← Фикх общий

Фикх общий · id 7444

الروضة الندية شرح الدرر البهية ط المعرفة

صديق حسن خان

Полный текст (711 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

داود وأحمد وابن أبي شيبة عن علي: "السنة وضع الكف في الصلاة تحت السرة" رواه رزين وغيره وفي سفر السعادة وضع الكف تحت الصدر في صحيح ابن خزيمة. قال الترمذي: رأى بضعهم أن يضعهما فوق السرة ورأى بعضهم أن يضعهما تحت السرة وكل ذلك واسع عندهم كما ذكرنا سابقا وقال الشيخ ابن الهمام: ولم يثبت حديث صحيح يوجب العمل في كون الوضع تحت الصدر وفي كونه تحت السرة والمعهود من الحنفية هو كونه تحت السرة وعن الشافعية تحت الصدر وعند أحمد قولان كالمذهبين والتحقيق المساواة بينهما كما ذكرنا سابقا والله تعالى أعلم بأحكامه انتهى. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين بعد تخريج الأخبار والآثار في وضع اليمنى على اليسرى: رُدّت هذه الآثار برواية ابن القاسم عن مالك قال: تركه أحب إليّ ولا أعلم شيئاً ردت به سواه انتهى. وفي حاشية الشفاء ومن الغرائب أنها صارت في هذه الديار وفي هذه الأعصار عند العامة ومن يشابههم ممن يظن أنه قد ارتفع عن طبقتهم من أعظم المنكرات حتى إن المتمسك بها يصير في اعتقاد كثير في عداد الخارجين عن الدين فترى الأخ يعادي أخاه والوالد يفارق ولده إذا رآه يفعل واحدة منها أي من هذه السنن وكأنه صار متمسكاً بدين آخر ومنتقلاً إلى شريعة غير الشريعة التي كان عليها, ولو رآه يزني أو يشرب الخمر أو يقتل النفس أو يعق أحد أبويه أو يشهد الزور أو يحلف الفجور لم يجر بينه وبينه من العداوة ما يجري بينه وبينه بسبب التمسك بهذه السنن أو ببعضها, لا جرم هذه علامات آخر الزمان ودلائل حضور القيامة وقرب الساعة انتهى. والإشارة بقوله بهذه السنن إلى رفع اليدين في المواضع الأربعة وضم اليدين في الصلاة قال: وأعجب من فعل العامة الجهلة وأغرب سكوت علماء الدين وأئمة المسلمين عن الإنكار على من جعل المعروف منكراً والمنكر معروفاً وتلاعب بالدين وبسنة سيد المرسلين انتهى. "والتوجه" فقد وردت فيه أحاديث بألفاظ مختلفة ويجزئ التوجه بواحد منها إذا خرج من مخرج صحيح وأصحها الاستفتاح المروي من حديث أبي هريرة وهو في الصحيحين وغيرهما بل قد قيل إنه تواتر لفظاً وهو: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد". قال في الحجة:

стр. 107

وقد صح في ذلك صيغ منها: "اللهم باعد بيني" إلى آخره ومنها: "إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"١. ومنها: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك". ومنها: "الله أكبر كبيرا ثلاثا الحمد لله كثيراً ثلاثاً وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثاً" والأصل في الاستفتاح حديث علي في الجملة وأبي هريرة وعائشة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم وحديث عائشة وابن مسعود وأبي هريرة وثوبان وكعب بن عجرة في سائر المواضع وغير هؤلاء انتهى ملخصاً. قلت: ذهب الشافعي في دعاء الافتتاح إلى حديث علي رضي الله تعالى عنه: "إني وجهت وجهي" الخ وأبو حنيفة إلى حديث عائشة "سبحانك اللهم وبحمدك" الخ وقال مالك: لا نقول شيئا من ذلك. ومعنى قوله عندي أنه ليس بسنة لازمة, وأشار البغوي إلى أن الاختلاف في أذكار الصلاة من دعاء الافتتاح وذكر الركوع والسجود وما بعد التشهد بين الأئمة من الاختلاف المباح فذكر كل أصح ما عنده وليس أحد ينكر ما عند الآخر. بعد التكبيرة لأنه لم يأت في ذلك خلاف النبي ﷺ بل كل من روى عنه الاستفتاح روى أنه بعد التكبيرة ولم يأت في شيء أنه توجه قبلها وقد أوضح ذلك العلامة الشوكاني في حاشية الشفاء. وأما ما يتوجه به فهو الذي قد ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وفيه الصحيح والأصح والوقوف على ذلك ممكن بالنظر في مختصر من مختصرات الحديث وسبحان الله وبحمده ما فعلت هذه المذاهب بأهلها. وأما "التعوذ" فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ يفعله بعد الاستفتاح قبل القراءة ولفظه: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" كما أخرجه أحمد وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري قال في الحجة: ثم يتعوذ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وفي التعوذ صيغ منها: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ومنها: "أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم" ثم يبسمل سرا لما شرع الله تعالى لنا من تقديم التبرك باسم الله تعالى على القراءة ولأن

стр. 108

فيه احتياطاً إذ قد اختلفت الرواية هل هي آية من الفاتحة أم لا فقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يفتتح الصلاة أي القراءة بالحمد لله رب العالمين ولا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم انتهى. أقول: قد وقع الخلاف في البسملة من جهات: الأولى في كونها قرآنا في كل سورة أم لا الثانية في قراءتها في الصلاة أو سرا في السرية وجهراً في الجهرية ولأهل العلم في كل طرف من هذه الأطراف خلاف طويل ومنازعات كثيرة والقراء منهم من يقرؤها في أول كل سورة ومنهم من لا يقرؤها وقد أورد شيخنا العلامة الشوكاني في شرح المنتقى ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. والحاصل: أن الحق ثبوت قراءتها وأنها آية من كل سورة وأنها تُقرأ في الصلاة جهراً في الجهرية وسرا في السرية في السرية وأحاديث عدم سماع جهره ﷺ بها وإن كانت صحيحة فالجمع بينها وبين أحاديث الجهر ممكن بأن يُحمل نفي من نفى على أنه عرض له مانع عن سماعها فإن وقت قراءة الإمام لها وقت اشتغال المؤتم بالدخول في الصلاة والإحرام والتوجه وتكبير القائمين إلى الصلاة ورواة الإسرار هم مثل أنس وعبد الله بن مغفل وهم إذ ذاك من صغار الصحابة قد لا يقفون في الصفوف المتقدمة لأنها موقف كبار الصحابة كما ورد الدليل بذلك وعلى كل تقدير فالمثبت مقدم على النافي, وأحاديث الجهر وإن كانت غير سليمة من المقال فهي قد بلغت في الكثرة إلى حد يشهد بعضها لبعض مع كونها معتضدة بالرسم في المصاحف وهو دليل علمي كما قاله العضد وغيره فقد وافقت سائر الآيات القرآنية في ذلك فالظاهر مع من قال بأن صفتها وصفة سائر الآيات متفقة. وأما ما في تنوير العينين من أن ترك الجهر بالتسمية أولى من الجهر بها لأن رواية ترك جهره أكثر وأوضح من جهره انتهى فقد دفعه ما تقدم آنفا. وأما التأمين فقد ورد به نحو سبعة عشر حديثاً وربما تفيد أحاديثه الوجوب على المؤتم إذا أمّن إمامه كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "إذا أمّن الإمام فأمنوا" فيكون ما في المتن مقيدا بغير المؤتم إذا أمّن إمامه وقد ذهب إلى مشروعيته جمهور أهل العلم ومما يؤكد مشروعيته أن فيه إغاظة لليهود لما أخرجه أحمد وابن ماجه والطبراني من حديث عائشة مرفوعاً: "ما حسدتكم اليهود على شي ما حسدتكم على قول آمين". قال ابن القيم في إعلام الموقعين: السنة المحكمة الصحيحة الجهر بآمين

стр. 109

في الصلاة كقوله في الصحيحين: "إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه أمين الملائكة غفر له" ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في بالتأمين وأصرح من هذا حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن حجر ابن عنبس عن وائل بن حجر قال: كان رسول الله صلى الله وسلم عليه إذا قال ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته, وفي لفظ: "وطول بها" رواه الترمذي وغيره وإسناده صحيح, وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث فقال: "وخفض بها صوته" وحكم أئمة الحديث وحفاظه في هذا لسفيان فقال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل في هذا الباب أصح من حديث شعبة وأخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع فقال عن حجر أبي العنبس وإنما كنيته أبو السكن وزاد فيه عن علقمة بن وائل وإنما هو حجر بن عنبس عن وائل بن حجر ليس فيه علقمة وقال: "وخفض بها صوته" والصحيح أنه جهر بها. قال الترمذي: سألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة إذا اختلفا فقال: القول قول سفيان إلى قوله: فرُد هذا كله بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ والذي نزلت عليه هذه الآية هو الذي رفع صوته بالتأمين والذين أمروا بها رفعوا به أصواتهم ولا معارضة بين هذه الآية والسنة بوجه ما اهـ, ثم أطال ابن القيم في بيان أدلة ترجيح هذه السنة وتقريرها تركنا ذكرها مخافة الإطالة وفي تنوير العينين يظهر بعد التعمق في الروايات والتحقيق أن الجهر بالتأمين أولى من خفضه لأن رواية جهره أكثر وأوضح من خفضه اهـ. وقراءة غير الفاتحة معها لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وورد ما يُشعر بوجوب قرآن مع الفاتحة من غير تعيين كحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله وسلم عليه أمره أن يخرج فينادي: لاصلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد أخرجه أحمد وأبو داود وفي إسناده مقال ولكنه قد أخرج مسلم في صحيحه وغيره من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً" وقد أعلها البخاري في جزء القراءة, وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد بلفظ:

стр. 110

أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. قال ابن سيد الناس: وإسناده صحيح ورجاله ثقات, وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح. وأخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة" وهو حديث ضعيف, وهذه الأحاديث لا تقصر عن إفادة إيجاب قرآن مع الفاتحة من غير تقييد بل مجرد الآية الواحدة يكفي, وأما زيادة على ذلك كقراءة سورة مع الفاتحة في كل ركعة من الأوليين فليس بواجب فيكون ما في المتن مقيداً بما فوق الآية. قال في الحجة البالغة: ثم يرتل سورة الفاتحة وسورة من القرآن ترتيلا يمد الحروف ويقف على رؤوس الآي يخافت في الظهر والعصر ويجهر الإمام في الفجر والمغرب والعشاء ويقرأ في الفجر ستين آية إلى مائة تداركاً لقلة ركعاته بطول قراءته وفي العشاء: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ . ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ومثلهما وحُمل الظهر على الفجر والعصر على العشاء وفي بعض الروايات الظهر على العشاء والعصر على المغرب وفي بعضها وفي المغرب بقصار المفصل لصيق الوقت انتهى. وأما التشهد الأوسط فلم يرد فيه ألفاظ تخصه بل يقول فيه ما يقول في التشهد الأخير ولكنه يسرع بذلك وفي حاشية الشفاء للشوكاني رح: وأما ما يقال فيه فهو ما يقال في التشهد الأخير سواء بسواء إلا ما ورد تخصيصه بالآخر فيختص به وظاهر الأدلة الواردة في التشهد شامل للتشهدين جميعاً إلا أنه ينبغي تخفيفه كما ورد الدليل بذلك وأقل ما يقال فيه تشهد ابن مسعود ويُضم إليه الصلاة على النبي وآله صلى الله وسلم عليه بأخصر لفظ فهذا لا ينافي التخفيف المشروع انتهى. وقد روى أحمد والنسائي من حديث ابن مسعود قال: إن محمداً قال إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع به ربه , ورجاله ثقات وأخرجه الترمذي بلفظ: علمنا رسول الله صلى الله وسلم عليه إذا قعدنا في الركعتين, فالتقييد بالقعود في كل ركعتين يفيد أن هذا التشهد هو التشهد الأوسط ولكن ليس فيه ما ينفي زيادة الصلاة على النبي صلى الله وسلم عليه وقد شرعها رسول الله صلى الله وسلم عليه في التشهد مقترنة بالسلام على النبي صلى الله وسلم عليه كما ورد بلفظ: قد علمنا كيف السلام عليك فكيف

стр. 111

الصلاة وهو في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وفي رواية من حديث ابن مسعود فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ وإنما لم يكن التشهد الأوسط واجباً ولا قعوده لأن النبي صلى الله وسلم عليه تركه سهوا فسبَّح الصحابة فلم يعد له بل استمر وسجد للسهو فلو كان واجباً لعاد له عند ذهاب السهو بوقوع التنبيه من الصحابة فلا يقال: إن سجود السهو يكون لجبران الواجب كما يكون لجبران غير الواجب لأنا نقول: محل الدليل ههنا هو عدم العود لفعله بعد التنبيه على السهو. أقول: لا ريب أنه صلى الله وسلم عليه لازم التشهد الأوسط ولم يثبت في حديث من الأحاديث الحاكية لفعله صلى الله وسلم عليه أنه تركه مرة واحدة ولكن هذا القدر لا يثبت به الوجوب وإن كان بيانا لمجمل واجب وانضم إليه حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" لأن الاقتصار في حديث المسيء بعض ما كان يفعله دون بعض يشعر بعدم وجوب ما لم يذكر فيه وأحاديث التشهد الصحيحة التي فيها لفظ: "قولوا" وإن كان أصل الأمر للوجوب لكنه مصروف عن حقيقته بحديث المسيء ويشكل على ذلك قول ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد. الحديث. فإن هذه العبارة على أن التشهد من المفترضات ويمكن أن يقال: إن فهم ابن مسعود للفرضية لا يستلزم أن يكون الأمر كذلك لأنه من مجالات الاجتهادات واجتهاده ليس بحجة على أحد١, وأيضا بعض التشهد تعليم كيفية وتعليم الكيفيات وإن كان بلفظ الأمر لا يدل على وجوبها وما نحن بصدده من ذلك فإنه وقع في جواب كيف نصلي عليك وإنما كان كذلك لأن جواب السائل عن الكيفية يكون بالأمر وإن كانت غير واجبة إجماعاً تقول كيف أغسل ثوبي وأحمل متاعي فيقول المسؤول افعل كذا غير مريد لا يجاب ذلك عليك بل لمجرد التعليم للهيئة المسؤول عنها بكيف فلا بد أن يكون الشيء المسؤول عن كيفيته قد وجب بدليل آخر غير تعليم

стр. 112

الكيفية١ وقد وقع في بعض طرق حديث المسيء ذكر للتشهد فراجعه في الموطن فإن صحت تلك الطرق كانت هي المفيدة للوجوب, وأما حديث: "إذا أحدث المصلي بعد آخر سجدة" فليس مما تقوم به الحجة فليعلم. وأما الأذكار الواردة في كل ركن فكثيرة جدا منها: تكبير الركوع والسجود والرفع والخفض كما دل عليه حديث ابن مسعود قال: رأيت النبي صلى الله وسلم عليه يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود. وأخرجه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وأخرج نحوه البخاري ومسلم من حديث عمران بن حصين وأخرج نحوه من حديث أبي هريرة وفي الباب أحاديث إلا عند الارتفاع من الركوع فإن الإمام والمنفرد يقولان: "سمع الله لمن حمده" والمؤتم يقول: "اللهم ربنا ولك الحمد" وهو في الصحيح من حديث أبي موسى قال في حاشية الشفاء: الظاهر من الأدلة أن الإمام والمنفرد يجمعان بين السمعلة والحمدلة فيقولان: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وأما المؤتم ففيه احتمال وقد أوضحت الصواب فيه في شرح المنتقى انتهى. قال ابن القيم في الإعلام: السنة الصريحة في قول الإمام: "ربنا لك الحمد" كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله وسلم عليه إذا قال سمع الله لمن حمده قال: "اللهم ربنا لك الحمد" وفيهما أيضا عنه: كان رسول الله صلى الله وسلم عليه يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم ربنا لك الحمد, وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله وسلم عليه كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد" فرُدّت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله صلى الله وسلم عليه: "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد" انتهى. وأما ذكر الركوع فهو: "سبحان ربي العظيم" وذكر السجود: "سبحان ربي الأعلى" ويدعو بعد ذلك بما أحب من المأثور وغيره وأقل ما يستحب من التسبيح في الركوع والسجود ثلاث لحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله وسلم عليه قال: إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه

стр. 113

وذلك أدناه وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وفي إسناده انقطاع. وأما ذكر الاعتدال فقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وأما الذكر بين السجدتين فقد روى الترمذي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني". أقول: قد بين لنا ﷺ كيفية تسبيح الركوع والسجود بيانا شافيا نقله لنا عنه الذين نقلوا إلينا سائر الأحكام الشرعية فقالوا كان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى" وكذلك أرشد إليه صلى الله وسلم عليه قولاً. وأما التقييد بعدد مخصوص فلم يرد ما يدل عليه إنما كان الصحابة يقدرون لبثه في ركوعه وسجوده تقادير مختلفة والتطويل في الصلاة من السنن الثابتة ما لم يكن المصلي إماماً لقوم فإنه يصلي بهم صلاة أخفهم كما أرشد إليه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم, والأحاديث في الأذكار الكائنة في الصلاة كثيرة جدا فينبغي الاستكثار من الدعاء في الصلاة بخيري الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد والأوْلى أن يأتي بهذه الأذكار قبل الرواتب فإنه جاء في بعض الأذكار ما يدل على ذلك كقوله: "من قال قبل أن ينصرف ويثني رجله من صلاة المغرب والصبح لا إله إلا الله" الخ وكقول الراوي: "كان إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى: لا إله إلا الله" الخ. قال ابن عباس: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالتكبير , وفي بعضها ما يدل ظاهراً كقوله: "دبر كل صلاة" وأما قول عائشة: كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام" الخ فيحتمل وجوها ذكرتها في شرح بلوغ المرام. وبالجملة: فالأدعية كلها بمنزلة أحرف القرآن من قرأ منها شيئا فاز بالثواب

стр. 114

الموعود وهذا الباب يحتمل البسط وليس المراد هنا إلا الإشارة إلى ما يُحتاج إليه وقد ذكر الماتن هذه المسائل والأذكار في شرح المنتقى وأورد كل ما يحتاج إليه على وجه لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. فصل فيما لا يجوز في الصلاة وتبطل الصلاة بالكلام لحديث زيد بن أرقم في الصحيحين وغيرهما قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وهكذا حديث ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "إن في الصلاة لشغلا" وفي رواية لأحمد والنسائي وأبي داود وابن حبان في صحيحه: إن الله يحدث من أمره ما شاء وإنه أحدث من أمره أن لا يتكلم في الصلاة, ولا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم عامدا عالما فسدت صلاته, وإنما الخلاف في كلام الساهي ومن لم يعلم بأنه ممنوع فأما من لم يعلم فظاهر حديث معاوية بن الحكم السلمي الثابت في الصحيح أنه لا يعيد وقد كان شأنه صلى الله وسلم عليه أن لا يحرج على الجاهل ولا يأمره بالقضاء في غالب الأحوال بل يقتصر على تعليمه وعلى إخباره بعدم جواز ما وقع منه وقد يأمره بالإعادة كما في حديث المسيء, وأما كلام الساهي والناسي فالظاهر أنه لا فرق بينه وبين العامد العالم في إبطال الصلاة. قال أبو حنيفة: كلام الناسي يبطل الصلاة وحديث أبي هريرة كان قبل تحريم الكلام ثم نسخ وفيه بحث لأن تحريم الكلام كان بمكة وهذه القصة بالمدينة, وقال الشافعي: كلام الناسي لا يبطل الصلاة وكلام العامد يبطلها ولو قل, وتأويل الحديث عنده أن النبي صلى الله وسلم عليه كان ناسيا بانيا كلامه على أن الصلاة تمت وهو نسيان وكلام ذي اليدين على توهم قصر الصلاة فكان حكمه حكم الناسي وكلام القوم كان جوابا للرسول وإجابة الرسول لا تبطل الصلاة, وقال مالك: إن كان الكلام العمد يسيرا لإصلاح الصلاة لا يبطل مثل أن يقال: لم تكمل فيقول: قد أكملت وحديث: نهينا عن الكلام. ولا تكلموا خص منه هذا النوع من الكلام كذا في المسوى. أقول أما فساد صلاة من تكلم ساهيا فلا أعرف دليلا يدل عليه إلا عموم حديث النهي

