← Фикх общий

Фикх общий · id 7444

الروضة الندية شرح الدرر البهية ط المعرفة

صديق حسن خان

Полный текст (711 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كتاب الجنائز "من السُّنَّة عيادة المريض" لأن الأحاديث في مشروعيتها متواترة وقد جعلها الشارع من حقوق المسلم على المسلم ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" وزاد مسلم: "النصيحة" وزاد البخاري من حديث البراء: "نصر المظلوم وإبرار القسم". "وتلقين المختضر" وهو في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة, "الشهادتين" فوجب أن يحث على الذكر والتوجه إلى الله تعالى لتفارق نفسه وهي في غاشية من الإيمان فيجد ثمرتها في معاده, ودليله حديث أبي سعيد الثابت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" وفي الباب أحاديث. "وتوجيهه" إلى القبلة لحديث عبيد بن عمير عن أبيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال وقد سأله رجل عن الكبائر فقال هي تسع: "الشرك والسحر وقتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات وعقوق الوالدين واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا" أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم. وقد أخرج البغوي في الجعديات من حديث ابن عمر نحوه وفي إسناده أيوب بن عتبة وهو ضعيف. وقد استدل بهذا على مشروعية توجيه المريض إلى القبلة ليموت إليها لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "قبلتكم أحياء وأمواتا" وفيه نظر لأن المراد بقوله: "أحياء" عند الصلاة وبقوله: "أمواتا" في اللحد والمحتضر حي غير مصل فلا يتناوله الحديث, وإلا لزم وجوب التوجه إلى القبلة على كل حي وعدم اختصاصه بحال الصلاة وهو خلاف الإجماع, والأوْلى الاستدلال بما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة: أن البراء بن معرور أوصى أن يُوجَّه إلى القبلة إذا احتضر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:

стр. 177

"أصاب الفطرة"١. وقد اختلف الصفة التي يكون التوجه إلى القبلة عليها فقيل: يكون مستلقيا ليستقبلها بكل وجهه. وقيل: على جنبه الأيمن وهو الأولى. أقول: وهو الصفة التي يوجه عليها في قبره والصفة التي أمر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم النائم أن ينام عليها, ومن ذلك فعل البتول ﵂ ولا وجه لاختيار الاستلقاء إلا وهم أنه أكمل. "وتغميضه إذا مات" لحديث شداد بن أوس عند أحمد وابن ماجة والحاكم والطبراني والبزار قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت" وأخرج مسلم في صحيحه أن البني صلى الله تعالى عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر". وقراءة يس عليه لحديث: "اقرؤا على موتاكم يس" أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان وصححه من حديث معقل بن يسار مرفوعا وقد أعل٢ وقد أخرج نحوه صاحب مسند الفردوس من حديث أبي الدرداء وأبي ذر وأخرج نحوه أيضا أبو الشيخ في فضل القرآن من حديث أبي ذر وحده. قال ابن حبان في صحيحه: المراد بقوله: "اقرؤا على موتاكم يس" من حضرته المنية لا الميت, وكذلك: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله". "والمبادرة بتجهيزه إلا لتجويز حياته" لما أخرجه أبو داود من حديث الحصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعوده فقال: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت فآذنوني به وأعجلوا٣ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله"

стр. 178

وأخرج أحمد والترمذي من حديث علي مرفوعا بلفظ: "ثلاث لا يؤخرن: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفؤا". وأما إذا كان يظن أنه لم يمت فلا يحل دفنه حتى يقع القطع بالموت كصاحب البرسام وغيره. "والقضاء لدينه" لحديث امتناعه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من الصلاة على الميت الذي عليه دين حتى التزم بذلك بعض الصحابة والحديث معروف, وحديث: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة. "وتسجيته" لما وقع من الصحابة من تسجية رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عنه موته ببرد حبرة وهو في الصحيحين من حديث عائشة وذلك لا يكون إلا بجري العادة بذلك في حياته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. "ويجوز تقبيله" لتقبيله ﵌ لعثمان بن مظعون وهو ميت كما في حديث عائشة عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وفي الصحيح من حديثها وحديث ابن عباس أن أبا بكر قبل النبي ﷺ بعد موته. "وعلى المريض أن يحسن الظن بربه" والأحاديث في ذلك كثيرة ولو لم يكن منها إلا حديث النهي عن أن يموت الميت إلا وهو حسن الظن بربه, وحديث المريض الذي زاره النبي ﷺ فقال: "كيف تجدك"؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي, فقال: "ما اجتمعنا في قلب امرئ في مثل هذا الموطن إلا دخل الجنة. أو كما قال. "ويتوب إليه" والآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في ذلك لا يتسع المقام لبسطها وفي الصحيحين: "أن الله يفرح بتوبة عبده" وأن باب التوبة مفتوح لا يغلق. "ويتخلص عن كل ما عليه" ووجوب ذلك معلوم, وإذا أمكن بإرجاع كل شيء لمن هو له من دين أو وديعة أو غصب أو غير ذلك فهو الواجب, وإن لم يكن في الحال فالوصية المفصلة هي أقل ما يجب, وورد الأمر بالوصية وأنه لا يحل لأحد أن يبيت إلا ووصيته عند رأسه كما في الأحاديث الصحيحة. فصل "ويجب غسل الميت المسلم على الأحياء" وهو مجمع عليه كما حكى ذلك النووي والمهدي في البحر ومستند هذا الإجماع أحاديث الأمر بالغسل

стр. 179

والترغيب فيه كالأمر منه ﷺ بغسل الذي وقصته ناقته وبغسل ابنته زينب وهما في الصحيح. والقريب أولى بالقريب إذا كان من جنسه لحديث: "ليليه أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة" أخرجه أحمد والطبراني وفي إسناده جابر الجعفي والحديث وإن كان لا يصلح للاحتجاج به ولكن للقرابة مزية وزيادة حنو وشفقة توجب كمال العناية ولا شك أنها وجه مرجح مع علم القريب بما يحتاج إليه في الغسل. "وأحد الزوجين بالآخر" أولى لقوله ﷺ لعائشة: "ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك" أخرجه أحمد وابن ماجة والدارمي وابن حبان والدارقطني والبيهقي وفي إسناده محمد بن إسحق ولم ينفرد به فقد تابعه عليه صالح بن كيسان, وأصل الحديث في البخاري بلفظ: "ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك" وقالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه. أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود, وقد غسلت الصديق زوجته أسماء كما تقدم في الغسل لمن غسل ميتا وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه, وغسل علي فاطمة كما رواه الشافعي والدارقطني وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن, وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. قال في المسوى: اتفقوا على جواز غسل المرأة زوجها, واختلفوا في غسل الزوج امرأته قالت الحنفية: لا يجوز فإن لم يكن إلا الزوج يممها. وقال الشافعي: يجوز لما مر. "ويكون الغسل ثلاثا أو خمسا أو أكثر بماء وسدر" لقوله ﷺ للنسوة الغاسلات لابنته زينب: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورا" وهو في الصحيحين من حديث أم عطية وفي لفظ لهما أيضا: "اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن" وفيه دليل على تفويض عدد الغسلات إلى الغاسل. قال في الحجة: إنما أمر بالسدر وزيادة الغسلات لأن المريض مظنة الأوساخ والرياح المنتنة ١هـ. "وفي الآخرة كافورا" لقوله ﷺ : "واجعلن في الآخرة كافورا" كما سبق, وإنما أمر بالكافور في الآخرة لأن من خاصيته أن لا يسرع التغير فيما استعمل, ويقال من فوائده أنه لا يقرب منه حيوان مؤذ. "وتقدم الميامن" ليكون

стр. 180

غسل الموتى بمنزلة غسل الأحياء وليحصل إكرام هذه الأعضاء, ودليله قوله ﷺ في حديث أم عطية هذا: "ابدأن بميامنها ومواضع الضوء منها" قال ابن القيم: السنة الصحيحة الصريحة في ضفر رأس الميت ثلاث ضفائر كقوله في الصحيحين في غسل ابنته: "اجعلوا رأسها ثلاثة قرون" قالت أم عطية: ضفرنا رأسها وناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها. فرد ذلك بأنه يشبه زينة الدنيا وإنما يرسل شعرها شقتين على ثديها وسنة رسول الله ﷺ أحق بالاتباع ١هـ. "ولا يغسل الشهيد" بل يدفن في ثيابه ودمائه تنويها بما فعل وليتمثل صورة بقاء عمله بادي الرأي وهذا هو الحق لما ثبت في شهداء أحد أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا وهو في الصحيح, وما قيل بأن الترك إنما كان لكثرة القتلى وضيق الحال فمردود بما عند أحمد في هذا الحديث عنه ﷺ أنه قال في قتلى أحد: "لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة" وأخرج أبو داود عن جابر قال: رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله ﷺ . وإسناده على شرط مسلم, وعن ابن عباس عند أبي داود وابن ماجة قال: أمر النبي ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي وقد تكلم فيه جماعة وفيه أيضا عطاء بن السائب وفيه مقال وفي الباب أحاديث. وبالجملة: فقد جرت السنة في الشهيد أن لا يغسل ولم يرو أنه غسل شهيدا وبه قال الجمهور, وأما من أطلق عليه اسم الشهيد كالمطعون والمبطون والنفساء ونحوهم فقد حكى في البحر الإجماع على أنهم يغسلون. فصل "ويجب تكفينه" الأصل في التكفين التشبه بحال النائم المسجى بثوبه, أكمله في الرجل إزار وقميص وملحفة أو حلة, وفي المرأة هذه مع زيادة ما لأنها يناسبها زيادة الستر. بما يستره لأمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بإحسان الكفن كما في حديث: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه" وهو في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي قتادة والكفن الذي لا يستر ليس بحسن. "ولو لم يملك غيره" أي الكفن لأمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بتكفين مصعب بن عمير في النمرة١ التي لم يترك غيرهما كما في

