← Фикх общий

Фикх общий · id 7444

الروضة الندية شرح الدرر البهية ط المعرفة

صديق حسن خان

Полный текст (711 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الزكاة ما يفيد هذا. أقول: ليس من الورع ولا من الفقه أن يوجب الإنسان على العباد ما لم يوجبه الله عليهم بل ذلك من الغلو المحض, والاستدلال بمثل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ يستلزم وجوب الزكاة في كل جنس من أجناس ما يصدق عليه اسم المال, ومنه الحديد والنحاس والرصاص والثياب والفراش والحجر والمدر وكل ما يقال له مال على فرض أنه ليس من أموال التجارة, ولم يقل بذلك أحد من المسلمين وليس ذلك لورود أدلة تخصص الأموال المذكورة من عموم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ حتى يقول قائل إنها تجب زكاة ما لم يخصه دليل لبقائه تحت العموم بل الذي شرع الله فيه الزكاة من أموال عباده هو أموال مخصوصة وأجناس معلومة ولم يوجب عليها الزكاة في غيرها فالواجب حمل الإضافة في الآية الكريمة على العهد لما تقرر في علم الأصول والنحو والبيان أن الإضافة تنقسم إلى الأقسام التي تنقسم إليها اللام ومن جملة أقسام اللام العهد بل قال المحقق الرضي: إنه الأصل في اللام إذا تقرر هذا فالجواهر واللآليء والدر والياقوت والزمرد والعقيق واليسر وسائر ما له نفاسة وارتفاع قيمة لا وجه لإيجاب الزكاة فيه, والتعليل للوجوب بمجرد النفاسة ليس عليه أثارة من علم, ولو كان ذلك صحيحا لكان في المصنوعات من الحديد كالسيوف والبنادق ونحوها ما هو أنفس وأعلى ثمنا ويلحق بذلك الصين والبلور واليشم وما يتعسر الإحاطة به من الأشياء التي فيها نفاسة وللناس إليها رغبة فما أحسن الإنصاف والوقوف على الحد الذي رسمه الشارع وإراحة الناس من هذه التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان على أن الآية التي أوقعت كثيرا من الناس في إيجاب الزكاة فيما لم يوجبه الله وهي: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ قد ذكر أئمة التفسير أنها في صدقة النفل وليست في صدقة الفرض التي نحن بصددها, وأموال التجارة لما قدمنا من عدم قيام دليل يدل على ذلك وقد كانت التجارة في عصره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قائمة في أنواع مما يتجر به ولم ينقل عنه ما يفيد ذلك, وأما ما أخرجه أبو داود والدارقطني والبزار من حديث جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يأمرنا بأن نخرج الزكاة فيما نعد" فقال ابن حجر في التلخيص: إن في إسناده جهالة, وأما ما رواه الحاكم والدارقطني عن عمران مرفوعاً بلفظ: "في الإبل صدقتها وفي

стр. 212

الغنم صدقتها وفي البز صدقته" بالزاي المعجمة فقد ضعف الحافظ في الفتح جميع طرقه وقال في واحدة منها: هذا إسناد لا بأس به, ولا يخفاك أن مثل هذا لا تقوم به الحجة لا سيما في التكاليف التي تعم بها البلوى على أنه قد قال ابن دقيق العيد: إن الذي رآه في المستدرك في هذا الحديث البر بضم الباء الموحدة وبالراء المهملة. قال: والدارقطني رواه بالزاي لكن من طريق ضعيفة وهذا مما يوجب الاحتمال فلا يتم الاستدلال فلو فرضنا أن الحاكم قد صحح إسناد هذا الحديث كما قال المحلي في شرح المنهاج لكان مجرد الاحتمال مسقطا للاستدلال فكيف إذا قد عورض ذلك التصحيح بتضعيف الحفاظ لما صححه الحاكم مع تأخر عصرهم عنه واستدراكهم عليه, ويؤيد عدم الوجوب ما ثبت عنه ﵌ في الصحيح من حديث أبي هريرة: "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه" وظاهر ذلك عدم وجوب الزكاة في جميع الأحوال, وقد نقل ابن المنذر الإجماع على زكاة التجارة وهذا النقل ليس بصحيح فأول من يخالف في ذلك الظاهرية وهم فرقة من فرق الإسلام. أقول: وأما الاستدلال بقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "وأما خالد فقد حبس أدراعه وأعتده١ في سبيل الله" فلا تقوم به الحجة إلا إذا كانت المطالبة بزكاة ذلك الذي حبسه مع كونه للتجارة فعرّفهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنها قد صارت محبسة وأنه لا زكاة فيها بعد التحبيس وليس الأمر كذلك بل الظاهر أنهم لما أخبروا النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بأن خالدا امتنع من الزكاة رد عليهم بذلك, والمراد أن من بلغ في التقرب إلى الله إلى هذا الحد وهو تحبيس أدراعه وأعتده يبعد كل البعد أن يمتنع من تأدية ما أوجبه الله عليه من زكاة التجارة. وأما الاستدلال بقول عمر فهو ممن لا يقول بجحية قول الصحابي ولكنه إذا وافق قوله الصحابي ما يعتقده ضم إليه دعوى الإجماع السكوتي مجازفة. إذا تقرر هذا علمت

стр. 213

أنه لا دليل يدل على وجوب زكاة التجارة والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يقوم دليل ينقل عنها, وأما ما حكاه ابن المنذر من الإجماع على زكاة التجارة فلا أدري كيف تجاسر على هذا ولو سلمناه قامت به حجة إلا على من يقول بحجية الإجماع وقد عرفت ما هو الصواب في هذا الباب في كتابنا حصول المأمول من علم الأصول, وقد حقق الماتن رح المقام في كتابه إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول فليراجع. "والمستغلات" كالدور التي يكريها مالكها وكذلك الدواب ونحوها لعدم الدليل كما قدمنا, وأيضا حديث: "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه" يتناول هذه الحالة أعني حالة استغلالهما بالكراء لهما وإن كان لا حاجة إلى الاستدلال بل القيام مقام المنع يكفي. أقول: هذه المسألة من غرائب العلماء التي ينبغي أن تكون مغفورة باعتبار ما لهم من المناقب فإن إيجاب الزكاة فيما ليس من الأموال التي تجب فيها الزكاة بالاتفاق كالدور والعقار والدواب ونحوها بمجرد تأجيرها بأجرة من دون تجارة في أعيانها مما لم يُسمع به في الصدر الأول الذين هم خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فضلا أن يسمع فيه بدليل من كتاب أو سنة, وقد كانوا يستأجرون ويؤجرون ويقبضون الأجرة من دورهم وضياعهم ودوابهم ولم يحظر ببال أحدهم أنه يخرج في رأس الحول ربع عشر قيمة داره أو عقاره أو دوابه وانقرضوا وهم في راحة من هذا التكليف الشاق حتى كان آخر القرن الثالث من أهل المائة الثالثة فقال بذلك من قال بدون دليل إلا مجرد القياس على أموال التجارة وقد عرفت الكلام في الأصل* فكيف يقوم الظل والعود أعوج* مع أن هذا القياس في نفسه مختل بوجوه منها: وجود الفارق بين الأصل والفرع فإن الانتفاع بالمنفعة ليس كالانتفاع بالعين. وأما العمومات التي أوردوها فهي عن الدلالة على المطلوب بمراحل والأمر أوضح من أن تُستغرق الأوقات في إبطاله ودفعه, وأما ما زعموه من أن الموجب أولى من المسقط فذلك على عدم تسليمه إنما هو بعد الاتفاق على أن الموجب والمسقط اجتمعا في أمر قد قضى الشرع بالوجوب في أصله والأمر ههنا بالعكس فإن الشرع لم يوجب في أعيان الدور والعقار التي هي أصل الاستغلال شيئا ثم أين هذا الموجب وما هو.

стр. 214

باب زكاة النّبات "يجب العشر في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب" وجوب الزكاة من هذه الأجناس لشمول الأدلة الصحيحة لها وللتنصيص عليها في حديث أبي موسى ومعاذ حين بعثهما صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم فقال: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر" أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني. قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل وأخرج الطبراني عن عمر قال: إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الأربعة. فذكرها وأخرج ابن ماجه والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: إنما سن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب, زاد ابن ماجه: "والذرة" وفي إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي١ وهو متروك, وأخرج البيهقي من طريق مجاهد قال: لم تكن الصدقة في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلا في خمسة فذكرها, وأخرج أيضا من طريق الحسن فقال: لم يفرض الصدقة النبي ﷺ إلا في عشرة. فذكر الخمسة المذكورة والإبل والبقر والغنم والذهب والفضة. وأخرج أيضا عن الشعبي أنه قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. قال البيهقي: هذه المراسيل طرقها مختلفة وهي يؤكد بعضها بعضا ومعها حديث أبي موسى ومعها قول عمر وعلي وعائشة: ليس في الخضروات زكاة انتهى. "وما كان يسقى بالمسني منها ففيه نصف العشر" وجهه حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت الأنهار والغيم عشر وفيما سقي بالسانية٢ نصف العشر" رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود قال٣: "الأنهار والعيون", وأخرج البخاري وأحمد وأهل السنن من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما يسقى بالنضح نصف العشر" فإن الذي هو

стр. 215

أقل تعانيا وأكثر ريعا أحق بزيادة الضريبة والذي هو أكثر تعانيا وأقل ريعا أحق بتخفيفها, والعثري بفتح العين المهملة والمثلثة وكسر الراء المهملة هو الذي يشرب بعروقه, وقيل الذي في سواقي العيون ونحوها, والحق وجوب الزكاة من العين ولا يسوغ إخراج القيمة إلا لعذر مسوغ لحديث: "خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقرة من البقر" أخرجه أبو داود والحاكم وصححه على شرط الشيخين١. وأما قول معاذ فهو فعل صحابي لا حجة فيه على أنه منقطع كما صرح بذلك الحفاظ٢. وأما الاعتذار عن الحديث بأنه لا ظاهر له فهذه إحدى العصي التي يتوكأ عليها المقلدة. "ونصابها خمسة أوسق" لحديث أبي سعيد في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﵌: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" وفي رواية لأحمد وابن ماجه أن النبي صل الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "الوسق ستون صاعا" وفي رواية لأحمد وأبي داود: "الوسق ستون مختوما"٣. قال في الحجة البالغة: وإنما قُدر من الحب والتمر خمسة أوسق لأنها تكفي أهل بيت إلى سنة, وذلك لأن أقل البيت الزوج والزوجة وثالث خادم أو ولد بينهما وما يضاهي ذلك من أقل البيوت وغالب قوت الإنسان رطل أو مد من الطعام فإذا أكل كل واحد من هؤلاء ذلك المقدار كفاهم لسنة وبقيت بقية لنوائبهم أو إمدامهم انتهى. قال ابن القيم: وقد رُدت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشرات بخمسة أوسق بالمتشابه من قوله: "فيما سقت السماء العشر وما سقي بنضح أو غرب فنصف العشر". قالوا: هذا يعم القليل والكثير وقد عارضه الخاص ودلالة العام قطعية كالخاص وإذا تعارضا قُدم الأحوط وهو الوجوب فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين ولا يجوز

