كانت المرأة نفساء فإن انقطع قبل الأربعين انقطع عنها حكم النفاس فإن جاوز دمها الأربعين عاملت نفسها معاملة المستحاضة إذا جاوزت أيام العادة المتقررة, وهو أي النفاس كالحيض في تحريم الوطأ وترك الصلاة والصيام ولا خلاف في ذلك وكذلك لا تقضي النفساء الصلاة, وفي رواية لأبي داود من حديث أم سلمة قالت: كانت المرأة من نساء النبي صلى الله وسلم عليه تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقضاء صلاة النفاس, وقد تقدم الإجماع على ذلك في الحائض وهو في النفاس إجماع كذلك ولعل الخوارج يخالفون ههنا كما خالفوا هنالك ولا يُعتد بهم.
стр. 72
كتاب الصلاة
مقدمة
...
كتاب الصلاة
قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والأمر بمطلق الصلاة إنما يفيد الإتيان بها في زمان ومكان من دون تعيين لأن مطلق الزمان والمكان من ضروريات الفعل, وأما الوقت الخاص الذي شرع الله فيه الصلاة وكذلك كونها على هيئة مخصومة مع شروط محصورة فهذا لا دلالة للآية عليه بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ولم يدل على ذلك إلا السنة الثابتة عنه صلى الله وسلم عليه قولاً وفعلاً وليس في القرآن من ذلك إلا النادر القليل كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فإنه في هذه الآية ذكر الوضوء وهو شرط من شروط الصلاة وقيد الأمر به بالقيام إليها فكان ذلك مقيداً لوجوب الفعل ولا بد للشرطية من دليل أخص من ذلك وقد ورد في السنة ما يفيد الشرطية وكذلك ورد في القرآن ذكر بعض هيآت الصلاة كالسجود والركوع ولكن بدون ذكر صفة ولا عدد ولا كون ذلك في الموضع الذي بينته السنة المطهرة, "أول وقت الظهر" تعيين أول الأوقات وآخرها قد ثبت في الأحاديث الصحيحة من تعليم جبرائيل ﵇ له صلى الله وسلم عليه ومن تعليمه صلى الله وسلم عليه لمن سأله وغير ذلك من أقواله وأفعاله. "الزوال" أي زوال الشمس ويبين ذلك باخضرار الجدار إلى جهة الشرق يعرفه كل ذي عينين. "وآخره مصير ظل الشيء مثله سوى فيء الزوال" فإن قلت: أخرج النسائي وأبو داود
стр. 73
من حديث ابن مسعود: كان قدر صلاة رسول الله صلى الله وسلم عليه في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام. قلت: إنهم حملوه على الإبراد كما قاله ابن العربي المالكي في القبس وتبعه الحافظ السيوطي وأنه حديث قد قُدح فيه فإنه من رواية عبيدة بن حميد الطيبي الكوفي عن أبي مالك سعد بن طارق عن كثير بن مدرك عن الأسود وفي عبيدة وشيخه سعد خلاف ففي الميزان في ترجمة سعد وثقه أحمد وابن معين وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه في القبول وقد ضعف عبد الحق حديث تقدير صلاة رسول الله صلى الله وسلم عليه بالأقدام في الشتاء والصيف والعجب من الحافظ ابن الحجر في التلخيص لم يتكلم على لفظ الحديث ولا سنده وذكر كلام ابن العربي وأبطله السيد محمد الأمير في اليواقيت نعم أيام الشتاء يحسن التأني بالظهر حتى يحصل ظن أن الشمس لو كانت في كبد السماء أن قد زالت لأنه يدرك بالحس والمشاهدة إذا كانت من جهة الجنوب لأن ظلها يزداد في جهة الشرق زيادة كثيرة لكن لا إلى الحد الذي يقدّر بالأقدام وغايته أن ينظر في أمارات تحصل الظن بالزوال وأهل الأقدام ليس معهم إلا الظن لا غير وليس أحد مخاطباً بظن غيره بل بظن نفسه فتأمل. وهو أول وقت العصر أي صيرورة ظله مثله قال ابن القيم: وأنهم كانوا يصلونها مع النبي صلى الله وسلم عليه ثم يذهب أحدهم إلى العوالي قدر أربعة أميال والشمس مرتفعة١, وقال أنس صلى بنا رسول الله صلى الله وسلم عليه العصر فأتاه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله: إنا نريد أن ننحر جزوراً وإنا نحب أن تحضرها. قال: "نعم" فانطلق وانطلقنا معه فوجد الجزور لم تُنحر فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس٢, ومحال أن يكون هذا بعد المثلين وفي صحيح مسلم عنه: "وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر" ٣ , ولا معارض لهذه السنن في الصحة ولا في الصراحة والبيان فرُدّت بالمجمل من قوله صلى الله وسلم عليه: "ومثل أهل الكتاب قبلكم كمثل رجل استأجر أجيراً فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط"
стр. 74
الخ ويا لله العجب أي دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثلين بنوع من أنواع الدلالة وإنما يدل على أن من صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصر من نصف النهار إلى وقت العصر وهذا لا ريب فيه انتهى. وآخره أي آخر وقت العصر صيرورة ظله مثليه قال الشافعي: آخر الوقت المختار للعصر أن يكون ظل كل شيء مثليه وقيل: إلى أن تصفر الشمس وآخر وقت الضرورة مغيب الشمس كذا في المسوى وفي الحجة البالغة وكثير من الأحاديث يدل على أن آخر وقت العصر أن تتغير الشمس وهو الذي أطبق عليه الفقهاء فلعل المثلين بيان لآخر الوقت المختار والذي يستحب فيه أو نقول لعل الشرع نظر أولاً إلى المقصود من اشتقاق العصر أن يكون الفصل بين كل صلاتين نحواً من ربع النهار فجعل الأمد الآخر بلوغ الظل إلى المثلين ثم ظهر من حوائجهم وأشغالهم ما يوجب الحكم بزيادة الأمد وأيضا معرفة ذلك الحد تحتاج إلى ضرب من التأمل وحفظ الفيء الأصلي ورصد وإنما ينبغي أن يُخاطب الناس في مثل ذلك بما هو محسوس ظاهر فنفث الله تعالى في روعه صلى الله وسلم عليه أن يجعل الأمد تغيير قرص الشمس أو ضوئها والله تعالى أعلم. "مادامت الشمس بيضاء نقية" فإذا اصفرت خرج وقت العصر لما ورد في ذلك من الأحاديث منها حديث ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى وسلم عليه: "وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور١ الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس". أخرجه مسلم وأحمد والنسائي وأبو داود ولا يخالف ما وقع في هذا الحديث في آخر وقت العصر والعشاء ما ورد في بعض الأحاديث أن آخر وقت العصر مصير ظل الشيء مثليه وآخر وقت العشاء ذهاب ثلث الليل. فإن هذا الحديث قد تضمن زيادة غير منافية للأصل لأن وقت اصفرار الشمس هو متأخر عن المثلين إذ هي تبقى بيضاء نقية بعد المثلين وكذلك نصف الليل هو متضمن لزيادة غير منافية لما وقع في رواية بلفظ ثلث الليل على أن الرواية المتضمنة للزيادتين
стр. 75
هي أصح من الأخرى١. وأول وقت المغرب غروب الشمس أي سقوط القرص وهو وقت الاختيار الذي يجوز أن يصلى فيه من غير كراهية والعمدة فيه حديثان: حديث جبرائيل ﵇ فإنه صلى بالنبي صلى الله وسلم عليه يومين وحديث بريدة ففيه أنه صلى الله وسلم عليه أجاب السائل عنها أي عن الأوقات بأن صلى يومين والمفسر منهما قاض على المبهم وما اختلف يتبع فيه حديث بريدة لأنه مدني متأخر والأول مكي متقدم وإنما يتبع الآخر كذا في الحجة. "وآخره ذهاب الشفق الأحمر" جميع كتب اللغة مصرحة بهذا وجميع أشعار العرب ومن بعدهم زعم أن الشفق في لسان أهل اللغة أو لسان أهل الشرع يطلق على البياض فعليه الدليل ولا دليل ولو فُرض وجود ما يدل على ذلك فلا يُنكر ندوره كما لا ينكر أن الشائع في لسان العرب وأهل الشرع وإطلاقه على الحمرة والحمل على الأعم الأغلب هو الواجب ولا يُحمل على النادر فليس ههنا ما يسوغ اختلاف المذاهب قال ابن القيم رح تعالى: امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر وقد تقدم وفي صحيحه أيضا عن أبي موسى أن سائلا سأل رسول الله صلى الله وسلم عليه عن المواقيت فذكر الحديث وفيه: فأمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس فلما كان اليوم الثاني قال: ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق ثم قال: الوقت ما بين هذين. وهذا متأخر عن حديث جبرائيل ﵇ لأنه كان بمكة وهذا قول وذلك فعل وهذا يدل على الجواز وذلك على الاستحباب وهذا في الصحيح وهذا في السنن وهذا يوافق قوله صلى الله وسلم عليه: "وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها" وإنما خُص منه الفجر بالإجماع فما عداها من الصلوات داخل في عمومه والفعل إنما يدل على الاستحباب فلا يعارض العام ولا الخالص. "وهو" أي ذهاب
стр. 76
الشفق غروبه "أول العشاء" للإجماع على دخوله بالشفق، والأحمر هو المتبادر منه لأن وقت الاستحباب الذي يستحب أن يصلى فيه هو أوائل الأوقات إلا العشاء. وآخره نصف الليل فالمستحب الأصلي تأخيرها وهو قوله صلى الله وسلم عليه: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء" ولأنه أنفع في تصفية الباطن من الأشغال المنسية لذكر الله تعالى وأقطع لمادة السمر بعد العشاء لكن التأخير ربما يفضي إلى تقليل الجماعة وتنفير القوم وفيه قلب الموضوع فلهذا كان النبي صلى الله وسلم عليه إذا كثر الناس عجّل وإذا قلوا أخّر كذا في الحجة فهذه علامات وكان المعلم لها جبرائيل ﵇ ثم محمد رسول الله للأمة "وأول وقت الفجر إذا انشق الفجر" أي ظهور الضوء المنتشر وبينه صلى الله وسلم عليه أشفى بيان فقال لهم: "أنه يطلع معترضاً في الأفق" وأنه: "ليس الذي يلوح بياضه كذنب السِّرحان" وهذا شيء تدركه الأبصار, وقال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فجاء بلفظ التفعل لإفادة أنه لا يكفي إلا التبين الواضح أي يتبين لكم شيئاً فشيئاً حتى يتضح فإنه لا يتم تبينه وظهوره إلا بعد كمال ظهوره فإنه يطلع أولا تباشير الوضوء ثم ذنب السِّرحان وهو الفجر الكذاب ثم يتضح نور الصباح الذي أبداه بقدرته فالق الإصباح ولذلك قال الشاعر:
وأزرق الصبح يبدو قبل أبيضه ... ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب ...
