الحنفية إن كان ذلك أول مرة سها يستقبل الصلاة وإن كان يعرض له كثيرا بنى على أكبر رأيه لحديث ابن مسعود: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب" وقال أحمد: يطرح الشك إما بأخذ الأقل وإما بالتحري فإن اختار الأول سجد قبل السلام وإن اختار الثاني سجد بعده انتهى. وإذا سجد الإمام تابعه المؤتم لأن ذلك من تمام الصلاة ولأنه كان يسجد الصحابة إذا سجد النبي صلى الله وسلم عليه وقد ورد الأمر بمتابعة الإمام كما سبق.
стр. 142
باب القضاء للفوائت
"إن كان الترك عمدا لا لعذر فدين الله تعالى أحق أن يقضى" وقد اختلف أهل العلم في قضاء الفوائت المتروكة لا لعذر فذهب الجمهور إلى وجوب القضاء, وذهب داود الظاهري وابن حزم وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه لاقضاء على العامد غير المعذور بل قد باء بإثم ما تركه من الصلاة, وإليه ذهب شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ولم يأت الجمهور بدليل يدل على ذلك ولم أجد أنا دليلا لهم من كتاب ولا سنة إلا ما ورد في حديث الخثعمية حيث قال لها النبي ﵌: "فدين الله أحق أن يقضى" وهو حديث صحيح وفيه من العموم الذي يفيده المصدر المضاف ما يشمل هذا الباب فهذا الدليل ليس بأيدي الموجبين سواه١, وقد اختلف أهل الأصول هل القضاء يكفي فيه دليل وجوب المقضى أم لا بد من دليل جديد يدل على وجوب القضاء والحق أنه لا بد من دليل جديد لأن إيجاب القضاء هو تكليف مستقل غير تكليف الأداء ومحل الخلاف هو الصلاة المتروكة لغيرعذر عمدا, وأقول: حكمه ما في الأحاديث الصحيحة "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويحجوا البيت ويصوموا رمضان فمن فعل ذلك فقد عصم دمه وماله إلا بحقه" , ومن لم يفعل فلا عصمة لدمه وماله بل نحن مأمورون بقتاله كما أمر رسول الله صلى الله وسلم عليه والمقاتلة تستلزم القتل ثم التوبة مقبولة فتارك الصلاة إن تاب وأناب وجب علينا أن نخلي سبيله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ
стр. 143
وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فمن علمنا أنه ترك صلاة من الصلوات الخمس وجب علينا أن نؤذنه بالتوبة فإن فعل فذاك وإن لم يفعل قتلناه حكم الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً﴾ , وأما إطلاق اسم الكفر عليه فقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة وتأويلها لم يوجبه الله علينا ولا أذن لنا فيه ومن غرائب بعض الفقهاء التردد في إطلاق اسم الفسق عليه معللا ذلك بأن التفسيق لا يجوز إلا بدليل قطعي مع أنه يرمي بالكفر من خالفه في أدنى معتقداته التي لم يأذن الله لنا باعتقادها فضلا عن التكفير بها والله المستعان. وأما كيفية القضاء فأقول: لا شك أن تقديم المقضية على المؤداة وتقديم الأولى من المقضيات على الأخرى هو الأولى والأحب ولو لم يرد في ذلك إلا فعله صلى الله وسلم عليه في يوم الخندق لكان فيه كفاية وإنما الشأن في كون ذلك متحتما لا يجوز غيره, وإن كان أي الترك لعذر من نوم أو سهو أو نسيان أو اشتغال بملاحمة القتال مع عدم إمكان صلاة الخوف والمسايفة فليس بقضاء بل تجب تأدية تلك الصلاة المتروكة عند زوال العذر وذلك وقتها وفعلها فيه أداء كما يفيد ذلك أحاديث: "من نام عن صلاة أو سها عنها فوقتها حين يذكرها" وقد تقدمت في أول كتاب الصلاة وفي ذلك خلاف والحق أن ذلك هو وقت الأداء لا وقت القضاء للتصريح منه صلى الله وسلم عليه أن وقت الصلاة المنسية أو التي نام عنها المصلي وقت الذكر, وأما المتروكة لغير نوم وسهو كمن يترك الصلاة لاشتغاله بالقتال كما سبق فقد شغل النبي صلى الله وسلم عليه وأصحابه يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر وما صلوهما إلا بعد هوي١ من الليل كما أخرجه أحمد والنسائي من حديث أبي سعيد وهو في الصحيحين من حديث جابر وليس فيه ذكر الظهر بل العصر فقط ولذلك قال الماتن: بل أداء في وقت زوال العذر إلا صلاة العيد المتروكة العذر وهو عدم العلم بأن ذلك اليوم يوم عيد. "ففي ثانيه" أي تفعل في اليوم الثاني ولا تفعل في يوم العيد بعد خروج الوقت إذا حصل العلم بأن ذلك اليوم يوم عيد لحديث عمير بن أنس عن عمومة له: أنه غم عليهم الهلال فأصبحوا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول
стр. 144
الله ﵌ أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم والخطابي وابن حجر في بلوغ المرام. أقول: وأما الكافر إذا أسلم فلا يجب عليه القضاء على كل حال لأن القائل بأنه غير مخاطب بالشرعيات ينفي عنه الوجوب حال الكفر والقائل أنه مخاطب يجعل الخطاب باعتبار الثواب والعقاب لا باعتبار وجوب الأداء أو القضاء, فالإسلام يجب ما قبله بلا خلاف والظاهر أن المرتد حكمه حكم غيره من الكفار في عدم وجوب القضاء لأن الدليل يصدق عليه كما يصدق على غيره من الكفار.
стр. 145
باب صلاة الجمعة
"تجب على كل مُكلَّف" لأن الجمعة فريضة من فرائض الله تعالى وقد صرح بذلك كتاب الله وما صح من السنة المطهرة كحديث أنه صلى الله وسلم عليه هم بإحراق من يتخلف عنها وهو في الصحيح من حديث ابن مسعود وكحديث أبي هريرة: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" أخرجه مسلم وغيره, ومن ذلك حديث حفصة مرفوعا: "رواح الجمعة واجب على كل محتلم" أخرجه النسائي بإسناد صحيح وحديث طارق بن شهاب: "الجمعة حق واجب على كل مسلم" أخرجه أبو داود وسيأتي, وقد واظب عليها النبي صلى الله وسلم عليه من الوقت الذي شرعها الله تعالى فيه إلى أن قبضه الله , وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين, وقال ابن العربي: الجمعة فرض بإجماع الأم, ة وقال ابن قدامة في المغني: أجمع المسلمون على وجوب الجمعة وإنما الخلاف هل هي من فروض الأعيان أو من فروض الكفايات؟ ومن نازع في فرضية الجمعة فقد أخطأ ولم يصب. قال في المسوى: اتفقت الأمة على فرضية الجمعة وأكثرهم على أنها من فروض الأعيان واتفقوا على أنه لا جمعة في العوالي وأنه يشترط لها الجماعة وأن الوالي إن حضر فهو الإمام, ثم اختلفوا في الوالي وشرط الموضع والجماعة قال الشافعي: كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلا أحرارا مقيمين تجب عليهم الجمعة ولا تنعقد إلا بأربعين رجلا كذلك والوالي
стр. 146
ليس بشرط, وقال أبو حنيفة: لا جمعة إلا في مصر جامع أو في فنائه وتنعقد بأربعة والوالي شرط, وقال مالك: إذا كان جماعة في قرية بيوتها متصلة وفيها سوق ومسجد يجمع فيه وجبت عليهم الجمعة وفي مختصر ابن الحاجب لا تجزيء الأربعة ونحوها ولا بد من قوم تتقرى بهم القرية ولا يشترط السلطان على الأصح. قال في العالمكيرية: القروي إذا دخل المصر ونوى أن يخرج في يومه ذلك قبل دخول الوقت أو بعد دخوله لا جمعة عليه انتهى. إلا المرأة والعبد والمسافر والمريض لحديث: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض" أخرجه أبو داود من حديث طارق بن شهاب عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد أخرجه الحاكم من حديث طارق عن أبي موسى قال الحافظ: وصححه غير واحد, وفي حديث أبي هريرة وحديث جابر ذكر المسافر وفي الحديثين مقال معروف والغالب أن المسافر لا يسمع النداء وقد ورد أن الجمعة على من سمع النداء كما في حديث ابن عمر وعند أبي داود قال في المسوى: واتفقوا على أنه لا جمعة على مريض ولا مسافر ولا امرأة ولا عبد وأنه إن صلاها منهم أحد سقط الفرض وعلى أنه إن أم مريض أو مسافر جاز, وفي المنهاج وتصح خلف العبد والصبي والمسافر في الأظهر إذا تم العدد بغيره وفيه أيضا ولا جمعة على معذور مرخص في ترك الجماعة وفي العالمكيرية المطر الشديد والاختفاء من السلطان الظالم مسقط. قال في المنح: وكان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يرخص في تركها وقت المطر ولو لم يبتل أسفل النعلين وكان يرخص في السفر يوم الجمعة لا سيما للجهاد انتهى.