стр. 181

الصحيحين وغيرهما من حديث خباب بن الأرت. "ولا بأس بالزيادة مع التمكن من غير مغالاة" لما وقع منه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في كفن ابنته فإنه كان يناول النساء ثوبا ثوبا وهو عند الباب فناولهن الحقو ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر أخرجه أحمد وأبو داود من حديث ليلى بنت قائف الثقفية, وقد كفن صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ثلاثة اثواب سحولية١ جدد يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة أدرج فيها إدراجا, وهو في الصحيحين. وأخرج أبو داود من حديث علي: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعا". أقول: أراد العدل بين الإفراط والتفريط وأن لا ينتحلوا عادة الجاهلية في المغالاة والحاصل: أنه لا ريب في مشروعية الكفن للميت ولا شك في عدم وجوب زيادة على الواحد ولم يثبت عنه ﷺ كون الكفن على صفة من الصفات أوعدد من الأعداد إلا ما كان منه ﷺ في تكفين ابنته أم كلثوم, وهذا الحديث وإن كان فيه مقال لكنه لا يخرج به عن حد الاعتبار فغاية ما يقال إنه يستحب أن يكون كفن المرأة على هذه الصفة, وأما كفن الرجل فلم يثبت عنه إلا الأمر بالتكفين في الثوب الواحد كما في قتلى أحد, وفي الثوبين كما في المحرم الذي وقصته ناقته وليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود فإنه لولا ورود الشرع به لكان من إضاعة المال, لأنه لا ينتفع به الميت ولا يعود نفعه على الحي ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال: "إن الحي أحق بالجديد" لما قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: "إن هذا خلق٢" والأولى أن يكون الكفن من الأبيض لحديث: "ألبسو من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وصححه والشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه ابن القطان وفي معناه أحاديث أخر عن عمران وسمرة وأنس وابن عمر وأبي الدرداء. "ويكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها" فقد كان ذلك صنيعه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الشهداء المقتولين معه, وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: أمر رسول الله ﵌ يوم أحد بالشهداء

стр. 182

أن ينزع عنهم الحديد والجلود, وقال: "ادفنوهم بدمائهم وثيابهم" وأخرج أحمد من حديث عبد الله بن ثعلبة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال يوم أحد: "زملوهم في ثيابهم". وندب تطييب بدن الميت وكفنه لحديث جابر عند أحمد والبيهقي والبزار بإسناد رجاله رجال الصحيح قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أجمرتم الميت فأجمروه١ ثلاثا" ولقوله ﷺ في حديث المحرم الذي وقصته ناقته: "ولا تمسوه بطيب" وهو في الصحيح من حديث ابن عباس فإن ذلك يشعر أن غير المحرم يطيب ولا سيما مع تعليله ﷺ بقوله: "فإنه يبعث ملبيا". قال في الحجة: فوجب المصير إليه وإلى هذه النكتة أشار النبي ﷺ لقوله: "الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها". وأما ما قيل تتبع بالطيب مساجده فلعل وجه ما قاله ابن مسعود ومن بعده تكريم هذه الأعضاء لكون الاعتماد عليها في أشرف طاعات الله وهي الصلاة ولم يرد فيه ذلك من المرفوع شيء ولكنه يحسن لستر ما لعله يظهر من روائح الميت التي يتأذى بها المتولون لتجهيزه. فصل "وتجب الصلاة على الميت" لأن اجتماع أمة من المؤمنين شافعين للميت له تأثير بليغ في نزول الرحمة عليه, والصلاة على الأموات ثابتة ثبوتا ضروريا من فعله ﷺ وفعل أصحابه ولكنها من واجبات الكفاية, لأنهم قد كانوا يصلون على الأموات في حياته ﷺ ولا يؤذنونه٢ كما في حديث السوداء التي كانت تقم٣ المسجد فإنه لم يعلم النبي ﷺ إلا بعد دفنها فقال لهم: "ألا آذنتموني" وهو في الصحيح وامتنع من الصلاة على من عليه دين وأمرهم بأن يصلوا عليه. "ويقوم الإمام حذاء رأس الرجل ووسط المرأة" لحديث أنس بن مالك أنه صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه فلما رفعت أتي بجنازة امرأة فصلى عليها فقام وسطها فسئل عن ذلك وقيل له هكذا كان رسول الله ﷺ يقوم من الرجل حيث قمت ومن المرأة حيث قمت قال: نعم أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة ولفظ أبي داود: هكذا كان رسول الله ﷺ يصلي على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة. قال: نعم وفي الصحيحين من حديث

стр. 183

سمرة قال: صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها رسول الله ﷺ في الصلاة وسطها. والخلاف في المسألة معروف وهذا هو الحق. وأقول: الثابت عنه ﷺ أنه كان يقف مقابلا لرأس الرجل ولم يثبت عنه غير ذلك وأما المرأة فروي أنه كان يقوم مقابلا لوسطها وروي أنه كان يقوم مقابلا لعجيزتها ولا منافاة بين الروايتين فالعجيزة يصدق عليها أنها وسط وإيثار ما ثبت عن رسول الله ﷺ عند أئمة الفن الذين هم المرجع لغيرهم واجب ولم يقل أحد من أهل العلم بترجيح قول أحد من الصحابة أو من غيرهم على قول رسول الله ﷺ وفعله وهذا مما لا ينبغي أن يخفى. "ويكبر أربعا أو خمسا" لورود الأدلة بذلك, أما الأربع فثبتت ثبوتا متواترا من طريق جماعة من الصحابة أبي هريرة وابن عباس وجابر وعقبة بن عامر والبراء بن عازب وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم رضي الله تعالى عنهم, وأما الخمس فثبتت في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا وإنه كبر على جنازة خمسا فسألته فقال كان رسول الله ﷺ يكبرها أخرجه مسلم وأحمد وأهل السنن, وأخرج أحمد عن حذيفة أنه صلى على جنازة فكبر خمسا ثم التفت فقال: ما نسيت ولا وهمت ولكن كبرت كما كبر النبي ﷺ صلى على جنازة فكبر خمسا. وفي إسناده يحيى بن عبد الله الجابري وهو ضعيف, وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم في عدد تكبير صلاة الجنازة: فذهب الجمهور إلى أنه أربع وذهب جماعة من الصحابة فمن بعدهم إلى أنه خمس, وقال القاضي عياض: اختلفت الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع. قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ما جاء في الأحاديث الصحاح وما سوى ذلك عندهم فشذوذ لا يلتفت إليه اهـ. وهذه الدعوى مردودة فالخلاف في ذلك معروف بين الصحابة وإلى الآن ولا وجه لعدم العمل بالخمس بعد خروجها من مخرج صحيح مع كونها زيادة غير منافية إلا أن يصح ما رواه ابن عبدا لبر في الاستذكار من طريق أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبيه كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وسبعا وثمانيا حتى

стр. 184

جاء موت النجاشي فخرج فكبر أربعا ثم ثبت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على أربع حتى توفاه الله تعالى, على أن استمراره على الأربع لا ينسخ ما وقع منه ﷺ من الخمس ما لم يقل قولا يفيد ذلك, وقد أخرج الطبراني في الأوسط عن جابر مرفوعا: "صلوا على موتاكم بالليل والنهار والصغير والكبير والدنيء والأمير أربعا" وفي إسناده عمرو بن هشام البيروتي تفرد به عن ابن لهيعة, وما أحق هذا بأن لا يصح ولا يثبت, وقد روى البخاري عن علي أنه كبر على سهل بن حنيف ستا وقال إنه شهد بدرا وروى سعيد بن منصور عن الحكم بن عتيبة أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا. "ويقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة وسورة" لحديث ابن عباس عند البخاري وأهل السنن أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنه من السنة. ولفظ النسائي: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر فلما فرغ قال سنة وحق. وروى الشافعي في مسنده عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات ولا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه. قال في الفتح: وإسناده صحيح, وقد أخرجه عبد الرزاق والنسائي بدون قوله: "بعد التكبيرة" ولا قوله: "ثم يسلم سرا في نفسه". قال في الحجة: ومن السنة قراءة الفاتحة لأنها خير الأدعية وأجمعها علمها الله تعالى عباده في محكم كتابه اهـ. والحاصل: أن المواطن موطن دعاء لا موطن قراءة قرآن فيتوجه الاقتصار على ما ورد وهو الفاتحة وسورة ويكون ذلك بعد التكبيرة الأولى ويشتغل فيما بعدها بمحض الدعاء. "ويدعو بين التكبيرات بالأدعية المأثورة" منها ما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا صلى على جنازة قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان" زاد أبو داود وابن ماجه: "اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده" وأخرجه

