ستة أشواط أبو سبعة أشواط فليطرح الشك وليتحر الصواب فإن أمكنه ذلك عمل عليه وإن لم يمكنه فليبن على الأقل كما ورد بذلك الدليل الصحيح وشرع الرقل في الطواف في الأصل لإغاظة المشركين كما في حديث ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم١ حمى يثرب فأمرهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. متفق عليه. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب٢ ثلاثا ومشى أربعا, وفي لفظ: رمل رسول الله ﵌ من الحجر ثلاثا ومشى أربعا. وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عمر أنه قال فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أطى٣ الله الإسلام ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد ذهب الجمهور إلى فرضية الطواف للقدوم وقال أبو حنيفة سنة وروي عن الشافعي أنه كتحية المسجد والحق الأول لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ "يرمل في الثلاثة الأولى ويمشي فيما بقي". قال في الحجة: وأول طواف بالبيت رمل واضطباع٤ وبعده سعي بين الصفا والمروة وكان عمر أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما ثم تفطن إجمالا أن لهما سببا آخر غير منقض فلم يتركهما. "ويقبل الحجر الأسود" لما في الصحيحين من حديث عمر أنه كان يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك ما قبّلتك. وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله
стр. 282
صلى الله عليه وسلم: "يأتي هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق" وفي الباب أحاديث. وأما الابتداء بالحجر فلأنه وجب عند التشريع أن يعين محل البداية وجهة المشي والحجر أحسن مواضع البيت لأنه نازل من الجنة واليمين أين الجهتين. "أو يستلمه" وثبت عنه ﷺ في استلامه ثلاث صفات: أحدها تقبيله, وثانيها: أنه وضع يده ثم قبلها وثالثها: أنه يشير إليه بالمحجن١ ولم يقل طوافي لكذا ولا افتتحه بالتكبير كما يفعله كثير ممن لا علم عنده وذلك من البدع المنكرة. "يمحجن ويقبل المحجن" لما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. وأخرج نحوه مسلم من حديث أبي الطفيل وزاد: ويقبل المحجن
ونحوه أخرج أحمد من حديث عمر أن النبي ﷺ قال له يا عمر: "إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر" وفي إسناده مجهول. "ويستلم الركن اليماني" لما أخرج أحمد والنسائي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا" وفي إسناده عطاء بن السائب. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: لم أر النبي ﷺ يمس من الأركان إلا اليمانيين. وأخرج البخاري في تاريخه وأبو يعلى من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يقبل الركن اليماني. وفي إسناده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف, وأخرج أحمد وأبو داود من حديثه أن النبي ﷺ كان يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه. قال صاحب سبل السلام وكان يقول عند استلامهما: "بسم الله والله أكبر" وكان كلما أتى الحجر يقول: "الله أكبر" ولم يحفظ له دعاء معين في الطواف إلا أنه أخرج أبو داود وابن حبان أنه يقول بين الركنين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وفي الطواف: "اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائب لي بخير" أخرجه الحاكم وفي مصنف ابن أبي شيبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". والموضع موضع دعاء فيختار فيه ما شاء انتهى.
стр. 283
قلت: إنما خص الركنين اليمانيين بالاستلام كما ذكره ابن عمر من أنهما باقيان على بناء إبراهيم دون الركنين الآخرين فإنهما من تغيرات الجاهلية وإنما اشترط له شروط الصلاة كما ذكره ابن عباس لأن الطواف يشبه الصلاة في تعظيم الحق وشعائره فحمل عليها. "ويكفي القارن طواف واحد وسعي واحد" لكونه ﷺ حج قرانا على الأصح واكتفى بطواف واحد للقدوم بسعي واحد ولا دليل على وجوب طوافين وسعيين, وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا: "من أحرم بالحج والعمرة أجزأة طواف واحد وسعي واحد" وقد حسنه الترمذي. أقول: الأدلة القاضية بأن الواجب على القارن ليس إلا طواف واحد وسعي واحد ثابتة قولا وفعلا, أما القول فحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرن بين حجه وعمرته أجزأه لهما طواف واحد" أخرجه أحمد وابن ماجة وأخرجه أيضا الترمذي بلفظ: "من أحرم بالحج والعمرة أجزأة طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعا" وقال: هذا حديث حسن, وأخرجه أيضا سعيد بن منصور بنحو لفظ الترمذي, وأما إعلال الطحاوي لهذا الحديث بالوقف فقد رده غيره من الحفاظ لأن الطحاوي قال: إن الدراوردي أخطأ في رفعه وإنه موقوف فأجابوا عنه بأن الدراوردي صدوق وأن رفعه حجة ومن القول حديث طاوس عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" أخرجه أحمد ومسلم, وأخرج أيضا مسلم من طريق مجاهد عنها أن النبي ﷺ قال لها: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك" وأما أحاديث الفعل فأخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة أن الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافا واحدا. وأخرج مسلم وأبو داود عن جابر أنه لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا وحدا. وأخرج البخاري عن ابن عمر أنه طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا بعد أن قال: إنه سيفعل كما فعل رسول الله ﷺ وأخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طاوس أنه حلف ما طاف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ وعمرته إلا طوافا واحدا, واستدل القائلون بأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين بفعل علي ﵁ وقوله: رأيت رسول الله ﷺ يفعل هكذا. أخرجه عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما وقد روي نحوه
стр. 284
عن ابن مسعود وابن عمر بأسانيد في بعضها متروك وفي البعض الآخر ضعيف حتى قال ابن حزم: لا يصح عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء وتعقب أن حديثي علي وابن مسعود لا بأس بإسناديهما ولهذا رجح البيهقي وغيره المصير إلى الجمع أنه طاف طواف القدوم وطواف الإفاضة. قال: وأما السعي فلم يثبت فيه شيء وقد حكى الحافظ في الفتح أنه روى جعفر الصادق عن أبيه أنه كان يحفظ عن علي للقارن طوافا واحدا خلاف ما يقوله أهل العراق. والحاصل: أن الجمع بما تقدم إن اندفع به النزاع فالمراد وإلا وجب المصير إلى التعارض والترجيح ولا يشك عالم بالحديث أن أدلة الطواف الواحد والسعي الواحد أرجح. "ويكون حال الطواف متوضئا ساتر العورة" لما في الصحيحين من حديث عائشة أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت. وفيهما أيضا من حديث أبي بكر أن النبي ﷺ قال: "لا يطوف بالبيت عريان" في شرح السنة عند الشافعي لا يجزئ الطواف إلا بما يجزئ به الصلاة من الطهارة عن الحدث والنجاسة وستر العورة فإن ترك شيئا منها فعليه الإعادة. قال في الأنوار: ولو أحدث في الطواف عمدا توضأ وبنى ولا يجب الاستئناف وإن طال الفصل والكلام في الطواف مباح ويستحب أن لا يتكلم إلا بذكر الله أو حاجة أو علم, وقال أبو حنيفة: إذا طاف جنبا أو محدثا وفارق مكة لا تلزمه الإعادة وعليه دم وفي العالمكيرية أن كل عبادة تؤدى لا في المسجد من المناسك فالطهارة ليست من شرطها كالسعي والوقوف بعرفة وكل عبادة في المسجد فالطهارة من شرطها كالطواف. أقول: أما فرضية الوضوء للطواف أو شرطيته كما زعمه البعض فغاية ما في ذلك حديث: أنه توضأ ﷺ ثم طاف, وهذا مجرد فعل لا ينتهض للوجوب وليس الوضوء بداخل في عموم المناسك حتى يقول إنه بيان لقوله: "خذوا عني مناسككم" فإن قيل إنه شرط النسك أو فرضه فيكون من جملة بيان المناسك فيجاب بأن هذه مصادرة على المطلوب لأن كونه شرطا أو فرضا هو محل النزاع ومع هذا ففعله للوضوء يحتمل أن يكون لما يتعقب الطواف من الصلاة ولا سيما وقد كان ﷺ لا يدخل المسجد إلا متوضئا في غير الحج فملازمته لذلك في الحج أولى, وأما منعه ﷺ للحائض أن تطوف بالبيت فليس فيه دليل على
стр. 285
أن المنع لها لكون الطهارة شرطا أو فرضا للطواف لاحتمال أن يكون المنع لها لكون الطواف من داخل المسجد وهي ممنوعة من المساجد ولو سلم فغايته أن الطهارة من الحيض هي الشطر لا الوضوء, وأما حديث الطواف بالبيت صلاة فمع كونه في إسناده عطاء بن السائب وهو ضعيف فليس التشبيه بمقتض لمساواة المشبه للمشبه به في جميع الأوصاف: بل الاعتبار التشابه في أخص الأوصاف وليس هو الوضوء. "والحائض تفعل الحاج غير أن لا تطوف" طواف القدوم وكذا طواف الوداع بالبيت لحديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف" أخرجه أحمد وأخرج نحوه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من حديث ابن عمر, ولحديث عائشة أيضا في الصحيحين وغيرهما أنه قال لها النبي ﷺ لما حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي". "ويندب الذكر حال الطواف بالمأثور" لحديث عبد الله بن السائب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بين الركن اليماني والحجر: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم لأنه دعاء جامع نزل به القرآن وهو قصير اللفظ يناسب تلك الفرصة القليلة, وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "وكل به -يعني الركن اليماني- سبعون ملكا فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين" أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه إسماعيل بن عياش وهشام بن عمار وهما ضعيفان, وأخرج ابن ماجه أيضا من حديثه أنه سمعه يقول: "من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات وكتب له عشر حسنات ورفع له بها عشر درجات" وفي إسناده من تقدم في الحديث الأول. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة لإقامة ذكر الله تعالى" وفي الباب أحاديث. "وبعد فراغه يصلي ركعتين" وعليه الشافعي وقال أبو حنيفة: هما واجبتان "في مقام إبراهيم ثم يعود إلى الركن فيستلمه"
стр. 286
لحديث جابر عند مسلم وغيره: أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم عاد إلى الركن فاستلمه قلت: وجهر فيهما بقراءته نهارا فالجهر فيهما السنة ليلا ونهارا فلما فرغ منهما أتى الحجر الأسود فاستلمه ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يقابله.