قال ابن القيم: إن النبي صلى الله وسلم عليه كان يقرأ بالستين آية إلى المائة ثم ينصرف منها والنساء لا يُعرفن من الغلس وأن صلاته كانت في التغليس حتى توفاه الله تعالى وأنه إنما أسفر بها مرة واحدة وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية فرُد ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار بها دواماً لا ابتداء فيدخل فيها مغلسا ويخرج منها مسفرا كما كان يفعله رسول الله صلى الله وسلم عليه فقوله موافق لفعله لا مناقض له وكيف يُظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه انتهى. "وآخره طلوع الشمس" ومما ينبغي أن يُعلم أن الله لم يكلف عباده في تعريف أوقات الصلوات بما يشق عليهم ويتعسر فالدين يسر والشريعة سمحة سهلة بل جعل صلى الله تعالى عليه وسلم للأوقات علامات
стр. 77
حسية يعرفها كل أحد فقال في الفجر: طلوع النور الذي هو من أوائل أجزاء النهار يعرفه كل أحد وقال في الظهر: "إذا دحضت الشمس إذا زالت الشمس" وقال في العصر: "والشمس بيضاء نقية" وقال في المغرب: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا" وقال في العشاء من قدّر وقت صلاته بأنه كان يصليها وقت غروب الهلال ليلة ثالث الشهر وورد١التقدير بالشفق وورد التقدير بثلث الليل وبنصفه فهذه العلامات لا تلتبس إلا على أكمه والنظر في النجوم وإن كنت لا أظن ثبوت ذلك هو النظر الذي يكون في الشمس والقمر والأظلة المقترنة بالنجوم والمراد أنه يستدل على دخول وقت كذا بكون النجم في مكان كذا كما يكون مثل ذلك في الشمس والقمر لا أنه النظر المفضي إلى الاشتغال بعلم النجوم المؤدي إلى الوقوع في مضايق عن الشريعة بمعزل فإن هذا علم نهى عنه الشارع وحذر عن إتيان صاحبه حتى جعل ذلك كفراً فكيف يجعل طريقاً إلى أمر من أمور الشريعة ومهم من مهماتها فمن ظن أن شيئا من علم الشريعة محتاج إلى علم النجوم المصطلح عليه فهو إما جاهل لا يدري بالشريعة أو مغالط قد مالت نفسه إلى ما نهى عنه الشارع وأراد أن يدفع عن نفسه القائلة فاعتل بأنه لم يتعلق بمعرفة ذلك لكونه قد تعلقت به معرفة أوقات الصلوات وكثيرا من نسمعه من المشتغلين بذلك يُدلي بهذه الحجة الباطلة فيصدقه من لم يثبت قدمه في علم الشريعة المطهرة ومن أعظم المروجات لهذه البلية ما وقع من جماعة من المشتغلين بعلم الفقه من تعداد النجوم وتقدير المنازل والاستكثار من ذلك بما لا طائل تحته إلا تأنيس المنجمين فإنا لله وإنا إليه راجعون. وحاصل الكلام: أن هذه تكاليف موجهة كلف الله تعالى بها عباده وعيّن أوقاتها تعييناً يعرفه العالم والجاهل والقروي والبدوي والحر والعبد والذكر والأنثى على حد سواء اشترك فيه كل هؤلاء لا يحتاج معه إلى شيء آخر.
стр. 78
أمع الصبح للنجوم تجل ... ... أم مع الشمس للظلام بقاء....
قال صاحب سبل السلام: التوقيت في الأيام والشهور والسنوات بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة فلا يمكن عالم من علماء الدنيا أن يدعي أن ذلك كان في عصره صلى الله تعالى عليه وسلم أو عصر خلفائه الراشدين وإنما هو بدعة لعلها ظهرت في عصر المأمون حين أخرج كتب الفلاسفة وعرّبها ومنها المنطق والنجوم فإنه علم أولئك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فأقل أحوال المقرين على حساب المنازل القمرية أنهم مبتدعون وكل بدعة ضلالة ولقد عظمت هذه البدعة في الحرمين الشريفين فإنهم في مكة المكرمة لا يعتمدون إلا على ذلك ولهم فيه أنواع مؤلفات مثل الربع المجيَّب ونحوه يدرِّسونه ويقرءونه ويعتمدونه وهو من العلم الذي قال فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "علم لا ينفع وجهل لا يضر" وهو من علم أهل الكتاب فإن أعيادهم ونحوها تدور على حساب سير الشمس, ولعله دخل على المسلمين من علم اليونان وأهل الكتاب ومات رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعد أن أنزل الله تعالى عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ وكان أهل بيته وأصحابه رض على ذلك لا يعرفون منازل الزيادة والنقصان ولا ما يجعله المتأخرون هو الميزان ولا شيئاً من هذه الأمور التي صار ذلك التكليف الموقت عليها يدور انتهى١.
"ومن نام عن صلاته أو سها عنها فوقتها حين يذكرها". أي وقت القضاء إذا ذكر وقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة كحديث أنس عند البخاري ومسلم وغيرهما, وحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره وقد ورد هذا
стр. 79
المعنى من غير وجه وهو قوله صلى الله وسلم عليه: "من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ". قلت: وعلى هذا أهل العلم وقاسوا المفوت قصداً على النائم كذا في المسوى. ومن كان معذوراً لأن الأوقات للصلوات قد عينها الشارع وحدد أوائلها وأواخرها بعلامات حسية وجعل ما بين الوقتين لكل صلاة هو الوقت لتلك الصلاة وجعل الصلاة المفعولة في غير هذه الأوقات المعينة صلاة المنافق وصلاة الأمراء الذين يميتون الصلاة كقوله في حديث أنس الثابت في الصحيح قال سمعت رسول الله صلى الله وسلم عليه يقول: "تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله إلا قليلاً" وكقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأبي ذر: "كيف أنت إذا كان عليك أمراء يميتون الصلاة أو يؤخرون الصلاة عن وقتها"؟ قلت: فما تأمرني؟ قال: "صلّ الصلاة لوقتها" الحديث ونحو ذلك, وهكذا أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر فكان ما ذكرناه دليلاً على أن إدراك الركعة في الوقت الخارج عن الأوقات المضروبة كوقت طلوع الشمس وغروبها وطلوع الفجر هو خاص بالمعذور كمن مرض مرضا شديدا لا يستطع معه تأدية الصلاة ثم شفي وأمكنه إدراك ركعة وكالحائض إذا طهرت وأمكنها إدراك ركعة ونحو ذلك. "وأدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها" أي الصلاة لما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة كحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله وسلم عليه قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". وهو في الصحيحين وغيرهما ونحو ذلك حديث عائشة عند مسلم وغيره وقد ثبت من حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" ١ وهذا يشمل جميع الصلوات لا يخص شيئا منها قلت: هذا الحديث يحتمل
стр. 80
وجوها: أحدها من أدرك ركعة من الصلاة في الوقت فالجميع أداء وإلا فقضاء وهو الأصح عند الشافعية وقال أبو حنيفة بذلك في العصر خاصة وثانيها من أدرك من المعذورين من الوقت ما يسع ركعة من الصلاة فقد وجبت عليه تلك الصلاة وهو مذهب أبي حنيفة وقول للشافعي وثالثها أن الجماعة تدرك بركعة وهو وجه للشافعية وقال أبو حنيفة: لو أدرك التشهد كان مدركاً للجماعة كذا في المسوى فمن صلى ركعة في الوقت والباقي خارج الوقت لا يكون عند الشافعي كمن صلى الكل خارج الوقت: وقال أبو حنيفة مثله إلا في صلاة العصر خاصة وقد رد ابن القيم على من قال بكونها خلاف الأصول ورده بالمتشابه من نهيه صلى الله وسلم عليه عن الصلاة وقت طلوع الشمس أتم رد في إعلام الموقعين فليرجع إليه. "والتوقيت واجب" لما ورد في ذلك من الأوامر الصحيحة بتأدية الصلاة لوقتها والنهي عن فعلها في غير وقتها المضروب لها. "والجمع لعذر جائز" أي بين الصلاتين إن كان صورياً وهو فعل الأولى في آخر وقتها والأخرى في أول وقتها فليس بجمع في الحقيقة لأن كل صلاة مفعولة في وقتها المضروب لها وإنما هو جمع الصورة ومنه جمعه صلى الله وسلم عليه في المدينة المنورة من غير مطر ولا سفر كما في الصحيح من حديث ابن عباس وغيره فإنه قد وقع التصريح في بعض الروايات بما يفيد ذلك بل فسره من رواه بما يفيد أنه الجمع الصوري وقد أوضح الماتن ذلك في رسالة مستقلة فالمراد بالجمع الجائز للعذر هو جمع المسافر والمريض وفي المطر كما وردت بذلك الأدلة الصحيحة وقد اختلف في جواز الجمع بين الصلاتين لغير هذه الأعذار أو مع عدم العذر والحق عدم جواز ذلك كما حققه المجتهد الرباني شيخنا العلامة محمد بن علي الشوكاني في الفتح الرباني وغيره من مؤلفاته المباركة عليها ولها وفيها. "والمتيمم وناقص الصلاة" كمن به مرض يمنعه عن استيفاء بعض أركانها "أو الطهارة" كمن في بعض أعضاء وضوئه ما يمنعه من غسله بالماء, "يصلون كغيرهم من غير تأخير" وجهه أنهم داخلون في الخطاب المشتمل على تعيين الأوقات وبيان أولها وآخرها ولم يأت ما يدل على أنهم خارجون عنها وأن صلاتهم لا تجزيء إلا في آخر الوقت ولم يعول من أوجب التأخير على شيء تقوم به الحجة بل ليس بيده إلا مجرد الرأي البحت كقولهم إن صلاتهم بدلية ونحو ذلك وهذا لا يغني
стр. 81
من الحق شيئاً. أقول: لم يأت ما يدل على وجوب التأخير على من كان ناقص صلاة أو طهارة من كتاب ولا سنة بل التيمم مشروع عند عدم الماء إذا حضر وقت الصلاة وكذلك من كانت به علة لا يتمكن معها من استيفاء الطهارة أو الصلاة جاز له أن يصلي إذا حضر وقت الصلاة كيف أمكن وذلك هو المطلوب منه والواجب عليه ولو كان التأخير واجباً على من كان كذلك لبينه الشارع لأنه من الأحكام التي تعم بها البلوى ولا فرق بين من كان راجياً لزوال العلة في آخر الوقت ومن كان آيساً من زوالها في الوقت, ومن زعم أنه يجب تأخير صلاة من الصلوات على فرد من أفراد العباد لم يُقبل منه ذلك إلا بدليل. وأما ما يقال من أن الصلاة الناقصة أو الطهارة الناقصة بدل عن الصلاة الكاملة أو الطهارة الكاملة فكلام لا يتفق في مواطن الخلاف ولا تقوم بمثله الحجة على أحد على أن البدلية غير مسلَّمة وعلى فرض تسليمها فلا نسلم أن البدل لا يجزئ إلا عند تعذر المبدَل إلى آخر الوقت فإنهم يجعلون الظهر أصلا والجمعة بدلا والجمعة مجزئة في أول وقت الظهر بل لا يجزيء في ذلك الوقت غيرها لمن لم يكن معذوراً ثم لو سلمنا أن البدل لا يجزيء إلا عند تعذر المبدل فوقت التعذر هو وقت الصلاة مثلا فإذا دخل أول جزء من أجزاء الوقت والمبدل متعذر كان البدل في ذلك الوقت مجزئا ومن زعم غير هذا جاءنا بحجة. وأما كون "أوقات الكراهة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس وعند الزوال وبعد العصر حتى تغرب" فلما ثبت في الصحيح عن جماعة من الصحابة مرفوعاً من النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس وعند الزوال وورد في روايات أخر النهي عن الصلاة في الثلاثة الأوقات: وقت الطلوع ووقت الزوال ووقت الغروب قال في الحجة: الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر منها فليفعل غير أنه نهي عن خمسة أوقات: ثلاثة منها أوكد نهيا من الباقيين وهي الساعات الثلاث إذا طلعت الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تتضيف للغروب حتى تغرب لأنها أوقات صلاة المجوس, وأما الآخران فقوله صلى الله وسلم عليه: "لا صلاة بعد الصبح حتى تبزغ الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب" ولذلك صلى فيهما النبي صلى الله وسلم عليه تارة وروي استثناء نصف النهار يوم الجمعة واستنبُط جوازها في الأوقات الثلاث في المسجد الحرام من حديث: "يا بني عبد
стр. 82
مناف من ولي منكم من أمر الناس شيئا فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار١" وعلى هذا فالسر في ذلك أنهما وقت ظهور شعائر الدين ومكانه فعارضا المانع من الصلاة انتهى.
