ذلك يسهل الطاعة ويقل الأمل والحرص ولأنه إذا تفكر في الموت أتاه وهو مستعد له وإذا أتاه بغتة فيندم حيث لا ينفعه الندم فيا لطيف الطف بنا فإنه لا حول ولا قوة إلا بك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 706
باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك .
ــ
"باب في" بيان "الفطرة" أي الخصال التي يكمل بها المرء حتى يكون على أفضل الصفات أي أفضل الهيئات "و" في بيان حكم "الختان و" حكم "حلق الشعر و" في بيان ما يجوز من "اللباس" وما لا يجوز "و" في بيان "ستر العورة و" في بيان "ما يتصل بذلك"
стр. 707
ومن الفطرة خمس قص الشارب وهو الإطار وهو طرف الشعر المستدير على الشفة لا إحفاؤه والله أعلم وقص الأظفار ونتف الجناحين وحلق العانة ولا بأس بحلاق غيرها من شعر الجسد والختان للرجال سنة والخفاض للنساء
ــ
أي بما ذكر مما أمر به أو نهى عنه في هذا الباب كالصور والتماثيل وبدأ بما صدر به في الترجمة فقال: "ومن الفطرة خمس":
أولها: "قص الشارب وهو الإطار" أي والشارب بالمعنى المذكور الإطار بوزن كتاب "وهو طرف الشعر المستدير على الشفة" أي النابت على الشفة والاستدارة بالشيء الإحاطة به فالمعنى المحيط بالشفة هذا معناه بحسب الأصل ولكن المراد هنا النازل على طرف الشفة هذا هو السنة في قصه "لا إحفاؤه والله أعلم" أي استئصاله.
"و" ثانيها: "قص الأظفار" للرجال والنساء.
"و" ثالثها: "نتف الجناحين" أي الإبطين وهو سنة للرجال والنساء.
"و" رابعها: "حلق العانة" سنة للرجال والنساء ولا تنتفها المرأة ولا الرجل على سبيل الكراهة لأن ذلك يرخي المحل ويبطل كثيرا من منافعه ويجوز إزالتها بالنورة "ولا بأس بحلاق غيرها" أي العانة "من شعر الجسد" كشعر اليدين والرجلين وشعر حلقة الدبر وظاهره الإباحة في حق الرجال وأما النساء فحلق ذلك منهن واجب لأن في تركه بهن مثلة.
"و" خامسها: "الختان للرجال" أراد بالرجال الذكور كانوا بالغين أو غير بالغين إلا أن البالغ يؤمر بختن نفسه لحرمة نظر عورة الكبير والختان هو زوال الغرلة بضم الغين المعجمة غشاء الحشفة "سنة" زاد في الضحايا واجبة أي مؤكدة "والخفاض في النساء" وهو قطع الناتئ في أعلى فرج الأنثى كأنه عرف
стр. 708
مكرمة وأمر النبي ﷺ أن تعفى اللحية وتوفر ولا تقص قال مالك ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت كثيرا وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين ويكره صباغ الشعر بالسواد من غير تحريم ولا بأس به بالحناء والكتم ونهى الرسول ﵇ الذكور عن لباس الحرير وتختم الذهب وعن
ــ
الديك "مكرمة" بفتح الميم وضم الراء أي كرامة بمعنى مستحب "وأمر النبي" ﷺ "أن تعفى" أي توفر "اللحية" فقوله "وتوفر ولا تقص" تأكيد وقوله: "قال مالك ولا بأس بالأخذ" بمعنى يستحب الأخذ "من طولها إذا طالت كثيرا" والمعروف لا حد للأخذ منها إلا أنه لا يتركها لنحو الشهرة "و" ما قاله مالك "قاله" قبله "غير واحد" أي أكثر من واحد "من الصحابة والتابعين" ﵃ أجمعين "ويكره صباغ الشعر" الأبيض "بالسواد من غير تحريم" لما كانت الكراهة تطلق ويراد بها التنزيه وتطلق ويراد به التحريم دفع هذا الثاني بقوله من غير تحريم وهذا الحكم خاص بغير البيع والجهاد أما في البيع فيحرم وأما في الجهاد لإيهام العدو الشباب فيؤجر عليه "و" أما صبغه بغير السواد فـ "لا بأس به بالحناء والكتم" بفتح التاء ورق السلم وهو يصفر الشعر والحناء تحمره وكلامه محتمل للندب والإباحة وهي أقرب "ونهى الرسول عليه" الصلاة و "السلام" نهي تحريم الذكر "عن لباس" أي لبس "الحرير" أي والجلوس عليه "و" عن "تختم الذهب و" نهى ﵊ "عن
стр. 709
التختم بالحديد ولا بأس بالفضة في حلية الخاتم والسيف والمصحف ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك ويتختم النساء بالذهب ونهي عن التختم بالحديد والاختيار مما روي في التختم التختم في اليسار لأن تناول الشيء
ــ
التختم بالحديد ولا بأس بالفضة في حلية الخاتم والسيف والمصحف" أراد بحلية الخاتم أن يكون الخاتم من فضة لما في الصحيحين أنه اتخذ خاتما من ورق فكان في يده ثم كان في يد أبي بكر من بعد ثم كان في يد عمر ثم كان في يد عثمان ﵃ أجمعين حتى وقع في بئر أريس كجليس قريبة من مسجد قباء وقد بالغ عثمان في التفتيش عليه ونزح البئر ثلاثة أيام وأخرج جميع ما فيه فلم يجده إشارة إلى أن أمر الخلافة منوط بذلك الخاتم
"ولا يجعل ذلك" المذكور من التحلية بالفضة "في لجام ولا سرج ولا سكين" ولا في غير ذلك من آلات الحرب اقتصارا على ما ورد الشرع به "ويتختم النساء بالذهب" وأولى بالفضة "ونهي عن التختم بالحديد" للنساء وتقدم النهي عن ذلك للرجال فالتختم بالحديد منهي عنه مطلقا للرجال والنساء "والاختيار" عند الجمهور منهم مالك "مما" أي من الذي "روي" عن النبي ﷺ "في التختم التختم في اليسار" ويتختم في اليسار في الخنصر ويجعل فصه مما يلي الكف فإذا أراد الاستنجاء خلعه كما يخلعه عند إرادة الخلاء وإنما جعل في اليسار "لأن تناول الشيء"
стр. 710
باليمين فهو يأخذه بيمينه ويجعله في يساره واختلف في لباس الخز فأجيز وكره وكذلك العلم في الثوب من الحرير إلا الخط الرقيق ولا يلبس النساء من الرقيق ما يصفهن إذا خرجن ولا يجر الرجل إزاره بطرا ولا ثوبه من الخيلاء وليكن إلى الكعبين فهو أنظف لثوبه
ــ
الصادق بالخاتم وغيره "باليمين فهو يأخذه بيمينه ويجعله في يساره" ولأن كونه في اليسار أبعد عن الإعجاب "واختلف في لبس الخز" بخاء وزاي معجمتين وهو ما سداه حرير ولحمته صوف أو قطن أو كتان على أقوال فأشار إلى اثنين منها بقوله: "فأجيز وكره" صحح في القبس الأول واستظهر ابن رشد الثاني والثالث يحرم لبسه قال القرافي وهو ظاهر مذهب مالك لقوله ﵊ في حلة عطارد وكان يخالطها الحرير: "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة" "وكذلك العلم في الثوب من الحرير إلا الخط الرقيق" وهو ما كان أقل من أصبع فإنه جائز "ولا يلبس النساء" على جهة المنع "من الرقيق ما يصفهن" أي الذي يوصفن فيه فإسناد الوصف للثياب استعارة أي الذي يظهر منه أعالي الجسدكالثديين والردف ومحل المنع "إذا خرجن من" بيوتهن أما إذا لبسنه في بيوتهن مع أزواجهن فيجوز "ولا يجر الرجل إزاره بطرا" أي كبرا "ولا ثوبه من الخيلاء" أي حال كون الجر ناشئا من الخيلاء والرجل في كلامه لا مفهوم له فإن المرأة كذلك إذا قصدت الخيلاء "و" إذا لم يجز للرجل فعل ذلك فـ "ليكن" المذكور من الإزار والثوب "إلى الكعبين فهو أنظف لثوبه"
стр. 711
وأتقى لربه وينهى عن اشتمال الصماء وهي على غير ثوب يرفع ذلك من جهة واحدة ويسدل الأخرى وذلك إذا لم يكن تحت اشتمالك ثوب واختلف فيه على ثوب ويؤمر بستر العورة.