فصل "ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط داعيا بالمأثور" والسعي واجب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ وعليه أهل العلم إلا أنه عند الشافعي من الأركان فلا يجبر بالدم, وذهب الجمهور إلى أنه فرض وعند أبي حنيفة من الواجبات وعلى من تركه دم كذا في المسوى والسعي هو النسك الثالث لأن النسك الأول الإحرام والثاني الطواف كما تقدم ودليله ما أخرج أحمد والشافعي من حديث حبيبة بنت أبي تجزأة١ أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" وفي إسناده عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف وله طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة والطبراني عن ابن عباس, وأخرج أحمد نحوه من حديث صفية بنت شيبة وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو, وأخرج نحوه النسائي من حديث جابر وفي صحيح مسلم من حديث جابر أيضا: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره
стр. 287
قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده" , ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا, ويجوز السعي راكبا وماشيا وهو أفضل وعليه أهل العلم. وإذا كان متمتعا صار بعد السعي حلالا حتى إذا كان يوم التروية أهل بالحج لقول عائشة حاكية لحجهم مع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فأما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة, وهو في الصحيحين وغيرهما وفيهما أيضا من حديث جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم لها متعة" وفي لفظ لمسلم من حديثه أيضا قال: أمرنا رسول الله ﷺ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح. أقول: الإهلال هو رفع الصوت بلفظ لبيك بحجة وعمرة والظاهر من الأدلة أنه لا يجب إلا نية الإحرام بالحج وليس وراء ذلك أمر آخر هو الإحرام بل هو مجرد النية, وأما اشتراط كونها مقارنة لتلبية أو تقليد فلم يدل عليه دليل بل التلبية ذكر مستقل وسنة منفردة وكذلك التقليد للهدي ولا كلام في ثبوت مشروعيتهما, وأما أنهما شرط لنية الإحرام بالحج فلا ومن ادعى ذلك فعليه البرهان.
فصل "ثم يأتي عرفة صبح يوم عرفة ملبيا مكبرا ويجمع العصرين" الظهر والعصر "فيها ويخطب" لما ثبت عنه ﷺ أنه خطب الناس وهو على راحلته خطبة بديعة قرر فيها قواعد الإسلام وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية وقرر فيها المحرمات التي اتفقت الملل على تحريمها وهي الدماء والأموال والأعراض وغير ذلك من الأحكام وكانت خطبة واحدة لم تكن خطبتين يجلس بينهما, وقال في الحجة: إنما خطب يومئذ بالأحكام التي يحتاج الناس إليها لا يسعهم جهلها لأن اليوم يوم اجتماع وإنما تنتهز مثل هذه الفرصة لمثل هذه الأحكام التي يراد تبليغها إلى جميع الناس انتهى. "ثم يفيض من عرفة ويأتي المزدلفة ويجمع فيها
стр. 288
بين العشاءين" المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولا يسبح١ ههنا كما ثبت عنه ﷺ . "ثم يبيت بها". قال النحاس: إن كثيرا من الحجاج لا يقف بالمزدلفة وإن وقف فلا يبيت وهذه بدعة يجب على الأمير ومن قدر أن يمنع منها لأن من ترك المبيت بالمزدلفة وجب عليه إراقة دم في الأظهر, وذهب ابن خزيمة وجماعة من العلماء إلى أن المبيت بها ركن فعلى هذا إذا تركه فسد حجه ولا يجبر بدم ولا بغيره وشرط المبيت أن يكون في ساعة من النصف الثاني من الليل فلو رحل قبله لم يسقط عنه الدم ولو عاد إليها قبل الفجر سقط انتهى. "ثم يصلي الفجر" حتى يتبين له الصبح بأذان وإقامة "ويأتي المشعر" الحرام تركهم السنة في الوقوف بالمشعر الحرام بدعة أيضا ويستقبل القبلة. فيذكر الله عنده ويدعوه ويكبره ويهلله ويوحده. أقول: وما أحق الذكر عند المشعر الحرام بأن يكون واجبا أو نسكا لأنه مع كونه مفعولا له ﷺ ومندرجا تحت قوله: "خذوا عني مناسككم" فيه أيضا النص القرآني بصيغة الأمر: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ . "ويقف به" والوقوف هو النسك الرابع من مناسك الحج. "إلى قبل طلوع الشمس ثم يدفع حتى يأتي بطن محسر" وهو محل هلاك أصحاب الفيل. ويرزخ بين المزدلفة ومنى ليس من هذه ولا هذه فمن شأن من خاف الله وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن ويهرب من الغضب ثم يسلك الطريق الوسطى بين الطريقين "إلى الجمرة التي عند الشجرة وهي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة" مثل حصى الخذف."ولا يرميها إلا بعد طلوع الشمس" وإنما كان رمي الجمار يوم الأول غدوة وفي سائر الأيام عشية لأن من وظيفة الأول النحر والحلق والإفاضة وهي كلها بعد الرمي ففي كونه غدوة توسعة وأما سائر الأيام فأيام تجارة وقيام أسواق فالأسهل أن يجعل ذلك بعد ما يفرغ من حوائجه وأكثر ما كان الفراغ في آخر النهار. "إلا النساء والصبيان فيجوز لهم قبل ذلك ويحلق رأسه" فقد دعا النبي ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة واحدة. "أو يقصره" وهو النسك الخامس "فيحل له كل شيء
стр. 289
إلا النساء ومن حلق أو ذبح أو أفاض إلى البيت قبل أن يرمي فلا حرج ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ليالي التشريق" وهو النسك السادس. والحاصل: أن المبيت بمنى ليس بمقصود في ذاته إنما هو لأجل الرمي المشروع لأنه فعل والزمان والمكان من ضرورياته فالحق ما قاله الحنفية وبعض الشافعية من عدم وجوبه في نفسه ويرمي في كل يوم من أيام التشريق الجمرات الثلاث بسبع حصيات مبتدئا بالجمرة الدنيا ثم الوسطى ثم جمرة العقبة لما أخرج أحمد وأهل السنن وابن حبان والحاكم والدارقطني من حديث عبد الرحمن بن يعمر أن النبي ﷺ أمر مناديا فنادى الحج عرفة. وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن عمر قال: غدا رسول الله ﷺ من منى حين صلى الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنمرة وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ فجمع بين الظهر والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال: لما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء١ فرُحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" وفي صحيح مسلم من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: "عليكم السكينة" وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا, وفي حديث جابر عند مسلم وغيره أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبّح بينهما شيئا ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده فلم
стр. 290
يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر, وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جابر قال: رمى النبي صلى الله عليه تعالى وآله وسلم الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس, وفيهما أيضا من حديث ابن مسعود أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة, وفي رواية حتى انتهى من جمرة العقبة وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: أنا ممن قدّم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله, وفيهما أيضا من حديث عائشة قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة١ فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمع بليل. وفي الباب أحاديث وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أنس أن النبي ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا يا رسول الله: وللمقصرين قال: "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا يا رسول الله: وللمقصرين قال: "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا يا رسول الله: وللمقصرين قال: "وللمقصرين" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء" وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أرمي قال: "ارم ولا حرج" وأتاه آخر فقال: ذبحت قبل أن أرمي فقال: "ارم ولا حرج" وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: "ارم ولا حرج" وفي رواية فيهما: "فما سئل عن شيء يومئذ إلا قال: افعل ولا حرج". وأخرج أحمد من حديث علي قال: جاء رجل فقال يا رسول الله: حلقت قبل أن أنحر قال: "انحر ولا حرج" ثم أتاه
стр. 291
آخر فقال: إني أفضت قبل أن أحلق قال: "احلق أو قصر ولا حرج" وفي لفظ للترمذي وصححه قال: إني أفضت قبل أن أحلق وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس أن النبي ﷺ قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: "لا حرج" وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحكم من حديث عائشة قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى وعند الثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة لا يقف عندها, وعن ابن عباس قال: رمى رسول الله ﷺ الجمار حين زالت الشمس. رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه وفي البخاري عن ابن عمر قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا. وأخرج الترمذي وصححه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا. وفي لفظ عنه أنه كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبا وسائر ذلك ماشيا ويخبرهم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك أخرجه أحمد وأبو داود, وفي الصحيحين من حديث ابن عباس وابن عمر أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له, وفي البخاري وأحمد من حديث ابن عمر أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يتقدم فيسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي من حديث عاصم بن عدي أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغداة ومن بعد الغداة ليومين ثم يرمون يوم النفر. وأخرج أحمد والنسائي عن سعد بن مالك قال: رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ وبعضها يقول: رميت بسبع حصيات وبعضنا يقول رميت بست حصيات ولم يعب بعضهم على بعض ورجاله رجال الصحيح. "ويستحب لمن يحج بالناس أن يخطبهم" بعد الزوال خطبتين خفينفتين قائما والأخيرة أخف ويجلس
стр. 292
بينهما كالجمعة يعلم فيهما المناسك إلى اليوم الثاني وإذا زالت الشمس اغتسل إن أحب, "يوم النحر" لحديث الهرماس بن زياد قال: رأيت النبي ﷺ يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى أخرجه أحمد وأبو داود وأخرج نحو أبو داود أيضا من حديث أبي أمامة وأخرج نحوه هو والنسائي من حديث عبد الرحمن بن معاذ التيمي, وأخرجه البخاري وأحمد من حديث أبي بكرة وفيه أنه قال: "فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ألا هل بلغت" قالوا: نعم. قال: "اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فربّ مبلَّغ أوعى من سامع فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". "و" يستحب الخطبة "في وسط أيام التشريق" لحديث سراء بنت نبهان قالت: خطبنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يوم الرؤف١ فقال: "أي يوم هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "أليس أوسط أيام التشريق" أخرجه أبو داود ورجاله رجال الصحيح وأخرج نحوه أحمد من حديث أبي بصرة ورجاله رجال الصحيح وأخرج نحوه أبو داود عن رجلين من بني بكر فتضمنت حجته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثلاث خطب يوم عرفة. ويوم النحر. وثاني أيام التشريق. قال الماتن رح في حاشية الشفاء: الخطب المشروعة في الحج أربعة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة وقد بيناها في شرح المنتقى فليرجع إليه انتهى. "ويطوف الحاج طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة يوم النحر" لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وفي صحيح مسلم من حديث جابر نحوه والمراد بقوله: "أفاض" أي طاف طواف الإفاضة. قال النووي: وقد أجمع العلماء أن هذا الطواف وهو طواف الإفاضة ركن من أركان الحج لا يصح إلا به واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق, فإن أخره عنه وفعله في أيام التشريق أجزأه ولا دم عليه بالإجماع. قال صاحب سبل السلام: طواف الزيارة ويقال له طواف الصدر ويسمى طواف الإفاضة طاف رسول الله ﷺ ولم يطف غيره ولم يسع وتضمنت حجته رفع
стр. 293
يديه للدعاء ست مرات: الأولى على الصفا الثانية على المروة الثالثة بعرفة الرابعة بمزدلفة الخامسة عند الجمرة الأولى السادسة عند الجمرة الثانية انتهى. أقول: الأدلة تدل على عدم وجوب طواف الزيارة على التعيين فضلا عن كونه ركنا من أركان الحج التي لا يصح بدونها فعلى المجتهد أن يبحث عن المسائل التي قلد فيها الآخر الأول: وجعل عليها سورا لا يستطيع صعوده من كان هيابا للقيل والقال, ومخبوطا بأسواط آراء الرجال, وهو دعوى الإجماع فإن ما كان كذلك قل أن يكشف عن أصله ومستنده إلا من كان من الأبطال المؤهلين للنظر في الدلائل الفارقين بين العالي منها والسافل وقليل ما هم, بل هم أقل من القليل والله المستعان. وقد ثبت عنه ﷺ عند الشيخين وغيرهما من حديث عائشة أنه قال لها: "طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك" وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: "من أحرم بالحج والعمرة أجزأة طواف واحد وسعي واحد" واللفظ للترمذي وهذا يدل على أن الواجب ليس إلا طواف واحد لا ثلاثة: طواف القدوم والزيارة والوداع, ويدل عليه ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر أنه حج فطاف بالبيت ولم يطف طوافا غير ذلك. "وإذا فرغ من أعمال الحج طاف للوداع " لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره قال: كان الناس ينصروفون في كل وجه فقال رسول الله ﵌: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" وفي لفظ للبخاري ومسلم أن النبي ﷺ أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. وفي الباب أحاديث وإلى وجوب طواف الوداع ذهب الجمهور وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه. قال في الحجة: والسر فيه تعظيم البيت أن يكون هو الأول وهو الآخر تصويرا لكونه هو المقصود من السفر وموافقة لعادتهم في توديع الوفود ملوكها عند النفر. وقال في سبل السلام: ثم إنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طاف طواف الوداع ليلا سحرا ولم يرمل في هذا الطواف وصلى الفجر بالحرم وقرأ بالطور ثم نادى بالرحيل فارتحل راجعا إلى المدينة فلما أتى ذا الحليفة بات بها فلما رأى المدينة كبر ثلاثا وقال: "لا إله إلى الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير
стр. 294
آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده" ثم دخلها نهارا انتهى.
