← Фикх общий

Фикх общий · id 7444

الروضة الندية شرح الدرر البهية ط المعرفة

صديق حسن خان

Полный текст (711 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

من إمارة عمر الثلاث واحدة فلما كان في عهد عمر تتابع الناس فأجازه عليهم"انتهى وكل رجال إسناده أئمة وله ألفاظ وأسانيد وفي لفظ "أن أبا الصهباء قال له ألم تعلم أن الثلاث كانت واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر قال نعم"ولم يأت من حاول التخلص عنه بحجة تنفق والتمسك بما في بعض الروايات من تقييد ذلك بالطلاق قبل الدخول لا وجه له فإن الطلاق لا يتفاوت الحال فيه قبل الدخول وبعده وإذا ثبت الحكم في أحدهما ثبت في الآخر ومن ادعى الفرق فعليه إيضاحه وفي حديث محمود بن لبيد "أن رسول الله ﷺ أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاثا جمعا فقام غضبان فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل فقال: يارسول الله ألا أقتله"وقد أخرجه النسائي بإسناد صحيح وروى البيهقي عن ابن عباس "أن ركانة طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله ﷺ كيف طلقتها؟ فقال: طلقتها ثلاثا فقال: في مجلس واحد قال: نعم قال: إنما تلك واحدة إن شئت فراجعها" وأخرج نحوه عبد الرزاق وأبو داود من حديثه وهذا خلاصة الحجج في هذه المسألة١ وهي طويلة الذيول كثيرة النقول متشعبة

стр. 352

الأطراف قديمة الخلاف والإحاطة بجميع ما فيها من الأقوال وأدلتها وتصحيحها يحتمل مصنفا مستقلا وقد جمع في ذلك شيخنا العلامة الشوكاني رسالة بسط فيها بعض البسط وقد امتُحن بهذه المسألة جماعة من العلماء منه شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة ممن بعده والحق بأيديهم ولكن لما كان مذهب الأربعة الأئمة أن الطلاق يتبع الطلاق كان المخالف لذلك عند عامة أتباعهم وكثير من خاصتهم كالمخالف للإجماع وقد ظهر مما سقناه ههنا من الأدلة والنقول أن الطلاق ثلاثا بلفظ واحد أو ألفاظ في مجلس واحد من دون تخلل رجعة يقع واحدة وإن كان بدعيا فتكون هذه الصورة من صور الطلاق البدعي واقعة مع إثم الفاعل دون سائر صور البدعي فلا يقع الطلاق فيها لما قدمنا تحقيقه وأطال ابن القيم في تخريج أحاديث الباب والكلام عليها وأثبته بالكتاب والسنة واللغة والعرف وعمل أكثر الصحابة ثم قال بعد ذلك فهذا كتاب الله تعالى وهذه سنة رسول الله ﷺ وهذه لغة العرب وهذا عرف التخاطب وهذا خليفة رسول الله ﷺ والصحابة كلهم معه في عصره وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب فلو عدهم العاد بأسمائهم واحدا واحدا أنهم١ كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها ولو فرض منهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرا للفتوى به بل كانوا ما بين مفت ومقر بفتيا وساكت غير منكر هذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر وهم يزيدون على الألف قطعا كما ذكر يونس بن بكير عن أبي اسحق فكل صحابي كان على أن الثلاث واحدة بفتوى أو إقرار أو سكوت ولقد ادعى بعض أهل العلم إن هذا

стр. 353

إجماع قديم ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه بل لم يزل فيهم من يفت به قرنا بعد قرن وإلى يومنا هذا فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف حكاه عنهما ابن وضاح وأما التابعون فأفتى به عكرمة وطاوس وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن اسحق وحلاس بن عمرو والحارث العكلي وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه وأفتى به بعض أصحاب مالك وأفتى به بعض الحنفية وأفتى به بعض أصحاب أحمد والمقصود أن هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم ولم يأت بعده إجماع يبطله ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أن الناس استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه والذي ندين الله تعالى به ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول الله ﷺ ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان انتهى حاصله وتمام هذا البحث في إعلام الموقعين وإغاثة اللهفان للحافظ ابن القيم وفي رسالة مستقلة للماتن وفي كتابنا مسك الختام فليرجع الطالب إليها إن أراد التفصيل والتحقيق وبالله التوفيق وأما التفريق بين المعسر وبين امرأته فأقول: إذا كانت المرأة مثلا جائعة أو عارية في الحالة الراهنة فهي في ضرار والله تعالى يقول ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ﴾ وهي أيضا غير معاشرة بالمعروف والله يقول ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهي أيضا غير ممسكة بمعروف والله يقول ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ بل هي ممسكة ضرارا والله يقول ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً﴾ والنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول "لا ضرر ولا ضرار" وقد ثبت في الفسخ بعدم النفقة ما أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعا قال: قال رسول الله ﷺ : "في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما" وأخرجه الشافعي وعبد الرزاق عن سعيد ابن المسيب وقد سأله سائل عن ذلك فقال: يفرق بينهما فقيل له سنة فقال نعم سنة.

стр. 354

وما زعمه ابن القطان من توهيم الدارقطني فليس بظاهر ثم من أعظم ما يدل على جواز الفسخ بعد النفقة أن الله سبحانه قد شرع الحكمين بين الزوجين عند الشقاق وجعل إليهما الحكم بينهما ومن أعظم الشقاق أن يكون الخصام بينهما في النفقة وإذا لم يمكنهما دفع الضرر عنها إلا بالتفريق كان ذلك إليهما وإذا جاز ذلك منهما فجوازه من القاضي أولى فإن قلت: تجويزك الفسخ للنفقة بتلك الأدلة العامة يستلزم جوازه من القاضي أولى فإن قلت: تجويزك التضرر بها على أحد الزوجين قلت: النفقة وتوابعهما واجبة للزوجة على زوجها وليس ما يفوت بسبب تلك العيوب بواجب لها عليه ثم التضرر بترك النفقة وتوابعها لا يعادله شئ وإذا كان العيب في الزوجة كالجنون والجذام والبرص فقد فات الزوج شئ واجب له لكن قد جعل الله بيده الطلاق ثم قد ورد في خصوص الفسخ بعدم النفقة ما قدمنا ذكره * وأما التفريق بين المفقود وبين امرأته فأقول: قد تشعبت المذاهب في هذه المسألة إلى شعب ليس عليه أثارة من علم لا سيما التحديدات بمقادير معلومة من الأوقات منها ماهو رجوع إلى مذاهب الطبائعية كقول من قال: إنه يُنتظر المفقود حتى يمضي له من يوم ولادته مائة وعشرون سنة لأن كل طبيعة من الطبائع الأربع إذا لم يعرض لها ما يفسدها تغلب على الإنسان ثلاثين سنة فتحصل من مجموع الأربع الطبائع مائة وعشرون سنة وهذا مذهب كفري وكلام بمعزل عن الشريعة١ قال الماتن في حاشية الشفاء: وقد رأينا في عمرنا من عاش مائة وسبعا وعشرين سنة ونصف سنة ورأيناه وهو في هذا السن في كمال من حواسه وجوارحه بحيث إنه لم يفقد منها شيئا وهو يذهب ويجيء ويحضر المساجد وغاب عنا بعد ذلك فالله أعلم بعد هذه المدة انتهى. أقول: وقد رأينا من عاش فوق المائة إلى عشرين سنة أو أكثر من ذلك وهم كثيرون وسمعنا بمن عاش فوق المائة إلى أربعين سنة بل أزيد من ذلك وهم قليلون والقدرة الإلهية صالحة للكل

стр. 355

وبالجملة فمن العلماء من قال: مائة وخمسون ومنهم من قال: مائتان ومنهم من قال: أربع سنين ومنهم من قال: زيادة على ذلك ومنهم من فرق بين من كان له أهل ومال ومن لم يكن له أهل ومال والكل محض رأي وعندي أن تحريم نكاح المحصنة ورد به النص القرآني وأجمع عليه جميع المسلمين بل هو معلوم من ضرورة الدين وامرأة المفقود محصنة فالأصل الأصيل تحريم نكاحها وإذا لم يكن لها ما تستنفقه وكان إمساكها حينئذ وإلزامها على استمرار نكاح الغائب فيه إضرار بها كان ذلك وجها للفسخ وهكذا إذا طالت مدة الغيبة وكانت المرأة تتضرر بترك النكاح فالفسخ لذلك جائز وإذا جاز الفسخ للعنة فجوازه للغيبة الطويلة أولى لأنه قد عُلم من نصوص الكتاب والسنة تحريم الإمساك ضرارا والنهي للأزواج عن الضرار في غير موضع فوجب دفع الضرار عن الزوجة بكل ممكن وإذا لم يكن إلا بالفسخ جاز ذلك بل وجب١ وأما عدم وقوع طلاق المكره فدليله حديث "لا طلاق في إغلاق" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي والحاكم وصححه من حديث عائشة وضعفه أبو حاتم بمحمد بن عبيد الله بن أبي صالح ورُد عليه بأنه قد أخرجه البيهقي من طريق غيره والإغلاق عند علماء اللغة الإكراه كما في النهاية وغيرها وأما عدم صحة الطلاق قبل أن ينكحها فالأحاديث الواردة في هذا الكتاب لا تخلو عن مقال لكن لها طرق عدة عن جماعة من الصحابة وهي لا تقصر عن بلوغ رتبة الحسن لغيره فالعمل بها متحتم ولم يأت من خالفها بشئ إلا مجرد رأي محض ثم إن السيد لا يطلق عند عبده بل الطلاق إلى العبد وذلك هو الأصل في الشريعة المطهرة فمن زعم أنه يصح طلاق غير زوج فعليه الدليل

