في البيت الذي مات وهي فيه مع أن في حديث الفريعة أنها قالت للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إن زوجها لم يتركها في منزل يملكه فأمرها أن تعتمد في ذلك المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه وهو غير مملوك له وبهذا يتضح أن ذلك لا يستلزم وجوب السكنى من تركة الميت بل هو أمر تعبد الله به المرأة فإن كان المنزل ملكها فذاك وإن كان ملك غيرها وجب عليها تسليم الأجرة مع الطلب سواء كان ملكا لورثة الزوج أو لغيرهم وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ وقوله ﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ وقوله ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ فتقرر بمجموع ما ذكر أن المتوفى عنها مطلقا كالمطلقة بائنا إذا لم تكن المطلقة بائنا حاملا في عدم وجوب النفقة والسكنى فإن كانت المطلقة بائنا حاملا فلها النفقة ولا سكنى لها وأما المطلقة الرجعية فلها النفقة والسكنى سواء كانت حاملا أو حائلا وأما المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها فالنفقة ساطقة بلا ريب وكذلك السكنى والمتعة المذكورة لها في القرآن هي عوض عن المهر والملاعنة لا نفقة لها ولا سكنى لأنها إن كانت المطلقة بائنا كانت مثلها في ذلك وإن كانت المتوفى عنها زوجها فكذلك ولا ريب أن فرقتها أشد من فرقة المطلقة بائنا لأن هذه يجوز نكاحها في حال من الأحوال بخلاف تلك "وتجب على الوالد الموسر لولده المعسر والعكس"لحديث هند بنت عتبة المتقدم ويؤيده ما تقدم في الفطرة من وجوبها على الرجل ومن يمون وأما العكس فلأن النفقة هي أقل ما يفيده قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ وقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أنت ومالك لأبيك" أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن الجارود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديث "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه فكلوا من أموالهم" أخرجه أحمد وأهل السنن وابن حبان والحاكم ويؤيد ذلك حديث "من أبر يارسول الله قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أباك "وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال في المسوى: تجب على الابن نفقة الأبوين إذا كان موسرا وهما معسران قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ وقال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ ومن المعلوم أنه ليس من الإحسان ولا من المصاحبة بالمعروف أن يموتا جوعا والولد في أرغد عيش قلت: على هذا أهل العلم
стр. 387
إلا أن الشافعي قال: إن كان واحد منهما قويا سويا يمكنه تحصيل قوته لا تجب نفقته وإن كان معسرا وأوجب سائر الفقهاء نفقتهم عند الإعسار ولم يشترطوا الزمانة وفي إعلام الموقعين وسأله ﷺ من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال ثم أبوك متفق عليه قال الإمام أحمد الطاعة للأب وللأم ثلاثة أرباع البر "وعلى السيد لمن يملكه لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ قال للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق" وحديث "فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي ذر قلت: وذلك أنه مشغول بخدمته عن الاكتساب فوجب أن يكون كفاية عليه وعليه أهل العلم "ولا تجب على القريب لقريبه إلا من باب صلة الرحم"لعدم ورود دليل بخص ذلك بل جاءت أحاديث صلة الرحم وهي عامة والرحم المحتاج إلى نفقة أحق الأرحام بالصلة وقد قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وعند أبي داود "أن رجلا سأل النبي ﷺ من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذلك حق واجب ورحم موصولة "أقول: ومن جملة ما يدل على نفقة الأقارب قوله تعالي: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ وقوله تعالي: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ فقد أمر الله سبحانه بالإحسان إلى القرابة وإيتائه حقه ولا ريب أن من كان يتقلب في النعم وقريبه قد أضر به الجوع أو العرى فهو غير محسن إليه ولا قائم بحقه ومن جملة الأدلة القرآنية قوله تعالي: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فإن جمهور السلف فسروها بأن على الرجل الذي يرث أن ينفق على الموروث مثل ما ينفق المولود له على والدة الولد كما في أول الآية ومن الأدلة على ذلك ما تقدم في رواية أبي داود وهو في الصحيحين أيضا وأخرجه النسائي بنحوه وزاد "ثم أدناك أدناك" وفيه "وابدأ بمن تعول" وفي الصحيحين أيضا بلفظ "من أحق الناس بحسن صحابتي يارسول الله قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك ثم أدناك أدناك" وأخرجه الترمذي وقال "ثم الأقرب فالأقرب" وفي المسألة مذاهب مختلفة قد بسطها صاحب الهدي وغيره. وأما ماقيل
стр. 388
من أن المراد بمثل هذه الأدلة صلة الرحم فقد أجيب عن ذلك بأن الله سبحانه سماه حقا على أنه لو سُلم لم يكن قادحا في الاستدلال فإن من ترك قريبه بغير نفقة ولا كسوة مع حاجته إليهما لم يكن واصلا لرحمه لا لغة ولا عرفا ولا شرعا ومن أنكر هذا فليخبرنا ما هي الصلة التي تختص بها الرحم لأجل كونه رحما ويمتاز بها عن الأجنبي فإنه لا يمكنه أن يعين مسقطا للنفقة إلا وكان أولى بإسقاط ما عداها فالحاصل أن من وجب ما يكفيه وكان له زيادة يستغني عنها وجب عليه أن ينفقها على المحاويج من قرابته ويقدم الأقرب فالأقرب كما دلت عليه الأدلة السالفة وهذا هو معنى الغنى أي الاستغناء عن فضلة تفضل على الكفاية لا ما ذكره الفقهاء من تلك التقديرات التي لا ترجع إلى دليل عقل ولا نقل "ومن وجبت نفقته وجبت كسوته وسكناه"لما يستفاد من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها
стр. 389
" باب الرّضاع "
"إنما يثبت حُكمه بخمس رضعات"لحديث عائشة عند مسلم وغيره "أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نُسخ بخمس رضعات فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يُقرأ من القرآن"وللحديث طرق ثابتة في الصحيح ولا يخالفه حديث عائشة "أن النبي ﷺ قال: لا تحرم المصة ولا المصتان"أخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن وكذلك حديث أم الفضل عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ قال: لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان والمصة والمصتان "وفي لفظ "لا تحرم الإ ملاجة١ ولا الإملاجتان" وأخرج نحوه أحمد والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الزبير لأن غاية ما في هذه الأحاديث أن المصة والمصتين والرضعة والرضعتين والإملاجة والإملاجتين لا يحرمن وهذا هو معنى الأحاديث منطوقا وهو لا يخالف حديث الخمس الرضعات لأنها تدل على أن ما دون
стр. 390