ــ
وإزاره "وأتقى لربه" لأنه يتقى العجب والكبر والأول يرجع إلى ملاحظة الشخص لنفسه بعين الكمال مع نسيان نعمة الله والثاني يرجع إلى ذلك مع احتقار غيره فإذا الكبر أخص من العجب وهو الفرد الأشد حرمة "وينهى" بمعنى ونهي "عن اشتمال الصماء" نهي تحريم "وهي" أي صفة اشتمال الصماء أن تكون "على غير ثوب" أي إزار مثلا "يرفع ذلك" أي طرف ما يشتمل به "من جهة واحدة ويسدل الأخرى" قد فسرت في حديث أبي سعيد بجعل الرجل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه وفسرها اللغويون بأن يلبس الرجل ثوبا يلتف فيه ولا يجعل ليديه مخرجا فإذا أراد أن يخرج يديه بدت عورته فقد قال صاحب القاموس أن يرد الكساء من جهة يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعا إذا تقرر هذا فقوله اشتمال الصماء الإضافة للبيان أي اشتمال هو الصماء وقوله: "وذلك إذا لم يكن تحت اشتمالك" أي تحت ما تشتمل به "ثوب" تكرار كرره ليرتب عليه قوله: "واختلف فيه" أي في حكم الاشتمال المذكور "على ثوب" أي إزار مثلا على قولين لمالك بالمنع اتباعا لظاهر الحديث والإباحة لانتفاء العلة المذكورة وهي كشف العورة "ويؤمر" المكلف "بستر العورة".
стр. 712
وإزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر ولا تدخله المرأة إلا من علة ولا يتلاصق
ــ
عن أعين الناس وجوبا إجماعا وفي الخلوة استحبابا على المشهور ومقابله أنه فرض عين في الخلوة أيضا "وإزرة" الرجل "المؤمن" بكسر الهمزة لأن المراد الهيئة "إلى أنصاف ساقيه" ولفظ الموطأ من قوله ﵊: "إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين وما أسفل من ذلك ففي النار لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا" "والفخذ" وهو ما بين الساق والورك "عورة وليس كالعورة" ولما انتفى كونه كالعورة خف أمره فغاية ما يقال إنه يكره مع غير الخاصة والحرمة بعيدة لأنه ﵊ كشف فخذه مع أبي بكر وعمر ففي مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيته كاشفا فخذيه وساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحالة فتحدث, ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه فدخل وتحدث معه فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تباله ودخل عمر فلم تباله أي لم تهتم لدخولهما وتستر فخذيك ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال: "ألا أستحي من رجل تستحيي منه الملائكة" والاستحياء منه مزية وهي لا تقتضي الأفضلية "ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر" بكسر الميم والهمز وتركه ما يؤتزر به "ولا تدخله المرأة إلا من علة" من مرض أو نفاس لا من حيض أو جنابة "ولا يتلاصق
стр. 713
رجلان ولا امرأتان في لحاف واحد ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها أو نحو ذلك مما يباح لها ولا تحضر من ذلك ما فيه نوح نائحة أو لهو من مزمار أو عود أو شبهه من الملاهي الملهية إلا الدف في النكاح وقد اختلف في الكبر ولا يخلو رجل بامرأة
ــ
رجلان ولا امرأتان في لحاف" أو ثوب "واحد" غير مستوري العورة وهذا على جهة المنع سواء كانت بينهما قرابة أم لا لما رواه أبو داود من قوله ﵊: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ولا يفض الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفض المرأة إلى المرأة في ثوب واحد" "ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد" أي لا غنى "لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها" كالأخ "أو نحو ذلك مما يباح لها" الخروج لأجله كجنازة من ذكر وحضور عرسه "ولا تحضر" المرأة "من ذلك" أي مما أبيح لها الخروج إليه "ما فيه نوح نائحة أو لهو من مزمار أو عود أو شبهه من الملاهي الملهية" فيمتنع حضور شيء من ذلك "إلا الدف" بضم الدال فإنه يجوز "في النكاح" خاصة للرجال والنساء "وقد اختلف في الكبر" بفتحتين وهو طبل صغير يجلد من ناحية واحدة فأجازه ابن القاسم ومنعه غيره "ولا يخلو رجل بامرأة"
стр. 714
ليست منه بمحرم ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها أو نحو ذلك أو إذا خطبها وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال وينهى النساء عن وصل الشعر وعن الوشم ومن لبس خفا أو نعلا بدأ بيمينه وإذا نزع بدأ بشماله ولا بأس بالانتعال قائما ويكره المشي في نعل واحدة
ــ
شابة ليست بذي محرم منه لنهيه ﵊ عن ذلك قائلا: "فإن الشيطان ثالثهما" "ولا بأس أن يراها" بمعنى يجوز للرجل أن يرى ما ليست بذي محرم منه "لـ" أجل "عذر من شهادة عليها أو" لها و "نحو ذلك" كنظر الطبيب "أو إذا خطبها" لنفسه وهذا في غير المتجالة "وأما المتجالة" وهي التي لا أرب للرجال فيها "فله أن يرى وجهها على كل حال" لعذر وغيره "وينهى النساء" نهي تحريم "عن وصل الشعر وعن الوشم" لقوله ﵊: "لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" المتنمصة: هي التي تنتف شعر الحاجب حتى يصير دقيقا حسنا والمتفلجة هي التي تبرد أسنانها ليتباعد بعضها عن بعض أو يكون في أسنانها طول فتزيله بالمبرد ومفهوم قوله: للحسن أن الحرام هو المفعول للحسن فلو احتيج إليه لعلاج أو عيب فلا بأس به "ومن لبس خفا أو نعلا" أي أراد أن يلبسهما "بدأ بيمينه" على جهة الاستحباب "وإذا" أراد "نزعهما بدأ بشماله" على جهة الندب "ولا بأس بالانتعال قائما" أي كما يجوز جالسا فلا بأس للجواز المستوي الطرفين "ويكره المشي في نعل واحدة" لنهيه ﵊ عن ذلك
стр. 715
وتكره التماثيل في الأسرة والقباب والجدران والخاتم وليس الرقم في الثوب من ذلك وتركه أحسن.
