ويصح النفل بنيته قبل الزوال وقال أبو حنيفة: يكفي في الفرض والنفل وأن ينوي قبل نصف النهار ولا بد في القضاء والكفارات من التبييت. أقول: وأما أنه يجب تجديد النية لكل يوم فلا يخفى أن النية هي مجرد القصد إلى الشيء أو الإرادة له من دون اعتبار أمر آخر ولا ريب أن من قام في وقت السحر وتناول طعامه وشرابه في ذلك الوقت من دون عادة له به في غير أيام الصوم فقد حصل له القصد المعتبر لأن أفعال العقلاء لا تخلو عن ذلك وكذلك الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا يكون إلا من قاصد للصوم بالضرورة إذا لم يكن ثم عذر مانع عن الأكل والشرب غير الصوم, ولا يمكن وجود مثل ذلك من غير قاصد إلا إذا كان مجنونا أو ساهيا أو نائما كمن ينام يوما كاملا, وإذا تقرر هذا فمجرد القصد إلى السحور قائم مقام تبييت النية عند من اعتبر التبييت ومجرد الإمساك عن المفطرات وكف النفس عنها في جميع النهار يقوم أيضا مقام النية عند من لم يعتبر التبييت, ومن قال إنه يجب في النية زيادة على هذا المقدار فليأت بالبرهان فإن مفهوم النية لغة وشرعا لا يدل على غير ما ذكرناه وهكذا سائر العبادات فإن مجرد قصدها كاف من غير احتياج إلى زيادة على ذلك, مثلا يكفي في نية الوضوء مجرد دخول المكان المعتاد لذلك والاشتغال بغسل الأعضاء المخصوصة على الصفة المشروعة, وكذلك في الصلاة يكفي الدخول في المحل الذي تقام فيه والتأهب لها والشروع فيها على الصفة المشروعة فإن القصد والإرادة لا زمان لهذه الأفعال لعدم صدور مثل ذلك من العقلاء لمجرد اللعب والعبث.
فصل "يبطل بالأكل والشرب عمدا" لا خلاف في ذلك. وأما مع النسيان فلا لما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة فقال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما الله أطعمه وسقاه" وفي لفظ للدارقطني بإسناد صحيح: "فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه" وفي لفظ آخر للدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم: "من أفطر يوما من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" وإسناده صحيح أيضا قاله الحافظ ابن حجر, وأخرج الدارقطني من حديث أبي سعيد مرفوعا: "من أكل في
стр. 247
شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه". قال ابن حجر: وإسناده وإن كان ضعيفا ولكنه صالح للمتابعة فأقل درجات هذا الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنا فيصلح للاحتجاج به انتهى. وقد ذهب إلى العمل بهذا الجمهور وهو الحق ومن قابل هذه السنة بالرأي الفاسد فرأيه رد عليه مضروب في وجهه. "و" هكذا "الجماع" لا خلاف في أنه يبطل الصيام إذا وقع من عامدا. وأما إذا وقع مع النسيان فبعض أهل العلم ألحقه بمن أكل أو شرب ناسيا, وتمسك بقوله في الرواية الأخرى: "من أفطر يوما من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" وبعضهم منع من الإلحاق. أقول: إفساد الصوم بالوطء لا يعرف في مثل هذا خلاف وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن المجامع في رمضان قال للنبي ﷺ : هلكت يا رسول الله! قال: "وما أهلكك"؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان فأمره بكفارة, وفي رواية لأبي داود وابن ماجه أنه ﷺ قال له: "وصم يوما مكانه" وهذه الزيادة مروية من أربع طرق ويقوي بعضها بعضا, ويدل على تحريم الوطء للصائم واجبا مفهوم قوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ . "والقيء عمداً" لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم وصححه, وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام وفيه نظر فإن ابن مسعود وعكرمة وربيعة قالوا: إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبا أو مستخرجا ما لم يرجع منه شيء باختياره. واستدلوا بحديث: "ثلاث لا يفطّرن القيء والحجامة والاحتلام" أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف, وعلى فرض صلاحيته للاستدلال فلا يعارض حديث أبي هريرة لأن هذا مطلق وذاك مقيد بالعمد. أقول: حديث أبي هريرة المتقدم هو في عدة من كتب الحديث وله طرق مختلفة ينتهض معها للاستدلال وفيه الفرق بين المتعمد للقيء وغير المتعمد ولا يعارض هذا حديث أبي سعيد المتقدم لأنه عام مخصص الحديث الفرق بين المتعمد وغير المتعمد فيكون معناه أن القيء إذا وقع من غير اختيار الصائم بل ذرعه كان غير مفطر وهذا الجمع لا بد منه ويؤيده حديث: أنه صلى الله عليه وسلم
стр. 248
"قاء فأفطر". فإن بعض الحفاظ فسره بأنه استقاء والمراد بالاستقاء تعمد القيء كما صرح به أهل العلم. وتحرم الوصال لنهيهه ﷺ عن ذلك كما في حديث أبي هريرة ابن عمر وعائشة وهو في الصحيحين وغيرهما وفي الباب أحاديث, وعلى من أفطر عمدا كفارة ككفارة الظهار لحديث المجامع في رمضان فإن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له: "هل تجد ما تعتق رقبة"؟ قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟ قال: لا. قال: "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا"؟ قال: لا. ثم أُتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر فقال: "تصدق بهذا" قال: فهل على أفقر منا فما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا فضحك النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه. وقال: "اذهب فأطعمه أهلك" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة, وقد قيل إن الكفارة لا تجب على من أفطر عامدا بأي سبب بل بالجماع فقط, ولكن الرجل إنما جامع امرأته فليس في الجماع في نهاية رمضان إلا ما في الأكل والشرب لكون الجميع حلالا لم يحرم إلا لعارض الصوم, وقد وقع في رواية من هذا الحديث: "أن رجلا أفطر" ولم يذكر الجماع١. أقول: إذا ورد ما يدل على وجوب مثل كفارة الظهار وورد ما يدل على أنه يجزئ أقل منها كان ورود الأقل رخصة لمن لا يجد مثل كفارة الظهار وهذا ظاهر لا لبس فيه. "ويُندب تعجيل الفطر وتأخير السحور" لحديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" وهو في الصحيحين وغيرهما. وعن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: "لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر" أخرجه أحمد وفي إسناده سليمان بن عثمان. قال أبو حاتم: مجهول, وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أنه كان بين تسحره ﷺ ودخوله في الصلاة قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية وفي الباب أحاديث كثيرة.
فصل "ويجب على من أفطر لعذر شرعي أن يقضي" كالمسافر
стр. 249
والمريض, وقد صرح بذلك القرآن الكريم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وقد ورد في الحائض حديث معاذة عن عائشة وقد تقدم ذكره والنفساء مثلها. "والفطر للمسافر ونحوه رخصة إلا أن يخشى التلف أو الضعف عن القتال فعزيمة" الأحاديث في ذلك كثيرة منها: قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" لما سأله حمزة بن عمرو الأسلمي عن الصوم في السفر وهو في الصحيحين من حديث عائشة وفيه دليل على تفويض الفطر في الصوم وعدمه إلى المسافر, ومن حمله على صوم التطوع فلم يصب فإنه عند أبي داود والحاكم وصححه أنه قال: "ربما صادفني هذا الشهر" يعني رمضان, وأما حديث أنه قيل له ﷺ إن جماعة لم يفطروا في سفر من أسفارهم فقال: "أولئك العصاة" فذاك لأنه ﷺ قد كان أمرهم بالإفطار في ذاك اليوم بخصوصه فسماهم عصاة لمخالفة أمره لا لمجرد الصوم في السفر, وأما حديث: "ليس من البر الصيام في السفر" وهو متفق عليه ففي رواية زادها النسائي في هذا الحديث: "عليكم برخص الله التي رخص لكم فاقبلوا" فالتصريح بالرخصة مشعر بأن الصوم عزيمة وهو المطلوب. وأما ما روي بلفظ: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" فقد صحح جماعة من الحفاظ وقفه على عبد الرحمن بن عوف ولا حجة في ذلك, وفي الصحيحين من حديث أنس كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم, وأخرج مسلم وغيره عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال يا رسول الله: أجد مني قوة على الصوم فهل علي جناح فقال: "هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" وفي الصحيحين من حديث جابر قال: كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال: "ماهذا"؟ فقالوا: صائم. فقال: "ليس من البر الصوم في السفر ". وأخرج مسلم وأحمد وأبو داود من حديث أبي سيد قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله ﷺ : "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم" فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال: "إنكم مصبِّحو عدوكم والفطر أقوى
стр. 250