الخمس لا يحرم. وأما معنى هذه الأحاديث مفهوما وهو أنه يحرم ما زاد على الرضعة والرضعتين فمدفوع بحديث الخمس وهي مشتملة على زيادة فوجب قبولها والعمل بها ولا سيما عند القول من يقول: إن بناء الفعل على المنكر يفيد التخصيص والرضعة هي أن يأخذ الصبي الثدي فيمتص منه ثم يستمر على ذلك حتى يتركه باختياره لغير عارض وقد ذهب إلى اعتبار الخمس ابن مسعود وعائشة وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والليث بن سعد والشافعي وأحمد واسحق وابن حزم وجماعة من أهل العلم وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب وذهب الجمهور إلى أن الرضاع الواصل إلى الجوف يتقضي التحريم وإن قل قال في المسوى: ذهب الشافعي إلى أنه لا يثبت حكم الرضاع بأقل من خمس رضعات متفرقات وذهب أكثر الفقهاء منهم مالك وأبو حنيفة إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم وقال بعضهم: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لقوله ﷺ "لا تحرم المصة ولا المصتان" ويحكى عن بعضهم أن التحريم لا يقع بأقل من عشر رضعات وهو قول شاذ والظاهر أن عائشة وحفصة إنما كانتا تذهبان إلى عشر رضعات تورعا وتشفيا للخاطر لا من جهة حكم الشرع كما ذكرنا في لبن الفحل قال البغوي: قوله عائشة "فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ في القرآن "أرادت به قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله ﷺ حتى كان بعض من لم يبلغه النسخ يقرأ على الرسم الأول لأن النسخ لا يتصور بعد رسول الله ﷺ ويجوز بقاء الحكم مع نسخ التلاوة كالرجم في الزنا حكمه باق مع ارتفاع التلاوة في القرآن أو أن الحكم يثبت بأخبار الآحاد ويجب العمل به والقرآن لا يثبت بأخبار الآحاد فلم يجز كتبه بين الدفتين انتهى وتمامه في كتابنا أفاد الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ فليرجع إليه.أقول: اعلم أن الأحاديث قد اختلفت في هذه المسألة اختلافا كثيرا وكذلك اختلفت المذاهب ونحن نعرفك بما هو الحق الذي يجتمع فيه جميع الأدلة فنقول: أما ما ورد من الرضاع مطلقا من دون تقييد بعدد فالأحاديث الواردة بذكر العدد تفيد تقييده كما هو شأن المطلق والمقيد: وقد أفاد حديث "لا تحرم المصة والمصتان والإملاجة والإملاجتان " وحديث "لا تحرم الرضعة الواحدة" أن الرضعة والرضعتين لا تحرمان فلو لم يرد إلا هذا لكانت
стр. 391
الثلاث مقتضية للتحريم ولكنه ثبت في الصحيح عن عائشة أنها قالت: "عشر رضعات معلومات يحرمن"ثم قالت: "خمس رضعات معلومات يحرمن"وصرحت بأن العشر منسوخة بالخمس وصرحت أيضا بأنه "توفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن"وليس من شرط القرآن تواتر النقل على ما هو الحق ولو سلم ذلك فالقراءة الآحادية منزّلة منزلة أخبار الآحاد ولكن ههنا إشكال وهو أن حديث "لا تحرم المصة والمصتان" دل بمفهوم العدد على أن الثلاث والأربع يثبت بهما التحريم وحديث الخمس دل بمفهومه على أنهما لا يحرمان وأقول: قد تقرر في علم المعاني والبيان أن الإخبار بالفعل المضارع يفيد الحصر وصرح بذلك الزمخشري في الكشاف ولا سيما إذا بني الفعل على المنكر كما هو مقرر في مواطنه فيكون قد انضم إلى مفهوم العدد في الخمس مفهوم الحصر فلا يثبت التحريم بدونها ويؤيد ذلك ما ورد في بعض ألفاظ حديث سهلة بنت سهيل "أنه ﷺ قال: "أرضعي سالما خمس رضعات تحرمي عليه" وهذا التركيب في قوة إن ترضعيه خمسا تحرمي عليه فانضم إلى مفهومي العدد والحصر مفهوم الشرط وكما تصلح هذه الأدلة لتقييد مطلق القرآن تصلح أيضا لتقييد حديث "الرضاع ما أنبث اللحم وأنشر العظم" وحديث "الرضاعة من المجاعة" على فرضه أن الرضعة والرضعتين تنبت اللحم فيكون المراد أن المقتضي للتحريم من الرضاع الذي ينبت اللحم والذي في زمن المجاعة هو ما كان على صفة مخصوصة وهي خمس رضعات هذا تقرير الاستدلال على وجه تجتمع فيه الأدلة وأما الجواب عن الوجوه التي ذكروها في دفع ما ذكرناه من الأدلة فقد بسطه الماتن ﵀ في وبل الغمام حاشية شفاء الأوام فمن شاء الاطلاع على ذلك فليراجعه "مع تيقن وجود اللبن"لأنه سبب ثبوت حكم الرضاع فلو لم يكن وجوده معلوما وارتضاع الصبي منه معلوما لم يكن لإ ثبات حكم الرضاع وجه مسوغ. قال في الحجة البالغة: يعتبر في الإرضاع شيئان: أحدهما القدر الذي يتحقق به هذا المعنى فكان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات والثاني أن يكون الرضاع في أول قيام الهيكل وتشبّح صورة الولد وإلا فهو غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد التشبّح وقيام الهيكل كالشاب يأكل الخبز انتهى.
стр. 392
"وكون الرضيع قبل الفطام"لحديث أم سلمة عند الترمذي وصححه والحاكم وصححه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:"لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" وأخرج سعيد بن منصور والدارقطني والبيهقي وابن عدي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لارضاع إلا ما كان في الحولين" وقد صحح البيهقي وقفه ورجحه ابن عدي وابن كثير وأخرج أبو داود الطيالسي من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام" وقد قال المنذري إنه لا يثبت وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت: "لما دخل علي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعندي رجل فقال: من هذا قلت: أخي من الرضاعة قال: يا عائشة انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة" "ويحرم به ما يحرم بالنسب"قد تقدم الاستدلال عليه فيمن يحرم نكاحه من كتاب النكاح من أم وأخت وغيرهما"ويقبل قول المرضعة"لما أخرجه البخاري وغيره من حديث عقبة بن الحرث "أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأعرض عني: قال: فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما فنهاه"وفي لفظ "دعها عنك" وهو في الصحيح وفي لفظ آخر "كيف وقد قيل ففارقها عقبة" وقد ذهب إلى ذلك عثمان وابن عباس والزهري والحسن واسحق والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وروي عن مالك وأما دفع الحجة بأنها شهدت على تقرير فعلها فهذه قاعدة فقهية لم يرد بها كتاب الله ولا سنة رسوله وهذا الحديث أول حجة يبطلها فكيف يكون الأمر بالعكس وحسبنا الله ونعم الوكيل
"ويجوز إرضاع الكبير ولو كان ذا لحية لتجويز النظر"لحديث زينب بنت أم سلمة قال: "قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك هذا الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي فقالت عائشة: مالك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يارسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه فقال رسول الله ﷺ : أرضعيه حتى يدخل عليك" أخرجه مسلم وغيره وقد أخرج نحوه البخاري من حديث عائشة أيضا وقد روى هذا الحديث من
стр. 393
الصحابة أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل وزينب بنت أم سلمة ورواه من التابعين جماعة كثيرة ثم رواه عنهم الجمع الجم وقد ذهب إلى ذلك علي وعائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية وداود الظاهري وابن حزم وهو الحق وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك قال ابن القيم: أخذ طائفة من السلف بهذه الفتوى منهم عائشة ولم يأخذ به أكثر أهل العلم وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين لوجوه: أحدها: كثرتها وإنفراد حديث سالم والثاني: أن جميع أزواج النبي ﷺ سوى عائشة في شق المنع الثالث: أنه أحوط الرابع: أن رضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشر عظما فلا يحصل به البعضية التي هي سبب التحريم الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصا بسالم وحده ولهذا لم يجيء ذلك إلا في قصته السادس: "أن رسول الله ﷺ دخل على عائشة وعندها رجل قاعد فاشتد عليه وغضب فقال: إنه أخي من الرضاعة فقال: انظرن من إخوانكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه واللفظ لمسلم وفي قصة سالم مسلك وهو أن هذا كان موضع حاجة فإن سالما كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه ولم يكن لنه منه ومن الدخول على أهله بد فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد ولعل هذا المسلك أقوى المسالك وإليه كان شيخنا يجنح والله تعالى أعلم انتهى.