стр. 216

معارضة أحدهما بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية فإن طاعة الرسول فرض في هذا وفي هذا ولا تعارض بينهما بحمد الله تعالى من الوجوه فإن قوله: "فيما سقت السماء العشر" إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه فذكر النوعين مفرقا بينهما في مقدار الواجب, وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث وبينه نصا في الحديث الآخر فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما أُوِّل عليه البتة إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يُتعلق فيه بعموم لم يقصدوا بيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصها من النصوص انتهى. أقول: الأحاديث القاضية بإيجاب العشر أو نصف العشر تقتضي التسوية بين القليل والكثير وأحاديث لا زكاة فيما دون خمسة أوسق تقتضي اختصاص الوجوب بمقدار معلوم هو الخمسة الأوسق وعدم الوجوب فيما دونها فالأحاديث الأولة١ عامة لقليل ما أخرجت الأرض من الأنواع المخصوصة ولكثيره والأحاديث الثانية خاصة ببعض ذلك الخارج دون بعض مصرحة بنفي الوجوب عن دون الخمسة الأوسق بمنطوقها مثبتة لوجوبها في الخمسة فصاعدا بمفهومها وهي أحاديث صحيحة فإهمالها مع كونها خاصة والرجوع إلى العامة خارج عن سنن الإنصاف ولم يكن بيد من أهملها شيء يدفعها إلا مجرد تكليف العباد بما هو أشق الشكوك كشكوك الموسوسين في الطهارة. وهذا رسول الله ﵌ يقول: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة ولا فيما دون خمس ذود صدقة" ثبت هذا عنه في حديث واحد فكان على من أوجب الزكاة فيما دون خمسة أوسق أن يوجبها فيما دون خمس أواق وخمس ذود بل يوجبها فيما دون الأربعين من الغنم والثلاثين من البقر تمسكا بالعمومات القاضية بوجوب أصل الزكاة في الأموال فإنه لا فرق بينها وبين حديث: "فيما أخرجت الأرض العشر" وليست المكيلات بالشك أولى من غيرها والله المستعان. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما أخرجت الأرض والمقام وإن كان حقيقا بأن يقع الإجماع

стр. 217

عليه لكن الخلاف لجماعة من العلماء أشهر من نار على علم وكيف خفي على ابن المنذر مذهب أبي حنيفة رح وهو متداول عند جميع أهل المذاهب حتى قال ابن العربي المالكي: إن أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين مذهب أبي حنيفة وهو التمسك بالعموم انتهى. وهذه غفلة من مثل هذا الحافظ ناشئة عن الوسوسة التي قدمنا لك ذكرها فإن الشارع أشفق بفقراء أمته من كل أحد وأي قوة وأحوطية في شيء مخالف لنصه الصريح وكيف يخفى على عالم أن هذه الشفقة التي هي المستندة لهذه المقالة مستلزمة لظلم الأغنياء وأخذ أموالهم بدون طيبة من أنفسهم وأكلها بالباطل وسيوف السلاطين تابعة لأقلام العلماء فإذا أجبروا أهل الأموال على تسليم زكاة دون الخمسة الأوسق استناداً إلى قول من قال بذلك بمجرد الشك والشفقة على الفقراء لا لما يقتضيه الاجتهاد فهم شركاء في هذه المظلمة التي هي محض أكل أموال الناس بالباطل. وما أحسن الوقوف على الحدود الشرعية والمشي على الطريقة النبوية فذلك هو الورع الخالص وخير الهدي هدي محمد ﵌. ولا شيء فيما عدا ذلك. قال المجد في الصراط المستقيم ولم يكن من العادة النبوية أخذ الزكاة من الخيل والرقيق والبغال والحمر والبقول والبطيخ والخيار والعسل والفواكه التي لا تدخل المكيال ولا تصلح للادخار إلا الرطب والعنب فإنه كان يأخذ الزكاة منهما لا يفرق بين الرطب واليابس انتهى. كالخضروات وغيرها حديث الخضراوات أخرجه الدارقطني والحاكم والأثرم في سننه أن عطاء بن السائب قال: أراد عبد الله بن المغيرة أن يأخذ صدقة من أرض موسى بن طلحة من الخضراوات فقال له موسى بن طلحة: ليس لك ذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يقول: "ليس في ذلك صدقة" وهو مرسل قوي وقد أخرجه الدارقطني والحاكم من حديث إسحق بن يحيى ابن طلحة عن عمه موسى بن طلحة عن معاذ بلفظ: وأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال الحافظ: وفيه ضعف وانقطاع وروى الترمذي بعضه من حديث موسى بن طلحة عن معاذ وقد رواه ابن عدي من وجه آخر عن أنس والدارقطني من حديث علي ومن حديث محمد بن جحش ومن حديث عائشة,

стр. 218

ورواه أيضا البيهقي عن علي وعمر موقوفا في طرق حديث الخضراوات مقال لكنه روي من طرق كثيرة يشهد بعضها لبعض فينتهض للاحتجاج به, وإذا انضم إلى ما تقدم في وجوب الزكاة في تلك الأجناس الأربعة أو الخمسة انتهض الجميع للاحتجاج بلا شك ولا شبهة, وقد رويت تلك الروايات بلفظ الحصر على تلك الأجناس كما سبق وكان ذلك هو البيان منه ﵌ لما أنزل الله تعالى فلا تجب في غير ذلك من النباتات, وقد ذهب إلى ذلك الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي وأيضا يمكن الجمع بطريق أخرى وهي: أن هذه الأدلة المذكورة هنا مخصصة لعمومات القرآن والسنة وذلك واضح ولا يصح جعل ذلك من باب التنصيص على بعض أفراد العام لما في ذلك من الحصر تارة والنفي لما عدا ما ذُكر أخرى. أقول: العمومات الشاملة للخضراوات كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" قد خُصصت بمخصصات كثيرة منها: حديث الأوساق ومنها: الأحاديث القاضية بأن الزكاة لا تجب إلا في الأربعة الأنواع الشعير والحنطة والتمر والزبيب هذا في الأشياء التي تنبت على وجه الأرض وفيما عداها السوائم الثلاث والذهب والفضة, والواجب بناء العام على الخاص كما هو إجماع من يُعتد به من أهل العلم فلا وجوب فيما عدا هذه الثلاثة الأمور سواء كان من الخضراوات أو غيرها بل قد ورد في الخضراوات بخصوصها ما يدل على عدم وجوب الزكاة فيها من طرق يشهد بعضها لبعض كما أوضح ذلك الماتن في شرح المنتقى فليكن هذا البحث منك على ذُكر فإن الاحتجاج بمثل هذه العمومات قد كثر في أهل العلم مع عدم الالتفات إلى الأدلة الخاصة والذهول عن وجوب بناء العام على الخاص. والحاصل: أن رسول الله ﷺ قد بين للناس ما نُزّل إليهم ففرض على الأمة فرائض في بعض أملاكهم ولم يفرض عليهم في البعض الآخر ومات على ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول فمن زعم أنها تجب الزكاة في غير ما بينه رسول الله ﷺ متمسكا بالعمومات القرآنية كان محجوجا بما ذكرناه هذا على فرض أنه لم يثبت عنه إلا مجرد البيان من دون ما يفيد عدم الوجوب في البعض

стр. 219

المسكوت عنه فكيف وقد ثبت عنه ما يفيد ذلك كحديث أبي موسى ومعاذ عند الحاكم والبيهقي والطبراني أن رسول الله ﷺ لما بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم قال: "لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر". قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل. وأخرج الطبراني عن عمر قال: إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الأربعة, فذكرها ونحوه عن جماعة من الصحابة وفي بعضها ذكر الذرة ولكن من طريق لا تقوم بمثلها الحجة. "ويجب في العسل العشر" وجهه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : "أنه أخذ من العسل العشر" أخرجه ابن ماجه وقال الدارقطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحارث وابن لهيعة عن عمرو بن شعيب ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب ومثله حديث أبي سيارة عند أحمد وابن ماجه وأبي داود والبيهقي قال: قلت يا رسول الله إن لي نحلا قال: "فأد العشور" وهو منقطع. وأخرج الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال في العسل: "في كل عشرة أزقاق زق" وفي إسناده صدقة السمين وهو ضعيف الحفظ وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "أدوا العشر في العسل" وفي إسناده منير بن عبد الله وهو ضعيف والجميع لا يقصر عن الصلاحية للاحتجاج به وفي العسل أحاديث أخرى لم ينتهض شيء منها للاحتجاج به وقد جمعها الماتن في شرح المنتقى فليراجع. "ويجوز تعجيل الزكاة" لحديث علي: أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم والدارقطني والبيهقي وقد قيل: إنه مرسل, وقد روي عن علي بلفظ آخر من طريق أخرى أخرجها البيهقي أن النبي ﷺ قال: "إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين" ورجاله ثقات إلا أنه فيه انقطاعاً, وفي الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال في زكاة العباس: "هي عليّ ومثلها معها" لما قيل إنه منع من الصدقة. وقد قيل إنه كان تسلف منه صدقة عامين فدل على أنه يجزئ عن المعجل أي يسقط الوجوب عند الاتصاف بت, ولا شك أن التعجل لا يكون تعجيلا إلا إذا كان قبل الوجوب. "وعلى الإمام أن يرد صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم".

стр. 220

وجهه حديث أبي جحيفة قال: قد علينا مصدق رسول الله ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني منها قلوصا. أخرجه الترمذي وحسنه وحديث عمران بن حصين أنه استُعمل على الصدقة فلما رجع قيل له أين المال؟ فقال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله ﷺ ووضعناه حيث كنا نضعه أخرجه أبو داود وابن ماجه, وعن طاوس قال: كان في كتاب معاذ بن خرج من مخلاف إلى مخلاف فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته أخرجه الأثرم وسعيد بن منصور بإسناد صحيح وفي الصحيحين عن معاذ أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال له: "خذها من أغنيائهم وضعها في فقرائهم". "ويبرأ رب المال بدفعها إلى السلطان وإن كان جائرا" لحديث ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: "إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها" قالوا يا رسول الله: فما تأمرنا؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم" وأخرج مسلم والترمذي وصححه من حديث وائل بن حُجر قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجل يسأله فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم؟ فقال: "اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُملوا وعليكم ما حُملتم" وأخرج أبو داود من حديث جابر بن عتيك١ مرفوعاً بلفظ: "سيأتيكم ركب مبغضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليها وأرضوهم فإن تمام زكاتهم رضاهم" وأخرج الطبراني عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا: "ادفعوا إليهم ما صلوا الخمس" وفي الباب آثار الصحابة حتى أخرج البيهقي عن عمر أنه قال: "ادفعوها إليهم وإن شربوا الخمر" وإسناده صحيح وأخرج أحمد من حديث أنس أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال: "نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها إلى الله ورسوله فلك أجرها وإثمها على من بدلها" وأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة: "إذا أتاك المصدق فأعطه صدقتك فإن اعتدى عليك فوله ظهرك ولا تلعنه وقل