لكم فأفطروا" فكانت عزيمة. ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله ﷺ في السفر. وقد ذهب إلى كون الصوم رخصة في السفر الجمهور, وروي عن بعض الظاهرية وهو محكي عن أبي هريرة أن الفطر في السفر واجب وأن الصوم لا يجزئ والمراد بنحو المسافر الحبلى والمرضع لما أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي من حديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصوم". ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه لحديث عائشة في الصحيحين وغيرها أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" وقد زاد البزار لفظ: "إن شاء". قال في مجمع الزوائد: وإسناده حسن وبه قال أصحاب الحديث وبعض الشافعية وأبو ثور والأوزاعي وأحمد بن حنبل. قال البيهقي في الخلافيات: هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في صحتها, وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب صوم الولي عن وليه, وقال في الحجة: ولا اختلاف بين قوله ﷺ : "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" وقوله فيه أيضا: "فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا" إذ يجوز أن يكون كل من الأمرين مجزئا. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: وصح عنه ﷺ أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه وقالت: يصام عنه النذر والفرض وأبت طائفة ذلك وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض وفصلت طائفة فقالت يصام النذر دون الفرض الأصلي وهذا قول ابن عباس وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه وهو الصحيح؛ لأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة فكما لا يصلي أحد عن أحد ولا يسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام, وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه وهذا محض الفقه وطرد هذا أنه لا يحج عنه ولا يزكي عنه إلا إذا كان معذورا بالتأخير كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر. فأما المفطر من غير عذر أصلا فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرض فيها وكان هو المأثور بها ابتلاء وامتحانا دون الولي فلا ينفع توبة أحد عن أحد ولا إسلامه عنه ولا أداء الصلاة عنه ولا غيرها من فرائض الله تعالى التي فرط فيها حتى مات والله تعالى أعلم. أقول: الظاهر والله أعلم أنه يجب على الولي أن يصوم عن قريبه الميت
стр. 251
إذا كان عليه صوم سواء أوصى أو لم يوص كما هو مدلول الحديث ومن زعم خلاف ذلك فليأت بحجة تدفعه١ والكبير العاجز عن الأداء والقضاء يكفر عن كل يوم بإطعام مسكين لحديث سلمة بن الأكوع الثابت في الصحيحين وغيرهما قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وأخرج هذا الحديث أحمد وأبو داود عن معاذ بنحو ما تقدم وزاد: ثم أنزل الله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام وأخرج البخاري عن ابن عباس أنه قال: ليست هذه الآية منسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا, وأخرج أبو داود عن ابن عباس أنه قال: أثبتت للحبلى والمرضع أن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينا وأخرج الدارقطني والحاكم وصححاه عن ابن عباس أنه قال: رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه: وهذا أنه قال وهذا من ابن عباس تفسير لما في القرآن مع ما فيه من الإشعار بالرفع فكان ذلك دليلا على أن الكفارة هي إطعام مسكين عن كل يوم. أقول: لم يثبت في الكفارة على من لم يطق الصوم شيء من المرفوع في شيء من كتب الحديث وليس في الكتاب العزيز ما يدل على ذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ إن كانت منسوخة كما ثبت عن سلمة بن الأكوع عند أهل الأمهات كلهم أنها كانت في أول الإسلام فكان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نسختها الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ومثل ذلك روي عن معاذ بن جبل أخرجه أحمد وأبو داود ومثله عن ابن عمر أخرجه البخاري فالمنسوخ ليس بحجة بلا خلاف, وإن كانت محكمة كما رواه أبو داود عن ابن عباس فظاهرها جواز ترك الصوم لمن كان
стр. 252
مطيقا غير معذور ووجوب الفدية عليه وهو خلاف ما أجمع عليه المسلمون. وأما قول ابن عباس المتقدم فكلام غير مناسب لمعنى الآية لأنها في المطيقين لا فيمن لا يستطيع أن يصوم كما قال وكذلك ما رواه عنه أبو داود أنها أُثبتت للحبلى والمرضع فإنه يدل على أنها منسوخة فيما عداهما فعلى كل حال ليس في الآية دليل على وجوب الإطعام على من ترك الصوم وهو لا يطيقه وهو محل النزاع وإذا لم يوجد دليل في كتاب الله ولا في سنة رسوله فليس في غيرهما أيضا ما يدل على ذلك فالحق عدم وجوب الإطعام, وقد ذهب إليه جماعة من السلف منهم: مالك وأبو ثور وداود وكذا لا فدية على من حال عليه رمضان وعليه رمضان أو بعضه ولم يقضه لأنه لم يثبت في ذلك شيء صح رفعه وغاية ما فيه آثار عن جماعة من الصحابة من أقوالهم وليس بحجة على أحد ولا تعبد الله بها أحدا من عباده والبراءة الأصلية مستصحبة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح, وقد ذهب إلى هذا النخعي وأبو حنيفة وأصحابه, وأما التفريق في قضاء رمضان فقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عمر أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سئل عن قضاء رمضان فقال: "إن شاء فرقه وإن شاء تابعه" وفي إسناده سفيان بن بشر وقد ضعفه بعضهم, وقال ابن الجوزي ما علمنا أحدا طعن فيه ثم صحح الحديث, ويؤيد ما دل عليه هذا الحديث من التخيير قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وهذه العدة تصدق على ما كان مجتمعا ومتفرقا لأنه يحصل من كل واحد منهما عدة والبراءة الأصلية قاضية بعدم التعبد بما هو أشق ما يصدق عليه معنى الآية دون ما هو أخف, وأما ما يروى من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه" كما أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة ففي إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم القاص وقد ضعفه جماعة من الأئمة وقال البيهقي لا يصح وأنكره أبو حاتم على عبد الرحمن, وأما ابن القطان فقال: لم يأت من ضعفه بحجة١ انتهى. ولكنه مع ذلك لا ينتهض للنقل عن مجرد البراءة الأصلية فضلا عما عضدها.
стр. 253
باب صوم التطوع
"يُستحبّ صيام ست من شوال لحديث: "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فذاك صيام الدهر" أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي أيوب, وفي الباب أحاديث قال في الحجة البالغة: والسر في مشروعيتها أنها بمنزلة السنن الرواتب في الصلاة تكمل فائدتها بالنسبة إلى أمزجة لم تتام فائدتها بهم وإنما خص في بيان الفضيلة التشبه بصوم الدهر لأن من القواعد المقررة أن الحسنة بعشر أمثالها وبهذه الستة يتم الحساب انتهى. أقول: ظاهر الحديث أنه يكفي صيام ست من شوال سواء كانت من أوله أو من أوسطه أو من آخره ولا يشترط أن تكون متصلة به لا فاصل بينها وبين رمضان إلا يوم الفطر وإن كان ذلك هو الأولى ولأن الاتباع وإن صدق على جميع الصور فصدقه على الصورة التي لم يفصل فيها بين رمضان وبين الست إلا يوم الفطر الذي لا يصح صومه لا شك أنه أولى, وأما أنه لا يحصل الأجر إلا لمن فعل كذلك فلا لأن من صام ستا من آخر شوال فقد أتبع رمضان بصيام ست من شوال بلا شك وذلك هو المطلوب. "وتسع ذي الحجة" لما ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من حديث حفصة عند أحمد والنسائي قالت: أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر. وأخرجه أبو داود بلفظ: كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وأول اثنين من الشهر والخميس. وقد أخرج مسلم عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صائما في العشر قط, وفي رواية: "لم يصم العشر قط" وعدم رؤيتها وعلمها لا يستلزم العدم وآكد التسع يوم عرفة, وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "صوم يوم عرفة يكفّر سنتين ماضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يكفّر سنة ماضية". وأما صيام شهر "محرم" فلحديث أبي هريرة عند مسلم وأحمد وأهل السنن أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سئل
стр. 254
أي الصيام بعد رمضان أفضل؟ فقال: "شهر الله المحرم" وآكده يوم عاشوراء لما ورد فيه من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة أنه ﷺ صامه وأمر بصيامه ثم قال: "هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء صام ومن شاء فليفطر", وقد تقدم أنه يكفر سنة ماضية, وثبت في مسلم وغيره أنه لما أمر بصيامه قالوا يا رسول الله: إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى فقال: "إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع" فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ . قلت: وعليه أهل العلم, واستحب أكثرهم أن يصوم التاسع والعاشر, وفي العالمكيرية: ويكره صوم يوم عاشوراء مفردا انتهى. وفي الباب أحاديث أخرى أوردها الشيخ عبد الحق الحنفي الدهلوي فيما ثبت من السنة في أيام السنة. أقول: أما شهر المحرم فلا ريب أنه قد خصه دليل صحيح ناطق بأنه أفضل الصيام المتطوع به ولم يعارضه في هذه الأفضلية إلا ما قيل في صوم يوم عرفة وقد ذكر الجمع الماتن رح في شرح المنتقى. وشعبان لحديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما إلى شعبان يصل به رمضان أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي وفي الصحيحين من حديث عائشة ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله. وفي لفظ: وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان. "والاثنين والخميس" لحديث عائشة أن النبي ﷺ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس. أخرجه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه, وأخرج نحوه أبو داود من حديث أسامة بن زيد وأخرجه أيضا النسائي وفي إسناده مجهول مع أنه قد صححه ابن خزيمة. وأخرج أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "تعرض الأعمال كل اثنين وخميس فأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم" وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه". "وأيام البيض" لحديث أبي قتادة عند مسلم وغيره. قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله". وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان وصححه من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا
стр. 255
صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" وفي الباب أحاديث. قال في الحجة البالغة: وقد اختلفت الرواية في اختيار تلك الأيام فورد: "يا أبا ذر" إلخ وورد كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس وورد من غرة كل شهر ثلاثة أيام وورد أنه أمر أم سلمة بثلاثة أولها الاثنين والخميس ولكل وجه انتهى.