أقول: الحاصل أن الحديث المتقدم صحيح وقد رواه الجم الغفير عن الجم الغفير سلفا عن خلف ولم يقدح فيه من رجال هذا الشأن أحد وغاية ما قاله من يخالفه أنه ربما كان منسوخا ويجاب بأنه لو كان منسوخا لوقع الاحتجاج على عائشة بذلك ولم ينقل أنه قال قائل به مع اشتهار الخلاف بين الصحابة وأما الأحاديث الواردة بأنه لا رضاع إلا في الحولين وقبل الفطام فمع كونها فيها مقال لا معارضة بينها وبين رضاع سالم لأنها عامة وهذا خاص والخاص مقدم على العام ولكنه يختص بمن عرض له من الحاجة إلى إرضاع الكبير ماعرض لأبي حذيفة وزوجته سهلة فإن سالما لما كان لهما كالابن وكان في البيت الذي هما فيه وفي الاحتجاب مشقة عليهما رخص ﷺ في الرضاع على تلك الصفة فيكون رخصة لمن كان كذلك وهذا لا محيص عنه قال في المسوى: يجب إحياء المولود بالإرضاع حولين كاملين إلا إذا اجتمع رأي الوالدين
стр. 394
عن تشاور منهما على أن الفطام لا يضره فحينئذ يجوز الفطام قبل الحولين والمرضع يجوز أن تكون الوالدة أو الظئر المسترضعة فإن لم تتيسر المسترضعة أو لم يقدر الوالد على استئجارها تعينت الوالدة فإن أرضعت الوالدة فليس لها إلا النفقة والكسوة بالمعروف مما كان بسبب الزوجية وإن أرضعت الظئر فلها أجرها قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ قلت: الظاهر أن الوالدات تعم المطلقات وغيرها وقيل: تختص بالمطلقات لأن سياق الآية في قصة المطلقات. أقول: وحينئذ يؤخذ حكم غير المطلقات بالأولى وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ يدل على أن الوالدة ما دامت زوجة أو معتدة لا تستحق الأجر وعليه أبو حنيفة وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ المراد منه وارث الأب وهو الصبي أي مؤن المرضعة من ماله إذا مات الأب قوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً﴾ يعني قبل الحولين قوله: ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾ أي المراضع أولادكم أي تأخذوا مراضع لأولادكم قوله: ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾ أي ما أردتم إيتاءه كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ انتهى
стр. 395
" باب الحضانة "
"الأوْلى بالطفل أمه ما لم تنكح"لحديث عبد الله بن عمرو "أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال: "أنت أحق به ما لم تنكحي" أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه وقد وقع الإجماع على أن الأم أولى بالطفل من الأب وحكى ابن المنذر الإجماع على أن حقها يبطل بالنكاح وقد روي عن عثمان أنه لا يبطل بالكناح وإليه ذهب الحسن البصري وابن حزم واحتجوا ببقاء ابن أم سلمة في كفالتها بعد أن تزوجت بالنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ويجاب عن ذلك بأن مجرد البقاء مع
стр. 396
عدم المنازع لا يُحتج به لاحتمال أنه لم يبق له قريب غيرها واحتجوا أيضا بما سيأتي في حديث ابنة حمزة فإن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قضى بأن الحق لخالتها وكانت تحت جعفر بن أبي طالب وقد قال: "الخالة بمنزلة الأم" ويجاب عن هذا بأنه لا يدفع النص الوارد في الأم ويمكن أن يقال إن هذا يكون دليلا على ما ذهبت إليه الحنفية من أن النكاح إذا كان لمن هو رحم للصغير فلا يبطل به الحق ويكون حديث ابنة حمزة مقيدا لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "ما لم تنكحي" ثم الخالة أولى بعد الأم ممن عداها لحديث البراء بن عازب في الصحيحين وغيرهما "أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد فقال علي: أنا أحق بها هي ابنة عمي وقال جعفر: بنت عمي وخالتها تحتي وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم" والمراد بقول زيد ابنة أخي أن حمزة قد كان النبي ﷺ آخى بينهما ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه قد ثبت بالإجماع أن الأم أقدم الحواضن فمقتضى التشبيه أن تكون الخالة أقدم من غيرها من غير فرق بين الأب وغيره وقد قيل إن الأب أقدم منها إجماعا وليس ذلك بصحيح والخلاف معروف والحديث يحج من خالفه قال في المسوى: إذا فارق الرجل امرأته وبينهما ولد صغير فالأم وأم الأم أولى بالحضانة من الأب لرواية مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر ثم إنه فارقها فجاء عمر بن الخطاب قباء فوجد ابنه عاصما يلعب بفناء المسجد فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق فقال عمر: ابني وقالت المرأة: ابني فقال: أبو بكر خل بينها وبينه قال: فما راجعه عمر الكلام "ثم الأب"وإن لم يرد بذلك بدليل يخصه لكنه قد استفيد من مثل قوله ﷺ للأم "أنت أحق به ما لم تنكحي" فإن هذا يدل على ثبوت أصل الحق للأب بعد الأم ومن هو بمنزلتها وهي الخالة وكذلك إثبات التخيير بينه وبين الأم في الكفالة فإنه يفيد إثبات حق له في الجملة وقال في المسوى: روى الشافعي بإسناده عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه"ثم طبق بين الحديث والأثر بأن المولود إذا كان دون سبع سنين فالأم أولى به وإذا بلغ سبع سنين وعقل عقل مثله خُيّر بين
стр. 397
الأبوين سواء كان ذكرا أوأنثى فأيهما اختاره يكون عنده وأخذ هذا النوع من التطبيق من قضاء علي رضي الله تعالى عنه فإنه خيّر صبيا كان ابن سبع سنين أو ثمان سنين بين الأم والعم وقال لأخيه الصغير منه وهذا أيضا لو قد بلغ هذا لخيرته وقال أبو حنيفة: الأم أحق بالغلام حتى يأكل ويلبس وحده وبالجارية حتى تحيض ثم بعد ذلك الأب أحق بهما أقول: الحق أن الحضانة للأم ثم للخالة للدليل الذي قدمنا ولا حضانة للأب ولا لغيره من الرجال والنساء إلا بعد بلوغ الصبي سن التمييز فإن بلغ إليه ثبت تخييره بين الأم والأب وإذا عد ما كان أمره إلى أوليائه إن وجدوا وإلا كان إلى قرابته الذين ليسوا بأولياء ويقدم الأقرب فالأقرب ولكن ليس هذا الدليل اقتضى ذلك بل لأن حضانة الصبي وكفالة أمره لا بد منه والقرابة أولى به من الأجانب بلا ريب وبعض القرابة أولى من بعض فأحقهم به بعد عدم من وردت النصوص بثبوت حضانته هو الأولياء لكون ولاية النظر في مصالحه إليهم ومع عدمهم تكون حضانته إلى الأقرب فالأقرب هذا ما يقتضيه النظر الصحيح ومن رام الوقوف على جميع العلل التي علل بها المختلفون في التقديم والتأخير في باب الحضانة فعليه بالهدي لابن القيم ولكنه لم يترجح لدي إلا ما ذكرته ههنا وذكره الماتن وقد يقال: إن حديث "أنت أحق به ما لم تنكحي" يفيد ثبوت أصل الحق في الحضانة للأب بعد الأم ومن هو بمنزلتها وهي الخالة فتكون أهل الحضانة الأم ثم الخالة ثم الأب "ثم يُعين الحاكم من القرابة من رأى فيه صلاحا"لأنه إذا عدمت الأم والخالة والأب فالصبي محتاج إلى من يحضنه بالضرورة والقرابة أشفق به فيعين الحاكم من يقوم به منهم ممن يرى فيه صلاحا للصبي وقد أخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال: إن امرأة عمر بن الخطاب خاصمته إلى أبي بكر في ولد عليها فقال أبو بكر: هي أعطف وألطف وأرحم وأحنى وهي أحق بولدها ما لم تتزوج فهذه الأوصاف تفيد أن أبا بكر جعل العلة العطف واللطف والرحمة والحنو "وبعد بلوغ سن الاستقلال يخير الصبي بين أبيه وأمه"لحديث أبي هريرة عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي "أن النبي ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه "وفي لفظ "أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عتبة وقد نفعني فقال رسول الله ﷺ : استهما
стр. 398
عليه قال زوجها: من يحاقني في ولدي فقال النبي ﷺ : هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به "أخرجه أهل السنن وابن أبي شيبة وصححه الترمذي وابن حبان وابن القطان وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني من حديث عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن جده "أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم فجاء بابن صغير له لم يبلغ قال: فأجلس النبي ﷺ الأب ههنا والأم ههنا ثم خيره وقال: "اللهم اهده فذهب إلى أبيه" قال ابن القيم: "الحضانة قضي فيها خمس قضايا: إحداها: قضى بابنة حمزة لخالتها وكانت تحت جعفر بن أبي طالب وقال: "الخالة بمنزلة الأم" فتضمن هذا القضاء أن الخالة قائمة مقام الأم في الاستحقاق وأن تزوجها لا يسقط حضانتها إذا كانت جارية القضية الثانية: أن رجلا جاء بابن له صغير لم يبلغ فاختصم فيه هو وأمه ولم يسلم فأجلس رسول الله ﷺ الأب ههنا وأجلس الأم ههنا ثم خير الصبي وقال: اللهم اهده فذهب إلى أمه ذكره أحمد القضية الثالثة: أن رافع بن سنان أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي ﷺ وقالت فطيم أو شبيهه وقال رافع ابنتي فقال رسول الله ﷺ : اقعد ناحية وقال لها اقعدي ناحية فأقعد الصبية بينهما ثم قال: ادعواها فمالت إلى أمها فقال النبي ﷺ : اللهم اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها ذكره أحمد القضية الرابعة: جاءته امرأة فقالت إن زوجي يريد أن يذهب بابني الخ ذكره أبو داود القضية الخامسة: جاءته ﷺ امرأة فقالت يا رسول الله: إن ابني هذا كان بطني له وعاء الخ ذكره أبو داود فعلى هذه القضايا الخمس تدور الحضانة وبالله التوفيق فإن لم يوجد من له في ذلك حق بنص الشرع أكفله من كان له في كفالته مصلحة لكونه محتاجا إلى ذلك فكانت المصلحة معتبرة في بدنه كما اعتبرت في ماله وقد دلت على ذلك الأدلة الواردة في أموال اليتامى من الكتاب والسنة.