فصل والهدي لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ واتفق أهل العلم على أن الهدي مستحب للحاج المفرد والمعتمر المفرد وواجب على المتمتع والقارن وعلى من وجب عليه جزاء العدوان على الإحرام ويعتبر في الهدايا ما يعتبر في الضحايا أفضله البدنة لأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يهدي البدن ولأنه أنفع للفقراء. "ثم البقرة ثم الشاة" لأن البقرة أنفع بالنسبة إلى شاة وهذا إذا كان الذي يهدي البدنة والبقرة واحدا أما إذا كانوا جماعة بعدد ما تجزيء عنه البدنة والبقرة فقد وقع الخلاف هل الأفضل سُبع البدنة أو البقرة أم الشاة عن الواحد والظاهر أن الاعتبار بما هو أنفع للفقراء. "وتجزيء البدنة والبقرة عن سبعة" لحديث جابر في الصحيحين وغيرهما قال: أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة. وفي لفظ لمسلم: فقيل لجابر أيُشترك في البقر ما يُشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن. وأخرج أحمد وابن ماجه عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أتاه رجل فقال: إن علي بدنة وأنا موسر ولا أجدها فأشتريها؟ فأمره ﷺ أن يبتاع سبع شياه فيذبحن. ورجاله رجال الصحيح ولا يعارض هذا حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه قال: كنا في سفر فحضر الأضحى فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة. وكذلك لا يعارضه ما في الصحيحين من حديث رافع بن خديج: أنه ﷺ قسم فعدل١ عشرا من الغنم ببعير. لأن تعديل البدنة بسبع شياه هو في الهدي وتعديلها بعشر هو في الأضحية والقسمة. وقد ذهب الجمهور إلى أن عدل البدنة في الهدي سبع شياه. وادعى الطحاوي وابن رشد أنه إجماع ولا تصح هذه الدعوى فالخلاف مشهور. "ويجوز للمهدي أن يأكل من لحم
стр. 295
هديه" لحديث جابر: أن النبي ﷺ أمر من كل بدنة ببضعة١ فجعلت في قدر فطبخت فأكل هو وعلي من لحمها وشربا من مرقها. أخرجه أحمد ومسلم وفي الصحيحين من حديث عائشة أنه دخل عليها يوم النحر بلحم بقر فقالت: ما هذا؟ فقيل نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه. قال النووي: وأجمع العلماء على أن الأكل من هدي التطوع وأضحيته سنة انتهى. والظاهر أنه لا فرق بين هدي التطوع وغيره لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ويركب عليه أي المهدي على هديه لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما قال: رأى رسول الله ﷺ رجلا يسوق بدنة فقال: "اركبها" فقال: إنها بدنة قال: "اركبها" قال: إنها بدنة. قال: "اركبها" وفيهما نحوه من حديث أبي هريرة وأخرج أحمد ومسلم من حديث جابر أنه سئل عن ركوب الهدي فقال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا". "ويندب له إشعاره وتقليده" لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: قالوا إنها خلاف الأصول إذ الإشعار مثلة ولعمر الله إن هذه السنة خلاف الأصول الباطلة وما ضرها ذلك شيئا والمثلة المحرمة هي العدوان لا يكون عقوبة ولا تعظيما لشعائر الله, فأما شق صفحة سنام البعير المستحب أو الواجب ذبحه ليسيل دمه قليلا فيظهر شعار الإسلام وإقامة هذه السنة التي هي من أحب الأشياء إلى الله وفق الأصول وأي كتاب أو سنة حرم ذلك حتى يكون خلافا للأصول وقياس الإشعار على المثلة المحرمة من أفسد قياس على وجه الأرض, فإن قياس ما يحبه الله ويرضاه على ما يبغضه ويسخطه وينهى عنه ولو لم يكن في حكمة الإشعار إلى تعظيم شعائر الله وإظهارها وعلم الناس بأن هذه قرابين الله تساق إلى بيته تذبح له ويتقرب بها إليه عند بيته كما يتقرب إليه بالصلاة إلى بيته عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ويصلون لها, فشرع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نسكهم وصلاتهم لله وحده وأن يظهروا شعائر توحيده غاية الإظهار ليعلو دينه على كل
стр. 296
دين فهذه هي الأصول الصحيحة التي جاءت السنة بالإشعار على وفقها ولله الحمد. "ومن بعث بهدي لم يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم" لحديث عائشة في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يهدي من المدينة ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم. أقول: هذا آخر كلام الماتن على أحكام الحج. وأما الحج عن الميت والاستئجار له فاعلم أن الحج من الواجبات المتعلقة ببدن المكلف والظاهر في الواجبات البدنية أنها لا تلزم بعد رفع قلم التكليف وانتقال المكلف من هذه الدار التي هي دار التكاليف إلى دار الآخرة لأنه لم يبق من طلب منه الفعل فمن قال إنه يلزم الميت الإيصاء بشيء من الواجبات البدنية بأن يفعله عنه غيره بعد موته لم يقبل إلا بدليل أو قال: من تبرع عن ميت بفعل واجب بدني أجزأه لم يقبل ذلك منه إلا بدليل, وقد ورد الدليل في أمور منها الصوم لحديث: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" ولكن ليس في هذا الحديث وجوب على الميت بل الإيجاب على الولي وغاية ما يستفاد من قوله: "صام عنه" أنه يجزئ ذلك الصوم عن الميت. وأما الحج فلم يرد ما يدل على وجوب الوصية على الميت به بل ورد ما يدل على وقوع الحج من القريب عن قريبه الميت كما في حديث من نذرت أخته أن تحج فماتت قبل أن تحج, وكذلك ورد ما يدل على وقوع الحج من الولد لأبيه إذا كان في الحياة عاجزا عن الإتيان بالفريضة كما في خبر الخثعمية. وأما إيجاب الوصية بالحج أو أنه يجزئ من كل أحد من كل ميت فلا دليل على ذلك فيما أعلم. نعم إذا أوصى بالحج بنصيب من ماله فقد جعل الله له ثلث ماله في آخر عمره يتصرف به كيف يشاء ما لم يكن ضرارا فالموصي بالحج كأنه أوصى بنصيب من ماله المأذون له بالتصرف في ثلثه فيجب امتثال وصيته. وأما كون ذلك يسقط الواجب على الميت فمحل تردد عندي ولا سيما إذا كان الذي حج عنه ليس من قرابته فإن القرابة لها تأثير في القيام ببعض الواجبات البدنية من الحي عن الميت كما في حديث: "صام عنه وليه" وكما في حديث الذي نذرت أخته أن تحج. وأما حديث: "حج عن نفسك ثم عن شبرمة" فهو وإن كان في بعض السنن لكن لم يصرح فيه بأن
стр. 297
الملبي عن شبرمة كان أجنبيا عنه بل ورد في رواية: "وهو أخ له أو صديق" ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال. وفي لفظ أنه قال له النبي ﷺ : "من شبرمة"؟ قال: أخ لي أو قريب لي. وقد أخرج هذه الرواية البيهقي والظاهر أن اعتناءه به وتلبيته عنه وطيبة نفسه بأن يكون حجه له للقرابة بينهما إذ من البعيد أن يفعل ذلك لغير من بينه وبينه قرابة ثم ليس في الحديث أن شبرمة هذا قد كان مات إذ ذاك. وأما ما رواه الثعلبي في تفسيره بلفظ: من أوصى بحجة كانت أربع حجج وحجة للذي كتبها. فمع كونه غير مرفوع لا يدرى كيف إسناده. والثعلبي ليس من أهل الرواية فقد روى في تفسيره الموضوعات. وقد أخرج البيهقي مثل ما ذكر عن جابر مرفوعا كما ذكره صاحب التخريج فينظر في سنده فما أظنه يصح. والحاصل: أن هذا البحث طويل الذيول متشعب الحجج والنقول فمن رام ولعثور على الصواب فعليه بالفتح الرباني فتاوي الشوكاني ودليل الطالب على أرجح المطالب لهذا العبد الضعيف وليس مقصودنا هنا إلا التنبيه على الحق الحقيق بالقبول وإن أباه أكثر العقول. وحديث: "فدين الله أحق أن يقضى" ليس المراد به دفع الأجرة لمن يحج بل المراد أن الحج عن الوالد يصح من الولد كما يصح منه قضاء الدين ولا يرد على هذا أن اللفظ عام والاعتبار به لأنا نقول: العموم ليس هو إلا باعتبار فعل فريضة الحج لا باعتبار دفع المال لمن يحج فهذا لم يرد به دليل فعرفت بهذا أن ما يوصي به الميت من أجرة من يحج عنه لكون خارجا من ثلثه المأذون له. وأما من قال بوجوب الوصية على من لم يحج فكان قياس قوله أن تكون الأجرة الموصى بها من رأس المال لأن وجوب الوصية فرع وجوب الأجرة في مال الموصي ولا فرق بين وجوب مثل الأجرة من ماله وبين وجوب مثل الزكاة. وأما ما يذكرونه من الفرق بين ما يتعلق بالمال ابتداء وانتهاء وبين ما يتعلق بالبدن ابتداء بالمال وانتهاء فشيء لا مستند له ولا معول عليه.