وأقول: الأحاديث في النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر قد صحت بلا ريب وهي عمومات قابلة للتخصيص بما هو أخص منها مطلقاً لا بما هو أعم منها من وجه وأخص منها من وجه كأحاديث الأمر بصلاة تحية المسجد فإنه من باب تعارض العمومين والواجب المصير إلى الترجيح فإن أمكن ترجيح أحدهما على الآخر وجب العمل به وإن لم يمكن وجب المصير إلى الترجيح بأمور خارجة فإن تعذّر من جميع الوجوه فالتخيير أو الاطراح في مادة إذا تقرر هذا فما عورضت به أحاديث النهي عن الصلاة في الوقتين المذكورين لا يصلح للمعارضة. أما حديث الرجلين اللذين أمرهما صلى الله وسلم عليه بالإعادة فقد اختلفت الرواية ففي بعض الروايات أنه قال: هذه فريضة وتلك نافلة وفي بعضها عكس ذلك وعلى الرواية الأولى لا معارضة وعلى الثانية غاية ما هناك أن ذلك يكون مخصصا لأحاديث النهي بمثل حال الرجلين وهو من دخل مسجد جماعة يصلون فيه فريضة في أحد الوقتين فإنه يتنفل معهم وحديث: أنه صلى الله وسلم عليه كان يصلي ركعتين بعد العصر قد تبين في روايات الحديث الثابتة في الأمهات أنه وفد عليه وفد عبد القيس فشغلوه عن ركعتي الظهر فصلاهما بعد العصر وكان هديه صلى الله وسلم عليه أنه إذا فعل شيئاً داوم عليه حتى سألته بعض نسائه وقالت: "هل نقضيهما إذا فاتتانا؟ فقال: "لا" وقد ذكر من روى ذلك وما عليه شيخنا العلامة الشوكاني في شرح المنتقى. وأما حديث: "لا تمنعوا طائفاً" فهو مع كونه غير صلاة وإن كان مشبهاً بها فليس المشبه كالمشبه به هو أيضا عام مخصص بأحاديث النهي أو خاص بنوع من أنواع الصلاة وهو الطواف فليعلم.
стр. 83
باب الأذان
أقول هذه العبادة من أعظم شعائر الإسلام وأشهر معالم الدين فإنها وقعت المواظبة عليها منذ شرعها الله إلى أن مات رسول الله صلى الله وسلم عليه في ليل ونهار وحضر وسفر ولم يُسمع بأنه وقع الإخلال بها أو الترخيص في تركها. "يشرع" وقد اختلف في وجوبه والظاهر الوجوب لأمره صلى الله وسلم عليه بذلك في غير حديث والحاصل: أنه ما ينبغي في مثل هذه العبادة العظيمة أن يتردد متردد في وجوبها فإنها أشهر من نار على علم وأدلتها هي الشمس المنيرة لأهل كل بلد أن يتخذوا مؤذناً وأما كون المؤذن مكلفا ذاكرا فهذا هو الظاهر لأن الأذان عبادة شرعية لا تجزيء إلا من مكلَّف بها ولم يُسمع في أيام النبوة ولا في الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم أنه وقع التأذين المشروع الذي هو إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة من امرأة قط, وأما أذان المرأة لنفسها أو لمن يحضر عندها من النساء مع عدم رفع الصوت رفعاً بالغاً فلا مانع من ذلك بل الظاهر أن النساء ممن يدخل في الخطاب بالأذان ولم يأت ما تقوم به الحجة لا في كون المؤذن طاهراً من الحدث الأكبر ولا من الحدث الأصغر لأن ما هو مرفوع في ذلك لم يصح وما هو موقوف على صحابي أو تابعي لا تقوم به الحجة وإن كان التطهر للمؤذن من الحدثين هو الأولى والأحسن فقد كره النبي صلى الله وسلم عليه أن يرد السلام وهو محدث حدثاً أصغر حتى توضأ كما في رواية وتيمم كما في أخرى والأذان أولى بذلك من مجرد السلام قال الماتن في حاشية الشفاء وظاهر الأحاديث أنه لا يصح أذان غير المتوضيء وقد ورد حديث يدل على اشتراط كون المؤذن متوضئاً أخرجه الترمذي بلفظ: "لا يؤذن إلا متوضئ" وقد أُعل بالانقطاع والإرسال ويشهد له حديث: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان. "ينادى بألفاظ الأذان المشروعة" لإعلامهم بمواقيت الصلاة وللتمسك بشعائر الإسلام فقد كان الغزاة في أيام النبوة وما بعدها إذا جهلوا حال أهل قرية تركوا حربهم حتى يحضر وقت الصلاة فإن سمعوا أذاناً كفّوا عنهم وإن لم يسمعوا قاتلوهم مقاتلة المشركين, وأما غير أهل البلد كالمسافر
стр. 84
والمقيم بفلاة من الأرض فيؤذن لنفسه ويقيم فإن كانوا جماعة أذن لهم أحدهم وأقام وألفاظ الأذان قد ثبتت في أحاديث كثيرة وفي بعضها اختلاف بزيادة ونقص وقد تقرر أن العمل على الزيادة التي لا تنافي المزيد فما ثبت من وجه صحيح مما فيه زيادة تعين قبوله كتربيع الأذان وترجيع الشهادتين ولا تطرح الزيادة إذا كانت أدلة الأصل أقوى منها لأنه لا تعارض حتى يصار إلى الترجيح كما وقع لكثير من أهل العلم في هذا الباب وغيره من الأبواب بل الجمع ممكن بضم الزيادة إلى الأصل وهو مقدم على الترجيح وقد وقع الإجماع على قبول الزيادة التي لم تكن منافية كما تقرر في الأصول وأدلة إفراد الإقامة أقوى من أدلة تشفيعها ولكن التشفيع مشتمل على زيادة خارجة من مخرج صالح للاعتبار فكان العمل على أدلة التشفيع متعينا. "عند دخول وقت الصلاة" إلا الأذان للفجر قبل دخول وقتها لما في الصحيحين من حديث سالم بن عبد الله عن النبي ﵌ أنه قال: "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم" وفي صحيح مسلم عن سمرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى ينفجر الفجر" وهو في الصحيحين من حديث ابن مسعود ولفظه: "لا يمنع أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو ينادي ليرجع قائمكم وينبه نائمكم". قال مالك: لم يزل الصبح ينادى لها قبل الفجر فردت هذه السنة لمخالفتها الأصول والقياس على سائر الصلوات وبحديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام ألا إن العبد نام فرجع فنادى ألا إن العبد نام. ولا ترد السنة الصحيحة بمثل ذلك فإنها أصل بنفسها وقياس وقت الفجر على غيره من الأوقات لو لم يكن فيه إلا مصادمة للسنة لكفى في رده فكيف والفرق قد أشار إليه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو ما في النداء قبل الوقت من المصلحة والحكمة التي لا تكون في غير الفجر وإذا اختص وقتها بأمر لا يكون في سائر الصلوات امتنع الإلحاق. وأما حديث حماد عن أيوب فحديث معلول عند أئمة الحديث لا تقوم به حجة كذا في إعلام الموقعين
стр. 85
وقد أطال ابن القيم في تعليل هذا الحديث والجواب عنه وعن غيره فليرجع إليه. ويشرع للسامع أن يتابع المؤذن لما قد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن". وفي الباب عن جماعة من الصحابة بنحو هذا وورد مفصلاً مبيناً من حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال: أشهد أن إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: أشهد أن محمداً رسول الله ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلى بالله ثم قال: الله أكبر الله أكبر قال: الله أكبر الله أكبر ثم قال: لا إله إلا الله قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة". أخرجه مسلم وغيره وأخرج نحوه البخاري وقد اختار بعض العلماء الجمع عند الحيعلتين بين المتابعة للمؤذن والحوقلة وهو جمع حسن وإن لم يكن متعينا. ثم تشرع الإقامة على الصفة الواردة أقول: قد ثبت تشفيع الأذان وايتاء الإقامة في الصحيحين وغيرهما وروي من وجه صحيح تشفيع جميع ألفاظ الإقامة وورد في الإقامة من وجه صحيح ما يدل على إيتارها إلا التكبير في أولها وآخرها وقد قامت الصلاة فإن ذلك يكون مثنى مثنى وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الكل سنة وأيها فعلها المؤذن والمقيم فقد فعل ما هو حق وسنة قال الماتن في شرح المنتقى بعد ما ذكر اختلاف الناس في ذلك وأطال في بيانه: إذا عرفت هذا تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها وأحاديث إفراد الإقامة وإن كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في الصحيحين لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة فالمصير إليها لازم لا سيما مع تأخر تاريخ بعضها انتهى ثم اعلم أن هذا الشعار لا يختص بصلاة الجماعات بل كل مصل عليه أن يؤذن ويقيم لكن من كان في جماعة كفاه أذان المؤذن لها وإقامته ثم الظاهر أن النساء كالرجال لأنهن شقائقهم والأمر لهم أمر لهن ولم يرد ما ينتهض للحجة في عدم الوجوب عليهن فإن الوارد في ذلك في أسانيده متروكون لا يحل الاحتجاج بهم فإن ورد دليل يصلح لإخراجهن فذاك وإلا فهن كالرجال
стр. 86
باب ويجب على المصلي تطهير ثوبه