стр. 399
كتاب البيع
المعتبر فيه مجرد التراضي وحقيقة التراضي لا يعلمها إلا الله تعالى والمراد ههنا أمارته كالإيجاب والقبول وكالتعاطي عند القائل به وعلى هذا أهل العلم "ولو بإشارة"وينعقد بالكناية "من قادر على النطق"لكونه لم يرد ما يدل على ما اعتبره بعض أهل العلم من ألفاظ مخصوصة وأنه لا يجوز البيع بغيرها ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: بعت منك وبعتك فإنا لا ننكر أن البيع يصح بذلك وإنما النزاع في كونه لا يصح إلا بها ولم يرد في ذلك شئ وقد قال الله تعالى: ﴿تجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فدل ذلك على أن مجرد التراضي هو المناط ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كناية بأي لفظ وقع على أي صفة كان وبأي إشارة مفيدة حصل وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه" فإذا وجدت طيبة النفس مع التراضي فلا يعتبر غير ذلك أقول: هذا غاية ما يستفاد من الأدلة أعني أن المعتبر في البيع هو مجرد التراضي والمشعر بالرضا لا ينحصر فيما ذكروه من الألفاظ المخصوصة المقيدة بقيود بل ما أشعر بالرضا ولو بكناية أو إشارة أو معاطاة من دون لفظ ولا ما في معناه فإن البيع عند وجود المشعر بمطلق الرضا بيع صحيح وعلى مدعي الاختصاص الدليل ولا ينفعه في المقام مثل حديث "إذا بعت" وحكاية مبايعته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم للأعرابي وما أشبه ذلك لأنا لا نمنع من إشعار لفظ بعت ونحوه بالرضا وإنما نمنع دعوى التخصيص ببعض الأفراد التي لا تستفاد إلا من صيغ مخصوصة ومن ههنا يلوح لك أن قولهم لا ربا في المعاطاة باطل وهكذا أخواته والحاصل أنا لم نجد في الكتاب والسنة بعد ذكر مطلق البيع إلا قيد الرضا والأمور المشعرة به أعم من الألفاظ التي اصطلح عليها الفقهاء فيندرج تحت الرضا كل ما دل عليه ولو إشارة من قادر وكتابة من حاضر "ولا يجوز بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"لحديث جابر في الصحيحين وغيرهما"أنه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم
стр. 400
يقول: " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " "والكلب والسنور"لما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي مسعود قال: "نهى رسول الله صلى الله وسلم عن ثمن الكلب"وفيها أيضا من حديث أبي جحيفة نحوه وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور" وأخرج النسائي بإسناد رجاله ثقات قال: "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد" قال في المسوى اختلفوا في بيع الكلب فقال الشافعي: حرام وقال أبو حنيفة: جائز ويضمن متلفه "والدم"لحديث أبي جحيفة في الصحيحين قال: "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حرم ثمن الدم ""وعسب الفحل"وهو ماء الفحل يكريه صاحبه لينزي به لما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر "أن النبي ﷺ نهى عن ثمن عسب الفحل"ومثله في صحيحي مسلم من حديث جابر وفي الباب أحاديث ورخص في الكرامة وهي ما يعطى على عسب الفحل من غير شرط شئ عليه كذا في الحجة البالغة "وكل حرام"لما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر "قيل يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال: لا هو حرام ثم قال: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه١ ثم باعوه وأكلوا ثمنه" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ثمنه" قال ابن القيم في الإعلام: وفي قوله حرام قولان أحدهما: أن هذه الأفعال حرام والثاني: أن البيع حرام وإن كان المشتري يشتريه لذلك والقولان مبنيان على أن السؤال هل وقع عن البيع لهذا الإنتفاع المذكور؟ أوعن الانتفاع المذكور؟ والأول اختاره شيخنا وهو الأظهر لأنه لم يخبرهم أولا عن تحريم هذا الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه وإنما أخبرهم عن تحريم البيع فأخبروه أنهم يبتاعونه لهذا الانتفاع فلم يرخص لهم في البيع ولم ينههم عن الانتفاع المذكور ولا تلازم بين جواز البيع وحل المنفعة والله تعالى أعلم انتهى قلت: والأقرب إلى السنة ما ذهب إليه الماتن "وفضل الماء"
стр. 401
لحديث إياس بن عبد "أن النبي ﷺ نهى عن بيع فضل الماء"رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وقال القشيري: هو على شرط الشيخين ولحديث جابر عند مسلم وأحمد وابن ماجه بنحوه وقد ورد مقيدا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ "لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ" وفي لفظ "لا يباع فضل الماء ليمنع به الكلأ" وهو في مسلم وما فيه غرر وهو استتار عاقبة الشئ وتردده بين جهتين ممكنتين كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر"وأخرج أحمد من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر" وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وقد رجح البيهقي وقفه ولكنه داخل في بيع الغرر قال في المسوى: قال مالك: ومن الغرر والمخاطرة أن يعمد الرجل قد ضلت دابته أو أبق غلامه وثمن شئ من ذلك خمسون دينارا فيقول رجل أنا آخذه منك بعشرين دينارا فإن وجده المبتاع ذهب من البائع ثلاثون دينارا وإن لم يجده ذهب البائع من المبتاع بعشرين دينارا قال مالك وفي ذلك أيضا عيب آخر أن تلك الضالة إن وجدت لم يدر زادت أم نقصت أم ما حدث بها من العيوب وهذا أعظم المخاطرة قال مالك: والأمر عندنا أن من المخاطرة والغرر اشتراء ما في بطون الإناث من النساء والدواب لأنه لا يدري أيخرج أم لا يخرج فإن خرج لم يدر أيكون حسنا أم قبيحا أم تاما أم ناقصا أم ذكرا أم أنثى وذلك كله يتفاضل إن كان على كذا فقيمته كذا وإن كذا فقيمته كذا انتهى "وحبل الحبلة"لنهيه ﷺ عن ذلك كما في مسلم وغيره من حديث ابن عمرو "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة" أخرجه مالك وفي الصحيحين "كان أهل الجاهلية يبتاعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة وحبلة الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت فنهاهم عن ذلك"وقد قيل: إنه بيع ولد الناقة الحامل في الحال وقيل: بيع ولد ولدها كما في الرواية وقد ورد النهي عن شراء ما في بطون الأنعام كما في حديث أبي سعيد عند أحمد وابن ماجه والبزار والدارقطني وفي إسناده شهر بن حوشب وفيه ضعف وروى مالك عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان وإنما نهي من الحيوان عن ثلاثة عن
стр. 402
المضامين والملاقيح وحبل الحبلة فالمضامين ما في بطون إناث الإبل والملاقيح ما في ظهور الجمال قلت: وعليه أهل العلم قال محمد: هذه البيوع كلها مكروهة ولا ينبغي مباشرتها لأنها غرر عندنا وفي المنهاج نهى رسول الله ﷺ عن حبل الحبلة وهو نتاج النتاج بأن يبيع نتاج النتاج أو بثمن إلى نتاج النتاج وعن الملاقيح وهي: ما في البطون والمضامين وهي: ما في أصلاب الفحول "والمنابذة"أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه على غير تأمل ويقول كل واحد منهما هذا بهذا فهذا الذي عنه "والملامسة"أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره ولا يتبين ما فيه أو يبتاعه ليلا ولا يعلم ما فيه لحديث أبي سعيد في الصحيحين قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الملامسة والمنابذة في البيع"وأخرج نحوه مالك في الموطإ من حديث أبي هريرة وفسرهما بما تقدم ولفظ الماتن الملامسة لمس ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض كذا في الرواية وفي الباب عن أنس عند البخاري قلت: وعليه أهل العلم قال المحلى: والبطلان فيهما لعدم الرؤية أو عدم الصيغة١ أو الشرط الفاسد أي لا خيار له إذا رآه كذا في المسوى "وما في الضرع والعبد الآبق والمغانم حتى تقسم والثمر حتى يصلح والصوف في الظهر والسمن في اللبن"لحديث أبي سعيد المتقدم في النهي عن شراء ما في بطون الأنعام فإن فيه النهي عن بيع ما في ضروعها وعن شراء العبد الآبق وعن شراء المغانم حتى تقسم وقد ورد النهي عن بيع المغانم حتى تقسم من حديث ابن عباس عند النسائي ومن حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود وقد ورد النهي عن بيع الثمر حتى يُطعم والصوف على الظهر واللبن في الضرع والسمن في اللبن من حديث ابن عباس أيضا عند الدارقطني والبيهقي وفي إسناده عمر بن فروخ وقد وثقه يحيى بن معين وغيره وأحاديث النهي عن بيع الغرر تشد من عضد جميع ما في هذه الروايات لأن الغرر يصدق على جميع هذه الصور وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عمر "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع"وأخرج نحوه مسلم من