"وأفضل التطوع صوم يوم وإفطار يوم" لحديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: "صم في كل شهر ثلاثة أيام" قلت: فإني أقوى من ذلك فلم يزل يرفعني حتى قال: "صم يوما وأفطر يوما فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود ﵇". قال في الحجة البالغة: واختلفت سنن الأنبياء ﵈ في الصوم فكان نوح ﵇ يصوم الدهر وكان داود ﵇ يصوم يوما ويفطر يوما وكان عيسى ﵇ يصوم يوما ويفطر يومين أو أياما, وكان النبي ﷺ في خاصة نفسه يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم ولم يكن يستكمل صيام شهر إلا رمضان وذلك أن الصيام ترياق والترياق لا يستعمل إلا بقدر المرض وكان قوم نوح ﵇ شديدي الأمزجة حتى روي غنهم ما روي, وكان ﵇ ذا قوة ورزانة وهو قوله ﷺ . وكان لا يفر إذا لا قي. وكان عيسى ﵇ ضعيفا في بدنه فارغا لا أهل له ولا مال فاختار كل واحد ما يناسب الحال, وكان نبينا ﷺ عارفا بفوائد الصوم والإفطار مطلعا على مزاجه وما يناسبه فاختار بحسب مصلحة الوقت ما شاء. ويُكره صوم الدهر لحديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صام من صام الأبد" وهو في الصحيحين وغيرهما, وأخرج أحمد وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي وابن أبي شيبة من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "من صام الدهر ضُيقت عليه جهنم هكذا وقبض كفه" ولفظ ابن حبان: "ضُيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين" ورجاله رجال الصحيح, وهذه الأحاديث من أعظم الأدلة الدالة على أن صوم الدهر مخالف لهديه ﷺ لأنه نزّل صوم صائم الدهر منزلة العدم في الحديث الأول وفي رواية: "لا صام من صام الدهر ولا أفطر" والحديث صحيح, ويؤيده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من نهيه ﷺ لابن عمرو لما أراد أن يصوم الدهر
стр. 256
وقال له: "لا تفعل", وقال لما بغله عن المتكلفين في العبادة أنهم سألوا عن عبادته ﷺ فاستقلوها فقال أحدهم: أصوم ولا أفطر, وقال الثاني: أقوم ولا أنام, وقال الثالث: لا أنكح النساء فقال ﷺ : "أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" وأما تقريره ﷺ لحمزة بن عمرو قال له يا رسول الله: إني أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ قال: "إن شئت" كما أخرجه الشيخان وغيرهما فليس فيه دليل على صوم الدهر لأن السرد يصدق بصوم أيام متتابعة وإن كانت بعض سنة فضلا عن أكثر منها ومن جملة الوعيد لمن صام الدهر حديث أبي موسى المتقدم وهذا وعيد شديد ومن زعم أنه ترغيب في صوم الدهر فلم يصب. وإفراد يوم الجمعة لحديث جابر في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نهى عن صوم يوم الجمعة. وفي رواية: "أن يفرد بصوم" وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: "لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم" وفي لفظ المسلم: "ولا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" وفي الباب أحاديث قال الشافعي: يكره إفراد الجمعة. وفي العالمكيرية يستحب صوم يوم الجمعة بانفراده. أقول: الأحاديث واردة بالنهي وحقيقة النهي التحريم إذا لم يصم يوما قبله ولا يوما بعده وما روي عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من أنه كان يصومه لا يصلح لجعله قرينة صارفة لوجهين: الأول أنه لم ينقل أنه كان يصومه منفردا بل الظاهر أنه كان يصومه على غير الصفة التي نهانا عنها. الثاني: أن فعله لا يعارض قوله الخاص بالأمة كما تقرر في الأصول وعلى فرض عدم الاختصاص لقوله بالأمة بل شموله له ولهم فهو مخصص له من العموم وذلك لا يصلح قرينة صارفة للنهي عن معناه الحقيقي ويوم السبت لحديث الصماء بنت بسر عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والطبراني والبيهقي وصححه ابن السكن أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجر فليمضغه". "ويحرم صوم العيدين" لحديث أبي سعيد في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ : أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر
стр. 257
ويوم النحر. وقد أجمع المسلمون على ذلك. "وأيام التشريق" لنهيه ﷺ عن الصوم فيها كما ثبت ذلك من طريق جماعة من الصحابة وقد سرد أحاديثه الماتن في شرح المنتقى. واستقبال رضمان بيوم أو يومين لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما فليصمه" ويؤيده حديث أبي هريرة أيضا عند أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره مرفوعا بلفظ: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" وفي الباب أحاديث والخلاف طويل مبسوط في المطولات. أقول: وما زال الخلاف في هذه المسألة من عصر الصحابة إلى الآن, وقد صارت مركزا من المراكز التي يتغالى الناس في أمرها إثباتا ونفيا ولم يحتج أحد منهم بأن النبي ﷺ كان يصومه, وأما ما احتجوا به من العمومات الدالة على مشروعية مطلق الصوم واستحبابه فنحن نقول بموجبها ونقول هي مخصصة بأحاديث أمره ﷺ بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته أو إكمال العدة كما صح في جميع دواوين الإسلام وبأحاديث نهيه ﷺ عن تقدم رمضان بيوم أو يومين وهو في الصحيح بل ورد النهي عن صوم النصف الأخير من شعبان وقال عمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم, وهو صحيح. بل قال ابن عبد البر: لا يختلفون في رفعه ولعل مراده أن له حكم الرفع لا أن القائل له هو النبي ﷺ فهذا إذا لم يصلح لتخصيص العمومات لم يصلح مخصص قط ومن نظر إلى ما يقع من عوام المسلمين بل ومن بعض خواصهم في هذه الأعصار من التخاري على الصوم والإفطار بمجرد الشكوك والخيالات التي هي عن الشريعة بمعزل قضى العجب وبكى على الدين وانتظر القيامة.
стр. 258
باب الاعتكاف
"يشرع" لا خلاف في مشروعية الاعتكاف وقد كان يعتكف النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة. "ويصح في كل وقت في المساجد" لأنه ورد الترغيب فيه
стр. 259
ولم يأت ما يدل على أنه يختص بوقت معين, وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: "فأوف بنذرك" وأما كونه لا يكون إلا في المساجد فلأن ذلك هو معنى الاعتكاف شرعا إذ لا يسمى من اعتكف في غيرها معتكفا شرعا, وقد ورد ما يدل على ذلك كحديث: "لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة" أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من حديث حذيفة. قال في المسوى: الاعتكاف جائز في كل مسجد فإن لم يكن المسجد جامعا فالخروج للجمعة واجب عليه فإذا خرج يبطل اعتكافه عند الشافعي فيحتاج إلى نية جديدة لما يستقبله إن كان تطوعا ولا يبطل عند أبي حنيفة كما لو خرج لقضاء الحاجة. أقول: لا ريب أن مسمى الاعتكاف الشرعي لا يحصل إلا إذا كان في المسجد ولهذا لم تختلف الأمة في اعتبار ذلك إلا ما يروى عن محمد بن عمر بن لبابة المالكي فإنه أجازه في كل مكان, وإنما اختلفوا هل يجزئ الاعتكاف في كل مسجد أم في الثلاثة المساجد فقط أم في المسجد الحرام فقط؟ والظاهر أنه يجزئ في كل مسجد قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ولا حجة في قول عائشة ولا في قول حذيفة١ في هذا الباب. "وهو في رمضان آكد سيما في العشر الأواخر منه" أفضل وآكد لكونه ﷺ كان يعتكف فيها. ولم يرد ما يدل على توقيته بيوم أو أكثر ولا على اشتراط الصيام إلا من قول عائشة وحديث نذر عمر المتقدم يرده, وكذلك حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" أخرجه الدارقطني والحاكم وقال: صحيح الإسناد, ورجح الدارقطني والبيهقي وقفه.
وبالجملة: فلا حجة إلا في الثابت من قوله ﷺ ولم يثبت عنه ما يدل على أنه لا اعتكاف إلا بصوم بل ثبت عنه ما يخالفه في نذر عمر وقد روى أبو داود عن عائشة مرفوعا من حديث: "ولا اعتكاف إلا بصوم" ورواه غيره من قولها ورجح ذلك الحفاظ. أقول: اعلم أن كون الشيء شرطا لشيء آخر أو ركنا له أو فرضا من فروضه لا يثبت إلا بدليل لأنه حكم شرعي
стр. 260
أو وضعي ولم يأت ما يدل على أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم, بل ثبت الترغيب منه ﷺ في الاعتكاف ولم ينقل إلينا أنه اعتبر ذلك ولو كان معتبرا لبينه للأمة. وأما اعتكافه ﷺ في صومه فلا يستلزم أن يكون الاعتكاف كذلك لأنه أمر اتفاقي ولو كان ذلك معتبرا لكان اعتكافه في مسجده معتبرا فلا يصح من أحد الاعتكاف في غيره وأنه باطل. وأما قول عائشة المتقدم فظاهر هذا السياق أن لفظ: "ولا اعتكاف إلا بصوم" ليس من بيان السنة المذكورة في أول كلامها بل ابتداء كلام منها فقد أخرجه النسائي ولم يذكر فيه قولها من السنة وكذلك أخرجه أيضا من حديث مالك وليس فيه ذلك وقال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحق لا يقول فيه من السنة وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: "لا يخرج وما عداه ممن دونها" وكذلك رحج ذلك البيهقي كما ذكره ابن كثير في إرشاده ومما يؤيد هذا حديث: "من اعتكف فواق ناقة" وكذلك حديث: "ليس على المعتكف صيام" وفيهما مقال أوضحه الماتن رح في شرح المنتقى, وقد ثبت عنه ﷺ أنه اعتكف عشرا من شوال ولم ينقل عنه أنه صامها بل روي عنه أنه اعتكف العشر الأول من شوال ولا يخفى أن يوم الفطر من جملتها وليس بيوم صوم فالحق عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف لما تقدم ولما ثبت أن عمر: سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال: "أوف بنذرك" وهو متفق عليه, وفي رواية لمسلم: "يوما" مكان: "ليلة" وما في الصحيحين أرجح مما في أحدهما إذا لم يمكن الجمع وقد جمع ابن حبان وغيره بأنه نذر اعتكاف ليلة ويوم وفي رواية أبي داود والنسائي: أن النبي ﷺ قال له: "اعتكف وصم" ولكن في إسناده عبد الله بن بديل وهو ضعيف, وقد ذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عمرو بن دينار وقال الحافظ في الفتح إن رواية من روى: "يوما" شاذة, وإذا عرفت ما تقدم من عدم انتهاض ما احتجوا به على شرطية الصوم فالحق الحقيق بالقبول أن الاعتكاف يكون ساعة فما فوقها. بل حديث: "من اعتكف فواق ناقة" يدل على أنه يكون أقله لحظة مختطفة وهذا الحديث وإن لم يكن صالحا للاحتجاج به فالأصل عدم التقدير بوقت معين, والدليل على مدعي ذلك ثم كون اليوم الكامل
стр. 261
شرطا للصوم لا يسلتزم أن يكون شرطا للاعتكاف لأنه يمكن الاعتكاف بعض اليوم مع الصوم لكل اليوم فاليوم شرط الصوم لا شرط الاعتكاف على تسليم أن الصوم شرط. ويستحب الاجتهاد في العمل فيها لحديث عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل كله وأيقظ أهله وشد المئزر. وهو في الصحيحين وغيرهما. "وقيام ليالي القدر" لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ : "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".وفي تعيين ليلة القدر أحاديث مختلفة وأقوال جاوزت الأربعين ذكرتها في مسك الختام شرح بلوغ المرام بالفارسية وقد استوفاها الماتن في نيل الأوطار وفي حاشية الشفاء للماتن. أقول: في تعيينها مذاهب يطول تعدادها وقد بسطتها في شرح المنتقى فكانت سبعة وأربعين قولا وذكرت أدلتها وبينت راجحها من مرجوحها ورحجت أنها في أوتار العشر الأواخر لما ذكرته هنالك انتهى. قال في الحجة البالغة: إن ليلة القدر ليلتان: إحداهما ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم وفيها نزل القرآن جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك نجما نجما وهي ليلة في السنة ولا يجب أن تكون في رمضان نعم رمضان مظنة غالبة لها واتفق أنها كانت في رمضان عند نزول القرآن والثانية يكون فيها نوع انتشار الروحانية ومجيء الملائكة إلى الأرض فيتفق المسلمون فيها على الطاعات فيتعاكس أنوارهم فيما بينهم ويتقرب منهم الملائكة ويتباعد منهم الشياطين ويستجاب منهم أدعيتهم وطاعاتهم وهي ليلة في كل رمضان في أوتار العشر الأواخر تتقدم وتتأخر فيه ولا تخرج منها فمن قصد الأولى قال: هي في كل سنة ومن قصد الثانية قال: هي في العشر الأواخر من رمضان١, وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" وقال: "أريت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد رأيتني أسجد في ماء وطين" فكان ذلك في ليلة إحدى وعشرين واختلاف الصحابة فيها مبني على اختلافهم في وجدانها, ومن أدعية من وجدها: "اللهم إنك
стр. 262
عفو تحب العفو فاعف عني". وفي المسوى اختلفوا في ليلة هي أرجى والأقوى أنها ليلة في أوتار العشرة الأخيرة تتقدم وتتأخر وقول أبي سعيد إنها ليلة إحدى وعشرين, وقال المزني وابن خزيمة إنها تنتقل كل سنة ليلة جمعا بين الأخبار. قال في الروضة: وهو قوي ومذهب الشافعي أنها لا تلزم ليلة بعينها وفي المنهاج ميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والثالث والعشرين وعن أبي حنيفة أنها في رمضان لا يدرى أية ليلة هي وقد تتقدم وتتأخر وعندهما كذلك إلا أنها متعينة لا تتقدم ولا تتأخر. ولا يخرج المعتكف إلا لحاجة لما ثبت من حديث عائشة في الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أنه كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفا" وأخرج أبو داود عنها قالت: كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه. وفي إسناده ليث بن أبي سليم. قال الحافظ: والصحيح عن عائشة من فعلها أخرجه مسلم وغيره, وقال صح ذلك عن علي وأخرج أبو داود عن عائشة أيضا قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه. "ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع" وأخرجه أيضا النسائي وليس فيه قالت: السنة. قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن اسحق لا يقول فيه قالت السنة وجزم الدارقطني بأن القدر من حديث عائشة قولها: "لا يخرج" وما عداه ممن دونها١. قال في المسوى: اتفق أهل العلم على أن المعتكف يخرج للغائط والبول ولا يفسد به اعتكافه ولا يخرج للأكل والشرب ويجوز له غسل الرأس وترجيل الشعر وما في معناه, وأكثرهم على أنه لا يجوز له الخروج لعيادة المريض وصلاة الجنازة إلا أن يخرج لحاجة فيسأل المريض مارا وإن شرط في اعتكافه الخروج لشيء من هذا جاز له أن يخرج عند الشافعي ولا يجوز عند أبي حنيفة كذا في شرح السنة.