لنص القرآن ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ولقوله صلى الله وسلم عليه لمن سأله: هل يصلي في الثوب الذي يأتي فيه أهله فقال: نعم إلا أن يرى فيه شيئاً فيغسله. أخرجه أحمد وابن ماجه ورجال إسناده ثقات ومثله عن معاوية قال: قلت لأم حبيبة هل كان النبي صلى الله وسلم عليه يصلي في الثوب الذي يجامع فيه قالت: نعم إذا لم يكن فيه أذى. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات ومنها حديث خلعه صلى الله وسلم عليه النعل أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وابن خزيمة وابن حبان وله طريق عن جماعة من الصحابة يقوي بعضها بعضا ومنها الأدلة المتقدمة في تعيين النجاسات وبدنه لأنه أولى من تطهير الثوب ولما ورد من وجوب تطهيره ومكانه من النجاسة لما ثبت عنه صلى الله وسلم عليه من رش الذنوب على بول الأعرابي ونحو ذلك, وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تطهير الثلاثة للصلاة وذهب جمع إلى أن ذلك شرط لصحة الصلاة وذهب آخرون إلى أنه سنة والحق الوجوب فمن صلى ملابساً لنجاسة عامداً فقد أخل بواجب وصلاته صحيحة والشرطية التي يؤثر عدمها في عدم المشروط كما قرره أهل الأصول لا يصلح للدلالة عليها إلا ما كان يفيد ذلك مثل نفي القبول أو نحو: "لا صلاة لمن صلى في مكان متنجس" أو النهي عن الصلاة في المكان المتنجس لدلالة النهي على الفساد. وأما مجرد الأمر فلا يصلح لإثبات الشروط اللهم إلا على قول من قال: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده فليكن هذا منك على ذُكْر فإنك إن تفطنت له رأيت العجب في كتب الفقه فإنهم كثيراً ما يجعلون الشيء شرطاً ولا يستفاد من دليله غير الوجوب وكثيراً ما يجعلون الشيء واجباً ودليله يدل على الشرطية والسبب الحامل على ذلك عدم مراعاة القواعد الأصولية والذهول عنها. والحاصل: أن ما دل على الشرطية دل على الوجوب وزيادة وهو تأثير بطلان المشروط وما دل على الوجوب لا يدل على الشرطية لأن غاية الواجب أن تاركه يذم أما أنه يستلزم بطلان الشيء الذي ذلك الواجب جزء من أجزائه أو عارض من عوارضه فلا فمن حكم على الشيء بالوجوب وجعل عدمه موجباً للبطلان أو حكم على الشيء بالشرطية ولم يجعل عدمه موجباً للبطلان فقد غفل عن هذين المفهومين
стр. 87
وفي المقام أدلة مختلفة ومقالات طويلة ليس هذا محل بسطها. وستر عورته لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . قلت: الزينة ما وارى عورتك ولو عباءة قاله مجاهد والمسجد الصلاة ولما وقع منه صلى الله وسلم عليه من الأمر بسترها في كل الأحوال كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ملكت يمينك" قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: "إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها" قلت: فإذا كان أحدنا خاليا قال: "الله ﵎ أحق أن يُستحيا منه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وعلقه البخاري وحسنه الترمذي وصححه الحاكم ومن ذلك قوله صلى الله وسلم عليه: "لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم والبزار وفي إسناده مقال ولكنه يعضده حديث محمد بن جحش قال: مر رسول الله صلى الله وسلم عليه على معمر وفخذاه مكشوفتان فقال: "يا معمر غط فخذيك فإن الفخذين عورة" أخرجه أحمد والبخاري في صحيحه تعليقاً وأخرجه أيضا في تاريخه والحاكم في المستدرك وروى الترمذي وأحمد من حديث ابن عباس مرفوعا: "الفخذ عورة" وأخرج نحوه مالك في الموطأ وأحمد وأبو داود الترمذي وحسنه وابن حبان وصححه وعلقه البخاري وقد عارض أحاديث الفخذ عورة أحاديث أخر وليس فيها إلا أنه صلى الله وسلم عليه كشف عن فخذه يوم خيبر أو في بيته ولا يصلح ذلك لمعارضة ما تقدم, وورد في الركبة ما يفيد أنها تُستر وما يخالف ذلك وأما المرأة فورد حديث: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم وقد روي موقوفاً ومرفوعاً من حديث عائشة ومن حديث أبي قتادة ومما يفيد وجوب ستر العورة أحاديث النهي عن الصلاة في الثوب الواحد ليس على عاتق المصلي منه شيء وفي بعضها: "فليخالف بين طرفيه" وفي بعضها: "وإن كان ضيقا فاتزر به" وكلها في الصحيح, ولكن ليس فيها ما يستفاد منه الشرطية التي صرح بها جماعة من المصنفين وحديث الخمار إذا انتهض للاستدلال به على الشرطية فهو خاص بالمرأة وقد عرفت مما سلف أن الذي يستلزم عدمه عدم الصلاة أي بطلانها هو الشرط أو الركن لا الواجب
стр. 88
فمن زعم أن من ظهر شيء من عورته في الصلاة أو صلى بثياب متنجسة كانت صلاته باطلة فهو مطالب بالدليل ولا ينفعه مجرد الأوامر بالستر أو التطهير فإن غاية ما يستفاد منها الوجوب. ولا يشتمل الصماء لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله وسلم عليه نهى أن يشتمل الصماء وهو في الصحيحين وفي لفظ فيهما: وأن يشتمل في إزاره إذا ما صلى إلا أن يخالف بطرفيه على عاتقه, وأخرج نحوه الجماعة من حديث أبي سعيد واشتمال الصماء: هو أن يجلل جسده بالثوب لا يرفع منه جانباً ولا يبقى ما يخرج منه يده. "ولا يسدل" لحديث النهي عن السدل في الصلاة وهو عند أحمد وأبي داود والترمذي والحاكم في المستدرك وفي الباب عن جماعة من الصحابة. والسدل: هو إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه بل يلتحف به ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك, "ولا يسبل" لما ورد من الأحاديث الصحيحة من النهي عن إرسال الإزار والمراد بالإسبال أن يرخي إزاره حتى يجاوز الكعبين. "ولا يكفت" لأنه قد ورد النهي عن أن يكفت الرجل ثوبه أو شعره أما كفت الثوب فكمن يأخذ طرف ثوبه فيغرزه في حجزته أو نحو ذلك, وأما كفت الشعر فنحو أن يأخذ منه خصلة مسترسلة فيكفتها في شعر رأسه أو يربطها بخيط إليه أو نحو ذلك, "ولا يصلي في ثوب حرير" والأحاديث في ذلك كثيرة وكلها يدل على المنع من لبس ثوب الحرير الخالص. وأما المشوب فالمذاهب في ذلك معروفة: فبعض الأحاديث يدل على أنه إنما يحرم الخالص لا المشوب كحديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود قال: إنما نهى رسول الله صلى الله وسلم عليه عن الثوب المصمت من القز. قال ابن عباس: أما السدي والعلم فلا نرى به بأسا وبعضها يدل على المنع كما ورد في حلة السيراء فإنه غضب لما رأى عليا قد لبسها وقال: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشققها خمراً بين النساء" وهو في الصحيح والسيراء قد قيل إنها المخلوطة بالحرير لا الحرير الخالص وقيل إنها الحرير الخالص المخطط وقيل غير ذلك ولكنه قد ورد في طرق من طرق هذا الحديث ما يفيد أنها غير خالصة فأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه والدورقي هذا الحديث بلفظ قال علي: أُهدي إلى رسول الله
стр. 89
صلى الله وسلم عليه حلة مسيرة إما سَداها وإما لُحمتها, فذكر الحديث. "ولا ثوب شهرة" لحديث من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة, أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر وهذا الوعيد يدل على أن لبسه محرم في كل وقت فوقت الصلاة أولى بذلك. وأما الثوب المصبوغ بالصفرة والحمرة فالأدلة في ذلك متعارضة فلهذا لم نذكره وقد أفرده الماتن برسالة مستقلة "ولا مغصوب" لكونه ملك الغير وهو حرام بالإجماع, "وعليه استقبال عين الكعبة" إن كان مشاهدا لها أو في حكم المشاهد وجوباً لأنه قد تمكن من اليقين فلا يُعدل إلى الظن والأحاديث المتواترة مصرحة بوجوب الاستقبال بل هو نص القرآن الكريم ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو قطعي من قطعيات الشريعة, وغير المشاهد ومن في حكمه يستقبل الجهة بعد التحري لأن ذلك هو الذي يُمكنه ويدخل تحت استطاعته ولم يكلفه الله تعالى مالا يطيق كما صرح بذلك في كتابه العزيز, وقد جعل النبي صلى الله وسلم عليه بين المشرق والمغرب قبلة كما في حديث أبي هريرة عند الترمذي وابن ماجه ومثل ذلك ورد عن الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم, وقد استقبل النبي صلى الله وسلم عليه الجهة بعد خروجه من مكة المكرمة وشرع للناس ذلك. أقول: استقبال القبلة هو من ضروريات الدين فمن أمكنه استقبال القبلة تحقيقاً فذلك الواجب عليه مثل القاطن حولها المشاهد لها من دون قطع مسافة ولا تجشم مشقة ومن لم يكن كذلك ففرضه استقبال الجهة وليس المراد من تلك الجهة الكعبة على الخصوص بل المراد ما أرشد إليه صلى الله وسلم عليه من كون بين المشرق والمغرب قبلة فمن كان في جهات اليمن وعرف جهة المشرق وجهة المغرب توجه بين الجهتين فإن تلك الجهة هي القبلة وكذلك من كان بجهة الشام يتوجه بين الجهتين من دون إتعاب للنفس في تقدير الجهات فإن ذلك مما لم يرد به الشرع ولا كُلّف به العباد والمحاريب المنصوبة في المساجد والمشاهد المعمورة في بلاد المسلمين الذين لهم عناية بأمر الدين مغنية عن التكلف وكذلك أخبار لعدول المرضيين كافية فإن من قال: هذه جهة القبلة أو عمّر محراباً يأوي إليه الناس لا شك أنه قد بلغ من التحري ما يبلغه من أراد تأدية صلاة أو صلوات في مكان من الأمكنة لأن معرفة
стр. 90
الجهة التي عرفناك بها من السير ما تراد لمعرفته لكون الجهات الأربع معلومة لكل عاقل وقد يعرض اللبس في بعض المواطن على بعض الأفراد إما لعدم ظهور ما يهتدي به في ظلمة الليل أو حيلولة جبال عالية في أرض عالية لا يعرفها مع تلون طرقها التي قد سلكها فهذا فرضه أن يمعن النظر في تعريف الجهة فإذا أعوزه الأمر توجه حيث شاء هذا في الفرائض, وأما النوافل فقد خفف الشارع فيها وسوغ تأديتها على ظهر الراحلة إلى جهة القبلة وغير جهتها بل سوّغ تأدية الفريضة في الأرض الندية على ظهر الراحلة كما تجد ذلك في المنتقى وشرحه فهذا خلاصة ما تعبدنا الله به في أمر القبلة وهو يغنيك عن التفريعات الطويلة والتهويلات المهيلة في كتب الفقه.