стр. 115

عن الكلام وهو مخصص بمثل حديث تكلمه صلى الله وسلم عليه بعد أن سلم على ركعتين كما في حديث ذي اليدين فإنه تكلم في تلك الحال ساهيا عن كونه مصليا وهو المراد بكلام الساهي لأن المراد إصدار الكلام من غير قصد فإن قيل إن ثم فرقا بين من تكلم وهو داخل الصلاة لم يخرج منها وبين من تكلم وقد خرج منها ساهيا فإن الأول أوقع الكلام حال الصلاة والآخر أوقعه خارجها واعتداده بما قد فعله قبل الخروج ساهيا لا يوجب كونه بعد الخروج قبل الرجوع في صلاة وأدل دليل على ذلك تكبيره للدخول بعد الخروج سهوا فيقال: الأدلة لواردة في رفع الخطاب عن الساهي مخصصة لذلك العموم فاقتضى ذلك أن المفسد هو كلام العامد لا كلام الساهي, وأما عدم أمره لمعاوية بن الحكم بالإعادة كما في الحديث فيمكن أن يكون لتنزيل كلام الجاهل بالتحريم منزلة كلام الساهي ويمكن أن يكون الجهل عذرا بمجرده وبالاشتغال بما ليس منها وذلك مقيد بأن يخرج به المصلي عن هيئة الصلاة كمن يشتغل مثلا بخياطة أو نجارة أو مشي كثير أو التفات طويل أو نحو ذلك وسبب بطلانها بذلك أن الهيئة المطلوبة من المصلي قد صارت بذلك الفعل متغيرة عما كانت عليه حتى صار الناظر لصاحبها لا يعده مصليا, أقول: اختلفت أنظار أهل العلم في تعريف الفعل الكثير المفسد للصلاة والمبطل لها والذي أراه طريقا إلى معرفة الفعل الكثير أن ينظر المتكلم في ذلك إلى ما صدر منه صلى الله وسلم عليه من الأفعال مثل حمله لأمامة بنت أبي العاص وطلوعه ونزوله في المنبر وهو في حال الصلاة ونحو ذلك مما وقع منه صلى الله وسلم عليه لا لإصلاح الصلاة فيحكم بأنه غير كثير, وكذلك ما وقع لقصد إصلاح الصلاة مثل خلعه صلى الله وسلم عليه للنعل وإذنه بمقاتلة الحية وما أشبه ذلك ينبغي الحكم بأنه غير كثير بالأولى وما خرج عن الواقع من أفعاله والمسوغ بأقواله فهو فعل غير مشروع, ورجع في كونه مفسدا وغير مفسد إلى الدليل فإن ورد ما يدل على أحد الطرفين كان العمل عليه وإن لم يرد فالأصل الصحة والفساد خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لقيام دليل يدل على الفساد ولكنه إذا صدر من المصلي من الأفعال التي لمجرد العبث ما يخرج به عن هيئة من يؤدي هذه

стр. 116

العبادة مثل: أن يشتغل بعمل من الأعمال التي لا مدخل لها في الصلاة ولا في إصلاحها نحو: حمل الأثقال والخياطة والنسخ ونحو ذلك فهذا غير مصل فإذا قال قائل بفساد صلاته فهو من حيث إنه قد فعل ما ينافي الصلاة. وأما الاستدلال بحديث: "اسكتوا في الصلاة" فهو مع كونه لا يفيد إلا الوجوب والواجب لا يستلزم عدمه فساد ما هو واجب فيه مخصص بجميع ما فعله صلى الله وسلم عليه أو أذن به أو قرره وما خرج عن ذلك ففعله غير جائز بل يجب تركه فقط فمن تركه كان ممدوحا ومن فعله كان مذموما ومن قال إن الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي يقتضي الفساد كما هو مذهب طائفة من أهل الأصول فغاية ما هناك أن ذلك الفعل الذي فعله ولم يتركه كما يجب عليه فاسد, وأما كون الصلاة التي فعل فيها ذلك الفعل فاسدة فشيء آخر. قال مجد الدين الفيروز أبادي في الصراط المستقيم: ولسماع بكاء الطفل كان يخفف الصلاة وأحيانا كان يتعلق به وهو في الصلاة طفل فيحمله على عاتقه وأحيانا كان يأتي الحسين وهو في السجود فيركب على ظهره المبارك فيطيل السجود لأجله, وأحيانا كانت عائشة تأتي وهو في الصلاة وقد غلق الباب فيخطو ليفتح الباب لها, وأحيانا كان يسلم عليه وهو في الصلاة فيجيب بالإشارة باسطا يده وقد يومئ برأسه المبارك وكانت عائشة نائمة تجاه صلاته فكان عند السجود يضع يده على رجلها لتخلي مكان السجود بضم رجلها, وكان قد يصل إلى آية السجدة على المنبر فيهبط إلى الأرض ليسجد ثم يصعد واختصم وليدتان من بني عبد المطلب فتصارعتا فلما دنتا منه أمسكهما بيده وفرق بينهما, وكان يبكي في الصلاة كثيرا ويتنحنح أحيانا لحاجة, وقال: "صلوا في نعالكم خلافا لليهود" اهـ. قال في الحجة البالغة: إن النبي صلى الله وسلم عليه قد فعل أشياء في الصلاة بيانا للمشروع وقرر على أشياء فذلك وما دونه لا يبطل الصلاة. والحاصل من الاستقراء أن القول اليسير مثل: ألعنك بلعنة الله, ويرحمك الله, ويا ثكل أماه وما شأنكم تنظرون إلي والبطش اليسير مثل: وضع صبية من العاتق ورفعها وغمز الرجل ومثل فتح الباب والمشي اليسير كالنزول من درج المنبر إلى مكان ليتأتى منه السجود في

стр. 117

أصل المنبر والتأخر من موضع الإمام إلى الصف والتقدم إلى الباب المقابل ليفتح والبكاء خوفا من الله تعالى والإشارة المفهمة وقتل الحية والعقرب واللحظ يمينا وشمالا من غير لي العنق لا يفسد, وإن تعلق القذر بجسده أو ثوبه إذا لم يكن بفعله أو كان لا يعلمه لا يفسد. اهـ. قلت: اتفقوا على أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة في العالمكيرية إن حمل صبيا أو ثوبا على عاتقه لم تفسد صلاته وإن حمل شيئا يتكلف في حمله فسدت, وفي المنهاج الكثرة بالعرف فالخطوتان والضربتان قليل والثلاث كثير وتبطل بالوثبة الفاحشة لا الحركات الخفيفة المتوالية كتحريك أصابعه في سبحة أوحك في الأصح في العالمكيرية١ لو فتح على غير إمامه تفسد إلا إذا عنى به التلاوة دون التعليم وإن فتح على إمامه فالصحيح لا تفسد بحال وفي المنهاج لو نطق بنظم القرآن بقصد التفهيم كيا يحيى خذ الكتاب قصد معه قراءة لم تفسد وإلا بطلت كذا في المسوى, وبترك شرط كالوضوء فلأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط. أو ركن لكون ذهابه يوجب خروج الصلاة عن هيئتها المطلوبة عمدا وإذا ترك الركن فما فوقه سهوا فعله وإن كان قد خرج عن الصلاة كما وقع منه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في حديث ذي اليدين فإنه سلم على ركعتين ثم أخبر بذلك فكبر وفعل الركعتين المتروكتين, وأما ترك ما لم يكن شرطا ولا ركنا من الواجبات فلا تبطل به الصلاة لأنه لا يؤثر عدمه في عدمها بل حقيقة الواجب ما يمدح فاعله ويذم تاركه وكونه يذم لا يستلزم أن صلاته باطلة. والحاصل: أن الشروط للشيء هي التي تثبت بدليل يدل على انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط نحو أن يقول الشارع: من لم يفعل كذا فلا صلاة له أو يأتي عن الشارع ما هو تصريح بعدم الصحة أو بعدم القبول أو الأجر أو يثبت عنه النهي عن الإتيان بالمشروط بدون الشرط لأن النهي يدل على الفساد المرادف للبطلان على ما هو الحق وأما كون الشيء واجبا فهو يثبت بمجرد طلبه من الشارع ومجرد الطلب لا يستلزم زيادة على كون الشيء واجبا فتدبر هذا تسلم من الخبط والخلط. فصل "ولا تجب" الصلوات المكتوبة الخمس "على غير مكلف" لأن

стр. 118

خطاب التكليف لا يتناول غير مكلف ولا خلاف في ذلك في الواجبات الشرعية, وأما ما ورد من تعويد الصبيان وتمرينهم فالخطاب في ذلك للمكلفين والوجوب عليهم لا على الصغار. "وتسقط عمن عجز عن الإشارة" لأن إيجابها على المريض مع بلوغه إلى ذلك الحد هو من تكليف ما لا يطاق ولم يكلف الله تعالى أحدا فوق طاقته. وكذلك عمن أغمي عليه حتى خرج وقتها فلا وجوب عليه لأنه غير مكلف في الوقت ويصلي المريض قائما ثم قاعدا ثم على جنب لحديث عمران بن حصين عند البخاري وأهل السنن وغيرهم قال: "كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الصلاة فقال: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب". وقد نطق بمضمون ذلك القرآن الكريم وإذا تعذر على المصلي صفة من صفات صلاة العليل الواردة أتى بالصلاة على صفة أخرى مما ورد ثم يفعل ما قدر عليه ودخل تحت استطاعته: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . "وإذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".