стр. 263
كتاب الحج
مقدمة
...
كتاب الحج
أقول: الحج في اللغة القصد فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قصد البيت, والقصد لا إجمال فيه, وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم" فهو أمر بالاقتداء به في أفعاله وأقواله والأمر يفيد الوجوب فتكون المناسك التي بينها صلى الله تعالى عليه وسلم واجبة ولا يخرج عن الوجوب منها إلا ما خصه دليل, وأما كونه لا يصح الحج إلا بفعل جميع المناسك أو يختل باختلال بعضها فلا دليل على ذلك لأن الذي يؤثر عدمه في العدم هو الشرط لا الواجب وليس في أدلة مناسك الحج ما يفيد تأثير عدمه في عدم الحج إلا الوقوف بعرفة ولا ريب أنه نسك من مناسك الحج يختص بمزية لا توجد في غيره من المناسك لحديث: "الحج عرفة من أدرك عرفة فقد أدرك الحج" أخرجه أحمد وأصحاب السنن والحاكم والبيهقي وابن حبان من حديث عبد الرحمن بن نعيم الدؤلي, وأخرج من تقدم ذكره: من حديث عروة بن مضرس من صلى معنا هذه الصلاة يعني صلاة يوم النحر وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أونهارا فقد تم حجه وقضى تفثه. وصحح هذا الحديث جماعة من الحفاظ كالحاكم والدارقطني وابن العربي وفي رواية من حديث عبد الرحمن المذكور: "من جاء عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج" وفي رواية لأبي نعيم: "ومن لم يدرك جمعا فلا حج له" فهذه الروايات تدل على أن الوقوف بعرفة ركن من الأركان التي لا يتم الحج بدونها, وههنا بحث وهو أن الاستدلال ببعض أفعاله على الوجوب وبعضها على الندب تحكم وكذلك القول بأن بعضها نسك وبعضها غير نسك, والظاهر أن جميع أفعاله الصادرة عنه في حجته مناسك لأنه لم يتبين لنا أن النسك هو هذا الفعل دون هذا ولكن لا بد أن تكون الأفعال مقصودة لذاتها كالإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي ورمي الجمار لا ما كان غير مقصود لذاته كالمبيت بمنى ليالي الرمي أو كان بسبب غير الحج كجمع الصلاتين في مزدلفة ونحو ذلك, وقد زعم
стр. 264
الجلال في ضوء النهار أن من زعم أن حجه ﷺ مجمل بين بفعله فقد أسرف في الجهل قال: لأن اسم الحج ومسماه ظاهران, ثم قال: إن تلك التي فعلها ﷺ إنما هي أفعال وهي لا تدل على الوجوب حتى يعلم أنه فعلها على وجه الوجوب وإلا فالظاهر القربة فقط وهي لا تستلزم الوجوب ولا الشرطية انتهى. ولعله لم يخطر بباله حال تحرير هذا البحث حديث: "خذوا عني مناسككم" وهو حديث صحيح في مسلم وغيره ولا ريب أنه يفيد وجوب مناسك الحج كما قدمنا. يجب على كل مكلف مستطيع لنص الكتاب العزيز: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وعليه إجماع الأمة. قالوا: الحج فريضة محكمة يكفر جاحدها. وقالوا: الحر المكلف القادر إذا وجد الزاد والراحلة وأمن الطريق يلزمه الحج كذا في المسوى. أقول: حديث تفسيره ﷺ للسبيل بالزاد والراحلة فيه مقال ولكنه قد روي من طريق جماعة من الصحابة وفي جميع الطرق علل لا تمنع تقوية بعضها لبعض ويشد من عضدها حديث: "من وجد زادا وراحلة" وهو مروي من طريق ثلاثة من الصحابة وفي جميعها مقال. فالحاصل: أن مجموع ما ورد في تفسير السبيل بالزاد والراحلة وترتيب الوجوب عليها ينتهض للاحتجاج به على ذلك فلا وجوب على من لم يجد الراحلة كما أنه لا وجوب على من لم يجد الزاد ولا وجه لقصر السبيل على الزاد والراحلة بل السلامة من المرض والأمن هما من السبيل, وكذلك المحرم للمرأة لدلالة الدليل على ذلك ثم التحقيق أن الشروط تنقسم إلى قسمين: شرط يتعلق بالفاعل وشرط يتعلق بالفعل فالأول يتوقف عليه تعلق الخطاب به والثاني يتوقف عليه كونه مطلوبا من فاعله والأول أيضا هو الذي يقال له شرط الإيجاب وشرط الطلب والثاني: هو الذي يقال له شرط الواجب وشرط المطلوب, وإيضاح هذا أن التكليف والإسلام والحرية شروط متعلقة بالفاعل والزاد والراحلة والأمن والمحرم شروط متعلقة بالفعل, فجعل بعض شروط الفعل للوجوب وبعضها للأداء غير موافق لعقل ولا نقل, وأنت خبير بأن المرأة منهية عن السفر بدون محرم كما ثبت النهي عن ذلك في الصحيح ولم يثبت النهي عن الحج لمن لم يجد الراحلة مثلا بل كان الإيجاب متعلقا بوجودها, وهذا يقتضي أن تحصيل المحرم أهم من تحصيل الراحلة؛ لأن السفر بدون محرم حرام كما يقتضيه النهي يحقيقته وكما يقتضيه لفظ:
стр. 265
"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام أو يوما أو ليلة أو بريدا بدون محرم" على اختلاف الروايات ولم يرد ما يدل على تحريم السفر بدون الراحلة فإيجاب الوصية بالحج على من ماتت ولها زاد وراحلة وليس لها محرم دون من ماتت ولها زاد ومحرم وليس لها راحلة ليس بمناسب فإن فاقدة المحرم لم تستطع إلى الحج سبيلا كفاقدة الراحلة وزيادة, ومعنى كون الشيء شرطا لتأدية شيء آخر أن التأدية بدونه لا تصح, وهذا يعود إلى شرط الصحة وهم لا يريدون هذا بل معنى شرط الأداء عندهم أن يكون المكلف قد كملت له شروط الصحة والوجوب ولم يبق إلا التأدية وهي مشروطة بشرط وهذا اصطلاح قليل الثمرة غاية ما فيه أن من مات وقد كملت له شروط الصحة والوجوب ولم يبق إلا شرط الأداء وجب عليه الإيصاء بالحج وقد تقدم ما هو الحق في ذلك. فوراً لحديث ابن عباس عن النبي ﵌ قال: "تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم ما يدري ما يعرض له" أخرجه أحمد وأخرج أحمد أيضا وابن ماجه من حديث ابن عباس عن الفضل أو أحدهما عن الآخر. قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة" وفي إسناده إسماعيل بن خليفة العبسي أبو إسرائيل وهو صدوق ضعيف الحفظ, وأخرج أحمد وأبو يعلى وسعيد بن منصور والبيهقي من حديث أبي أمامة مرفوعا: "من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا" وفي إسناده ليث بن أبي سليم وشريك وفيهما ضعف. وأخرجه الترمذي من حديث علي مرفوعا: من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت نصرانيا أو يهوديا, وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قال الترمذي غريب وفي إسناده مقال والحديث يضعف وهلال بن عبد الله الراوي له عن أبي إسحق مجهول, وقال العقيلي: لا يتابع عليه, وقد روي من طريق ثالثة من حديث أبي هريرة عند ابن عدي بنحوه وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج
стр. 266
فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. وأخرجه أيضا البيهقي, وقد ذهب إلى القول بالفور مالك وأبو حنيفة وأحمد وبعض أصحاب الشافعي, وقال الشافعي والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد إنه على التراخي. قال في حجة الله البالغة تحت قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "من ملك زادا وراحلة الخ". أقول: ترك ركن من أركان الإسلام يشبه بالخروج عن الملة وإنما شبه تارك الحج باليهودي والنصراني وتارك الصلاة بالمشرك لأن اليهود والنصارى يصلون ولا يحجون ومشركو العرب يحجون ولا يصلون, والمصلحة المرعية في الحج أعلاه كلمة الله وموافقة سنة إبراهيم ﵇ وتذكر نعمة الله عليه انتهى. وفي بعض النسخ المتن وذلك العمرة وما زاد فهو نافلة وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". قلت: الحج المبرور هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم, وفي تنبيه الغافلين للشيخ محي الدين بن إبراهيم النحاس في ذكر منكرات الحجاج وأعظمها فتنة وأجلها مصيبة وأكثرها وجودا وبلية هو تضييع أكثرهم الصلاة في الحج وكثير منهم لا يتركونها بل يضيعون أوقاتها ويجمعونها على غير الوجه الشرعي, وذلك حرام بالإجماع ومن تحقق أن ذلك نصيبه في حجه حرم عليه الحج رجلا كان أو امرأة. قال ابن الحاج: وقد قال علماؤنا في المكلف: إذا علم أنه تفوته الصلاة الواحدة إذا خرج إلى الحج فقد سقط الحج عنه, وقد سئل مالك في الذي يركب البحر ولا يجد موضعا يسجد فيه إلا على ظهر أخيه أيجوز له الحج؟ فقال رح: أيركب حيث لا يصلي ويل لمن ترك الصلاة ويل له. وأما النساء فلا يمكن إحداهن الصلاة في وقتها المشروع إلا في النادر الذي لا حكم له وسبب هذا المنكر العظيم أمراء الحاج وتهاونهم في الإنكار. وخوف المصلي من فوات الرفقة ومشقة اللحوق بهم فالواجب على الأمراء أن يقفوا بالحج في أوقات الصلاة إذا دخلت عليهم وهم مسافرون ويتفقدون من لم يصل من الجمّالين وغيرهم ويشددون عليهم في أمر الصلاة ويمنعون من يتقدم منهم قبل الصلاة فإن لم يفعلوا كان إثم من ترك الصلاة كذلك في أعناقهم ومن تركها تهاونا وكسلا ولم
стр. 267
يعلموا به فإثمه في عنق نفسه وحكمه مذكور في كتب الفقه انتهى حاصله١.