ــ
"وتكره التماثيل" أي عملها وهي الصور التي تصنع على هيئة الحيوان "في الأسرة" بكسر المهملة جمع سرير وهو معلوم "و" في "القباب" جمع قبة وهي ما يجعل من الثياب على الهودج مثلا "و" في "الخاتم" بكسر التاء وفتحها "وليس الرقم في الثوب من ذلك" أي التماثيل المكروهة "وتركه" أي الرقم في الثوب وفي نسخة وغيره "أحسن" مراعاة لمن يقول بتحريمه.
стр. 716
باب في الطعام والشراب .
وإذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول بسم الله وتتناول بيمينك فإذا فرغت فلتقل الحمد لله وحسن أن تلعق يدك قبل مسحها.
ــ
"باب في" بيان آداب "الطعام والشراب" أي الأكل والشرب والآداب منها سوابق ومقارنة ولواحق فمن الأول قوله: "وإذا أكلت أو شربت" أي إذا أردتهما "فواجب عليك" وجوب السنن أي سنة عين "أن تقول بسم الله" جهرا ولا تزيد الرحمن الرحيم "وتتناوله" أي تأخذ ما تأكله أو تشربه "بيمينك" على جهة الاستحباب ومن الثالث قوله: "فإذا فرغت" من الأكل أو الشرب "فلتقل الحمد لله" سرا "وحسن" أي مستحب "أن تلعق يدك" وفي رواية أصابعك وهي مفسرة للأولى "قبل مسحها"
стр. 717
ومن آداب الأكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك ولا تأخذ لقمة حتى تفرغ الأخرى ولا تتنفس في الإناء عند شربك ولتبن القدح عن فيك ثم تعاوده إن شئت ولا تعب الماء عبا ولتمصه مصا
ــ
لما في مسلم أنه ﷺ كان يلعق يده قبل أن يمسحها "ومن آداب الأكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس" ووجه ذلك أنه إذا أكثر من الطعام لم يبق موضع للنفس إلا على وجه يضر به "و" من آداب الأكل "إذا أكلت مع غيرك" ممن ليس من أهلك "أكلت مما يليك" لأمره ﵊ بذلك "و" من آدابه أيضا أنك "لا تأخذ لقمة حتى تفرغ الأخرى" بالبلع لئلا تنسب إلى الشره أي الحرص على الأكل ولئلا تشرق فيحصل لك الخجل ومن الآداب أيضا أن تأكل كما يأكلون من تصغير اللقمة والترسل في الأكل وإن خالف ذلك عادتك "و" من آداب الشرب أنك "لا تتنفس في الإناء عند شربك" لنهيه ﵊ عن ذلك ويؤخذ من قوله: "ولتبن القدح عن فيك ثم تعاوده إن شئت" جواز الشرب من نفس واحد وهو قول لمالك وقيل يكره لما ثبت من قوله ﵊: "إذا شرب أحدكم فليتنفس ثلاث مرات فإنه أهنأ وأمرأ" "ولا تعب الماء عبا" قال في المصباح عب الرجل الماء عبا من باب قتل شربه من غير تنفس وعب الحمام شرب من غير مص كما تشرب الدواب وأما باقي الطيور فإنه يحسوه جرعة بعد جرعة انتهى "ولتمصه مصا"
стр. 718
وتلوك طعامك وتنعمه مضغا قبل بلعه وتنظف فاك بعد طعامك وإن غسلت يدك من الغمر واللبن فحسن وتخلل ما تعلق بأسنانك من الطعام ونهى الرسول ﵇ عن الأكل والشرب بالشمال وتناول إذا شربت من على يمينك وينهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب
ــ
بفتح الميم في ولتمصه مضارع مصص بالكسر والمص بلع الماء برفق شيئا بعد شيء "وتلوك" أي تمضغ "طعامك وتنعمه مضغا" أي تبالغ في مضغه "قبل بلعه" لأن ذلك أبلغ في اللذة وأسهل على المعدة "وتنظف فاك بعد" الفراغ من "طعامك" بالمضمضة والسواك لدفع ما يتقى من تغير طعم الفم "وإن غسلت يدك" بعد المسح الواقع بعد اللعق "من الغمر" بفتح الغين المعجمة وفتح الميم الودك وهو دسم اللحم والشحم "و" من "اللبن فحسن" أي مستحب "وتخلل" أي تزيل "ما تعلق بأسنانك" أي تداخل بينها "من الطعام" لأمره ﵊ بذلك "ونهى الرسول عليه" الصلاة و "السلام عن الأكل والشرب بالشمال" فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله "و" من آداب الشرب إذا كنت بحضرة جماعة أنك "تناول إذا شربت من على يمينك" أولا لما في الموطأ أنه ﷺ أتي بلبن قد شيب بماء أي خلط وعن يمينه أعرابي وعن يساره الصديق فشرب ثم أعطى الأعرابي فضله وقال: "الأيمن فالأيمن" "وينهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب" الظاهر أن المراد مطلق الكتاب فقها أو حديثا
стр. 719
وعن الشرب في آنية الذهب والفضة ولا بأس بالشرب قائما ولا ينبغي لمن أكل الكراث أو الثوم أو البصل نيئا أن يدخل المسجد ويكره أن يأكل متكئا ويكره الأكل من رأس الثريد ونهي عن القران في التمر وقيل
ــ