стр. 221

اللهم إني أحتسب عنك ما أخذ مني" وقد ذهب إلى ما دلت عليه هذه الأدلة الجمهور وأن الدفع إلى السلطان أو بأمره يجزي المالك وإن صرفها في غير مصرفها سواء كان عادلاً أو جائراً. أقول: لا ريب أن مجموع الأدلة يقتضي أن أمره الزكاة إلى النبي ﷺ فإن قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ خطاب له إن سُلم أنه في صدقة الفرض وفد تقدم ما فيه وأنص من الآية على المطلوب حديث: "أمرت أن آخذها من أغنيائكم" وأحاديث بعثه ﷺ للسعاة وأمره لهم بأخذ الصدقات ومن ذلك الأدلة الواردة في الاعتداء بما أخذه سلاطين الجور فإنها متضمنة لوجوب الدفع إليهم والاجتزاء بما دفع إليهم ومن ذلك حديث: "من أعطاها مؤتجرا فله أجره ومن منعها فإنا نأخذها وشطر ماله" ومنها الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب طاعة أولي الأمر ولكن لا يخفى أن مجموع هذه الأدلة وإن أفاد أن للأئمة والسلاطين المطالبة بالزكاة وقبضها, ووجوب الدفع إليهم عند طلبهم لها فليس فيها ما يدل على أن رب المال إذا صرفها في مصرفها قبل أن يطالبه الإمام بتسليمها لا تجزئه ولا يجوز له ذلك لأن الوجوب على أرباب الأموال والوعيد الشديد لهم والترغيب تارة والترهيب أخرى لمن عليه الزكاة إذا لم يخرجها يستفاد من مجموعه أن لهم ولاية الصرف. أما مع عدم الإمام فظاهر وأما مع وجوده من غير طلب منه فكذلك أيضا, ويؤيد ذلك حديث: "أما خالد فقد حبس أدرعه وأعتده في سبيل الله" فإنه ﷺ أجاب بذلك على من قال له إن خالداً منع من تسليم الزكاة. وأما المطالبة من الإمام فالظاهر أنه لا يجوز لرب المال الصرف لأنه عصيان لمن أمر الله بطاعته ولكن هل يجزئه ذلك أم لا؟ الظاهر الإجزاء لأنه لا ملازمة بين كونه عاصيا لأمر الإمام وبين عدم الإجزاء ومن رغم ذلك طولب بالدليل فإن قيل الدليل ما تقدم من قوله ﷺ : "ومن منعها فإنا نأخذها وشطر ماله" فيقال: الحديث على ما فيه من المقال لا يصلح للاستدلال به على هذا لأن المراد أنه منع الزكاة ولم يسلمها إلى الإمام ولا صرفها في مصارفها كما هو مدلول المنع الواقع على ضمير الزكاة في الحديث كما في أحاديث الوعيد لمانع الزكاة فإن المراد به المانع لها عن الإخراج مطلقاً ومما يؤيد ثبوت الولاية لرب المال قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْر

стр. 222

لَكُمْ﴾ ففي هذه الآية أعظم متمسك وأوضح مستند ومن زعم أنها في صدقة النفل بدليل السياق فلم يصب لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول. نعم تطبيق الأدلة الواردة منه ﷺ على من بعده من الأئمة والسلاطين حتى يكون لهم مثل الذي له في أمر الزكاة يحتاج إلى فضل نظر ولا يقنع الناظر بمجرد الإجماع السكوتي الواقع من الناس بعد عصره ﷺ , وأما قتال الصحابة لمانعي الزكاة فلكونهم ارتدوا بذلك وصمموا على منع إخراجها وقد أمر ﷺ أمته بقتال الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويفعلوا سائر أركان الإسلام وأعظم ما يُستأنس به ما ورد في طاعة السلاطين وإن ظلموا وأن دفعها إليهم من الطاعة لهم كما في حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليهم وسلم قال: "إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها" قالوا يا رسول الله: فما تأمرنا؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم" أخرجه الشيخان وغيرهما, وعن وائل بن حُجر قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجل يسأله فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم؟ قال: "اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُملوا وعليكم ما حُملتم" أخرجه مسلم وغيره وفي الباب أحاديث كثيرة وهي تفيد وجوب طاعتهم فيما طلبوا إذا كان في معروف غير معصية وطلبهم للزكاة من المعروف إذا كانوا يجعلونها في أمر غير معصية الله, والأمر بالطاعة فرع ثبوت الولاية وثبوتها يستلزم الإجزاء, وقد ذهب إلى هذا الجمهور من الصحابة فمن بعدهم ويؤيد ذلك حديث جابر بن عتيك عند أبي داود مرفوعاً بلفظ: "سيأتيكم ركب مبغضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليها وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم" وأخرج الطبراني من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا: "ادفعوا إليهم ما صلوا الخمس" ويغني عن جميع هذا التكليف بطاعة سلاطين الجور ما أقاموا الصلاة وفي بعض الأحاديث الأمر بالطاعة للظلمة ما لم يظهروا كفرا فمن طلب الزكاة منهم لم تتم الطاعة له التي كلفنا الله بها إلا بالدفع إليه والله أعدل أن يجمع على رب المال في ماله زكاتين زكاة للظالم المأمور بطاعته وزكاة أخرى تصرف إلى غيره.

стр. 223

باب مصارف الزكاة وهي ثمانية كما في الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فإنها تضمنت الثمانية الأنواع الذي هم مصارف الزكاة, وقد أخرج أبو داود عن زياد بن الحرث الصدائي قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك" وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وفيه مقال. قال في المسوى: الفقير هو عند الشافعي من لا مال له ولا حرفة يقع منه موقعا, وعند أبي حنيفة من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير تام وهو مستغرق في الحاجة, والمسكين هو عند الشافعي من له مال أو حرفة يقع منه موقعاً ولا يغنيه, وعند أبي حنيفة من لا شيء له فيحتاج إلى المسألة لقوته أو يواري بدنه والعامل له مثل عمله سواء كان فقيرا أو غنيا وعليه أهل العلم والمؤلفة قلوبهم قسمان: من أسلم ونيته ضعيفة أوله شرف يُتوقع بإعطائه إسلام غيره فيُعطون من الزكاة على الأصح من مذهب الشافعي, وقال أبو حنيفة: سقط سهمهم لغلبة الإسلام. والرقاب: هم المكاتبون عند الشافعية والحنفية والغارم هو عند أبي حنيفة من لزمه دين ولا يملك نصابا فاصلا عن دينه أو كان له مال على الناس لا يمكنه أخذه وعند الشافعي قسمان: من استدان لنفسه في غير معصية والأظهر اشتراط الحاجة, أو استدان لإصلاح البين ويعطى مع الغنى وسبيل الله غزاة لا فيء لهم ويشترط فقرهم عند أبي حنيفة وعند الشافعي يعطون مع الغنى وابن السبيل هو الغريب المنقطع عن ماله عند الحنفية أو منشئ سفر أو مجتاز له حاجة عند الشافعية, وشرط هؤلاء الأصناف الإسلام عند أهل العلم وعند الشافعي يجب استيعاب الأصناف الثمانية إن كان هناك عامل وإلا فاستيعاب السبعة وتجب التسوية بين الأصناف لا بين آحاد الصنف, وعند أبي حنيفة لو صرف الكل إلى صنف واحد أو شخص واحد يجوز قال

стр. 224

مالك: الأمر عندنا في قسم الصدقات أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي فأي الأصناف كانت الحاجة فيه والعدد أوثر ذلك الصنف بقدر ما يرى الوالي وعسى أن ينتقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عام أو عامين أو أعوام فيؤثر أهل الحاجة والعدد حيثما كان ذلك وعلى هذا أدركت من أرضى من أهل العلم انتهى. قال الماتن: وقد أطال أئمة التفسير والحديث والفقه الكلام على الأصناف الثمانية وما يعتبر في كل صنف والحق أن المعتبر صدق الوصف شرعا أو لغة فمن صدق عليه أنه فقير كان مصرفا وكذلك سائر الأوصاف وإذا لم يكن للوصف حقيقة شرعية وجب الرجوع إلى مدلوله اللغوي وتفسيره به فما وقع من الشروط والاعتبارات المذكورة لأهل العلم إن كانت داخلة في مدلول الوصف لغة أو شرعاً أو لدليل يدل على ذلك كانت معتبرة وإلا فلا اعتبار لشيء منها انتهى. أقول: الواجب الجزم بأن الفقير من ليس بغني والغني قد ثبت في الشريعة المطهرة تعريفه كما أخرجه أهل السنن من حديث ابن مسعود مرفوعاً: أنه قيل يا رسول الله وما الغنى؟ قال: "خمسون درهما أو قيمتها من الذهب" فمن لم يملك هذا المقدار فهو فقير لأنه إذا ارتفع عنه اسم الغني ثبت له الفقر إذا النقيضان لا يرتفعان كما لا يجتمعان ولا بد من كونه يملك معها ما لا بد منه من ملبوس وفراش ومسكن. حاصله ما تدعو الضرورة إليه لأن من المعلوم أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يرد بذلك المقدار قيمة ما يلبسه ويسكنه ويلحق بذلك ما لا يتم له القيام بالأمور الدينية أو الدنيوية بدونه كآلة الجهاد للمجاهد وكتب العلم للعالم وآلة الصناعة للصانع فمن ملك مما هو خارج عن هذه الأمور ما يساوي خمسين درهماً كان كمن ملك الخمسين أو قيمتها من الذهب فيكون غنيا, ومن لم يملك ذلك المقدار فهو فقير تحل له الزكاة والمصير إلى ما قررناه متحتم والحق أن الفقير والمسكين متحدان يصح إطلاق كل واحد من الاسمين على من لم يجد فوق ما تدعو الضرورة إليه خمسين درهما وليس في قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ ما ينافي هذا لأن ملكهم لما لا يخرجهم عن صدق اسم الفقر والمسكنة عليهم لما عرفت من أن آلات ما تقوم به المعيشة مستثناة والسفينة للملاح كدابة السفر لمن يعيش بالمكاراة والضرب في الأرض وليس في الآية الكريمة ما يدل على أن صدقة كل إنسان تُصرف في كل صنف من الأصناف