стр. 185

أيضا النسائي وابن حبان والحاكم قال: وله شاهد صحيح من حديث عائشة نحوه: وأخرج هذا الشاهد الترمذي وأعله بعكرمة بن عمار وأخرج مسلم وغيره من حديث عوف بن مالك قال: سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وقه فتنة القبر وعذاب النار". وقد وردت أدعية متنوعة في أحاديث صحيحة هي أولى من الاستحسانات التي ذكرها الفقهاء في كتبهم من عند أنفسهم فإنهم لم يقصدوا أنها أولى من الثابت عنه ﷺ , ولكن فن الرواية هم عنه بمعزل فضاعت عليهم المسالك وهي واسعة. قال في الحجة البالغة: ومن دعاء النبي ﷺ على الميت: "اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحق اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم" وأما الصلاة على الجنائز في المساجد فغاية ما استدل به من قال بالكراهة ما أخرجه أبو دواد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه" وأخرجه ابن ماجه بلفظ: "فليس له شيء" وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأجوبة منها: أنه ضعيف كما قاله جماعة من الحفاظ فإن في إسناده صالحاً مولى التوأمة ومنها: أن الذي في النسخ المشهورة الصحيحة من سنن أبي داود بلفظ: "فلا شيء عليه" كما تقدم, وعلى فرض ثبوت الرواية باللفظ الآخر فيجب تأويلها لما ثبت من صلاته ﷺ على ابني بيضاء في المسجد. بل أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة أن الصحابة صلوا على أبي بكر وعمر في المسجد, وأما إنكار من أنكر على عائشة فلا حجة فيه ولا سيما وقد انقطع عند أن قامت عليه الحجة, وأما الصلاة على الجنازة فرادى فأقول: الاستدلال ممن قال باشتراط التجميع فيها بأنه ﷺ ما صلى على جنازة إلا في جماعة لا تتم به الحجة لأن الأصل في كل صلاة مشروعة أن تكون كالصلوات الخمس في إجزائها فرادى كما تجزئ جماعة ومن زعم غير ذلك فعليه الدليل ولو كان فعلها منه ﷺ في جماعة تقوم به الحجة

стр. 186

للزم في صلاة الفرائض الخمس أن لا تصح إلا جماعة لأنه ﷺ لم يؤدها إلا في جماعة. إذا تقرر هذا فالاقتصار في الاستدلال لصحة صلاة الجنازة فرادى على ما ذكرناه مغن عن غيره فإن تحقيق إجماع الصحابة على تجويز الصلاة عليه ﷺ عند موته فرادى ممنوع لأنهم قد تفرقوا بعض تفرق في تلك الحال, وإن كان الباقون في المدينة جمهورهم وأكابرهم ثم لو فرض الإجماع على ذلك فهو إجماع سكوتي وانتهاضه للاحتجاج فيه ما لا يخفى على عارف بالأصول ثم هذا مبني على صدور ذلك ولم يرد إلا بإسناد ضعيف أنهم فعلوا ذلك, وأما ما يقال أنه ﷺ أوصاهم بأن يصلوا عليه فرادى ففي إسناده عند المنعم بن إدريس وهو كما قيل كذاب وصرح بعض الحفاظ بأن الحديث موضوع, "ولا يصلى على الغال١" لامتناعه ﷺ في غزاة خبير من الصلاة على الغال كما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. "وقاتل نفسه" لحديث جابر بن سمرة عند مسلم وأهل السنن أن رجلا قتل نفسه بمشاقص٢ فلم يصل عليه النبي ﷺ . "والكافر" وذلك هو المعلوم منه ﷺ فإنه لم ينقل عنه أنه صلى على كافر وقد صرح بذلك القرآن الكريم قال الله : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ . "والشهيد" وقد اختلفت الروايات في ذلك وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر: أن النبي ﷺ لم يصل على شهداء أحد. وأخرجه أيضا أهل السنن وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم من حديث أنس أنه ﷺ لم يصل عليهم. أقول: لا يشك من له أدنى إلمام بفن الحديث أن أحاديث الترك أصح إسنادا وأقوى متنا حتى قال بعض الأئمة إنه كان ينبغي لمن عارض أحاديث النفي بأحاديث الإثبات أن يستحي على نفسه. لكن الجهة التي جعلها المجوزون وجه ترجيح وهي الإثبات لا ريب أنها من المرجحات الأصولية إنما الشأن في صلاحية أحاديث الإثبات لمعارضة أحاديث النفي لأن الترجيح فرع المعارضة. والحاصل: أن أحاديث الإثبات مروية من طرق متعددة لكنها جمعيا متكلم عليها, وقد أطال

стр. 187

الماتن الكلام على هذا في شرح المنتقى وسرد الروايات المختلفة واختلاف أهل العلم في ذلك فليرجع إليه فإن هذا المقام من المعارك. "ويصلى على القبر وعلى الغائب" لحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا. وهو في الصحيحن من حديث ابن عباس وكذلك صلاته على قبر السوداء التي كانت تقم المسجد وهو أيضا في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وصلى على قبر أم سعد وقد مضى لذلك شهر أخرجه الترمذي وصلى على النجاشي هو وأصحابه كما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر وأبي هريرة وهو مات في دياره بالحبشة فصلى عليه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالمدينة, والخلاف في الصلاة على القبر والغائب معروف ولم يأت المانع بشيء يُعتد به. أقول: الأدلة ثابتة في الصلاة على القبر ثبوتا لا يقابله أهل العلم بغير القبول, أما فيمن لم يصل عليه فالأمر أوضح من أن يخفى ولا تزال الصلاة مشروعة عليه ما علم الناس أنه لم يصل عليه أحد, وأما فيمن قد صُلي عليه فلمثل حديث السوداء المتقدم, ومعلوم أن الميت لا يدفن في عصره ﷺ بدون صلاة عليه, وأما المانعون من الصلاة على القبر مطلقا فأشف ما استدلوا به ما روي عنه ﷺ في حديث السوداء المذكور أنه قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها بصلاتي عليهم". قالوا: فهذا يدل على اختصاصه ﷺ بذلك وتُعقِّب بأنه ﷺ لم ينكر على من صلى معه على القبور ولو كان خاصا به لأنكر عليهم, وأجيب عن هذا التعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا يصلح للاستدلال به على الفعل أصالة وأحسن ما يجاب به عن هذه الزيادة بأنها مدرجة في هذا الحديث كما بين ذلك جماعة من أصحاب حماد بن زيد على أنه يمكن الجواب بأن كون الله ينور القبور بصلاة رسوله ﷺ عليها لا ينفي مشروعية الصلاة من غيره تأسيا به لا سيما بعد قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". قال ابن القيم في إعلام الموقعين: رُدت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" وهذا حديث صحيح, والذي قاله هو الذي صلى على القبر فهذا قوله وهذا فعله ولا يناقض أحدهما الآخر فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر فهذه صلاة الجنازة على الميت التي

стр. 188

لا تختص بمكان بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها, بخلاف سائر الصلوات فإنها لم تشرع في القبور ولا إليها لأنها ذريعة إلى اتخاذها مساجد, وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك فأين ما لعن فاعله وحذر منه وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذي يتخذون القبور مساجد" إلى ما فعله ﷺ مراراً متكررة؟ وبالله التوفيق. فصل ويكون المشي بالجنازة سريعاً لحديث أبي بكرة عند أحمد والنسائي وأبي داود والحاكم قال: لقد رأيتنا مع رسول الله عليه وسلم وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا١, وأخرج البخاري في تاريخه قال: أسرع النبي ﷺ حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير وإن كان غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسراع مستحب, وقال ابن حزم: بوجوبه. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المستحب التوسط لحديث أبي موسى قال: مرت برسول الله ﷺ جنازة تمخض مخض الزق فقال رسول الله ﷺ : "عليكم القصد" أخرجه أحمد وابن ماجة والبيهقي وفي إسناده ضعف وأخرج الترمذي وأبو داود من حديث ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن المشي خلف الجنازة فقال: "ما دون الخبب فإن كان خيرا عجلتموه وإن كان شرا فلا يبعد إلا أهل النار" وفي إسناده مجهول, ولا يخفاك أن حديث أبي موسى لا يصلح للاحتجاج به على فرض عدم وجود ما يعارضه فكيف وقد عارضه ما هو في الصحيحين بلفظ الأمر. وأما حديث ابن مسعود فلا ينافي الإسراع لأن الخبب هو ضرب من العدو وما دونه إسراع. أقول: والحق هو القصد في المشي فالأحاديث المصرحة بمشروعية الإسراع ليس المراد بها الإفراط في المشي الخارج عن حد الاعتدال, والأحاديث التي فيها الإرشاد

стр. 189

إلى القصد ليس المراد بها الإفراط في البطء فيجمع بين الأحاديث بسلوك طريقة وسطى بين الإفراط والتفريط يصدق عليها أنه إسراع بالنسبة إلى الإفراط في البطء وأنها قصد بالنسبة إلى الإفراط في الإسراع فيكون المشروع دون الخبب وفوق المشي الذي يفعله من يمشي في غير مهم, ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي وأبو داود عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن المشي خلف الجنازة فقال: "ما دون الخبب" وقد ضعفه جماعة بأبي ماجد المذكور في إسناده قيل إنه مجهول وقيل منكر الحديث, والراوي عنه يحيى الجابري وهو ضعيف. وأخرج أحمد والنسائي والحاكم عن أبي بكرة قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا١. فمعنى نكاد نرمل أي نقارب الرمل. "والمشي معها" سنة وهو ظاهر لأنه ﵌ كان يمشي مع الجنائز هو وأصحابه كما يفيد ذلك الأحاديث المتقدمة في صفة المشي والأحاديث الآتية في التقدم والتأخر على الجنازة ولحديث أبي هريرة الثابت في الصحيح: "من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا" الحديث. "والحمل لها سنة" لحديث ابن مسعود قال: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من السنة ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع. أخرجه ابن ماجة وأبو داوود اليطالسي والبيهقي من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عنه٢. وفي الباب عن جماعة من الصحابة والأحاديث يقوي بعضها بعضا ولا تقصر عن إفادة مشروعية الحمل والمتقدم عليها والمتأخر عنها سواء لما ثبت في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يمشون حول جنازة ابن الدحداح, وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وابن حبان وصححه أيضا والحاكم وقال: على شرط البخاري من حديث المغيرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها قريبا منها عن يمينها أو عن يسارها" ولفظ أبي داود: "والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها" وفي لفظ لأحمد والنسائي والترمذي: "الراكب خلف