стр. 356

"فصل ويقع بالكناية مع النيّة" لحديث عائشة عند البخاري وغيره "إن ابنة الجون لما أُدخلت علي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك فقال لها: لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك" وفي الصحيحين وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك لما قيل له "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقال: أطلقها أم ماذ أفعل؟ قال: بل اعتزلها فلا تقربنها فقال لامرأته: الحقي بأهلك"فأفاد الحديثان أن هذه اللفظة تكون طلاقا مع القصد ولا تكون طلاقا مع عدمه ويقع الطلاق بالتخيير إذا اختارت الفرقة لقوله تعالي ﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ الآية وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ دعا نساءه لما نزلت الآية فخيرهن وثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة قالت: "خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه فلم يعدها شيئا"وفي المسألة خلاف وهذا هو الحق وبه قال الجمهور وإذا جعله الزوج إلى غيره وقع منه لأنه توكيل بالإيقاع وقد تقرر جواز التوكيل من غير فرق بين الطلاق وغيره فلا يخرج من ذلك إلا ما خصه دليل وقد سئل أبو هريرة وابن عباس وعمرو بن العاص عن رجل جعل أمر امرأته بيد أبيه فأجازوا طلاقه كما أخرجه أبو بكر البرقاني في كتابه المخرج على الصحيحين "ولا يقع بالتحريم"لما في الصحيحين عن ابن عباس قال "إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وأخرج عنه النسائي "أنه قال أتاه رجل فقال إني جعلت امرأتي علي حراما فقال: " كذبت ليست عليك بحرام" ثم تلا هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ عليك أغلظ الكفارة عتق رقبة"وأخرج النسائي أيضا بإسناد صحيح عن أنس "أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية"وفي الباب روايات عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكر وفي هذه المسألة مذاهب قد ذكر الحافظ ابن القيم منها ثلاثة عشر مذهب وقال: إنها تزيد على عشرين مذهبا والذي أرجحه منها هو أن التحريم

стр. 357

ليس من صرائح الطلاق ولا من كناياته بل هو يمين من الأيمان كما سماه الله في كتابه فقال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ فهذه الآية مصرحة بأن التحريم يمين والسبب وإن كان خاصا وهو العسل الذي حرمه على نفسه أو الأمة التي كان يطؤها فلا اعتبار بخصوص السبب فإن لفظ ما أحل الله لك عام وعلى فرض عدم العموم فلا فرق بين الأعيان التي هي حلال وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: "إلى رسول الله ﷺ من نسائه فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين كفارة"أي جعل الشئ الذي حرمه حلالا بعد تحريمه وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: "إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ "وفي الباب عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكرناه وبالجملة الحق ما ذكرناه وقد ذهب إليه جماعة من الصحابة ومن بعدهم وجميع أهل الظاهر وأكثر أصحابه الحديث وهذا إذا أراد تحريم العين وأما إذا أراد الطلاق بلفظ التحريم غير قاصد لمعنى اللفظ بل قصد التسريح فلا مانع من وقوع الطلاق بهذه الكناية كسائر الكنايات والرجل أحق بامرأته في عدة طلاقه يراجعها متى شاء إذا كان الطلاق رجعيا"لحديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية قال: وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك الطلاق مرتان"وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: "كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا راجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته والله لا أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبدا وقالت: وكيف ذلك قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت حتى جاء النبي ﷺ فأخبرته فسكت النبي ﷺ حتى نزل القرآن ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق ومن لم يكن طلق"وأخرج أبو داود وابن ماجه والبيهقي والطبراني عن عمران بن حصين "أنه سأل عن الرجل

стр. 358

يطلق امرأته يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" ولا تحل له بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ولما في الصحيحين وغيرهما من قوله ﷺ لامرأة رفاعة القرظي "لا حتى تذوقي عسيلته ويذون عسيلتك" وهو مجمع على ذلك

стр. 359

" باب الخلع " وفيه شناعة ما لأن الذي أعطاه من المال قد وقع في مقابلة المسيس وهو قوله تعالى ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ واعتبر النبي ﷺ هذا المعنى في اللعان حيث قال: "إن صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها" ومع ذلك فربما تقع الحاجة إلى ذلك فذلك قوله تعالى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ قلت: دلت الآية الأولى على النهي عن الخلع والثانية على جوازه فتكلم الفقهاء في ترتيبهما قال البغوي وغيره إذا آذاها بمنع بعض حقوقها حتى ضجرت فاختلعت نفسها فهذا الفعل منه حرام ولكن الخلع نافد لأن الله تعالى قال في صورة النهي ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ والعضل التضييق والمنع وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ وهذا إشارة طموح بصره إلى غيرها من غير أن يرى منها التقصير والخلع المباح بلا كراهية أن تكره المرأة صحبة الزوج ولا يمكنها القيام بأداء حقوقه فتخرج فتخلع نفسها لقوله تعالى ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ ولتقريره ﷺ حبيبة بنت سهل على الخلع حين ذكرت الشقاق ولو اختلعت نفسها بلا سبب فجائز مع الكراهة لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يفتشوا عن سبب الاختلاع من جانبها وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق" أقول: في قولهم هذا الفعل منه حرام ولكن الخلع نافذ نظرا لأن قوله تعالي: ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ وقوله: لا يحل لكم نصان في تحريم أخذ البدل وهو يقتضي بطلان العقد كما في كثير من مسائل البيوع فإما أن يكون العقد باطلا من أصله أو

стр. 360

مضي الطلاق ويرد عليها ما لها كما قال مالك والله تعالى أعلم. واتفق أهل العلم على أنه إن طلقها على مال فقبلت فهو طلاق بائن واختلفوا في الخلع فقال أبو حنيفة: تطليقة بائنة وهو أصح قولي الشافعي وله قول أنه فسخ وليس بطلاق ولا ينقص به العدد كذا في المسوى "وإذا خالع الرجل امرأته كان أمرها إليها"بعد الخلع لا ترجع إليه بمجرد الرجعة ويجوز بالقليل والكثير ما لم يجاوز ما صار إليها منه لحديث ابن عباس عند البخاري وغيره"أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يارسول الله إني ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله ﷺ : أتردين عليه حديقته قالت: نعم فقال رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها" وفي رواية لابن ماجه والنسائي بإسناد رجاله ثقات "أنها قالت: لا أطيقه بغضا فقال النبي ﷺ : أتردين عليه حديقته قالت: نعم فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ الحديقة ولا يزداد"وفي رواية للدارقطني بإسناد صحيح "أن أبا الزبير قال إنه كان أصدقها حديقة فقال النبي ﷺ : أتردين عليه حديقته التي أعطاك قالت: نعم وزيادة فقال النبي ﷺ : أما الزيادة فلا ولكن حديقته قال: نعم"فهذه الفرقة إنما كانت بسبب ماافتدت به المرأة فلو لم يكن أمرها إليها كانت الفدية ضائعة وقد أفاد ما ذكرناه أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما صار إليها منه وقد ذهب إلى هذا علي وطاوس وعطاء والزهري وأبو حنيفة وأحمد واسحق وذهب الجمهور إلى أنه يجوز أن يأخذ منها زيادة على ما أخذت منه استدلالا بقوله تعالى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فإنه عام للقليل والكثير ويجاب بأن الروايات المتضمنة للنهي عن الزيادة مخصصة لذلك كحديث "أما الزيادة فلا" صححه الدارقطني فصلح لتخصيص ذلك العموم كما هو الحق عند الماتن ﵀ من جواز تخصيص عموم القرآن بالآحاد ومذاهب الصحابة فمن بعدهم في هذا مختلفة مبسوطة في المطولات وأما ما أخرجه البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: "كانت أختي تحت رجل من الأنصار فارتفعا إلى رسول الله ﷺ فقال لها: أتردين حديقته قالت: وأزيد عليها فردت عليه حديقته وزادته"ففي إسناده ضعف مع أنه لا حجة فيه لأنه لم يقررها على تسليم الزيادة وأيضا قوله تعالى: ﴿وَلا