стр. 403
حديث أبي هريرة وفي الصحيحين من حديث أنس نحوه قال مالك: الأمر عندنا في بيع البطيخ والقثاء والخربز١ والجزر أن بيعه إذا بدا صلاحه حلال جائز ثم يكون للمشتري ما ينبت حتى ينقطع ثمره ويهلك وليس في ذلك وقت مؤقت وذلك أن وقته معروف وربما دخلته العاهة فقطعت ثمرته قبل أن يأتي ذلك الوقت فإذا دخلته العاهة بجائحة تبلغ الثلث فصاعدا كان ذلك موضوعا عن الذي ابتاعه والمحاقلة بيع الزرع بكيل من الطعام معلوم قال مالك: المحاقلة كراء الأرض بالحنطة وقال في المسوى: المحاقلة بيع الزرع بعد اشتداد الحب نفيا "والمزابنة"بيع ثمر النخل بأوساق من التمر وقال مالك: المزابنة اشتراء الثمر بالتمر في رؤس النخل وقال في المسوى: المزابنة بيع الثمر على الشجر بجنسه على الأرض قال مالك: ونهى رسول الله ﷺ عن المزابنة؟ وتفسير المزابنة أن كل شئ من الجزاف الذي لا يُعلم كيله ولا وزنه ولا عدده ابتيع بشئ مسمى من الكيل والوزن والعدد وذلك أن يقول الرجل للرجل يكون له الطعام المصبر الذي لا يعلم كيله من الحنطة والتمر أو ما أشبه ذلك من الأطعمة أو يكون للرجل السلعة من الخبط أو النوى أو القضب أو العصفر أو الكرسف أو الكتان أو القز أو ما أشبه ذلك من السلع لا يعلم كيل شئ من ذلك ولا وزنه ولا عدده فيقول الرجل: لرب تلك السلعة كِل سلعتك هذه أو مر من يكيلها أوزن من ذلك ما يوزن أوعدد منها ما كان يعد فما نقص من كذا وكذا صاعا لتسمية يسميها أو وزن كذا وكذا رطلا أو عدد كذا وكذا فما نقص من ذلك فعلي غرمه حتى أوفيك تلك التسمية فما زاد على تلك التسمية فهو لي أضمن ما نقص من ذلك على أن يكون ما زاد فليس ذلك بيعا ولكنه المخاطرة والغرر والقمار يدخل هذا لأنه لم يشتر منه شيئا بشئ أخرجه ولكن ضمن له ما سمى من ذلك الكيل أو الوزن أو العدد على أن يكون له ما زاد على ذلك فإن نقصت تلك السلعة من تلك التسمية أخذ من مال صاحبه ما نقص بغير ثمن أعطاه إياه وإن زادت تلك السلعة على تلك التسمية أخذ الرجل من مال
стр. 404
رب السلعة مالا بغير ثمن ولا هبة طيبة بها نفسه فهذا يشبه القمار وما كان مثل هذا من الأشياء فذلك يدخله قلت: في شرح السنة والعمل على هذا عند عامة أهل العلم والعلة في النهي أن المساواة بينهما شرط وما على الشجر لا يحرز بكيل ولا وزن وإنما يكون تقديره بالخرص وهو حدس وظن لا يؤمن فيه من التفاوت فأما إذا باع بجنس آخر من الثمار على الأرض أو على الشجر يجوز لأن المماثلة بينهما غير شرط والتقابض شرط في المجلس وقبض ما على الأرض بالنقل وقبض ما على الشجر بالتخلية أقول: ومعنى هذا الكلام أن سبب التحريم هو شبه الربا ومعنى قول مالك أن سبب التحريم معنى القمار وكلا الأمرين صحيح انتهى "والمعاومة"بيع ثمر النخلة لأكثر من سنة في عقد واحد والجميع بيع غرر وجهالة والمخاضرة بيع الثمرة خضراء قبل بدو صلاحها دليل ذلك حديث أنس عند البخاري قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخاضرة والمنابذة والملامسة والمزابنة"وفي الصحيحين من حديث جابر قال: "نهى النبي ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة"وفي الباب أحاديث "والعربون"هو أن يعطي المشتري البائع درهما أو نحوه قبل البيع على أنه إذا ترك الشراء كان الدرهم للبائع بغير شئ لما أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع العربون "ولا يعارض هذا ما أخرجه عبد الرزاق في مسنده عن زيد بن أسلم "أنه سئل النبي ﷺ عن العربان١ في البيع"فأحله لأن في إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف وأيضا الحديث مرسل قال في المسوى: قال مالك: وذلك فيما نرى والله تعالى أعلم أن يشتري الرجل العبد أو الوليدة أو يتكارى الدابة ثم يقول للذي اشتراه منه أو تكارى منه أعطيتك دينارا أو درهما أو أقل أو أكثر من ذلك على أني إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك فالذي أعطيتك من ثمن السلعة أو من كراء الدابة وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك فهو لك بغير شئ قلت: وعليه أهل العلم في المنهاج ولا يصح بيع العربون بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهي هبة قال المحلى٢ وعدم صحته لاشتماله على شرط الرد
стр. 405
والهبة إن لم يرض السلعة انتهى "والعصير إلى من يتخذه خمرا"لحديث " لُعن بائع الخمر وشاربها ومشتريها وعاصرها" أخرجه الترمذي وابن ماجه ورجاله ثقات من حديث أنس وأخرج نحوه أحمد وابن ماجه وأبو داود وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي وقد قيل إنه غير معروف وقيل إنه معروف وهو من أمراء الأندلس وصحح الحديث ابن السكن وأخرج الطبراني في الأوسط عن بريدة مرفوعا "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة" وإسناده حسن كما قال الحافظ وأخرجه أيضا البيهقي وزاد "أو ممن يعلم أنه يتخذه خمرا" ويؤيده حديث أبي أمامة عند الترمذي "أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا القينات المغنيات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام" وفي الباب أحاديث وأخرج مالك عن ابن عمر "أن رجالا من أهل العراق قالوا له يا أبا عبد الرحمن: إنا نبتاع من ثمر النخل والعنب فنعصره خمرا فنبيعها فقال عبد الله بن عمر: إني أشهد الله عليكم وملائكته ومن سمع من الجن والأنس أني لا آمر كم أن تبيعوها ولا تبتاعوها ولا تعصروها ولا تسقوها فإنها رجس من عمل الشيطان" قلت: وعليه أهل العلم "والكاليء بالكاليء" أي المعدوم بالمعدوم لحديث ابن عمر عند الدارقطني والحاكم وصححه "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكاليء بالكاليء" ولكنه اعترض على الحاكم بأنه وهم في صحيحه لأن في إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف ولكنه قد رواه الشافعي بلفظ "نهى عن الدَّين بالدَّين" ويؤيده ما أخرجه الطبراني عن رافع بن خديج "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكاليء بالكاليء دين بدين" وفي إسناده موسى بن عبيدة الزبدي وهو ضعيف وقد قال أحمد فيه لا تحل الرواية عنه عندي ولا أعرف هذا الحديث عن غيره وقال ليس في هذا أيضا حديث يصح ولكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين انتهى يعني روي الإجماع على معنى الحديث فشد ذلك من عضده لأنه صار متلقى بالقبول ويؤيده النهي عن بيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة لأن العلة في ذلك هي كونه بيع معدوم وتقويه أيضا الأحاديث الواردة في اشتراط التقابض كحديث "إذا كان يدا بيد "وهو في الصحيح وحديث "ما لم تتفرقا وبينكما شئ "
стр. 406
"وما اشتراه قبل قبضه"لحديث جابر عند مسلم وغيره قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه" وأخرج مسلم أيضا وغيره قال: "نهى النبي ﷺ أن تباع السلع حتى تستوفى "وأخرج أحمد من حديث حكيم بن حزام "أن النبي ﷺ قال له: إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه" وفي إسناده العلاء بن خالد الواسطي١ وأخرج أبو داود والدارقطني والحاكم وابن حبان وصححاه من حديث زيد بن ثابت "أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" وفي الباب أحاديث وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وفي الحجة البالغة: قيل مخصوص بالطعام لأنه أكثر الأموال تعاورا وحاجة ولا ينتفع به إلا بإهلاكه فإذا لم يستوفه فربما تصرف فيه البائع فيكون قضية في قضية وقيل يجري في المنقول لأنه مظنة أن يتغير ويتعيب فتحصل الخصومة في الخصومة وقال ابن عباس: ولا أحسب كل شئ إلا مثله وهو الأقيس بما ذكرنا في العلة انتهى.