стр. 190

الجنازة والماشي حيث شاء منها" وأخرج أحمد وأهل السنن والدارقطني والبيهقي وابن حبان وصححه من حديث ابن عمر أنه رأى النبي ﵌ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المشي أما الجنازة أفضل وبعضهم إلى أن المشي خلفها أفضل. أقول: فإذا لم يكن المشي أمام الجنازة أفضل فأقل الأحوال أن يكون مساويا للمشي خلفها في الفضيلة ولم يأت حديث صحيح ولا حسن أن المشي خلف الجنازة أفضل وأقوال الصحابة مختلفة فالحق أن ذلك سواء ولا ينافيه رواية من روي أنه ﵌ مشى أمامها أو خلفها فذلك سواء لأن المشي مع الجنازة إنما يكون أمامها أو خلفها أو في جوانبها وقد أرشد إلى ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما تقدم فكل مكان من الأمكنة المذكورة هو من جملة ما أرشد إليه. قال في الحجة: وهل يمشي أمام الجنازة أو خلفها وهل يحملها أربعة أو اثنان وهل يسل من قبل رجليه أو من القبلة المختار أن الكل واسع وأنه قد صح في الكل حديث أو أثر اهـ. ويكره الركوب لحديث ثوبان قال: خرجنا مع رسول الله ﵌ فرأى ناسا ركبانا فقال: "ألا تستحيون إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب" أخرجه ابن ماجة والترمذي وأخرج أبو داود من حديث ثوبان أيضا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أتي بدابة وهو مع جنازة فأبى أن يركبها فلما انصرف أتي بدابة فركب فقيل له فقال: "إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت" وقد خرج ﵌ مع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع على فرس كما في حديث جابر بن سمرة عند الترمذي وقال صحيح ولا يعارض الكراهة ما تقدم من قوله: "الراكب خلف الجنازة" لأنه يمكن أن يكون ذلك لبيان الجواز مع الكراهة أو المراد بأن كون الراكب خلفها أن يكون بعيدا على وجه لا يكون في صورة من يمشي مع الجنازة "ويحرم النعي" لحديث حذيفة عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه أن النبي ﵌ نهى عن النعي وحديث ابن مسعود عن النبي ﷺ : "إياكم والنعي فإن النعي عمل الجاهلية" أخرجه الترمذي وفي إسناده أبو حمزة ميمون الأعور وليس بالقوي, وفي

стр. 191

الباب أحاديث والذي في الصحاح والقاموس والنهاية وغيرها من كتب اللغة أن النعي الإخبار بموت الميت فظاهره تحريم ذلك وإن لم يصحبه ما يستنكر كما كانت تفعله الجاهلية من إرسال من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق, ولكنه قد ثبت أنه ﷺ نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه أي أخبرهم وأخبر بقتلى مؤتة وقال في السوداء التي كانت تقم المسجد: "ألا أخبرتموني بموتها" فدلت هذه الأحاديث على جواز الإعلام بمجرد الموت لمن يحضر الغسل والتكفين والصلاة والمنع منه لغير ذلك. "والنياحة" لحديث: "من نيح عليه يعذب بما نيح عليه" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث المغيرة وعلى النياحة تحمل الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء وأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" وأخرج أحمد ومسلم من حديث أبي مالك الأشعري: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي موسى بلفظ: أنا بريء مما برئ منه رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ : بريء من الصالقة والحالقة والشاقة. أقول: الأحاديث في هذا الباب قد اختلفت فمنها ما فيه الإذن بمطلق البكاء ومنها ما فيه النهي عن مطلق البكاء ووردت أحاديث مصرحة بالنهي عن النوح كما تقدم بعض ذلك ولم يأت ما يدل على جوازه واختلف الناس في الجميع بين الأحاديث فالذي يترجح الجزم بتحريم نفس النوح لأنه أمر زائد على البكاء, وأما ما لا يستطاع دفعه من دمع العين وماعجز الطبع عن كتمه من الصوت فلا مانع منه وعليه تحمل أحاديث الإذن بالبكاء وفيها ما يرشد إلى هذا فليعلم. "واتباعها بنار وشق الجيب والدعاء بالويل والثبور" لحديث أبي بردة قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: لا تتبعوني بمجمر. قالوا: أوسمعت فيه شيئا؟ قال: نعم من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. أخرجه ابن ماجة وفي إسناده مجهول, وقد كان هذا الفعل من أفعال الجاهلية. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية". "ولا يقعد المتبع لها حتى توضع"

стр. 192

لحديث: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها فمن اتبع فلا يجلس حتى توضع" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة نحوه وقد وردت أحاديث صحيحة في القيام للجنازة إذا مرت بمن كان قاعدا كحديث: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر وغيره, وأخرج مسلم من حديث علي قال: قام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعني في الجنازة ثم قعد. وفي رواية من حديثه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس. رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود وابن حبان, وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار من حديث عبادة بن الصامت أن يهوديا قال: لما كان النبي ﷺ يقوم للجنازة هكذا نفعل فقال النبي ﷺ : "اجلسوا وخالفوهم" وفي إسناده بشر بن أبي رافع وليس بالقوي كما قال الترمذي, وقال البزار تفرد به بشر وهو لين. فأفاد ما ذكرناه أن القيام لها إذا مرت منسوخ, وأما قيام الماشي خلفها حتى توضع على الأرض فمحكم لم ينسخ قال القاضي عياض: ذهب جمع من السلف إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بحديث علي هذا. أقول: وهذا الحديث بلفظ ثم قعد لا يصلح لنسخ الأحاديث الصحيحة المصرحة بأمره ﷺ لنا بالقيام وعلل ذلك بأن الموت فزع وقام لجنازة فقيل إنها جنازة يهودي فقال: "أليست نفسا" فغاية ما يدل عليه قعوده من بعد هو أن القيام ليس بواجب عليه وقد تقرر في الأصول أنه إذا فعل فعلا لم يظهر منه التأسي به فيه وكان ذلك مخالفا لما قد أمر به الأمة أو نهاها عنه فإنه يكون مختصا به ويبقى حكم الأمر أو النهي للأمة على حاله١ ولفظ: "أمرنا بالجلوس" إن بلغ إلى حد الاعتبار صلح للنسخ ويؤيده حديث عبادة بن الصامت المتقدم وفيه ما تقدم والمقام عندي من المضايق. فصل "ويجب دفن الميت" أي مواراة جيفته في "حفرة" قبر بحيث لا تنبشه السباع وتمنعه من السباع ولا تخرجه السيول المعتادة ولا خلاف في ذلك, وهو ثابت في الشريعة ثبوتا ضروريا وقال النبي ﷺ : "احفروا وأعمقوا

стр. 193

وأحسنوا" أخرجه النسائي والترمذي وصححه. "ولا بأس بالضرح واللحد أولى". لأن اللحد أقرب من إكرام الميت وإهالة التراب على وجهه من غير ضرورة سوء أدب, ودليله حديث: أن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح وأن أبا طلحة كان يلحد. وقد أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف, وأخرج أحمد وابن ماجه من حديث أنس قال: لما توفي رسول الله ﷺ كان رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا له. وإسناده حسن. فتقريره ﷺ للرجلين في حياته هذا يلحد وهذا يضرح يدل على أن الكل جائز, وأما أولوية اللحد فلحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اللحد لنا والشق لغيرنا" أخرجه أحمد وأهل السنن وقد حسنه الترمذي وصححه ابن السكن مع أن في إسناده عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف, وأخرج أحمد والبزار وابن ماجة من حديث جرير نحوه وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف, وقد ذهب إلى ذلك الأكثر, وحكى النووي في شرح مسلم اتفاق العلماء على جواز اللحد والشق وعلى كل حال اللحد أولى للخروج من الريبة وإن كان المقام مقام احتمال. ويدخل الميت من مؤخر القبر لحديث عبد الله بن زيد: أنه أدخل ميتا من قبل رجلي القبر, وقال: هذا من السنة أخرجه أبو داود وأخرج ابن ماجه من حديث أبي رافع قال: سل رسول الله ﷺ سعد بن معاذ سلا. وقد روى الشافعي من حديث ابن عباس وأبو بكر النجاد من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ سل من قبل رأسه سلا. وقد روى البيهقي من حديث ابن عباس وابن مسعود وبريدة أنهم أدخلوا النبي ﷺ من جهة القبلة. وقد ضعفها البيهقي ولا يعارض السنة ما وقع من بعض الصحابة عند دفنه ﷺ . "ويوضع على جنبه الأيمن مستقبلا" وهو مما لا أعلم فيه خلافا. "ويستحب حثو التراب من كل من حضر ثلاث حثيات" لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا. أخرجه ابن ماجه وأبو داود وإسناده صحيح لا كما قال أبو حاتم. وأخرج البزار والدارقطني من حديث عامر بن ربيعة أن النبي ﷺ حثى