وهي كسائر الصلوات لا تخالفها لكونه لم يأت ما يدل على أنها تخالفها في غير ذلك وفي هذا الكلام إشارة إلى رد ما قيل إنه يشترط في وجوبها الإمام الأعظم والمصر الجامع والعدد المخصوص فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد استحبابها فضلا عن وجوبها فضلا عن كونها شروطا بل إذا صلى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعة فقد فعلا ما يجب عليهما فإن خطب أحدهما فقد عملا بالسنة وإن تركا الخطبة فهي سنة فقط, ولولا حديث طارق بن شهاب المذكور قريبا من تقييد الوجوب على كل مسلم بكونه في جماعة ومن عدم إقامتها صلى الله وسلم عليه في زمنه في غير جماعة لكان فعلها فرادى مجزئا كغيرها من الصلوات وأما ما يروى من أربعة
стр. 147
إلى الولاة فهذا قد صرح أئمة الشأن بأنه ليس من كلام النبوة ولا من كلام من كان في عصرها من الصحابة حتى يحتاج إلى بيان معناه أو تأويله, وإنما هو من كلام الحسن البصري ومن تأمل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله تعالى عليهم في الأسبوع وجعلها شعارا من شعائر الإسلام وهي صلاة الجمعة من الأقوال الساقطة والمذاهب الزائغة والاجتهادات الداحضة١ قضى من ذلك العجب فقائل يقول: الخطبة كركعتين وإن من فاتته لم تصح جمعته وكأنه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من طرق متعددة يقوي بعضها بعضا ويشد بعضها من عضد بعض أن: من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته. ولا بلغه غير هذا الحديث من الأدلة, وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلا بثلاثة مع الإمام, وقائل يقول: بأربعة. وقائل يقول: بسبعة, وقائل يقول: بتسعة, وقائل يقول: باثني عشر, وقائل يقول: بعشرين. وقائل يقول: بثلاثين. وقائل يقول: لا تنعقد إلا بأربعين. وقائل يقول: بخمسين. وقائل يقول: لا تنعقد إلا بسبعين. وقائل يقول: فيما بين ذلك. وقائل يقول: بجمع كثير من غير تقييد. وقائل يقول: إن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع وحدّه بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف, وآخر قال: أن يكون فيه جامع وحمام وآخر قال: أن يكون فيه كذا وكذا, وآخر قال: إنها لا تجب إلا مع الإمام الأعظم فإن لم يوجد أو كان مختل العدالة بوجه من الوجوه لم تجب الجمعة ولم تشرع ونحو هذه الأقوال التي ليس عليها أثارة من علم ولا يوجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله صلى الله وسلم عليه حرف واحد يدل على ما ادعوه من كون هذه الأمور المذكورة شروطا لصحة الجمعة أو فرضا من فرائضها أو ركنا من أركانها فيالله العجب ما يفعل الرأي بأهله ومن يخرج من رؤوسهم من الخزعبلات الشبيهة بما يتحدث الناس به في مجامعهم وما يخبرونه في أسمارهم من القصص والأحاديث الملفقة وهي عن الشريعة المطهرة بمعزل يعرف هذا كل عارف بالكتاب والسنة وكل متصف بصفة الإنصاف, وكل من ثبت قدمه ولم يتزلزل عن طريق الحق بالقيل والقال, ومن جاء بالغلط فغلطه رد عليه مضروب به في وجهه, والحكم بين العباد هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله
стр. 148
صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ فهذه الآيات ونحوها تدل أبلغ دلالة وتفيد أعظم فائدة أن المرجع مع الاختلاف إلى حكم الله ورسوله وحكم الله هو كتابه وحكم رسوله بعد أن قبضه الله تعالى هو سنته ليس غير ذلك ولم يجعل الله تعالى لأحد من العباد وإن بلغ في العلم أعلى مبلغ وجمع منه ما لا يجمع غيره أن يقول في هذه الشريعة بشيء لا دليل عليه من كتاب ولا سنة, والمجتهد وإن جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنا من كان, وإني كما علم الله لا أزال أكثر التعجب من وقوع مثل هذا للمصنفين تصديره في كتب الهداية وأمر العوام والمقصرين باعتقاده والعمل به وهو على شفا جرف هار ولم يختص هذا بمذهب من المذاهب ولا بقطر من الأقطار ولا بعصر من العصور بل تبع فيه الآخر الأول كأنه أخذه من أم الكتاب وهو حديث خرافة وقد كثرت التعيينات في هذه العبادة كما سبقت الإشارة إليها بلا برهان ولا قرآن ولا شرع ولا عقل, والبحث في هذا يطول جدا١. قال الماتن رح: وقد جمعت فيه مصنفين مطولا ومختصراً ولله الحمد.
إلا في مشروعية الخطبتين قبلها لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سنّ في الجمعة خطبتين يجلس بينهما وما صلى بأصحابه جمعة من الجمع إلا وخطب فيها إنما دعوى الوجوب إن كانت بمجرد فعله المستمر فهذا لا يناسب ما تقرر في الأصول ولا يوافق تصرفات الفحول وسائر أهل المذهب المنقول, وأما الأمر بالسعي إلى ذكر الله فغايته أن السعي واجب وإذا كان هذا الأمر مجملا فبيانه واجب فما كان متضمنا لبيان نفس السعي إلى الذكر يكون واجبا
стр. 149
فأين وجوب الخطبة١ فإن قيل إنه لما وجب السعي إليها كانت واجبة بالأولى فيقال ليس السعي لمجرد الخطبة بل إليها وإلى الصلاة ومعظم ما وجب السعي لأجله هو الصلاة فلا تتم هذه الأولوية وهذا النزاع في نفس الوجوب, وأما في كون الخطبة شرطا للصلاة فعدم وجود دليل يدل عليه لا يخفى على عارف فإن شأن الشرطية أن يؤثر عدمها في عدم المشروط فهل من دليل يدل على أن عدم الخطبة يؤثر في عدم الصلاة, ثم اعلم أن الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من ترغيب الناس وترهيبهم فهذا في الحقيقة روح الخطبة الذي لأجله شرعت, وأما اشتراط الحمد لله أو الصلاة على رسول الله أو قراءة شيء من القرآن فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة واتفاق مثل ذلك في خطبته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لا يدل على أنه مقصود متحتم وشرط لازم ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد والصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم, وقد كان عرف العرب المستمر أن أحدهم إذا أراد أن يقوم مقاماً ويقول مقالا شرع بالثناء على الله وعلى رسوله وما أحسن هذا وأولاه, ولكن ليس هو المقصود بل المقصود ما بعده ولو قال قائل إن من قام في محفل من المحافل خطيباً ليس له باعث على ذلك إلا أن يصدر منه الحمد والصلاة لما كان هذا مقبولاً بل كل طبع سليم يمجه ويرده, إذا تقرر هذا عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث فإذا فعله الخطيب فقد فعل الأمر المشروع إلا أنه إذا قدم الثناء على الله وعلى رسوله أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتم وأحسن.