стр. 361

يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ يدل على منع الأخذ مما آتوهن إلا مع ذلك الأمر فلا بأس بأن يأخذوا مما آتوهن لا كله فضلا عن زيادة عليه "ولا بد من التراضي بين الزوجين على الخلع أو إلزام الحاكم مع الشقاق بينهما"لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ﴾ وأما اعتبار إلزام الحاكم فلارتفاع ثابت وامرأته إلى النبي ﷺ وإلزامه بأن يقبل الحديقة ويطلق ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ وهذه الآية كما تدل على بعث حكمين تدل على اعتبار الشقاق في الخلع ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ويدل عليه قصة امرأة ثابت المذكورة وقولها أكره الكفر بعد الإسلام وقولها لا أطيقه بغضا فلهذا اعتبرنا الشقاق في الخلع وهو فسخ وليس بطلاق ولكن قال الماتن ﵀ في حاشية الشفاء بخلاف ما قال ههنا ورجح أن الخلع طلاق وليس بفسخ وقال هذا هو الحق لأن الله سبحانه ذكر أحكام الخلع بعد قوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ والضمائر من آيات الاختلاع راجعة إلى ذلك كقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقد سماه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طلاقا كما في صحيح البخاري وغيره فإنه قال لثابت بن قيس "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" ولا يعارضه ما روي في سنن النسائي "أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمرها أن تعتد بحيضة"وكذلك في سنن أبي داود لأنه ملازمة بين الاعتداد بحيضة وبين الفسخ بل إذا ورد في بعض المطلقات ما يدل على مخالفة عدتها لعدة سائر المطلقات المصرح بها في القرآن كان ذلك مخصصا لعموم العدة وقد أطال ابن القيم الكلام على ذلك ورجح أن الخلع فسخ ولم يأت ببرهان يشفي سوى ما ذكرنا من أمره ﵌ لها أن تعتد بحيضة وهو في غير محل النزاع كما عرفت انتهى. ثم رجح في فتاواه المسماة بالفتح الرباني كون الخلع فسخا وقال: الظاهر أنه فسخ لا طلاق وهو قول جماعة من العلماء منهم ابن عباس رواه عنه ابن عبد البر في التمهيد وكذلك رواه عن أحمد واسحق وداود وهو قول الصادق والباقر وأحد قولي الشافعي ومن قال بذلك لم يشترط فيه أن يكون للسنة وأجازه في الحيض وأوقعه وإن

стр. 362

كان لا يرى وقوع الطلاق البدعي واحتجوا لذلك بقول الله تعالى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم ذكر الافتداء ثم عقبه بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ فلو كان الاقتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل له إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع وبحديث الربيع "أنها اختلعت على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فأمرها النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة"أخرجه الترمذي وبحديث ابن عباس الآتي في قصة امرأة ثابت بن قيس قال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: بحثت عن رجال الحديثين معا فوجدتهم ثقات ولحديث رواه مالك عن حبيبة بنت سهل الأنصاري"أنها قالت للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يارسول الله كل ما أعطاني عندي فقال النبي ﷺ لثابت: خذ منها فأخذ وجلست في أهلها قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في هذا الحديث وهو حديث مسند صحيح ووجه دلالته أنه لم يذكر فيه طلاقا ولا زاد على الفرقة ويدل على ذلك من النظر أنه لا يجعله طلاقا بائنا ولا رجعيا أما الأول فلأنه خلاف الظاهر لأنها تطليقة واحدة وأما الثاني فلأنه إهدار لمال المرأة الذي دفعته لحصول الفرقة ولا يرد على هذا أعني الاكتفاء في العدة بحيضة قول الله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لأن الخلع عندهم فسخ لا طلاق فلا يندرج تحت عمومه سلمنا فالآية في الطلاق الرجعي بدليل آخرها وهو قوله تعالى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ سلمنا فالآية عامة وأدلتنا خاصة وذهب الجمهور إلى أنه طلاق مستدلين بحديث ابن عباس عند البخاري وأبي داود بلفظ "طلقها تطليقة" قلنا ثبت من حديث المرأة نفسها عند الموطإ وأبي داود والنسائي بلفظ "وخل سبيلها" وعند أبي داود من حديث عائشة بلفظ "وصاحب القصة أخص بها" قال ابن القيم ﵀: لا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة وقال الخطابي في معالم السنن: إنه احتج ابن عباس على أنه ليس بطلاق بقوله تعالى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ انتهى ومخالفة الراوي لما روى دليل على علمه بناسخ لوجوب حمله على السلامة قال الترمذي: قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إن عدة المختلعة عدة الطلاق قلت: قد عرفت أن ابن القيم قال إنه لم يصح عن صحابي وعرفت الأدلة الدالة على أن العدة بحيضة ولاحجة في أحد غير الشارع قال العلامة محمد بن إبراهيم

стр. 363

الوزير: وقد استدل الزيدية في أنه طلاق بثلاثة أحاديث وأجاب عنها بوجوه حاصلها أنها مقطوعة الأسانيد وأنها معارضة بما هو أرجح وأن أهل الصحاح لم يذكروها واختلف العلماء أيضا في شروط الخلع فالزيدية جعلوا منها النشوز وهو قول داود الظاهري والجمهور على أنه ليس بشرط وهو الحق لأن المرأة اشترت الطلاق بمالها ولذلك لم تحل فيه الرجعة على القول بأنه طلاق قال العلامة ابن الوزير: ثم تأملت فإذا الأمر المشترط فيه خوف أن لا يقيما حدود الله هو طيب المال للزوج لا الخلع لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ولم يقل في الخلع يوضحه أنه لوضارها حرم عليه لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ انتهى ثم قال في السيل الجرار بعد ذكر أدلة الفريقين الدالة على أن الخلع طلاق أو فسخ ما نصه: فهذه الأحاديث تدل على أنه فسخ لا طلاق قال: والذي ينبغي الجمع به هو أن عدة الخلع حيضة لا غير وليس الغير سواء كان بلفظ الطلاق أو بغيره مما يشعر بتخلية السبيل أو بتركها وشأنها من دون أن يجري منه لفظ قط قد يكون الوارد في هذا الطلاق الكائن في الخلع مخصصا لما ورد في عدة المطلقة فتكون عدة الطلاق ثلاثة قروء إلا إذا كان الطلاق مع الافتداء فإنه حيضة واحدة ولا تحسب عليه طلقة إلا إذا جاء بلفظ الطلاق أو بما يدل عليه لا إذا لم يقع منه لفظ البتة بل تركها وشأنها فإن هذا لا يحسب عليه طلاقا بهذا التقرير تجتمع الأدلة ويرتفع الإشكال على كل تقدير وأما كونه يمنع الرجعة فلما قدمنا أن الطلاق لا يتبع الطلاق انتهى. وعدته حيضة لحديث الربيع بنت معوذ عند النسائي في قصة امرأة ثابت "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له: خذ الذي لها عليك وخل سبيلها قال: نعم"فأمرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تعتد بحيضة واحدة وتلحق بأهلها"ورجال إسناده كلهم ثقات ولها حديث آخر عند الترمذي والنسائي وابن ماجه "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمرها أن تعتد بحيضة وفي إسناده محمد بن اسحق وقد صرح بالتحديث وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة"وأخرج الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح عن أبي الزبير وفيه فأخذها وخلى سبيلها

стр. 364

قال الدارقطني: سمعه أبو الزبير من غير واحد فهذه الأحاديث كما تدل على أن العدة في الخلع حيضة تدل على أنه فسخ لأن عدة الطلاق ثلاث حيض وأيضا تخلية السبيل هي الفسخ لا الطلاق وأما ما وقع في بعض روايات الحديث "أنه طلقها تطليقة" فقد أجيب عن ذلك بجوابات طويلة قد أودعها الماتن في شرح المنتقى فليرجع إليه قال ابن القيم: واختلف الناس في عدة المختلعة فذهب اسحق وأحمد في أصح الروايتين عنه دليلاً أنها تعتد بحيضة واحدة وهو مذهب عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وقد حكى إجماع الصحابة ولا يعلم لهما مخالف وقد دلت عليه سنة رسول الله ﷺ الصحيحة دلالة صريحة وعذر من خالفها أنها لم تبلغه أو لم تصح عنده أوظن الإجماع على خلاف موجبها فهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر أما رجحانه أثرا فإن النبي ﷺ لم يأمر المختلعة قط أن تعتد بثلاث حيض بل قد روى أهل السنن عنه من حديث الربيع بنت معوذ وحديث امرأة ثابت بن قيس المتقدمة وهذه الأحاديث لها طرق يصدق بعضها بعضا فيكفي في ذلك فتاوى رسول الله ﷺ قال أبو جعفر النحاس في كتاب الناسخ والمنسوخ هو إجماع من الصحابة انتهى حاصله

стр. 365

" باب الإيلاء " "هو أن يحلف الزوج من جميع نسائه أو بعضهن لا أقربهن"وهو ظاهر"فإن وقت بدون أربعة أشهر اعتزل حتى ينقضي ما وقت به"لما ثبت في الصحيحين وغيرهما "أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهرا ثم دخل بهن بعد ذلك"وإن وقت بأكثر منها خير بعد مضيها بين أن يفيء أو يطلق لقوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية وقد أخرج البخاري عن ابن عمر قال: "إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق"قال البخاري: ويذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ وأخرج الدارقطني عن سليمان ابن يسار قال: أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ كلهم يوقفون المولي وأخرج أيضا عن سهل بن أبي صالح عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ عن رجل