стр. 194

على قبر عثمان بن مظعون ثلاثا. وفي الباب غير ذلك. ولا يرفع القبر زيادة على شبر لحديث علي عند مسلم وأحمد وأهل السنن: أنه بعثه رسول الله ﷺ على أن لا يدع تمثالا إلا طمسه ولا قبرا مشرفا إلا سواه. وفي مسلم أيضا وغيره من حديث جابر أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبر وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء ورفعه شبرا. أقول: الأحاديث الصحيحة وردت بالنهي عن رفع القبور وقد ثبت من حديث أبي الهياج ما تقدم فما تصدق عليه أنه قبر مرفوع أو مشرف لغة فهو من منكرات الشريعة التي يجب على المسلمين إنكارها وتسويتها من غير فرق بين نبي وغير نبي وصالح وطالح فقد مات جماعة من أكابر الصحابة في عصره ﷺ ولم يرفع قبورهم بل أمر عليا بتسوية المشرف منها ومات ﵌ ولم يرفع قبره أصحابه وكان من آخر قوله: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ونهى أن يتخذوا قبره وثنا فما أحق الصلحاء والعلماء أن يكون شعارهم هو الشعار الذي أرشدهم إليه ﵌ وتخصيصهم بهذه البدعة المنهي عنها تخصيص لهم بما لا يناسب العلم والفضل فإنهم لو تكلموا لضجوا من اتخاذ الأبنية على قبورهم وزخرفتها لأنهم لا يرضون بأن يكون لهم شعار من مبتدعات الدين ومنهياته فإن رضوا بذلك في الحياة كمن يوصي من بعده أن يجعل على قبره بناء أو يزخرفه فهو غير فاضل والعالم يزجره علمه عن أن يكون على قبره ما هو مخالف لهدي نبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فما أقبح ما ابتدعه جهلة المسلمين من زخرفة القبور وتشييدها, وما أسرع ما خالفوا وصية رسول الله ﷺ عند موته فجعلوا قبره على هذه الصفة التي هو عليها الآن, وقد شد من عضد هذه البدعة ما وقع من بعض الفقهاء من تسويغها لأهل الفضل حتى دونوها في كتب الهداية والله المستعان, ومثل هذا التسويغ الكتب على القبور بعد ورود صريح النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة١ كأنه لم يكف الناس ابتداعهم في مطعمهم

стр. 195

ومشربهم وملبوسهم وسائر أمور دنياهم فجعلوا على قبورهم شيئا من هذه البدع لتنادي عليهم بما كانوا عليه حال الحياة وتغالوا في ذلك حتى جعلوه مختصا بأهل العلم والفضل اللهم غفرا وما جعلوه وجها لرفع القبور وهو تمييزها لأجل الزيارة فهذا ممكن بوضع حجر على القبر أو بوضع قضيب أو نحو ذلك لا بتشييد الأبنية ورفع الحيطان والقبب وتزويق الظاهر والباطن. "والزيارة للموتى مشروعة" أي زيارة القبور لحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة" أخرجه الترمذي وصححه وهو في الصحيح مسلم وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة بنحو ذلك وفي الباب أحاديث, وقد قيل باختصاص ذلك بالرجال لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ : لعن زوارات القبور أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه, وفي الباب عن حسان بن ثابت عند أحمد وابن ماجة والحاكم وعن ابن عباس عند أحمد وأهل السنن والحاكم والبزار بإسناد فيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف وقد وردت أحاديث في نهي النساء عن اتباع الجنائز وهي تقوي المنع من الزيارة وروى الأثرم في سننه والحاكم من حديث عائشة أن النبي ﷺ رخص لهن في زيارة القبور وأخرج ابن ماجة عنها مختصرا أن النبي ﷺ رخص في زيارة القبور فيمكن أنها أرادت الترخيص الواقع في قوله ﷺ : "فزوروها" كما سبق فلا يكون في ذلك حجة لأن الترخيص العام لا يعارض النهي الخاص لكنه يؤيد ما روته عائشة ما في صحيح مسلم عنها أنها قالت: يا رسول الله كيف أقول إذا زرت القبور؟ قال: "قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين" الحديث, وروى الحاكم أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة١ ويجمع بين الأدلة بأن المنع لمن كانت تفعل في الزيارة ما لا يجوز من نوح ونحوه والإذن لمن لم تفعل ذلك. أقول: استدلوا للجواز بأحاديث الإذن العام بالزيارة وغير خاف على عارف بالأصول أن الأحاديث الواردة في النهي للنساء عن الزيارة

стр. 196

والتشديد في ذلك حتى لعن ﷺ من فعلت ذلك بل وردت أحاديث صحيحة في نهيهن عن اتباع الجنائز فزيارة القبور ممنوعة منهن بالأولى وشدد في ذلك حتى قال للبتول ﵂: "لو بلغت معهم يعني أهل الميت الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك" ١ فهذه الأحاديث مخصصة لأحاديث الإذن العام بالزيارة لكنه يشكل على ذلك أحاديث أخر منها حديث عائشة المتقدم أن النبي ﷺ علمها كيف تقول إذا زارت القبور, ومنها ما أخرجه البخاري أن النبي ﷺ مر بامرأة تبكي على قبر ولم ينكر عليها الزيارة. قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة يعني لفظ زوارات. قال: ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج. ويقف الزائر مستقبلا للقبلة لحديث: أنه جلس رسول الله ﷺ مستقبل القبلة لما خرج إلى المقبرة أخرجه أبو داود من حديث البراء وهو ﷺ خرج في هذا الحديث مع جنازة فأفاد مشروعية قعود من خرج من الجنازة مستقبلا حتى يدفن وكذلك مشروعية الاستقبال للزائر لكونه قد خرج إلى المقبرة كما يخرج من معه جنازة وقعد كما يقعد وقد كان ﷺ يقول عند الزيارة: "السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية" فينبغي للزائر أن يقول كذلك وقال في الحجة: وفي رواية: "السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم وأنتم سلفنا ونحن بالأثر" والله تعالى أعلم. "ويحرم اتخاذ القبور مساجد" الأحاديث في ذلك كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما ولها ألفاظ منها: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي لفظ: "قاتل الله اليهود" الحديث وفي لفظ: "لا تتخذوا قبري مسجدا" وفي آخر: "لا تتخذوا قبري وثنا" واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها وفي مسلم: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ولا عليها". قال البيضاوي: وأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا لتعظيم له ولا لتوجه نحوه فلا

стр. 197

يدخل في ذلك الوعيد انتهى. وتعقبه في سبل السلام وقال: قوله لا لتعظيم له يقال اتخاذ المسجد بقربه وقصد التبرك به تعظيم له, ثم أحاديث النهي مطلقة ولا دليل على التعليل بما ذكر, والظاهر أن العلة سد الذريعة والبعد عن التشبه بعبدة الأوثان التي تعظم الجمادات التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر, ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية ولأنه سبب لا يقاد السرج عليها الملعون فاعله ومفاسد مابني على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر, وقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج وقد حققنا ذلك في رسالة مستقلة انتهى. وزخرفتها لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ما أمرت بتشييد المساجد" أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان. قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى, والتشييد رفع البناء وتزيينه بالشيد وهو الجص والحديث ظاهر في الكراهة أو التحريم لقول ابن عباس كما زخرفت اليهود والنصارى فإن التشبه بهم محرم وذلك أنه ليس المقصود من بناء المساجد إلا أن تكن الناس من الحر والبرد وتزيينه يشغل القلوب عن الإقبال على الطاعة, ويذهب الخشوع الذي هو روح جسم العبادة. والقول بأنه يجوز تزيين المحراب باطل. قال المهدي في البحر: إن تزيين الحرمين لم يكن برأي ذي حل وعقد ولا سكوت رضا أي من العلماء, وإنما فعله أهل الدول الجبابرة من غير مؤاذنة لأحد من أهل الفضل وسكت المسلمون والعلماء من غير رضا وهو كلام حسن, وفي قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ما أمرت" إشعار بأنه لا يحسن فإنه لو كان حسنا لأمره الله تعالى به صلى الله تعالى عليه وآله وسلم, وأخرج البخاري من حديث ابن عمر أن مسجده صلى الله تعالى عليه وسلم كان على عهده مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة وبنى جدرانه بالأحجار المنقشة والقصة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج. قال ابن بطال: وهذا يدل على أن السنة في بنيان

стр. 198

المساجد القصد وترك الغلو في تحسينه فقد كان عمر رضي الله تعالى عنه مع كثرة الفتوحات في أيامه وكثرة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه ثم قال عند عمارته: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. ثم كان عثمان المال في زمنه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة ومع ذلك أنكر بعض الصحابة عليه, وأول من زخرف المساجد الوليد ابن عبد الملك وذلك في أواخر عصر الصحابة وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفا من الفتنة فتأمل. "وتسريجها" لحديث: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وفي إسناده أبو صالح با ذام وفيه مقال, وأخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن جابر قال: نهى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه. وزاد الترمذي: "وأن يكتب عليه وأن يوطأ" وصححه, وأخرج النهي عن الكتابة أيضا النسائي وقال الحاكم إن الكتابة وإن لم يخرجها مسلم فهي على شرطه. "والقعود عليها" لما أخرجه مسلم وأحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" ١ وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن عمرو ابن حزم قال: رآني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم متكئا على قبر فقال لا تؤذ صاحب هذا القبر. قال في الحجة البالغة: ومعنى أن لا يقعد عليه قيل: أن يلازمه المزورون وقيل: أن يطؤوا القبور وعلى هذا فالمعنى إكرام الميت فالحق التوسط بين التعظيم الذي يقارب الشرك وبين الإهانة وترك الموالاة بت. وسب الأموات لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ماقدموا" أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة, وأخرج أحمد والنسائي من حديث ابن عباس: "لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا" وفي إسناده صالح بن نبهان وهو ضعيف ولكنه يشهد له ما ورد بمعناه من حديث سهل بن سعد والمغيرة. أقول: أما السباب للأموات

стр. 199

من الشافعين لهم القائمين بالصلاة عليهم فما لهذا حمل الحاملون الجنازة إليهم فإذا كان لا يستجيز الدعاء للميت كمن يكون مثلا معلوم النفاق فيدعو المصلي لنفسه ولسائر المسلمين إذا ألجأته الضرورة إلى الصلاة عليه و: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه", "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" , "طوبى لمن شغلته عيوبه عن عيوب الناس". قال بعض المقصرين لرجل من أهل العلم ألا تلعن فلانا قال: وهل تعبدنا الله بذلك؟ قال: نعم. قال: فمتى عهدك بلعن الشيطان وفرعون فإنهما من رؤوس هذه الطائفة التي زعمت أن الله تعبدك بلعنها؟ قال: لا أدري؟ قال: لقد فرطت فيما تعبدك الله به وتركت ما هو أحق بما تفعل فعرف ذلك المقصر خطأه. "والتعزية مشروعة" لحديث: "من عزى مصابا فله مثل أجره" أخرجه ابن ماجة والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود, وقد أنكر هذا الحديث على علي بن عاصم وأخرج ابن ماجه من حديث عمرو بن حزم عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة" ورجال إسناده ثقات, وأخرج الشافعي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: لما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب. وفي إسناده القاسم بن عبيد الله ابن عمرو وهو متروك, وأخرج البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا لها في الموت فقال للرسول: "ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب". فينبغي التعزية بهذه الألفاظ الثابتة في الصحيح ولا يعدل عنها إلى غيرها١. "وكذلك إهداء الطعام لأهل الميت" لحديث عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي

стр. 200

وابن ماجة وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي وأخرج نحوه أحمد الطبراني وابن ماجة من حديث أسماء بنت عميس أم عبد الله بن جعفر, وأخرج أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث جرير قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. ولا يعارض هذا ما قد ثبت عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وشرف وكرم.