"ووقتها وقت الظهر" لكونها بدلا عنه, وقد ورد ما يدل على أنها تجزيء قبل الزوال كما في حديث أنس أنه كان صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي الجمعة ثم يرجعون
стр. 150
إلى القائلة يقيلون, وهو في الصحيح ومثله من حديث سهل بن سعد في الصحيحين وثبت في الصحيح من حديث جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يصلي الجمعة ثم يذهبون إلى جمالهم فيريحونها حين تزول الشمس, وهذا فيه التصريح بأنهم صلوها قبل زوال الشمس, وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل وهو الحق. وذهب الجمهور إلى أن أول وقتها أول وقت الظهر. "وعلى من حضرها أن لا يتخطى رقاب الناس" إلا إذا كان إماماً أو كان بين يديه فرجة لا يصلها إلا بتخط كما نقله المحلي عن الروضة, لحديث عبد الله ابن بسر قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس فقد آذيت" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وغيره, ولحديث أرقم بن أبي أرقم المخزومي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "الذي يتخطى الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجارّ قُصبه١ في النار". أخرجه أحمد والطبراني في الكبير وفي إسناده مقال٢, وفي الباب أحاديث منها عن معاذ بن أنس عند الترمذي وابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ : "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم" قا ل الترمذي: حديث غريب والعمل عليه عند أهل العلم. وفي تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين: ومنها تخطي رقاب الناس يوم الجمعة كذا عده الشيخ شمس الدين بن القيم من الكبائر, وقد صرح النووي وغيره بأنه حرام انتهى. قلت: وفي الباب عن عثمان وأنس أيضا. وأن ينصت حال الخطبتين لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت" وهو في الصحيحين وغيرهما وأخرج أحمد وأبو داود من حديث علي قال: "من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان عليه كفل٣ من الوزر, ومن قال صه فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له", ثم قال: هكذا سمعت نبيكم ﷺ , وفي إسناده مجهول, وفي
стр. 151
الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة. أقول: وحاصل ما يستفاد من الأدلة أن الكلام منهي عنه حال الخطبة نهيا عاما وقد خصص هذا النهي بما يقع من الكلام في صلاة التحية من قراءة وتسبيح وتشهد ودعاء والأحاديث المخصصة لمثل ما ذكر صحيحة١ فلا محيص لمن دخل المسجد حال الخطبة من صلاة ركعتي التحية إن أراد القيام بهذه السنة المؤكدة والوفاء بما دلت عليه الأدلة فإنه ﷺ أمر سُليكا الغطفاني لما وصل إلى المسجد حال الخطبة فقعد ولم يصل التحية بأن يقوم فيصلي فدل هذا على كون ذلك من المشروعات المؤكدة بل من الواجبات كما قرره شيخنا العلامة الشوكاني في رسالة مستقلة وبينت أنا في دليل الطالب إلى أرجح المطالب وجوب صلاة التحية ومن جملة مخصصات صلاة التحية حديث: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين" وهو حديث صحيح متضمن للنص في محل النزاع, وأما ما عدا صلاة التحية من الأذكار والأدعية والمتابعة للخطيب في الصلاة على النبي ﷺ فلم يأت ما يدل على تخصيصها من ذلك العموم والمتابعة في الصلاة عليه ﷺ وأن وردت بها أدلة قاضية بمشروعيتها فهي أعم من أحاديث منع الكلام حال الخطبة من وجه وأخص منها من وجه فيتعارض العمومان وينظر في الراجح منهما, وهذا إذا كان اللغو المذكور في حديث: "ومن لغا فلا جمعة له" يشمل جميع أنواع الكلام, وأما إذا كان مختصا بنوع منه وهو ما لا فائدة فيه فليس فيه ما يدل على منع الذكر والدعاء والمتابعة في الصلاة عليه ﷺ , وأما حديث: "إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام" فقد أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عمر وفي سنده ضعف كما قاله صاحب مجمع الزوائد فلا تقوم به الحجة, ولكنه قد روي ما يقويه فأخرج أبو يعلى والبزار عن جابر قال: قال سعد بن أبي وقاص لرجل لا جمعة لك فقال النبي ﷺ : "لم يا سعد"؟ فقال: لأنه تكلم وأنت تخطب فقال النبي ﷺ : "صدق سعد" وفي إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف عند الجمهور, وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وقد ذكر العلامة الشوكاني في شرح المنتقى أحاديث تفيد معنى هذا الحديث فليراجع, ويقويها ما يقال إن المراد باللغو المذكور في الحديث التلفظ وإن
стр. 152
كان أصله ما لا فائدة فيه بقرينة أن قول من قال لصاحبه أنصت لا يعد من اللغو لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد سماه النبي ﷺ لغوا ويمكن أن يقال إن ذلك الذي قال: أنصت لم يؤمر في ذلك الوقت بأن يقول هذه المقالة فكان كلامه لغوا حقيقة من هذه الحيثية, ونُدب له التبكير لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن١ ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر". وفي الباب أحاديث في مشروعية التبكير. قال في المسوى شرح الموطأ: الأصح أن هذه الساعات ساعات لطيفة بعد الزوال لا الساعات التي يدور عليها حساب الليل والنهار انتهى. والتطيب والتجمل لحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله وسلم عليه قال: "على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه وإن كان له طيب مس منه" أخرجه أحمد وأبو داود وهو في الصحيحين بلفظ: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستن وأن يمس طيبا إن وجد" وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما من حديث سلمان الفارسي قال: قال النبي صلى تعالى عليه وآله وسلم: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدّهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى" وأخرج أحمد وغيره من حديث أبي أيوب قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كان كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى" ورجال إسناده ثقات, وفي الباب أحاديث. "والدنو من الإمام" لحديث سمرة عند أحمد وأبي داود أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال:
стр. 153
"احضروا الذكر وادنوا من الإمام فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها". وفي إسناده انقطاع, وفي الباب أحاديث ومن جملة ما يشرع يوم الجمعة الغسل وقد تقدم الكلام عليه في باب الغسل. ومن أدرك ركعة منها فقد أدركها لحديث: "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته" فهذا وإن كان فيه مقال غايته الإعلال بالإرسال فقد ثبت رفعه من طريق جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة, فإنه روي عنه من ثلاثة عشر طريقا ومن ثلاث طرق عن ابن عمر وبعضها يؤيد بعضا فهي لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره, وقد أخرجه الحاكم من ثلاث طرق عن أبي هريرة وقال فيها على شرط الشخين١ فالعجب من أن يُؤْثر على هذا كله قول عمر بن الخطاب ويدعم بتلك العصا التي لا يأخذها إلا الزمن أو من ضاقت عليه المسالك فيقال: ولم يرد خلافه عن أحد من الصحابة والحال أن أول المخالفين له رسول الله صلى الله وسلم عليه بعموم قوله وخصوصه. والحاصل: أن الحديث له طرق كثيرة يصير بها حسنا لغيره وقد قدمنا أنها كسائر الصلوات وليست الخطبة شرطا من شروط الجمعة حتى يتوقف إدراك الصلاة على إدراك الخطبة فمن زعم أن صلاة الجمعة تختص بحكم يخالف سائر الصلوات فعليه الدليل, وقد أوضح الماتن المقال في أبحاث مطولة وقعت مع بعض الأعلام مشتملة على ما يحتاج إليه في هذا البحث فليرجع إلى ذلك فهو مفيد جدا. وهي في يوم العيد رخصة لحديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ صلى العيد في يوم الجمعة ثم رخص في الجمعة فقال من شاء أن يجمع فليجمع, أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والحاكم وصححه علي بن المديني٢, وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه
стр. 154
من الجمعة وإنا مجمعون"١ وقد أعل بالإرسال وفي إسناده أيضا بقية بن الوليد, وفي الباب أحاديث عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما وظاهر أحاديث الترخيص يشمل من صلى العيد ومن لم يصل بل روى النسائي وأبو داود أن ابن الزبير في أيام خلافته لم يصل بالناس الجمعة بعد صلاة العيد فقال ابن عباس لما بلغه ذلك أصاب السنة وفي إسناده مقال. أقول: الظاهر أن الرخصة عامة للإمام وسائر الناس كما يدل على ذلك ما ورد من الأدلة, وأما قوله ﷺ : "ونحن مجمعون" فغاية ما فيه أنه أخبرهم بأنه سيأخذ بالعزيمة وأخذه بها لا يدل على أن لا رخصة في حقه وحق من تقوم بهم الجمعة وقد تركها ابن الزبير في أيام خلافته كما تقدم ولم ينكر عليه الصحابة ذلك.
стр. 155
باب صلاة العيدين
قد اختلف أهل العلم هل صلاة العيد واجبة أم لا؟ والحق الوجوب لأنه ﷺ مع ملازمته لها قد أمرنا بالخروج إليها كما في حديث أمره ﷺ للناس أن يغدوا إلى مصلاهم بعد أن أخبره الركب برؤية الهلال وهو حديث صحيح وثبت في الصحيح من حديث أم عطية قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نُخرج في الفطر والأضحى العواتق٢ والحُيّض وذوات الخدور فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين, فالأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب, والرجال أولى من النساء بذلك لأن الخروج وسيلة إليها ووجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل إليه بل ثبت الأمر القرآني بصلاة العيد كما ذكره أئمة التفسير في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فإنهم قالوا: المراد صلاة العيد, ومن الأدلة على وجوبها أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد وما ليس بواجب لا يسقط ما كان واجباً. "هي ركعتان" يجهر فيهما بالقراءة يقرأ عند إرادة التخفيف: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ وعند الإتمام ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ وعند الشافعي تشرع صلاة العيد جماعة وللمنفرد والعبد والمرأة
стр. 156
والمسافر ولا يخطب المنفرد ويخطب إمام المسافرين وعند أبي حنيفة تجب صلاة العيد على كل من تجب عليه صلاة الجمعة ويشترط لصلاة العيد ما يشترط لصلاة الجمعة كذا في المسوى وغيره, "في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الثانية خمس كذلك" لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كبّر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعا في الأولى وخمسا في الثانية أخرجه أحمد وابن ماجه, وقال أحمد أنا أذهب إلى هذه قال العراقي إسناده صالح ونقل الترمذي في العلل المفردة عن البخاري أنه قال: إنه حديث صحيح وفي رواية لأبي داود والدارقطني التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخيرة والقراءة بعدهما كلتيهما, وإسناد الحديث صالح وقد صححه البخاري, وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كبّر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا قبل القراءة وقد حسنه الترمذي وأُنكر عليه تحسينه لأن في إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وهو متروك. قال النووي: لعله اعتضد بشواهد وغيرها انتهى. قال العراقي: إن الترمذي إنما تبع في ذلك البخاري فقد قال في كتاب العلل المفردة: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه وبه أقول انتهى. وقد أخرجه ابن ماجه بدون ذكر القراءة وأخرجه الدارقطني وابن عدي والبيهقي وفي إسناده كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال الشافعي وأبو داود: إنه ركن من أركان الكذب, وقال ابن حبان: له نسخة موضوعة عن أبيه عن جده, وأخرج ابن ماجه من حديث سعد القرظ١ المؤذن: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يكبّر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الآخرة خسما قبل القراءة. قال العراقي: وإسناده ضعيف, وفي الباب أحاديث تشهد لذلك والجميع يصلح للاحتجاج به وفي المسألة عشرة مذاهب هذا أرجحها. قال في الحجة: يكبر في الأولى سبعا قبل القراءة والثانية خمسا قبل القراءة وعمل الكوفيين أن يكبر أربعا كتكبير الجنائز في الأولى قبل القراءة وفي الثانية بعدها وهما سنتان وعمل الحرمين أرجح انتهى.