стр. 225

الثمانية بحيث يحصل لكل صنف مقدار معين وهذا أوضح, ثم أقول: كتاب الله وسنة رسوله مصرحان بأن الفقير يُعطى من الزكاة وليس فيهما التقييد بمقدار معين وليس المعتبر إلا اتصاف المصرف وهو الفقير والمسكين ومن كان الفقر شرطا للصرف فيه بصفة الفقر أو المسكنة فمن صرف إليه في تلك الحال فقد صرف إلى مصرف شرعي وإن أعطاه مالا جما وأنصباء متعددة فهو إنما اتصف بصفة الغني بعد الصرف إليه وذلك غير ضائر للصارف ولا مانع من الإجزاء, ومن زعم أنه لا يجوز إلا دون النصاب فعليه الدليل الصالح لتقييد ما كان مطلقا من الأدلة وتخصيص ما كان عاما وليس هناك إلا مجرد تخيلات فاسدة لم تُبن على أساس صحيح. وأما الغارم فظاهر إطلاق الآية يشمل من عليه دين سواء كان غنيا أو فقيرا مؤمنا أو فاسقا في طاعة أو معصية. أما عدم الفرق بين الغني والفقير فليس فيه إشكال لدخولهما تحت الآية ولاستثناء الغارم من حديث: "لا تحل الصدقة لغني" وما سلكه صاحب المنار من التخصيص والتعميم فوهم منشؤه تجريد النظر إلى لفظ غني من غير نظر إلى تمام الحديث المشتمل على استثناء خمسة أحدهم الغارم, وأما عدم الفرق بين المؤمن والفاسق فلإطلاق الآية لا سيما إذا كان ما استدانه الفاسق في غير سرف ولا معصية فلا معنى لاشتراط الإيمان. وأما عدم الفرق بين الدين في طاعة أو معصية فلتناول الإطلاق له وإذا ورد ما يقتضي التقييد بما لزم في طاعة فله حكمه. نعم إذا كانت الإعانة له تستلزم إغراءه على المعاصي ووقوعه فيما يحرم عليه فلا ريب أنه ممنوع لأدلة أخرى, وأما إذا لزمه الدين في السرف والمعصية ثم تاب وأقلع وطلب أن يعان من الزكاة على القضاء فالظاهر عدم المنع, وأما سبيل الله فالمراد هنا الطريق إليه والجهاد وإن كان أعظم الطرق إلى الله لكن لا دليل على اختصاص هذا السهم به بل يصح صرف ذلك في كل ما كان طريقا إلى الله هذا معنى الآية لغة, والواجب الوقوف على المعاني اللغوية حيث لم يصح النقل هنا شرعاً. وأما اشتراط الفقر في المجاهد ففي غاية البعد بل الظاهر إعطاؤه نصيبا وإن كان غنيا وقد كان الصحابة ﵃ يأخذون من أموال الله التي من جملتها الزكاة في كل عام ويسمون ذلك عطاء وفيهم الأغنياء والفقراء وكان

стр. 226

عطاء الواحد منهم يبلغ إلى ألوف متعددة ولم يسمع من أحد منهم أنه لا نصيب للأغنياء في العطاء ومن زعم ذلك فعليه الدليل, فإن قال الدليل حديث: "إن الصدقة لا تحل لغني" قلنا أصناف مصارف الزكاة ثمانية أحدها الفقير فمن لم يكن فيه إلا كونه فقيرا بدون اتصافه بوصف آخر من أوصاف أصناف مصارف الزكاة فلا ريب أنه إذا صار غنيا لم تحل له, وأما من أخذها بمسوغ آخر غير الفقر وهو كونه مجاهداً أو غارماً أو نحوهما فهو لم يأخذها لكونه فقيرا حتى يكون الغنى مانعا بل أخذها لكونه مجاهدا أو غارما أو نحوهما فتدبر هذا فهو مفيد, ومن جملة سبيل الله الصرف في العلماء الذين يقومون بمصالح المسلمين الدينية فإن لهم في مال الله نصيبا سواء كانوا أغنياء أو فقراء بل الصرف في هذه الجهة من أهم الأمور لأن العلماء ورثة الأنبياء وحملة الدين وبهم تحفظ بيضة الإسلام وشريعة سيد الأنام وقد كان علماء الصحابة يأخذون من العطاء ما يقوم بما يحتاجون إليه مع زيادات كثيرة يتفوضون بها في قضاء حوائج من يرد عليهم من الفقراء وغيرهم والأمر في ذلك مشهور, ومنهم من كان يأخذ زيادة على مائة ألف درهم ومن جملة هذه الأموال التي كانت تفرق بين المسلمين على هذه الصفة الزكاة, وقد قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعمر لما قال له يعطي من هو أحوج منه: "ما آتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك" كما في الصحيح والأمر ظاهر, وأما ابن السبيل فإذا كان فقيرا لا يملك شيئا في وطنه ولا في غيره فلا نزاع في أنه يعان على سفره بنصيب غير النصيب الذي يأخذه لأجل فقره وإن كان غنيا في وطنه وفي المحل الذي يريد السفر منه فلا نزاع أنه لا يأخذ شيئا لكونه ابن سبيل, وإن كان غنيا في وطنه وفي المحل الذي يريد السفر منه فإن كان لا يمكنه القرض فلا ريب أنه يعان على سفره لأنه كالفقير لعدم إمكان انتفاعه بماله بوجه من الوجوه وإن كان يمكنه القرض فهذا محل النزاع, وأما صرف الزكاة كلها في صنف واحد فهذا المقام خليق بتحقيق الكلام. والحاصل: أن الله سبحانه جعل الصدقة مختصة بالأصناف الثمانية غير سائغة لغيرهم واختصاصها بهم لا يستلزم أن تكون موزعة بينهم على السوية ولا أن يقسط كل ما حصل من قليل أو كثير عليهم بل المعنى أن جنس

стр. 227

الصدقات لجنس هذه الأصناف فمن وجب عليه شيء من جنس الصدقة ووضعه في جنس الأصناف فقد فعل ما أمره الله به وسقط عنه ما أوجبه الله عليه ولو قيل إنه يجب على المالك إذا حصل له شيء تجب فيه الزكاة تقسيطه على جميع الأصناف الثمانية على فرض وجودهم جميعا لكان ذلك مع ما فيه من الحرج والمشقة مخالفا لما فعله المسلمون سلفهم وخلفهم وقد يكون الحاصل شيئا حقيرا لو قسط على جميع الأصناف لما انتفع كل صنف بما حصل له ولو كان نوعا واحدا فضلا أن يكون عددا إذا تقرر لك هذا لاح لك عدم صلاحية ما وقع منه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من الدفع إلى سلمة بن صخر١ من الصدقات للاستدلال, ولم يرد ما يقتضي إيجاب توزيع كل صدقة صدقة على جميع الأصناف وكذلك لا يصلح للاحتجاج حديث أمره ﷺ لمعاذ أن يأخذ الصدقة من أغنياء أهل اليمن ويردها في فقرائهم لأن تلك أيضا صدقة جماعة من المسلمين وقد صرفت في جنس الأصناف وكذلك حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فبايعته فأتى رجل فقال أعطني من هذه الصدقة فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك" لأن في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وقد تكلم فيه غير واحد وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج فالمراد بتجزئة الصدقة تجزئة مصارفها كما هو ظاهرة الآية التي قصدها صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولو كان المراد تجزئة الصدقة نفسها وأن كل جزء لا يجوز صرفه في غير الصنف المقابل له لما جاز صرف نصيب ما هو معدوم من الأصناف إلى غيره وهو خلاف الإجماع من المسلمين, وأيضا لو سلم ذلك لكان باعتبار مجموع الصدقات التي تجتمع عند الإمام لا باعتبار صدقة كل فرد فلم يبق ما يدل على وجوب التقسيط بل يجوز إعطاء بعض المستحقين بعض الصدقات وإعطاء بعضهم بعضا آخر, نعم إذا جمع الإمام جميع صدقات أهل قطر من الأقطار وحضر

стр. 228

عنده جميع الأصناف الثمانية كان لكل صنف حق في مطالبته بما فرضه الله وليس عليه تقسيط ذلك بينهم بالسوية ولا تعميمهم بالعطاء بل له أن يعطي بعض الأصناف أكثر من البعض الآخر وله أن يعطي بعضهم دون بعض إذا رأى في ذلك صلاحا عائدا على الإسلام وأهله مثلا: إذا جمعت لديه الصدقات وحضر الجهاد وحقت المدافعة عن حوزة الإسلام من الكفار أو البغاة فإن له إيثار صنف المجاهدين بالصرف إليهم وإن استغرق جميع الحاصل من الصدقات وهكذا إذا اقتضت المصلحة إيثار غير المجاهدين. "وتحرم على بني هاشم" وبنو عبد المطلب مثلهم. أقول: الأحاديث القاضية بتحريم ذلك عليهم قد تواترت تواترا معنويا ولم يأت من خادع نفسه بتسويغها بشيء ينبغي الالتفات إليه بل مجرد هذيان هو عن الحق معزل, واحتج لعدم التحريم بحديث: "إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم". قال: فإذا منعوا ذلك حلت لهم الزكاة وفي إسناده حسين ابن قيس الرحبي الملقب بحنش١. قال الهيثمي: وفيه كلام كثير وقد وثقه أبو محصن, وقال في خلاصة البدر المنير: ضعفوه. وليس في هذا مع كونه أشف ما جاء به هو وغيره ممن ترخص في هذا الأمر ما يدل على الحل لأنهم إذا منعوا ما يحل لهم لم يحل لهم ما حرم عليهم فما وزان هذا إلا وزان قول القائل: لا يحل الزنا لأن في النكاح ما يغني عنه فهل يقول من له أدنى تمسك بالعلم إنه إذا لم يقدر على النكاح حل له الزنا؟ وأما التعليل للتحريم بالتهمة له صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد زالت بموته فحلت لقرابته كما رواه عن أبي حنيفة رح فمجرد تخمين لا مستند له وتخيل لا مرشد إليه ولو كان الأمر كذلك لكانت التهمة في الخمس وصفي الغنيمة أدخل وأشد والله المستعان. "ومواليهم" لحديث أبي هريرة مرفوعا وفيه: "إنا لا نأكل الصدقة" وفي لفظ: "إنا لا تحل لنا الصدقة" وهو في الصحيحين وغيرهما وفي حديث أبي رافع: "إن الصدقة لا تحل لنا وإن موالي القوم من أنفسهم" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وابن حبان وابن خريمة وصححاه أيضا وفي رواية

стр. 229

لأحمد والطحاوي من حديث الحسن بن علي: "لا تحل لآل محمد الصدقة". وفي حديث المطلب بن ربيعة أنه ﷺ قال: "إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد إنما هي أوساخ الناس" وهو في صحيح مسلم وفي الباب أحاديث قال في الحجة البالغة: إنما كانت أوساخا لأنها تكفر الخطايا وتدفع البلايا وتقع فداء عن العبد في ذلك فيتمثل في مدارك الملأ الأعلى أنها هي فتدرك بعض النفوس العالية أن فيها ظلمة. وقد يشاهد أهل المكاشفة تلك الظلمة, وكان سيدي الوالد قدس سره يحكي ذلك من نفسه. وأيضا المال الذي يأخذه الإنسان من غير مبادلة عين أو نفع ولا يراد به احترام وجهه فيه ذلة ومهانة ويكون لصاحب المال عليه فضل ومنة, وهو قوله ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى" فلا جرم أن التكسب بهذا النوع شر وجوه المكاسب لا يليق بالطهرين المنوه بهم في الملة اهـ. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة, وكذا حكى الإجماع ابن رسلان في شرح السنن وقد وقع الخلاف في الآل الذين تحرم عليهم الصدقة على أقوال أظهرها أنهم بنو هاشم وحكم مواليهم حكمهم في ذلك. أقول: الحق تحريم الزكاة أجمع على بني هاشم سواء كانت الزكاة منهم أو من غيرهم وما استروح إليه من قال بجواز صدقة بعضهم لبعض من حديث العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت يا رسول الله إنك حرمت علينا صدقات الناس هل تحل لنا صدقات بعضنا لبعض؟ قال: "نعم" أخرجه الحاكم١ فليس بصالح للاحتجاج به لما فيه من المقال حتى قيل إنه اتهم بعض رواته كما حققه صاحب الميزان وقد عرفت عموم أحاديث التحريم فلا يجوز تخصيصها بمخصص غير ناهض. "و" تحرم "على الأغنياء والأقوياء المكتسبين" وجهه ما في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة: "أنها لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" وفي لفظ لأحمد وأهل السنن من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار مرفوعا: "ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" وفي بعض الأخبار: "ولا