стр. 119

باب صلاة التطوع "هي أربع قبل الظهر وأربع بعده وأربع قبل العصر". لما ثبت في ذلك من حديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله وسلم عليه يقول: "من صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربعا بعدها حرمه الله على النار" رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان قال في سفر السعادة: وكان يفصل بين هذه الأربع بتسليمتين قال أمير المؤمنين علي: كان النبي صلى الله وسلم عليه يصلي قبل الظهر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن معهم من المسلمين والمؤمنين. رواه أحمد والترمذي محسنا اهـ. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر: أن النبي صلى الله وسلم عليه قال: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا" وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وابن خزيمة. "وركعتان بعد المغرب" قال في سفر السعادة: وفي سنة المغرب سنتان: إحداهما أن لا يتكلم بينهما وبين الفريضة لما في الحديث: "من صلى ركعتين بعد

стр. 120

المغرب". قال مكحول: يعني قبل أن يتكلم رُفعت صلاته في عليين. الثانية: أن تكون في البيت, دخل رسول الله صلى الله وسلم عليه مسجد بني الأشهل وصلى المغرب فلما فرغ رأى أهل المسجد اشتغلوا بصلاة السنة فقال: "هذه صلاة البيوت" وفي لفظ ابن ماجه: "اركعوا هاتين في بيوتكم". حاصله: أن عادة حضرة سيدنا رسول الله صلى الله وسلم عليه أنه كان يصلي جميع السنن في بيته إلا أن يكون بسبب وكان يقول: أيها الناس: "صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة" اهـ. وقال أيضا: وكان الصحابة يصلون قبل المغرب ركعتين ولم يمنعهم صلى الله وسلم عليه من ذلك وثبت في الصحيحين أنه صلى الله وسلم عليه قال: "صلوا قبل المغرب" وقال في الثالثة: "لمن شاء" كراهة أن يتخذها الناس سنة فصلاتها مندوبة مستحبة لكن لا تبلغ درجة الرواتب اهـ. "وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر" لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر قال: حفظت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الغداة". وأخرج نحوه مسلم في صحيحه وأحمد والترمذي وصححه من حديث عبد الله بن شقيق, وأخرج نحوه مسلم وأهل السنن من حديث أم حبيبة ولا ينافي هذا ما تقدم من الدليل الدال على مشروعية أربع قبل الظهر وأربع بعده لأن هذه زيادة مقبولة وثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر. وثبت في صحيح مسلم وغيره من حديثها: أن ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها, وفيهما أحاديث كثيرة. قال في سفر السعادة: وكان يحافظ على ركعتي الفجر بحيث إنه كان يواظب عليهما في السفر أيضا ولم يرو أنه صلى الله وسلم عليه صلى في السفر شيئا من السنن الرواتب إلا سنة الفجر وصلاة الوتر, وللعلماء في أفضلية سنة الفجر وصلاة الوتر قولان: قال بعضهم: سنة الفجر آكد, وقال بعضهم: بل الوتر, وكما أن الوتر واجب عند البعض كذا سنة الفجر تجب عند البعض, وقال بعض المشايخ: سنة الفجر ابتداء العمل والوتر ختم العمل فلا جرم صرفنا العناية

стр. 121

لشأنهما ولهذا السبب شُرع فيهما قراءة سورة الإخلاص وسورة قل يا١ لاشتمالهما على توحيد العلم والعمل وتوحيد المعرفة والإرادة وتوحيد الاعتقاد والقصد كما بيناه في كتاب حاصل كورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص اهـ. "وصلاة الضحى" والأحاديث فيها متواترة عن جماعة من الصحابة وأقلها ركعتان كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما, وأكثرها اثنتا عشرة ركعة كما دلت على ذلك الأدلة وفي الحجة البالغة وللضحى ثلاث درجات أقلها ركعتان وفيها أنها تجزي عن الصدقات الواجبة على كل سلامي ابن آدم وثانيتها أربع ركعات وفيها عن الله تعالى: "يا ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" وثالثها ما زاد عليها كثماني ركعات وثنتي عشرة, وأكمل أوقاته حين يرتحل النهار وترمض الفصال٢ اهـ. "وصلاة الليل" والأحاديث فيها صحيحة متواترة لا يتسع المقام لبسطها قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ وقال صلى الله وسلم عليه: "صلوا بالليل والناس نيام" وكانت العناية بصلاة التهجد أكثر فبين صلى الله وسلم عليه فضائلها وضبط آدابها وأذكارها. قال: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وهو قربة لكم إلى ربكم مكفرة للسيئات منهاة عن الإثم" وغير ذلك. وأكثرها ثلاث عشرة ركعة, وقد كان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يصلي صلاة الليل على أنحاء مختلفة فتارة يصلي ركعتين ركعتين ثم يوتر بركعة وتارة يصلي أربعا أربعا وتارة يجمع بين زيادة على الأربع وذلك كله سنة ثابتة قال في الحجة البالغة: صلاها النبي صلى الله وسلم عليه على وجوه والكل سنة. قال في المنح قالت عائشة: ولا أعلم رسول الله صلى الله وسلم عليه قرأ القرآن كله في ليلة ولا قام ليلة حتى أصبح. اهـ. "يوتر في آخرها بركعة" إما منفردة أو منضمة إلى شفع قبلها. قال ابن القيم: ووردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس متصلة وسبع متصلة كحديث أم سلمة كان رسول الله صلى الله وسلم عليه يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بسلام ولا كلام, رواه

стр. 122

أحمد وكقول عائشة: كان رسول الله صلى الله وسلم عليه يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن متفق عليه. وكحديث عائشة: أنه يصلي من الليل تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليماً يسمعنا ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة فلما أسن رسول الله صلى الله وسلم عليه وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول, وفي لفظ عنها: فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة. وفي لفظ: صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن, وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها فرُدّت بقوله صلى الله وسلم عليه: "صلاة الليل مثنى مثنى" وهو حديث صحيح ولكن الذي قاله هو الذي أوتر بالسبع والخمس وسنته كلها حق يصدق بعضها بعضا فالنبي صلى الله وسلم عليه أجاب السائل له عن صلاة الليل بأنها مثنى مثنى ولم يسأله عن الوتر, وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها وللخمس والسبع والتسع المتصلة كالمغرب اسم للثلاث المتصلة فإن انفصلت الخمس والسبع بسلامين كالإحدى عشرة كان الوتر اسم الركعة المفصولة وحدها قال صلى الله وسلم عليه: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة توتر له ما قد صلى" فاتفق فعله صلى الله وسلم عليه وقوله وصدق بعضه بعضا اهـ. والحق أن الوتر سنة هو أو كد السنن بينه علي وابن عمر وعبادة ابن الصامت وإليه ذهب أكثر العلماء إلا أبا حنيفة خاصة فإنه واجب على الصحيح عنده. وثلاث ركعات لا يزيد ولا ينقص قال في المسوى: وأقل الوتر ركعة في قول أكثرهم وأكثره إحدى عشرة أو ثلاث عشرة وأدنى الكمال ثلاث وما زاد فهو أفضل اهـ. وكان النبي صلى الله وسلم عليه إذا صلاها ثلاثا يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية: بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين. أقول: دلت الأخبار على أن وقت الوتر بعد الفراغ من العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر وهذا هو عين ما أفتى به أبو موسى وفتواه هي الثابتة عن رسول الله صلى الله وسلم عليه أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى وسلم عليه: "أوتروا قبل أن تصبحوا" وأخرج ابن حبان عنه صلى الله وسلم عليه أنه قال: "إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل"

стр. 123

والوتر فأوتروا قبل طلوع الفجر, والأحاديث في الباب كثيرة والأحاديث الثابتة في إيتاره صلى الله وسلم عليه بركعة أكثر من أن تحصى فهي صالحة لتخصيص ما هو من العمومات في أعلى طبقة فكيف بما لا صحة له قط؟ وحديث البتيراء لم يصح والذي ينبغي التعويل عليه في دفع الوجوب الأحاديث المصرحة بأن الوتر غير واجب والوتر عبادة عن آخر صلاة الليل, وقد ثبت في ذلك صفات متعددة بأحاديث صحيحة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. والحاصل: أن لصلاة الليل باعتبار وترها ثلاث عشرة صفة كما ذكر ذلك ابن حزم في المحلى فالقول بأن الوتر ثلاث ركعات فقط لا يجوز أن يكون الإيتار بغيرها ضيق عطن وقصور باع ولمثل هذا صار أكثر فقهاء العصر لا يعرفون الوتر إلا بأنها ثلاث ركعات بعد صلاة العشاء حتى إن كثيراً منهم يكون له قيام في الليل وتهجد فتراه يصلي الركعات المتعددة ويظن أن الوتر شيء قد فعله وأنه لا تعلق له بهذه الصلاة التي يفعلها في الليل وهو لايدري أن الوتر هو ختام صلاة الليل وأنه لا صلاة بعده إلا الركعتان المعروفتان بسنة الفجر وكثيرا ما يقع الإنسان في الابتداع وهو يظن أنه في الاتباع والسبب عدم الشغل بالعلم وسؤال أهل الذكر, وأما ما روي عن الحسن البصري أنه قال: أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن فإن أراد أن الإجماع وقع على هذا القدر وأنه لا يجوز الإيتار بغيره فهو من البطلان بمكان لا يخفى على عارف, فهذه الدفاتر الإسلامية الحاكية لمذاهب الصحابة الذين أدركهم الحسن البصري ولمذاهب التابعين الذين هو واحد منهم قاضية بخلاف هذه الحكاية وهي بين أيدينا, وإن أراد أن هذه الصفة هي إحدى صفات الوتر فنحن نقول بموجب ذلك فقد روي الإيتار بثلاث ولكنه روي النهي عن الإيتار بثلاث كما أوضح ذلك الماتن رح في شرح المنتقى فتعارضت رواية الثلاث ورواية النهي, والعالم بكيفية الاستدلال لا يخفى عليه الصواب وقد تقدم أن حديث البتيراء لا أصل له على أن النسخ لا يتم ادعاؤه إلا بعد معرفة التاريخ لأن الناسخ لا يكون إلا متأخرا بإجماع المسلمين القائلين بثبوت أصل النسخ في هذه الشريعة المطهرة فدعوى النسخ بمجرد الاحتمال مجازفة عظيمة ولا سيما إذا كان المدعي لذلك لم يتعب نفسه في علوم السنة المطهرة. وتحية المسجد لحديث: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"

стр. 124

أخرجه الجماعة من حديث أبي قتادة وفي ذلك أحاديث كثيرة وقد وقع الاتفاق على مشروعية تحية المسجد, وذهب أهل الظاهر إلى أنهما واجبتان وذلك غير بعيد وقد حقق الماتن المقام في شرح المنتقى وفي رسالة مستقلة. وصلاة الاستخارة وفيها أحاديث كثيرة منها: حديث جابر عند البخاري وغيره بلفظ: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: "إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني بت". قال: ويسمي حاجته. قال في الحجة البالغة: وعندي أن إكثار الاستخارة في الأمور ترياق مجرب بتحصل شبه الملائكة وضبط النبي صلى الله وسلم عليه آدابها ودعاءها فشرع ركعتين وعلّم اللهم إني أستخيرك الخ اهـ. "وركعتان بين كل أذان وإقامة" لحديث: "بين كل أذانين صلاة" قال ذلك ثلاث مرات ثم قال: "لمن شاء" وهو حديث صحيح والمراد بالأذانين الأذان والإقامة تغليبا كالقمرين والعمرين.