стр. 157
أقول: الذي دلت عليه الأدلة أن يكون التكبير مقدما على القراءة في الركعتين كما ثبت ذلك من فعله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في حديث عمرو بن عوف المزني المتقدم١ ولم يأت من قال بمشروعية تقديم القراءة في الركعتين أو تأخيرها في الأولى وتقديهما في الثانية بحجة قط. ثم اعلم أن الحافظ قال في التلخيص قوله: ويقف بين كل تكبيرتين بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة روي مثل ذلك عن ابن مسعود قولا وفعلا. قلت: رواه الطبراني والبيهقي موقوفاً وسنده قوي وفيه عن حذيفة وأبي موسى مثله وعن عمر أنه كان يرفع يديه في التكبيرات رواه البيهقي وفيه ابن لهيعة. واحتج ابن المنذر والبيهقي بحديث روياه من طريق بقية عن الزبيدي عن الزهري عن سالم عن أبيه في الرفع عند الإحرام والركوع والرفع منه وفي آخره يرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع انتهى. قال في شرح المنتقى: والظاهر عدم وجوب التكبير كما ذهب إليه الجمهور لعدم وجدان دليل يدل عليه انتهى.
والحاصل: أنه سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا. قال ابن قدامة: ولا أعلم فيه خلافا. قالوا: وإن تركه لا يسجد للسهو وروي عن مالك وأبي حنيفة أنه يسجد للسهو والحق الأول. "ويخطب بعدها يأمر بتقوى الله تعالى ويُذكِّر ويعظ". لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد قال: كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم وإن كان يريد أن يقطع بعثا٢ أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف, وفي الباب من حديث جابر عند مسلم وغيره وأول من خطب قبل الصلاة في العيد مروان وأنكر عليه ذلك, وأخرج النسائي وابن ماجة وأبو داود من حديث عبد الله بن السائب قال: شهدت مع النبي ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: "إنا نريد أن نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب" ٣. ويستحب في العيد التجمل بالثياب فقد ثبت في الصحيحين أن عمر
стр. 158
وجد حلة في السوق من إستبرق١ تباع فأخذها فأتى بها النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد. فقال: "إنما هذه لباس من لا خلاق٢ له" وأخرج الشافعي عن شيخه إبراهيم ابن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يلبس برد حبرة٣ في كل عيد وشيخ الشافعي ضعيف ولكنه قد تابعه سعيد بن الصلت عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن ابن عباس بمثله أخرجه الطبراني وأخرج ابن خزيمة عن جابر أن النبي ﷺ كان يلبس البرد الأحمر في العيدين وفي الجمعة. "والخروج إلى خارج البلد" لمواظبته ﷺ على ذلك وصلى بهم ﷺ صلاة العيد في المسجد لمطر وقع كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود وابن ماجة والحاكم وفي إسناده مجهول. ومخالفة الطريق لحديث أبي هريرة عند البخاري وغيره قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم العيد خالف الطريق٤, وأخرج أبو داود وابن ماجه نحوه من حديث ابن عمر وفي الباب أحاديث غير ما ذكر. "والأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى" لما ثبت في الصحيح من حديث أنس قال: كان النبي ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا. وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث بريدة قال: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع, زاد أحمد: "فيأكل من أضحيته" وفي الباب أحاديث. "ووقتها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال" لما أخرجه أحمد بن الحسن البناء في كتاب الأضاحي من حديث جندب قال: كان النبي صلى الله تعالى عليه وأله وسلم يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين والأضحى على قيد رمح, وأخرج أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله
стр. 159
ابن بسر صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه خرج مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام وقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين التسبيح, أي حين وقت صلاة العيد. وأخرج الشافعي مرسلا أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى وأخر الفطر. وفي إسناده إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي وهو ضعيف, وقد وقع الإجماع على ما أفادته الأحاديث وإن كانت لا تقوم بمثلها الحجة, وأما آخر وقت صلاة العيدين فزوال الشمس وإذا كان الغدو من بعد طلوع الشمس إلى الزوال كما قال بعض أهل العلم فحديث أمره ﷺ للركب أن يغدوا إلى مصلاهم يدل على ذلك قال في البحر: وهي من بعد انبساط الشمس إلى الزوال ولا أعرف فيه خلافا. "ولا أذان فيها ولا إقامة" لما ثبت في الصحيح من حديث جابر بن سمرة قال: صليت مع النبي ﷺ غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة, وثبت في الصحيحين عن ابن عباس أنه قال: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. وفي الباب أحاديث. وأما تكبير أيام التشريق فلا شك في مشروعية مطلق التكبير في الأيام المذكورة ولم يثبت تعيين لفظ مخصوص ولا وقت مخصوص ولا عدد مخصوص بل المشروع الاستكثار منه دبر الصلوات وسائر الأوقات فما جرت عليه عادة الناس اليوم استنادا إلى بعض الكتب الفقهية من جملة عقب كل صلاة فريضة ثلاث مرات وعقب كل صلاة نافلة مرة واحدة وقصر المشروعية على ذلك فحسب ليس عليه أثارة من علم فيما أعلم وأصح ما ورد فيه عن الصحابة أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى, وأما صفة التكبير فأصح ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال كبروا: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا قال في شرح المنتقى نقلا عن الفتح: وقد أحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها انتهى. قال الشوكاني: والظاهر أن تكبير التشريق لا يختص استحبابه بعقب الصلوات بل هو مستحب في كل وقت من تلك الأيام كما تدل على ذلك الآثار انتهى.
стр. 160
باب صلاة العيدين
...
باب صلاة الخوف
"قد صلاّها رسول الله ﷺ على صفات مختلفة" قيل على ستة عشر وقيل سبعة عشرة وقيل ثمانية عشر وقيل أقل من ذلك, وقد صح منها أنواع فمنها أنه ﷺ بكل طائفة ركعتين فكان للنبي ﷺ أربع وللقوم ركعتان وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث جابر ومنها أنه صلى بكل طائفة ركعة فكان له ركعتان وللقوم ركعة وهذه الصفة أخرجها النسائي بإسناد رجاله ثقات ومنها أنه صلى بهم جميعا فكبر وكبروا وركع وركعوا ورفع ورفعوا ثم سجد وسجد معه الصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم وفعلوا كالركعة الأولى ولكنه قد صار الصف المؤخر مقدما والمقدم مؤخرا ثم سلم النبي ﷺ وسلموا جميعا وهذه الصفة ثابتة في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر ومن حديث أبي عياش الزرقي عند أحمد وأبي داود والنسائي ومنها أنه ﵌ صلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقيلين على العدو وجاء أولئك ثم صلى النبي ﷺ ثم قضى هؤلاء ركعة وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر ومنها أنها قامت مع النبي ﵌ طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة فكبر فكبروا جميعا الذين معه والذين مقابل العدو ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه ثم سجد فسجدت التي تليه والآخرون قيام مقابل العدو ثم قام وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما هو ثم قاموا فركع ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﵌ قاعد ومن معه ثم كان السلام فسلم وسلموا جميعا فكان لرسول الله ﵌ ركعتان وللقوم لكل طائفة ركعتان وهذه الصفة أخرجها وأحمد والنسائي وأبو داود ومنها أنه ﷺ صلى بطائفة ركعة وطائفة وجاه العدو ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا
стр. 161
وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته فأتموا لأنفسهم فسلم بهم وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث سهل بن أبي حثمة وإنما اختلفت صلاته ﷺ في الخوف لأنه كان في كل موطن يتحرى ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة, وكلها مجزئة لأنها وردت على أنحاء كثيرة وكل نحو روي عن النبي ﷺ فهو جائز يفعل الإنسان ما هو أخف عليه وأوفق بالمصلحة حالتئذ كذا في الحجة. أقول: من زعم من أهل العلم أن المشروع من صلاة الخوف ليس إلا صفة من الصفات الثابتة دون ما عداها فقد أهدر شريعة ثابتة وأبطل سنة قائمة بلا حجة نيرة وغالب ما يدعو إلى ذلك ويوقع فيه قصور الباع وعدم الاعتناء بكتب السنة المطهرة فالحق الحقيق بالقبول جواز جميع ما ثبت من الصفات وقد ذكر هنا صاحب المنتقى أنواعا هي حاصل ما ذكره المحدثون مما بلغ إلى رتبة الصحيح وثم صفات أخر ليست ببالغة إلى تلك الرتبة فإن قلت: ما الحكمة في وقوع هذه الصلاة على أنواع مختلفة؟ قلت: أمران: الأول اقتضاء الحادثة لذلك والمقتضيات مختلفة ففي بعض المواطن تكون بعض الصفات أنسب من بعض لما يكون فيها من أخذ الحذر والعمل بالحزم ما يناسب الخوف العارض فقد يكون الخوف في بعض المواطن شديدا والعدو متصلا أو قريبا وفي بعض المواطن قد يكون الخوف خفيفا والعدو بعيدا فتكون هذه الصفة أولى بهذا الموطن وهذه أولى بهذا الموطن, فالأمر الثاني أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فعلها متنوعة إلى تلك الأنواع لقصد التشريع وإرادة البيان للناس وأما صلاة المغرب فقد وقع الإجماع على أنه لا يدخلها القصر ووقع الخلاف هل الأولى أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين والثانية ركعة أو العكس ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد روي أن عليا رضي الله تعالى عنه صلاها ليلة الهرير, واختلفت الرواية في حكاية فعله كما اختلفت الأقوال والظاهر أن الكل جائز وإن صلى لكل طائفة ثلاث ركعات فيكون له ست ركعات وللقوم ثلاث ركعات فهو صواب قياسا على فعله في غيرها, وقد تقرر صحة إمامة المتنفل بالمفترض كما سبق. "وإذا اشتد الخوف والتحم القتال صلاها الراجل والراكب ولو إلى غير القبلة ولو بالإيماء" ويقال لصلاة الخوف عند التحام القتال صلاة المسايف أخرج
стр. 162
البخاري عن ابن عمر في تفسير سورة البقرة بلفظ: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. قال مالك قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ . وهو في مسلم من قول ابن عمر بنحو ذلك وقد رواه ابن ماجة عن ابن عمر أن النبي ﷺ وصف صلاة الخوف وقال: فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا وركبانا, وأخرج أحمد وأبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن أنيس قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرنة وعرفات فقال: اذهب فاقتله, قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه فلما دنوت منه" الحديث. ومن البعيد أن لا يخبر النبي ﷺ بذلك ولو أنكره لذكر ذلك.