стр. 230

لذي مرة قوي". والمرة بكسر الميم وتشديد الراء القوة وشدة العقل. كذا قال الجوهري قال في الحجة البالغة: وجاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال أنها أوقية أو خمسون درهما, وجاء أيضا أنها ما يغديه أو يعشيه وهذه الأحاديث ليست متخالفة عندنا لأن الناس على منازل شتى ولكل واحد كسب لا يمكن أن يتحول عنه فمن كان كاسبا بالحرفة فهو معذور حتى يجد آلات الحرفة ومن كان زارعا حتى يجد آلات الزرع ومن كان تاجرا حتى يجد البضاعة ومن كان على الجهاد مسترزقا بما يروح ويغدو من الغنائم كما كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فالضابط فيه أوقية أو خمسون درهما ومن كان كاسبا بحمل الأثقال في الأسواق أو احتطاب الحطب وبيعه وأمثال ذلك فالضابط فيه ما يغديه ويعشيه أهـ. في الموطأ من حديث عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني". قال في المسوى: لا خلاف في صورة تبدل الأيدي وكذا في العامل وابن السبيل, وأما الغارم والغازي فتحل الصدقة لهما وإن كانا غنيين عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تحل إلا إذا كانا فقيرين وظاهر الآية مع الشافعي لأن الله تعالى جعلهما قسيمي الفقير والمسكين وعند الحنفية تحل الصدقة لمن ليس عنده نصاب غير مستغرق في حاجته فلو ملك نصابا غير نام لكنه غير مستغرق لم تحل له ولو ملك نصبا كثيرة إلا أنها مستغرقة حلت له, ولا يحل السؤال إلا لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه كذا في العالمكيرية. قال في شرح السنة: إذا رأى الإمام السائل جلدا قويا وشك في أمره أنذره وأخبره بالأمر فإن زعم أنه لا كسب له أو له عيال لا يقوم كسبه بكفايتهم قبل منه وأعطاه. أقول: يمكن أن يطبق بين الأحاديث باختلاف الأحوال والأصل اعتبار معنى الحاجة والاستغناء بالكسب المتيسر فالأوقية تمنع السؤال لمن كان حاله مثل حال المهاجر في زمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كانوا مرتزقين من الفيء دفعة بعد دفعة وفي الفيء قلة والاحتطاب مانع من السؤال لمن كان قويا حاذقا في الاحتطاب أو أراد أن يسأل غير الإمام وعلى هذا القياس غيرهما اهـ. أقول: قد قدمنا ما هو الحق في تفسير

стр. 231

الغنى المانع من أخذ الزكاة وقدمنا أيضا ما هو الحق في بعض الأصناف الثمانية من عدم اشتراط الفقر كالمجاهد ونحوه, ثم اعلم أن الأدلة طافحة بأن الصرف في ذوي الأرحام أفضل من غير فرق بين الصدقة الواجبة والمندوبة كما يدل على ذلك ترك الاستفصال في مقام الاحتمال فإنه ينزل منزلة العموم على أنه قد ورد التصريح في حديث أبي سعيد عند البخاري أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لامرأة: "زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم" وثبت عند البخاري وأحمد عن معن بن يزيد قال: أخرج أبي دنانير يتصدق بها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فقال: والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: "لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت ما معن" وهذه الأدلة إنما هي تبرع من القائل بالجواز والإجزاء وإلا فهو قائم مقام المنع من كون القرابة أو وجوب النفقة مانعين ولم يأت القائل بذلك بدليل ينفق في محل النزاع على فرض أنه لم يكن بيد القائل بالجواز إلا التمسك بالأصل فكيف والأدلة عموما وخصوصا ناطقة بما ذهبوا إليه, وأما أهل الذمة فالذي ثبت عن رسول الله ﷺ وشرعه هو أخذ الجزية من أهل الذمة بدلا عن دمائهم وصالح بعض أهل الذمة على شيء معلوم يسلمونه في كل سنة وهو الجزية أيضا فقد تكون الجزية مضروبة على كل فرد من أفراد أهل الذمة كذا وقد تكون مضروبة على الجميع بمقدار معين, وأما الاستئناس لقول عمر ﵁ بكونه بمشاورة الصحابة فليس ذلك مستلزما لكونه إجماعا وليس الحجة إلا إجماعهم وليس فيه حجة على ثبوت مثل هذا التكليف الشاق على أهل الملة, ولم يثبت هذا عن رسول الله ﷺ . وأما حديث: "ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى" فهذا الحديث هو أشف ما يستدل به على المطلوب وقد أخرجه أبو داود من طرق في بعضها مقال وأخرجه أحمد والبخاري في التاريخ وساق الاضطراب في سنده وقال: لا يتابع عليه والراوي له عن النبي ﷺ رجل بكري وهو مجهول ولكن جهالة الصحابي غير قادحة كما قرره شيخنا العلامة الشوكاني في الرسالة التي سماها القول المقبول في رد رواية المجهول من غير صحابة الرسول, وفي بعض ألفاظ هذا الحديث عند أبي داود: "الخراج" مكان: "العشور" ولكن إنما يتم الاستدلال

стр. 232

بهذا الحديث على المطلوب لو كان المراد به هو نصف عشر ما يتجرون به كما زعموه وليس كذلك بل فيه خلاف فقال في القاموس عشّرهم يُعشّرهم عشراً وعُشوراً أخذ عشر أموالهم اهـ. وقال في النهاية العشور جمع عشر يعني: ما كان من أموالهم للتجارات دون الصدقات والذي يلزمهم من ذلك عند الشافعي ما صولحوا عليه وقت العهد فإن لم يصالحوا على شيء فلا تلزمهم إلا الجزية, وقال أبو حنيفة رح إن أخذوا من المسلمين إذا دخلوا بلادهم للتجارة أخذنا منهم إذا دخلوا بلادنا للتجارة, ومنه احمدوا الله إذ رفع عنكم العشور. يعني: ما كانت الملوك تأخذه منهم, ومنه أن وفد ثقيف اشترطوا أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا أي لا يؤخذ عشر أموالهم١ اهـ. كلام النهاية. وقال الخطابي مثل ما نقله صاحب النهاية في أول كلامه فحصل من جميع هذا أن العشور إما العشر أو المال المصالح به أو ما يؤخذ من تجار أهل الذمة إن أخذوا من تجارنا أو ما يأخذه الملوك من الجبايات والضرائب أو الخراج كما في بعض روايات الحديث ومع هذا الاحتمال لا ينتهض للاستدلال به. والحاصل: أن الأصل في أموال الناس مسلمهم وكافرهم التحريم: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ فلا بد من دليل يدل على تحليل المطلوب لأنه خارج عن الأقسام المسوغة إذ ليس بجزية ولا مال صلح ولا خراج ولا معاملة ولا زكاة لعدم صحتها منهم لأن الكفر مانع وأظهر ما يقال في معنى العشور أحد أمرين: إنما الخراج لأن بعض ألفاظ الحديث يفسر بعضا أو الضرائب التي تضرب عليها كالجزية ومال الصلح فيكون المراد أن المسلمين ليس عليهم الخراج أي لا يوضع في أموالهم ابتداء وليس عليهم ضريبة في رقابهم أو أموالهم كاليهود وحينئذ لم يبق ما يصلح للتمسك به على جواز أخذ نصف عشر أموال تجار أهل الذمة ومما يؤيد ما ذكرناه في معنى العشور ما أخرجه أحمد

стр. 233

وأبو داود والترمذي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: "لا تصلح قبلتان في أرض وليس على مسلم جزية" فيمكن أن يكون مفسرا لحديث: "ليس على المسلمين عشور" ولم يثبت عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تقدير ما يؤخذ من أهل الذمة إلا ما في حديث معاذ أن النبي ﷺ أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً. أخرجه أحمد وأهل السنن والدارقطني والبيهقي وابن حبان والحاكم وهذا الحديث وإن كان فيه مقال فهو لا يخرج به عن صلاحيته للاستدلال فالوقوف على هذا المقدار متعين لا تجوز مجاوزته, وأما النقص منه إذا رآه الإمام أو المسلمون فلا بأس به لأن الجزية حق لهم يجوز لهم الاقتصار على بعض ما وجب والظاهر أنه لا فرق بين الغني والفقير والمتوسط في أنهم يستوون في جواز أخذ هذا المقدار منهم لأن الجزية لما كانت عوضا عن الدم كان ذو المال كمن لا مال له. وأما من ذهب إلى أنه يجب على الفقير نصف ما على المتوسط وعلى المتوسط نصف ما على الغني وجعلوا الغني من يملك ألف دينار, أو ما يساويها ويركب الخيل ويتختم الذهب والمتوسط دونه تمسكا بما روي عن علي أنه كان يجعل على المياسير من أهل الذمة ثمانية وأربعين درهما وعلى الأوساط أربعة وعشرين وعلى الفقراء اثني عشر فهذا مع كونه غير مرفوع إلى النبي ﷺ لا تقوم به الحجة لأن في إسناده أبا خالد الواسطي ولا يحتج بحديثه إذا كان مرفوعاً فكيف إذا كان موقوفاً, وكذلك لا تقوم الحجة بما أخرجه في الموطأ عن عمر أنه كان يأخذ على أهل الذهب من أهل الذمة الجزية أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما لأنه فعل صحابي لا يصلح للاحتجاج به فالاقتصار على ما في حديث معاذ متحتم ويؤيده ما أخرجه البيهقي عن أبي الحويرث مرسلا: أن النبي ﷺ صالح أهل أيلة وكانوا ثلثمائة رجل على ثلثمائة دينار. وأما ما روي عن الشافعي قال: سمعت بعض أهل العلم من أهل نجران يذكر أن قيمة ما أخذ من كل واحد أكثر من دينار فهذا مع كونه ليس بمرفوع ولا موقوف ولا معلوم قائله لا ينافي ما ذكرنا لأن المأخوذ من أهل نجران إنما كان صلحا بمقدار من المال على جميعهم ومحل النزاع ما يضرب على كل فرد ابتدءا ثم نقول: أموال أهل الحرب

стр. 234

على أصل الإباحة يجوز لكل أحد أخذ ما شاء منها كيف شاء قبل التأمين لهم فيجوز للسلطان أن يأذن بدخول بلاد المسلمين والتجارة فيها على ما شاء من قليل أو كثير يأخذه من أموالهم إنما الشأن في أخذ مثل ذلك من المسلمين الذين يسافرون للتجارة من أرض إلى أرض فيأخذ منهم أهل الأرض التي يصلون إليها شطرا من أموالهم من غير نظر إلى كون ذلك زكاة تجارة ولا غيرها بل لا يعتبرون في استحلال أخذه إلى مجرد خروجهم من سفائن البحر أو وصولهم من البر إلى حدود الأرض التي يخرجون إليها فهذا عند التحقيق ليس هو إلا المكس من غير شك ولا شبهة وقد حققت المقام في إكليل الكرامة فليراجع.