стр. 125

باب صلاة الجماعة "هي من آكد السنن" وأعظم الشعائر الإسلامية وأفضل القرب الدينية لما ورد فيها من الترغيبات حتى إنه صلى الله وسلم عليه صرح بأنه تزيد على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة كما في الصحيحين ووقع منه الإخبار بأنه قد هم بأن يحرق على المتخلفين دورهم. قال ابن القيم: ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة فترك الصلاة في الجماعة هو من الكبائر اهـ. ولازمها صلى الله وسلم عليه من الوقت الذي شرعها الله تعالى فيه إلى أن قبضه الله تعالى إليه ولم يرخص صلى الله وسلم عليه في تركها لمن سمع النداء فإنه سأله الرجل الأعمى أن يصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال: "هل تسمع النداء –قال: نعم- قال: فأجب" وكل ما ذكرناه

стр. 126

ثابت في الصحيح وثبت في الصحيح أيضا عن ابن مسعود أنه قال: لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. قال ابن القيم: هذا فوق الكبيرة اهـ. ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. أقول: أما كونها فريضة متحتمة فالأدلة متعارضة ولكن ههنا طريقة أصولية يجمع بها بين هذه الأدلة وهي أن أحاديث أفضلية الجماعة مشعرة بأن صلاة المنفرد مجزئة وهي أحاديث كثيرة مثل حديث: "الذي ينتطر الصلاة مع الإمام أفضل من الذي يصلي وحده ثم ينام" وهو في الصحيح ومنه حديث المسيء صلاته المشهور فإنه أمره بأن يعيد الصلاة منفردا ومنه حديث: "ألا رجل يتصدق على هذا" عند أن رأى رجلا يصلي منفردا ومن ذلك أحاديث التعليم لأركان الإسلام فإنه لم يأمر من علمه بأن لا يصلي إلا في جماعة مع أنه قال لمن قال له لا يزيد على ذلك ولا ينقص: "أفلح وأبيه إن صدق" ونحو ذلك من الأدلة فالجميع صالح لصرف: "فلا صلاة له" الواقع في الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة إلى نفي الكمال لا إلى نفي الصحة. وأما ما وقع منه صلى الله وسلم عليه من الهم بتحريق المتخلفين فهو إن لم يكن قولا ولا فعلا ولا تقريرا لكنه لا يكون ما يهم به إلا جائزا ولا يجوز التحريق بالنار لمن ترك ما لم يفرض عليه فالجواب عنه قد بسطه شيخنا العلامة الشوكاني في شرح المنتقى قال في الحجة البالغة: لما كان في شهود الجماعة حرج للضعيف والسقيم وذي الحاجة اقتضت الحكمة أن يرخص في تركها عند ذلك ليتحقق العدل بين الإفراط والتفريط فمن أنواع الحرج: ليلة ذات برد ومطر ويستحب عند ذلك قول المؤذن: ألا صلوا في الرحال, ومنها حاجة يعسر التربص بها كالعشاء إذا حضر فإنه ربما يتشوف إليه, وربما يضيع الطعام وكمدافعة الأخبثين فإنه بمعزل عن فائدة الصلاة مع ما به من اشتغال النفس, ولا اختلاف بين حديث: "لا صلاة بحضرة الطعام" وحديث: "لا تؤخر الصلاة لطعام ولا غيره" إذ يمكن تنزل كل واحد على صورة أو معنى والمراد نفي وجوب الحضور سر الباب التعمق وعدم التأخير هو الوظيفة لمن أمن سر التعمق وذلك كتنزيل فطر الصائم وعدمه على الحالين أو التأخير إذا كان تشوف إلى الطعام أو خوف ضياع وعدمه إذا لم يكن كذلك مأخوذ من حال العلة, ومنها ما إذا كان خوف فتنة كامرأة أصابت بخورا ولا اختلاف بين قوله صلى الله وسلم عليه: "إذا

стр. 127

استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها" وبين ما حكم به جمهور الصحابة من منعهن إذ المنهي عنه الغيرة التي تنبعث من الأنفة دون خوف الفتنة والجائز ما فيه خوف الفتنة وذلك قوله صلى الله وسلم عليه: "الغيرة غيرتان" الحديث. وحديث عائشة: أن النساء أحدثن الحديث, ومنها الخوف والمرض والأمر فيهما ظاهر ومعنى قوله صلى الله وسلم عليه للأعمى: "أتسمع النداء" الخ أن سؤاله كان في العزيمة فلم يرخص له وتنعقد باثنين وليس في ذلك خلاف, وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس أنه صلى بالليل مع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وحده وقام عن يساره١ فأداره إلى يمينه. وإذا كثر الجمع كان الثواب أكثر لأنه قد ثبت عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان وصححه ابن السكن والعقيلي والحاكم "ويصح بعد المفضول٢" لأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد صلى بعد أبي بكر وبعد غيره من الصحابة كما في الصحيح ولعدم وجود دليل يدل على أنه يكون الإمام أفضل والأحاديث التي فيها: "لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه" ونحوها لا تقوم بها الحجة, وعلى فرض أنها تقوم بها الحجة فليس فيها إلا المنع من إمامة من كان ذا جرأة في دينه وليس فيها المنع من إمامة المفضول, وقد عورض ذلك بأحاديث تتضمن الإرشاد إلى الصلاة خلف كل بر وفاجر وخلف من قال لا إله إلا الله وهي ضعيفة وليست بأضعف مما عارضها, والأصل أن الصلاة عبادة تصح تأديتها خلف كل مصل إذا قام بأركانها وأذكارها على وجه لا تخرج به الصلاة عن الصورة المجزئة وإن كان الإمام غير متجنب للمعاصي ولا متورع عن كثير مما يتورع عنه غيره, ولهذا إن الشارع إنما اعتبر حسن القراءة والعلم والسن ولم يعتبر الورع والعدالة فقال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا".

стр. 128

أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي مسعود وفي حديث مالك بن الحويرث: "وليؤمكما أكبركما" وهو في الصحيحين وغيرهما, وقد استخلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو أعمى. والحاصل: أن الشارع اعتبر الأفضلية في القراءة والعلم بالسنة وقدم الهجرة وعلو السن فلا ينبغي للمفضول في مثل هذه الأمور أن يؤم الفاضل إلا بإذنه ولا اعتبار بالفضل في غير ذلك. والأولى أن يكون الإمام من الخيار لحديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله وسلم عليه: "اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم". رواه الدارقطني, وأخرج الحاكم في ترجمة مرثد الغنوي عنه صلى الله وسلم عليه: "إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم" قال في منح المنة: وكان صلى الله وسلم عليه يجيز إمامة الأرقاء وكان سالم مولى أبي حذيفة يصلي بالمهاجرين الأولين لما نزلوا بقباء١ لكونه أكثرهم قرآنا وكان صلى الله وسلم عليه يقول: "صلوا خلف كل بر وفاجر" وكانت الصحابة خلف الحجاج وقد أحصي الذين قتلهم من الصحابة والتابعين فبلغوا مائة ألف وعشرين ألفا اهـ. أقول: الأحاديث الواردة في الصلاة خلف كل بر وفاجر وما قابلها من الأحاديث المقضية للمنع من الصلاة خلف الفاجر ومن كان ذا جرأة لم يبلغ منها شيء إلى حد يجوز العمل عليه فوجب الرجوع إلى الأصل, وأما عدم اعتبار قيد العدالة فلعدم ورود دليل يدل عليه, وأما كون الصلاة خلف كامل العدالة واسع العلم كثير الورع أفضل وأحب فلا نزاع في ذلك إنما النزاع في كون ذلك شرطا من شروط الجماعة مع أنه قد ثبت ما يدل على عدم الاعتبار مثل حديث: "يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطؤوا فعلى أنفسهم" أو كما قال وهو حديث صحيح. والحاصل: أن الدين يسر وقد جاءنا صلى الله وسلم عليه بالشريعة السمحة السهلة ولم يأمرنا بالكشف عن الحقائق وسن أن نصلي بعد من كان بالنسبة إلى الواحد منا في الحضيض باعتبار المزايا الموجبة للفضل فإنه صلى الله وسلم عليه بعد أبي بكر وعتاب بن أسيد وهما بالنسبة إليه لا يعدان شيئا ولا ريب أن الذي ينبغي تقديمه لمثل هذه العبادة ليكون وافد المؤتمين به إلى الله هو من أرشد إليه

стр. 129

صلى الله وسلم عليه بقوله: "يؤم القوم أقرؤهم" إلى آخر الحديث إنما الشأن فيمن يلعب به الشيطان في الوسوسة المفضية إلى إساءة الظن بأئمة الصلاة المتبعين للسنة فيوقع في قلبه العداوة لكل واحد منهم بمجرد خيالات مختلة وضلالات مضلة فيقول له هذا العالم لا يصلح للإمامة لكونه كذا وهذا الفاضل لا يصلح لها لكونه كذا, ثم ينقله من درجة إلى درجة ومن واحد إلى واحد حتى لا يجد على ظهر البسيطة من يصلح لإمامة الصلاة فهذا مخدوع قد لعب به الشيطان كيف يشاء حتى أحرمه١ فضيلة الجماعة التي هي من أعظم شعائر الإسلام وأجل أسباب الأجور, ومع هذا فهو قد أوقعه في ورطة أخرى وهي حمل جميع المسلمين على غير السلامة فصار ظالما لكل واحد منهم مظلمة يستوفيها منه بين يدي الجبار, وقد ينضم إلى هذه المصائب أن هذا الذي صار في يد الشيطان يلعب به كيف يشاء قد يعتقد الفضل في نفسه وأن الإمامة لم تكن تصلح إلا له ولم يكن يصلح إلا لها فيجتنب الجماعة ولا يقتدي بأحد من المسلمين بل يجمع له جماعة يكون إمامهم فهو أسقى ممن قبله لأنه اعتقد أنه لم يبق في أرض الله من عباده الصلحاء سواه فلا حياه الله ولا بياه. "ويؤم الرجل بالنساء لا العكس" لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أنه صف هو واليتيم وراء النبي صلى الله وسلم عليه والعجوز من ورائهم وقد أخرج الإسماعيلي عن عائشة أنها قالت: كان النبي صلى الله وسلم عليه إذا رجع من المسجد صلى بنا وقد كانت النساء يصلين خلفه صلى الله وسلم عليه في مسجده وليس في صلاة النساء خلف الرجل مع الرجال نزاع وإنما الخلاف في صلاة الرجل بالنساء فقط, ومن زعم أن ذلك لا يصح فعليه الدليل, وأما عدم صحة إمامة المرأة بالرجل فلأنها عورة وناقصة عقل ودين و ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ "ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" كما ثبت في الصحيح ومن ائتم بالمرأة فقد ولاها أمر صلاته. "والمفترض بالمتنفل والعكس" لحديث معاذ أنه كان يؤم قومه بعد أن يصلي تلك الصلاة بعد النبي صلى الله وسلم عليه وهو في الصحيحين وغيرهما وهذا دليل على جواز ذلك لأنه كان متنفلا وهم مفترضون لما في بعض الروايات من تصريح معاذ بأنه كان يصلي بقومه متنفلا وهذه الزيادة المصرحة بالمطلوب وإن كان فيها مقال معروف لكنها معتضدة بما عرف من