стр. 201

كتاب الزكاة مقدمة ... كتاب الزكاة وهي فريضة من فرائض الدين وركن من أركانه وضروري من ضرورياته ولكنها لا تجب إلا فيما أوجب فيه الشارع الزكاة من الأموال وبينه للناس فإن ذلك هو بيان لمثل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ كما بين للناس قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ما شرعه الله تعالى من الصلوات التي بينها رسول الله ﷺ للناس. قال الماتن: وقد توسع كثير من أهل العلم في إيجاب الزكاة في أموال لم يوجب الله الزكاة فيها بل صرح النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في بعض الأموال بعدم الوجوب كقوله: "ليس على المرء في عبده ولا فرسه صدقة" وقد كان للصحابة أموال وجواهر وتجارات وخضراوات ولم يأمرهم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بتزكية ذلك ولا طلبها منهم ولو كانت واجبة في شيء من ذلك لبين للناس ما نزل إليهم فقد أوردنا في هذا المختصر ما تجب فيه وأشرنا إلى أشياء من الأموال التي لا زكاة فيها مما قد جعله بعض أهل العلم من الأموال التي تجب فيها الزكاة كما ستسمع ذلك اهـ. "تجب في الأموال التي ستأتي" ببيانها عن قريب واجتمعت الأمة على أن منع الزكاة كبيرة قال في العالمكيرية: وهي فريضة محكمة يكفر جاحدها ويقتل مانعها. قال مالك: الأمر عندنا أن كل من منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه وبلغه أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه. كذا في المسوى. "إذا كان المالك مكلفا" اعلم أن هذه المقالة قد ينبو عنها ذهن من يسمعها فإذا راجع الإنصاف

стр. 202

ووقف حيث أوقفه الحق علم أن هذا هو الحق وبيانه أن الزكاة هي أحد أركان الإسلام ودعائمه وقوائمه ولا خلاف أنه لا يجب شيء من الأربعة الأركان التي الزكاة خامستها على غير مكلف فإيجاب الزكاة عليه إن كان بدليل فما هو؟ فما جاء عن الشارع في هذا شيء مما تقوم به الحجة كما يروى عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه أمر بالاتجار في أموال الأيتام لئلا تأكلها الزكاة فلم يصح ذلك في شيء مرفوعا إلى النبي ﷺ فليس مما تقوم به الحجة, وأما ما روي عن بعض الصحابة فلا حجة فيه أيضا وقد عورض بمثله كما روى البيهقي عن ابن مسعود قال: من ولي مال يتيم فليحص عليه السنين فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة فإن شاء زكى وإن شاء ترك, وروي نحو ذلك عن ابن عباس. وإن قال قائل: إن الخطاب في الزكاة عام كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ونحوه فذلك ممنوع وليس الخطاب في ذلك إلا لمن يصلح له الخطاب وهم المكلفون, وأيضا بقية الأركان بل وسائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمكلف الخطابات بها عامة للناس والصبي من جملة الناس فلو كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغا لإيجابها على غير المكلفين لكان العموم في غيرها كذلك وأنه باطل بالإجماع وما استلزم الباطل باطل مع أن تمام الآية أعني قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ يدل على عدم وجوبها على الصبي وهو قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فإنه لا معنى لتطهير الصبي والمجنون ولا لتزكيته فما جعلوه مخصصا لغير المكلفين في سائر الأركان الأربعة لزمهم أن يجعلوه مخصصا في الركن الخامس وهو الزكاة. وبالجملة: فأموال العباد محرمة بنصوص الكتاب والسنة لا يحللها إلا التراضي وطيبة النفس. أما ورود الشرع كالزكاة والدية والأرش والشفعة ونحو ذلك فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله سيما من كان قلم التكليف عنه مرفوعا فعليه البرهان والواجب على المنصف أن يقف موقف المنع حتى يزحزحه عنه الدليل ولم يوجب الله تعالى على ولي اليتيم والمجنون أن يخرج الزكاة من مالهما ولا أمره بذلك ولا سوغه له بل وردت في أموال اليتامى تلك القوارع التي تتصدع لها القلوب وترجف لها الأفئدة. أقول: وأما اشتراط الإسلام فالراجح أن الكفار مخاطبون بجميع الشرعيات لكنه منع صحتها منهم مانع الكفر

стр. 203

فليس الإسلام شرطا في الوجوب بل الكفر مانع عن الصحة والمكلف مخاطب برفع الموانع التي لا يجزئ عنه ما وجب عليه مع وجودها فخذ هذه قاعدة كلية في كل باب من الأبواب التي يجعلون الإسلام فيها شرطا للوجوب واما اشتراط الحرية فلا ريب أن هذا الاشتراط إنما يتم على قول من قال: إن العبد لا يملك وهي مسألة قد تعارضت فيها الأدلة بما لا يتسع لبسطه وهذه شرطية حقيقة عند القائل بعدم تملك العدم لأنه لا يجب على العبد أن يسعى في تحرير نفسه لتجب عليه الزكاة لما تقرر أن تحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب فلا وجوب على العبد حال العبودية بخلاف الكافر فإن الوجوب ثابت عليه في حال كفره ولكنه لا تتم تأدية الواجب إلا بإزالة المانع وهو الكفر وما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه ومن ههنا يتبين لك الفرق بين هاتين القاعدتين فالاولى تستعمل قبل وجوب ذلك الواجب على الشخص والثانية بعد وجوبه عليه مع مانع يمنعه عنه ومما ينبغي أن يجعل شرطا في وجوب الزكاة التكليف كما فعل الماتن رح مع أنها مشروعة للتطهرة والتزكية كما نطق بذلك القرآن وهما لا يكونان لغير المكلفين فمن أوجب على الصبي زكاة في ماله تمسكا بالعمومات فليوجب عليه بقية الأركان الأربعة تمسكا بالعمومات. وبالجملة: فالأصل في أموال العباد الحرمة: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" ولا سيما أموال اليتامى فإن القوارع القرآنية والزواجر الحديثية فيها أظهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر فلا يأمن ولي اليتيم إذا أخذ الزكاة من ماله من التبعة لأنه أخذ شيئا لم يوجبه الله على المالك ولا على الولي ولا على المال. أمال الأول: فلأن المفروض أنه صبي لم يحصل له فما هو مناط التكاليف الشرعية وهو البلوغ وأما الثاني: فلأنه غير مالك للمال والزكاة لا تجب على غير مالك. وأما الثالث: فلأن التكاليف الشرعية مختصة بهذا النوع الإنساني لا تجب على دابة ولا جماد والله أعلم.

стр. 204

باب زكاة الحيوان "إنما تجب منه في النعم" أي الماشية وهي في أكثر البلدان الإبل والبقر

стр. 205

والغنم ويجمعها اسم الأنعام. وأما الخيل فلا تكثر صرمها١ ولا تناسل نسلا وافرا إلا في أقطار يسيرة كتركستان كذا في الحجة. وهي الإبل والبقر والغنم فتؤخذ من كل صرمة من الإبل ناقة ومن كل قطيع من البقر بقوة ومن كل ثلة من الغنم شاة مثلا ثم يعرف كل واحد من هذه بالمثال والقسمة والاستقراء ليتخذ ذلك ذريعة إلى معرفة الحدود الجامعة المانعة كذا في الحجة وكونها لا تجب في غير الثلاثة الأنواع من الحيوانات فلأن الذي بين للناس ما نزل إليهم لم يوجبها عليهم في غيرها وأما ما ورد من ذكر حق الله تعالى في الخيل فالمراد به الجهاد. فصل "إذا بلغت الإبل خمساً ففيها شاة ثم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض أو ابن لبون وفي ست وثلاثين ابنة لبون وفي ست وأربعين حقة وفي إحدى وستين جذعة وفي ست وسبعين بنتا لبون وفي إحدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين فإذا زادت ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة" هذا التفصيل في فرائض الصدقة هو الثابت في حديث أنس أن أبا بكر كتب لهم أن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على المسلمين ثم ذكر فيه ما يجب في كل عدد كما في هذا المختصر ثم قال فيه: فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا جذعة فإنها تقبل مند ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده ابنة لبون فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما, ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده ابنة لبون وعنده ابنة مخاض فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما, ومن بلغت عنده صدقة ابنة