стр. 298
باب العمرة المفردة
وقد تقدمت صفتها. "يحرم لها من الميقات" أي كالتنعيم لأن الإحرام لها كالإحرام للحج وقد تقدمت الأدلة في ذكر المواقيت فإنها للحج والعمرة ومن كان في مكة خرج إلى الحل لما ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن رسول الله
стр. 299
صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج عائشة إلى التنعيم فتحرم للعمرة منه, ثم يطوف ويسعى ويحلق ويقصر ولا خلاف في ذلك وقد ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الصحيحين وغيرهما من حديث جماعة من الصحابة أنه أمر من لم يكن معه هدي بالطواف والسعي والحلق أو التقصير فمن فعل ذلك فقد حل الحل كله فواقعوا النساء بعد ذلك. "وهي مشروعة" في العالمكيرية: العمرة عندنا سنة وليست بواجبة وللشافعي قولان: أظهرهما أنها فرض والثاني سنة. أقول: ولم يأت من قال بوجوبها بدليل ينتهض للوجوب بل ما روي في ذلك متكلم عليه مع أنه معارض بأحاديث أوردها من قال بعدم الوجوب مصرحة بذلك وهي لا تخلوا عن مقال والواجب العمل على البراءة الأصلية حتى يرد ناقل ينقل عنها ولم يأت إلا ما يفيد مطلق المشروعية لا المقيدة بالوجوب فالحق ما قاله من ذهب إلى عدم الوجوب في جميع السنة لحديث عائشة عند أبي داود أن النبي ﷺ اعتمر عمرتين عمرة في ذي القعدة وعمرة في شوال. وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر في ذي القعدة إلا التي اعتمر مع حجته. ومن ذلك عمرة عائشة التي أمر النبي ﷺ عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم فإن ذلك كان مع حجتها مع النبي ﷺ , وقد كان أهل الجاهلية يحرمون العمرة في أيام الحج فرد عليهم النبي ﷺ واعتمر وأمر بالعمرة فيها, وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة". أقول ثبت اعتماره ﷺ في أشهر الحج بل روي أن عمَرَه كلها كانت في أشهر الحج وإنما فعل ذلك لقصد الرد على المشركين فإنهم كانوا يروونها في أشهر الحج من أفجر الفجور. وأما تعليل بعض الفقهاء للكراهة بأن العمرة تشغل عن أعمال الحج فليست أعمال الحج بمستغرقة لشوال والقعدة وبعض الحجة بل هي في بعض أيام ذي الحجة فما بال من ذهب إلى كراهة العمرة في أشهر الحج وخالف هدي محمد ﷺ . والحاصل: أن هذا ونحوه صنيع من لا يدري بالمدارك خفيها وجليها والله المستعان. ومن أراد الاطلاع على تفصيل أحكام الحج والعمرة على الوجه الثابت المأثور فليرجع إلى منسكنا رحلة الصديق إلى البيت العتيق وإلى كتابنا مسك الختام شرح بلوغ المرام.
стр. 300
المجلد الثاني
كتاب النكاح
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب النكاح
قال الزمخشري في الكشاف: النكاح الوطء وتسمية العقد نكاحا لملابسته له من حيث إنه طريق له ونظيره تسمية الخمر إثما لأنها سبب في اقتراف الإثم انتهى ولا ينافي هذا كثرة ورود النكاح في القرآن بمعنى العقد حتى قال في الكشاف إنه لم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد لأن الكثرة ليست من خواص الحقيقة ولا مخرجة للمجاز عن كونه مجازا كما تقرر في موضعه على أن دعوى الكلية التي ذكرها صاحب الكشاف ممنوعة فإن قوله تعالى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ لا يصح أن يراد به العقد كما دل عليه الدليل من السنة وذهب إليه جماهير الأمة. وكذلك ما ورد في كتاب الله من ألفاظ النكاح للمملوكات لا يكون إلا للوطء إذ لا عقد هناك. وبالجملة فمعنى النكاح حقيقة الوطء ومجازا العقد كما صرح به الزمخشري وهو أقعد بمعرفة اللغة من غيره لا سيما التمييز بين المعاني الحقيقية والمجازية فإنه المرجوع إليه في ذلك دون غيره ممن صارت مؤلفاتهم الآن متداولة بين أهل هذه العصور كما لا يخفى على فطن "يشرع لمن استطاع الباءة" لما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء١" والمراد بالباءة النكاح والأحاديث الواردة
стр. 301
في الترغيب في النكاح كثيرة وقال تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ "ويجب على من خشي الوقوع في المعصية" لأن اجتناب الحرام واجب وإذا لم يتم الاجتناب إلا بالنكاح كان واجبا وعلى ذلك تحمل الأحاديث المقتضية لوجوب النكاح كحديث أنس في الصحيحين وغيرهما: أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ قال بعضهم لا أتزوج وقال بعضهم أصلي ولا أنام وقال بعضهم أصوم ولا أفطر فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" وأخرج ابن ماجة والترمذي من حديث الحسن عن سمرة "أن النبي ﷺ نهى عن التبتل"قال الترمذي إنه حسن غريب قال: وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة ويقال كلا الحديثين صحيح انتهى وفي سماع الحسن عن سمرة مقال معروف وأخرج النهي عن التبتل أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث أنس وأخرج ابن ماجه من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني " "والتبتل غير جائز" لما تقدم. وقد رد ﷺ التبتل على عثمان بن مظعون وكانت المانوية والمترهبة من النصارى يتقربون إلى الله بترك النكاح وهذا باطل لأن طريقة الأنبياء ﵈ التي ارتضاها الله تعالى للناس هي إصلاح الطبيعة ودفع اعوجاجها لا سلخها عن مقتضياتها "إلا لعجز عن القيام بما لا بد منه" لما ثبت في الكتاب العزيز من النهي عن مضارة النساء والأمر بمعاشرتهن بالمعروف. فمن لا يستطيع ذلك لم يجز له أن يدخل في أمر يوقعه في حرام وعلى ذلك تحمل الأدلة الواردة في العزبة والعزلة. أقول: الحاصل أن من كان محتاجا إلى النكاح أو كان فعله له أولى من تركه من دون احتياج فلا ريب أن أقل الأحوال أن يكون في حقه مندوبا للأدلة الواردة فيه. ومن لم يكن محتاجا إليه ولا كان فعله أولى له كالحصور والعنين فقد يكون في حقه مكروها إذا كان يخشى الاشتغال عن الطاعات من طلب العلم أو غيره مما يحتاج إليه أهله أو كانت المرأة تتضرر بترك الجماع من دون أن تقدم
стр. 302
على المعصية وأما إذا كان في غنية بحيث لا يشتغل عن الطاعات وكانت المرأة لا تتضرر بترك الجماع ولا يحصل له بالنكاح نفع فيما يرجع إلى الباءة فالظاهر أنه مباح وإن لم يأت من الأدلة ما يقتضي هذه التفاصيل فثم أدلة أخرى تقتضيها وقواعد كلية ولو قيل إنه لا يكون في تلك الصورة مباحا بل مكروها لما ورد في العزبة والعزلة آخر الزمان لم يكن بعيدا من الصواب "وينبغي أن تكون المرأة ودودا" لأن تواد الزوجين به تتم المصلحة المنزلية وكثرة النسل بها تتم المصلحة المدنية والملية وود المرأة لزوجها دال على صحة مزاجها وقوة طبيعتها مانع لها من أن يطمح بصرها إلى غيره باعث على تجملها بالامتشاط وغير ذلك وفيه تحصين فرجه ونظره "ولودا" لحديث أنس عند أحمد وابن حبان وصححه أن النبي ﷺ قال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة" وأخرج نحوه أحمد من حديث ابن عمر وفي إسناده جرير بن عبد الله العامري وقد وثق وفيه ضعف وأخرج نحوه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث معقل بن يسار "بكرا" لما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أن النبي ﷺ قال له: "تزوجت بكرا أم ثيبا؟ " قال: ثبيا قال: "فهلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك " "ذات جمال" فإن الطبيعة البشرية راغبة في الجمال وكثير من الناس تغلب عليهم الطبيعة والجمال وما يشبهه من الشباب مقصد من غلب عليه حجاب الطبيعة"وحسب" يعني مفاخر آباء المرأة فإن التزوج في الأشراف شرف وجاه "ودين" أي عفة عن المعاصي وبعدها عن الريب وتقربها إلى بارئها بالطاعات والدين مقصد من تهذب بالفطرة فأحب أن تعاونه امرأته في دينه ورغب في صحبة أهل الخير "ومال" بأن يرغب في المال ويرجى مواساتها معه في مالها وأن يكون أولاده أغنياء لما يجدون من قبل أمهم والمال والجاه مقصد من غلب عليه حجاب الرسم ووجهه ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" وفي صحيح مسلم وغيره "أن النبي ﷺ قال "إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك " قال في الحجة قال ﷺ "خير النساء اللاتي ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه
стр. 303
على زوج في ذات يده "أقول: يستحب أن تكون المرأة من كورة وقبيلة عادات نسائها صالحة فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة وعادات القوم ورسومهم غالبة على الإنسان وبمنزلة الأمر المجبول هو عليه وبين أن نساء قريش خير النساء من جهة أنهن أحنى إنسان على ولد في صغره وأرعاه على الزوج في ماله ورقيقه ونحو ذلك وهذان من أعظم مقاصد النكاح وبهما انتظام تدبير المنزل وإن أنت فتشت حال الناس اليوم في بلادنا وبلاد ما وراء النهر وغيرها لم تجد أرسخ قدما في الأخلاق الصالحة ولا أشد لزوما لها من نساء قريش انتهى. "وتخطب الكبيرة إلى نفسها" لما في صحيح مسلم: "أن النبي ﷺ أرسل إلى أم سلمة يخطبها" "والمعتبر حصول الرضا منها" لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره: "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة نحوه وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عباس "أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ " قال الحافظ: ورجال إسناده ثقات وروي نحوه من حديث جابر أخرجه النسائي ومن حديث عائشة أخرجه أيضا النسائي وأخرج ابن ماجة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "جاءت فتاة إلى رسول الله ﷺ فقالت إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال فجعل الأمر إليها فقالت قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شئ" ورجاله رجال الصحيح وأخرجه أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة عن عائشة. قال في الحجة البالغة أقول: لا يجوز أيضا أن يحكم الأولياء فقط لأنهم لا يعرفون ما تعرف المرأة من نفسها ولأن حار العقد وقاره راجعان إليها والاستئمار طلب أن تكون هي الآمرة صريحا والاستئذان طلب أن تأذن ولا تمنع وأدناه السكوت وإنما المراد استئذان البكر البالغة دون الصغيرة كيف ولا رأي لها قد زوج أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عائشة من رسول الله ﷺ وهي بنت ست سنين انتهى لمن كان كفؤا لحديث علي عند الترمذي "أن النبي