стр. 130

حرص الصحابة على الأوفر أجرا والأكمل ثوابا ولا شك أن الصلاة خلفه صلى الله وسلم عليه أفضل وأكمل وأتم, وأما الجواب عن حديث معاذ بأنه حكاية فعل فساقط لاستلزامه لبطلان قسم من أقسام السنة المطهرة وهو قسم الأفعال الذي دارت عليه رحى بيانات القرآن وجماهير من أحكام الشريعة مع أن هذا الاعتذار غير نافع ههنا لأن الحجة هي تقريره صلى الله وسلم عليه لمعاذ ولقومه على ذلك لا نفس فعل معاذ حتى يعتذر عنه بذلك, وأما الجواب بأن فعل آحاد الصحابة لا يكون حجة فكلام صحيح ولكن الحجة ليست فعل معاذ بل تقريره صلى الله وسلم عليه كما عرفت وهذا من الوضوح بمكان لا يخفى. والحاصل: أن الأصل صحة الاقتداء من كل مصل بكل مصل فمن زعم أن ثمّ مانعاً في بعض الصور فعليه الدليل فإن نهض به صح ما يقوله وإن لم ينهض به بطل وأما صلاة المتنفل بعد المتنفل فكما فعله صلى الله وسلم عليه في صلاة الليل وصلى معه ابن عباس وكذلك صلاته بأنس واليتيم والعجوز وغير ذلك والكل ثابت في الصحيح ويجب المتابعة في غير مبطل لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" وهو ثابت في الصحيح من حديث أبي هريرة وأنس وجابر وثابت خارج الصحيح عن جماعة من الصحابة, وورد الوعيد على المخالفة كحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله وسلم عليه: "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يحول صورته صورة حمار" أخرجه الجماعة ولا يتابعه في شيء يوجب بطلان صلاته نحو أن يتكلم الإمام أو يفعل أفعالاً تخرجه عن صورة المصلي, ولا خلاف في ذلك. قال في المسوى: هو كذلك عند الجمهور أنه يجب اتباع الإمام في جميع الحالات. وقوله: "إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً" منسوخ١. ومعنى كان الناس يصلون بصلاة أبي بكر على الصحيح أنه كان مسمعا

стр. 131

لمن خلفه في العالمكيرية إذا رفع المقتدي رأسه من الركوع والسجود قبل الإمام ينبغي أن يعود ولا يصير ركوعين وسجودين. قلت عامة أهل العلم على أن هذا الفعل منهي عنه وصلاته مجزئة وأكثرهم يأمرونه بأن يعود إلى السجود. "ولا يؤم الرجل قوما هم له كارهون" لحديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة من يقدم قوماً وهم له كارهون ورجل أتى الصلاة دباراً ورجل اعتبد محررة" أخرجه أبو داود وابن ماجه وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وفيه ضعف, وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وإمام قوم وهم له كارهون" وقد حسنه الترمذي وضعفه البيهقي. قال النووي في الخلاصة: والأرجح قول الترمذي وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة يقوي بعضها بعضا. أقول: ظاهر الأحاديث الواردة في الترهيب

стр. 132

عن ذلك أنه لا فرق بين كون الكارهين من أهل الفضل أو من غيرهم فيكون مجرد حصول الكراهة عذرا لمن كان يصلح للإمامة في تركها وغالب الكراهات الكائنة بين هذا النوع الإنساني خصوصا في هذه الأزمنة راجعة إلى أغراض دنيوية والراجع هنا إلى أغراض دينية أقل قليل ومع كونه كذلك فغالبه صادر عن اعتقادات فاسدة وخيالات مختلفة كما يقع بين المتخالفين في المذاهب فإن العصبية الناشئة بينهم تعمي بصائرهم عن الصواب فلا يقيم أحدهم للآخر وزنا ولا ينظر إليه إلا بعين السخط لا بعين الرضا فيرى محاسنه مساويء كائنة ما كانت, وقد تقع هذه العداوة بين أهل مذهب واحد باعتبار الاختلاف في كون أحدهم من المشتغلين بالدين والعلم والآخر من الجهلة المتهتكين وكثيرا ما ترى أرباب المعاصي إذا رأوا أرباب الدين والعلم تضيق بهم الأرض بطولها والعرض ولا يطيقونهم بغضا فإن كان ثَمّ دليل يدل على تخصيص الكراهة بما كان منها راجعاً إلى ما هو مختص بالله كمن يكره إنسانا لكونه مكبا على المعاصي أو متهاونا بما أوجبه الله عليه فهذه الكراهة هي الكبريت الأحمر لا توجد حقيقتها إلا عند أفراد من العباد وإن لم يوجد دليل يخصص الكراهة بذلك فالأولى لمن عرف أن جماعة من الناس يكرهونه لا لسبب أو لسبب ديني أن لا يؤمهم وأجره في الترك يفضل أجره في الفعل. "ويصلي بهم صلاة أخفهم" لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء" وفي الباب أحاديث صحيحة واردة في التخفيف. قال في الحجة: وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يطول ويخفف على ما يرى من المصلحة الخاصة بالوقت واختار بعض السور في بعض الصلوات لفوائد من غير حتم ولا طلب مؤكد فمن اتبع فقد أحسن ومن لا فلا حرج, وقصة معاذ في الإطالة مشهورة انتهى حاصله. وأما ارتفاع الإمام عن المأموم فلا يضر قدر القامة ولا فوقها لا في المسجد ولا في غيره من غير فرق بين الارتفاع والانخفاض والبعد والحائل ومن زعم أن شيئا من ذلك تفسد به فعليه الدليل ولا دليل إلا ما روي عن حذيفة أنه أم الناس بالمدائن على دكان الحديث أخرجه أبو داود وصححه ابن

стр. 133

خزيمة وابن حبان والحاكم, وفي رواية للحاكم التصريح برفعه ورواه أبو داود من وجه آخر وفيه قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله صلى الله وسلم عليه يقول: "إذا أمّ الرجل القوم فلا يقم أرفع من مقامهم أو نحو ذلك" الحديث وفي إسناده الرجل المجهول, ورواه البيهقي أيضا ففي هذين الحديثين دليل على منع الإمام من الارتفاع عن المؤتم ولكن هذا النهي يحمل على التنزيه لحديث صلاته صلى الله وسلم عليه على المنبر كما في الصحيحين وغيرهما, ومن قال إنه صلى الله وسلم عليه فعل ذلك للتعليم كما وقع في آخر الحديث فلا يفيده ذلك لأنه لا يجوز له في حال التعليم إلا ما هو جائز في غيره ولا يصح القول باختصاص ذلك بالنبي صلى الله وسلم عليه, وقد جمع الماتن رح تعالى في هذا البحث رسالة مستقلة جوابا عن سؤال بعض الأعلام فمن أحب تحقيق المقام فليرجع إليها, ويقدم السلطان ورب المنزل لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو مرفوعاً: "لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه" وفي لفظ: "لايؤمن الرجل الرجل في أهله ولا سلطانه" وورد تقييد جواز ذلك بالإذن وفي لفظ لأبي داود: "لا يُؤم الرجل في بيته" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن مالك بن الحويرث قال: سمعت رسول الله صلى الله وسلم عليه يقول: "من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم". والأقرأ ثم الأعلم ثم الأسن لما في حديث أبي مسعود بلفظ: "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا" وه وفي الصحيح وإنما لم يذكر الهجرة في المتن لأنه لا هجرة بعد الفتح كما في الحديث الصحيح, وإذا اختلت صلاة الإمام كان ذلك عليه لا على المؤتمين به لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله وسلم عليه: "يصلون بكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطؤوا فلكم وعليهم" أخرجه البخاري وغيره وأخرج ابن ماجه من حديث سهل بن سعد نحوه. وموقفهم أي المؤتمين خلفه أي خلف الإمام إلا الواحد فعن يمينه لحديث جابر بن عبد الله أنه صلى مع النبي صلى الله وسلم عليه فجعله عن يمينه ثم جاء آخر فقام عن يسار النبي صلى الله وسلم عليه فأخذ بأيديهما فدفعهما حتى أقامهما خلفه, وهو في الصحيح. وقد كان هذا فعله وفعل أصحابه في الجماعة يقف الواحد عن يمين الإمام والإثنان فما زاد خلفه وقد ذهب الجمهور إلى وجوب ذلك وقال