وهو في الأولين لما يتقى من القذر وفي الثالث لحرمته "و" كذلك نهى نهي تحريم "عن الشرب في آنية الذهب والفضة" لقوله ﷺ في الصحيحين: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" وضمير لهم للكفار "ولا بأس بالشرب قائما" لما في الترمذي أنه ﷺ كان يشرب قائما وقاعدا, وفعله عمر وعثمان وعلي وعليه جماعة الفقهاء "ولا ينبغي لمن أكل الكراث أو الثوم أو البصل نيئا" بكسر النون والمد والهمز ويروى بتشديد الياء "أن يدخل المسجد" ال فيه للجنس من حيث وجوده في جميع أفراده وسواء كان مسجد جمعة أم لا أي يكره له ذلك كما في سماع ابن القاسم من مالك إلا أن غير واحد رجح الحرمة وحمل ابن عمر كلام المصنف عليه "ويكره أن يأكل متكئا" وصفة الاتكاء أن يميل على مرفقه الأيسر أي بأن يبسط الفخذ اليسرى ويركز فيها المرفق اليسرى ويعتمد عليها والفخذ اليمنى قائمة "ويكره الأكل من رأس الثريد" لما صح أنه ﵊ أتي بقصعة من ثريد فقال: "كلوا من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها" "ونهى عن القران في التمر" أي الازدواج أي بأن يجمع بين التمرتين في المرة الواحدة "وقيل
стр. 720
إن ذلك مع الأصحاب الشركاء فيه ولا بأس بذلك مع أهلك أو مع قوم تكون أنت أطعمتهم ولا بأس في التمر وشبهه أن تجول يدك في الإناء لتأكل ما تريد منه وليس غسل اليد قبل الطعام من السنة إلا أن يكون بها
ــ
إن ذلك" النهي عن القران في التمر إنما هو "مع الأصحاب الشركاء فيه" والنهي نهي كراهة إن عللنا بسوء الأدب وإن عللنا بالاستبداد وكان القوم شركاء كان النهي نهي تحريم "ولا بأس بذلك مع أهلك" لأنه يجوز لك أن تستبد بشيء دونهم "أو مع قوم تكون أنت أطعمتهم" وهذا على التعليل بالاستبداد وأما على التعليل بسوء الأدب فالعلة موجودة, والكراهة باقية "ولا بأس في التمر وشبهه" كالزبيب "أن تجول بيدك في الإناء" الذي يكون فيه المأكول أي تشيعها وترسلها يمينا وشمالا "لتأكل ما" أي الذي "تريد منه" وقد وردت السنة بذلك وكان الأنسب ذكر هذه المسألة عقب قوله فيما سبق وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك "وليس غسل اليد قبل" أكل "الطعام من السنة" بل هو مكروه إذا كانتا نظيفتين قال مالك: وليس العمل على قوله ﵊: "الغسل قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم" أي ليس عمل أهل المدينة عليه أي ومذهبه أنه يقدم على الحديث وإن كان صحيحا وذلك لأن عملهم على خلاف حديث المصطفى لا يكون إلا لموجب وذلك لكون النبي ﷺ فعل خلاف مقتضاه الدال على نسخه "إلا أن يكون بها" أي اليد
стр. 721
أذى وليغسل يده وفاه بعد الطعام من الغمر وليمضمض فاه من اللبن وكره غسل اليد بالطعام أو بشيء من القطاني وكذلك بالنخالة وقد اختلف في ذلك ولتجب إذا دعيت إلى وليمة المعرس إن لم يكن هناك لهو مشهور ولا منكر بين
ــ
"أذى" أي قذر فيجب غسلها إكراما للطعام وفي قوله: "وليغسل يده وفاه بعد الطعام من الغمر" تكرار بالنسبة لليد مع قوله وإن غسلت يدك من الغمر الخ لأنه لا فرق بين قوله فحسن وقوله وليغسل "وليمضمض فاه من اللبن ظاهره مطلق اللبن" وقال يوسف بن عمر إنه خاص بالحليب لأن له دسما ويقويه الحديث وهو أنه ﵊ شرب لبنا ثم دعا بماء فمضمض فاه ثم قال إن له دسما "وكره غسل اليد بشيء من الطعام" كدقيق الحنطة "أو بشيء" من دقيق "القطاني" من عطف الخاص على العام وأفردها بالذكر لأن دقيقها لا يؤكل إلا في المسغبة فربما يتوهم خفة الأمر في دقيقها وأنه لا حذر فيه "وكذلك بالنخالة" وهي ما يتخلص بالغربال من قشور الحنطة "وقد اختلف في ذلك" أي في غسل اليد بجميع ما تقدم بالجواز والكراهة وهذا آخر الكلام على ما ترجم له ثم انتقل يتكلم على ما تبرع به فقال: "ولتجب" بضم التاء وكسر الجيم قيل وجوبا وقيل استحبابا "إذا دعيت إلى وليمة العرس" فوجوب الإجابة مشروط بالدعوة وبتعيين المدعو ويزاد على هذين ما أشار إليه الشيخ بقوله: "إن لم يكن هناك لهو مشهور" أي ممنوع مثل آلات الطرب الممنوعة "ولا منكر بين" أي ممنوع مثل اجتماع الرجال والنساء وفرش
стр. 722
وأنت في الأكل بالخيار وقد أرخص مالك في التخلف لكثرة زحام الناس فيها.
ــ
الحرير "و" إن حضرت فـ "أنت في الأكل بالخيار" أي إن شئت أكلت وإن شئت لم تأكل "وقد أرخص مالك في التخلف" عن الإجابة لوليمة العرس "لكثرة زحام الناس فيها" لأن في حضورها حينئذ مشقة خصوصا لأهل الفضل والصلاح.
стр. 723
باب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله والقول في السفر
ورد السلام واجب والابتداء به سنة.