стр. 163
باب صلاة السفر
يجب القصر لحديث عائشة الثابت في الصحيح أن النبي ﷺ قال١: "فرضت الصلاة ركعتين فزيدت في الحضر وأقرت في السفر" فهذا يشعر بأن صلاة السفر باقية على الأصل فمن أتم فكأنه صلى في الحضر الثنائية أربعا والرباعية ثمانيا عمدا, وثبت أيضا في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وكان النبي ﷺ يقتصر في جميع أسفاره على القصر. قلت: اتفقت الأمة على جواز القصر في السفر واختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أنزلت في السفر وقيد الخوف اتفاقي أو في الخوف وقيد السفر اتفاقي والمراد من القصر الإيماء في الركوع والسجود فذهب إلى الأول جماعات من المفسرين وإلى الثاني يشير قول ابن عمر ويدل عليه بناء قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ على آية القصر من غير ذكر الخوف ثانيا ثم مذهب الأكثرين أن القصر واجب, وقال الشافعي: إن شاء أتم وإن شاء قصر والقصر أفضل كذا في المسوى. أقول: الحق وجوب القصر والأحاديث مصرحة بما يقتضي ذلك,
стр. 164
وأما ما يروى عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقصر في الصلاة ويتم ويفطر ويصوم. فلم يثبت كما صرح به جماعة من الحفاظ١ وكذلك ما روي عنها أنها فعلت ذلك ولم ينكر عليها رسول الله ﷺ وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة بما تسقط به حجيته, وكذلك ما روي عن أن عثمان أتم الصلاة بمنى فلا حجة في ذلك وقد صح إنكار بعض الصحابة عليه واعتذاره عن ذلك فلم يبق في المقام ما يوجب التردد, والظاهر من الأدلة في القصر والإفطار عدم الفرق بين من سفره في طاعة ومن سفره في معصية لا سيما القصر لأن صلاة المسافر شرعها الله كذلك فكما أن الله شرع للمقيم صلاة التمام من غير فرق بين من كان مطيعا ومن كان عاصيا بلا خلاف كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولا زائدا على تناول أدلة الإفطار له لأن القصر عزيمة وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي بل مشروعة لها جميعا بخلاف الإفطار فإنه رخصة للمسافر والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل وإن كانت هنا عامة وإنما المراد بطلان القياس والركعتان في السفر تمام غير قصر ومعناه عند الحنفية أنه لا يكون فرض المسافر غير ركعتين وإن صلى أربعا ولم يقعد للتشهد بطلت صلاته وإن قعد أتمها أربعا والأخريان نقل وعند الشافعية أن المسافر إذا قصر في السفر فليس عليه ما تركه إذا صار مقيما بخلاف الصوم فإنه يعيد ما أفطر إذا صار مقيما وإيجاب القصر على من خرج من بلده قاصدا للسفر وإن كان دون بريد وجهه أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ والضرب في الأرض يصدق على كل ضرب لكنه خرج الضرب أي المشي لغير السفر لما كان يقع منه ﷺ من الخروج إلى بقيع الغرقد ونحوه ولا يقصر ولم يأت في تعيين قدر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرا لغة وشرعا, ومن خرج من بلده قاصدا إلى محل يعد في مسيره إليه مسافرا قصر الصلاة وإن كان ذلك المحل دون البريد ولم يأت من اعتبر البريد واليوم واليومين
стр. 165
والثلاث وما زاد على ذلك بحجة نيرة وغاية ما جاءوا به حديث: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم" وفي رواية: "يوما وليلة" وفي رواية: "بريدا" وليس في هذا الحديث ذكر القصر ولا هو في سياقه والاحتجاج به مجرد تخمين وأحسن ما ورد في التقدير ما رواه شعبة عن يحيى بن زيد الهنائي, قال: سألت أنسا عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين والشك في شعبة. أخرجه مسلم وغيره فإن قلت: محل الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون محرم هو كونه ﷺ سمى ذلك سفرا. قلت: تسميته سفرا لا تنافي تسمية ما دونه سفرا فقد سمى النبي ﷺ مسافة الثلاث سفرا كما سمى مسافة البريد سفرا في ذلك الحديث باعتبار اختلاف الرواية وتسمية البريد سفرا لا ينافي تسمية ما دونه سفرا, فإن قلت أخرج الدارقطني والبيهقي والطبراني من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: "يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان١". قلت: هو ضعيف لا تقوم به الحجة فإن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر وهو متروك٢. قال الماتن وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدي, وقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام وفي العالمكيرية الصحيح أنه لا يشترط سير كل اليوم إلى الليل فلو بكر في كل يوم ومشى إلى الزوال ثم نزل يصير مسافرا, وقال الشافعي أربعة برد وقال مالك وذلك أحب ما سمعت يقصر فيه الصلاة إلي وتفسيرها ستة عشر فرسخا ويتجه على هذا أن قولهما متقاربان قال الأوزاعي: عامة الفقهاء يقولون مسيرة يوم تام وإنما يحل القصر إذا خرج من بيوت القرية. قال العلماء: إذا جاوز عمران المصر قصر. أقول مسألة أقل السفر قد اضطربت فيها الأقوال وطال فيها النزاع وتشعبت فيها المذاهب وليس في ذلك شيء يستند إليه إلا مجرد قول الرواة قصر رسول الله ﵌ في كذا من دون بيان لمقدار يرجع إليه, وأصرح ما في ذلك ما قاله بعض الرواة أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يقصر إذا سافر ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ هكذا على الشك مع أنه
стр. 166
لم يين مقدار المسافة التي هي انتهاء سفره وغاية ما وقع التعويل عليه أحاديث لا يحل لامرأة كما تقدمت والمعمول عليه ههنا رواية البريد لأن ما فوقها يعتبر فيه ذلك بفحوى الخطاب لكن لا ملازمة بين اعتبار المحرم للمرأة وبين وجوب القصر على غيرها من المسافرين لأن علة مشروعية المحرم غير علة مشروعية القصر فلم يبق في المسألة ما يصلح للاستناد إليه فوجب الرجوع إلى ما يصدق عليه مسمى الضرب في الأرض على وجه يخالف ما يفعله المقيم من ذلك وهو يصدق على من أراد سفرا زائدا على الميل لا ما كان ميلا فما دون فقد يتردد المقيم في الجوانب المقاربة لبلد إقامته وقد كان ﵌ يخرج إلى البقيع لزيارة الأموات ولا يقصر وإن كان هذا لا يتم الاحتجاج به إلا بعد تسلم أنه خرج إلى هنالك وحضر وقت الصلاة فصلى تماما وهو ممنوع فالتعويل في استثناء الميل هو ما قدمنا وفيه ما فيه لولا أنه أوجب الرجوع إليه البقاء على الأصل والفرار من التحكمات التي لا ترجع إلى شيء كما يقوله بعض أهل العلم إن مسافة القصر ما بين الشام والعراق ونحو ذلك. فالحاصل: أن الواجب الرجوع إلى ما يصدق عليه اسم السفر شرعا أو لغة أو عرفا لأهل الشرع فما كان ضربا في الأرض يصدق عليه أنه سفر وجب فيه القصر, وأما ما رواه سعيد بن منصور: أنه كان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة فهو أيضا لا ينفي السفر فيما دون ذلك, وإذا أقام ببلد مترددا قصر إلى عشرين يوما ثم يتم وجهه أن من حط رحله بدار إقامة فقد ذهب عنه حكم السفر وفارقته المشقة فلولا أن الشارع سمى من أقام كذلك مسافرا فقال: "أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر" لما كان حكم السفر ثابتا له فالواجب الاقتصار في القصر مع الإقامة على المقدار الذي سوغه الشارع, وما زاد عليه فللمسافر حكم المقيم يجب عليه أن يتم صلاته لأنه مقيم لا مسافر وقد أقام النبي ﵌ بمكة في غزوة الفتح قيل ثماني عشرة ليلة وقيل تسع عشرة ليلة وقيل أقل من ذلك وفي صحيح البخاري وغيره تسع عشرة ليلة وأخرج أحمد وأبو داود من حديث جابر قال: أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة. وأخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي وصححه ابن حزم والنووي فوجب علينا أن نقتصر
стр. 167
علي هذا المقدار وتتم بعد ذلك ولله در الحبر ابن عباس ما أفقهه وما أفهمه للمقاصد الشرعية فإنه قال فيما رواه عنه البخاري وغيره: لما فتح النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مكة أقام فيها تسع عشرة يصلي ركعتين. قال: فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة قصرنا وإن زدنا أتممنا. وأقول: هذا الفقه الدقيق والنظر المبني على أبلغ تحقيق ولو قال له جابر أقمنا مع رسول الله ﷺ بتبوك عشرين ليلة نقصر الصلاة لقال بموجب ذلك. قال الماتن: وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدي انتهى.