стр. 304
صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث لا يؤخرن الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم١ إذا وجدت لها كفؤا" ولكن ليس في هذا الحديث ما يدل على اعتبار الكفاءة في النسب بل يحمل على أن المرأة إذا وجدت لها كفؤا ترضى خلقه ودينه كما سيأتي وأخرج الحاكم من حديث ابن عمر "أن النبي ﷺ قال " العرب أكفاء بعضهم لبعض قبيلة لقبيلة وحي لحي ورجل لرجل إلا حائك أو حجام " وفي إسناده رجل مجهول وقال أبو حاتم إنه كذب لا أصل له وذكر الحفاظ أنه موضوع وقد أوضح الكلام عليه الماتن في كتابه في الموضوعات الذي سماه الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ولكن رواه البزار في مسنده من طريق أخرى عن معاذ بن جبل رفعه "العرب بعضها أكفاء لبعض" وفيه سليمان بن أبي الجون ويغني عن ذلك مافي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" ولكن ليس فيه دلالة على المطلوب لأن إثبات كون البعض خيرا من بعض لايستلزم أن الأدنى غير كفؤ للأعلى وهكذا حديث "إن الله تعالى اصطفى كنانة من ولد اسمعيل واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم" فإن هذا الاصطفاء لا يدل على أن الأدنى غير كفوء للأعلى وأخرج الترمذي من حديث أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات " وقد حسنه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب* ونقل المناوي عن البخاري أنه لم يعده محفوظا وعده أبو داود في المراسيل وأعله ابن القطان بالإرسال وضعف راويه وأبو حاتم المزني له صحبة ولا يعرف له عن النبي ﷺ غير هذا الحديث وأخرج الدارقطني عن عمر أنه قال: "لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء" أقول: استدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه ابن ماجه بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه "أن فتاة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال فجعل الأمر إليها فقالت قد أجزت
стр. 305
ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من أمر النساء شئ "وأخرجه أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة عن عائشة ومحل الحجة منه قولها ليرفع بي خسيسته فإن ذلك مشعر بأنه غير كفؤا لها ولا يخفى أن هذا إنما هو من كلامها وإنما جعل النبي ﷺ الأمر إليها بكون رضاها معتبرا فإذا لم ترض لم يصح النكاح سواء كان المعقود له كفؤا أو غير كفؤ وأيضا هو زوجها بابن أخيه وابن عم المرأة كفؤ لها واستدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه أحمد والنسائي وصححه وابن حبان والحاكم من حديث بريدة مرفوعا: "إن أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إليه المال" وبما أخرجه أحمد والترمذي وصححه هو والحاكم من حديث سمرة مرفوعا: "الحسب المال والكرم التقوى" ويحتمل أن يكون المراد أن هذا هو الذي يعتبره أهل الدنيا كما صرح به في حديث بريدة وأن هذا حكاية عن صنيعهم واغترارهم بالمال وعدم اعتدادهم بالدين فيكون في حكم التوبيخ لهم والتقريع وقد ثبت أنه ﵌ زوج مولاه زيد بن حارثة بزينب بنت جحش القرشية وزوج أسامة بن زيد بفاطمة بنت قيس القرشية وزوج عبد الرحمن بن عوف بلالا بأخته وأخرج أبو داود "أن أبا هند حجم النبي ﷺ فقال "يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه" أخرجه أيضا الحاكم وحسنه ابن حجر في التلخيص وأخرج البخاري والنسائي وأبو داود عن عائشة: "أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى امرأة من الأنصار قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال في الحجة البالغة: أقول: ليس في هذا الحديث أن الكفاءة غير معتبرة كيف وهي مما جبل عليه طوائف الناس وكاد يكون القدح فيها أشد من القتل والناس على مراتبهم والشرائع لا تهمل مثل ذلك ولذلك قال عمر لأمنعن النساء إلا من أكفائهن ولكنه أراد أن لا يتبع أحد محقرات الأمور نحو قلة المال ورثاثة الحال ودمامة الجمال أو يكون ابن أم ولد ونحو ذلك من الأسباب بعد أن يرضى دينه وخلقه. فإن أعظم مقاصد
стр. 306
تدبير المنزل الاصطحاب في خلق حسن. وأن يكون ذلك الاصطحاب سببا لصلاح الدين. وقال في المسوى في باب الكفاءة: قال الله تعالى ﴿أفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ وقال تعالى ﴿هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قلت: هذه الآيات تدل على تفاوت مراتب الناس وأن ذلك أمر ثابت فيهم ولم يرده الله تعالى فكان تقريرا ثم اختلفوا في تحديد المعاني التي يقع بها التفاوت فذهب أكثرهم إلى أنها أربعة: الدين والحرية والنسب والصناعة والمراد من الدين الإسلام والعدالة واعتبر الشافعي السلامة من العيوب المثبتة للخيار أيضا ومعنى اعتبار الكفاءة عند أبي حنيفة أن المرأة إذا زوجت نفسها من غير الكفؤ فللأولياء أن يفرقوا بينهما وعند الشافعي أن أحد الأولياء المستوين إذا زوجها برضاها من غير كفؤ لم يصح وفي قول يصح ولهم الفسخ إذا زوج الأب بكرا صغيرة أو بالغة بغير رضاها وفيه القولان أيضا انتهى. أقول: قوله ﷺ "من ترضون دينه وخلقه" فيه دليل على اعتبار الكفاءة في الدين والخلق وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالك ونقل عن عمر وابن مسعود ومن التابعين عن محمد ابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ويدل عليه قوله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور وقال أبو حنيفة قريش أكفاء بعضهم بعضا والعرب كذلك وليس أحد من العرب كفؤا لقريش كما ليس أحد من غير العرب كفؤا للعرب وهو وجه للشافعية قال في الفتح والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم ومن عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض قال الشافعي: ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه "العرب بعضهم أكفاء بعض والموالي بعضهم أكفاء بعض" فإسناده ضعيف قال في الفتح واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه فلا تحل المسلمة لكافر انتهى. وأعلى الصنائع المعتبرة في الكفاءة في النكاح على الإطلاق العلم لحديث "العلماء ورثة الأنبياء" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان من حديث أبي الدرداء وضعفه الدارقطني في العلل قال المنذري هو مضطرب الإسناد وقد ذكره البخاري في صحيحه
стр. 307
بغير إسناد. والقرآن الكريم شاهد صدق على ما ذكرناه فمن ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة منها حديث "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " وقد تقدم. وبالجملة إذا تقرر لك هذا عرفت أن المعتبر هو الكفاءة في الدين والخلق لا في النسب لكن لما أخبر ﷺ "بأن حسب أهل الدنيا المال" وأخبر ﷺ كما ثبت في الصحيح عنه أن في أمته "ثلاثا من أمر الجاهلية الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة" كان تزوج غير الكفوء في النسب والمال من أصعب ما ينزل بمن لم يؤمن بالله واليوم الآخر قال الماتن ﵀ ومن هذا القبيل استثناء الفاطمية من قوله ويغتفر برضا الأعلى والولي وجعل بنات فاطمة ﵂ أعلى قدرا وأعظم شرفا من بنات رسول الله ﷺ لصلبه فيا عجبا كل العجب من هذه التعصبات الغربية والتصلبات على أمر الجاهلية وإذا لم يتركها من عرف أنها من أمور الجاهلية من أهل العلم فكيف يتركها من لم يعرف ذلك والخير كل الخير في الإنصاف والانقياد لما جاء به الشرع ولهذا أخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس" فهذا نص في محل الخلاف انظر أمهات العترة الطاهرة الذين هم قدوة السادة وأسوة القادة في كل خير ودين من كن فأم أبي العترة الإمام زين العابدين علي بن الحسين شهريانو بنت يزدجرد بن شهريار بن شيرويه بن خسروبرويز بن هرمز بن نوشيروان ملك الفرس وأم الإمام موسى الكاظم أم ولد اسمها حميدة وأم الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم أم ولد أيضا اسمها تكتم وأم الإمام علي بن محمد بن علي المذكور الملقب بالجواد والتقي أم ولد اسمها خيزران وقيل ريحانة وأم الإمام علي بن محمد الملقب بالهادي والعسكري أم ولد اسمها سمانة وأم الإمام حسن بن علي الملقب بالزكي والخالص والعسكري أم ولد اسمها سوسن وأم الإمام محمد بن حسن الملقب
стр. 308