стр. 366

يولي قالوا: ليس عليه شئ حتى يمضي أربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق. قال في المسوى: اختلفوا فيما إذا انقضت أربعة أشهر وهو لم يفيء قال الشافعي: لا يقع الطلاق بمضيها بل يوقف فإما أن يفيء ويكفر عن يمينه أو يطلق فإن طلق فيها وإلا طلق عليه السلطان وقال أبو حنيفة: إذا مضت أربعة أشهر وقعت عليها طلقة بائنة وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن: يقع عليها طلقة رجعية انتهى. قال الماتن: وقد اختلف في مقدار مدة الإيلاء فذهب الجمهور إلى أنها أربعة أشهر فصاعدا قالوا: فإن حلف على أنقص لم يكن موليا واحتجوا بالآية وهي لا تدل على مطلوبهم لأنها لبيان المدة التي تضرب للمولى ليفئ بعدها أو يطلق وقد وقع منه ﷺ الإيلاء شهرا ودخل على نسائه بعده فلو كان الإيلاء دون أربعة أشهر جماعة من أهل العلم وهو الحق وأما لزوم الحد إذا نكلت فقد أوضح ابن القيم في الهدي هذا البحث بما لا مزيد عليه فليراجع فإنه لا يستغنى عنه قال في المسوى: إيلاء العبد نحو إيلاء الحر وهو عليه واجب وإيلاء العبد شهران قلت: وعليه مالك أن مدة الإيلاء تنتصف برق الرجل وقال أبو حنيفة: مدة الإيلاء تنتصف برق المرأة وقال الشافعي: الحر والعبد في مدة الإيلاء سواء انتهى

стр. 367

" باب الظِّهار " "وهو قول الزوج لامرأته أنت علي كظهر أمي أو ظاهرتك أو نحو ذلك فيجب عليه قبل أن يمسها أن يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد فليطعم ستين مسكينا فإن لم يجد فليصم شهرين متتابعين"وإنما جعلت كفارة هذه لأن من مقاصد الكفارة أن يكون بين عيني المكلف ما يكبحه عن الاقتحام في الفعل خشية أن يلزمه ذلك ولا يمكن ذلك إلا بكونها طاعة شاقة تغلب على النفس إما من جهة كونها بذل ما تشح به أو من جهة مقاساة جوع أو عطش مفرطين والدليل على ما اشتمل عليه هذا الباب من التكفير على هذا الترتيب ما في

стр. 368

القرآن الكريم ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقد بينه النبي ﵌ في قصة سلمة بن صخر لما ظاهر من امرأته ثم وطئها فقال له رسول الله ﷺ : "أعتق رقبة فقال: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها وضرب صفحة رقبته قال: فصم شهرين متتابعين قال: قلت يارسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم قال: فتصدق قال: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا ما لنا عشاء قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم منها وسقا من تمر ستين مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن خزيمة وابن الجارود وفي لفظ لأبي داود "فقال رسول الله ﷺ كله أنت وأهلك" وأخرج نحوه أهل السنن وصححه الترمذي من حديث ابن عباس وصححه أيضا الحاكم قال ابن حجر: رجاله ثقات لكن أعله أبو حاتم والنسائي بالإرسال وقال ابن حزم: رواته ثقات ولا يضره إرسال من أرسله وللحديثين شواهد وأخرج نحوه أبو داود وأحمد من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة وأخرج ابن ماجه نحوه من حديث عائشة وأخرجه الحاكم أيضا وقد قام الإجماع على أن الكفارة تجب بعد العود لقوله تعالى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ واختلف أهل العلم هل العلة في وجوبها العود أو الظهار واختلفوا أيضا هل المحرم الوطء فقط أم هو مع متقدماته فذهب الجمهور إلى الثاني لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وذهب البعض إلى الأول قالوا: لأن المسيس كناية عن الجماع واختلفوا في العود ما هو؟ فقال قتادة وسعيد بن جبير وأبو حنيفة وأصحابه: إنه إرادة المسيس لما حرم بالظهار لأنه إذا أراد فقد عاد من عزم الترك إلى عزم الفعل سواء فعل أم لا وقال الشافعي: بل هو إمساكها بعد الظهار وقتا يسع الطلاق ولم يطلق إذ تشبيهها بالأم يقتضي إبانتها وإمساكها نقيضه وقال مالك وأحمد: بل هو العزم على الوطء فقط وإن لم يطأ وقد وقع الخلاف أيضا إذا وطيء

стр. 369

المظاهر قبل التكفير فقيل: تجب عليه كفارتان وقيل: ثلاث وقيل: تسقط الكفارة وذهب الجمهور إلى أن الواجب كفارة واحدة وهو الحق كما تفيده الأدلة المذكورة واعلم أن الرقبة وإن كانت مطلقة في كفارة الظهار فقد ورد ما يدل على اعتبار كونها مؤمنة وليس ذلك الدال على اعتبار الإيمان هو ما وقع في القرآن في كفارة القتل لما تقرر في الأصول أن المختلفين سببا لا يصح تقييد أحدهما بالآخر بل الدال على ذلك هو سؤاله ﷺ لمن قال عليه رقبة عن إيمانها وقوله لها "أين الله؟ ومن أنا؟ " ثم قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي ولم يستفصله ﷺ عن وجوب تلك الرقبة عليه هل هو عن كفارة ظهار أو قتل أو يمين أو غير ذلك؟ وقد تقرر أن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم إذا كان في مقام الاحتمال١ ويجوز للإمام أن يعينه من صدقات المسلمين إذا كان فقيرا لا يقْدر على الصوم وله أن يصرف منها لنفسه وعياله وإذا كان الظهار مؤقتا فلا يرفعه إلا انقضاء الوقت لتقريره ﷺ سلمة بن صخر لما قال له إنه ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه ابن خزيمة وابن الجارود كما تقدم وظاهر القرآن أنه لا يوجب الكفارة إلا العود فالظهار المؤقت إذا انقضى وقته لم يكن إرادة الوطء عودا فلا تجب فيه كفارة وأما إذا كان الموجب للكفارة قول المنكر والزور فهي واجبة في مطلق ومؤقت لأنه قد وقع القول بمجرد إيقاع الظهار. "وإذا وطيء قبل انقضاء الوقت أو قبل التفكير كف حتى يكفر في المطلق أو ينقضي وقت المؤقت"لحديث ابن عباس "أن النبي ﷺ قال للمظاهر الذي وطيء امرأته: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله" أخرجه أهل السنن وصححه الترمذي والحاكم وظهار العبد نحو ظهار الحر وصيام العبد في الظهار شهران كالحر بالإتفاق

стр. 370

" باب اللعان " والأصل فيه أنه أيمان مؤكدة تبريء الزوج من حد القذف وتثبت اللوث عليها تحبس لأجله ويضيق عليها به فإن نكل ضرب الحد وأيمان مؤكدة منها تبرئها فإن نكلت ضربت الحد وبالجملة فلا أحسن فيما ليس فيه بينة وليس مما يهدر ولا يسمع من الإيمان المؤكدة "إذا رمى الرجل امرأته بالزن"احكم اللعان مذكور في الكتاب العزيز قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ واستفاض حديث عويمر العجلاني وهلال ابن أمية "ولم تقر بذلك ولا رجع عن رميه"لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يحث المتلاعنين على ذلك ففي الصحيحين وغيرهما "أنه وعظ الزوج وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ثم وعظ المرأة وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة "فإذا أقرت المرأة كان عليها حد الزاني المحصن إذا لم يكن هناك شبهة وإذا أقر الرجل بالكذب كان عليه حد القذف"لا عنها فيشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم تشهد المرأة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين"وقد نطق بذلك الكتاب العزيز والسنة المطهرة في ملاعنته صلى الله تعالى عليه وسلم بين عويمر العجلاني وامرأته وبين هلال بن أمية وامرأته "ويفرق الحاكم بينهما وتحرم عليه أبدا "لحديث سهل بن سعد عند أبي داود قال: "مضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا"وفي حديث ابن عباس عند الدارقطني "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا" وأخرج نحوه عنه أبو داود وفي الصحيحين وغيرهما "أن عويمرا طلق امرأته ثلاث تطليقات قبل أن يأمره صلى الله تعالى عليه

стр. 371

وآله وسلم قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين"ويلحق الولد بأمه فقط ومن رماها به فهو قاذف"لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه ومن رماها به جلد ثمانين"أخرجه أحمد وفي إسناده محمد بن اسحق وبقية رجاله ثقات ويؤيد هذا الحديث الأدلة الدالة على أن الولد للفراش ولا فراش هنا والأدلة الدالة على وجوب حد القذف والملاعنة داخلة في المحصنات لم يثبت عليها ما يخالف ذلك وهكذا من قذف ولدها فإنه كقذف أمه يجب الحد على القاذف

стр. 372

" باب العدة " وكانت من المشهورات المسلمة في الجاهلية وكانت مما يكادون يتركونه وكان فيها مصالح كثيرة فأقرها الشارع "هي للطلاق من الحامل بالوضع"لقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ومن الحائض بثلاث حيض لقول تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والقروء هي الحيض كما تقدم في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "دع الصلاة أيام أقرائك" والقرء وإن كان في الأصل مشتركا بين الأطهار والحيض لكنه هنا قد دل الدليل على أن المراد أحد معنيي المشترك وهو الحيض لقوله ﷺ : "تعتد بثلاث حيض" وقوله: "تجلس أيام أقرائها" وقوله: "وعدتها حيضتان" وسيأتي "ومن غيرهما"أي غير الحامل والحائض وهي الصغيرة والكبيرة التي لا حيض فيها أو التي انقطع حيضها بعد وجوده فإنها تعتد بثلاثة أشهر لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ الآية وقد وقع الخلاف في منقطعة الحيض لعارض فقيل إنها تتربص حتى يعود فتعتد بالحيض أو تيأس فتعتد بالأشهر والحق ما ذكرناه لأنه يصدق عليها عند الانقطاع أنها من اللائي لم يحض وللوفاة بأربعة أشهر وعشر لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ هذا في غير الحامل"وإن كانت حاملا فبالوضع"لقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وقد بين