ــ
"باب في" بيان "السلام" من حيث الحكم والصفة "و" في بيان "الاستئذان" حكما وصفة "و" حكم "التناجي و" في بيان "القراءة" أي بيان ما يتعلق به من طلب أو ترك أو قدر "و" في "الدعاء" أي ما يتعلق به من كونه كذا وكذا وفي موضع كذا "وذكر الله" سبحان وتعالى أي وفي حكم ذكر الله تعالى "والقول في السفر" أي ما يقوله إذا أراد سفرا وعكس في الباب فقدم الذكر على القراءة والدعاء وقدم الدعاء على القراءة وهذا الصنع جائز جاء مثله في القرآن قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ الآية وبدأ بحكم رد السلام فقال: "ورد السلام واجب" وجوب فروض الكفاية على المشهور "والابتداء به سنة" كفاية على المشهور
стр. 724
مرغب فيها والسلام أن يقول الرجل السلام عليكم ويقول الراد وعليكم السلام أو يقول سلام عليكم كما قيل له وأكثر ما ينتهي السلام إلى البركة أن تقول في ردك وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ولا تقل في ردك سلام الله عليك وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم
ــ
"مرغب فيها" أشار به إلى أنه سنة مؤكدة "والسلام" أي حقيقته "أن يقول الرجل: السلام عليكم" بصيغة الجمع كان المسلم عليه واحدا أو أكثر لأن الواحد كالجماعة من حيث وجود الحفظة معه "ويقول الراد: وعليكم السلام" بواو التشريك وتقديم الجار والمجرور "أو يقول: سلام عليكم" بتقديم السلام منكرا بغير واو وتأخير الجار والمجرور "كما قيل له" ظاهره تساويهما والأحسن ما ذهب إليه ابن رشد فإنه قال الاختيار أن يقول المبتدئ السلام عليكم ويقول الراد وعليكم السلام "وأكثر ما ينتهي السلام إلى البركة" فالزيادة على ذلك غلو وبدعة وإذا كان كذلك فيلزمك إذا سلم عليك إنسان وانتهى في سلامه إلى البركة "أن تقول في ردك" عليه "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ولا تقل في ردك" على من سلم عليك "سلام الله عليك" لأنه لم يرد به خبر عن النبي ﷺ ولا هو مأثور عن السلف الصالح "وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم" لأنه من سنن
стр. 725
وكذلك إن رد واحد منهم وليسلم الراكب على الماشي والماشي على الجالس والمصافحة حسنة وكره مالك المعانقة وأجازها ابن عيينة وكره مالك تقبيل اليد وأنكر ما روي فيه ولا تبتدأ اليهود والنصارى بالسلام فمن سلم على ذمي فلا يستقيله
ــ
الكفاية "وكذلك إن رد واحد منهم" أي من الجماعة المسلم عليهم أجزأ عن جماعتهم لأن ذلك من فروض الكفاية "وليسلم الراكب على الماشي والماشي على الجالس" لأمره ﵊ بذلك "والمصافحة حسنة" أي مستحبة على المشهور ومقابله ما لمالك من رواية أشهب من كراهتها "وكره" إمامنا "مالك" رحمه الله تعالى "المعانقة" وهي أن يجعل الرجل عنقه على عنق صاحبه "وأجازها" سفيان "بن عيينة" وهو من كبار أهل العلم والفضل "وكره مالك" ﵀ "تقبيل اليد" أي يد الغير سواء كان الغير عالما أو سيدا أو أبا وهو ظاهر نص أهل المذهب لأنه من فعل الأعاجم الداعي إلى الكبر ورؤية النفس "وأنكر" مالك ﵀ "ما روي فيه" من الأحاديث التي منها أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﷺ ابتدروا يديه ورجليه وهو صحيح ومنها تقبيل سعد بن مالك يده ﷺ "ولا تبتدأ اليهود والنصارى بالسلام" لما صح من نهيه ﵊ عن ذلك "فمن سلم على ذمي" ظانا أنه مسلم "فلا يستقيله" أي لا يطلب منه الإقالة بأن يقول له إنما سلمت عليك ظنا مني أنك مسلم ولو
стр. 726
وإن سلم عليه اليهودي أو النصراني فليقل عليك ومن قال: عليك السلام بكسر السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك والاستئذان واجب فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا فإن أذن لك وإلا رجعت ويرغب في عيادة المرضى
ــ
علمت أنك كافر ما سلمت عليك فرد علي سلامي الذي سلمته عليك "وإن سلم عليه" أي على المسلم "اليهودي أو النصراني فليقل" له في الرد عليه "عليك" بغير واو لما في مسلم: "أن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم" فالمناسب لذلك أن يقول في الرد عليك أو عليكم بغير واو ليكون دعاء عليه لأن المراد عليك أو عليكم السام واللعنة والسام الموت "ومن قال" في الرد عليه "عليك السلام بكسر السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك" أي يجوز ذلك وفي العبارة حذف والتقدير ومن قال كذا فلا لوم عليه لأنهم قد قالوا بجواز ذلك "و" أما "الاستئذان" وهو طلب الإذن على أهل البيت في الدخول عليهم فـ "واجب" وجوب الفرائض لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ فمن تركه فهو عاص لله ورسوله فإذا كان كذلك "فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا" أي ثلاث مرات كان ذلك الأحد محرما أو غيره مما لا يحل لك النظر إلى عورته بخلاف الزوجة والأمة وصفة الاستئذان أن تقول: أأدخل ثلاث مرات "فإن أذن لك" فادخل "وإلا رجعت" وقوله: "ويرغب في عيادة المرضى" تقدم وليس لذكره هنا مناسبة لا بما قبله ولا بما بعده
стр. 727
ولا يتناجى اثنان دون واحد وكذلك جماعة إذا أبقوا واحدا منهم وقد قيل لا ينبغي ذلك إلا بإذنه وذكر الهجرة قد تقدم في باب قبل هذا قال معاذ بن جبل ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله وقال عمر أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه ومن
ــ
"ولا يتناجى" قال ابن عمر: التناجي التسارر بالكلام ليخفي ذلك عن الغير "اثنان دون واحد" في سفر أو حضر "وكذلك جماعة إذا أبقوا واحدا منهم" لا يتناجون دونه "وقد قيل لا ينبغي ذلك" أي تناجي اثنين مثلا دون واحد أو جماعة دونه "إلا بإذنه" فإن الحق له فإذا أسقطه سقط "وذكر الهجرة قد تقدم في باب قبل هذا" أي الهجران وقوله قد تقدم أي فلا حاجة لإعادته "قال معاذ بن جبل" الذي قال في حقه ﵊: "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" "ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر" يحتمل أن يريد الذكر باللسان أو القلب والذكر الكامل ما كان بالقلب واللسان "و" ما "قال عمر" بن الخطاب ﵁ "أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه" لا ينافي أن أكمل الذكر الجمع بينهما وذكر القلب نوعان أجلهما الفكر في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وآياته في سمائه وأرضه ويليه ذكره بالقلب عند الأمر والنهي فيمتثل ما أمر به وينتهي عما نهي عنه "ومن