أقول: الظاهر فيمن أقام ببلد وحط الرحل يوما بعد يوم وليلة بعد ليلة أنه لا يقصر الصلاة لأنه غير مسافر فلو لم يرد الدليل الدال على أن من أقام عازما على السفر كان له حكم المسافر لم يثبت القصر في حقه فينبغي أن يقتصر على ما ورد ولا يجاوز. أما مع التردد وعدم العزم على إقامة أيام معينة فلا يزال يقصر المسافر حتى يبلغ مدة إقامته مقدار المدة التي أقامها رسول الله ﷺ بمكة بعد الفتح وأكثر ما قيل عشرون ليلة, وقد روي أنه أقام في غزوة تبوك بمكان نحو ذلك وروي أكثر فإن قيل إن الاقتصار على مقدار إقامته ﷺ وعدم تجويز القصر فيما زاد عليها لا يصلح للتمسك به لأنه مجرد فعل لا دلالة فيه على قصر الجواز على تلك المدة, ومن أين لنا أنه لو عرض له ما يوجب إقامته فوق تلك المدة لما قصر الصلاة بل كان يتمها؟ فيقال هذا صحيح ولم نقل إن هذا الفعل يدل بمجرده على ذلك بل قلنا إن من حط رحله بمحل فالظاهر أنه في ذلك الوقت غير مسافر فيما كان من الإقامة زائدا على ما يعتاده المسافرون من الإراحة لأنفسهم ودوابهم يوما أو بعض يوم وليلة أبو بعض ليلة فإذا سمي بعد إقامته أياما مسافرا فهذه التسمية غير مناسبة لما هو الظاهر فوجب الاقتصار على مقدار المدة التي أقامها الشارع وقصر الصلاة فيها. وقال: "إنا قوم سفر" ومن زعم جواز القصر فيما زاد عليها فعليه الدليل, وأما إذا نوى إقامة أيام معينة فقد وقع الاضطراب في ذلك فقيل: أربعة أيام فإن نوى إقامة أكثر منها قصر. واستدل هذا القائل بإقامته ﷺ في مكة في حجة الوداع أربعة أيام يقصر الصلاة, ووجه الاستدلال بهذا كالوجه الذي ذكرناه مع التردد سواء بسواء وهو أشف ما قيل وغاية ما تمسك به
стр. 168
أهل الأقوال الآخرة ما روي عن جماعة من الصحابة من الاجتهادات المختلفة ولا حجة في ذلك وما يقال من أنها بمنزلة المرفوع لكونها ليست من مسارح الاجتهاد فمردود على أن التقدير بالأربع مع كونه أشف ما قيل كما ذكرنا يمكن أن يقال عليه إنما يتم الاستدلال به بعد ثبوت أنه ﷺ عزم على إقامة الأربع ولم ينقل ذلك ويمكن أن يجاب بأن أعمال الحج لا يمكن الإتيان بها في دون تلك المدة فالعزم على الإقامة قدرها لا بد منه, وأما ما روي عن أنس أنه قال: أقمنا مع النبي ﷺ عشرا فهو محمول على جميع أيام الإقامة بمكة ونواحيها, وأما نفس الإقامة بمكة فليست إلا أربعة أيام فليعلم. وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها وجهه ما عرفناك من أن المقيم لا يعامل معاملة المسافر إلا على الحد الذي ثبت عن الشارع ويجب الاقتصار عليه وقد ثبت عنه مع التردد ما قدمنا ذكره, وأما مع عدم التردد بل العزم على إقامة أيام معينة فالواجب الاقتصار على ما اقتصر عليه صلى الله تعالى وآله وسلم مع عزمه على الإقامة في أيام الحج فإنه ثبت في الصحيحين أنه قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى فلما أقام النبي ﵌ بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة مع كونه لا يفعل ذلك إلا عازما على الإقامة إلى أن يعمل أعمال الحج كان ذلك دليلا على أن العازم على إقامة مدة معينة يقصر إلى تمام أربعة أيام ثم يتم وليس ذلك لأجل كون النبي ﵌ لو أقام زيادة على الأربع لأتم فإنا لا نعلم ذلك ولكن وجهه ما قدمنا من أن المقيم العازم على إقامة مدة معينة لا يقصر إلا بإذن كما أن المتردد كذلك, ولم يأت الإذن بزيادة على ذلك ولا ثبت عن الشارع غيره. قال الشافعي: لو نوى إقامة أربعة أيام بموضع انقطع سفره بوصوله. قال في المنهاج: ولا يُحسب منها يوما دخوله وخروجه على الصحيح, وقال أبو حنيفة: لا يزال على حكم السفر حتى ينوي الإقامة في بلدة أو قرية خمسة عشر يوما, وقول أكثر أهل العلم: إنه يقصر أبدا ما لم يجمع إقامة١ واختلف أصحاب الشافعي في حكاية مذهبه وحكاية البغوي أنه إذا لم يجمع الإقامة فزاد مكثه على أربعة
стр. 169
أيام وهو عازم على الخروج أتم إلا أن يكون في خوف أو حرب فيقصر, وقد قصر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عام الفتح بحرب هوازن تسعة عشر أو ثمانية عشر يوما, وله قول آخر موافق للجمهور. قال الماتن: واعلم أن هذه الثلاثة الأبحاث المذكورة في هذا الباب هي من المعارك التي تتبلد عندها الأذهان وقد اضطربت فيها المذاهب اضطراباً شديداً وتباينت فيها الأنظار تباينا زائدا انتهى.
"وله الجمع تقديما وتأخيرا" وجهه ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال: كان النبي ﵌ إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب". وأخرج أحمد وأبو دواد والترمذي وابن حبان والحاكم والدارقطني وحسنه الترمذي من حديث معاذ أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار". وأخرج أحمد من حديث ابن عباس نحوه وزاد المغرب والعشاء وأخرجه أيضا البيهقي والدارقطني وصحح إسناده ابن العربي وتُعقِّب بأن في إسناده من لا يحتج بحديثه, وللحديثين طرق يقوي بعضها بعضا وليس فيها من المقال ما يبطل الاحتجاج بمجموعها, ومن الجمع بين المغرب والعشاء حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان إذا جد به السير أخر المغرب حتى يغيب الشفق ثم يجمع بينها وبين العشاء. قال ابن القيم: وكل هذه سنن في غاية الصحة والصراحة ولا معارض لها فرُدّت بأنها أخبار آحاد وأوقات الصلوات ثابتة بالتواتر لحديث إمامة جبريل ﵇ للنبي ﷺ , وقوله للسائل عن المواقيت وهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة في تفصيل الأوقات مجمع عليها بين الأمة وأحاديث الجمع غير صريحة لجواز أن يكون المراد بها الجمع في الفعل وفي الوقت فكيف يترك المبين للمجمل. والجواب أن يقال: الجميع حق والذي وقت هذه المواقيت وبينها بفعله وقوله هو الذي شرع الجمع بقوله وفعله فلا يؤخذ ببعض السنة ويترك بعضها. فأحاديث الجمع مع أحاديث الأفراد بمنزلة أحاديث الأعذار والضرورات مع أحاديث
стр. 170
الشروط والواجبات؛ فالسنة يبين بعضها بعضا لا يرد بعضها ببعض ومن تأمل أحاديث الجمع وجدها كلها صريحة في جمع الوقت لا في جمع الفعل وألفاظ السنة الصريحة ترده كذا في إعلام الموقعين. قال في المسوى: أكثر أهل العلم على جواز الجمع في السفر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما, وقالت الحنفية: لا يجوز. ومعنى الحديث عنهم أن يؤخر إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها ويعمل الأخرى في أول وقتها فيحصل الجمع صورة, رووا ذلك عن علي وسعد بن أبي وقاص. وأما الجمع للحاج فمتفق عليه انتهى. "بأذان وإقامتين" لثبوت ذلك في الصحيحين في جمع مزدلفة.