بالحجة والقائم والمهدي أم ولد اسمها نرجس وهكذا كان شأن التزوج في أصحاب رسول الله ﷺ لم يعرج أحد منهم على الكفاءة في النسب وإنما أخذ بذلك الجهلة من الأمة لا سيما أهل القرى والقصبات من نسل العترة والصحابة ﵃ أجمعين. وأكثرهم خائضون في الباطل عاطلون عن حلي العلم الموصل إلى الحق وكان أمر الله قدرا مقدورا "و" تخطب "الصغيرة إلى وليها" لما في صحيح البخاري وغيره عن عروة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر" ورضا البكر صمتها لما تقدم من الأحاديث الصحيحة وتحرم الخطبة في العدة لحديث فاطمة بنت قيس "أن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل لها رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة وقال لها رسول الله ﷺ "إذا حللت فآذنيني فآذنته " الحديث وهو في صحيح مسلم وغيره وأخرج البخاري عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ قال: يقول إني أريد التزويج ولوددت أنه ييسر لي امرأة صالحة وأخرج الدارقطني عن محمد بن علي الباقر ﵉ "أنه دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال لقد علمت أني رسول الله وخيرته من خلقه وموضعي من قومي وكانت تلك خطبته" والحديث منقطع قال في الفتح: واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم من مات عنها زوجها واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن وكذا من وقف نكاحها وأما الرجعية فقال الشافعي لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها. والحاصل أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات والتعريض مباح في الأولى وحرام في الأخيرة مختلف فيه في البائن "و" الخطبة "على الخطبة" لحديث عقبة بن عامر "أن رسول الله صلى الله وسلم " قال المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر " وهو في صحيح مسلم وغيره وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" وأخرج أيضا من حديث ابن عمر "لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له" وقد ذهب إلى تحريم ذلك الجمهور "ويجوز" له "النظر إلى المخطوبة" لحديث المغيرة عند أحمد والنسائي وابن ماجة والترمذي والدارمي
стр. 309
وابن حبان وصححه أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله وسلم: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم١ بينكما" فأتى أبويها فأخبرهما بقول رسول الله ﷺ فكأنهما كرها ذلك فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها فقالت إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر وإلا فإني أنشدك٢ كأنها عظمت ذلك عليه فنظرت إليها فتزوجتها فذكر من موافقتها ذكره أحمد وأهل السنن وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال "كنت عند النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنظرت إليها قال لا قال فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا" وفي الباب أحاديث "ولا نكاح إلا بولي" لحديث أبي موسى عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه عن النبي ﷺ قال: "لانكاح إلا بولي" وحديث عائشة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم وأبي عوانة أن النبي ﷺ قال "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" وفي الباب أحاديث قال الحاكم وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ثم سرد تمام ثلاثين صحابيا. أقول الأدلة الدالة على اعتبار الولي وأنه لا يكون العاقد سواه وأن العقد من المرأة لنفسها بدون إذن وليها باطل قد رويت من طريق جماعة من الصحابة فيها الصحيح والحسن وما دونهما فاعتباره متحتم وعقد غيره مع عدم عضله باطل بنص الحديث لا فاسد على تسليم أن الفساد واسطة بين الصحة والبطلان ولا يعارض هذه الأحاديث حديث "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن" ونحوه كحديث "ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر" لأن المراد أنها أحق بنفسها في تعيين من تريد نكاحه إن كانت ثيبا والبكر يمنعها الحياء من التعيين فلا بد من استئذانها وليس المراد أن الثيب تزوج نفسها أو توكل من يزوجها مع وجود الولي فعقد النكاح أمر آخر وبهذا تعلم أن لا وجه لما ذهبت
стр. 310
إليه الظاهرية من اعتبار الولي في البكر دون الثيب والولي عند الجمهور هو الأقرب من العصبة وروي عن أبي حنيفة أن ذوي الأرحام من الأولياء. أقول الذي ينبغي التعويل عليه عندي هو أن يقال إن الأولياء هم قرابة المرأة الأدنى فالأدنى الذين يلحقهم الغضاضة إذا تزوجت بغير كفء وكان المزوج لها غيرهم وهذا المعنى لا يختص بالعصبات بل قد يوجد في ذوي السهام كالأخ لأم وذوي الأرحام كابن البنت وربما كانت الغضاضة معهما أشد منها مع بني الأعمام ونحوهم فلا وجه لتخصيص ولاية النكاح بالعصبات كما أنه لا وجه لتخصيصها بمن يرث ومن زعم ذلك فعليه الدليل أو النقل بأن معنى الولي في النكاح شرعا أو لغة هو هذا وأما ولاية السلطان فثابتة بحديث "إذا تشاجر الأولياء فالسلطان ولي من لا ولي لها" فهذا الحديث وإن كان فيه مقال فهو لا يسقط به عن رتبة الاستدلال وهو يدل على حكمين الأول: أن تشاجر الأولياء يوجب بطلان ولا يتهم ويصيرهم كالمعدومين الثاني: أنهم إذا عدموا كانت الولاية للسلطان وإذا تحرر لك ما ذكرناه في الأولياء فاعلم أن من غاب منهم عند حصور الكفء ورضا المكلفة به ولو في محل قريب إذا كان خارجا عن بلد المرأة ومن يريد نكاحها فهو كالمعدوم: والسلطان ولي من لا ولي له اللهم إلا أن ترضى المرأة ومن يريد الزواج بالانتظار لقدوم الغائب فذلك حق لهما وإن طالت المدة وأما مع عدم الرضا فلا وجه لإيجاب الانتظار ولا سيما مع حديث "ثلاث لا يؤخرن إذا حانت منها الأيم إذا حضر كفؤها" كما أخرجه الترمذي والحاكم وجميع ما ذكر من تلك التقديرات بالشهر وما دونه ليس على شئ منها أثارة من علم ومع ذلك فالقول بأن غيبة الولي الموجبة لبطلان حقه هي الغيبة التي يجوز الحكم معها على الغائب هو قول مناسب إذا صح الدليل على أنه لايجوز الحكم على الغائب إلا إذا كان في مسافة القصر فإن لم يصح دليل على ذلك فالواجب الرجوع إلى ما ذكرناه فإن قلت إذا كان ولي النكاح هو أعم من العصبات كما ذكرته فما وجهه؟ قلت وجهه أنا وجدنا الولاية قد أطلقت في كتاب الله تعالى على ما هو أعم من القرابة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ووجدناها قد أطلقت في سنة رسول الله ﵌ على ما هو أخص من ذلك قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "السلطان ولي من لا ولي له" ولا ريب
стр. 311
أنه لم يكن المراد في الحديث مافي الآية وإلا لزم أنه لا ولاية للسلطان إلا عند عدم المؤمنين وهو باطل لأنه أحدهم بل له مزية عليهم لا توجد في أفرادهم وإذا ثبت أنه لم يكن المراد بالولي في الحديث الأولياء المذكورين في الآية فليس بعض من يصدق عليه اسم الإيمان أولى من بعض إلا بالقرابة ولا ريب أن بعض القرابة أولى من بعض وهذه الأولوية ليست باعتبار استحقاق نصيب من المال أو استحقاق التصرف فيه حتى يكون كالميراث أو كولاية الصغير بل باعتبار أمر آخر وهو ما يجده القريب من الغضاضة التي هي العار اللاصق به وهذا لا يختص بالعصبات كما بينا بل يوجد في غيرهم ولا شك أن بعض القرابة أدخل في هذا الأمر من بعض فالآباء والأبناء أولى من غيرهم ثم الإخوة لأبوين ثم الإخوة لأب أو لأم ثم أولاد البنات ثم أولاد الإخوة وأولاد الأخوات ثم الأعمام والأخوال ثم هكذا من بعد هؤلاء ومن زعم الاختصاص بالبعض دون البعض فليأتنا بحجة وإن لم يكن بيده إلا مجرد أقوال من تقدمه فلسنا ممن يعول على ذلك وبالله التوفيق * قال في الحجة: وفي اشتراط الولي في النكاح تنويه أمرهم واستبداد النساء بالنكاح وقاحة منهن منشؤها قلة الحياء واقتصاب على الأولياء وعدم اكثرات بهم وأيضا يجب أن يميز النكاح من السفاح بالتشهير وأحق التشهير أن يحضر أولياؤها ولا يجوز أن يحكم في النكاح النساء خاصة لنقصان عقلهن وسوء فكرهن فكثيرا ما لا يهتدين للمصلحة ولعدم حماية الحسب منهن غالبا فربما رغبن في غير الكفء وفي ذلك عار على قومها فوجب أن يجعل للأولياء شئ من هذا الباب لتسد المفسدة وأيضا فإن السنة الفاشية في الناس من قبل ضرورة أنهن عوان١ بأيديهم وهو قوله تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ انتهى. قال الشافعي: لا ينعقد نكاح امرأة إلا بعبارة الولي القريب فإن لم يكن فبعبارة الولي البعيد فإن لم يكن فبعبارة السلطان فإن زوجت نفسها أوغيرها بإذن الولي أو بغير إذنه بطل ولم يتوقف وتأويل قوله "لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها" لا يزوجها إلا وكيل الولي ويفهم تزوجيها بنفسه بالأولى وقال أبو حنيفة: ينعقد نكاح المرأة الحرة العاقلة البالغة برضاها وإن لم يعقد ولي بكرا كانت أو ثيبا
стр. 312
وتأويل الحديث أنه يكره لها ذلك خشية أن تقصر في رعاية الكفاءة وغيرها أو تنسب إلى الوقاحة أو تأويله إن للولي حق الاعتراض في غير الكفء فمعنى قوله "لا تنكح "أي لا تستقل بنكاحها إلا بإذنه لأن له حق الاعتراض في غير الكفء وقال محمد: ينعقد موقوفا على إذنه كذا في المسوى "وشاهدين" لحديث عمران بن حصين عند الدارقطني والبيهقي في العلل وأحمد في رواية ابنه عبد الله عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" وفي إسناده عبد الله بن محرز وهو متروك وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﵌ "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" وإسناده ضعيف وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال " البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة" وصحح الترمذي وقفه وهذه الأحاديث وما ورد في معناها يقوي بعضها بعضا وقد ذهب إلى ذلك الجمهور قال في شرح السنة أكثر أهل العلم على أن النكاح لاينعقد إلا ببينة ولا ينعقد حتى يكون الشهود حضورا حالة العقد واختلفوا في صفة الشهود قال الشافعي: لا ينعقد إلا بمشهد رجلين عدلين وقال أبو حنيفة ينعقد برجل وامرأتين وبفاسقين كذا في المسوى وفي الموطإ في باب "لا يحل نكاح السر "مالك عن أبي الزبير المكي أن عمر بن الخطاب أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة فقال هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت "إلا أن يكون" الولي "عاضلا أو غير مسلم" لقوله تعالى ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ولتزوجه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان من غير وليها لما كان كافرا حال العقد "ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكل لعقد النكاح ولو واحدا" لحديث عقبة ابن عامر عند أبي داود "أن النبي ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانا قال نعم وقال للمرأة أترضين أن أزوجك فلانا قالت نعم فزوج أحدهما صاحبه" الحديث وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه والليث وأبو ثور وحكى في البحر عن الشافعي وزفر أنه لا يجوز وقال في الفتح وعن مالك لو قالت المرأة