стр. 206

مخاض وليس عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس معه شيء ومن لم تكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها, وقد أخرج هذا الحديث أحمد والنسائي وأبي داود وأخرجه أيضا البخاري مفرقا في صحيحه. قال ابن حزم: هذا كتاب في نهاية الصحة عمل به الصديق بحضرة العلماء ولم يخالفه أحد وصححه ابن حبان وغيره وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والدارقطني والحاكم والبيهقي نحو ما اشتمل عليه المختصر من حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال: كان رسول الله ﵌ قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عمالها حتى توفي فأخرجها أبو بكر فعمل بها حتى توفي ثم أخرجها عمر من بعده فعمل بها قال: فلقد هلك عمر يوم هلك وإن ذلك لمقرون بوصيته. ثم ذكر الحديث. قال في الحجة: وقد استفاض ذلك من رواية أبي بكر وعمر وابن مسعود وعمر وبن حزم وغيرهم بل صار متواترا بين المسلمين انتهى. فصل "ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة وفي أربعين مسنة ثم كذلك" يدل على ذلك ما أخرجه أحمد وأهل السنن وابن حبان والحاكم وصححاه منم حديث معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة. فإذا زادت على الأربعين فلا شيء في الزائد حتى يبلغ سبعين وفيها تبيع ومسنة إلى ثمانين وفيها مسنتان ثم كذلك, وقال ابن عبد البر في الاستذكار: لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث ابن معاذ وأنه النصاب المجمع عليه. فصل "ويجب في أربعين من الغنم شاة إلى مائة وإحدى وعشرين وفيها شاتان إلى مائتين وواحدة وفيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة وواحدة وفيها أربع ثم في كل مائة شاة" هذا التفضيل هو الثابت في حديث أنس وحديث ابن عمر اللذين تقدم تخريجهما في باب زكاة الإبل وقد وقع الإجماع على ذلك. فصل "ولا يُجمع بين مُفترق من الأنعام ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" لنهيه ﷺ عن ذلك كما في كتاب أبي بكر المحكي عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد تقدمت الإشارة إليه وكذلك في حديث ابن عمر

стр. 207

حاكيا لكتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ذلك كما سبقت الإشارة إليه وكذلك وقع التصريح بالنهي عن ذلك في غير الحديثين المذكورين فإن فيه النهي كذلك ومعنى التفريق بين مجتمع أن يكون لثلاثة أنفار لكل واحد أربعون شاة فإذا لم يجمعوها كان على كل واحد شاة, وإذا جمعوها لم يجب فيها إلا شاة وصورة الجمع بين مفترق أن يكون لرجلين مائتا شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة ونحو ذلك من الصور وهذا على اعتبار المسرح والمراح والخلطة وإن اختلف المالكون كما دلت على ذلك الأدلة. "ولا شيء فيما دون الفريضة" ولا خلاف في ذلك "ولا في الأوقاص" وهي ما بين الفريضتين فلا خلاف في ذلك أيضا إلا في رواية عن أبي حنيفة وفي حديث معاذ عند أحمد وغيره أن الأوقاص لا فريضة فيها, "وما كان من خليطين فيتراجعان بالسوية" لما وقع في الكتابين المذكورين من قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية" والمراد أنهما إذا خلطا ما يملكانه من المواشي فبلغت النصاب أخرجا زكاة تلك الماشية المخلوطة وكان على كل واحد بحساب ماشيته, وصورة ذلك: أن يكون لكل واحد منهما عشرون شاة فيأخذ المصدق من الأربعين شاة من ملك أحدهما فيرجع على صاحبه بنصف قيمتها, وهذا على أن مجرد خلط الشريكين بملكيهما يصيرهما بمنزلة الماشية المملوكة لرجل واحد وهو الحق كما دلت على ذلك الأدلة. "ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار ولا عيب ولا صغيرة ولا أكولة ولا ربى ولا ما خض ولا فحل غنم" لما في كتاب أبي بكر بلفظ: ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس, وفي كتاب عمر المحكي عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب" وفي حديث عبد الله بن معاوية الغاضري مرفوعا بلفظ: "ولا تعطي الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط١ اللئيمة ولكن من أوسط أموالكم" أخرجه أبو داود والطبراني بإسناد جيد, وأخرج مالك في الموطأ والشافعي عن سفيان بن عبد الله الثقفي أن عمر بن الخطاب نهى المصدق أن

стр. 208

يأخذ الأكولة والربى والماخض وفحل الغنم. وقد روى ذلك عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ابن أبي شيبة في مسنده, والهرمة الكبيرة التي قد سقطت أسنانها وذات العوار بفتح العين المهملة وضمها. قيل: هي العوراء وقيل: هي المعيبة, وقد شمل قوله: "ولا عيب" كل ما فيه عيب يعد عنه العارفين بالمواشي نقصا فإنه لا يخرج في الصدقة فتدخل في ذلك الدرنة بفتح الدال المهملة مشددة بعدها راء مكسورة ثم نون وهي الجرباء والشرطة اللئمية هي صغار المال وشراره, واللئيمة: البخيلة باللبن وغيرها, وأما الأكولة: فهي بفتح الهمزة وضم الكاف العاقر من الشاة, والربى بضم الراء وتشديد الباء الموحدة الشاة التي تربى في البيت للبنها, والماخض الحامل١ وفحل الغنم هو الذي ينزو عليها لأن المالك يحتاج إليه وإن لم يكن من الخيار.

стр. 209

باب زكاة الذهب والفضة لا خلاف في وجوب الزكاة في الذهب والفضة مع النصاب والحول ولهذا قال الماتن رح: "إذا حال على أحدهما الحول ربع العشر" وذلك لأن الكنوز أنفس المال يتضررون بإنفاق المقدار الكثير منها فمن حق زكاته أن يكون أخف الزكوات والذهب محمل على الفضة. "ونصاب الذهب عشرون ديناراً ونصاب الفضة مائتا درهم" لحديث علي قال: قال رسول الله ﵌: "قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهما وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتين ففيهما خمسة دراهم" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي, وفي لفظ: "وليس فيما دون المائتين زكاة" وفي إسناده مقال وقد حسنه ابن حجر, ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه وأخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" وأخرجه

стр. 210

أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد وأخرج أبو داود من حديث علي قال: "إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار" , وفي إسناده مقال ولكنه حسنه الحافظ ابن حجر ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه كالحديث الأول, وقد وقع الإجماع على أن نصاب الفضة مائتا درهم ولم يخالف في ذلك إلا ابن حبيب الأندلسي والخمس الأواقي المذكورة في الحديث هي مائتا درهم لأن وزن كل أوقية أربعون درهما, وذهب إلى أن نصاب الذهب عشرون دينارا الجمهور وقد روي عن الحسن وطاوس ما يخالف ذلك وهو مردود, وذهب إلى اعتبار الحول الأكثر وذهب ابن عباس وابن مسعود وداود إلى أنه يجب على المالك إذا استفاد نصابا أن يزكيه في الحال تمسكا بما دل على مطلق الوجوب وهو إهمال للقيد. "ولا شيء فيما دون ذلك". قال في الحجة: وهل في الحلي زكاة؟ الأحاديث فيه متعارضة وإطلاق الكنز عليه بعيد ومعنى الكنز حاصل والخروج من الاختلاف أحوط, وفي الموطأ: كانت عائشة تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة. قال مالك: من كان عنده تبر أو حلي من ذهب أو فضة لا ينتفع به للبس فإن عليه فيه الزكاة في كل عام فيؤخذ ربع عشره إلا أن ينقص من وزنه عشرين دينارا عينا أو مائتي درهم فإن نقص من ذلك فليس فيه زكاة وإنما تكون الزكاة إذا كان إنما يمسكه لغير اللبس فأما التبر والحلي المكسور الذي يريد أهله صلاحه ولبسه فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون عند أهله فليس على اهله فيه زكاة. قال مالك: ليس في اللؤلؤ ولا في المسك ولا في العنبر زكاة. قلت: قال به الشافعي في أظهر قوليه وخصه بالمباح, وأما المحظور كالأواني وكالسوار والخلخال للرجل فتجب فيه الزكاة بكل حال وعند الحنفية تجب في الحلي إذا كان ذهب أو من فضة دون اللؤلؤ ونحوه. "ولا زكاة في غيرهما من الجواهر" كالدر والياقوت والزمرد والألماس١ واللؤلؤ والمرجان ونحوها لعدم وجود دليل يدل على ذلك والبراءة الأصلية مستصحبة وقد تقدم في أول كتاب

стр. 211

الزكاة ما يفيد هذا. أقول: ليس من الورع ولا من الفقه أن يوجب الإنسان على العباد ما لم يوجبه الله عليهم بل ذلك من الغلو المحض, والاستدلال بمثل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ يستلزم وجوب الزكاة في كل جنس من أجناس ما يصدق عليه اسم المال, ومنه الحديد والنحاس والرصاص والثياب والفراش والحجر والمدر وكل ما يقال له مال على فرض أنه ليس من أموال التجارة, ولم يقل بذلك أحد من المسلمين وليس ذلك لورود أدلة تخصص الأموال المذكورة من عموم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ حتى يقول قائل إنها تجب زكاة ما لم يخصه دليل لبقائه تحت العموم بل الذي شرع الله فيه الزكاة من أموال عباده هو أموال مخصوصة وأجناس معلومة ولم يوجب عليها الزكاة في غيرها فالواجب حمل الإضافة في الآية الكريمة على العهد لما تقرر في علم الأصول والنحو والبيان أن الإضافة تنقسم إلى الأقسام التي تنقسم إليها اللام ومن جملة أقسام اللام العهد بل قال المحقق الرضي: إنه الأصل في اللام إذا تقرر هذا فالجواهر واللآليء والدر والياقوت والزمرد والعقيق واليسر وسائر ما له نفاسة وارتفاع قيمة لا وجه لإيجاب الزكاة فيه, والتعليل للوجوب بمجرد النفاسة ليس عليه أثارة من علم, ولو كان ذلك صحيحا لكان في المصنوعات من الحديد كالسيوف والبنادق ونحوها ما هو أنفس وأعلى ثمنا ويلحق بذلك الصين والبلور واليشم وما يتعسر الإحاطة به من الأشياء التي فيها نفاسة وللناس إليها رغبة فما أحسن الإنصاف والوقوف على الحد الذي رسمه الشارع وإراحة الناس من هذه التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان على أن الآية التي أوقعت كثيرا من الناس في إيجاب الزكاة فيما لم يوجبه الله وهي: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ قد ذكر أئمة التفسير أنها في صدقة النفل وليست في صدقة الفرض التي نحن بصددها, وأموال التجارة لما قدمنا من عدم قيام دليل يدل على ذلك وقد كانت التجارة في عصره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قائمة في أنواع مما يتجر به ولم ينقل عنه ما يفيد ذلك, وأما ما أخرجه أبو داود والدارقطني والبزار من حديث جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يأمرنا بأن نخرج الزكاة فيما نعد" فقال ابن حجر في التلخيص: إن في إسناده جهالة, وأما ما رواه الحاكم والدارقطني عن عمران مرفوعاً بلفظ: "في الإبل صدقتها وفي