стр. 235

باب صدقة الفطر "هي صاع من القوت المعتاد عن كل فرد" لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين, والأحاديث في هذا الباب كثيرة وفي صحيح مسلم وغيره: "ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر" وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد عمن تمونون. وأخرج نحوه الدارقطني من حديث علي وفي إسناده ضعف وله طرق والخطابات في إخراجها على من ليس بمكلف إنما هي كائنة مع المكلفين١, وقد ذهب الجمهور إلى أنها صاع من البر وغيره, وذهب بعض الصحابة إلى أن الفطرة من البر نصف صاع, وقد حكاه ابن المنذر عن علي وعثمان وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة كما قال الحافظ, وإليه ذهب أبو حنيفة وقد تمسكوا بحديث ابن عباس مرفوعا: "صدقة الفطر مدّان من قمح" أخرجه الحاكم وأخرج نحوه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً, وفي الباب أحاديث تعضد ذلك ولكن ليس هذا بإجماع من

стр. 236

الصحابة حتى يكون حجة, وقد أخرج ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما أن أبا سعيد قال لما ذكروا عنده صدقة رمضان: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﵌ صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط. ولكن هذا مع كونه غير مصرح باطلاع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك ولا تقريره قد قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ. ولا أدري ممن الوهم وكذلك قال أبو دواد, وقد روى الحاكم من حديث ابن عباس والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً أيضا: أن النبي ﷺ أمر صارخا بمكة ينادي: "إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم صغير أو كبير ذكر أو أنثى حر أو مملوك حاضر أو باد مُدّان من قمح أو صاع من شعير أو تمر" وأخرج نحوه الدارقطني من حديث عصمة بن مالك بلفظ: "مدان من قمح" وفي إسناده الفضل بن المختار وهو ضعيف, ويؤيده ما عند أبي داود والنسائي عن الحسن مرسلا بلفظ: "فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هذه الصدقة صاعا من تمر أو من شعير أو نصف صاع من قمح" وأخرج أيضا أبو داود من حديث عبد الله بن ثعلبة بن عبد الله بن أبي صغير بلفظ: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "صدقة الفطر صاع من بر أو قمح عن كل اثنين" وأخرج سفيان الثوري في جامعه عن علي موقوفا بلفظ: "نصف صاع بر". وهذه الروايات متعاضدة صالحة لتخصيص لفظ الطعام على فرض شموله للبر كما قال بذلك بعض أهل العلم قال في المسوى: في الحديث: "صدقة الفطر فريضة" وعليه الشافعي, وقال أبو حنيفة: واجبة وفيه أنه لا يشترط لها النصاب بل هي فريضة على الغني والفقير وعليه الشافعي, وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من يملك نصابا وإن لم يكن ناميا وفيه أنها تجب على الصغير والمجنون ومن لم يطق الصوم وعليه أكثر أهل العلم, وفيه أنها تجب عن الرقيق مطلقا سواء كانوا للتجارة أو للخدمة وعليه الشافعي, وقال أبو حنيفة: لا تجب عن رقيق التجارة وفيه أنها لا تجب عن العبد الكافر وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة تجب عنه وفيه أنه لا يجوز إخراج الدقيق والسويق ولا الخبز ولا القيمة وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز كل ذلك, وفيه أنه لا يجوز أقل من صاع من أي جنس

стр. 237

أخرج وعليه الشافعي, وقال أبو حنيفة: يجوز من البر نصف صاع وفيه أن الواجب مقدر بصاع النبي ﵌ وهو خمسة أرطال وثلث بالرطل العراقي وقدرها بالقدح المصري قدحان وقال أبو حنيفة: بصاع الحجاز وهو ثمانية أرطال, وقال الشافعي: تجب فطرة المرأة على زوجها وقال حنيفة: لا تجب عليه. والوجوب على سيد العبد ومنفق الصغير ونحوه ويكون إخراجها قبل صلاة العيد لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. فيه دليل على وجوب الإخراج في ذلك الوقت, وأخرج أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: "فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" وهذا يدل على أنها لا تجزئ بعد الصلاة لأنها حينئذ صدقة كسائر الصدقات التي يتصدق بها الإنسان وليست بزكاة الفطر. قال في المسوى: السنة عند أهل العلم أن يُخرج صدقة الفطر يوم العيد قبل الخروج إلى الصلاة ولو عجلها بعد دخول رمضان يجوز ولا يجوز تأخيرها عن يوم الفطر عند بعضهم, وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس وفي سفر السعادة وظاهر هذه الأحاديث أنها بعد الصلاة لا تجزئ اهـ. ومن لا يجد زيادة على قوت يومه وليلته فلا فطرة عليه لأنه إذا أخرج قوت يومه أو بعضه كان مصرفا لا صارفا لقوله ﷺ : "أغنوهم في هذا اليوم" أخرجه البيهقي والدارقطني من حديث ابن عمر فإذا ملك زيادة على قوت يومه أخرج الفطرة إن بلغ الزائد قدرها ويؤيده تحريم السؤال على من ملك ما يغديه ويعشيه كما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث سهل بن الحنظلية مرفوعاً لأن النصوص أطلقت ولم تخص غنيا ولا فقيرا, وقد أخرج أحمد وأبو داود عن عبد الله بن ثعلبة قال: قال رسول الله ﷺ : "صدقة الفطر صاع تمر أو صاع شعير عن كل رأس أو صاع بر أو قمح بين اثنين صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى غني أو فقير أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى" وقد وقع الخلاف في تقدير ما يعتبر في وجوب

стр. 238

زكاة الفطرة فقيل: ملك النصاب, وقيل: قوت عشر. أقول: التقدير بقوت عشرة أيام محض رأي ليس عليه أثارة من علم وليس هو أيضا على أسلوب مناسب باعتبار محض الرأي فإن الرأي إذا لم يكن له علة معقولة سائغة في العقل مقبولة في الطبع فهو مردود عند أهل الرأي, وقد ورد ما يدل على أن الفقير كالغني في الفطرة ففي حديث ابن أبي صعير١ عند أبي داود بلفظ: "غني أو فقير" ويؤيده حديث ابن ثعلبة المتقدم لأن المراد أن الله يرد عليه من العوض خيرا مما أخرج وقال مالك والشافعي وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحق: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكا لقوت يومه وليلته والظاهر: أن من وجد ما يكفيه ومن يعول ليوم الفطر ووجد صاعا زائدا على ذلك أخرجه لحديث: "أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم" أخرجه البيهقي والدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً, وأخرجه ابن سعد أيضا في الطبقات من حديث عائشة وأبي سعيد فظاهر قوله: "أغنوهم" أنهم يصيرون أغنياء إذا نالوا ما يكفيهم في يومهم والمراد أنهم أغنياء عن الطواف وأن الغني في الفطرة من استغنى عن الطواف في يومه, والفقير من افتقر إلى الطواف في يومه فيكون الوجوب متحتما على من وجد ما يغنيه في يومه مع زيادة قدر ما يجب عليه من الفطرة ويكون مصرفها من لم يجد ذلك لا كما قالوا إن مصرفها مصرف الزكاة. "ومصرفها مصرف الزكاة" لكونه ﵌ قد سماها زكاة لقوله: فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة. وقول ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطرة, وقد تقدما ولكنه ينبغي تقديم الفقير للأمر بإغنائهم في ذلك اليوم فما زاد صُرف في سائر الأصناف وقال في سفر السعادة: وكان يخص المساكين بهذه الصدقة ولا يقسمها على الأصناف الثمانية ولم يرد بذلك أمر أيضا وبه قال بعض العلماء ويجوز الصرف للأصناف الثمانية بل خص بها المساكين انتهى.

стр. 239

كتاب الخُمس يجب فيما يُغنم في القتال وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في كتاب الجهاد والسير ولا فرق بين الأراضي والدور المأخوذة من الكفار وبين المنقولات فإن الجميع مغنوم في القتال وأما الفيء وهو ما أُخذ بغير قتال فحكمه مذكور في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ والمراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ما بينه رسول الله ﷺ لا كل ما يطلق عليه اسم الغنيمة بل ما غُنم بالقتال كما في النهاية وغيرها ولو بقي على عمومه لاستلزم وجوب الخمس في الأرباح والمواريث ونحوهما وهو خلاف الإجماع وما استلزم الباطل باطل. "وفي الركاز الخمس" لأنه يشبه الغنيمة من وجه ويشبه المجان فجُعلت زكاته خمساً لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس" والرِّكاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي قال مالك والشافعي: الركاز دفن الجاهلية, وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: إن المعدن ركاز وخالفهم في ذلك الجمهور فقالوا: لا يقال للمعدن ركاز واحتجوا بما وقع في هذا الحديث من التفرقة بينهما بالعطف وأن ذلك يدل على المغايرة وفي القاموس تفسير الركاز بالمعدن ودفين الجاهلية, وقال صاحب النهاية: إن الركاز يقع عليهما وإن الحديث ورد في الدفين هذا معنى كلامه. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: وفي قوله: "المعدن جبار" قولان: أحدهما أنه إذا استأجر من يحفر له معدنا فسقط عليه فقتله فهو جبار, ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: "البئر جبار والعجماء جبار" والثاني: أنه لا زكاة فيه ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: "وفي الركاز الخمس" ففرق بين المعدن والركاز فأوجب الخمس في الركاز لأنه مال مجموع يؤخذ بغير كلفة ولا تعب وأسقطها عن المعدن لأنه يحتاج إلى كلفة وتعب في استخراجه والله تعالى أعلم اهـ. قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي سمعت أهل العلم يقولون: إن الركاز إنما هو دفن يوجد من دِفن الجاهلية ما لم يُطلب بمال ولم يُتكلف فيه نفقة ولا كبير عمل ولا مؤنة فأما