стр. 728
دعاء رسول الله ﷺ كلما أصبح وأمسى اللهم بك نصبح وبك نمسي وبك نحيا وبك نموت ويقول في الصباح وإليك النشور وفي المساء وإليك المصير وروي مع ذلك اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظا ونصيبا في كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو ذنب تغفره أو شدة تدفعها أو فتنة تصرفها
ــ
دعاء رسول الله ﷺ كلما أصبح وأمسى اللهم" يا الله "بك نصبح وبك نمسي وبك نحيا وبك نموت وتقول" زيادة على ذلك إن كنت "في الصباح وإليك النشور" أي نشور الخلائق إليك أي مشيهم إلى جزائك "و" إن كنت "في المساء" قلت "وإليك المصير" أي وإليك الرجوع بالموت وهذا الحديث خرجه أصحاب السنن الأربعة الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه "وروي" أنه يقول "مع ذلك" الدعاء المتقدم في الصباح "اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظا ونصيبا في كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور" أي هدى وهو خلق القدرة على الطاعة "تهدي به أو رحمة تنشرها" أي تظهرها "أو رزق تبسطه" أي تكثره "أو ضر تكشفه" أي تزيله "أو ذنب" نهيت عنه "تغفره" أي تستره "أو شدة" وهي ما يصيب الإنسان من الكروب والأحزان "تدفعها" أي تزيلها "أو فتنة" وهي كل ما يشغل عن الله من أهل ومال وولد "تصرفها"
стр. 729
أو معافاة تمن بها برحمتك إنك على كل شيء قدير ومن دعائه ﵇ عند النوم أنه كان يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن واليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: "اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت
ــ
أي تصرف الاشتغال بها أي تزيله "أو معافاة تمن بها" أي تتفضل بها "برحمتك إنك على كل شيء قدير" وظاهر قوله وروي أنه حديث مرفوع وصرح به الأقفهسي وروي أنه من كلام ابن عمر ﵄ "ومن دعائه عليه" الصلاة و "السلام عند" إرادة "النوم" أنه كان "يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن" بعد أن يضطجع على شقه الأيمن "و" يده "اليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: "اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه اللهم إن أمسكت" أي قبضت "نفسي" قبض وفاة "فاغفر لها" أي فاستر ذنوبها "وإن أرسلتها" أي رددتها إلى جسدها "فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك" أي لتوفيق ودفع مكاره دنيوية "اللهم إني أسلمت نفسي إليك" إذ لا قدرة لي على تدبيرها بالنظر في عواقب الأمور "وألجأت" أي أسندت "ظهري إليك" وهو كناية عن شدة التوجه والاعتماد عليه "وفوضت" أي وكلت تكرار لأنه إذا أسلمها
стр. 730
أمري إليك ووجهت وجهي إليك رهبة منك ورغبة إليك لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك أستغفرك وأتوب إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت رب قني عذابك يوم تبعث عبادك
ــ
فوضها وإذا فوضها أسلمها وهو مطلوب في الدعاء "أمري إليك" فافعل بي ما تريد "ووجهت وجهي إليك" أي وجهت نفسي إليك فهو بمعنى أسندت ظهري إليك "رهبة منك" أي خوفا منك أي راهبا وخائفا منك "ورغبة إليك" أي طمعا في رحمتك أي طامعا في رحمتك "لا منجى" أي لا مهرب "ولا ملجأ منك" أي لا مرجع منك فالمهرب والمرجع كل منهما مصدر ميمي والتقدير لا هروب ولا رجوع منك "إلا إليك أستغفرك" أي أطلب منك مغفرتك "وأتوب" أي أرجع "إليك" من أفعال مذمومة إلى أفعال محمودة "آمنت" أي صدقت "بكتابك" أي القرآن "الذي أنزلته" على سيدنا محمد ﷺ "و" آمنت "برسولك" والذي في صحيح مسلم نبيك "الذي أرسلت فاغفر لي ما قدمت" من الذنوب "وما أخرت" من التوبة لأن تأخيرها معصية كبيرة "وما أسررت" أي الذي عملته سرا "وما أعلنت" أي الذي عملته جهرا "أنت إلهي لا إله إلا أنت" أي أنت المعبود بحق "رب قني عذابك" أي يا رب نجني منه "يوم تبعث عبادك"
стр. 731
ومما روي في الدعاء عند الخروج من المنزل: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي" وروي في دبر كل صلاة أن يسبح الله ثلاثا وثلاثين ويكبر الله ثلاثا وثلاثين ويحمد الله ثلاثا وثلاثين ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وعند الخلاء تقول: الحمد لله الذي رزقني لذته وأخرج عني مشقته
ــ
أي تحييهم ومما روي عن النبي ﷺ في الدعاء عند الخروج من المنزل "اللهم إني أعوذ بك" أي أتحصن بك "أن أضل" أي أنفك عن الحق بنفسي "أو أضل" أي يضلني غيري عنه "أو أزل" أي أزيغ عن الحق "أو أزل" أي يزيغني غيري عنه "أو أظلم أو أظلم" أي سلمني أن أظلم أحدا أو يظلمني أحد "أو أجهل أو يجهل علي" أي سلمني أن أسفه على أحد أو يسفه علي أحد "وروي" عن النبي ﷺ "في دبر" بضم الدال بمعنى عقب "كل صلاة" مكتوبة "أن يسبح الله ثلاثا وثلاثين ويحمد الله ثلاثا وثلاثين ويكبر الله ثلاثا وثلاثين ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير و" مما روي من الذكر "عند" الخروج "من الخلاء" وهو ما أعد لقضاء الحاجة أنك "تقول: الحمد لله الذي رزقني لذته" أي الطعام أي لذته عند أكله "وأخرج عني مشقته"
стр. 732
وأبقى في جسمي قوته وتتعوذ من كل شيء تخافه وعندما تحل بموضع أو تجلس بمكان أو تنام فيه تقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ومن التعوذ أن تقول: أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء
ــ