فصل "ويجب تعيين نوع الحج بالنية" لأن المناسك على ما استفاض من الصحابة والتابعين وسائر المسلمين أربعة: حج مفرد وعمرة مفردة وتمتع وقران. "من تمتع" وهو أن يحرم الآفاقي بالعمرة في أشهر الحج فيدخل مكة ويتم عمرته ويخرج من إحرامه ثم يبقى حلالا حتى يحج وعليه أن يذبح ما استيسر من الهدي. أو قران وهو أن يحرم الآفاقي بالحج والعمرة معا ثم يدخل مكة وبيقي على إحرامه حتى يفرغ من أفعال الحج وعليه أن يطوف طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا في قوله وطوافين وسعيين ثم يذبح ما استيسر من الهدي فإذا أراد أن ينفر من مكة طاف للوداع. أو إفراد أي حج مفرد أو عمرة مفردة فالحج لحاضر مكة أن يحرم منها ويجتنب في الإحرام الجماع ودواعيه والحلق وتقليم الأظفار ولبس المخيط وتغطية الرأس والتطيب والصيد ويجتنب النكاح على قول ثم يخرج إلى عرفات ويكون فيها عشية عرفة ثم يرجع منها بعد غروب الشمس ويبيت بمزدلفة ويدفع منها قبل شروق الشمس فيأتي منى ويرمي العقبة الكبرى ويهدي إن كان معه ويحلق أو يقصر ثم يطوف للإفاضة في أيام منى ويسعى بين الصفا والمروة, وللآفاقي أن يحرم من ميقات فإن دخل مكة قبل الوقوف طاف للقدوم ورمل فيه وسعى بين الصفا والمروة ثم بقي على إحرامه حتى يقوم بعرفة ويرمي ويحلق ويطوف ولا رمل ولا سعي حينئذ والعمرة أن يحرم من الحل فإن كان آفاقيا فمن الميقات فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر. وبالجملة: فتعيين نوع الحج بالنية لما تقدم في الوضوء, وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: "من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل". قالت: وأهلّ رسول الله ﷺ بالحج وأهلّ به ناس معه وأهلّ معه ناس بالعمرة والحج وأهلّ ناس بعمرة وكنت فيمن أهل بعمرة. وفي البخاري من حديث جابر: أن إهلال النبي ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته. وفي
стр. 268
الصحيحين من حديث ابن عمر قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها علي رسول الله ﷺ ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد. يعني مسجد ذي الحليفة وقد وقع الخلاف في المحل الذي أهل منه رسول الله ﷺ حسب اختلاف الرواة فمنهم من روى أنه أهل من المسجد ومنهم من روى أنه أهلّ حين استقلت به راحلته, ومنهم من روى أنه أهلّ لما علا شرف البيداء. وقد جمع بين ذلك ابن عباس فقال: إنه أهلّ في جميع هذه المواضع فنقل كل راو ما سمع. قال في الحجة البالغة: وبين ابن عباس أن الناس كانوا أتونه أرسالا فأخبر كل احد بما رآه والأول أي التمتع "أفضلها".
أي الأنواع الثلاثة. واعلم أن هذه المسألة قد طال فيها النزاع واضطربت فيها الأقوال فمنهم من قال بأن أفضل الأنواع القران لكونه ﷺ حج قرانا على ما هو الصحيح, وإن كان قد ورد ما يدل على أنه حج إفرادا لكن الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق عديدة مصرحة بأنه أهل بحج وعمرة فلو لم يرد عنه ﷺ ما يدل على أن غير ما فعله أفضل مما فعله لكان القران أفضل الأنواع, لكنه ورد ما يدل على ذلك, ففي الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "يأيها الناس أحلوا فلولا الهدي معي فعلت كما فعلتم". قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء, وفعلنا كما يفعل الحلال حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج. وثبت مثل ذلك في حديث جماعة من الصحابة بألفاظ منها: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سُقت الهدي ولجعلتها عمرة". وقد ذهب إلى هذا جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كمالك وأحمد وهو الحق لأنه لم يعارض هذه الأدلة معارض, وقد أوضح فيها ﷺ أن نوع التمتع أفضل من النوع الذي فعله وهو القران وقد أوضح الماتن حجج الأقوال واحتج به كل فريق في شرح المنتقى, والعبد الضعيف في شرح بلوغ المرام وكذلك أوضح الماتن فيه أن حجه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان قرانا. أقول: قد روى الفسخ عنه ﷺ أربعة عشر رجلا من الصحابة. وأما قول أبي ذر فليس بحجة على أحد لأنه رأي صحابي فيما للاجتهاد فيه مسرح. والحاصل: أن هذا البحث يطول الكلام عليه جدا فمن رام العثور على الصواب فعليه بشرح المنتقى أو بالهدي
стр. 269
النبوي للحافظ ابن القيم رح. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: أفتى ﷺ بجواز فسخهم الحج إلى العمرة ثم أفتاهم باستحبابه ثم أفتاهم بفعله حتما ولم ينسخه شيء بعده وهو الذي ندين الله به أن القول بوجوبه أقوى وأصح من القول بالمنع منه, وقد صح عنه صحة لا شك فيها أنه قال: "من لم يكن أهدى فليهل بعمرة ومن أهدى فليهل بحج ثم مع عمرة". وأما ما فعله هو فإنه صح عنه أنه قرن بين الحج والعمرة من بضع وعشرين رواية عند ستة وعشرين نفسا من أصحابه ففعل القران وأمر بفعله من ساق الهدي وأمر بفسخه إلى التمتع من لم يسق الهدي, وهذا من فعله وقوله كأنه رأي عين وبالله التوفيق. فإن قيل كيف وقع اختلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم في صفة حجته ﷺ وهي حجة واحدة وكل واحد منهم يخبر عن مشاهدة في قصة واحدة. قلت: قال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث فمن مجد منصف ومن مقصر متكلف ومن مطيل مكثر ومن مقتصر مختصر. قال: وأوسعهم في ذلك نفسا أبو جعفر الطحاوي الحنفي فإنه تكلم في ذلك في زيادة على ألف ورقة وتكلم معه في ذلك أيضا أبو جعفر الطبري ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة ثم المهلب والقاضي أبو عبد الله بن المرابط والقاضي أبو الحسن بن القصار البغدادي والحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيرهم. قال القاضي عياض: وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث أن النبي ﷺ أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها ولو أمر بواحد لكان غيره يظن أنه لا يجزئ فأضيف الجميع عليه وأخبر كل واحد بما أمره به وأباحه له ونسبه إلى النبي ﷺ إما لأمره وإما لتأويله عليه انتهى. أقول: إنما ذكر المختلفون في أفضل الأنواع نوع حجته ﷺ يقولون إن النوع الذي اختاره ﷺ لنفسه لا يكون إلا فاضلا ولا سيما والتلبية كانت عن وحي من الله كما في حديث: أنه نزل جبريل فقال: "قل لبيك بحجة وعمرة" وقد اختلف في نوع حجته ﷺ والحق أنها قران كما قرر الماتن ذلك في شرح المنتقى ولكنه قال بعد ذلك: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" يعني كما فعل أصحابه ﷺ عن أمره, وهذا الحديث متفق على صحته كما تقدم فدل على أن التمتع
стр. 270
أفضل من القران بلا ريب. ولا اعتبارا بقول من قال: أنه ﷺ إنما قال ذلك تطييبا لقلوب أصحابه حيث حجوا تمتعا لعدم الهدي لأن المقام مقام تشريع لا مقام جبر خواطر وتطييب قلوب, فالحق أن التمتع أفضل. وأما أنه متعين لا يجوز غيره كما رحجه ابن القيم رح وأطال الكلام في تقريره فلا. قال في التكميل: اختلفوا في نسك النبي ﷺ أنه كان مفردا للحج أو قارنا أو متمتعا سائقا الهدي ووجه التطبيق أن النبي ﷺ حين جمع الناس وخرج من المدينة المنورة إلى مكة المعظمة كان لا ينوي إلا الحج فلما بات بذي الحليفة في العقيق أُمر بالقران فقال: "لبيك بحجة وعمرة" فلما دخل مكة وتذكر جهالة العرب أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وعرف أنه في آخر عمره ولا يعيش إلى قابل أراد رد هذا الوهم بأبلغ وجه, فأمر الناس بفسخ إحرام الحج وجعله عمرة وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وأحللت مع الناس كما حلوا" فكان مفردا بحسب ابتداء النية والشهرة وقارنا بحسب تلبيته من العقيق حيث أُمر: "صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة", وكان متمتعا سائق الهدي بحسب الهم والرغبة, ولم ينقل تجديد الإحرام للحج يوم التروية نعم عُرف تجديد التلبية عند إنشاء السفر إلى عرفة من منى فكان قارنا حقيقة مفردا في أول الأمر متمتعا في آخره انتهى. قال في المسوى: والتحقيق في هذه المسألة أن الصحابة لم يختلفوا في حكاية ما شاهدوه من أفعال النبي ﷺ من أنه أحرم من ذي الحليفة وطاف أول ما قدم وسعى بين الصفا والمروة ثم خرج يوم التروية إلى منى ثم وقف بعرفات ثم بات بمزدلفة ووقف بالمشعر الحرام ثم رجع إلى منى ورمى ونحر وحلق ثم طاف طواف الزيارة ثم رمى الجمار في الأيام الثلاثة, وإنما اختلفوا في التعبير عما فعل باجتهادهم وآرائهم فقال بعضهم: كان ذلك حجا مفردا وكان الطواف الأول للقدوم والسعي لأجل الحج وكان بقاؤه على الإحرام لأنه قصد الحج, وقال بعضهم: كان ذلك تمتعا بسوق الهدي وكان الطواف الأول للعمرة كأنهم سمعوا طواف القدوم والسعي بعد عمرة وإن كان للحج وكان بقاؤه على الإحرام لأنه كان متمتعا بسوق الهدي. وقال بعضهم: كان ذلك قرانا والقران لا يحتاج إلى طوافين وسعيين. وهذا
стр. 271
الاختلاف سبيه سبيل الاختلاف في الاجتهادات. أما أنه سعى تارة أخرى بعد طواف الزيارة سواء قيل بالتمتع أو القران فإنه لم يثبت في الروايات المشهورة بل ثبت عن جابر أنه لم يسع بعده انتهى. قال النووي في شرح صحيح مسلم: وأما إحرامه ﷺ بنفسه فأخذ بالأفضل فأحرم مفردا للحج وبه تظاهرت الروايات الصحيحة. وأما الروايات بأنه كان متمتعا فمعناها أمر بت. وأما الروايات بأنه كان قارنا فإخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه بل إخبار عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل من حجهم وقلبه إلى عمرة لمخالفة الجاهلية إلا من كان معه هدي وكان هو ﷺ ومن معه هدي في آخر إحرامهم قارنين يعني أنهم أدخلوا العمرة على الحج وفعل ذلك مواساة لأصحابه وتأنيسا لهم في فعلها في أشهر الحج لكونها كانت منكرة عندهم في أشهر الحج ولم يمكنه التحلل معهم بسبب الهدي واعتذر إليهم بذلك في ترك مواساتهم فصار النبي ﷺ قارنا في آخر أمره, وقد اتفق جمهور العلماء على جواز إدخال الحج على العمرة وشذ بعض الناس فمنعه انتهى. "ويكون الإحرام" وهو في الحج والعمرة بمنزلة التكبير في الصلاة فيه تصوير الإخلاص والتعظيم وضبط عزيمة الحج بفعل ظاهر وفيه جعل النفس متذللة خاشعة لله بترك الملاذ والعادات المألوفة وأنواع التجمل وفيه تحقيق معاناة التعب والتشعث والتغير لله.