стр. 240

ما طُلب بمال وتُكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز. قال في المسوى: هو أظهر أقوال الشافعي في تفسير الركاز وله قول إن المعدن من الركاز أو بمنزلة الركاز وعليه أبو حنيفة والمراد بالركاز على أظهر أقوال الشافعي هو الدفين الجاهلي من النقد, وأما الإسلام فإن عُلم مالكه فله وإلا فلقطة وإنما يملكه الواجد وتجب فيه الزكاة إذا وُجد في موات أو ملك أحياء فإن وجد في ملك شخص فللشخص أو في مسجد أو شارع فلقطة. قال مالك: المعدن بمنزلة الزرع يؤخذ منه مثل ما يؤخذ من الزرع يؤخذ منه إذا خرج من المعدن من يومه ذلك ولا يُنتظر به الحول كما يؤخذ من الزرع إذا حُصد العشر ولا يُنتظر به أن يحول عليه الحول. قلت: وبه قال الشافعي في أظهر أقواله ولم يوجب في غير الذهب والفضة وقال الشافعي في حديث معان القبلية١ في قول آخر: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي ﷺ إلا إقطاعه. وأما الزكاة فليست مروية عنه كذا روى عنه البيهقي في سننه. أقول: ولو كانت الزكاة مروية فليس ذلك نصا في ربع العشر بل يحتمل معنيين آخرين أحدهما يؤخذ منه الخمس وهو زكاة وهو قول للشافعي والحصر بالنسبة إلى الكل, والثاني إذا ملكه وحال عليه الحول تؤخذ منه الزكاة وهو قول جمع من المحدثين انتهى. "ولا يجب فيما عدا ذلك" لعدم الإيجاب الشرعي والبقاء تحت البراءة الأصلية, وقال أبو حنيفة: الخمس في كل جوهر ينطبع كالحديد والنحاس. أقول: إن إيجاب الزكاة في جميع المعادن ومجاوزة ذلك إلى صيد البر والبحر والمسك والحطب والحشيش كما فعله كثير من المصنفين ليس بصواب لعدم وجود دليل يدل على ذلك والأصل في أموال العباد التي قد دخلت في أملاكهم بوجه من الوجوه المقتضية للملك هو الحرمة ولا يجوز أخذ شيء منها إلا بطيبة من نفس مالكها: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" وإلا كان أكلا بالباطل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ والمتيقن وجوب الخمس في الغنيمة عن القتال. "وفي معدن الذهب والفضة" لما أخرجه البيهقي في حديث الركاز بزيادة قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال: "الذهب والفضة التي خلقت في الأرض يوم خُلقت" وهو وإن

стр. 241

كان في إسناده سعيد بن أبي سعيد المقبري فهو لا يقصر عن صلاحية حديثه للتفسير فليعلم, ومصرفه أي مصرف الزكاة عند الشافعي ومصرف خمس الفيء عند أبي حنيفة. من في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وكفى بها دليلا على ذلك, وفي حجة الله البالغة يوضع سهم الرسول ﷺ بعده في مصالح المسلمين الأهم فالأهم وسهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب الفقير منهم والغني والذكر والأنثى وعندي أنه يخير الإمام في تعيين المقادير وكان عمر رضي الله تعالى عنه يزيد في فرض آل النبي ﷺ من بيت المال ويعين المدين منهم والناكح وذا الحاجة, وسهم اليتامى لصغير فقير لا أب له وسهم الفقراء والمساكين لهم يفوض كل ذلك إلى الإمام يجتهد في الفرض وتقديم الأهم فالأهم ويفعل ما أدى إليه اجتهاده ويقسم أربعة أخماسه في الغانمين يجتهد الإمام أولا في حال الجيش فمن كان نفله أوفق بمصلحة المسلمين نفل له وأما الفيء فمصرفه ما بين الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ إلى قوله: ﴿رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولما قرأها عمر قال: هذه استوعبت المسلمين فيصرفه إلى الأهم فالأهم, ويُنظر في ذلك إلى مصالح المسلمين لا مصلحته الخاصة واختلفت كيفية قسمة الفيء فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه الفيء قسمه في يوم فأعطى الآهل حظين وأعطى الأعزب حظا, وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقسم للحر والعبد يتوخى كفاية الحاجة ووضع عمر الديوان على السوابق والحاجات فالرجل وقِدمه والرجل وبلاؤه والرجل وعياله والرجل وحاجته والأصل في كل ما كان مثل هذا من الاختلاف أن يُحمل على أنه إنما فعل ذلك على الاجتهاد فتوخى كل المصلحة بحسب ما رأى في وقته انتهى حاصله.

стр. 242

كتاب الصيام مقدمة ... كتاب الصيام "يجب صيام رمضان" وهو ركن من أركان الدين وضروري من ضرورياته "لرؤية هلاله من عدل" لصيامه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأمره للناس بالصيام لما أخبره عبد الله بن عمر أنه رآه أخرجه أبو داود والدارمي وابن حبان والحاكم وصححاه وصححه أيضا ابن حزم من حديث ابن عمر بلفظ: "تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه" وأخرج أهل السنن وابن حبان والدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت الهلال يعني رمضان فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله قال: نعم قال: أتشهد أن محمدا رسول الله قال: نعم قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا". وأخرج الدارقطني والطبراني من طريق طاوس قال: شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى واليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه وقالا: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة الرجلين. قال الدارقطني تفرد به حفص بن عمر الأيلي وهو ضعيف, وقد ذهب إلى العمل بشهادة الواحد ابن المبارك وأحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه. قال النووي: وهو الأصح وذهب مالك والليث والأوزاعي والثوري إلى أنه يعتبر اثنان واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وفيه: فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا" أخرجه أحمد والنسائي وفي حديث أمير مكة الحرث بن حاطب قال: عهد إلينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما. أخرجه أبو داود والدارقطني وقال: هذا الإسناد متصل صحيح وغاية ما في الحديثين أن مفهوم الشرط يدل على عدم قبول الواحد ولكن أحاديث قبول الواحد أرجح من هذا المفهوم وقد حققه الماتن رح في كتابه

стр. 243

إطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال, ويؤيد وجوب العمل بخبر الواحد الأدلة الدالة على قبول أخبار الآحاد على العموم إلا ما خصه دليل فمحل النزاع مندرج تحت العموم بعد التنصيص عليه بما في حديث الأعرابي وبما في حديث ابن عمر, وأما التأويل باحتمال أن يكون قد شهد عند النبي ﷺ رجل قبل شهادة ابن عمر فلو كان مجرد هذا الاحتمال قادحا في الاستدلال لم يبق دليل شرعي إلا وأمكن دفعه بمثل هذا التأويل الباطل. في المسوى اختلفوا في هلال رمضان فقيل يثبت بشهادة الواحد وعليه أبو حنيفة وقيل لا بد من عدلين وعليه مالك وللشافعي قولان كالمذهبين أظهرهما الأول, ولا فرق عنده بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة, وقال أبو حنيفة في الصحو لا بد من جمع كثير وفي العالمكيرية إذا رأوا الهلال قبل الزوال أو بعده لا يصام به ولا يفطر وهو من الليلة المستقبلة وفي الأنوار وإذا رؤي الهلال بالنهار يوم الثلاثين فهو لليلة المستقبلة. أو إكمال عدة شعبان لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة, وفي الحجة البالغة لما كان وقت الصوم مضبوطا بالشهر القمري باعتبار رؤية الهلال وهو تارة ثلاثون يوما وتارة تسع وعشرون وجب في صورة الاشتباه أن يرجع إلى هذا الأصل, وأيضا مبنى الشرائع على الأمور الظاهرة عند الأميين دون التعمق والمحاسبات النجومية بل الشريعة واردة بإخمال ذكرها وهو قوله ﷺ : "إنا أمة أمية لا تكتب ولا نحسب" انتهى. "ويصوم ثلاثين يوما ما لم يظهر هلال شوال قبل إكمالها" وجهه ما ورد من الأدلة الصحيحة أن الهلال إذا غم صاموا ثلاثين يوما كحديث أبي هريرة المذكور ومثله في صحيح مسلم من حديث ابن عمر ومن حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث عائشة عند أحمد وأبي داود والدارقطني بإسناد صحيح وغير ذلك من الأحاديث وفيها التصريح بإكمال العدة الثلاثين يوما في بعضها عدة شعبان وفي بعضها ما يفيد أنها عدة رمضان وفي بعضها الإطلاق وعدم التقييد بأحد الشهرين. قال في الحجة: قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:

стр. 244

شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة١, قيل لا ينقصان معا وقيل لا يتفاوت أجر ثلاثين وتسعة وعشرين وهذا الآخر أقعد بقواعد التشريع كأنه أراد سد أن يخطر في قلب أحد ذلك انتهى. أقول: يمكن أن يقال: إن هذا إخبار من الشارع بعدم دخول النقص في الشهرين المذكورين فما ورد عنه أنه يكون الشهر تسعة وعشرين عام مخصص بالشهرين المذكورين وما ورد في خصوص شهر رمضان مما يدل على أنه قد يكون تسعة وعشرين فيمكن أن يقال فيه إن ذلك إنما هو باعتبار ما ظهر للناس من طلوع الهلال عليهم وفي نفس الأمر ذلك الشهر هو ثلاثون يوما. قال بعض المحققين: التكليف الشهري علق معرفة وقته برؤية الهلال دخولا وخروجا أو إكمال العدة ثلاثين يوما فهل في الأكوان أوضح من هذا البيان والتوقيت في الأيام والشهور بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة انتهى. أقول: إن الرؤية التي اعتبرها الشارع في قوله: "صوموا لرؤيته" هي الرؤية الليلية لا الرؤية النهاية فليست بمعتبرة سواء كانت قبل الزوال أو بعده ومن زعم خلاف هذا فهو عن معرفة المقاصد الشرعية بمراحل واحتجاج من احتج برؤية الذين أخبروا النبي ﷺ بأنهم رأوه بالأمس باطل كاحتجاج من احتج على وجوب الإتمام بقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وكلا الدليلين لا دلالة لهما على محل النزاع, وأما الأول فإنهم إنما أخبروا عن الرؤية في الوقت المعتبر وذلك مرادهم بلفظ أمس كما لا يخفى على عالم, وأما الثاني فالمراد به وجوب إتمام الصيام إلى الوقت الذي يسوغ فيه الإفطار تعيينا لوقته الذي لا يكون صوما بدونه. والحاصل: أن المجادلة عن هذا القول الفاسد وهو الاعتداد برؤية الهلال نهارا يأباه الإنصاف وإن قال المتخذلق إن الاعتبار بالرؤية وقد وقعت لحديث: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" والاعتبار بعموم اللفظ ونحو ذلك من المجادلات التي لا يجهل صاحبها أنه غالط أو مغالط ولو كان هذا صحيحا لوجب الإفطار عند كل رؤية للهلال في أي وقت من أوقات الشهر وهو باطل بالضرورة الدينية. "وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة" وجهه الأحاديث المصرحة بالصيام

стр. 245

لرؤيته والإفطار لرؤيته وهي خطاب لجميع الأمة فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لجميعهم, وأما استدلال من استدل بحديث كريب عند مسلم وغيره: أنه استهل عليه رمضان وهو بالشام فرأى الهلال ليلة الجمعة فقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عباس فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه, ثم قال: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وله ألفاظ فغير صحيح لأنه لم يصرح ابن عباس بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار بل أراد ابن عباس أنه أمرهم بإكمال الثلاثين أو يروه ظنا منه أن المراد بالرؤية رؤية أهل المحل وهذا خطأ في الاستدلال أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفرقوا في ذلك على ثمانية مذاهب, وقد أوضح الماتن المقام في الرسالة التي سماها إطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال. قال في المسوى: لا خلاف في أن رؤية بعض أهل البلد موجبة على الباقين واختلفوا في لزوم رؤية أهل بلد أهل بلد آخر والأقوى عند الشافعي يلزم حكم البلد القريب دون البعيد وعند أبي حنيفة يلزم مطلقا "وعلى الصائم النية قبل الفجر" لحديث حفصة عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" أخرجه أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان وصححاه, ولا ينافي ذلك رواية من رواه موقوفا فالرفع زيادة يتعين قبولها على ما ذهب إليه أهل الأصول وبعض أهل الحديث, وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم وخالفهم آخرون واستدلوا بما لا تقوم به الحجة. أما حديث أمره ﷺ لمن أصبح صائما أن يتم صومه في يوم عاشوراء فغاية ما فيه أن من لم يتبين له وجوب الصوم إلا بعد دخول النهار كان ذلك عذرا له عن التبييت١, وأما حديث أنه ﷺ : دخل على بعض نسائه ذات يوم فقال: هل عندكم من شيء؟ فقالوا: لا, فقال: "فإني إذن صائم" فذلك في صوم التطوع. قال في المسوى: قال الشافعي: يشترط للفرض التبييت