стр. 91
باب كيفية الصلاة
وهي علامات تواتر صلى الله وسلم عليه وتوارثه الأمة أن يتطهر ويستر عورته ويقوم ويستقبل القبلة بوجهه ويتوجه إلى الله تعالى بقلبه ويخلص له العمل ويقول: الله أكبر بلسانه ويقرأ فاتحة الكتاب ويضم معها إلا في ثالثة الفرض ورابعته سورة من القرآن ثم يركع وينحني بحيث يقتدر على أن يمسح ركبتيه برؤوس أصابعه حتى يطمئن راكعاً ثم يرفع رأسه حتى يطمئن قائماً ثم يسجد على الآراب السبعة اليدين والرجلين والركبتين والوجه ثم يرفع رأسه حتى يستوي جالساً ثم يسجد ثانيا كذلك فهذه ركعة ثم يقعد على رأس كل ركعتين ويتشهد فإن كان آخر صلاته صلى على النبي صلى الله وسلم عليه ودعا أحب الدعاء إليه وسلم على من يليه من الملائكة والمسلمين فهذه صلاة النبي صلى الله وسلم عليه لم يثبت أنه ترك شيئاً من ذلك قط عمداً من غير عذر في فريضة وصلاة الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين وهي التي توارثوا أنها مسمى الصلاة وهي من ضروريات الملة نعم اختلف الفقهاء في أحرف منها هل هي أركان الصلاة لا يعتد بها بدونها أو واجباتها التي تنقص بتركها أو أبعاض يُلام على تركها وتجبر بسجدة السهو؟ كذا في الحجة البالغة
لا تكون شرعية إلا بالنية لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وروى مالك بإسناده في غير رواية يحيى بن يحيى عن النبي صلى الله وسلم عليه: "إنما الأعمال بالنيات". قلت: وعلى وجوب النية في ابتداء الصلاة أهل العلم
стр. 92
وعندي أن المقدر في حديث: "إنما الأعمال بالنية" إن كان الحصول أو الوجود أو الثبوت أو الصحة أو ما يلاقي هذه الأمور في المعنى الذي لا تكون تلك الصلاة شرعية إلا به فالنية في مثل الصلاة شرط من شروطها لأنه قد استلزم عدمها عدم الصلاة وهذه خاصة الشروط وإن كان المقدّر الكمال أو ما يلاقيه في المعنى الذي تكون الصلاة شرعية بدونه فليست النية بواجبة فضلا عن أن تكون شرطا لكن قد عُرف رجحان التقدير المشعر بالمعنى الأول لكون الحصر في إنما في معنى ما الأعمال إلا بالنية وإن اختلفا في أمور خارجة عن هذا كما تقرر في علمي المعاني والأصول والنفي يتوجه إلى المعنى الحقيقي وهو الذات الشرعية وانتفاؤها ممكن لأن الموجود في الخارج ذات غير شرعية وعلى فرض وجود مانع عن التوجه إلى المعنى الحقيقي فلا ريب أن الصحة أقرب إلى المعنى الحقيقي من الكمال لاستلزامها لعدم الاعتداد بتلك الذات وترجيح أقرب المجازين متعيِّن فظهر بهذا أن القول بأن النية شرط للصلاة أرجح من القول بأنها من جملة واجباتها والكلام على هذا يطول ليس هذا موضع ذكره, وأركانها كلها مفترضة لكونها ماهية الصلاة التي لا يسقط التكليف إلا بفعلها وتُعدم الصورة المطلوبة بعدمها وتكون ناقصة بنقصان بعضها وهي القيام فالركوع فالاعتدال فالسجود فالاعتدال فالسجود فالقعود للتشهد وقد بين الشارع صفاتها وهيئاتها وكان يجعلها قريبا من السواء كما ثبت في الصحيح عنه. أقول: وجملة القول في هذا الباب: إنه ينبغي لمن كان يقتدر على تطبيق الفروع على الأصول وإرجاع فرع الشيء إلى أصله أن يجعل هذه الفروض المذكورة في هذا الباب منقسمة إلى ثلاثة أقسام: واجبات كالتكبير والتسليم والتشهد وأركان كالقيام والركوع والاعتدال والسجود والاعتدال والسجود والقعود للتشهد وشروط كالنية والقراءة أما النية فلما قدمنا, وأما القراءة فلورود ما يدل على شرطيتها كحديث: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وحديث: "لا تجزيء صلاة إلا بفاتحة الكتاب" ونحوها فإن النفي إذا توجه إلى الذات أو إلى صحتها أفاد الشرطية إذ هي تأثير عدم الشرط في عدم المشروط وأصرح من مطلق النفي النفي المتوجه إلى الإجزاء, والحاصل: أن شروط الشيء
стр. 93
يقتضي عدمها عدمه وأركانه كذلك لأن عدم الركن يوجب عدم وجود الصورة المأمور بها على الصفة التي اعتبرها الشارع وما كان كذلك لا يجزئ إلا أن يقوم دليل على أن مثل ذلك الركن لا يخرج الصورة المأمور بها عن كونها مجزئة كما يقول بعض أهل العلم في الاعتدال وقعود التشهد وإن كان الحق خلاف ما قال وأما الواجبات فغاية ما يستفاد من دليلها وهو مطلق الأمر أن تركها معصية لا أن عدمها يستلزم عدم الصورة المأمور بها إذا تقرر هذا لاح لك أن هذه الفروض المعدودة في هذا الباب متوافقة في ذات بينها والفرض والواجب مترادفان على ما ذهب إليه الجمهور وهو الحق وحقيقة الواجب ما يمدح فاعله ويذم تاركه والمدح على الغعل والذم على الترك لا يستلزمان البطلان بخلاف الشرط فإن حقيقته ما يستلزم عدمه عدم المشروط كما عرفت فاحفظ هذا التحقيق تنتفع به في مواطن وقع التفريع فيها مخالفا للتأصيل وهو كثير الوجود في مؤلفات الفقهاء من جميع المذاهب وكثيرا ما تجد العارف بالأصول إذا تكلم في الفروع ضاقت عليه المسالك وطاحت عنه المعارف وصار كأحد الجامدين على علم الفروع إلا جماعة منهم ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ إلا قعود التشهد الأوسط لكونه لم يأت في الأدلة في ما يدل على وجوبه بخصوصه كما ورد في قعود التشهد الأخير فإن الأحاديث التي فيها الأوامر بالتشهد قد اقترنت بما يفيد أن المراد التشهد الأخير فإن قلت: قد ذكر التشهد الأوسط في حديث المسيء كما في رواية لأبي داود من حديث رفاعة ولم يذكر فيه التشهد الأخير قلت: تقوم الحجة بمثل ذلك ولا يثبت به التكليف العام والتشهد الأخير وإن لم يثبت ذكره في حديث المسيء فقد وردت به الأوامر وصرح الصحابة بافتراضه وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في حاشية الشفاء إيضاحا حسنا فلتراجع. "والاستراحة" لكونه لم يأت دليل يفيد وجوبها وذكرها في حديث المسيء وهم كما صرح بذلك البخاري, ولا يجب من أذكارها أي الصلاة إلا التكبير لقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ولقوله صلى الله وسلم عليه في حديث المسيء: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" ولما ورد من أن تحريم الصلاة التكبير. أقول: تعيين التكبير للدخول في الصلاة محكم صريح لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
стр. 94
"لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول الله أكبر١" وبما تقدم من النصوص وهي نصوص في غاية الصحة فردت بالمتشابه من قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ قال في الحجة: فإذا كبر يرفع يديه إلى أذنيه ومنكبيه وكل ذلك سنة اهـ. أقول: إن الأدلة على هذه السنة قد تواترت تواترا لا ينكره من له أدنى إلمام بعلم الأدلة واختصت باجتماع العشرة المبشرة بالجنة على روايتها ومعهم من الصحابة جماهير ونقل جماعة من الحفاظ أنه لم يقع الخلاف في ذلك بين الصحابة بل اتفقوا عليه.
والحاصل: أنه نقل إلينا هذه السنة الذين نقلوا إلينا أعداد ركعات الصلاة فإذا لم يثبت بمثل ما ورد فيها مشروعيتها فليس في الدنيا مشروع لأن كثيرا مما وقع الإطباق على مشروعيته وصار من قطعيات المرويات لم يبلغ إلى ما بلغ إليه نقل الرفع وليس في المقام ما يصلح لمعارضة هذه السنة لا من قوله صلى الله وسلم عليه ولا من فعله ولا عن أصحابه من أقوالهم ولا من أفعالهم وقد درج عليها خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. وأما حديث البراء قال: رأيت رسول الله صلى الله وسلم عليه إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم لم يعد فهو قد تضمن إثبات الرفع عند الافتتاح, ولفظ: "ثم لم يعد" قد اتفق الحفاظ على أنه مدرج من قول يزيد بن أبي زياد وقد رواه عنه بدونها جماعة من الأئمة منهم: شعبة والثوري وخالد الطحان وزهير وغيرهم ومع هذا فالحديث من أصله قد أطبق الأئمة على تضعيفه, وكما ثبت الرفع عند الافتتاح ثبت عند الركوع وعند الاعتدال منه بأحاديث تقارب أحاديث الرفع عند الافتتاح, وكذلك ثبت الرفع عند القيام من التشهد الأوسط بأحاديث صحيحة كما سيأتي بيانه. "والفاتحة في كل ركعة" لقوله صلى الله وسلم عليه في حديث المسيء: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وفي لفظ من حديث المسيء لأبي داود: "ثم أقرأ بأم القرآن" وكذلك لفظ منه لأحمد وابن حبان بزيادة ثم اصنع ذلك في كل ركعة بعد قوله: "ثم اقرأ بأم القرآن" فكان ذلك بيانا لما تيسر وورد ما يفيد وجوب الفاتحة في غير حديث المسيء
стр. 95
كأحاديث: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهي صحيحة ويدل على وجوبها في كل ركعة ما وقع في حديث المسيء فإنه صلى الله وسلم عليه وصف له ما يفعل في كل ركعة وقد أمره بقراءة الفاتحة فكانت من جملة ما يجب في كل ركعة كما أنه يجب فعل ما اقترن بها في كل ركعة بل ورد ما يفيد ذلك من لفظه صلى الله وسلم عليه فإنه قال للمسيء: "ثم افعل ذلك في الصلاة كلها" وهو في الصحيح من حديث أبي هريرة قال ذلك بعد أن وصف له ما يفعل في الركعة الواحدة لا في جملة الصلاة فكان ذلك قرينة على أن المراد بالصلاة كل ركعة تماثل تلك الركعة من الصلاة قال في الحجة: وما ذكره النبي صلى الله وسلم عليه بلفظ الركنية كقوله صلى الله وسلم عليه: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وقوله: "لا يجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود" وما سمى الشارع الصلاة به فإنه تنبيه بليغ على كونه ركنا في الصلاة انتهى. ولو كان مؤتما فوجوب الفاتحة في كل ركعة على المؤتم لما ورد من الأدلة الدالة على أن المؤتم يقرأها خلف الإمام كحديث: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب" ونحوه ولدخول المؤتم تحت هذه الأدلة المقتضية لوجوب الفاتحة في كل ركعة على كل مصل قال في الحجة البالغة: وإن كان مأموما وجب عليه الإنصات والاستماع فإن جهر الإمام لم يقرأ إلا عند الإسكاتة وإن خافت فله الخيرة فإن قرأ فليقرأ الفاتحة قراءة لا يشوش على الإمام وهذا أولى الأقوال عندي وبه يجمع بين أحاديث الباب انتهى وفي تنوير العينين دلائل الجانبين فيه قوية لكن يظهر بعد التأمل في الدلائل أن القراءة أولى من تركها فقد عولنا فيه على قول محمد كما نقل عنه صاحب الهداية وتركنا الكلام وقال ابن القيم في الأعلام: ردت النصوص المحكمة الصريحة الصحيحية في تعيين قراءة الفاتحة فرضا بالمتشابه من قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ وليس ذلك في الصلاة وإنما يدل على قيام الليل وبقوله للأعرابي: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة وأن يكون الأعرابي لا يحسنها وأن يكون لم يسيء في قراءتها فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر منها فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه فلا يترك الصريح انتهى, وقال في إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء: روى البيهقي عن يزيد بن شريك: أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب
стр. 96