أقول: وليس في إيجاب الإحرام على غير من دخل لأحد النسكين دليل. أما الآية أعني قول تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وقد عُلم أنه لا إحرام إلا لأحد النسكين, ثم أخبرهم بإباحة الصيد لهم إذا حلوا. وأما قول ابن عباس فاجتهاد منه وليس ذلك من الحجة في شيء والمقام مقام اجتهاد ولهذا خالفه ابن عمر فجاوز الميقات غير محرم. كما روى ذلك عنه مالك في الموطإ وقد كان المسلمون في عصره ﷺ يختلفون إلى مكة لحوائجهم ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم بإحرام كقصة الحجاج ابن علاط, وكذلك قصة أبي قتادة لما عقر حمار الوحش داخل الميقات وهو حلال وقد كان أرسله لغرض قبل الحج فجاوز الميقات غير مريد للحج ولا للعمرة والبراءة الأصلية مستصحبة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح يجب العمل بت, وقد ذهب إلى جواز المجاوزة من غير
стр. 272
إحرام لغير الحاج والمعتمر ابن عمر والشافعي في أخير قوليه. وأما إيجاب الدم على من جاوز معللا ذلك بأنه ترك نسكا ففاسد فإن الإحرام ليس بنسك لغير من أراد الحج أو العمرة على أنه لم يثبت عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: من ترك نسكا فعليه دم, وإنما روي ذلك عن ابن عباس كما في الموطأ. "من المواقيت المعروفة" لحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما قال: وقّت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأهل المدنية ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم. قال: "فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة" وفائدة التأقيت المنع عن تأخير الإحرام فلو قدم عليها جاز. أقول: قال قوم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يوقت لأهل العراق ذات عرق وإنما وقته عمر بن الخطاب ﵁. قلت: قد ذهب إلى هذا طاوس ورواه أحمد بن حنبل عن ابن عباس وإليه ذهب جماعة من الشافعية كالغزالي والرافعي والنووي وغير هؤلاء ووجه ذلك ما قاله ابن خزيمة وابن المنذر من أنه لم يصح أنه قال ﵌: وقّت ذات عرق لأهل العراق في حديث صحيح. قال الحافظ في الفتح: لعل من قال إنه غير منصوص لم يبغله أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق من طرقه لا تخلو عن مقال لكن الحديث بمجموع طرقه يقوى انتهى. وقد ذكر الماتن رح في شرح المنتقى من روى حديث توقيت ذات عرق لأهل العراق من الصحابة ومجموع ما رووه لا يخرج عن حد الحسن لغيره وهو مما تقوم به الحجة. "ومن كان دونها فمهله" من "أهله" وكذلك "حتى أهل مكة" يهلون "منها" ومثله في الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر وفي رواية من حديثه لأحمد أنه قاس الناس ذات عرق بقرن, وفي البخاري من حديثه أن عمر قال لأهل البصرة والكوفة: انظروا حذو قرن من طريقكم قال: فحد لهم ذات عرق. في المسوى وميقات المكي للحج جوف مكة وللعمرة الحل في العالمكيرية والتنعيم أفضل. وفي المنهاج أفضل بقاع الحل الجعران١
стр. 273
ثم التنعيم ثم الحديبية. وأما الغسل للإحرام ففيه حديث خارجة بن زيد حسنه الترمذي وضعفه العقيلي, وأما حديث جابر في ولادة أسماء وغسلها فهو صحيح ولكنه قد قيل إن أمرها بذلك ليس للإحرام بل لقذر النفاس وكذلك أمره للحائض وقد أخرج الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم اغتسل ولبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين ثم أحرم بالحج. وفي إسناده يعقوب بن عطاء وهو ضعيف, والحديث محتمل فيمكن أن يكون الغسل للإحرام ويمكن أن يكون لغيره كإذهاب وعثاء السفر أو التبرد أو نحوهما, ولم يثبت أنه ﷺ أمر أحدا من الناس أن يغتسل للإحرام إلا ما وقع منه الأمر للحائض والنفساء دون غيرهما فدل ذلك على أن اغتسالهما للقذر ولو كان للإحرام لكان غيرهما أولى بذلك منهما فمع الاحتمال في فعله وعدم صدور الأمر منه لا تثبت المشروعية أصلا, وأما إزالة التفث١ قبل الإحرام فلم يرد في هذا شيء يصلح لإثبات مثل هذا الحكم الشرعي وهو الاستحباب, وأما ما قيل من أنه يقاس على تطييبه ﷺ فقياس فاسد ولا سيما وقد ورد عنه ﷺ الإرشاد إلى ترك الشعر والبشر بعد رؤية هلال ذي الحجة لمن أراد أن يضحي كما في صحيح مسلم وسائر السنن من حديث أم سلمة, والحاج أولى بهذه السنة من غيره لأنه في شغل شاغل عن ذلك وقد أخرج الترمذي من حديث ابن عمر أن رجلا قال للنبي ﷺ : من الحاج يا رسول الله؟ قال: "الشعث التفل" وقد كان ابن عمر إذا أفطر من رمضان وهو عازم على الحج في ذلك العام لم يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئا حتى يحج كما في الموطإ. والحاصل: أن التساهل في الأحكام الشرعية بلا دليل بل إثبات ما قام الدليل على خلافه ليس من دأب أهل الإنصاف.
فصل ولا يلبس المحرم القميص الفرق بين المخيط وما في معناه وبين غير ذلك أن الأول ارتفاق وتجمل وزينة والثاني ستر عورة وترك الأول تواضع لله وترك الثاني سوء أدب كذا في الحجة. "ولا العمامة ولا البرنس ولا
стр. 274
السراويل ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين وما مسه الورس والزعفران" لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما قال: سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما يلبس المحرم؟ فقال: "لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوبا مسه ورس١ ولا زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم, وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل" وفي الصحيحين نحوه من حديث ابن عباس, وأخرج أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصححه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" زاد أبو داود والحاكم والبيهقي: "وما مس الورس والزعفران من الثياب". والقفاز بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي ما تلبسه المرأة في يدها فتغطي أصابعها وكفها عند معاناة شيء. "ولا يطيب ابتداء" ويجوز له أن يستمر على الطيب الذي كان على بدنه قبل الإحرام فذلك هو الراجح جمعا بين الأدلة, وقد أوضح الماتن ذلك في شرح المنتقى وحاشية الشفاء وغيرهما. قال صاحب سبل السلام في منسكه: ولما أراد الإحرام اغتسل لإحرامه ثم طيبته عائشة بذريرة وطيب فيه مسك في يديه ورأسه حتى كان وبيص٢ المسك يُرى في مفارقه ولحيته ﷺ ثم استدامه ولم يغسله انتهى. "ولا يأخذ من شعره وبشره إلا لعذر" لحديث كعب بن عجرة في الصحيحين وغيرهما قال: كان بي أذى من رأسي فحُملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: "ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى أتجد شاة"؟. قلت: لا. فنزلت الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ . قال: هو صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعاما لكل مسكين. وقد تقدم الكلام على إزالة التفث فليراجع. "ولا يرفث
стр. 275
ولا يفسق ولا يجادل" لنص القرآن الكريم: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وهذه الأمور لا تحل للحلال ولكنها مع الإحرام أغلظ, وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه". قال الحافظ المنذري: الرفث يطلق ويراد به الجماع ويطلق ويراد به الفحشاء ويطلق ويراد به خطاب الرجل المرأة فيما يتعلق به الجماع. وقد نُقل معنى هذا الحديث كل واحد من هذه الثلاثة عن جماعة من العلماء. قلت: فيحرم الجميع. وقال مالك: الرفث إصابة النساء. والله تعالى أعلم قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ والفسوق الذبح للأنصاب والله تعالى أعلم قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ والجدال في الحج أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة بقُزح وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة فكانوا يتجادلون يقول هؤلاء نحن أصوب ويقول هؤلاء نحن أصوب, فقال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ فهذا الجدال في الحج فيما ترى والله تعالى أعلم. وأما فساد الحج بالجماع قبل الوقوف بعرفة فإن كان الدليل على هذا الفساد أقوال الصحابة فمع كون الروايات عنهم إنما هي بطريق البلاغ كما ذكره مالك في الموطإ وليس ذلك بحجة لو كان في المرفوع فضلا عن الموقوف, فقد عرفت غير مرة أن قول الصحابي ليس بحجة إنما الحجة في إجماعهم عند من يقول بحجية الإجماع. وأما الاستدلال على ذلك بما أخرجه أبو داود في المراسيل بإسناد رجاله ثقات أن رجلا جامع امرأته وهما محرمان فسألا النبي ﷺ فقال: "اقضيا نسككما واهديا هديا" فالمرسل لا حجة فيه على ما هو الحق. وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فعلى تسليم أن الرفث هو الجماع غاية ما يدل عليه المنع منه لا أنه يفسد الحج وإلا لزم في الجدال أنه يفسد الحج ولا قائل بذلك, والمروي في هذا الحديث المرسل هو إيجاب الهدي عليهما والهدي يصدق على الشاة والبقرة والبدنة ولا وجه لإيجاب أشد
стр. 276