قال في المسوى: قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه من اشترى طعاما برا أو شعيرا أو سلتا أو ذرة أو دخنا أو شيئا من الحبوب القطنية أو شيئا مما يشبه القطنية مما تجب فيه الزكاة أو شيئا من الأدم كلها الزيت والسمن والعسل والخل والجبن واللبن والشبرق وما أشبه ذلك من الأدم فإن المبتاع لا يبيع شيئا من ذلك حتى يقبضه ويستوفيه وفي شرح السنة: اتفق أهل العلم على أن من ابتاع طعاما لا يجوز له بيعه قبل القبض واختلفوا فيما سواه فقال الشافعي ومحمد: لا فرق بين الطعام والسلع والعقار في أن بيع شئ منها لا يجوز قبل القبض قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز بيع العقار قبل القبض ولا يجوز بيع المنقول وقال مالك: ما عدا المطعوم يجوز بيعه قبل القبض قلت كان الأمراء يكتبون للناس بأرزاقهم وعطياتهم كتبا وكان الناس يبيعون ما فيها قبل أن يقبضوها ويعطون المشتري الصك ليمضي به ويقبضه فذلك بيع الصكوك انتهى "والطعام حتى يجري فيه الصاعان"لحديث عثمان عند أحمد والبخاري "أن النبي ﷺ قال له: إذا ابتعت فاكتل وإذا بعت فكل" وأخرج ابن ماجه والدارقطني والبيهقي من حديث
стр. 407
جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري "وفي إسناده ابن أبي ليلى وفي الباب عن أبي هريرة بإسناد حسن وعن غيره بأسانيد فيها مقال وقد ذهب إلى ذلك الجمهور "ولا يصح الاستثناء في البيع"مثل أن يبيع عشرة أفراق إلا شيئا لأن فيه جهالة مفضية إلى المنازعة والمفسد هو المفضي إلى المنازعة "إلا إذا كان معلوما"لحديث جابر عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثنيا" وزاد النسائي والترمذي وابن حبان وصححاه "إلا أن تعلم "والمراد أن يبيع شيئا ويستثني منه شيئا مجهولا لا إذا كان معلوما فيصح "ومنه"أي من الثنيا المعلومة استثناء جابر ظهر المبيع أي جمله إلى المدينة بعد أن باعه من النبي ﷺ وهو في الصحيحين وغيرهما من حديثه قال النووي في شرح مسلم الثنيا المبطلة للبيع قوله بعتك هذه الصبرة إلا بعضها أو هذه الأشجار إلا بعضها فلا يصح البيع لأن المستثنى مجهول ولو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة أو إلا ربعها أو الصبرة إلا ثلثها أو بعتك بألف إلا درهما صح البيع باتفاق العلماء ولو باع الصبرة إلا صاعا منها فالبيع باطل عند الشافعي وصحح مالك أن يستثني منها ما لا يزيد على ثلثها وإذا باع ثمرة نخلات واستثنى عشرة آصع للبائع فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والعلماء كافة بطلان البيع وقال مالك وجماعة من علماء المدينة: يجوز ذلك ما لم يزيد على قدر ثلث الثمرة "ولا يجوز التفريق بين المحارم"لحديث أبي أيوب قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" أخرجه أحمد والترمذي والدارقطني والحاكم وصححه وحديث علي "أمرني النبي ﷺ أن أبيع غلامين أخوين فبعتهما وفرقت بينهما فذكرت ذلك له فقال: أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعا" أخرجه أحمد وقد صححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم وغيرهم وحديث أبي موسى قال: "لعن رسول الله ﷺ من فرق بين الوالد وولده وبين الأخ وأخيه" أخرجه ابن ماجه والدارقطني ولا بأس بإسناده وحديث علي "أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي ﷺ عن ذلك وردّ البيع" أخرجه أبو داود والدارقطني والحاكم وصححه وقد أعل بالانقطاع
стр. 408
وفي الباب أحاديث وقد قيل: إنه مجمع على ذلك وفيه نظر. أقول: الاختلاف في هذه المسألة أعني بيع أمهات الأولاد بين الصحابة أشهر من نار على علم وروي عن علي كرم الله وجهه الموافقة لعمر ومن معه في عدم جواز بيعهن ثم صح عنه القول بجواز البيع وقد ذكر الماتن في شرح المنتقى متمسكات الجميع فليرجع إليه والعجب ممن يزعم أن تحريم البيع قطعي وأما المدبر فقد دلت الأدلة الصحيحة على جواز بيعه للحاجة كالدَّين والإعواز عن النفقة ونحوهما "ولا أن يبيع حاصر لباد"لحديث ابن عمر قال: "نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد "أخرجه البخاري وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر "أن النبي ﷺ قال: لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" وفي الصحيحين من حديث أنس قال: "نهينا أن يبيع حاضر لباد وإن كان أخاه لأبيه وأمه "قلت: وعليه أهل العلم وفي المنهاج بيع حاضر لباد بأن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول بلديّ اتركه عندي لأبيعه على التدريج وفي الوقاية: كره بيع الحاضر للبادي طمعا في الثمن الغالي زمان القحط انتهى "والتناجش"وهو الزيادة في ثمن السلعة عن مواطأة لرفع ثمنها وعن ابن عمر عند مالك قال: النجش أن تعطيه في السلعة أكثر من ثمنها وليس في نفسك اشتراء فيقتدي بك غيرك وفي الصحيحين عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد وأن يتناجشوا" وفيهما من حديث ابن عمر قال: "نهى النبي ﷺ عن النجش" وأخرجه مالك أيضا قلت: وعليه أهل العلم في المنهاج ومن المنهي عنه النجش بأن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره فيشتريها وفي الوقاية كره النجش "والبيع على البيع"لحديث ابن عمر عند أحمد والنسائي "أن النبي ﷺ قال: لا يبيع أحدكم على بيع أخيه" وهو في الصحيحين أيضا بنحو ذلك وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا "لا يبيع الرجل على بيع أخيه " وقد ورد " أن من باع من رجلين فهو للأول منهما" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وصححه أبو زرعة وأبو حاتم والحاكم وفي الموطإ من حديث ابن عمر "أن رسول الله ﷺ قال: لا يبع بعضكم على بعض " قلت: وعليه الشافعي وفي المنهاج ومن المنهي عنه البيع على بيع غيره قبل لزومه بأن يأمر المشتري بالفسخ
стр. 409
ليبيعه مثله والشراء على الشراء بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه بأكثر وفي شرح السنة عند الحنفية المراد بالبيع على بيع أخيه هو السوم لأن عنده خيار المكان لا يثبت بالبيع فلا يتصور بعد التواجب بيع الغير عليه "وتلقي الركبان"بأن يتلقى طائفة يحملون متاعا إلى البلد فيشتريه منهم قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر وله الخيار إذا عرف الغبن كذا في المنهاج لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره قال: "نهى النبي ﷺ أن يُتلقى الجلب فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق "وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال "نهى النبي ﷺ عن تلقي البيوع "وفيهما أيضا نحو ذلك من حديث ابن عمر وابن عباس وفي الموطإ من حديث أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: لا تلقوا الركبان للبيع ولا يبع بعضكم على بعض ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لباد ولا تصروا الإبل والغنم "قلت: وعليه أهل العلم "والاحتكار"لحديث ابن عمر عند أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزار وأبي يعلى مرفوعا "من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برىء من الله وبرىء الله منه " وفي إسناده أصبغ بن زيد