فقلت: وإن كنت أنت قال: وإن كنت أنا, قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت. قلت: روى أهل الكوفة عن أصحاب عمر الكوفيين أن المأموم لا يقرأ شيئا والجمع أن القبيح في الأصل أن ينازع الإمام في القرآن وقراءة المأموم قد تفضي إلى ذلك ثم إن اشتغال المأموم بمناجاة ربه مطلوب فتعارضت مصلحة ومفسدة فمن استطاع أن يأتي بالمصلحة بحيث لا تخدشها مفسدة فليفعل ومن خاف المفسدة ترك والله تعالى أعلم انتهى. أقول: الأوجه هو الإتيان بفاتحة الكتاب خلف الإمام كما تشهد له أدلة السنة الصريحة من دون تعارض والأمر بالإنصات في قوله تعالى: ﴿أَنْصِتُوا﴾ عام يتناول فاتحة الكتاب وغيرها وكذلك حديث: "وإذا قرأ فأنصتوا" وإن كان فيه مقال لا ينتهض معه للاستدلال وعلى فرض انتهاضه فغاية ما فيه أنه اقتضى أن الإنصات حال قراءة الإمام يجب على المؤتم ولا يقرأ بفاتحة الكتاب ولا غيرها, وأما حديث: "خلطتم علي" فلا يشك عارف أن خلط المؤتم على إمامه إنما يكون قرأ المؤتم جهرا وأما إذا قرأ سرا فلا خلط وكذلك المنازعة لا تكون إلا إذا سمع الإمام قراءة المؤتم, وأما حديث جابر في هذا الباب فهو من قوله: ولم يرفعه إلى النبي صلى الله وسلم عليه كما في الترمذي والموطأ وغيرهما وقول الصحابي لا تقوم به حجة فلم يبق ههنا ما يدل على منع قراءة المؤتم خلف الإمام حال قراءته إلا الآية الكريمة وحديث: "إذا قرأ فأنصتوا" وهما عامان كما عرفت يتناولان فاتحة الكتاب وغيرها والعام معرض للتخصيص والمخصص وههنا موجود وهو حديث عبادة بن الصامت وهو حديث صحيح وبناء العام على الخاص واجب باتفاق أهل الأصول فلا معذرة عن قراءة فاتحة الكتاب حال قراءة الإمام ولا سيما وقد دل الدليل على وجوبها على كل مصل في كل ركعة من ركعات صلاته. "والتشهد الأخير واجب" لورود الأمر به في الأحاديث الصحيحة وألفاظه معروفة وقد ورد بألفاظ من طريق جماعة من الصحابة وفي كل تشهد ألفاظ تخالف التشهد الآخر والحق الذي لا محيص عنه أنه يجزئ للمصلي أن يتشهد بكل واحد من تلك التشهدات الخارجة من مخرج صحيح وأصحها التشهد الذي علمه النبي صلى الله وسلم عليه ابن مسعود وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديثه بلفظ:
стр. 97
"التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" وفي بعض ألفاظه: "إذا قعد أحدكم فليقل" قال في الحجة البالغة: وجاء في التشهد صيغ أصحها تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ثم تشهد ابن عباس وعمر رضي الله تعالى عنهما وهي كأحرف القرآن كلها كاف وشاف انتهى. قلت: اختار أبو حنيفة تشهد ابن مسعود والشافعي تشهد ابن عباس ومالك تشهد عمر واختلافهم في المختار لا في الإجزاء كذا في المسوى, وأما الصلاة على النبي صلى الله وسلم عليه التي يفعلها المصلي في التشهد فقد وردت بألفاظ وكل ما صح منه أجزأ ومن أصح ما ورد ما ثبت في الصحيح بلفظ: "اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" وزاد في الحجة: "اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" انتهى. قال الماتن في حاشية الشفاء: ومما ينبغي أن يُعلم أن التشهد وألفاظ الصلاة على النبي صلى الله وسلم عليه وآله ﵈ كلها مجزئة إذا وردت من وجه معتبر وتخصيص بعضها دون بعض كما يفعله بعض الفقهاء قصور باع وتحكم محض, وأما اختيار الأصح منها وإيثاره مع القول بإجزاء غيره فهو من اختيار الأفضل من المتفاضلات وهو من صنيع المهرة بعلم الاستدلال والأدلة انتهى. وقال في موضع آخر: التشهدات الثابتة عنه صلى الله وسلم عليه موجودة في كتب الحديث فعلى من رام التمسك بما صح عنه صلى الله وسلم عليه أن ينظرها في دواوين الإسلام الموضوعة لجمع ما ورد من السنة ويختار أصحها ويستمر عليه أو يعمل تارة بهذا وتارة بهذا مثلا يتشهد في بعض الصلوات بتشهد ابن مسعود وفي بعضها بتشهد ابن عباس وفي بعضها بتشهد غيرهما فالكل واسع والأرجح هو الأصح لكن كونه الأصح لا ينافي إجزاء الصحيح انتهى. قلت: عامة أهل العلم على أن الصلاة على النبي صلى الله وسلم عليه مستحبة في التشهد الأخير غير واجبة وإلى هذا يشير لفظ ابن عمر وعائشة في باب التشهد وأن التشهد الأول ليس محلا لها, وذهب الشافعي وحده إلى وجوبها في التشهد الأخير فإن
стр. 98
لم يصل لم تصح صلاته١ وإلى استحبابها في التشهد الأول وورد ما يفيد وجوب التعوذ من أربع كما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله وسلم عليه: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيى والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال" وورد نحو ذلك من حديث عائشة وهو في الصحيحين وغيرهما فيكون هذا التعوذ من تمام التشهد ثم يتخير المصلي بعد ذلك من الدعاء أعجبه كما أرشد إلى ذلك رسول الله صلى الله وسلم عليه قال في الحجة: وورد في صيغ الدعاء في التشهد: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" وورد: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت". "والتسليم" وهو واجب لكون النبي صلى الله وسلم عليه جعله تحليل الصلاة فلا تحليل لها إلا به فأفاد ذلك وجوبه وإن لم يذكر في حديث المسيء قال في الحجة: وجب أن لا يكون الخروج من الصلاة إلا بكلام هو أحسن كلام الناس أعني السلام وأن يوجب ذلك انتهى قال ابن القيم: إن السنة الصحيحة الصريحة المحكمة عن النبي صلى الله وسلم عليه التي رواها خمسة عشر نفسا من الصحابة أنه كان يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله" منهم عبد الله بن مسعود بن أبي وقاص وجابر ابن سمرة وأبو موسى الأشعري وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب ووائل بن حجر وأبو مالك الأشعري وعدي بن عمرة الضمري وطلق بن علي وأوس بن أوس وأبو رمثة والأحاديث بذلك ما بين صحيح وحسن فرد ذلك بخمسة أحاديث مختلف في صحتها واردة في تسليمة واحدة انتهى. وقد أطال في الجواب عنها إلى خمسة أوراق فليرجع إليه. قلت: وعامة أهل العلم على أنه يسلم تسليمتين
стр. 99
عن يمينه وعن شماله؛ واحتجوا بحديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله وسلم عليه رواه أبو داود والترمذي ولفظه: أن النبي صلى الله وسلم عليه كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيمن السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيسر, رواه النسائي وأحمد وابن حبان والدارقطني وغيرهم وفي الباب عن سهل بن سعد وحذيفة ومغيرة بن شعبة وواثلة بن الأسقع ويعقوب بن الحسين, ووقع في صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود زيادة: "وبركاته" وهي عند ابن ماجة أيضا وعند أبي داود أيضا في حديث وائل بن حجر فالعجب من ابن الصلاح كيف يقول إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث إلا في رواية وائل بن حجر كذا في التلخيص, وقال مالك يسلم الإمام والمنفرد تسليمة واحدة: السلام عليكم لا يزيد على ذلك. "ويستحب للمأموم أن يسلم ثلاثا عن يمينه وعن شماله وتلقاء وجهه بردها على إمامه كذا في المسوى. أقول: ورود التسليمة الواحدة فقط لا يعارض الثابت مما فيه زيادة عليها وهي أحاديث التسلميتين لما عرفناك غير مرة أن الزيادة التي لم تكن منافية يجب قبولها فالقول بتسليمتين إعمال لجميع ما ورد بخلاف القول بتسليمة فإنه إهدار لأكثر الأدلة بدون مقتض وأما كون التسليم واجبا أو غير واجب فقد تقرر أن المرجع حديث المسيء وأنه لا وجوب لغير ما لم يذكر فيه إلا أن يثبت إيجابه بعد تاريخ حديث المسيء إيجابا لا يمكن صرفه بوجه من الوجوه١. وأما الطمأنينة في حال الركوع والسجودين فلا خلاف في ذلك وأما في حال الاعتدال من الركوع وبين السجدتين فخالف في ذلك قوم والحق أنه من آكد فرائض الصلاة في الموطنين بل المشروع إطالتهما وقد ثبت عنه صلى الله وسلم عليه ما يدل على ذلك كما في حديث البراء أنه حزر أركان صلاته صلى الله وسلم عليه وعد من جملتها الاعتدال من الركوع والاعتدال بين السجدتين فوجدها قريبا من السواء وهذا يدل على أنه كان يلبث فيهما كما يلبث في الركوع والسجود, وثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقف في اعتداله من الركوع كاعتداله من السجود حتى يظن من رآه أنه قد نسي لإطالته لهما
стр. 100
وثبت من أدعية فيهما ما يدل على طولهما. فالحاصل: أن أصل الاطمئنان في الركوع والسجود والاعتدالين ركن من أركان الصلاة لاتتم بدونه وأما طول اللبث زيادة على الاطمئنان فمن السنن المؤكدة لأنه لم يذكر في حديث المسيء وقد صارت هذه السنة متروكة في الاعتدال إلى غاية بل صار الاطمئنان فيهما مما يقل وجوده وما أحق من نازعته نفسه إلى اتباع الآثار المصطفوية أن يثبت معتدلا من ركوعه ومعتدلا من سجوده ويدعو بالأدعية المأثورة فيهما ويجعل مقدار اللبث كمقدار لبثه في الركوع والسجود فذلك هو السنة التي لا يجهل ورودها إلا جاهل والله المستعان.
سنن الصلاة
"وما عدا ذلك فسنن" لأنه لم يرد فيها ما يفيد وجوبها من أمر بالفعل أو نهي عن الترك غير مصروفين عن المعنى الحقيقي أو وعيد شديد يفيد الوجوب ولا ذكر شيء منها في حديث المسيء إلا على وجه لا تقوم به الحجة أو تقوم به وقد ورد ما يفيد أنه غير واجب. والحاصل: أن مرجع واجبات الصلاة كلها هو حديث المسيء فما ذكره صلى الله وسلم عليه فيه كان واجبا وما لم يذكره فليس بواجب لكن قد تشعبت روايات حديث المسيء وثبت في بعضها ما لم يثبت في البعض الآخر فعلى من أراد تحقيق الحق أن يجمع طرقه الصحيحة ويحكم بوجوب ما اشتملت عليه أو شرطيته أو ركنيته بحسب ما يقتضيه الدليل وما خرج عنه خرج عن ذلك وقد جمع ما صح من طرقه شيخنا الحافظ الرباني العلامة الشوكاني في شرح المنتقى في موضع واحد منه فمن رام ذلك فليرجع إليه١. "وهي الرفع في المواضع الأربعة" أي عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الاعتدال من الركوع هذه الثلاثة المواضع في كل ركعة والموضع الرابع عند القيام إلى الركعة الثالثة فقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة أما عند التكبير فقد روي ذلك عن النبي صلى الله وسلم عليه نحو خمسين رجلا من الصحابة منهم العشرة المبشرة بالجنة ورواه كثير من الأئمة عن جميع الصحابة من غير استثناء وقال الشافعي: روى الرفع جمع من الصحابة لعله لم يرد قط حديث بعدد أكثر منهم وقال ابن المنذر: لم يختلف أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه
стр. 101