стр. 171
باب صلاة الكسوفين
وهي صلاة الآيات: "وهي سنة". قال الماتن في شرحه: أي لعدم ورود ما يفيد الوجوب ومجرد الفعل لا يفيد زيادة على كون المفعول مسنونا انتهى. وزاد في السيل الجرار: اعلم أنه قد اجتمع ههنا في صلاة الكسوف الفعل والقول ومن ذلك قوله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما كذلك فافزعوا إلى المساجد" وفي رواية: "فصلوا وادعوا" والظاهر الوجوب فإن صح ما قيل من وقوع الإجماع على عدم الوجوب كان صارفا وإلا فلا انتهى. قال في الحجة البالغة: قد صح عن النبي ﷺ أنه صلاها جماعة وأمر أن ينادى بها أن الصلاة جامعة وجهر بالقراءة فمن اتبع فقد أحسن ومن صلى صلاة معتدا بها في الشرع فقد عمل بقوله ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا" انتهى. ورجح ابن القيم الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف لحديث عائشة صحيح البخارية أن رسول الله ﷺ قرأ قراءة طويلة يجهر بها في صلاة الكسوف. وأما قول سمرة صلى بنا رسول الله ﷺ في كسوف ولم نسمع له صوتا فقال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة. وأصح ما ورد في صفتها ركعتان في كل ركعة ركوعان لثبوت ذلك في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وابن عمر وابن عباس.
стр. 172
"وورد ثلاثة" ركوعات في ركعة فثبت ذلك من حديث جابر عند مسلم وغيره ومن حديث ابن عباس عند الترمذي وصححه ومن حديث عائشة عند أحمد والنسائي. وورد أربعة في كل ركعة لما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث ابن عباس. وورد خمسة ركوعات في كل ركعة أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي من حديث أبي بن كعب قال ابن القيم: السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في صلاة الكسوف تكرار الركوع في كل ركعة لحديث عائشة وابن عباس وجابر وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري كلهم روي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تكرار الركوع في الركعة الواحدة والذي رووا تكرار الركوع أكثر عددا وأجل وأخص برسول الله ﷺ من الذين لم يذكروه انتهى. يقرأ بين كل ركوعين وورد في كل ركعة ركوع فقط في صحيح مسلم من حديث سمرة وأخرجه أبو داود وأحمد والنسائي والحاكم وصححه ابن عبد البر والحاكم من حديث النعمان بن بشير وأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث قبيصة قلت: وأجاب ابن القيم عن هذه الروايات من ثلاثة أوجه: أحدها: أن أحاديث تكرار الركوع أصح إسنادا وأسلم من العلة والاضطراب ولا سيما حديث عبد الله بن عمر الذي في الصحيحين وهذا أصح وأصرح من حديث كل ركعة بركوع فلم يبق إلا حديث سمرة ونعمان وليس منهما شيء في الصحيح. والثاني: أن رواتها من الصحابة أكبر وأكثر وأحفظ وأجل من سمرة ونعمان بن بشير فلا ترد روايتهم بها, والثالث: أنها متضمنة لزيادة صح الأخذ بها انتهى. وأقول: قد رويت هذه الصلاة من فعله صلى الله تعالى عليه وسلم على أنواع: ركعتين كسائر الصلوات في كل ركعة ركوع واحد وركوعين في كل ركعة وثلاثة وأربعة وخمسة كما تقدم والكل سنّة أيها فعل المكلف فقد فعل ما شرع له واختيار الأصح منها على الصحيح هو دأب الراغبين في الفضائل العارفين بكيفية الدلائل, وقد أورد على هذه الروايات المنسوبة إلى فعله صلى الله تعالى عليه وسلم إشكال هو: أنه لم يصلها صلى الله تعالى عليه وسلم غير مرة واحدة فكيف تشعبت الروايات إلى هذه الصفات؟ وقد أجيب عن ذلك بأجوبة
стр. 173
ذكرها الماتن رح في شرح المنتقى وقد ثبت الجهر بالقراءة وثبت ذلك الإسرار والجهر أصح والقيام بهذه السنة جماعة أفضل وليست الجماعة شرطا فيها لما في الأحاديث الصحيحة بلفظ: "فصلوا" ولما في حديث قبيصة الهلالي يرفعه أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة" أخرجه أحمد والنسائي. "ونُدب الدعاء والتكبير والتصدق والاستغفار" لحديث أسماء: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا" وهو في الصحيحين, وفي حديث أبي موسى بلفظ: "فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره" وهو في الصحيحين أيضا وفي حديث المغيرة: "فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنجلي" وهو أيضا في الصحيحين.
стр. 174
باب صلاة الاستسقاء
قال في الحجة: وقد استسقى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأمته مرات على أنحاء كثيرة لكن الوجه الذي سنه لأمته أن خرج بالناس إلى المصلى متبذلا متواضعا متخشعا متضرعا فصلى لهم ركعتين جهر بهم فيهما بالقراءة ثم خطب واستقبل فيها القبلة يدعو ورفع يديه وحول رداءه انتهى. وهذه الصلاة مسنونة تسن عند الجدب لعدم ورود ما يدل على الوجوب ركعتان بعدهما خطبة لكونه ﷺ خرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر. الحديث بطوله وفيه الدعاء وتحويل الرداء وهو في سنن أبي داود وأخرجه أبو عوانة وابن حبان والحاكم وصححه ابن السكن وأخرج أحمد وابن ماجه وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: خرج النبي ﷺ يوما يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. وفي الباب أحاديث بمعنى ما ذكر وهي متضمنة للدعاء برفع الجدب وبنزول المطر وتحويل الأردية من الإمام وغيره, وروى سعيد بن منصور في سننه أن عمر استسقى فلم يزد على الاستغفار. قال أبو حنيفة: لا تسن الصلاة في الاستسقاء, وقال الشافعي: ثبت من حديث عبد الله بن زيد وابن عباس
стр. 175
أنه ﷺ صلى, وروي ذلك من حديث جعفر بن محمد عن البني ﷺ وأبي بكر وعمر قال في إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء: الأوجه عندي أن من دعا ولم يصل فقد أصاب أصل الاستسقاء, وقد فعل ذلك النبي ﷺ وعمر, ومن صلى ودعا فقد أصاب الأكمل الأفضل فإن الدعاء أرجى في حرمة الصلاة, وقد ثبت عن النبي ﷺ وعمر انتهى. وقد كان ﷺ يرفع يديه في الاستسقاء حتى يُرى بياض إبطيه وكان الصحابة فمن بعدهم يستسقون بأهل الصلاح ولا سيما من كان من قرابة النبي ﷺ كما فعل عمر فإنه استسقى بالعباس رضي الله تعالى عنهما. تتضمن الذكر والترغيب في الطاعة والزجر عن المعصية ويستكثر الإمام ومن معه من الاستغفار والدعاء برفع الجدب لأن روح هذه الصلاة وأساسها وعمادها الذي لا تقوم بدونه هو الاستكثار من الاستغفار قبلها وبعدها وإخلاص التوبة من الذنوب التي يقارفها الإنسان والخروج من التبعات والظلامات في الدماء والأموال والأعراض وذلك غير مختص بفرد من الأفراد بل يفعله كل أحد ويشرع للإمام أو من يقوم مقامه أن يخطب الناس ويذكرهم بما يفعلونه من الأسباب الموجبة للرحمة, وقد روي عنه ﷺ أنه خطب قبل الصلاة وخطب بعدها فالكل سنة ومن جملة أدعيته ﷺ : "اللهم أغثنا اللهم أغثنا" كما في الصحيحين من حديث أنس, ومن أدعيته ﷺ : "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً١ مَريعاً٢ طبقاً٣ غدقاً٤ عاجلاً غير رائث٥" وهذا لفظ ابن ماجه من حديث ابن عباس. وهذه الألفاظ ثابتة من رواية غيره من الصحابة في غير سنن ابن ماجه ومنها: "اللهم أنت الله لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين" وهو في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث عائشة ومن دعائه: "اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت" إلى غير ذلك. "ويحولون جميعا أرديتهم" لما روي في ذلك ما تقدم من جعل الأيمن أيسر والأيسر أيمن وروي أنه قلبه ظهرا لبطن وحول الناس معه أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن زيد وأصله في الصحيح.