стр. 313
لوليها زوجني بمن رأيت فزوجها من نفسه أو ممن اختار لزمها ذلك ولو لم تعلم عين الزوج وقال الشافعي: يزوجه السلطان أو ولي آخر مثله أو أقعد منه ووافقه زفر وأما استحباب النثار فأقول لم يصح في ذلك شئ كما أوضحه في النيل والسيل ولا بأس بنثر شئ من المأكولات فهو من جملة الإطعام المندوب إنما الشأن في الحكم بمشروعية انتهابه مع ورود الأحاديث الصحيحة بالنهي عن النهي والظاهر أن هذا نوع منها ولم يرد ما يدل على التخصيص لا من وجه صحيح ولا حسن بل ولا ضعيف ينجبر وأما إجابة الوليمة فأحاديث الأمر بالإجابة صحيحة ولم يأت ما يقتضي صرفها عن الوجوب نعم الولائم المشوبة بالمنكرات مع عدم القدرة على التغيير لا يجوز حضورها كما يدل عليه حديث النهي عن الجلوس على المائدة التي تدار عليها الخمر وسائر المعاصي تقاس على ذلك
فصل ونكاح المتعة١" قال في الحجة رخص فيها صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أياما ثم نهى عنها أما الترخيص أولا فلملكان حاجة تدعو إليه كما ذكره ابن عباس فيمن يقدم بلدة ليس بها أهله أشار ابن عباس أنها لم تكن يومئذ استئجارا على مجرد البضع بل كان ذلك مغمورا في ضمن حاجات من باب تدبير المنزل كيف والاستئجار على مجرد البضع انسلاخ عن الطبيعة الإنسانية ووقاحة يمجها الباطن السليم وأما النهي عنها فلارتفاع تلك الحاجة في غالب الأوقات وأيضا ففي جريان الرسم به اختلاط الأنساب لأنها عند انقضاء تلك المدة تخرج من حيزه ويكون الأمر بيدها فلا يدري ماذا تصنع وضبط العمدة في النكاح الصحيح الذي بناؤه على التأييد في غاية العسر فما ظنك بالمتعة وإهمال النكاح الصحيح المعتبر في الشرع فإن أكثر الراغبين في النكاح غالب داعيتهم قضاء شهوة الفرج وأيضا فإن من الأمر الذي يتميز به النكاح من السفاح التوطين على المعاونة الدائمة وإن كان الأصل فيه قطع المنازعة فيها على أعين الناس انتهى
في شرح السنة اتفق العلماء على تحريم المتعة وهو كالإجمال بين المسلمين "منسوخ" فإنه لا خلاف أنه قد كان ثابتا في الشريعة كما صرح بذلك القرآن ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ
стр. 314
فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ولما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال "كنا نغرو مع رسول الله ﵌ ليس معنا نساء فقلنا ألا نختصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل "وفي الباب أحاديث وثبت النسخ من حديث جماعة فأخرج مسلم وغيره من حديث سبرة الجهني "أنه غزا مع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فتح مكة فأذن لهم رسول الله ﷺ في النساء قال فلم يخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ "وفي لفظ من حديثه "وأن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة" وأخرج الترمذي عن ابن عباس "إنما كانت المتعة في أول الإسلام حتى نزلت هذه الآية ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ " وفي الصحيحين من حديث علي "أن النبي ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر" والأحاديث في هذا الباب كثيرة والخلاف طويل وقد استوفاه الماتن في نيل الأوطار ورواية من روى تحريمها إلى يوم القيامة هي الحجة في هذا الباب وهذا نهي مؤبد وقع في آخر موطن من المواطن سافر فيها رسول الله ﷺ وتعقبه موته بعد أربعة أشهر فوجب المصير إليه ولا يعارضه ما روي عن بعض الصحابة أنهم ثبتوا على المتعة في حياته ﷺ وبعد موته إلى آخر أيام عمر كما زعمه صاحب ضوء النهار فإن من النسخ المؤبد حجة على من لم يعلم واستمرار من استمر عليها إنما كان لعدم علمه بالناسخ وأما ما صار يهول به جماعة من المتأخرين من أن تحليل المتعة قطعي وحديث تحريمها على التأبيد ظني والظني لا ينسخ القطعي حتى قال المقبلي إن الجمهور لم يجدوا جوابا على هذا فيقال: إن كان كون التحليل قطعيا لكونه منصوصا عليه في الكتاب العزيز فذلك وإن كان قطعي المتن فليس بقطعي الدلالة لأمرين أحدهما: أنه يمكن حمله على الاستمتاع بالنكاح الصحيح الثاني: أنه عموم وهو ظني الدلالة على أنه قد روى الترمذي عن ابن عباس أنه قال "إنما كانت المتعة حتى نزلت هذه الآية ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال ابن عباس فكل فرج سواهما حرام" وهذا يدل على التحريم بالقرآن فيكون ما هو قطعي المتن ناسخا لما هو قطعي المتن وإن كان التحليل قطعيا لكونه قد وقع الإجماع من الجميع عليه في أول الأمر فيقال وقد وقع الإجماع أيضا عل التحريم في الجملة عند الجميع وإنما
стр. 315
الخلاف في التأبيد هل وقع أم لا وكون هذا التأبيد ظنيا لا يستلزم ظنية التحريم الذي وقع النسخ به فالحاصل أن الناسخ للتحليل المجمع عليه هو التحريم المجمع عليه المقيد بقيد ظني وهو التأبيد فالناسخ والمنسوخ قطعيان هذا على التسليم ناسخ القطعي لا يكون إلا قطعيا كما قرره جمهور أهل الأصول وإن كنت لا أوافقهم على ذلك. والتحليل حرام لحديث ابن مسعود عند أحمد والنسائي والترمذي وصححه قال: "لعن رسول الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له" وصححه أيضا ابن القطان وابن دقيق العيد وله طريق أخرى أخرجها عبد الرزاق وطريق ثالثه أخرجها اسحق في مسنده وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وصححه ابن السكن من حديث علي مثله وخرج ابن ماجه والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بالتيس المستعار قالوا بلى يا رسول الله قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له" وفي إسناده يحيى بن عثمان وهو ضعيف وقد أعل بالإرسال وأخرج أحمد والبيهقي والبزار وابن أبي حاتم والترمذي في العلل من حديث أبي هريرة نحوه وحسنه البخاري وأخرج الحاكم والطبراني في الأوسط من حديث عمر "أنهم كانوا يعدون التحليل سفاحا في عهد رسول الله ﷺ " قال في تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين رواه ابن ماجه بإسناد رجاله موثقون وصح عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفهما وابن المنذر في الأوسط وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه سئل عن ذلك فقال كلاهما زان والكلام في ذلك عن الصحابة والتابعين طويل قد أطال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية الكلام عليه وأفرده مصنفا سماه بيان الدليل على إبطال التحليل انتهى. أقول حديث لعن المحلل مروي من طريق جماعة من الصحابة بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن واللغن لا يكون إلا على أمر جائز في الشريعة المطهرة بل على ذنب هو من أشد الذنوب فالتحليل غير جائز في الشرع ولو كان جائزا لم يلعن فاعله والراضي به وإذا كان الفاعل يدل على تحريم فعله لم تبق صيغة تدل على التحريم قط وإذا كان هذا الفعل حراما غير جائز في الشريعة فليس هو النكاح الذي
стр. 316
ذكره الله في قوله ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ كما أنه لوقال لعن الله بائع الخمر لم يلزم من لفظ بائع أنه قد جاز بيعه وصار من البيع الذي أذن فيه بقوله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ والأمر ظاهر قال ابن القيم ونكاح المحلل لم يبح في ملة من الملل قط ولم يفعله أحد من الصحابة ولا أفتى به واحد منهم ثم سل من له أدنى اطلاع على أحوال الناس كم من حرة مصونة أنشب فيها المحلل مخالب إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان وكان بعلها منفردا بوطئها فإذا هو والمحلل ببركة التحليل شريكان فلعمر الله كم أخرج التحليل مخدرة من سترها إلى البغاء بين مرامين العشراء والحرماء ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها وعناق القنا دون عناقها والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها وأما هذه الأزمان التي شكت الفروج فيها إلى ربها من مفسدة التحليل وقبح ما يرتكبه المحللون مما هو رمد بل عمى في عين الدين وشجا في حلوق المؤمنين من قبائح تشمت أعداء الدين به وتمنع كثيرا ممن يريد الدخول فيه بسببه بحيث لا يحيط بتفاصليها خطاب ولا يحصرها كتاب يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح ويعدونها من أعظم الفضائح قد قلبت من الدين رسمه وغيرت منه اسمه وضمخ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل وزعم أنه قد طيبها للتحليل فيالله العجب أي طيب أعارها هذا التيس الملعون وأي مصلحة حصلت لها ولمطلقها بهذا الفعل الدون إلى غير ذلك انتهى وقد أطال رحمه الله تعالى في تخريج أحاديث التحليل في إعلام الموقعين إطالة حسنة فليراجع "وكذلك الشغار" لثبوت النهي عنه كما في حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نهى عن الشغار" وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الشغار والشغار أن يقول الرجل زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي أو زوجني أختك وأزوجك أختي" وأخرج مسلم أيضا من حديث ابن عمر "أن النبي صلى ا. لله وسلم عليه قال "لا شغار في الإسلام" وفي الباب أحاديث قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز ولكن اختلفوا في صحته والجمهور على البطلان قال الشافعي هذا النكاح باطل كنكاح المتعة وقال أبو حنيفة جائز ولكل واحد منهما مهر مثلها انتهى.