стр. 373

ذلك النبي ﷺ أكمل بيان ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أم سلمة "أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها فتوفي عنها وهي حبلى فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت أن تنكحه فقال والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين فمكتث قريبا من عشر ليال ثم نفست ثم جاءت إلى النبي ﷺ فقال انكحي "وأخرج البخاري عن ابن مسعود في المتوفى عنها زوجها وهي حامل قال: "أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ "وقد أخرج أحمد والدارقطني عن أبي بن كعب ﵁ قال: "قلت يا رسول الله ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها قال: هي للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها"وأخرجه أبو يعلى والضياء في المختارة وابن مردويه وفي إسناده المثنى بن الصباح وثقه ابن معين وضعفه الجمهور وقد أخرج ابن ماجه عن الزبير بن العوام "أنها كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة فقالت له وهي حامل طيب نفسي بتطليقة فطلقها تطليقة ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد وضعت فقال ما لها قد خدعتني خدعها الله ثم أتي النبي ﷺ فقال سبق الكتاب أجله اخطبها إلى نفسها"ورجال إسناده رجال الصحيح إلا محمد بن عمر بن هياج وهو صدوق لا بأس به وقد تمسك بعض الصحابة بالآيتين فجعل عليها أطول الأجلين فقال: إذا وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر لم تنقص عدتها حتى تمضي أربعة أشهر وعشر وإذا انقضت الأربعة الأشهر وعشر ولم تضع لم تنقض العدة حتى تضع وبه قال جماعة من أهل العلم والحق أن عدة الحامل بالوضع في الطلاق والوفاة للأدلة التي ذكرناها وهي نصوص في محل النزاع ومبينة للمراد قال ابن القيم: وقد كان بين السلف نزاع في المتوفى عنها أنها تتربص أبعد الأجلين ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل كما دل عليه عموم القرآن والسنة الصحيحة واتفاق الناس انتهى "ولا عدة على غير مدخولة"لقوله تعالى في غير الممسوسات ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ "والأمة"أي

стр. 374

عدتها "كالحرة"لأن حديث عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" أخرجه الترمذي وأبو داود والبيهقي قال فيه أبو داود هو حديث مجهول وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث انتهى وأخرج ابن ماجه والدارقطني ومالك في الموطإ والشافعي من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان" وفي إسناده عمرو ابن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان وصحح الدارقطني أنه موقوف على ابن عمر وأخرج الدارقطني من حديث ابن مسعود وابن عباس الطلاق بالرجال والعدة بالنساء وقد أعل بالوقف وأخرج أحمد عن علي نحو ذلك وإذا كان الصحيح الوقف فيما عدا حديث عائشة فلم يكن في الباب ما تقوم به الحجة لأن حديث عائشة ضعيف كما عرفت فوجب الرجوع إلى أدلة الكتاب والسنة المشتملة على تفصيل العدد وهي غير مختصة بالحرائر "وعلى المعتدة للوفاة ترك التزين"لحديث أم سلمة في الصحيحين"أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة مسملة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلى على زوجها أربعة أشهر وعشرا" وفي الباب عن أم حبيبة وزينب بنت جحش في الصحيحين وغيرهما وفيهما أيضا من حديث أم سلمة "أن امرأة توفي زوجها فخشوا على عينها فأتوا رسول الله ﷺ فاستأذنوه في الكحل فقال: لاتكتحل كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها١ أو شر بيتها٢ فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة٣ فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشرا " وفي الصحيحين من حديث أم عطية قالت: "كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا نكتحل ولا نطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب٤ وقد

стр. 375

رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار"وفي الباب أحاديث وقد روي ما يعارض هذه الأحاديث فأخرج أحمد وابن حبان وصححه من حديث أسماء بنت عميس قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ لليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب قال: لا تحدي بعد يومك هذا" وهي كانت امرأته بالاتفاق وقد أجيب بأنه حديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة وقد وقع الإجماع على خلافه وقيل إنه منسوخ وقد أعله البيهقي بالانقطاع وهذه الأحاديث المؤقتة في الإحداد بأربعة أشهر وعشر هي في غير الحامل وأما هي فعليها ذلك حتى تنقضي عدتها بالوضع ثم الإحداد إنما يكون للموت لا لغيره لأنه التظهر بما يدل على الحزن والكآبة لمفارقة الزوج بالموت لا لمطلق المفارقة بالطلاق وغيره لأنه لم يرد فيه شئ ولا فعلته النساء في أيام النبوة والخلفاء الراشدين فمن ادعى وجوبه على غير المميتة فنحن نطالبه بالدليل "والمكث في البيت الذي كانت فيه عند موت زوجها أبو بلوغ خبره"لحديث فريعة بنت مالك عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم قالت: "خرج زوجي في طلب أعلاج١ له فأدركهم في طريق القدوم٢ فقتلوه فأتى نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة عن أهلي من دور أهلي ولم يدع نفقة ولا مالا ورثته وليس المسكن له فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني قال: تحولي فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي فدعيت فقال امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا"وفي بعض ألفاظه أنه أرسل إليها عثمان بعد ذلك فأخبرته فأخذ به وقد أعل هذا الحديث بما لا يقدح في الاحتجاج به وأخرج النسائي وأبو داود وعزاه المنذري إلى البخاري عن ابن عباس "في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نسخ ذلك بآية الميراث بما فرض الله تعالى لها من الربع والثمن ونسخ أجل الحول أن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا"

стр. 376

وقد ذهب إلى العمل بحديث فريعة جماعة من الصحابة فمن بعدهم وقد روي جواز الخروج للعذر عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم ولم يأت من أجاز ذلك بحجة تصلح لمعارضة حديث فريعة وغاية ما هناك روايات عن بعض الصحابة وليست بحجة ولا سيما إذا عارضت الموفوع وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن مجاهد مرسلا "أن رجالا استشهدوا بأحد فقال نساؤهم: يارسول الله إنا نستوحش في بيوتنا أفنبيت عند إحدانا فأذن لهن أن يتحدثن عند إحداهن فإذا كان وقت النوم تأوي كل واحدة إلى بيتها"وهذا مع إرساله لا تقوم به الحجة وأما أن لا تعتد بما مضى من الأيام قبل العلم وبعد الطلاق أو نحوه فلا وجه له لأن مشروعية العدة لم يشترطها الشارع بعلم المعتدة إنما ضرب للعدة مقادير كما في القرآن فإذا مضت تلك المقادير من يوم الطلاق أو الموت انقضت العدة ومن زعم أنه لا يحتسب بجميع العدة أو ببعضها قبل العلم فعليه الدليل لأنه يدعي إما فقد شرط أو وجود مانع وكلاهما خلاف الأصل ثم الفرق بين بعض المعتدات دون بعض في اعتبار العلم وعدمه كما وقع في كتب الفروع لا مستند له إلا خيالات مختلة "فصل"يجب استبراء الأمَة المسْبِيّة والمُشتراة ونحوهما بحيضه إن كانت حائضا والحامل بوضع الحمل لما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه من حديث أبي سعيد "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: في سبايا أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة" ولما أخرجه مسلم وغيره "أن النبي ﷺ هم أن يلعن الرجل الذي أراد وطء امرأة حامل من السبي لعنة تدخل معه قبره"وأخرج الترمذي من حديث العرباض بن سارية "أن رسول الله ﷺ حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن"وأخرج ابن أبي شيبة من حديث علي قال: "نهى رسول الله ﷺ أن توطأ حامل حتى تضع ولا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة"وفي إسناده ضعف وانقطاع وأخرج أحمد والطبراني قال: "قال رسول الله ﷺ : لا يقعن رجل على امرأة وحملها لغيره" وفي إسناده بقية والحجاج بن أرطاة وهما مدلسان وهو يشمل المسبية وغيرها كالمشتراة والموهوبة وكذلك حديث رويفع

стр. 377

بن ثابت عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره" أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن أبي شيبة والدارمي والطبراني والبيهقي والضياء المقدسي وابن حبان وصححه والبزار وحسنه وهو كما يتناول الحامل المشتراة ونحوها كذلك يتناول من يجوز حملها من الغير كائنا من كان لأن العلة كونه يسقي بمائه ولد غيره وأخرج الحاكم من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم وقال: لا تسق ماءك زرع غيرك" وأصله في النسائي وأخرج البخاري عن ابن عمر إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو أعتقت فلتستبرأ بحيضة ولا تستبرأ العذراء ويدل على استيراء المشتراة التي هي حامل أو مجوز حملها الأدلة الواردة في المسبية لأن العلة واحدة وأما العذراء والصغيرة فليستا ممن تصدق عليه تلك العلة وإن كان حمل العذراء البالغة ممكنا مع بقاء البكارة ولكنه في غاية الندرة فلا اعتبار به وأما ما أخرجه البخاري وغيره "أن النبي ﷺ بعث عليا إلى اليمن ليقبض الخمس فاصطفى علي منه سبية فأصبح وقد اغتسل ثم بلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينكره"بل قال في بعض الروايات "لنصيب علي أفضل من وصيفة" فيحمل على أنها كانت صغيرة أو بكرا جمعا بين الأدلة أو أنه قد كان مضى لها من وقت الصبا ما تبين به أنها غير حامل ومنقطعة الحيض تستبرأ حتى يتبين عدم حملها لأنه لا يمكن العلم بعدم الحمل إلا بذلك إذا لا حيض بل المفروض أنه منقطع لعارض أو أنها ضهيأ١ وأما من قد بلغت سن الإياس من الحيض فقد صار حملها مأيوسا كحيضها ولا اعتبار بالنادر "ولا تستبرأ بكر ولا صغيرة ولا يلزم"الاستبراء "على البائع ونحوه"لعدم الدليل على ذلك لا بنص ولا بقياس صحيح بل هو محض رأي