وسلم كان يرفع يديه, وقال البخاري في جزء رفع اليدين: روى الرفع تسعة عشر نفسا من الصحابة وسرد البيهقي في السنن وفي الخلافيات أسماء من روى الرفع نحوا من ثلاثين صحابيا وقال الحسن وحميد بن هلال كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يرفعون أيديهم ولم يستثن أحدا منهم كذا في التلخيص وقال النووي في شرح مسلم: إنها أجمعت على ذلك عند تكبيرة الإحرام وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك, وقد ذهب إلى وجوبه داود الظاهري وأبو الحسن أحمد بن سيار والنيسابوري والأوزاعي والحميدي وابن خزيمة١. وأما الرفع عند الركوع وعند الاعتدال منه فقد رواه زيادة على عشرين رجلا من الصحابة عن النبي صلى الله وسلم عليه وقال محمد بن نصر المروزي: إنه أجمع علماء الأمصار على ذلك إلا أهل الكوفة. وأما الرفع عند القيام إلى الركعة الثالثة فهو ثابت في الصحيح من حديث ابن عمر وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه وصححه أيضا أحمد بن حنبل من حديث علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي حجة الله البالغة: فإذا أراد أن يركع رفع يديه حذو منكبيه وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع, ولا يفعل ذلك في السجود وهو من الهيئات التي فعلها النبي صلى الله وسلم عليه مرة وتركها أخرى, والكل سنة وأخذ بكل واحد جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهذا أحد المواضع التي اختلف فيها الفريقان: أهل المدينة وأهل الكوفة ولكل واحد أصل أصيل والحق عندي في مثل ذلك أن الكل سنة ونظيره الوتر بركعة واحدة أو بثلاث والذي يرفع أحب إلي ممن لا يرفع فإن أحاديث الرفع أكثر وأثبت غير أنه لا ينبغي لإنسان في مثل هذه الصور أن يثير على نفسه فتنة عوام بلده وهو قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة" ولا يبعد أن يكون ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ظن أن السنة المتقررة آخرا هو تركه لما تلقن من أن مبنى الصلاة على سكون الأطراف ولم يظهر له أن الرفع فعل تعظيمي ولذلك ابتدئ به في الصلاة أو لما تلقن من أنه فعل ينبئ عن الترك فلا يناسب كونه في أثناء الصلاة ولم يظهر له أن تجديد التنبه لترك ما سوى الله تعالى عند كل فعل أصلي
стр. 102
من الصلاة مطلوب والله تعالى أعلم. قوله لا يفعل ذلك في السجود: أقول القومة شرعت فارقة بين الركوع والسجود فالرفع معها رفع للسجود فلا معنى للتكرار انتهى بحروفه. وفي التكميل للشيخ رفيع الدين الدهلوي ولد صاحب الحجة البالغة اختلفوا في سنية رفع اليدين في الصلاة بعد التحريمة مع اتفاقهم على أنه لم يصح فيه أمر باستحباب ولا بيان فضيلة ولا نهي الصحابة عنه قط وعلى أنه ثبت عنه صلى الله وسلم عليه فعله مدة إلا أنه زاد ابن مسعود فقال: ألا أصلي بكم صلاة رسول صلى الله وسلم عليه؟ فلم يرفع يديه إلا في أول مرة وظاهر أنه لم يرد تركه أبدا وإنما أراد تركه آخرا كما يشعر به بعض ما ينقل عنه أن آخر الأمرين ترك الرفع ولا يدرى مدة الترك فيحتمل أنه تركه في أيام المرض للضعف فظن قوم أن سنيته كانت بمجرد الفعل فبطلت بالترك وقوم أن الترك بعذر وبغير نهي لا ينفي السنية كترك القيام للفرض بالعذر فهي إذا باقية فلا مناقشة للمجتهدين في أصل سنيته في الجملة ولا في بقاء جوازه وإن منعه بعض المتعصبة إذ ليس مما يخالف أفعال الصلاة لبقائه في التحريمة والقنوت والعيدين فلا نكير على فاعله لأحد بل في بقاء سنيته بناء على الظنين فلا نزاع إلا في المواظبة والرجحان وحيث واظب عليه جمع بلغوا حد الاستفاضة فوق الشهرة ولم يتعرض صلى الله وسلم عليه لفعلهم كما تعرض لرفع اليد في السلام حيث قال: "ما بال أيديكم كأنها أذناب خيل شمس" وهو صلى الله وسلم عليه كان يرى خلفه كما يرى أمامه فثبت بقاء سنيته وتركه صلى الله وسلم عليه أحيانا كما رواه ابن مسعود والبراء بن عازب وعدم التعرض لتاركه يقضي بسقوط تأكيده ولم يبلغ أبا حنيفة رح تعالى خبر هذا الجمع إنما روى له الأوزاعي عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فرجح عليه أبو حنيفة حمادا عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود بكثرة الفقه لا بكثرة الحفظ فكأنه ظن أنه تفطن ابن مسعود للنسخ دون ابن عمر حيث لم يرفع إلا في التحريمة بناء على أن السكوت في معرض البيان يفيد الحصر, وما يذكر عن الشافعي من عدم الرفع عند قبره مشعر بعدم التأكيد انتهى. وفي تنوير العينين للشيخ محمد إسماعيل الشهيد الدهلوي حفيد صاحب حجة الله البالغة إن رفع اليدين عند الافتتاح والركوع والقيام منه والقيام إلى الثالثة سنة غير مؤكدة من سنن الهدى فيثاب فاعله بقدر ما فعل إن دائما فبحسبه وإن مرة فبمثله ولا
стр. 103
يلام تاركه وإن تركه مدة عمره, وأما الطاعن العالم بالحديث أي من ثبت عنده الأحاديث المتعلقة بهذه المسالة فلا إخاله إلا فيمن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ونريد بسنة الهدى ههنا فعل غير فرض وغير مختص بالنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فعله هو والخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم أو أمروا به وأقروا عليه قربة ولم ينسخ ولم يترك بالإجماع وبغير المؤكدة ما فعلوه مرة وتركوه أخرى فبقولنا فعل خرج به عدم الرفع فإن العدم ليس بفعل نعم إذا كان العدم مستمرا في زمان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم فقطعه يكون بدعة وليس في مفهوم البدعة إزالة السنة حتى يلزم كون العدم سنة بل مفهومها فعل لم يفهم في زمنهم وبقولنا غير فرض خرجت الفرائض كلها وبقولنا غير مختص خرجت النوافل المختصة به صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كالوصال في الصوم وبقولنا لم ينسخ خرجت السنن المنسوخة كالقيام للجنازة وبقولنا لم يترك بالإجماع خرجت السنن المتروكة به كالرفع بين السجدتين انتهى. وفيما لا بد منه أن رفع اليدين عند الإمام الأعظم ليس بسنة ولكن أكثر الفقهاء والمحدثين يثبتونه انتهى. وفي سفر السعادة إن الأخبار والآثار التي رويت في هذا الباب تبلغ إلى أربعمائة انتهى. قال شارحه الشيخ عبد الحق الدهلوي: إن الرفع وعدم الرفع كلاهما سنة انتهى. وقد مر الجواب عنه وفي سفر السعادة العربي وقد ثبت رفع اليدين في هذه المواضع الثلاثة ولكثرة رواته شابه المتواتر فقد صح في هذا الباب أربعمائة خبر وأثر رواه العشرة المبشرة ولم يزل على هذه الكيفية حتى رحل عن هذا العالم ولم يثبت غير هذا انتهى بعبارته, ونقل ابن الجوزي في نزهة الناظر للمقيم والمسافر عن المزني أنه قال: سمعت الشافعي يقول: لا يحل لأحد سمع حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في رفع اليدين في افتتاح الصلاة وعند الركوع والرفع من الركوع أن يترك الاقتداء بفعله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهذا صريح في أنه يوجب ذلك انتهى. وبالجملة: فقد ثبت رفع اليدين في المواضع الأربعة المذكورة بروايات صحيحة ثابتة وآثار مرضية راجحة ومذاهب حقة صادقة عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعن كبراء الصحابة وعظماء العلماء والفقهاء والمجتهدين بحيث لا يشوبها
стр. 104
نسخ ولا تعارض حتى ادعى بعضهم التواتر ولا أقل من أن تكون مشهورة كذا في التنوير, "والضم" لليدين أي اليمنى على اليسرى حال القيام إما على الصدر أو تحت السرة أو بينهما بأحاديث تقارب العشرين في العدد ولم يعارض هذه السنن معارض ولا قدح أحد من أهل العلم بالحديث في شيء منها وقد رواه عن النبي صلى الله وسلم عليه نحو ثمانية عشر صحابياً حتى قال ابن عبد البر: إنه لم يأت فيه عن النبي صلى الله وسلم عليه خلاف وفي تنوير العينين إن وضع اليد على الأخرى أولى من الإرسال لأن الإرسال لم يثبت عن النبي ﵌ ولا عن أصحابه بل ثبت الوضع بروايات صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعن أصحابه رضي الله تعالى عنهم كما روى مالك في الموطأ والبخاري في صحيحه عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك إلى النبي صلى الله وسلم عليه وروى الترمذي عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله وسلم عليه يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه. قال الترمذي: وفي الباب عن وائل ابن حجر وغطيف بن الحرث وابن عباس وابن مسعود وسهل بن سعد قال أبو عيسى: حديث هلب حديث حسن والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله وسلم عليه والتابعين ومن بعدهم يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة, ورأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة ورأى بعضهم أن يضعهما تحت السرة وكل ذلك واسع عندهم انتهى. كذلك أخرج مسلم عن وائل بن حجر وابن مسعود والنسائي عن وائل بن حجر والبخاري والحاكم عن علي وابن أبي شيبة عن غطيف بن الحرث وقبيصة بن هلب عن أبيه ووائل بن حجر وعلي وأبي بكر الصديق وأبي الدرداء أنه قال: من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في الصلاة, وعن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "كأني أنظر أحبار بني إسرائيل واضعي أيمانهم على شمائلهم في الصلاة" وهكذا أخرج عن أبي مجلز وأبي عثمان النهدي ومجاهد وأبي الحوراء. وأما ما روي من الإرسال عن بعض التابعين من نحو الحسن وإبراهيم وابن المسيب وابن سيرين وسعيد بن جبير كما
стр. 105
أخرجه ابن أبي شيبة فإن بلغ عندهم حديث الوضع فمحمول على أنه لم يحسبوه سنة من سنن الهدى بل حسبوه عادة من العادات فمالوا إلى الإرسال لأصالته مع جواز الوضع فعملوا بالإرسال بناء على الأصل إذ الوضع أمر جديد يحتاج إلى الدليل وإذ لا دليل لهم فاضطروا إلى الإرسال لا أنه ثبت عندهم الإرسال وإلى ذلك يشير قول ابن سيرين حيث سئل عن الرجل يمسك بيمينه شماله قال: إنما فعل ذلك من أجل الروم كما أخرج ابن أبي شيبة. وأما ما أخرج أبو بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن إبراهيم قال: سمعت عمرو بن دينار قال: كان ابن الزبير إذا صلى يرسل يديه فهي رواية شاذة مخالفة لما روى الثقات عنه كما أخرج أبو داود عن زرعة بن عبد الرحمن قال: سمعت ابن الزبير يقول: صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنة, وإن سُلّم كونها صحيحة فهذه فعله والفعل لا عموم له ورواية الوضع عنه مرفوعة لأنه نسبه إلى السنة, وقول الصحابي من السنة في حكم الرفع كما حُقق في كتب أصول الحديث ومع هذا لعله لم ير الوضع من سنن الهدى وفهم الصحابي ليس بحجة كما مضى لا سيما إذا كان مخالفاً لأجله الصحابة كأميري المؤمنين أبي بكر الصديق وعلي المرتضى وابن عباس وابن مسعود وسهل بن سعد ونحوهم على أنها مخالفة للأحاديث المرفوعة المشهورة, وأعمال الصحابة المستفيضة في باب الوضع فينبغي أن لا يعول على الاعتبار ولا يلتفت إليها. وأما مالك بن أنس فقد اضطربت الروايات عنه فالمدنيون من أصحابه رووا عنه أمر الوضع مطلقاً سواء كان في الفرض أو النفل كما يشهد به حديث الموطأ عن سهل بن سعد وأثره عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري, والمصريون من أصحابه رووا عنه الإرسال في الفرض والوضع في النفل وعبد الرحمن بن القاسم روى عنه الإرسال مطلقاً وروى أشهب عنه إباحة الوضع وتلك الروايات أي روايات المصريين وابن القاسم عنه وإن عمل بها المتأخرون من المالكلية لكنها روايات شاذة مخالفة لرواية جمهور أصحابه فلا تخرق الإجماع والاتفاق ولا تصادم ما ادعينا من الإطباق ولكونها شاذة أولها ابن الحاجب في مختصره في الفقه بالاعتماد على الأرض إذا رفع رأسه من السجدة ونهض إلى القيام ووضع اليدين تحت السرة وفوقها متساويان لأن كلا منهما مروي عن أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أخرج أبو
стр. 106