стр. 317
أقول النهي عن الشغار ثابت بالأحاديث الصحيحة من طرق جماعة من الصحابة. وعلى كل حال فكون الشغار من مفسدات العقد غير مناسب لما تقرر في الأصول لأن النهي عن الشغار يقتضي قبحه أو تحريمه أو فساده على اختلاف الأقوال وإذا اقتضى ذلك وجب على كل واحد من الزوجين توفير المهر لزوجته بما استحل من فرجها فهو بمنزلة فساد التسمية وفسادها لا يستلزم فساد عقد النكاح والمهر ليس بشرط للعقد فالحكم بأن الشغار يفسد العقد غير مناسب لما تقرر في الأصول ولا موافق لقواعد الفروع ولو فرض أن النهي عن النكاح الذي فيه شغار لم يكن ذلك مقتضيا لفساد العقد لأن النهي ليس لذات العقد ولا لوصفه بل لأمر خارج عنه وقد تقرر في الأصول أن ذلك لا يوجب الفساد. ويجب على الزوج الوفاء بشرط المرأة لحديث عقبة بن عامر قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج" وهو في الصحيحين وغيرهما قلت: هو قول أكثر أهل العلم وقالوا قوله ﷺ "إن أحق الشروط" الخ خاص في شرط المهر إذا سمى لها مالا في الذمة أو عينا عليه أن يوفيها ما ضمن لها وفي الحقوق الواجبة التي هي مقتضى العقد وأما ما سوى ذلك مثل أن يشترط في العقد للمرأة أن لايخرجها من دارها ولا ينقلها من بلدها أو لا ينكح عليها أو نحو ذلك فلا يلزمه الوفاء به وله إخراجها ونقلها وأن ينكح عليها إلا أن يكون في ذلك يمين فليزمه اليمين كذا في المسوى. أقول: الوفاء بمطلق الشروط مشروع قال تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا" وهو حديث حسن ولكن هذا المخصص المتصل أعني قوله "إلا شرطا" الخ يدل على أن ما كان من الشروط بهذه الصفة لا يجب الوفاء به وكما يخصص عموم أول الحديث كذلك يخصص عموم الآية ويؤيد هذا المخصص الحديث المتفق عليه بلفظ "كل شرط ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله فهو باطل" ولا يعارض هذا حديث "أحق الشروط" الخ وهو متفق عليه ووجه عدم المعارضة أن عموم هذا الحديث مخصص بما قبله من الحديثين الدالين على أن الشروط التي تحلل الحرام أو تحرم الحلال مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله لا يجب الوفاء بها
стр. 318
سواء كانت في نكاح أو غيره لا كما قاله الجلال في ضوء النهار "إلا أن يحل حراما أو يحرم حلالا" فلا يحل الوفاء به كما ورد بذلك الدليل وقد ثبت النهي عن اشتراط أمور كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما "أن النبي ﷺ نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أويبيع على بيعة أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفىء ما في صحفتها أو إنائها فإنما رزقها على الله" وأخرج أحمد من حديث عبد الله بن عمر "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا يحل أن ينكح امرأة بطلاق أخرى" "ويحرم على الرجل أن ينكح زانية أو مشركة" لقوله تعالى ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولما أخرجه أحمد بإسناد رجاله ثقات والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عبد الله بن عمرو "أن رجلا من المسلمين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه فقرأ عليه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ وأخرج أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه من حديث ابن عمر "أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة وكان بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقته قال فجئت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله أنكح عناقا قال فسكت عني فنزلت الآية ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فدعاني فقرأها علي وقال لا تنكحها "وأخرج أحمد وأبو داود بإسناد رجاله ثقات من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله" قال ابن القيم أخذ بهذه الفتاوى التي لا معارض لها الإمام أحمد ومن وافقه وهي من محاسن مذهبه فإنه لم يجوز أن ينكح الرجل زوجا تحبه ويعضد مذهبه بضعة وعشرون دليلا قد ذكرناها في موضع آخر انتهى وأخرج ابن ماجة والترمذي وصححه من حديث عمرو بن الأحوص "أنه شهد حجة الوداع مع النبي الله تعالى عليه وآله وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: "استوصوا في النساء خيرا فإنما هن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن
стр. 319
سبيلا" وأخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس قال: غربها قال: أخاف أن تتبعها نفسي قال فاستمتع بها" قال المنذري ورجال إسناده محتج بهم في الصحيحين قال ابن القيم عورض بهذا الحديث المتشابه الأحاديث المحكمة الصريحة في المنع من تزوج١ البغايا واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه فقالت طائفة المراد باللامس ملتمس الصدقة لا ملتمس الفاحشة وقالت طائفة بل هذا في الدوام غير مؤثر وإنما المانع ورود العقد على الزانية فهذا هو الحرام وقالت طائفة بل هذا من التزام أخف المفسدتين لدفع أعلاهما فإنه لما أمر بمفارقتها خاف أن لا يصبر عنها فيواقعها حراما فأمره حينئذ بإمساكها إذ مواقعتها بعقد النكاح أقل فسادا من مواقعتها بالسفاح وقالت طائفة بل الحديث ضعيف لا يثبت وقالت طائفة ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية وإنما فيه أنها لا تمنع ممن يمسها أو يضع يده عليها أو نحو ذلك فهي تعطي الليان لذلك ولا يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها الداعي إلى الفاحشة فأمره بفراقها تركا لما يريبه إلى ما لا يريبه فلما أخبره بأن نفسه تتبعها وأنه لا صبر له عنها رأى مصلحة إمساكها أرجح المسالك والله تعالى أعلم انتهى. في المسوى أقول: الظاهر عندي أن مبنى اختلافهم هذا اختلافهم في مرجع "ذلك "في قوله "حرم ذلك" فقال أحمد مرجعه نكاح الزانية والمشركة وقال غيره مرجعه الزنا والشرك والمراد على هذا أن العادة قاضية بأن الزانية لا يرغب فيها إلا زان أو مشرك والزنا والشرك حرام على المؤمنين فنكاحها لا يليق بحال المؤمنين ولا يقولون إن الحديث ناسخ بل يقولون إنه مبين لتأويل الآية ومع ذلك فلا يخلو عن بعد في الكافي مذهب أحمد الزانية يحرم نكاحها كالمعتدة وأما غير أحمد فقولهم جواز نكاح الفاجرة وإن كان الاختيار غير ذلك لحديث "لا ترد يد لامس" قال الواحدي: عن أبي عبيد مذهب مجاهد أن التحريم لم يكن إلا على جماعة خاصة من فقراء المهاجرين أرادوا نكاح البغايا لينفقن عليهم ومذهب سعد أن التحريم كان عاما ثم نسخته الرخصة وأورد أبو عبيد على هذا الحديث أنه خلاف الكتاب
стр. 320
والسنة المشهورة لأن الله تعالى إنما أذن في نكاح المحصنات خاصة ثم أنزل في القاذف آية اللعان وسن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم التفريق بينهما فلا يجتمعان أبدا فكيف يأمر بالإقامة على عاهرة لا تمتنع ممن أرادها والحديث مرسل فإن ثبت فتأويله أن الرجل وصف امرأته بالخرق وضعف الرأي وتضييع ماله فهي لا تمنعه من طالب ولا تحفظه من سارق وهذا أشبه بالنبي ﷺ وأحرى بحديثه. أقول في الاستدلال بحديث لا ترد يد لامس نظر من وجهين: أحدهما: أن هذا ليس رميا لها بالزنا البتة بل رمي بقلة الاحتياط في أمر الملامسة فيحتمل حينئذ أن لا تتورع من اللمس الحرام وتتورع من حقيقة الزنا المفضي إلى الحد والمقتضي للحبل الموجب للفضيحة الشديدة وكم من امرأة لا تتورع من النظر واللمس المحرمين وتتورع من موجب الحد وسبب الحبل خوفا من الفضيحة فلما لم يصرح بالزنا لم يوجب النبي ﷺ عليه الفراق١ وثانيهما: أن حالة الابتداء تفارق حالة البقاء في أكثر المسائل كالمحرم لا يبتدىء بالنكاح في حالة إحرامه ولا يضره البقاء فإذا جوز النبي ﷺ إمساكها في حالة بقاء النكاح من أين لكم أنه يجوز ابتداء النكاح انتهى. والعكس وإنما قال بالعكس لأن هذا الحكم لا يختص بالرجل دون المرأة كما تفيد ذلك الآية الكريمة ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ . أقول: هذا هو الظاهر من الآية الكريمة ودعوى أن سبب نزول الآية فيمن سأله ﷺ أنه يريد أن ينكح عناقا وكانت مشركة مدفوعة بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لا سيما والآية الكريمة قد تضمنت نكاح الزانية على حدة ونكاح المشركة على حدة وأما حديث "إن امرأتي لا ترد يد لامس" فالظاهر أنه كناية عن كونها زانية لا كما قال المقبلي إن المراد أنها ليست نفورا من الريبة لا أنها زانية ثم استبعد أن يقول له ﷺ "استمتع بها" وقد عرف أنها زانية وأن ذلك مناف لأخلاقه الشريفة٢ وأقول: هذا التأويل خلاف الظاهر والاستبعاد لا يجوز إثبات الأحكام الشرعية