стр. 378

" باب النفقة " "تجب على الزوج للزوجة"لا أعرف في ذلك خلافا وقد أوجبها القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ وقد قرر دلالة هذه الآية على المطلوب

стр. 379

الموزعي في تفسيره والحديث إذنه ﷺ لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها أبي سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف وهو في الصحيحين وغيرهما ولقوله ﷺ لما سئل عن حق الزوجة على الزوج "أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت" وهو عند أهل السنن وغيرهم قال في المسوى: تجب نفقة الزوجة على الزوج موسرا كان أو معسرا قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قلت: قال الشافعي: أي لا يكثر من تعولون وفيه دليل على أن على الرجل نفقة امرأته وقد أنكر على الشافعي بعض أهل العربية هذا التفسير فأجاب البغوي بأن الكسائي قال: يقال عال الرجل يعول إذا كثر عياله واللغة الجيدة أعال وأجاب الزمخشري بأنه بيان حاصل المعنى وجهه أن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم كقولهم مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم ومن كثر عياله لزمه أن يعولهم وهذا مما اتفق عليه أهل العلم وقال ابن القيم: في حديث هند المتقدم تضمنت هذه الفتوى أمورا أحدها أن نفقة الزوجة غير مقدرة بل المعروف لنفي تقديرها وإن لم يكن تقديرها معروفا في زمن رسول الله ﷺ ولا الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم الثاني أن نفقة الزوجة من جنس نفقة الوالد كلاهما بالمعروف الثالث انفراد الأب بنفقة أولاده الرابع أن الزوج والأب إذا لم يبذل النفقة الواجبة عليه فللزوجة والأولاد أن يأخذوا قدر كفايتهم بالمعروف الخامس أن المرأة إذا قدرت على أخذ كفايتها من مال زوجها لم يكن لها إلى الفسخ سبيل السادس أن ما لم يقدره الله تعالى ورسوله من الحقوق الواجبة فالمرجع فيه إلى العرف السابع أن من منع الواجب عليه وكان سبب ثبوته ظاهرا فلمستحقه أن يأخذ بيده إذا قدر عليه كما أفتى به النبي ﷺ هذا انتهى حاصله. أقول: هذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص فنفقة زمن الخصب المعروف فيها غير المعروف في زمن الجدب ونفقة أهل البوادي المعروف فيها ما هو الغالب عندهم وهو غير المعروف من نفقة أهل المدن وكذلك المعروف من نفقة الأغنياء على اختلاف طبقاتهم غير المعروف من نفقة الفقراء والمعروف من نفقة أهل الرياسات والشرف غير المعروف من نفقة أهل الوضاعات فليس المعروف

стр. 380

المشار إليه في الحديث هو شئ متحد بل مختلف باختلاف الاعتبار وقد أوضحت المقام في كتابي دليل الطالب فليراجع. وقال الماتن ﵀ في الفتح الرباني في جواب سؤال في الفرض للزوجة ونحوها ما لفظه قد اختلفت المذاهب في تقديره النفقة بمقدار معين وعدم التقدير فذهب جماعة من أهل العلم وهم الجمهور إلى أنه لا تقدير للنفقة إلا بالكفاية وقد اختلفت الرواية عن الفقهاء فقال: الشافعي على المسكين والمتكسب مد وعلى الموسر مدان وعلى المتوسط مد ونصف وقال أبو حنيفة: على الموسر سبعة دراهم إلى ثمانية في الشهر وعلى المعسر أربعة دراهم إلى خمسة قال بعض أصحابه هذا التقدير في وقت رخص الطعام وأما في غيره فيعتبر بالكفاية انتهى. والحق ما ذهب إليه القائلون بعدم التقدير لاختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص فإنه لا ريب أن بعض الأزمنة قد يكون أدعى للطعام من بعض وكذلك الأمكنة فإن بعضها قد يعتاد أهله أن يأكلوا في اليوم مرتين وفي بعضها ثلاثا وفي بعضها أربعا وكذلك الأحوال فإنه حالة الجدب تكون مستدعية لمقدار من الطعام أكثر من المقدار الذي تستدعيه حالة الخصب وكذلك الأشخاص فإن بعضهم قد يأكل الصاع فما فوقه وبعضهم قد يأكل نصف صاع ويعضهم دون ذلك وهذا الاختلاف معلوم بالاستقراء التام ومع العلم بالاختلاف يكون التقدير على طريقة واحدة ظلما وحيفا ثم إنه لم يثبت في هذه الشريعة المطهرة التقدير بمقدار معين قط بل كان صلى الله تعالى عليه وسلم يحيل على الكفاية مقيدا لذلك بالمعروف كما في حديث عائشة عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وأحمد بن حنبل وغيرهم "أن هندا قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فهذا الحديث الصحيح فيه الإحالة على الكفاية مع التقييد بالمعروف والمراد به الشئ الذي يعرف وهو خلاف الشئ الذي ينكر وليس هذا المعروف الذي أرشد إليه الحديث شيئا معينا ولا المتعارف بين أهل جهة معينة بل هو في كل جهة باعتبار ما هو الغالب على أهلها المتعارف بينهم مثلا أهل صنعاء المتعارف بينهم الآن أنهم ينفقون على أنفسهم وأقاربهم الحنطة والشعير والذرة ويعتادون الإدام سمنا ولحما فلا يحل أن يجعل طعام

стр. 381

من تجب نفقته من طعام غير الثلاثة الأجناس المتقدمة كالعدس والفول ولا من الشعير والذرة فقط ولا بدون إدام ولا بإدام غير المعتاد كالزيت والتلبينة ونحو ذلك فإن ذلك جميعه وإن كان يصدق عليه لفظ الكفاية لكنه لا يصدق عليه معنى المعروف والعمل بالمطلق وإهمال قيده لا يحل وأما أهل البوادي المتصلة بصنعاء والقريبة منها بمقدار بريد ودونه وفوقه فالمعروف عندهم هو الكفاية من أي طعام كان من غير سمن ولا لحم إلا في أندر الأحوال بل يكتفون تارة بالتلبينة وتارة بما يقوم مقامها فالمتوجه شرعا على من وجبت عليه النفقة أن يدفع إلى من كان في مثل صنعاء ما هو المعروف لديهم مما قدمنا وإلى من كان في البوادي ما قدمنا مما هو المعروف لديهم ويعتبر في كل محل بعرف أهله ولا يحل العدول عنه إلا مع التراضي وكذلك الحاكم يجب عليه مراعاة المعروف بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص مع ملاحظة حال الزوج في اليسار والإعسار لأن الله تعالى يقول: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وإذا تقرر لك أن الحق عدم جواز تقدير الطعام بمقدار معين فكذلك لا يجوز تقدير الإدام بمقدار معين بل المعتبر الكفاية بالمعروف وقد حكى صاحب البحر أنه قد قدر في اليوم أوقيتان دهنا من الموسر ومن المعسر أوقية ومن المتوسط أوقية ونصف وفي شرح الإرشاد أنه يعتبر في الإدام تقدير القاضي باجتهاده عند التنازع فيقدر في المد من الإدام ما يكفيه ويقدر على الموسر ضعف ذلك وعلى المتوسط بينهما ويعتبر في اللحم عادة البلد للموسرين والمتوسطين كغيرهم قال الرافعي: وقد تغلب الفاكهة في أوقاتها فتجب ثم قال: وإنما يجب ما ذكر لزوجته إن لم تواكله حال كونها رشيدة فإن واكلته وهي رشيدة سقطت نفقتها ثم ذكر كلاما طويلا وأقول: المرجع ما هو معروف عند أهل البلد في الإدام جنسا ونوعا وقدرا وكذلك في الفاكهة لا يحل الإخلال بشئ مما يتعارفون به إن قدر من تجب عليه النفقة على ذلك وكذلك ما يعتاد من التوسعة في الأعياد ونحوها ويدخل في ذلك مثل القهوة والسليط. وبالجملة فقد أرشد الشارع إلى ماهو معروف من الكفاية وليس بعد هذا الكلام الجامع المفيد شئ من البيان وأما ما أجاب به عن الحديث بعض من لم يتمرن بعلم الأدلة ولم يتدرب بمسالك