وفيه مقال وأخرج مسلم وغيره من حديث معمر بن عبد الله مرفوعا "لا يحتكر إلا خاطيء " وأخرج نحوه أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة قلت: وعليه أهل العلم قال النووي في شرح مسلم: قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو ثمنه فأما إذا اشتراه أو جاء من قرية وقت الرخص وادخره أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله أو ابتاعه ليبيعه في الوقت فليس باحتكار ولا تحريم فيه وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال هذا تفصيل مذهبنا وفي الهداية يكره الاحتكار في أقوات الآدمي والبهائم إذا كان ذلك في بلد يضر الاحتكار بأهله ومن احتكر غلة ضيعته أو جلبه من بلد آخر فليس بمحتكر أقول: الحق أن الأحاديث المطلقة في تحريم الاحتكار مقيدة بالطعام فلا يصح ما قيل من تحريم احتكار قوت البهائم والقياس له على قوت الآدمي قياس مع الفارق ولا يكون الاحتكار محرما إذا كان لقصد أن يغلي ذلك على المسلمين كما ورد في حديث أبي هريرة عند أحمد والحاكم فاعتبار هذا القيد لا بد
стр. 410
منه فمن لم يقصد ذلك لم يحرم عليه الاحتكار وظاهره أن القاصد باحتكاره غلاء الأسعار على المسلمين داخل تحت النهي والوعيد سواء كان بالمسلمين حاجة أم لا لأن هذا القصد بمجرده كاف وأما إجبار المحتكر على البيع فجائز إن لم يكن واجبا لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما واجبان على كل مكلف "والتسعير"لحديث أنس عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجة والدارمي والبزار وأبي يعلى "أن السعر غلا على عهد رسول الله ﵌ فقالوا: يارسول الله سعر لنا فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال " وصححه ابن حبان والترمذي وفي الباب أحاديث وفي الهداية ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس فإن كان أرباب الطعام يتحكمون ويتعدون في القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير فحينئذ لا بأس به بمشورة من أهل الرأي والبصر انتهى "ويجب وضع الجوائح"الجائحة الآفة التي تهلك الثمار والأموال لحديث جابر "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وضع الجوائح "أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود وأخرجه أيضا مسلم بلفظ "أمر بوضع الجوائح "وفي لفظ لمسلم وغيره "إن كنت بعت من أخيك ثمرا فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك" وفي الباب عن عائشة في الصحيحين وعن أنس فيهما أيضا وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وأبو حنيفة والليث وسائر الكوفيين قلت: وهو عند أبي حنيفة على الاستحباب وعند الشافعي في القديم على الوجوب وفي الجديد على الاستحباب "ولا يحل سلف وبيع"قال مالك: وتفسير ذلك أن يقول الرجل للرجل آخذ سلعتك بكذا وكذا على أن تسلفني كذا وكذا فإن عقدا بيعهما على هذا فهو غير جائز فإن ترك الذي اشترط السلف ما اشترط منه كان ذلك البيع جائزا قلت: وعليه أهل العلم وفي شرح السنة هو أن يقول أبيعك هذا الثوب بعشرة دراهم على أن تقرضني عشرة دراهم والمراد بالسلف هنا القرض فهذا فاسد لأنه جعل العشرة وفي القرض ثمنا للثوب فإذا بطل الشرط سقط بعض الثمن وصار ما يبقى من المبيع بمقابلة الباقي مجهولا قال الماتن: قال مالك: هو أي السلف هنا أن تقرض قرضا ثم تبايعه عليه
стр. 411
بيعا يزداد عليه وهو فاسد لأنه إنما تقرضه على أن تحابيه في الثمن وقد يكون السلف بمعنى السلم وذلك مثل: أن تقول أبيعك عبدي هذا بألف على أن تسلفني ماله في كذا وكذا انتهى "ولا شرطان في بيع"لحديث عبد الله بن عمرو "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك " أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وكذلك صححه ابن خزيمة والحاكم والشرطان في بيع أن يقول بعتك هذا بألف إن كان نقدا وبألفين إن كان نسيئة وقيل هو أن يقول بعتك ثوبي بكذا وعلي قصارته وخياطته وفي الحجة البالغة: ومعنى الشرطين أن يشترط حقوق البيع ويشترط أن يشترط حقوق البيع ويشترط شيئا خارجا منها مثل: أن يهبه كذا أو يشفع له إلى فلان أو إن احتاج إلى بيعه لم يبع إلا منه ونحو ذلك فهذان شرطان في صفقة واحدة "ولا بيعتان في بيعة"لحديث أبي هريرة عند أحمد والنسائي وأبي داود والترمذي وصححه "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نهى عن بيعتين في بيعة "ولفظ أبي داود "من باع بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا " وأخرجه أحمد من حديث عبد الله بن مسعود قال: "نهى النبي صلى الله عليه تعالى عليه وآله وسلم عن صفقتين في صفقة "قال سماك هو الرجل يبيع البيع فيقول بنسء كذا وبنقد كذا ورجاله رجال الصحيح وما ذكره سماك هو معنى البيعتين في بيعة وقد تقدم تفسير الشرطين في بيعة بمثل هذا وليس بصحيح بل المراد بالشرطين في بيعة أن البيع واحد شرط فيه شرطان وهنا البيع بيعان قلت: وفي شرح السنة فسروا البيعتين في بيعة على وجهين: أحدهما أن يقول بعتك هذا الثوب بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة إلى سنة فهو فاسد عند أكثر أهل العلم فإذا باعه على أحد الأمرين في المجلس فهو صحيح لا خلاف فيه والآخر أن يقول بعتك عبدي هذا بعشرين ديناراً على أن تبيعني جاريتك فهذا فاسد لأنه جعل ثمن العبد عشرين دينارا وشرك بيع الجارية وذلك شرط لا يلزم وإذا لم يلزم ذلك بطل بعض الثمن فيصير ما بقي من المبيع في مقابلة الباقي مجهولا أما إذا جمع بين شيئين في صفقة واحدة بأن باع دارا وعبدا بثمن واحد فهو جائز وليس من باب
стр. 412
البيعتين في بيعة إنما هي صفقة واحدة جمعت شيئين وأما بيع الشئ بأكثر من سعر يومه مؤجلا فأقول الزيادة على سعر يوم البيع ليست من الربا في ورد ولا صدر لأن الربا زيادة أحد المتساويين على الآخر ولا تساوي بين الشئ وثمنه مع اختلاف جنسهما فلا يصح أن يكون تحريم هذه الصورة لكونها ربا فإن قيل أن تحريمها لكونه الزيادة في مقابل التنفيس بالأجل فقط فلا يخفى أن تحريم مثل ذلك مفتقر إلى دليل والمسألة محتملة للبسط وقد أفردها الماتن برسالة مستقلة سماها شفاء العلل في حكم الزيادة لأجل الأجل ولكن يمكن الاستدلال لهذا المنع بما أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: من باع بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا " وبما أخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: "نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة قال: سماك هو الرجل يبيع المبيع فيقول: هو بنساء كذا وهو بنقد كذا "قال في مجمع الزوائد: رجال أحمد ثقات فهذان الحديثان قد دلا على أن الزيادة لأجل النساء ممنوعة ولهذا قال: "فله أو كسهما أو الربا " والأعيان التي هي غير ربوية داخلة في عموم الحديثين وقد ذهب الجمهور: إلى جواز بيع الشئ بأكثر من بيع يومه لأجل النساء ونازعوا في دلالة الحديثين المذكورين على محل النزاع وربح ما لم يضمن لما تقدم في دليل لا يحل سلف وبيع وهو أن يبيع شيئا لم يدخل في ضمانه كالبيع قبل القبض "وبيع ما ليس عند البائع"لحديث حكيم بن حزام قال: "قلت يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي أبيعه منه ثم أبتاعه من السوق فقال لا تبع ما ليس عندك" أخرجه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن ماجه والمراد بقوله: ما ليس عندك أي ما ليس في ملكك وقدرتك وفي معنى بيع ما ليس عنده أن يبيع مال غيره بغير إذنه لأنه غرر لا يدري هل يجيزه غيره أولا وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الفضولي ويكون موقوفا على إجازة المالك وبيع القطوط عند أهل العلم لا يجوز حتى تصل إلى من كتبت له فيملك ثم يبيع "القط الصك "ومنه قوله تعالى: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ ويجوز بشرط عدم الخداع"لحديث ابن عمر في الصحيحين قال: "ذكر