أي مشقة بقائه "وأبقى في جسمي قوته" وذلك أن العروق تتغذى من ذلك فتتقوى أعضاؤه على الطاعات "وتتعوذ من كل شيء تخافه" من إنس وجن وحيوان "وعند ما تحل بموضع أو تجلس بمكان أو تنام فيه تقول أعوذ بكلمات الله" أي القرآن "التامات" أي التي لا يعتريها نقص ولا باطل "من شر ما خلق" وتكررها ثلاث مرات كما في مسلم "ومن التعوذ أن تقول: أعوذ بوجه الله الكريم وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن" أي لا يتعداهن "بر ولا فاجر" البر المحسن والفاجر ضده ووقوع المكروه من البر ممكن "و" أعوذ "بأسماء الله الحسنى" وصفت بذلك لما استلزمته من معان حسنة مثلا وهاب معناه كثير الهبة وهذا يتضمن معنى هو كثرة حمد الحامدين وتعظيم المعظمين "كلها" تأكيد "ما علمت منها وما لم أعلم" يؤخذ منه أنها ليست محصورة في التسعة والتسعين قال القشيري إن لله ألف اسم ثلاثمائة في التوراة وثلاثمائة في الزبور وثلاثمائة في الإنجيل وتسعة وتسعين في القرآن وواحدا في صحف إبراهيم "من شر ما خلق وذرأ وبرأ" ألفاظ مترادفة معناها الإيجاد من العدم إلى الوجود "ومن شر ما ينزل من السماء"
стр. 733
ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن فتنة الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ويقال في ذلك أيضا: ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ويستحب لمن دخل منزله أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ويكره العمل في المساجد من خياطة
ــ
كالصواعق "ومن شر ما يعرج فيها" أي يصعد في السماء مما هو سبب لنزول البلاء وهو سيئ الأعمال "ومن شر ما ذرأ في الأرض" أي خلق "ومن شر ما يخرج منها" مما له شر وأذية "ومن فتنة الليل والنهار" أي الفتنة الواقعة فيهما من المحن والابتلاءات "ومن طوارق الليل والنهار" أي حوادثهما التي تأتي بغتة "إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ويقال في ذلك" أي التعوذ "أيضا ومن شر كل دابة" والمراد بها هنا كل ما اتصف بالدبيب وهو المشي "ربي آخذ بناصيتها" وهو مقدم الرأس وهذا مجاز مرسل بمعنى القهر والغلبة "إن ربي على صراط مستقيم" أي إن تصرف ربي على وجه مستقيم أي ليس فيه نقص ولا قصور "ويستحب لمن دخل منزله" أو بستانه أو حانوته أن يقول: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" بعد أن يسلم إن كان ثم أحد وإلا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين من قال ذلك كان حرزا لمنزله وحسبك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ "ويكره" كراهة تحريم "العمل في المساجد من خياطة
стр. 734
ونحوها ولا يغسل يديه فيه ولا يأكل فيه إلا مثل الشيء الخفيف كالسويق ونحوه ولا يقص فيه شاربه ولا يقلم فيه أظفاره وإن قص أو قلم أخذه في ثوبه ولا يقتل فيه قملة ولا برغوثا وأرخص في مبيت الغرباء في مساجد البادية ولا ينبغي أن يقرأ في الحمام إلا الآيات اليسيرة ولا يكثر ويقرأ الراكب والمضطجع والماشي من قرية إلى قرية ويكره ذلك للماشي إلى السوق.
ــ
ونحوها ولا يغسل يديه فيه ولا يأكل فيه إلا الشيء الخفيف" مما لا يلوث "كالسويق" وهو القمح أو الشعير المقلي إذا طحن زاد في التحقيق سواء كان ملتوتا بسمن أو عسل "ونحوه" مما لا يلوث "ولا يقص فيه شاربه ولا يقلم أظفاره" لأنها أوساخ "وإن قص أو قلم أخذه في ثوبه" أي بحيث لا ينزل منه شيء على الأرض "ولا يقتل فيه قملة ولا برغوثا وأرخص في مبيت الغرباء في مساجد البادية" للضرورة مفهومه أنه لا يرخص ذلك في مساجد الحاضرة لوجود الفنادق فيها إذا وجد ما يعطيه أجرة وإلا بات للضرورة "ولا ينبغي أن يقرأ في الحمام إلا الآيات اليسيرة ولا يكثر" ومثله موضع القذر "ويقرأ الراكب والمضطجع" لأنها ذكر وقد أمر الله بالذكر في جميع هيئات الشخص قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ "و" كذا يقرأ "الماشي من قرية إلى قرية ويكره ذلك للماشي إلى السوق" أي سوق الحاضرة لا سوق البادية فلا
стр. 735
وقد قيل إن ذلك للمتعلم واسع ومن قرأ القرآن في سبع فذلك حسن والتفهم مع قلة القراءة أفضل وروي أن النبي ﵇ لم يقرأه في أقل من ثلاث ويستحب للمسافر أن يقول عند ركوبه بسم الله اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال
ــ
كراهة "وقد قيل إن ذلك" أي قراءة الماشي إلى السوق "للمتعلم واسع" أي جائز "ومن قرأ القرآن في سبع" أي سبع ليال "فذلك حسن" أي مستحب لأنه عمل أكثر السلف "والتفهم مع قلة القراءة أفضل" من سرد حروفه بلا تفهم لقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ "وروي أن النبي عليه" الصلاة و "السلام لم يقرأ القرآن في أقل من ثلاث" وهذا مع معرفته ﷺ معانيه وفهم ما فيه "ويستحب للمسافر أن يقول عند ركوبه بسم الله اللهم أنت الصاحب" أي الحافظ "في السفر والخليفة في الأهل" أي الوكيل في حفظهم بعد سفري عنهم القائم بأمورهم "اللهم إني أعوذ بك من وعثاء" بسكون المهملة أي مشقة "السفر وكآبة" بفتح الكاف والهمز والمد الحزن وسوء الحال من فوات ما أريد "المنقلب" أي الرجوع "وسوء المنظر" أي ما يسيء النظر إليه "في الأهل والمال" بحيث يلحق
стр. 736
ويقول الراكب إذا استوى على الدابة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ وتكره التجارة إلى أرض العدو وبلد السودان وقال النبي ﵇: "السفر قطعة من العذاب" ولا ينبغي أن تسافر المرأة مع غير ذي محرم منها سفر يوم وليلة فأكثر إلا في حج الفريضة خاصة في قول مالك في رفقة مأمونة وإن لم يكن معها ذو محرم فذلك لها.
ــ
الأهل والمال أمور مشقة أي تشق على النفس "ويقول إذا استوى على الدابة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ أي الله ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي مطيقين قادرين ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أي راجعون "وتكره التجارة إلى أرض العدو" لأن في ذلك تغريرا للإنسان بنفسه وماله وإذلالا للدين "وإلى بلد السودان" أي الكفار منهم للعلة المتقدمة "وقال النبي عليه" الصلاة و "السلام: "السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه" الحديث.