стр. 382

الاجتهاد من أنه لم يكن منه ﷺ على طريقة الحكم بل على طريقة الإفتاء فهذه غفلة كبيرة وبعد عن الحقيقة لأنه ﷺ لا يفتي إلا بما هو حق وشرع وقد تقرر أن السنة أقواله وأفعاله وتقريراته لا مجرد أحكامه فقط التي تكون بعد الخصومة وحضور المتخاصمين ولو كانت السنة ليست إلا الأحكام الكائنة على تلك الصفة لم يبق منها حجة على العباد إلا أقل من عشر معشارها لأن صدور الحكم منه ﷺ على تلك الصفة إنما وقع في قضايا محصورة كقضية الحضرمي والزبير وعبد بن زمعة والمتلاعنين فإن قلت: ما وجه ما يفعله كثير من القضاة في هذه الأزمنة من تقدير النفقة بقدح من الطعام متنوعا قلت: هو من تقدير الكفاية بالمعروف لأن القدح يكفي غالب الأشخاص شهرا لا سيما في مثل صنعاء فيكون للشخص في كل يوم نصف صاع يأتي المجموع في ثلاثين يوما خمسة عشر صاعا وهي قدح ينقص صاعا فهذا فيه ملاحظة للمعروف باعتبار الغالب ولكن إذا انكشف أنه لا يكفي بأن يكون الشخص أكولا فلا يحل العمل بذلك الغالب لأنه فيه إهمالا لما أرشد إليه ﷺ وهذا ليس فيه كفاية فالحاصل أنه لا بد من ملاحظة أمرين أحدهما الكفاية والثاني كونها بالمعروف فإذا عُلم مقدار الكفاية كان المرجع في صفاتها إلى المعروف وهو الغالب في البلد وإذا لم يُعلم حال الشخص في مقدار ما يكفيه أو وقع الاختلاف بينه وبين من يجب عليه إنفاقه كان القول قول من يدعي ما هو المتعارف به مثلا: إذا قال من له النفقة لا يكفيه إلى قدحان وقال من عليه النفقة قد كان القول قول من عليه النفقة بكونه مدعيا لما هو الغالب في العادة وإذا تبين حال من له النفقة وجب الرجوع إلى ذلك لما عرفناك من أنه لا يحل الوقوف على مقدار معين على طريق القطع والبت ثم الظاهر من قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" أن ذلك غير متخص بمجرد الطعام والشراب بل يعم جميع ما يُحتاج إليه فيدخل تحته الفضلات التي قد صارت بالاستمرار عليها مألوفة بحيث يحصل التضرر بمفارقتها أو التضجر أو التكدر ويختلف ذلك بالأشخاص والأزمنة والأمكنة والأحوال ويدخل فيه الأدوية ونحوها وإليه يشير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإن هذا نص في نوع من أنواع النفقات أن الواجب على من عليه النفقة رزق من

стр. 383

عليه إنفاقه والرزق يشمل ما ذكرناه قال في الانتصار ومذهب الشافعي: لا تجب أجرة الحمام وثمن الأودية وأجرة الطبيب لأن ذلك يراد لحفظ البدن كما لا يجب على المستأجرة أجرة إصلاح ما انهدم من الدار وقال في الغيث: الحجة أن الدواء لحفظ الروح فأشبه النفقة انتهى قلت: هو الحق لدخوله تحت عموم قوله "ما يكفيك" وتحت قوله رزقهن فإن الصيغة الأولى عامة باعتبار لفظ ما والثانية عامة لأنها مصدر مضاف وهي من صيغ العموم واختصاصه ببعض المستحقين للنفقة لا يمنع من الإلحاق وبمجموع ما ذكرناه يتقرر لك أن الواجب على من عليه النفقة لمن له النفقة هو ما يكفيه بالمعروف وليس المراد تفويض أمر ذلك إلى من له النفقة وأنه يأخذ ذلك بنفسه حتى يرد ما أورده السائل من خشية السرف في بعض الأحوال بل المراد تسليم ما يكفي على وجه لا سرف فيه بعد تبين مقدار ما يكفي بإخبار المخبرين أو تجريب كما سبق وهو معنى قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "بالمعروف" أي لا بغير المعروف وهو السرف والتقتير نعم إذا كان الرجل لا يسلم ما يجب عليه من النفقة جاز لنا الإذن لمن له النفقة بأن يأخذ ما يكفيه إذا كان من أهل الرشد لا إذا كان من أهل السرف والتبذير فإنه لا يجوز لنا تمكينه من مال من عليه النفقة لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ بل ورد ما يدل على عدم جواز دفع أموال من لا رشد لهم إليهم كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ فجعل الرشد شرطا لدفع أموالهم فكيف يجوز دفع أموال غيرهم إليهم مع عدم الرشد ولكن يجب علينا إذا كان من عليه النفقة متمردا ومن له النفقة ليس بذي رشد أن نجعل الأخذ إلى ولي من لا رشد له أو إلى رجل عدل وأما ما ورد في بعض التفاسير من أن المراد بالسفهاء في قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ تمكين المرأة من مال الرجل كما ذكره السائل فذلك إنما هو باعتبار أن غالب نوع النساء خال عن الرشد وإلا فلا شك أن عدم الرشد يوجد في غيرهن كالصبيان والمجانين ومن يلتحق بهم من البله والمعتوهين وكثير ممن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ولا نشك أيضا أن في النساء من لها من الرشد والكمال ما لا يوجد إلا في أفراد الرجال ومنهن هند بنت عتبة المذكورة في الحديث فإنها كانت من سروات نساء قريش

стр. 384

المشهورات بحسن العقل وكمال الفطنة كما يعرف ذلك من عرف أخبارها ومحاورتها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عند مبايعته لها فالحاصل أنه لا ملازمة بين القول بوجوب الكفاية في النفقة وبين حضور السرف بل الأمر كما قدمنا والله أعلم "والمطلقة رجعيا"لحديث فاطمة بنت قيس أنه قال لها ﷺ "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة" أخرجه أحمد والنسائي وفي لفظ لأحمد "فإذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى" وفي إسناده مجالد بن سعيد وقد توبع وأعل بالوقف ولكن الرفع زيادة مقبولة إذا صح مخرجها أو حسن وقد أثبت لها القرآن الكريم السكنى قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ ويستفاد من النهي عن الإخراج وجوب النفقة مع السكنى ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ويدل على وجوب النفقة قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقوله تعالى في آخر الآية الأولى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ وهو الرجعة فكان ذلك في الرجعية لابائنا فالبائنة لا نفقة لها ولا سكنى لحديث فاطمة بنت قيس عند مسلم وغيره عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في المطلقة ثلاثا "لا نفقة ولا سكنى"وفي الصحيحين وغيرهما عنها "أنها قالت طلقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لا نفقة ولا سكنى"وقد صح حديثها فلا نزاع وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أنه قال لها رسول الله ﷺ : "لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا" وقد أنكر عليها عمر وعائشة هذا الحديث وقال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت وقد قالت فاطمة: حين بلغها ذلك بيني وبينكم كتاب الله قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى قال: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ فأي أمر يحدث بعد الثلاث وقد ذهب إلى عدم وجوب النفقة والسكنى للبائنة أحمد واسحق وأبو ثور وداود وأتباعهم وحكاه في البحر عن ابن عباس والحسن البصري وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى والأوزاعي والإمامية وذهب الجمهور إلى أنه لا نفقة لها ولها السكنى لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ وقد تقدم ما يدل

стр. 385

على أنها في الرجعية وذهب عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز والثوري وأهل الكوفة إلى وجوب النفقة والسكني "ولا في عدة الوفاة فلا نفقة ولا سكنى إلا أن تكونا حاملتين"لعدم وجود دليل يدل على ذلك في غير الحامل ولا سيما بعد قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة فإذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى" ويؤيده أيضا تعليل الآية المتقدمة بقوله تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ وهو الرجعة ولم يبق في عدة الوفاة ذلك الأمر ويفيده أيضا مفهوم الشرط في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهي أيضا تدل على وجوب النفقة للحامل سواء كانت في عدة الرجعي أو البائن أو الوفاة وكذلك يدل على ذلك قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا" وقد روى البيهقي عن جابر يرفعه"في الحامل المتوفى عنها قال لا نفقة لها" قال ابن حجر ورجاله ثقات لكنه قال المحفوظ وقفه فلو صح رفعه لكان نصا في محل النزاع وينبغي أن يقيد عدم وجوب السكنى لمن في عدة الوفاة بما تقدم في وجوب اعتدادها في البيت الذي بلغها موت زوجها وهي فيه فإن ذلك يفيد أنها إذا كانت في بيت الزوج بقيت فيه حتى تنقضي العدة ويكون ذلك جمعا بين الأدلة من باب تقييد المطلق أو تخصيص العام فلا إشكال قال في المسوى: اختلف أهل العلم في السكنى للمعتدة عن الوفاة فقال أبو حنيفة لا سكنى لها بل تعتد حيث شاءت وقال مالك لها السكنى وللشافعي قولان كالمذهبين ومنشأ ذلك تردده في تأويل حديث فريعة فرأى مرة أن إذنه لها في الخروج حكم وقوله "امكثي في بيتك" أقول: يحتمل أن يكون إذنه لها من حيث إنها ذكرت أن زوجها لم يتركها في مسكن يملكه انتهى. أقول: الحق أن المتوفى عنها زوجها لا تستحق في عدة الوفاة لا نفقة ولا سكنى سواء كانت حاملا أو حائلا لزوال سبب النفقة بالموت واختصاص آية السكنى بالمطلقة رجعيا واختصاص آية إنفاق الحامل بالمطلقة كما تقدم فإذا مات وهي في بيته اعتدت فيه لا لأن لها السكنى بل لوجوب الاعتداد عليها