стр. 176
كتاب الجنائز
"من السُّنَّة عيادة المريض" لأن الأحاديث في مشروعيتها متواترة وقد جعلها الشارع من حقوق المسلم على المسلم ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" وزاد مسلم: "النصيحة" وزاد البخاري من حديث البراء: "نصر المظلوم وإبرار القسم". "وتلقين المختضر" وهو في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة, "الشهادتين" فوجب أن يحث على الذكر والتوجه إلى الله تعالى لتفارق نفسه وهي في غاشية من الإيمان فيجد ثمرتها في معاده, ودليله حديث أبي سعيد الثابت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" وفي الباب أحاديث. "وتوجيهه" إلى القبلة لحديث عبيد بن عمير عن أبيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال وقد سأله رجل عن الكبائر فقال هي تسع: "الشرك والسحر وقتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات وعقوق الوالدين واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا" أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم. وقد أخرج البغوي في الجعديات من حديث ابن عمر نحوه وفي إسناده أيوب بن عتبة وهو ضعيف. وقد استدل بهذا على مشروعية توجيه المريض إلى القبلة ليموت إليها لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "قبلتكم أحياء وأمواتا" وفيه نظر لأن المراد بقوله: "أحياء" عند الصلاة وبقوله: "أمواتا" في اللحد والمحتضر حي غير مصل فلا يتناوله الحديث, وإلا لزم وجوب التوجه إلى القبلة على كل حي وعدم اختصاصه بحال الصلاة وهو خلاف الإجماع, والأوْلى الاستدلال بما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة: أن البراء بن معرور أوصى أن يُوجَّه إلى القبلة إذا احتضر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
стр. 177
"أصاب الفطرة"١. وقد اختلف الصفة التي يكون التوجه إلى القبلة عليها فقيل: يكون مستلقيا ليستقبلها بكل وجهه. وقيل: على جنبه الأيمن وهو الأولى. أقول: وهو الصفة التي يوجه عليها في قبره والصفة التي أمر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم النائم أن ينام عليها, ومن ذلك فعل البتول ﵂ ولا وجه لاختيار الاستلقاء إلا وهم أنه أكمل. "وتغميضه إذا مات" لحديث شداد بن أوس عند أحمد وابن ماجة والحاكم والطبراني والبزار قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت" وأخرج مسلم في صحيحه أن البني صلى الله تعالى عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر". وقراءة يس عليه لحديث: "اقرؤا على موتاكم يس" أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان وصححه من حديث معقل بن يسار مرفوعا وقد أعل٢ وقد أخرج نحوه صاحب مسند الفردوس من حديث أبي الدرداء وأبي ذر وأخرج نحوه أيضا أبو الشيخ في فضل القرآن من حديث أبي ذر وحده. قال ابن حبان في صحيحه: المراد بقوله: "اقرؤا على موتاكم يس" من حضرته المنية لا الميت, وكذلك: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله". "والمبادرة بتجهيزه إلا لتجويز حياته" لما أخرجه أبو داود من حديث الحصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعوده فقال: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت فآذنوني به وأعجلوا٣ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله"
стр. 178
وأخرج أحمد والترمذي من حديث علي مرفوعا بلفظ: "ثلاث لا يؤخرن: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفؤا". وأما إذا كان يظن أنه لم يمت فلا يحل دفنه حتى يقع القطع بالموت كصاحب البرسام وغيره. "والقضاء لدينه" لحديث امتناعه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من الصلاة على الميت الذي عليه دين حتى التزم بذلك بعض الصحابة والحديث معروف, وحديث: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة. "وتسجيته" لما وقع من الصحابة من تسجية رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عنه موته ببرد حبرة وهو في الصحيحين من حديث عائشة وذلك لا يكون إلا بجري العادة بذلك في حياته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. "ويجوز تقبيله" لتقبيله ﵌ لعثمان بن مظعون وهو ميت كما في حديث عائشة عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وفي الصحيح من حديثها وحديث ابن عباس أن أبا بكر قبل النبي ﷺ بعد موته. "وعلى المريض أن يحسن الظن بربه" والأحاديث في ذلك كثيرة ولو لم يكن منها إلا حديث النهي عن أن يموت الميت إلا وهو حسن الظن بربه, وحديث المريض الذي زاره النبي ﷺ فقال: "كيف تجدك"؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي, فقال: "ما اجتمعنا في قلب امرئ في مثل هذا الموطن إلا دخل الجنة. أو كما قال. "ويتوب إليه" والآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في ذلك لا يتسع المقام لبسطها وفي الصحيحين: "أن الله يفرح بتوبة عبده" وأن باب التوبة مفتوح لا يغلق. "ويتخلص عن كل ما عليه" ووجوب ذلك معلوم, وإذا أمكن بإرجاع كل شيء لمن هو له من دين أو وديعة أو غصب أو غير ذلك فهو الواجب, وإن لم يكن في الحال فالوصية المفصلة هي أقل ما يجب, وورد الأمر بالوصية وأنه لا يحل لأحد أن يبيت إلا ووصيته عند رأسه كما في الأحاديث الصحيحة.
فصل "ويجب غسل الميت المسلم على الأحياء" وهو مجمع عليه كما حكى ذلك النووي والمهدي في البحر ومستند هذا الإجماع أحاديث الأمر بالغسل
стр. 179
والترغيب فيه كالأمر منه ﷺ بغسل الذي وقصته ناقته وبغسل ابنته زينب وهما في الصحيح. والقريب أولى بالقريب إذا كان من جنسه لحديث: "ليليه أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة" أخرجه أحمد والطبراني وفي إسناده جابر الجعفي والحديث وإن كان لا يصلح للاحتجاج به ولكن للقرابة مزية وزيادة حنو وشفقة توجب كمال العناية ولا شك أنها وجه مرجح مع علم القريب بما يحتاج إليه في الغسل. "وأحد الزوجين بالآخر" أولى لقوله ﷺ لعائشة: "ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك" أخرجه أحمد وابن ماجة والدارمي وابن حبان والدارقطني والبيهقي وفي إسناده محمد بن إسحق ولم ينفرد به فقد تابعه عليه صالح بن كيسان, وأصل الحديث في البخاري بلفظ: "ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك" وقالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه. أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود, وقد غسلت الصديق زوجته أسماء كما تقدم في الغسل لمن غسل ميتا وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه, وغسل علي فاطمة كما رواه الشافعي والدارقطني وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن, وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. قال في المسوى: اتفقوا على جواز غسل المرأة زوجها, واختلفوا في غسل الزوج امرأته قالت الحنفية: لا يجوز فإن لم يكن إلا الزوج يممها. وقال الشافعي: يجوز لما مر. "ويكون الغسل ثلاثا أو خمسا أو أكثر بماء وسدر" لقوله ﷺ للنسوة الغاسلات لابنته زينب: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورا" وهو في الصحيحين من حديث أم عطية وفي لفظ لهما أيضا: "اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن" وفيه دليل على تفويض عدد الغسلات إلى الغاسل. قال في الحجة: إنما أمر بالسدر وزيادة الغسلات لأن المريض مظنة الأوساخ والرياح المنتنة ١هـ. "وفي الآخرة كافورا" لقوله ﷺ : "واجعلن في الآخرة كافورا" كما سبق, وإنما أمر بالكافور في الآخرة لأن من خاصيته أن لا يسرع التغير فيما استعمل, ويقال من فوائده أنه لا يقرب منه حيوان مؤذ. "وتقدم الميامن" ليكون
стр. 180
غسل الموتى بمنزلة غسل الأحياء وليحصل إكرام هذه الأعضاء, ودليله قوله ﷺ في حديث أم عطية هذا: "ابدأن بميامنها ومواضع الضوء منها" قال ابن القيم: السنة الصحيحة الصريحة في ضفر رأس الميت ثلاث ضفائر كقوله في الصحيحين في غسل ابنته: "اجعلوا رأسها ثلاثة قرون" قالت أم عطية: ضفرنا رأسها وناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها. فرد ذلك بأنه يشبه زينة الدنيا وإنما يرسل شعرها شقتين على ثديها وسنة رسول الله ﷺ أحق بالاتباع ١هـ. "ولا يغسل الشهيد" بل يدفن في ثيابه ودمائه تنويها بما فعل وليتمثل صورة بقاء عمله بادي الرأي وهذا هو الحق لما ثبت في شهداء أحد أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا وهو في الصحيح, وما قيل بأن الترك إنما كان لكثرة القتلى وضيق الحال فمردود بما عند أحمد في هذا الحديث عنه ﷺ أنه قال في قتلى أحد: "لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة" وأخرج أبو داود عن جابر قال: رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله ﷺ . وإسناده على شرط مسلم, وعن ابن عباس عند أبي داود وابن ماجة قال: أمر النبي ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي وقد تكلم فيه جماعة وفيه أيضا عطاء بن السائب وفيه مقال وفي الباب أحاديث. وبالجملة: فقد جرت السنة في الشهيد أن لا يغسل ولم يرو أنه غسل شهيدا وبه قال الجمهور, وأما من أطلق عليه اسم الشهيد كالمطعون والمبطون والنفساء ونحوهم فقد حكى في البحر الإجماع على أنهم يغسلون.
فصل "ويجب تكفينه" الأصل في التكفين التشبه بحال النائم المسجى بثوبه, أكمله في الرجل إزار وقميص وملحفة أو حلة, وفي المرأة هذه مع زيادة ما لأنها يناسبها زيادة الستر. بما يستره لأمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بإحسان الكفن كما في حديث: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه" وهو في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي قتادة والكفن الذي لا يستر ليس بحسن. "ولو لم يملك غيره" أي الكفن لأمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بتكفين مصعب بن عمير في النمرة١ التي لم يترك غيرهما كما في