стр. 212

الغنم صدقتها وفي البز صدقته" بالزاي المعجمة فقد ضعف الحافظ في الفتح جميع طرقه وقال في واحدة منها: هذا إسناد لا بأس به, ولا يخفاك أن مثل هذا لا تقوم به الحجة لا سيما في التكاليف التي تعم بها البلوى على أنه قد قال ابن دقيق العيد: إن الذي رآه في المستدرك في هذا الحديث البر بضم الباء الموحدة وبالراء المهملة. قال: والدارقطني رواه بالزاي لكن من طريق ضعيفة وهذا مما يوجب الاحتمال فلا يتم الاستدلال فلو فرضنا أن الحاكم قد صحح إسناد هذا الحديث كما قال المحلي في شرح المنهاج لكان مجرد الاحتمال مسقطا للاستدلال فكيف إذا قد عورض ذلك التصحيح بتضعيف الحفاظ لما صححه الحاكم مع تأخر عصرهم عنه واستدراكهم عليه, ويؤيد عدم الوجوب ما ثبت عنه ﵌ في الصحيح من حديث أبي هريرة: "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه" وظاهر ذلك عدم وجوب الزكاة في جميع الأحوال, وقد نقل ابن المنذر الإجماع على زكاة التجارة وهذا النقل ليس بصحيح فأول من يخالف في ذلك الظاهرية وهم فرقة من فرق الإسلام. أقول: وأما الاستدلال بقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "وأما خالد فقد حبس أدراعه وأعتده١ في سبيل الله" فلا تقوم به الحجة إلا إذا كانت المطالبة بزكاة ذلك الذي حبسه مع كونه للتجارة فعرّفهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنها قد صارت محبسة وأنه لا زكاة فيها بعد التحبيس وليس الأمر كذلك بل الظاهر أنهم لما أخبروا النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بأن خالدا امتنع من الزكاة رد عليهم بذلك, والمراد أن من بلغ في التقرب إلى الله إلى هذا الحد وهو تحبيس أدراعه وأعتده يبعد كل البعد أن يمتنع من تأدية ما أوجبه الله عليه من زكاة التجارة. وأما الاستدلال بقول عمر فهو ممن لا يقول بجحية قول الصحابي ولكنه إذا وافق قوله الصحابي ما يعتقده ضم إليه دعوى الإجماع السكوتي مجازفة. إذا تقرر هذا علمت

стр. 213

أنه لا دليل يدل على وجوب زكاة التجارة والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يقوم دليل ينقل عنها, وأما ما حكاه ابن المنذر من الإجماع على زكاة التجارة فلا أدري كيف تجاسر على هذا ولو سلمناه قامت به حجة إلا على من يقول بحجية الإجماع وقد عرفت ما هو الصواب في هذا الباب في كتابنا حصول المأمول من علم الأصول, وقد حقق الماتن رح المقام في كتابه إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول فليراجع. "والمستغلات" كالدور التي يكريها مالكها وكذلك الدواب ونحوها لعدم الدليل كما قدمنا, وأيضا حديث: "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه" يتناول هذه الحالة أعني حالة استغلالهما بالكراء لهما وإن كان لا حاجة إلى الاستدلال بل القيام مقام المنع يكفي. أقول: هذه المسألة من غرائب العلماء التي ينبغي أن تكون مغفورة باعتبار ما لهم من المناقب فإن إيجاب الزكاة فيما ليس من الأموال التي تجب فيها الزكاة بالاتفاق كالدور والعقار والدواب ونحوها بمجرد تأجيرها بأجرة من دون تجارة في أعيانها مما لم يُسمع به في الصدر الأول الذين هم خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فضلا أن يسمع فيه بدليل من كتاب أو سنة, وقد كانوا يستأجرون ويؤجرون ويقبضون الأجرة من دورهم وضياعهم ودوابهم ولم يحظر ببال أحدهم أنه يخرج في رأس الحول ربع عشر قيمة داره أو عقاره أو دوابه وانقرضوا وهم في راحة من هذا التكليف الشاق حتى كان آخر القرن الثالث من أهل المائة الثالثة فقال بذلك من قال بدون دليل إلا مجرد القياس على أموال التجارة وقد عرفت الكلام في الأصل* فكيف يقوم الظل والعود أعوج* مع أن هذا القياس في نفسه مختل بوجوه منها: وجود الفارق بين الأصل والفرع فإن الانتفاع بالمنفعة ليس كالانتفاع بالعين. وأما العمومات التي أوردوها فهي عن الدلالة على المطلوب بمراحل والأمر أوضح من أن تُستغرق الأوقات في إبطاله ودفعه, وأما ما زعموه من أن الموجب أولى من المسقط فذلك على عدم تسليمه إنما هو بعد الاتفاق على أن الموجب والمسقط اجتمعا في أمر قد قضى الشرع بالوجوب في أصله والأمر ههنا بالعكس فإن الشرع لم يوجب في أعيان الدور والعقار التي هي أصل الاستغلال شيئا ثم أين هذا الموجب وما هو.

стр. 214

باب زكاة النّبات "يجب العشر في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب" وجوب الزكاة من هذه الأجناس لشمول الأدلة الصحيحة لها وللتنصيص عليها في حديث أبي موسى ومعاذ حين بعثهما صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم فقال: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر" أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني. قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل وأخرج الطبراني عن عمر قال: إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الأربعة. فذكرها وأخرج ابن ماجه والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: إنما سن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب, زاد ابن ماجه: "والذرة" وفي إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي١ وهو متروك, وأخرج البيهقي من طريق مجاهد قال: لم تكن الصدقة في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلا في خمسة فذكرها, وأخرج أيضا من طريق الحسن فقال: لم يفرض الصدقة النبي ﷺ إلا في عشرة. فذكر الخمسة المذكورة والإبل والبقر والغنم والذهب والفضة. وأخرج أيضا عن الشعبي أنه قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. قال البيهقي: هذه المراسيل طرقها مختلفة وهي يؤكد بعضها بعضا ومعها حديث أبي موسى ومعها قول عمر وعلي وعائشة: ليس في الخضروات زكاة انتهى. "وما كان يسقى بالمسني منها ففيه نصف العشر" وجهه حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت الأنهار والغيم عشر وفيما سقي بالسانية٢ نصف العشر" رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود قال٣: "الأنهار والعيون", وأخرج البخاري وأحمد وأهل السنن من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما يسقى بالنضح نصف العشر" فإن الذي هو

стр. 215

أقل تعانيا وأكثر ريعا أحق بزيادة الضريبة والذي هو أكثر تعانيا وأقل ريعا أحق بتخفيفها, والعثري بفتح العين المهملة والمثلثة وكسر الراء المهملة هو الذي يشرب بعروقه, وقيل الذي في سواقي العيون ونحوها, والحق وجوب الزكاة من العين ولا يسوغ إخراج القيمة إلا لعذر مسوغ لحديث: "خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقرة من البقر" أخرجه أبو داود والحاكم وصححه على شرط الشيخين١. وأما قول معاذ فهو فعل صحابي لا حجة فيه على أنه منقطع كما صرح بذلك الحفاظ٢. وأما الاعتذار عن الحديث بأنه لا ظاهر له فهذه إحدى العصي التي يتوكأ عليها المقلدة. "ونصابها خمسة أوسق" لحديث أبي سعيد في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﵌: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" وفي رواية لأحمد وابن ماجه أن النبي صل الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "الوسق ستون صاعا" وفي رواية لأحمد وأبي داود: "الوسق ستون مختوما"٣. قال في الحجة البالغة: وإنما قُدر من الحب والتمر خمسة أوسق لأنها تكفي أهل بيت إلى سنة, وذلك لأن أقل البيت الزوج والزوجة وثالث خادم أو ولد بينهما وما يضاهي ذلك من أقل البيوت وغالب قوت الإنسان رطل أو مد من الطعام فإذا أكل كل واحد من هؤلاء ذلك المقدار كفاهم لسنة وبقيت بقية لنوائبهم أو إمدامهم انتهى. قال ابن القيم: وقد رُدت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشرات بخمسة أوسق بالمتشابه من قوله: "فيما سقت السماء العشر وما سقي بنضح أو غرب فنصف العشر". قالوا: هذا يعم القليل والكثير وقد عارضه الخاص ودلالة العام قطعية كالخاص وإذا تعارضا قُدم الأحوط وهو الوجوب فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين ولا يجوز
следующие страницы →