стр. 386

في البيت الذي مات وهي فيه مع أن في حديث الفريعة أنها قالت للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إن زوجها لم يتركها في منزل يملكه فأمرها أن تعتمد في ذلك المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه وهو غير مملوك له وبهذا يتضح أن ذلك لا يستلزم وجوب السكنى من تركة الميت بل هو أمر تعبد الله به المرأة فإن كان المنزل ملكها فذاك وإن كان ملك غيرها وجب عليها تسليم الأجرة مع الطلب سواء كان ملكا لورثة الزوج أو لغيرهم وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ وقوله ﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ وقوله ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ فتقرر بمجموع ما ذكر أن المتوفى عنها مطلقا كالمطلقة بائنا إذا لم تكن المطلقة بائنا حاملا في عدم وجوب النفقة والسكنى فإن كانت المطلقة بائنا حاملا فلها النفقة ولا سكنى لها وأما المطلقة الرجعية فلها النفقة والسكنى سواء كانت حاملا أو حائلا وأما المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها فالنفقة ساطقة بلا ريب وكذلك السكنى والمتعة المذكورة لها في القرآن هي عوض عن المهر والملاعنة لا نفقة لها ولا سكنى لأنها إن كانت المطلقة بائنا كانت مثلها في ذلك وإن كانت المتوفى عنها زوجها فكذلك ولا ريب أن فرقتها أشد من فرقة المطلقة بائنا لأن هذه يجوز نكاحها في حال من الأحوال بخلاف تلك "وتجب على الوالد الموسر لولده المعسر والعكس"لحديث هند بنت عتبة المتقدم ويؤيده ما تقدم في الفطرة من وجوبها على الرجل ومن يمون وأما العكس فلأن النفقة هي أقل ما يفيده قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ وقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أنت ومالك لأبيك" أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن الجارود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديث "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه فكلوا من أموالهم" أخرجه أحمد وأهل السنن وابن حبان والحاكم ويؤيد ذلك حديث "من أبر يارسول الله قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أباك "وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال في المسوى: تجب على الابن نفقة الأبوين إذا كان موسرا وهما معسران قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ وقال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ ومن المعلوم أنه ليس من الإحسان ولا من المصاحبة بالمعروف أن يموتا جوعا والولد في أرغد عيش قلت: على هذا أهل العلم

стр. 387

إلا أن الشافعي قال: إن كان واحد منهما قويا سويا يمكنه تحصيل قوته لا تجب نفقته وإن كان معسرا وأوجب سائر الفقهاء نفقتهم عند الإعسار ولم يشترطوا الزمانة وفي إعلام الموقعين وسأله ﷺ من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال ثم أبوك متفق عليه قال الإمام أحمد الطاعة للأب وللأم ثلاثة أرباع البر "وعلى السيد لمن يملكه لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ قال للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق" وحديث "فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي ذر قلت: وذلك أنه مشغول بخدمته عن الاكتساب فوجب أن يكون كفاية عليه وعليه أهل العلم "ولا تجب على القريب لقريبه إلا من باب صلة الرحم"لعدم ورود دليل بخص ذلك بل جاءت أحاديث صلة الرحم وهي عامة والرحم المحتاج إلى نفقة أحق الأرحام بالصلة وقد قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وعند أبي داود "أن رجلا سأل النبي ﷺ من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذلك حق واجب ورحم موصولة "أقول: ومن جملة ما يدل على نفقة الأقارب قوله تعالي: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ وقوله تعالي: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ فقد أمر الله سبحانه بالإحسان إلى القرابة وإيتائه حقه ولا ريب أن من كان يتقلب في النعم وقريبه قد أضر به الجوع أو العرى فهو غير محسن إليه ولا قائم بحقه ومن جملة الأدلة القرآنية قوله تعالي: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فإن جمهور السلف فسروها بأن على الرجل الذي يرث أن ينفق على الموروث مثل ما ينفق المولود له على والدة الولد كما في أول الآية ومن الأدلة على ذلك ما تقدم في رواية أبي داود وهو في الصحيحين أيضا وأخرجه النسائي بنحوه وزاد "ثم أدناك أدناك" وفيه "وابدأ بمن تعول" وفي الصحيحين أيضا بلفظ "من أحق الناس بحسن صحابتي يارسول الله قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك ثم أدناك أدناك" وأخرجه الترمذي وقال "ثم الأقرب فالأقرب" وفي المسألة مذاهب مختلفة قد بسطها صاحب الهدي وغيره. وأما ماقيل

стр. 388

من أن المراد بمثل هذه الأدلة صلة الرحم فقد أجيب عن ذلك بأن الله سبحانه سماه حقا على أنه لو سُلم لم يكن قادحا في الاستدلال فإن من ترك قريبه بغير نفقة ولا كسوة مع حاجته إليهما لم يكن واصلا لرحمه لا لغة ولا عرفا ولا شرعا ومن أنكر هذا فليخبرنا ما هي الصلة التي تختص بها الرحم لأجل كونه رحما ويمتاز بها عن الأجنبي فإنه لا يمكنه أن يعين مسقطا للنفقة إلا وكان أولى بإسقاط ما عداها فالحاصل أن من وجب ما يكفيه وكان له زيادة يستغني عنها وجب عليه أن ينفقها على المحاويج من قرابته ويقدم الأقرب فالأقرب كما دلت عليه الأدلة السالفة وهذا هو معنى الغنى أي الاستغناء عن فضلة تفضل على الكفاية لا ما ذكره الفقهاء من تلك التقديرات التي لا ترجع إلى دليل عقل ولا نقل "ومن وجبت نفقته وجبت كسوته وسكناه"لما يستفاد من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها

стр. 389

" باب الرّضاع " "إنما يثبت حُكمه بخمس رضعات"لحديث عائشة عند مسلم وغيره "أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نُسخ بخمس رضعات فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يُقرأ من القرآن"وللحديث طرق ثابتة في الصحيح ولا يخالفه حديث عائشة "أن النبي ﷺ قال: لا تحرم المصة ولا المصتان"أخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن وكذلك حديث أم الفضل عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ قال: لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان والمصة والمصتان "وفي لفظ "لا تحرم الإ ملاجة١ ولا الإملاجتان" وأخرج نحوه أحمد والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الزبير لأن غاية ما في هذه الأحاديث أن المصة والمصتين والرضعة والرضعتين والإملاجة والإملاجتين لا يحرمن وهذا هو معنى الأحاديث منطوقا وهو لا يخالف حديث الخمس الرضعات لأنها تدل على أن ما دون

стр. 390

الخمس لا يحرم. وأما معنى هذه الأحاديث مفهوما وهو أنه يحرم ما زاد على الرضعة والرضعتين فمدفوع بحديث الخمس وهي مشتملة على زيادة فوجب قبولها والعمل بها ولا سيما عند القول من يقول: إن بناء الفعل على المنكر يفيد التخصيص والرضعة هي أن يأخذ الصبي الثدي فيمتص منه ثم يستمر على ذلك حتى يتركه باختياره لغير عارض وقد ذهب إلى اعتبار الخمس ابن مسعود وعائشة وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والليث بن سعد والشافعي وأحمد واسحق وابن حزم وجماعة من أهل العلم وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب وذهب الجمهور إلى أن الرضاع الواصل إلى الجوف يتقضي التحريم وإن قل قال في المسوى: ذهب الشافعي إلى أنه لا يثبت حكم الرضاع بأقل من خمس رضعات متفرقات وذهب أكثر الفقهاء منهم مالك وأبو حنيفة إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم وقال بعضهم: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لقوله ﷺ "لا تحرم المصة ولا المصتان" ويحكى عن بعضهم أن التحريم لا يقع بأقل من عشر رضعات وهو قول شاذ والظاهر أن عائشة وحفصة إنما كانتا تذهبان إلى عشر رضعات تورعا وتشفيا للخاطر لا من جهة حكم الشرع كما ذكرنا في لبن الفحل قال البغوي: قوله عائشة "فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ في القرآن "أرادت به قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله ﷺ حتى كان بعض من لم يبلغه النسخ يقرأ على الرسم الأول لأن النسخ لا يتصور بعد رسول الله ﷺ ويجوز بقاء الحكم مع نسخ التلاوة كالرجم في الزنا حكمه باق مع ارتفاع التلاوة في القرآن أو أن الحكم يثبت بأخبار الآحاد ويجب العمل به والقرآن لا يثبت بأخبار الآحاد فلم يجز كتبه بين الدفتين انتهى وتمامه في كتابنا أفاد الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ فليرجع إليه.أقول: اعلم أن الأحاديث قد اختلفت في هذه المسألة اختلافا كثيرا وكذلك اختلفت المذاهب ونحن نعرفك بما هو الحق الذي يجتمع فيه جميع الأدلة فنقول: أما ما ورد من الرضاع مطلقا من دون تقييد بعدد فالأحاديث الواردة بذكر العدد تفيد تقييده كما هو شأن المطلق والمقيد: وقد أفاد حديث "لا تحرم المصة والمصتان والإملاجة والإملاجتان " وحديث "لا تحرم الرضعة الواحدة" أن الرضعة والرضعتين لا تحرمان فلو لم يرد إلا هذا لكانت
следующие страницы →