ما يطلق عليه اسم الهدي. ولا حجة فيما رواه في الموطإ عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل واقع أهله وهو بمنى قبل أن يفيض فأمره أن ينحر بدنة. ولا يصح تقييد المطلق به ولا تفسير المجمل. فالحاصل: أن البراءة الأصلية مستصحبة ولا ينقل عنها إلا ناقل صحيح تقوم به الحجة وليس ههنا ما هو كذلك فمن وطئ قبل الوقوف أو بعده قبل الرمي أو قبل طواف الزيارة فهو عاص يستحق العقوبة وتغفر له بالتوبة, ولا يبطل حجه ولا يلزمه شيء ومن زعم غير هذا فعليه الدليل المرضي فليس بين أحد وبين الحق عداوة. "ولا ينكح ولا يُنكح ولا يخطب١" لحديث عثمان الثابت في مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح المحرم ولاينكح ولا يخطب" وفي الباب أحاديث. وأما ما في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. فقد عارضه ما في صحيح مسلم وغيره من حديث ميمونة أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال, وما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه من حديث أبي رافع أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة حلالا. وكان أبو رافع السفير بين رسول الله صلى الله وسلم عليه وبين ميمونة وهما أعرف بذلك, وعلى فرض صحة خبر ابن عباس ومطابقته للواقع فلا يعارض الأحاديث المصرحة بالنهي بل يكون هذا خاصا بالنبي ﷺ كما قرر الماتن في مؤلفاته أن فعله ﷺ إذا خالف ما أمر الأمة به أو نهاهم عنه يكون مختصا به. قال في الحجة البالغة: اختار أهل الحجاز من الصحابة والتابعين والفقهاء أن السنة للمحرم أن لا ينكح ولا يُنكح, واختار أهل العراق بأنه يجوز له ذلك. ولا يخفى عليك أن الأخذ بالاحتياط أفضل. وعلى الأول السر فيه أن النكاح من الارتفاقات المطلوبة أكثر من الصيد ولا يقاس الإنشاء على الإبقاء لأن الفرح والطرب إنما يكون في الابتداء ولذلك يضرب بالعروس المثل في هذا الباب دون البقاء انتهى. "ولا يقتل صيدا" فإن الله تعالى حرم على المحرم صيد البر مادام حرما والمراد من الصيد عند الشافعي كل صيد مأكول بري فذبح الأنعام ليس منه وكذا ما ليس بمأكول وكذا الصيد البحري وعند أبي حنيفة غير المأكول قد يكون صيداً. "ومن قتله فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل"
стр. 277
لما ورد بذلك القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ أقول ههنا أمران: أهدهما اعتبار المماثلة الثاني حكم العدلين وظاهره أن العدلين إذا حكما بغير المماثل لم يلزم حكمهما لأنه قال يحكم به أي بالمماثل وحق العدالة أن لا يقع من صاحبها الحكم بغير المماثل إلا لغلط أو طرو شبهة بأن المعتبر في المماثلة هو هذا الوصف دون هذا الوصف والواقع بخلافه ثم الظاهر أن العدلين إذا حكما بحكم في السلف لا يكون ذلك الحكم لازما للخلف بل تحكيم العدلين ثابت عند كل حادثة تحدث في قتل الصيد, إذا تقرر لك هذا فاعلم أن جعل الظبي مشبها بالشاة دون التيس مخالف للمشاهد المحسوس فإن الظبي يشبه التيس في غالب ذاته وصفاته ولا مشابهة بينه وبين الشاة في غالب ذاته وصفاته, وكذلك الحمامة فإنها لا تشبه الشاة في شيء من الأوصاف وكذلك سائر الطيور ليس بمشابه للشاة في شيء وإذا صح عن بعض السلف أنه حكم في شيء منها بشاة فذلك غير لازم لنا لما عرفت من أن حكم العدلين لا بد أن يكون بالمثل كما صرح به القرآن الكريم. "ولا يأكل ما صاده غيره" لحديث الصعب بن جثامة في الصحيحين وغيرهما أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان١ فرده عليه فلما رأى في وجهه قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" وأخرج مسلم نحوه من حديث زيد بن أرقم وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ أكل من صيده الذي صاده وهو حلال وكان النبي ﷺ محرما فأكل عضد حمار الوحش الذي صاده. وجمع بين حديث الصعب وحديث أبي قتادة المتفق عليه بأنه ﷺ إنما امتنع من أكل صيد الصعب لكونه صاده لأجله وأكل من صيد أبي قتادة لكونه لم يصده لأجله, فلو كان صيد الحلال حراما على المحرم لما أكل منه ﷺ . وقرر الصحابة على الأكل منه فهذا يدل على جواز أكل المحرم لصيد الحلال ويدل على ذلك أيضا
стр. 278
حديث جابر عند أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي أن النبي ﷺ قال: "صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يُصد لكم" وهذا الحديث وإن كان فيه مقال فهو لا يقدح في انتهاضه للاستدلال وهو نص في الفرق باعتبار القصد وعدمه. إلا إذا كان الصائد حلالا ولم يصده لأجله ولا بد من ضبط الصيد فإن الإنسان قد يقتل ما يريد أكله وقد يقتل ما لا يريد أكله وإنما يريد به التمرن بالاصطياد وقد يقتل ويريد أن يدفع شره عنه أو عن أبناء جنسه وقد يذبح بهمية الأنعام فأيها الصيد؟ أخبر ﷺ أن المحرّم منه ما صاده المحْرم أو صيد لأجله وما لم يكن كذلك فإنه حلال كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" وفي لفظ: "أو يصد لكم" فما ورد من الأحاديث في ذلك تحريا وتحليلا حمل على ذلك التفصيل. "ولا يعضد١ من شجر الحرم إلا الإذخر٢" لحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما قال قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرام لا يعضد شجره ولا يُختلى خلاه٣ ولا يُنفَّر صيده ولا تُلتقط لقطته إلا لمعرّف" قال العباس: إلا الإذخر فإنه لا بد لهم منه فإنه للقيون٤ والبيوت فقال: "إلا الإذخر" وأخرجا نحوه أيضا من حديث أبي هريرة. "ويجوز له قتل الفواسق الخمس" لحد يث عائشة في الصحيحين وغيرهما قالت: أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور. وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس من الدواب ليس في قتلهن جناح" وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر زيادة: "الحية" وكذلك في حديث ابن عباس عند أحمد بإسناد فيه ليث ابن أبي سليم. قال البغوي
стр. 279
اتفق أهل العلم على أنه يجوز للمحرم قتل هذه الأعيان المذكورة في الخبر ولا شيء عليه في قتلها, وقاس الشافعي عليها كل حيوان لا يؤكل لحمه فقال: لا فدية على من قتلها في الإحرام أو الحرم. وصيد حرم المدينة وشجره كحرم مكة لحديث علي قال: قال رسول الله ﷺ : "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور" وهو في الصحيحين وغيرهما, وفي الصحيحين أيضا حديث عباد بن تميم أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة" وفي الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة. قال ابن القيم: وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي رواها بضعة وعشرون صحابيا في أن المدينة حرم يحرم صيدها, ودعوى أن ذلك خلاف الأصول ومعارضتها بالمتشابه من قوله ﷺ : "يا أبا عمير ما فعل النغير١" ويا لله العجب أي الأصول التي خالفتها هذه السنن وهي من أعظم الأصول فهلا رد حديث أبي عمير لمخالفته لهذه الأصول ونحن نقول: معاذ الله أن نرد لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سنة صحيحة غير معلومة النسخ أبدا وحديث أبي عمير يحتمل أربعة أوجه: قد ذهب إلى كل منها طائفة أحدها أن يكون متقدما على أحاديث تحريم المدينة فيكون منسوخا. الثاني: أن يكون متأخرا عنها معارضا لها فيكون ناسخا. الثالث: أن يكون النغير مما صيد خارج المدينة ثم أدخل المدينة كما هو الغالب من الصيود. الرابع: أن يكون رخصة لذلك الصغير دون غيره كما رخص لأبي بردة في التضحية بالعناق دون غيره, فهو متشابه كما ترى فكيف يجعل أصلا يقدم على تلك النصوص الكثيرة المحكمة الصريحة التي لا تحتمل إلا وجها واحدا انتهى. "إلا أن من قطع شجره أو خبطه كان سلبه حلالا لمن وجده" لحديث سعد بن أبي وقاص أنه ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أوعليهم ما أخذ من غلامهم, فقال: معاذ الله أن أرد شيئا
стр. 280
نفّلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم. أخرجه مسلم وأحمد وفي لفظ لأحمد وأبي داود والحاكم وصححه أن رسول الله ﷺ قال: "من رأيتموه يصيد فيه شيئاً فلكم سلبه". أقول: عندي أنه لا يجب على من قتل صيدا أو قطع شجرا من حرم المدينة لا جزاء ولا قيمة بل يأثم فقط ويكون لمن وجده يفعل ذلك أخْذ سلبه ولا يجب على الحلال في صيد حرم مكة ولا شجره شيء إلا مجرد الإثم. وأما من كان محرما فعليه الجزاء الذي ذكره الله إذا قتل صيدا وليس عليه شيء في شجر مكة لعدم ورود دليل تقوم به الحجة, وما يروى عنه ﷺ أنه قال في الدوحة الكبيرة إذا قُطعت من أصلها بقرة لم يصح, وما يروى عن بعض السلف لا حجة فيه. والحاصل: أنه لا ملازمة بين النهي عن قتل الصيد وقطع الشجر وبين وجوب الجزاء أو القيمة بل النهي يفيد بحقيقته التحريم والجزاء والقيمة لا يجبان إلا بدليل ولم يرد دليل إلا قول الله تعالى: ﴿لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية وليس فيها إلا ذكر الجزاء فقط فلا يجب غيره, "ويحرم صيد وجّ" بفتح الواو وتشديد الجيم اسم واد بالطائف وشجره لحديث الزبير أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إن صيد وج وعضاهه١ حرم محرم لله " أخرجه أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه وحسنه المنذري وصححه الشافعي وأخرج أبو داود من حديث الزبير بن العوام بلفظ: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "صيد وجّ محرم" وحسنه الترمذي وصححه الشافعي, وقد ذهب إلى ما في الحديث الشافعي وهو الحق ولم يأت من قدح في الحديث بما يصلح للقدح المستلزم لعدم ثبوت التكليف بما تضمنه.