стр. 134

سعيد بن المسيب: إنه مندوب فقط وروي عن النخعي أن الواحد يقف خلف الإمام. وإمامة النساء وسط الصف لما روي من فعل عائشة أنها أمّت النساء فقامت وسط الصف أخرجه عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي وابن أبي شيبة والحاكم وروي مثل ذلك عن أم سلمة أخرجه الشافعي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والدارقطني قال ابن القيم في المسند والسنن من حديث عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت الحرث: أن رسول الله صلى الله وسلم عليه كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا كان يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها. قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا. ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله صلى الله وسلم عليه: "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" لكفى وأخرج البيهقي بسنده عن عائشة أن رسول الله صلى الله وسلم عليه قال: "لا خير في جماعة النساء إلا في صلاة أو جنازة" والاعتماد على ما تقدم فرُدّت هذه السنن بالمتشابه من قوله صلى الله وسلم عليه: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري, وهذا إنما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء. وأما الرواية والشهادة والفتيا والإمامة فلا تدخل في هذا ومن العجب أن من خالف هذه السنة جوّز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم تفلح أخواتها من النساء إذا أمتهن انتهى حاصله. "وتقدم صفوف الرجال ثم الصبيان ثم النساء" لحديث أبي مالك الأشعري: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يجعل الرجال قدّام الغلمان والغلمان خلفهم والنساء خلف الغلمان. أخرجه أحمد وأخرج بعضه أبو داود وفي إسناده شهر ابن حوشب١ ويؤيده ما في الصحيحين من حديث أنس: أنه قام هو واليتيم خلف النبي صلى الله وسلم عليه وأم سليم خلفهم "و" أما كون "الأحق بالصف الأول" هم أولو الأحلام والنهى فلحديث أبي مسعود الأنصاري الثابت في الصحيح أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه. قال في الحجة: ولئلا يشق على أولي الأحلام تقدم من دونهم عليهم انتهى. "و"

стр. 135

أما كون الأمر على الجماعة أن يسووا صفوفهم وأن يسدوا الخلل١ فلما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "وسِّطوا الإمام وسدوا الخلل" وفي الصحيحين من حديث أنس: أن رسول الله ﵌ قال: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة" , وعنه أيضا في الصحيحين كان رسول الله ﵌ يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: "تراصوا واعتدلوا" وثبت في الصحيح من حديث نعمان بن بشير أنه قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "عباد الله لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم". قلت: وهو قول أهل العلم: أن تسوية الصفوف سنة وأن يتموا الصف الأول ثم الذي يليه ثم كذلك لما ورد في الأحاديث الصحيحة من أمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بإتمام الصف الأول ثم الذي يليه ثم كذلك فالسنة أن لا يقف المؤتم في الصف الثاني وفي الصف الأول سعة ثم لايقف في الصف الثالث وفي الصف الثاني سعة ثم كذلك, وورد أيضا أن الوقوف يمنة الصف أولى وأفضل, وأما الاعتداد بالركعة التي لحق الإمام فيها راكعا ففيه خلاف لجماعة من الأئمة والحق عدم الاعتداد بها بمجرد إدراك ركوعها من دون قراءة الفاتحة٢ ومن أراد الوقوف على الحقيقة فليراجع إلى شرح المنتقي وطيب النشر والسيل الجرار وحاشية الشفاء والفتح الرباني ودليل الطالب, فالمسألة من المعارك. وأما جعل ما أدركه مع الإمام أول صلاته فهذا هو الحق فالهيئة المشروعة في الصلاة لا تتغير بتقديم أو تأخير بل الأصل الأصيل البقاء على الصفة المشروعة فيفعل الداخل مع الإمام بعد أن فاته بعض الركعات ما يفعله لو كان داخلا معه في الابتداء أو كان منفرداً وحديث: "فاقضوا" وإن كان صحيحاً فحديث: "أتموا" أصح منه, وقد أمكن الجمع بجعل معنى القضاء على التمام لأنه أحد معانيه٣ ولكن يترك المؤتم مخالفة إمامه في

стр. 136

الأركان فلا يقعد في موضع ليس بموضع قعود للإمام وإن كان موضع قعود له ولا يدع القعود في موضع قعود للإمام وإن لم يكن موضع قعود له؛ لأن الاقتداء والمتابعة لا زمان في صلاة الجماعة وتركهما يخرج الصلاة عن كونها صلاة جماعة, وقد ورد الأمر بالمتابعة في الأركان بيانا لقوله: "لا تختلفوا على إمامكم" ولم يرد الأمر بذلك في الأذكار.

стр. 137

باب سجود السهو سنّ رسول الله ﵌ فيما إذا قصّر الإنسان في صلاته أن يسجد سجدتين تداركاً لما فرّط ففيه شبه القضاء وشبه الكفارة والمواضع التي ظهر فيها النص أربعة وسيأتي قال في سِفر السعادة: من جملة منن الحق تعالى ونعمه على الأمة المحمدية أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يسهو في الصلاة لتقتدي الأمة به في التشريع وإذ ذاك يقول: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني" وقال: "إنما أَنسى أو أُنسى لأسُنّ" يعني لأسُنّ ما شُرع في جبر ذلك انتهى. "هو سجدتان قبل التسليم أو بعده" ووجه التخيير أن النبي صلى الله وسلم عليه صح عنه أنه سجد قبل التسليم وصح عنه أنه سجد بعده, أما ما صح عنه مما يدل على أنه قبل التسليم فحديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه قال: سمعت رسول الله صلى الله وسلم عليه يقول: "إذا شك أحدكم فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين فليجعلها واحدة وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها ثنتين وإذا لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليجعلها ثلاثا ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين". وفي الباب أحاديث منها: ما هو في الصحيح كحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله وسلم عليه: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدركم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما تستيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم" ومنها ما هو في غير الصحيحين, وأما ما صح عنه مما يدل على أنه بعد التسليم فكحديث ذي اليدين الثابت في الصحيحين فإن فيه أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سجد بعدما سلم وحديث ابن مسعود وهو في الصحيحين وغيرهما مرفوعا بلفظ: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين" وحديث المغيرة بن شعبة: أنه صلى

стр. 138

بقوم فترك التشهد الأوسط فلما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم وقال: هكذا صنع بنا رسول الله ﵌ رواه أحمد والترمذي وصححه, وحديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﵌ صلى الظهر خمسا فقيل له أزيد في الصلاة فقال: "لا وما ذاك" فقالوا: صليت خمسا فسجد سجدتين بعد ما سلم. فهذه الأحاديث المصرحة بالسجود تارة قبل التسليم وتارة بعده تدل على أنه يجوز جميع ذلك ولكنه ينبغي في موارد النصوص أن يفعل كما أرشد إليه الشارع فيسجد قبل التسليم فيما أرشد إلى السجود فيه قبل التسليم ويسجد بعد التسليم فيما أرشد فيه إلى السجود بعد التسليم وما عدا ذلك فهو بالخيار والكل سنة. قال في سفر السعادة: وسجد للسهو قبل السلام في بعض المواضع وبعده في بعضها فجعله الإمام الشافعي في كل حال قبل السلام والإمام أبو حنيفة جعله بعد السلام في كل حال, وقال الإمام مالك: يسجد لسهو النقصان قبل السلام ولسهو الزيادة في الصلاة بعد السلام وإن اجتمع سهوان أحدهما زائد والآخر ناقص يسجد لهما قبل السلام, وقال الإمام أحمد: يسجد قبل السلام في المحل الذي سجد فيه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قبل السلام وما عداه يسجد للسهو بعد السلام, وقال داود الظاهري: لا يسجد للسهو إلا في هذه المواطن الخمس التي سجد فيها رسول الله ﵌ ولو سها في غيرها لا يسجد للسهو ولم يعرض له ﵌ الشك في الصلاة لكن قال: من شك فليبن على اليقين ولم يعتبر الشك ويسجد للسهو قبل السلام, وقال الإمام أبو حنيفة: إن كان له ظن بنى علي غالب ظنه وإن لم يكن له ظن بنى على اليقين, وقال الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد: بنى على اليقين مطلقا انتهى. ولا يشك منصف أن الأحاديث الصحيحة مصرحة بأنه كان يسجد في بعض الصلوات قبل السلام وفي بعضها بعد السلام فالجزم بأن محلهما بعد السلام فقط طرح لبعض الأحاديث الصحيحة لا لموجب إلا لمجرد مخالفتها لما قاله فلان أو فلان كما أن الجزم بأن محلهما قبل التسليم فقط طرح لبعض الأحاديث الصحيحة لمثل ذلك والمذاهب في المسألة منتشرة قد بسطها الماتن في شرح المنتقى والحق عندي أن الكل جائز وسنة ثابتة والمصلي مخير بين أن يسجد قبل أن يسلم أو بعد أن يسلم وهذا فيما كان

стр. 139

من السهو غير موافق للسهو الذي سجد له صلى الله وسلم عليه قبل السلام أو بعده, وأما في السهو الذي سجد له صلى الله وسلم عليه فينبغي الاقتداء به في ذلك وإيقاع السجود في المواضع الذي أوقعه فيه صلى الله تعالى عليه وسلم مع الموافقة في السهو وهي مواضع محصورة مشهورة يعرفها من له اشتغال بعلم السنة المطهرة. وأما كون سجود السهو بإحرام وتشهد وتحليل فقد ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه كبّر وسلّم كما في حديث ذي اليدين الثابت في الصحيح وفي غيره من الأحاديث, وأما التشهد فلحديث عمران ابن حصين أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم, أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين, وقد روي نحو ذلك من حديث المغيرة وابن مسعود وعائشة, وأما كونه يشرع لترك مسنون فلحديث سجوده صلى الله تعالى عليه وسلم لترك التشهد الأوسط ولحديث: "لكل سهو سجدتان" والكلام فيه معروف ونحو ذلك إذا كان ذلك المسنون تركه المصلي سهوا لأنه قد ثبت أن سجود السهو فيه ترغيم للشيطان كما في حديث أبي سعيد الثابت في الصحيح ولا يكون الترغيم إلا مع السهو لأنه من قبل الشيطان, وأما مع العمد فهو من قبل المصلي وقد فاته ثواب تلك السنة. قلت: مذهب أبي حنيفة والشافعي أن من سلم من ركعتين ساهيا أتم وسجد سجدتين وهو في مذهب أبي حنيفة خاص بمن سلم على رأس الركعتين على ظن أنهما أربعة فلو سلم على رأسهما على ظن أنهما جمعة أو على أنه مسافر فإنه يستقبل الصلاة كذا في العالمكيرية في فصل المفسدات واستخرج له الشافعي علة وهي فعل شيء يبطل الصلاة عمده دون سهوه. أقول: ما وقع من اصطلاح الفقهاء على تسميته هيئة هو لا يخرج به عن كونه مندوبا وتخصيص وجوب السجود للسهو بترك ما كان مسنونا دون ما كان مندوبا لا دليل عليه ولا سيما وهذه الأسماء إنما هي اصطلاحات حادثة وإلا فالمسنون والمندوب إليه معناهما لغة أعم من معناهما اصطلاحا, وأيضا الفرق بين المسنون والمندوب إنما