داود وأحمد وابن أبي شيبة عن علي: "السنة وضع الكف في الصلاة تحت السرة" رواه رزين وغيره وفي سفر السعادة وضع الكف تحت الصدر في صحيح ابن خزيمة. قال الترمذي: رأى بضعهم أن يضعهما فوق السرة ورأى بعضهم أن يضعهما تحت السرة وكل ذلك واسع عندهم كما ذكرنا سابقا وقال الشيخ ابن الهمام: ولم يثبت حديث صحيح يوجب العمل في كون الوضع تحت الصدر وفي كونه تحت السرة والمعهود من الحنفية هو كونه تحت السرة وعن الشافعية تحت الصدر وعند أحمد قولان كالمذهبين والتحقيق المساواة بينهما كما ذكرنا سابقا والله تعالى أعلم بأحكامه انتهى. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين بعد تخريج الأخبار والآثار في وضع اليمنى على اليسرى: رُدّت هذه الآثار برواية ابن القاسم عن مالك قال: تركه أحب إليّ ولا أعلم شيئاً ردت به سواه انتهى. وفي حاشية الشفاء ومن الغرائب أنها صارت في هذه الديار وفي هذه الأعصار عند العامة ومن يشابههم ممن يظن أنه قد ارتفع عن طبقتهم من أعظم المنكرات حتى إن المتمسك بها يصير في اعتقاد كثير في عداد الخارجين عن الدين فترى الأخ يعادي أخاه والوالد يفارق ولده إذا رآه يفعل واحدة منها أي من هذه السنن وكأنه صار متمسكاً بدين آخر ومنتقلاً إلى شريعة غير الشريعة التي كان عليها, ولو رآه يزني أو يشرب الخمر أو يقتل النفس أو يعق أحد أبويه أو يشهد الزور أو يحلف الفجور لم يجر بينه وبينه من العداوة ما يجري بينه وبينه بسبب التمسك بهذه السنن أو ببعضها, لا جرم هذه علامات آخر الزمان ودلائل حضور القيامة وقرب الساعة انتهى. والإشارة بقوله بهذه السنن إلى رفع اليدين في المواضع الأربعة وضم اليدين في الصلاة قال: وأعجب من فعل العامة الجهلة وأغرب سكوت علماء الدين وأئمة المسلمين عن الإنكار على من جعل المعروف منكراً والمنكر معروفاً وتلاعب بالدين وبسنة سيد المرسلين انتهى. "والتوجه" فقد وردت فيه أحاديث بألفاظ مختلفة ويجزئ التوجه بواحد منها إذا خرج من مخرج صحيح وأصحها الاستفتاح المروي من حديث أبي هريرة وهو في الصحيحين وغيرهما بل قد قيل إنه تواتر لفظاً وهو: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد". قال في الحجة:
стр. 107
وقد صح في ذلك صيغ منها: "اللهم باعد بيني" إلى آخره ومنها: "إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"١. ومنها: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك". ومنها: "الله أكبر كبيرا ثلاثا الحمد لله كثيراً ثلاثاً وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثاً" والأصل في الاستفتاح حديث علي في الجملة وأبي هريرة وعائشة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم وحديث عائشة وابن مسعود وأبي هريرة وثوبان وكعب بن عجرة في سائر المواضع وغير هؤلاء انتهى ملخصاً. قلت: ذهب الشافعي في دعاء الافتتاح إلى حديث علي رضي الله تعالى عنه: "إني وجهت وجهي" الخ وأبو حنيفة إلى حديث عائشة "سبحانك اللهم وبحمدك" الخ وقال مالك: لا نقول شيئا من ذلك. ومعنى قوله عندي أنه ليس بسنة لازمة, وأشار البغوي إلى أن الاختلاف في أذكار الصلاة من دعاء الافتتاح وذكر الركوع والسجود وما بعد التشهد بين الأئمة من الاختلاف المباح فذكر كل أصح ما عنده وليس أحد ينكر ما عند الآخر. بعد التكبيرة لأنه لم يأت في ذلك خلاف النبي ﷺ بل كل من روى عنه الاستفتاح روى أنه بعد التكبيرة ولم يأت في شيء أنه توجه قبلها وقد أوضح ذلك العلامة الشوكاني في حاشية الشفاء. وأما ما يتوجه به فهو الذي قد ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وفيه الصحيح والأصح والوقوف على ذلك ممكن بالنظر في مختصر من مختصرات الحديث وسبحان الله وبحمده ما فعلت هذه المذاهب بأهلها. وأما "التعوذ" فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ يفعله بعد الاستفتاح قبل القراءة ولفظه: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" كما أخرجه أحمد وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري قال في الحجة: ثم يتعوذ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وفي التعوذ صيغ منها: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ومنها: "أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم" ثم يبسمل سرا لما شرع الله تعالى لنا من تقديم التبرك باسم الله تعالى على القراءة ولأن
стр. 108
فيه احتياطاً إذ قد اختلفت الرواية هل هي آية من الفاتحة أم لا فقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يفتتح الصلاة أي القراءة بالحمد لله رب العالمين ولا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم انتهى.
أقول: قد وقع الخلاف في البسملة من جهات: الأولى في كونها قرآنا في كل سورة أم لا الثانية في قراءتها في الصلاة أو سرا في السرية وجهراً في الجهرية ولأهل العلم في كل طرف من هذه الأطراف خلاف طويل ومنازعات كثيرة والقراء منهم من يقرؤها في أول كل سورة ومنهم من لا يقرؤها وقد أورد شيخنا العلامة الشوكاني في شرح المنتقى ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. والحاصل: أن الحق ثبوت قراءتها وأنها آية من كل سورة وأنها تُقرأ في الصلاة جهراً في الجهرية وسرا في السرية في السرية وأحاديث عدم سماع جهره ﷺ بها وإن كانت صحيحة فالجمع بينها وبين أحاديث الجهر ممكن بأن يُحمل نفي من نفى على أنه عرض له مانع عن سماعها فإن وقت قراءة الإمام لها وقت اشتغال المؤتم بالدخول في الصلاة والإحرام والتوجه وتكبير القائمين إلى الصلاة ورواة الإسرار هم مثل أنس وعبد الله بن مغفل وهم إذ ذاك من صغار الصحابة قد لا يقفون في الصفوف المتقدمة لأنها موقف كبار الصحابة كما ورد الدليل بذلك وعلى كل تقدير فالمثبت مقدم على النافي, وأحاديث الجهر وإن كانت غير سليمة من المقال فهي قد بلغت في الكثرة إلى حد يشهد بعضها لبعض مع كونها معتضدة بالرسم في المصاحف وهو دليل علمي كما قاله العضد وغيره فقد وافقت سائر الآيات القرآنية في ذلك فالظاهر مع من قال بأن صفتها وصفة سائر الآيات متفقة. وأما ما في تنوير العينين من أن ترك الجهر بالتسمية أولى من الجهر بها لأن رواية ترك جهره أكثر وأوضح من جهره انتهى فقد دفعه ما تقدم آنفا. وأما التأمين فقد ورد به نحو سبعة عشر حديثاً وربما تفيد أحاديثه الوجوب على المؤتم إذا أمّن إمامه كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "إذا أمّن الإمام فأمنوا" فيكون ما في المتن مقيدا بغير المؤتم إذا أمّن إمامه وقد ذهب إلى مشروعيته جمهور أهل العلم ومما يؤكد مشروعيته أن فيه إغاظة لليهود لما أخرجه أحمد وابن ماجه والطبراني من حديث عائشة مرفوعاً: "ما حسدتكم اليهود على شي ما حسدتكم على قول آمين". قال ابن القيم في إعلام الموقعين: السنة المحكمة الصحيحة الجهر بآمين
стр. 109
في الصلاة كقوله في الصحيحين: "إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه أمين الملائكة غفر له" ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في بالتأمين وأصرح من هذا حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن حجر ابن عنبس عن وائل بن حجر قال: كان رسول الله صلى الله وسلم عليه إذا قال ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته, وفي لفظ: "وطول بها" رواه الترمذي وغيره وإسناده صحيح, وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث فقال: "وخفض بها صوته" وحكم أئمة الحديث وحفاظه في هذا لسفيان فقال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل في هذا الباب أصح من حديث شعبة وأخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع فقال عن حجر أبي العنبس وإنما كنيته أبو السكن وزاد فيه عن علقمة بن وائل وإنما هو حجر بن عنبس عن وائل بن حجر ليس فيه علقمة وقال: "وخفض بها صوته" والصحيح أنه جهر بها. قال الترمذي: سألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة إذا اختلفا فقال: القول قول سفيان إلى قوله: فرُد هذا كله بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ والذي نزلت عليه هذه الآية هو الذي رفع صوته بالتأمين والذين أمروا بها رفعوا به أصواتهم ولا معارضة بين هذه الآية والسنة بوجه ما اهـ, ثم أطال ابن القيم في بيان أدلة ترجيح هذه السنة وتقريرها تركنا ذكرها مخافة الإطالة وفي تنوير العينين يظهر بعد التعمق في الروايات والتحقيق أن الجهر بالتأمين أولى من خفضه لأن رواية جهره أكثر وأوضح من خفضه اهـ.
وقراءة غير الفاتحة معها لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وورد ما يُشعر بوجوب قرآن مع الفاتحة من غير تعيين كحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله وسلم عليه أمره أن يخرج فينادي: لاصلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد أخرجه أحمد وأبو داود وفي إسناده مقال ولكنه قد أخرج مسلم في صحيحه وغيره من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً" وقد أعلها البخاري في جزء القراءة, وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد بلفظ:
стр. 110
أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. قال ابن سيد الناس: وإسناده صحيح ورجاله ثقات, وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح. وأخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة" وهو حديث ضعيف, وهذه الأحاديث لا تقصر عن إفادة إيجاب قرآن مع الفاتحة من غير تقييد بل مجرد الآية الواحدة يكفي, وأما زيادة على ذلك كقراءة سورة مع الفاتحة في كل ركعة من الأوليين فليس بواجب فيكون ما في المتن مقيداً بما فوق الآية. قال في الحجة البالغة: ثم يرتل سورة الفاتحة وسورة من القرآن ترتيلا يمد الحروف ويقف على رؤوس الآي يخافت في الظهر والعصر ويجهر الإمام في الفجر والمغرب والعشاء ويقرأ في الفجر ستين آية إلى مائة تداركاً لقلة ركعاته بطول قراءته وفي العشاء: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ . ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ومثلهما وحُمل الظهر على الفجر والعصر على العشاء وفي بعض الروايات الظهر على العشاء والعصر على المغرب وفي بعضها وفي المغرب بقصار المفصل لصيق الوقت انتهى. وأما التشهد الأوسط فلم يرد فيه ألفاظ تخصه بل يقول فيه ما يقول في التشهد الأخير ولكنه يسرع بذلك وفي حاشية الشفاء للشوكاني رح: وأما ما يقال فيه فهو ما يقال في التشهد الأخير سواء بسواء إلا ما ورد تخصيصه بالآخر فيختص به وظاهر الأدلة الواردة في التشهد شامل للتشهدين جميعاً إلا أنه ينبغي تخفيفه كما ورد الدليل بذلك وأقل ما يقال فيه تشهد ابن مسعود ويُضم إليه الصلاة على النبي وآله صلى الله وسلم عليه بأخصر لفظ فهذا لا ينافي التخفيف المشروع انتهى. وقد روى أحمد والنسائي من حديث ابن مسعود قال: إن محمداً قال إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع به ربه , ورجاله ثقات وأخرجه الترمذي بلفظ: علمنا رسول الله صلى الله وسلم عليه إذا قعدنا في الركعتين, فالتقييد بالقعود في كل ركعتين يفيد أن هذا التشهد هو التشهد الأوسط ولكن ليس فيه ما ينفي زيادة الصلاة على النبي صلى الله وسلم عليه وقد شرعها رسول الله صلى الله وسلم عليه في التشهد مقترنة بالسلام على النبي صلى الله وسلم عليه كما ورد بلفظ: قد علمنا كيف السلام عليك فكيف