فصل "وعند قدوم الحاج مكة يطوف للقدوم" لأن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما دخل المسجد الحرام بدأ بالطواف ولم يصل تحية المسجد فإن تحية المسجد الحرام الطواف بالبيت قد استفاض عن الصحابة أن أول شيء كانوا يبدؤون به الطواف بالبيت ثم لا يحلون رواه الشيخان, ولا يسن طواف القدوم لمن أحرم من مكة وعليه أهل العلم. في المنهاج: يختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف "سبعة أشواط" الأقرب والله أعلم أن الطواف يوافق الصلاة فمن شك هل طاف
стр. 281
ستة أشواط أبو سبعة أشواط فليطرح الشك وليتحر الصواب فإن أمكنه ذلك عمل عليه وإن لم يمكنه فليبن على الأقل كما ورد بذلك الدليل الصحيح وشرع الرقل في الطواف في الأصل لإغاظة المشركين كما في حديث ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم١ حمى يثرب فأمرهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. متفق عليه. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب٢ ثلاثا ومشى أربعا, وفي لفظ: رمل رسول الله ﵌ من الحجر ثلاثا ومشى أربعا. وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عمر أنه قال فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أطى٣ الله الإسلام ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد ذهب الجمهور إلى فرضية الطواف للقدوم وقال أبو حنيفة سنة وروي عن الشافعي أنه كتحية المسجد والحق الأول لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ "يرمل في الثلاثة الأولى ويمشي فيما بقي". قال في الحجة: وأول طواف بالبيت رمل واضطباع٤ وبعده سعي بين الصفا والمروة وكان عمر أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما ثم تفطن إجمالا أن لهما سببا آخر غير منقض فلم يتركهما. "ويقبل الحجر الأسود" لما في الصحيحين من حديث عمر أنه كان يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك ما قبّلتك. وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله
стр. 282
صلى الله عليه وسلم: "يأتي هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق" وفي الباب أحاديث. وأما الابتداء بالحجر فلأنه وجب عند التشريع أن يعين محل البداية وجهة المشي والحجر أحسن مواضع البيت لأنه نازل من الجنة واليمين أين الجهتين. "أو يستلمه" وثبت عنه ﷺ في استلامه ثلاث صفات: أحدها تقبيله, وثانيها: أنه وضع يده ثم قبلها وثالثها: أنه يشير إليه بالمحجن١ ولم يقل طوافي لكذا ولا افتتحه بالتكبير كما يفعله كثير ممن لا علم عنده وذلك من البدع المنكرة. "يمحجن ويقبل المحجن" لما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. وأخرج نحوه مسلم من حديث أبي الطفيل وزاد: ويقبل المحجن
ونحوه أخرج أحمد من حديث عمر أن النبي ﷺ قال له يا عمر: "إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر" وفي إسناده مجهول. "ويستلم الركن اليماني" لما أخرج أحمد والنسائي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا" وفي إسناده عطاء بن السائب. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: لم أر النبي ﷺ يمس من الأركان إلا اليمانيين. وأخرج البخاري في تاريخه وأبو يعلى من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يقبل الركن اليماني. وفي إسناده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف, وأخرج أحمد وأبو داود من حديثه أن النبي ﷺ كان يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه. قال صاحب سبل السلام وكان يقول عند استلامهما: "بسم الله والله أكبر" وكان كلما أتى الحجر يقول: "الله أكبر" ولم يحفظ له دعاء معين في الطواف إلا أنه أخرج أبو داود وابن حبان أنه يقول بين الركنين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وفي الطواف: "اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائب لي بخير" أخرجه الحاكم وفي مصنف ابن أبي شيبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". والموضع موضع دعاء فيختار فيه ما شاء انتهى.
стр. 283
قلت: إنما خص الركنين اليمانيين بالاستلام كما ذكره ابن عمر من أنهما باقيان على بناء إبراهيم دون الركنين الآخرين فإنهما من تغيرات الجاهلية وإنما اشترط له شروط الصلاة كما ذكره ابن عباس لأن الطواف يشبه الصلاة في تعظيم الحق وشعائره فحمل عليها. "ويكفي القارن طواف واحد وسعي واحد" لكونه ﷺ حج قرانا على الأصح واكتفى بطواف واحد للقدوم بسعي واحد ولا دليل على وجوب طوافين وسعيين, وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا: "من أحرم بالحج والعمرة أجزأة طواف واحد وسعي واحد" وقد حسنه الترمذي. أقول: الأدلة القاضية بأن الواجب على القارن ليس إلا طواف واحد وسعي واحد ثابتة قولا وفعلا, أما القول فحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرن بين حجه وعمرته أجزأه لهما طواف واحد" أخرجه أحمد وابن ماجة وأخرجه أيضا الترمذي بلفظ: "من أحرم بالحج والعمرة أجزأة طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعا" وقال: هذا حديث حسن, وأخرجه أيضا سعيد بن منصور بنحو لفظ الترمذي, وأما إعلال الطحاوي لهذا الحديث بالوقف فقد رده غيره من الحفاظ لأن الطحاوي قال: إن الدراوردي أخطأ في رفعه وإنه موقوف فأجابوا عنه بأن الدراوردي صدوق وأن رفعه حجة ومن القول حديث طاوس عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" أخرجه أحمد ومسلم, وأخرج أيضا مسلم من طريق مجاهد عنها أن النبي ﷺ قال لها: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك" وأما أحاديث الفعل فأخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة أن الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافا واحدا. وأخرج مسلم وأبو داود عن جابر أنه لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا وحدا. وأخرج البخاري عن ابن عمر أنه طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا بعد أن قال: إنه سيفعل كما فعل رسول الله ﷺ وأخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طاوس أنه حلف ما طاف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ وعمرته إلا طوافا واحدا, واستدل القائلون بأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين بفعل علي ﵁ وقوله: رأيت رسول الله ﷺ يفعل هكذا. أخرجه عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما وقد روي نحوه
стр. 284
عن ابن مسعود وابن عمر بأسانيد في بعضها متروك وفي البعض الآخر ضعيف حتى قال ابن حزم: لا يصح عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء وتعقب أن حديثي علي وابن مسعود لا بأس بإسناديهما ولهذا رجح البيهقي وغيره المصير إلى الجمع أنه طاف طواف القدوم وطواف الإفاضة. قال: وأما السعي فلم يثبت فيه شيء وقد حكى الحافظ في الفتح أنه روى جعفر الصادق عن أبيه أنه كان يحفظ عن علي للقارن طوافا واحدا خلاف ما يقوله أهل العراق. والحاصل: أن الجمع بما تقدم إن اندفع به النزاع فالمراد وإلا وجب المصير إلى التعارض والترجيح ولا يشك عالم بالحديث أن أدلة الطواف الواحد والسعي الواحد أرجح. "ويكون حال الطواف متوضئا ساتر العورة" لما في الصحيحين من حديث عائشة أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت. وفيهما أيضا من حديث أبي بكر أن النبي ﷺ قال: "لا يطوف بالبيت عريان" في شرح السنة عند الشافعي لا يجزئ الطواف إلا بما يجزئ به الصلاة من الطهارة عن الحدث والنجاسة وستر العورة فإن ترك شيئا منها فعليه الإعادة. قال في الأنوار: ولو أحدث في الطواف عمدا توضأ وبنى ولا يجب الاستئناف وإن طال الفصل والكلام في الطواف مباح ويستحب أن لا يتكلم إلا بذكر الله أو حاجة أو علم, وقال أبو حنيفة: إذا طاف جنبا أو محدثا وفارق مكة لا تلزمه الإعادة وعليه دم وفي العالمكيرية أن كل عبادة تؤدى لا في المسجد من المناسك فالطهارة ليست من شرطها كالسعي والوقوف بعرفة وكل عبادة في المسجد فالطهارة من شرطها كالطواف. أقول: أما فرضية الوضوء للطواف أو شرطيته كما زعمه البعض فغاية ما في ذلك حديث: أنه توضأ ﷺ ثم طاف, وهذا مجرد فعل لا ينتهض للوجوب وليس الوضوء بداخل في عموم المناسك حتى يقول إنه بيان لقوله: "خذوا عني مناسككم" فإن قيل إنه شرط النسك أو فرضه فيكون من جملة بيان المناسك فيجاب بأن هذه مصادرة على المطلوب لأن كونه شرطا أو فرضا هو محل النزاع ومع هذا ففعله للوضوء يحتمل أن يكون لما يتعقب الطواف من الصلاة ولا سيما وقد كان ﷺ لا يدخل المسجد إلا متوضئا في غير الحج فملازمته لذلك في الحج أولى, وأما منعه ﷺ للحائض أن تطوف بالبيت فليس فيه دليل على
стр. 285
أن المنع لها لكون الطهارة شرطا أو فرضا للطواف لاحتمال أن يكون المنع لها لكون الطواف من داخل المسجد وهي ممنوعة من المساجد ولو سلم فغايته أن الطهارة من الحيض هي الشطر لا الوضوء, وأما حديث الطواف بالبيت صلاة فمع كونه في إسناده عطاء بن السائب وهو ضعيف فليس التشبيه بمقتض لمساواة المشبه للمشبه به في جميع الأوصاف: بل الاعتبار التشابه في أخص الأوصاف وليس هو الوضوء. "والحائض تفعل الحاج غير أن لا تطوف" طواف القدوم وكذا طواف الوداع بالبيت لحديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف" أخرجه أحمد وأخرج نحوه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من حديث ابن عمر, ولحديث عائشة أيضا في الصحيحين وغيرهما أنه قال لها النبي ﷺ لما حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي". "ويندب الذكر حال الطواف بالمأثور" لحديث عبد الله بن السائب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بين الركن اليماني والحجر: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم لأنه دعاء جامع نزل به القرآن وهو قصير اللفظ يناسب تلك الفرصة القليلة, وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "وكل به -يعني الركن اليماني- سبعون ملكا فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين" أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه إسماعيل بن عياش وهشام بن عمار وهما ضعيفان, وأخرج ابن ماجه أيضا من حديثه أنه سمعه يقول: "من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات وكتب له عشر حسنات ورفع له بها عشر درجات" وفي إسناده من تقدم في الحديث الأول. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة لإقامة ذكر الله تعالى" وفي الباب أحاديث. "وبعد فراغه يصلي ركعتين" وعليه الشافعي وقال أبو حنيفة: هما واجبتان "في مقام إبراهيم ثم يعود إلى الركن فيستلمه"