стр. 140

هو اصطلاح لبعض أهل الأصول دون جمهورهم وغاية ما هناك أن المسنون هو المندوب المؤكد وصدق اسم السهو على ترك المندوب كصدقه على ترك المسنون فيندرج تحت حديث: "لكل سهو سجدتان" وتحقق الزيادة والنقص حاصل لكل واحد منهما فمدعي التفرقة بينهما مطالب بالدليل ولا ريب أن بعض ما عدوه من الهيئات لا يتحقق مثل ترك نصب القدم وترك وضع اليدين. وأما كونه يشرع للزيادة ولو ركعة سهوا فللحديث المتقدم وما دون الركعة بالأولى قال في المسوى: عند الحنفية إن سها عن القعدة الآخرة وقام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد وتشهد ثم سجد للسهو وإن قيد الخامسة بالسجدة بطل فرضه ولو قعد في الرابعة ثم قام ولم يسلم عاد إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة وسلم وسجد للسهو وإن قيدها بالسجدة تم فرضه فيضم إليها ركعة أخرى لتكونا تطوعا فإن لم يضم وقطع الصلاة لم يلزمه القضاء لأنه إنما شرع ظنا, وعند الشافعية في أية حالة ذكر أنها خامسة قعد وألغى الزائد وراعى ترتيب الصلاة مما قبل الزائد ثم سجد للسهو وفي معنى الركعة عنده الركوع والسجود ويتجه على مذهب الحنفية أن يقال في حديث ابن مسعود: أنه حكاية حال فلعله قام بعد القعدة ولم يضم السادسة لبيان أنه غير واجب انتهى. "و" أما "للشك في العدد" ففيه الأحاديث المتقدمة المصرحة بأن من شك في العدد بنى على اليقين وسجد للسهو قال في الحجة البالغة: وهو الأول من المواضع الأربع التي ظهر فيها النص وفي معناه الشك في الركوع والسجود, والثاني زيادة الركعة كما سبق وفي معناه زيادة الركن, والثالث أنه صلى الله وسلم عليه سلم من ركعتين فقيل له في ذلك فصلى ما ترك وسجد سجدتين, وأيضا روي أنه سلم وقد بقي عليه ركعة بمثله وفي معناه أن يفعل سهوا ما يبطل عمده, الرابع أنه صلى الله وسلم عليه قام من الركعتين كما مر وفي معناه ترك التشهد في القعود, وقوله صلى الله وسلم عليه: "إذا قام الإمام من الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس وإن استوى قائما فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو". أقول: في الحديث دليل على أن من كان قريب الاستواء ربما يستوي فإنه لا يجلس خلافا لما عليه العامة انتهى. وفي المسوى اختلفوا في ذلك فعند الشافعية إذا شك في صلاته بنى على اليقين وهو الأقل سواء كان شك في ركعة أو ركن, وعند

стр. 141

الحنفية إن كان ذلك أول مرة سها يستقبل الصلاة وإن كان يعرض له كثيرا بنى على أكبر رأيه لحديث ابن مسعود: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب" وقال أحمد: يطرح الشك إما بأخذ الأقل وإما بالتحري فإن اختار الأول سجد قبل السلام وإن اختار الثاني سجد بعده انتهى. وإذا سجد الإمام تابعه المؤتم لأن ذلك من تمام الصلاة ولأنه كان يسجد الصحابة إذا سجد النبي صلى الله وسلم عليه وقد ورد الأمر بمتابعة الإمام كما سبق.

стр. 142

باب القضاء للفوائت "إن كان الترك عمدا لا لعذر فدين الله تعالى أحق أن يقضى" وقد اختلف أهل العلم في قضاء الفوائت المتروكة لا لعذر فذهب الجمهور إلى وجوب القضاء, وذهب داود الظاهري وابن حزم وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه لاقضاء على العامد غير المعذور بل قد باء بإثم ما تركه من الصلاة, وإليه ذهب شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ولم يأت الجمهور بدليل يدل على ذلك ولم أجد أنا دليلا لهم من كتاب ولا سنة إلا ما ورد في حديث الخثعمية حيث قال لها النبي ﵌: "فدين الله أحق أن يقضى" وهو حديث صحيح وفيه من العموم الذي يفيده المصدر المضاف ما يشمل هذا الباب فهذا الدليل ليس بأيدي الموجبين سواه١, وقد اختلف أهل الأصول هل القضاء يكفي فيه دليل وجوب المقضى أم لا بد من دليل جديد يدل على وجوب القضاء والحق أنه لا بد من دليل جديد لأن إيجاب القضاء هو تكليف مستقل غير تكليف الأداء ومحل الخلاف هو الصلاة المتروكة لغيرعذر عمدا, وأقول: حكمه ما في الأحاديث الصحيحة "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويحجوا البيت ويصوموا رمضان فمن فعل ذلك فقد عصم دمه وماله إلا بحقه" , ومن لم يفعل فلا عصمة لدمه وماله بل نحن مأمورون بقتاله كما أمر رسول الله صلى الله وسلم عليه والمقاتلة تستلزم القتل ثم التوبة مقبولة فتارك الصلاة إن تاب وأناب وجب علينا أن نخلي سبيله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ

стр. 143

وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فمن علمنا أنه ترك صلاة من الصلوات الخمس وجب علينا أن نؤذنه بالتوبة فإن فعل فذاك وإن لم يفعل قتلناه حكم الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً﴾ , وأما إطلاق اسم الكفر عليه فقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة وتأويلها لم يوجبه الله علينا ولا أذن لنا فيه ومن غرائب بعض الفقهاء التردد في إطلاق اسم الفسق عليه معللا ذلك بأن التفسيق لا يجوز إلا بدليل قطعي مع أنه يرمي بالكفر من خالفه في أدنى معتقداته التي لم يأذن الله لنا باعتقادها فضلا عن التكفير بها والله المستعان. وأما كيفية القضاء فأقول: لا شك أن تقديم المقضية على المؤداة وتقديم الأولى من المقضيات على الأخرى هو الأولى والأحب ولو لم يرد في ذلك إلا فعله صلى الله وسلم عليه في يوم الخندق لكان فيه كفاية وإنما الشأن في كون ذلك متحتما لا يجوز غيره, وإن كان أي الترك لعذر من نوم أو سهو أو نسيان أو اشتغال بملاحمة القتال مع عدم إمكان صلاة الخوف والمسايفة فليس بقضاء بل تجب تأدية تلك الصلاة المتروكة عند زوال العذر وذلك وقتها وفعلها فيه أداء كما يفيد ذلك أحاديث: "من نام عن صلاة أو سها عنها فوقتها حين يذكرها" وقد تقدمت في أول كتاب الصلاة وفي ذلك خلاف والحق أن ذلك هو وقت الأداء لا وقت القضاء للتصريح منه صلى الله وسلم عليه أن وقت الصلاة المنسية أو التي نام عنها المصلي وقت الذكر, وأما المتروكة لغير نوم وسهو كمن يترك الصلاة لاشتغاله بالقتال كما سبق فقد شغل النبي صلى الله وسلم عليه وأصحابه يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر وما صلوهما إلا بعد هوي١ من الليل كما أخرجه أحمد والنسائي من حديث أبي سعيد وهو في الصحيحين من حديث جابر وليس فيه ذكر الظهر بل العصر فقط ولذلك قال الماتن: بل أداء في وقت زوال العذر إلا صلاة العيد المتروكة العذر وهو عدم العلم بأن ذلك اليوم يوم عيد. "ففي ثانيه" أي تفعل في اليوم الثاني ولا تفعل في يوم العيد بعد خروج الوقت إذا حصل العلم بأن ذلك اليوم يوم عيد لحديث عمير بن أنس عن عمومة له: أنه غم عليهم الهلال فأصبحوا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول

стр. 144

الله ﵌ أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم والخطابي وابن حجر في بلوغ المرام. أقول: وأما الكافر إذا أسلم فلا يجب عليه القضاء على كل حال لأن القائل بأنه غير مخاطب بالشرعيات ينفي عنه الوجوب حال الكفر والقائل أنه مخاطب يجعل الخطاب باعتبار الثواب والعقاب لا باعتبار وجوب الأداء أو القضاء, فالإسلام يجب ما قبله بلا خلاف والظاهر أن المرتد حكمه حكم غيره من الكفار في عدم وجوب القضاء لأن الدليل يصدق عليه كما يصدق على غيره من الكفار.

стр. 145

باب صلاة الجمعة "تجب على كل مُكلَّف" لأن الجمعة فريضة من فرائض الله تعالى وقد صرح بذلك كتاب الله وما صح من السنة المطهرة كحديث أنه صلى الله وسلم عليه هم بإحراق من يتخلف عنها وهو في الصحيح من حديث ابن مسعود وكحديث أبي هريرة: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" أخرجه مسلم وغيره, ومن ذلك حديث حفصة مرفوعا: "رواح الجمعة واجب على كل محتلم" أخرجه النسائي بإسناد صحيح وحديث طارق بن شهاب: "الجمعة حق واجب على كل مسلم" أخرجه أبو داود وسيأتي, وقد واظب عليها النبي صلى الله وسلم عليه من الوقت الذي شرعها الله تعالى فيه إلى أن قبضه الله , وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين, وقال ابن العربي: الجمعة فرض بإجماع الأم, ة وقال ابن قدامة في المغني: أجمع المسلمون على وجوب الجمعة وإنما الخلاف هل هي من فروض الأعيان أو من فروض الكفايات؟ ومن نازع في فرضية الجمعة فقد أخطأ ولم يصب. قال في المسوى: اتفقت الأمة على فرضية الجمعة وأكثرهم على أنها من فروض الأعيان واتفقوا على أنه لا جمعة في العوالي وأنه يشترط لها الجماعة وأن الوالي إن حضر فهو الإمام, ثم اختلفوا في الوالي وشرط الموضع والجماعة قال الشافعي: كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلا أحرارا مقيمين تجب عليهم الجمعة ولا تنعقد إلا بأربعين رجلا كذلك والوالي
следующие страницы →