стр. 246

ويصح النفل بنيته قبل الزوال وقال أبو حنيفة: يكفي في الفرض والنفل وأن ينوي قبل نصف النهار ولا بد في القضاء والكفارات من التبييت. أقول: وأما أنه يجب تجديد النية لكل يوم فلا يخفى أن النية هي مجرد القصد إلى الشيء أو الإرادة له من دون اعتبار أمر آخر ولا ريب أن من قام في وقت السحر وتناول طعامه وشرابه في ذلك الوقت من دون عادة له به في غير أيام الصوم فقد حصل له القصد المعتبر لأن أفعال العقلاء لا تخلو عن ذلك وكذلك الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا يكون إلا من قاصد للصوم بالضرورة إذا لم يكن ثم عذر مانع عن الأكل والشرب غير الصوم, ولا يمكن وجود مثل ذلك من غير قاصد إلا إذا كان مجنونا أو ساهيا أو نائما كمن ينام يوما كاملا, وإذا تقرر هذا فمجرد القصد إلى السحور قائم مقام تبييت النية عند من اعتبر التبييت ومجرد الإمساك عن المفطرات وكف النفس عنها في جميع النهار يقوم أيضا مقام النية عند من لم يعتبر التبييت, ومن قال إنه يجب في النية زيادة على هذا المقدار فليأت بالبرهان فإن مفهوم النية لغة وشرعا لا يدل على غير ما ذكرناه وهكذا سائر العبادات فإن مجرد قصدها كاف من غير احتياج إلى زيادة على ذلك, مثلا يكفي في نية الوضوء مجرد دخول المكان المعتاد لذلك والاشتغال بغسل الأعضاء المخصوصة على الصفة المشروعة, وكذلك في الصلاة يكفي الدخول في المحل الذي تقام فيه والتأهب لها والشروع فيها على الصفة المشروعة فإن القصد والإرادة لا زمان لهذه الأفعال لعدم صدور مثل ذلك من العقلاء لمجرد اللعب والعبث. فصل "يبطل بالأكل والشرب عمدا" لا خلاف في ذلك. وأما مع النسيان فلا لما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة فقال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما الله أطعمه وسقاه" وفي لفظ للدارقطني بإسناد صحيح: "فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه" وفي لفظ آخر للدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم: "من أفطر يوما من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" وإسناده صحيح أيضا قاله الحافظ ابن حجر, وأخرج الدارقطني من حديث أبي سعيد مرفوعا: "من أكل في

стр. 247

شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه". قال ابن حجر: وإسناده وإن كان ضعيفا ولكنه صالح للمتابعة فأقل درجات هذا الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنا فيصلح للاحتجاج به انتهى. وقد ذهب إلى العمل بهذا الجمهور وهو الحق ومن قابل هذه السنة بالرأي الفاسد فرأيه رد عليه مضروب في وجهه. "و" هكذا "الجماع" لا خلاف في أنه يبطل الصيام إذا وقع من عامدا. وأما إذا وقع مع النسيان فبعض أهل العلم ألحقه بمن أكل أو شرب ناسيا, وتمسك بقوله في الرواية الأخرى: "من أفطر يوما من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" وبعضهم منع من الإلحاق. أقول: إفساد الصوم بالوطء لا يعرف في مثل هذا خلاف وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن المجامع في رمضان قال للنبي ﷺ : هلكت يا رسول الله! قال: "وما أهلكك"؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان فأمره بكفارة, وفي رواية لأبي داود وابن ماجه أنه ﷺ قال له: "وصم يوما مكانه" وهذه الزيادة مروية من أربع طرق ويقوي بعضها بعضا, ويدل على تحريم الوطء للصائم واجبا مفهوم قوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ . "والقيء عمداً" لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم وصححه, وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام وفيه نظر فإن ابن مسعود وعكرمة وربيعة قالوا: إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبا أو مستخرجا ما لم يرجع منه شيء باختياره. واستدلوا بحديث: "ثلاث لا يفطّرن القيء والحجامة والاحتلام" أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف, وعلى فرض صلاحيته للاستدلال فلا يعارض حديث أبي هريرة لأن هذا مطلق وذاك مقيد بالعمد. أقول: حديث أبي هريرة المتقدم هو في عدة من كتب الحديث وله طرق مختلفة ينتهض معها للاستدلال وفيه الفرق بين المتعمد للقيء وغير المتعمد ولا يعارض هذا حديث أبي سعيد المتقدم لأنه عام مخصص الحديث الفرق بين المتعمد وغير المتعمد فيكون معناه أن القيء إذا وقع من غير اختيار الصائم بل ذرعه كان غير مفطر وهذا الجمع لا بد منه ويؤيده حديث: أنه صلى الله عليه وسلم

стр. 248

"قاء فأفطر". فإن بعض الحفاظ فسره بأنه استقاء والمراد بالاستقاء تعمد القيء كما صرح به أهل العلم. وتحرم الوصال لنهيهه ﷺ عن ذلك كما في حديث أبي هريرة ابن عمر وعائشة وهو في الصحيحين وغيرهما وفي الباب أحاديث, وعلى من أفطر عمدا كفارة ككفارة الظهار لحديث المجامع في رمضان فإن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له: "هل تجد ما تعتق رقبة"؟ قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟ قال: لا. قال: "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا"؟ قال: لا. ثم أُتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر فقال: "تصدق بهذا" قال: فهل على أفقر منا فما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا فضحك النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه. وقال: "اذهب فأطعمه أهلك" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة, وقد قيل إن الكفارة لا تجب على من أفطر عامدا بأي سبب بل بالجماع فقط, ولكن الرجل إنما جامع امرأته فليس في الجماع في نهاية رمضان إلا ما في الأكل والشرب لكون الجميع حلالا لم يحرم إلا لعارض الصوم, وقد وقع في رواية من هذا الحديث: "أن رجلا أفطر" ولم يذكر الجماع١. أقول: إذا ورد ما يدل على وجوب مثل كفارة الظهار وورد ما يدل على أنه يجزئ أقل منها كان ورود الأقل رخصة لمن لا يجد مثل كفارة الظهار وهذا ظاهر لا لبس فيه. "ويُندب تعجيل الفطر وتأخير السحور" لحديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" وهو في الصحيحين وغيرهما. وعن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: "لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر" أخرجه أحمد وفي إسناده سليمان بن عثمان. قال أبو حاتم: مجهول, وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أنه كان بين تسحره ﷺ ودخوله في الصلاة قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية وفي الباب أحاديث كثيرة. فصل "ويجب على من أفطر لعذر شرعي أن يقضي" كالمسافر

стр. 249

والمريض, وقد صرح بذلك القرآن الكريم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وقد ورد في الحائض حديث معاذة عن عائشة وقد تقدم ذكره والنفساء مثلها. "والفطر للمسافر ونحوه رخصة إلا أن يخشى التلف أو الضعف عن القتال فعزيمة" الأحاديث في ذلك كثيرة منها: قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" لما سأله حمزة بن عمرو الأسلمي عن الصوم في السفر وهو في الصحيحين من حديث عائشة وفيه دليل على تفويض الفطر في الصوم وعدمه إلى المسافر, ومن حمله على صوم التطوع فلم يصب فإنه عند أبي داود والحاكم وصححه أنه قال: "ربما صادفني هذا الشهر" يعني رمضان, وأما حديث أنه قيل له ﷺ إن جماعة لم يفطروا في سفر من أسفارهم فقال: "أولئك العصاة" فذاك لأنه ﷺ قد كان أمرهم بالإفطار في ذاك اليوم بخصوصه فسماهم عصاة لمخالفة أمره لا لمجرد الصوم في السفر, وأما حديث: "ليس من البر الصيام في السفر" وهو متفق عليه ففي رواية زادها النسائي في هذا الحديث: "عليكم برخص الله التي رخص لكم فاقبلوا" فالتصريح بالرخصة مشعر بأن الصوم عزيمة وهو المطلوب. وأما ما روي بلفظ: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" فقد صحح جماعة من الحفاظ وقفه على عبد الرحمن بن عوف ولا حجة في ذلك, وفي الصحيحين من حديث أنس كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم, وأخرج مسلم وغيره عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال يا رسول الله: أجد مني قوة على الصوم فهل علي جناح فقال: "هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" وفي الصحيحين من حديث جابر قال: كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال: "ماهذا"؟ فقالوا: صائم. فقال: "ليس من البر الصوم في السفر ". وأخرج مسلم وأحمد وأبو داود من حديث أبي سيد قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله ﷺ : "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم" فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال: "إنكم مصبِّحو عدوكم والفطر أقوى

стр. 250

لكم فأفطروا" فكانت عزيمة. ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله ﷺ في السفر. وقد ذهب إلى كون الصوم رخصة في السفر الجمهور, وروي عن بعض الظاهرية وهو محكي عن أبي هريرة أن الفطر في السفر واجب وأن الصوم لا يجزئ والمراد بنحو المسافر الحبلى والمرضع لما أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي من حديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصوم". ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه لحديث عائشة في الصحيحين وغيرها أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" وقد زاد البزار لفظ: "إن شاء". قال في مجمع الزوائد: وإسناده حسن وبه قال أصحاب الحديث وبعض الشافعية وأبو ثور والأوزاعي وأحمد بن حنبل. قال البيهقي في الخلافيات: هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في صحتها, وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب صوم الولي عن وليه, وقال في الحجة: ولا اختلاف بين قوله ﷺ : "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" وقوله فيه أيضا: "فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا" إذ يجوز أن يكون كل من الأمرين مجزئا. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: وصح عنه ﷺ أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه وقالت: يصام عنه النذر والفرض وأبت طائفة ذلك وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض وفصلت طائفة فقالت يصام النذر دون الفرض الأصلي وهذا قول ابن عباس وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه وهو الصحيح؛ لأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة فكما لا يصلي أحد عن أحد ولا يسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام, وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه وهذا محض الفقه وطرد هذا أنه لا يحج عنه ولا يزكي عنه إلا إذا كان معذورا بالتأخير كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر. فأما المفطر من غير عذر أصلا فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرض فيها وكان هو المأثور بها ابتلاء وامتحانا دون الولي فلا ينفع توبة أحد عن أحد ولا إسلامه عنه ولا أداء الصلاة عنه ولا غيرها من فرائض الله تعالى التي فرط فيها حتى مات والله تعالى أعلم. أقول: الظاهر والله أعلم أنه يجب على الولي أن يصوم عن قريبه الميت
следующие страницы →