"ولا ينبغي" بمعنى لا يحل "أن تسافر المرأة مع غير ذي محرم منها سفر يوم وليلة فأكثر إلا في حج الفريضة خاصة في قول مالك" فإن لها أن تسافر مع غير ذي محرم لكن بشرط أن تكون "في رفقة مأمونة" من المسلمين فإن لم تجد رفقة مأمونة لا يجوز لها ذلك "وإن لم يكن معها ذو محرم فذلك لها" مرتبط بقوله: إلا في حج الفريضة فذلك لها
стр. 737
باب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالمملوك
ولا بأس بالاسترقاء من العين وغيرها والتعوذ والتعالج وشرب
ــ
"باب في" بيان حكم "التعالج" وهو محاولة الداء بدوائه أي يحاول الداء بالدواء أي بدواء ذلك الداء "و" في بيان "ذكر الرقى" جمع رقية أي في حكم الرقى وما يرقى به "و" في بيان حكم "الطيرة" بكسر الطاء وفتح التحتية وهي العمل على سماع ما يكره أو رؤيته "و" في بيان ما يحل تعلمه من علم "النجوم و" في بيان حكم "الخصاء" وبيان ما يجوز أن يخصى وما يكره "و" في بيان حكم "الوسم" بالسين المهملة وهو العلامة بالكي في الحيوان "و" في ذكر "الكلاب" أي في بيان ما يجوز أن يتخذ منها وما لا يتخذ "و" في بيان "الرفق بالمملوك" يعني من الآدميين إذ لا يسمى بذلك عرفا غيره "ولا بأس بالاسترقاء من العين وغيرها" كاللدغة بالدال المهملة والغين المعجمة لدغ العقرب والحية والعين ذو سم جعله الله في عين العائن إذا تعجب من شيء ولم يبارك وأما لو بارك عند نظره لم يصبه شيء لقوله ﵊ للعائن: "هلا باركت؟ " ولا خلاف في جواز الاسترقاء بأسماء الله تعالى وكتابه "و" لا بأس "بالتعوذ" ففي مسلم أنه ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات بكسر الواو الإخلاص والفلق والناس وينفث بكسر الفاء وضمها أي يخرج الريح من فمه في يديه مع شيء من ريقه ويمسح بهما ما بلغ من جسده "و" كذا لا بأس بـ "التعالج" أي بمعالجة المريض الداء بالدواء "وشرب
стр. 738
الدواء والفصد والكي والحجامة حسنة والكحل للتداوي للرجال جائز وهو من زينة النساء ولا يتعالج بالخمر ولا بالنجاسة ولا بما فيه ميتة ولا بشيء مما حرم الله ولا بأس بالاكتواء والرقى بكتاب الله وبالكلام الطيب
ــ
الدواء والفصد" وهو قطع العرق لاستخراج الدم الذي يؤذي "والكي" وهو الحرق بالنار "والحجامة حسنة" أي مستحبة في كل أيام السنة "والكحل" بالإثمد "لـ" أجل ا "لتداوي للرجال جائز" فلا يكتحل لغير ضرورة "وهو من زينة النساء" والتشبه بهن حرام كالعكس "ولا يتعالج" أي لا يجوز التعالج "بالخمر" في باطن الجسم وظاهره "ولا بالنجاسة" غيره "ولا بما فيه ميتة" أي ولا بشيء فيه جزء من الميتة وهذا وإن كان داخلا فيما قبله إلا أنه لما كانت نجاسته عرضية ربما يتوهم جواز التداوي بما هي فيه "ولا بشيء مما حرم الله " وحينئذ لا يجوز التداوي في الحكة بلبس الحرير خلافا لبعض وقوله: "ولا بأس بالاكتواء" تكرار "والرقى" جمع رقية تكون "بكتاب الله تعالى" أي القرآن وآخر الرقية بالفاتحة ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ "وبالكلام الطيب" وهو العربي المفهوم روى الشيخان أنه ﷺ كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس أذهب الباس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما" أي لا يترك ولا يرقى بالمبهمات لما سئل مالك عن الأسماء المعجمة فقال ما يدريك لعلها
стр. 739
ولا بأس بالمعاذة تعلق وفيها القرآن وإذا وقع الوباء بأرض قوم فلا يقدم عليه ومن كان بها فلا يخرج فرارا منه وقال الرسول ﵇ في الشؤم: "إن كان ففي المسكن والمرأة والفرس" وكان ﵇ يكره سيئ الأسماء ويحب الفأل الحسن.
ــ
كفر وقضية ذلك أن ما جهل معناه لا تجوز الرقية به ولو جرب وصح "ولا بأس بالمعاذة" وهي التمائم التي "تعلق" في العنق "وفيها القرآن" وسواء في ذلك المريض والصحيح بعد جعلها فيما يكنها "وإذا وقع الوباء" مقصورا وممدودا وهو الطاعون "بأرض" أي في أرض قوم "فلا يقدم عليه" من هو خارج عن تلك الأرض "ومن كان بها فلا يخرج" منها "فرارا منه" أي من الوباء لما صح أنه ﵊ نهى عن ذلك والنهي نهي كراهة "وقال الرسول عليه" الصلاة و "السلام في" شأن الشؤم: "إن كان له حكم ثابت" أي وجود ثابت في نفس الأمر "ففي ثلاثة أشياء: المسكن والمرأة والفرس" شؤم المسكن سوء الجيران وشؤم المرأة قلة نسلها وشؤم الفرس ترك الغزو عليه "وكان" النبي "عليه" الصلاة و "السلام يكره سيئ الأسماء" كمرة وحنظلة وحرب "و" كان ﵊ "يحب الفأل الحسن" الفأل بالهمز والجمع فؤول وفي الصحيح قيل: يا رسول الله وما الفأل؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" كما إذا خرج للسفر أو عيادة مريض ولم يقصد سماع الفأل فسمع يا غانم أو يا سالم أما إذا قصد سماع الفأل ليعمل عليه فلا يجوز لأنه من الأزلام وهي أقداح أي سهام
стр. 740
والغسل للعين أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب على المعين ولا ينظر في النجوم إلا ما يستدل به على القبلة وأجزاء الليل ويترك ما سوى ذلك
ــ
يكون في أحدها افعل وفي الآخر لا تفعل والثالث لا شيء فيه فإذا خرج الذي فيه افعل مضى وإذا خرج الذي فيه لا تفعل رجع وإن خرج الذي لا شيء فيه أعاد الاستقسام ثم بين صفة رقية العين بقوله: "والغسل للعين" أي وصفة الرقية بالعين إذا عرف العائن "أن يغسل العائن" أي وجوبا ويجبر عليه إن امتنع من ذلك إذا خشي على المعيون الهلاك ولم يمكن الخلاص إلا به فيغسل "وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره" أي ما يلي فرجه وفيه من حسن العبارة ما لا يخفى حيث لم يعبر باللفظ الذي يستحيا منه وهو الفرج وأشار إليه إشارة لطيفة ويجمع ذلك "في قدح ثم يصب على المعين" قال ابن العربي صوابه العائن وفيه نظر لأن الصب على المعان أي المصاب بالعين لا العائن وصفة صب القدح على المعان أن يصب عليه من فوقه ويقلب القدح أي وراء ظهره على الأرض "ولا ينظر في" علم "النجوم إلا" في شيئين فإن النظر فيه لهما قد ورد الشرع به أحدهما "ما يستدل به على" معرفة سمت "القبلة" أي جهتها.
"و" ثانيهما: ما يستدل به على معرفة "أجزاء الليل" ما مضى وما بقي وبقي ثالث جائز وهو النظر فيما يهتدى به في السير لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ "ويترك ما سوى ذلك" مما
следующие страницы →