стр. 413
رجل لرسول الله ﷺ أنه يُخدع في البيوع فقال: من بايعت فقل لا خلابة "وفي الباب أحاديث والخلابة الخديعة وظاهره أن من قال بذلك ثبت له الخيار سواء غبن أو لم يغبن "والخيار في المجلس ثابت ما لم يتفرقا"لحديث حكيم بن حزام في الصحيحين "أن النبي ﷺ قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وفيهما أيضا نحوه من حديث ابن عمر وأيضا في الموطإ من حديث ابن عمر بلفظ "أن رسول الله صلى الله عليه قال المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" وفي الباب أحاديث وقد ذهب إلى إثبات خيار المجلس جماعة من الصحابة منهم علي وأبو برزة الأسلمي وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم ومن التابعين شريح الشعبي وطاوس وعطاء وابن أبي مليكة نقل ذلك عنهم البخاري ونقل ابن المنذر القول به أيضا عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة وعن الحسن البصري والأوزاعي وابن جريج وغيرهم وبالغ ابن حزم فقال: لا يعرف لهم مخالف من التابعين إلا النخعي وحده وحكاه صاحب البحر أيضا عن الشافعي وأحمد وإسحق وأبي ثور وذهب الحنفية والمالكية وغيرهم إلى أنها إذا وجبت الصفقة فلا خيار والحق القول الأول
стр. 414
" باب الربا "
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه﴾ واتفق أهل العلم أن الربا من الكبائر وأنه إذا وقع هذا العقد فهو باطل ولا يجب إلا رد رأس المال وإن كان ذو عسرة فحكمه الإنظار إلى الميسرة أقول: هذا الحكم يستفاد من كتاب الله تعالى قال : ﴿إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ومفهوم الشرط يدل على جواز أخذ مال المربي مع عدم التوبة ويستدل بهذه الآية أيضا على جواز أخذ ما ربح المربي من الربا وهو ما زاد على رأس ماله سواء تاب أو لم يتب فالحاصل أنه يجوز أخذ جميع ماله الربح ورأس
стр. 415
المال مع عدم التوبة ويجوز أخذ رأس المال فقط معها "يحرم بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلا بمثل يدا بيد"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد والستة الأجناس المذكورة هي المنصوص عليها في الأحاديث كحديث أبي سعيد بلفظ "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو ازداد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء " وهو في الصحيح وسائر الأحاديث في الصحيحين وغيرهما هكذا ليس فيها إلا ذكر الستة الأجناس وفي الحجة البالغة وتفطن الفقهاء أن الربا المحرم يجري في غير الأعيان الستة المنصوص عليها وأن الحكم متعد منها إلى كل ملحق بشئ منها في شرح السنة اتفق العلماء على أن الربا يجري في هذه الأشياء الستة التي نص الحديث عليها وذهب عامتهم إلى أن حكم الربا غير مقصور عليها بأعيانها إنما ثبت لأوصاف فيها ويتعدى إلى كل ما يوجد فيه تلك الأوصاف وذهبوا إلى أن الربا ثبت في الدراهم والدنانير بوصف وفي الأشياء الأربعة بوصف آخر ثم اختلفوا في ذلك الوصف فقال الشافعي: ثبت في الدراهم والدنانير بوصف النقدية وقال أبو حنيفة: بعلة الوزن حتى إن الربا يجري في الحديد والنحاس والقطن وقال الشافعي: في القديم ثبت في الأشياء الأربعة بوصف الطعم مع الكيل والوزن كما قال سعيد بن المسيب وفي الجديد ثبت فيها بوصف الطعم فقط وأثبت في جميع الأشياء المطعومة مثل: الثمار والفواكه والبقول والأدوية فدل على أن مأخذ الاشتقاق علة وقال أبوحنيفة: ثبت في الأشياء الأربعة بوصف الكيل حتى إن الربا يجري في الجص والنورة وسيأتي ما يدفع ذلك كله "وفي إلحاق غيرها بها خلاف"هل يلحق بهذه الأجناس المذكورة غيرها فيكون حكمه حكمها في تحريم التفاضل والنساء مع الاتفاق في الجنس وتحريم النساء فقط مع الاختلاف في الجنس والاتفاق في العلة فقالت الظاهرية: إنه لا يلحق بها غيرها ورجحه في سبل السلام وقال قد أردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميناها القول المجتبى انتهى وتفصيل ذلك في مسك
стр. 416
الختام وذهب من عداهم إلى أنه يلحق بها ما يشاركها في العلة واختلفوا في العلة ما هي؟ فقيل الاتفاق في الجنس والطعم وقيل الجنس والتقدير بالكيل والوزن والاقتيات وقيل الجنس ووجوب الزكاة وقيل الجنس والتقدير بالكيل والوزن وقد يستدل لمن قال بالإلحاق بما أخرجه الدارقطني والبزار عن الحسن من حديث عبادة وأنس "أن النبي ﷺ قال: ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا وما كيل فمثل ذلك فإذا اختلف النوعان فلا بأس به" وقد أشار إلى هذا الحديث صاحب التلخيص ولم يتكلم عليه وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره وضعفه جماعة قال أحمد: لا بأس به وقال يحيى بن معين: في رواية عنه ضعيف وفي أخرى ليس به بأس وربما دلس وقال ابن سعد والنسائي ضعيف وقال أبو زرعة شيخ صالح وقال أبو حاتم: رجل صالح انتهى ولا يلزم من وصفه بالصلاح أن يكون ثقة في الحديث وقال في التقريب: صدوق سيء الحفظ ولا يخفاك أن الحجة لا تقوم بمثل هذا الحديث لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم فإنه حكم بالربا الذي هو من أعظم معاصي الله على غير الأجناس التي نص عليها رسول الله ﷺ وذلك يستلزم الحكم على فاعله بأنه مرتكب لهذه المعصية التي هي من الكبائر ومن القطعيات الشرعية ومع هذا فإن هذا الإلحاق قد ذهب إليه الجمع الجم والسواد الأعظم ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية فقط وهذا الحديث كما يدل على إلحاق غير الستة بها كذلك يدل على أن العلة الاتفاق في الكيل والوزن مع اتحاد الجنس ومما يدل على أن الربا يثبت في غير هذه الأجناس حديث ابن عمر في الصحيحين قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام نهى عن ذلك كله "وفي لفظ لمسلم "وعن كل ثمر بخرصه "فإن هذا الحديث يدل على ثبوت الربا في الكرم والزبيب ورواية مسلم تدل على أهم من ذلك ومما يدل على الإلحاق ما أخرجه مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب "أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان "وأخرجه أيضا الشافعي وأبو داود في المراسيل ووصله الدارقطني في الغريب عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد وحكم بضعفه وصوب الرواية المرسلة وتبعه ابن عبد البر
стр. 417
وله شاهد من حديث ابن عمر عند البزار وفي إسناده ثابت بن زهير وهو ضعيف وأخرجه أيضا من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضا وأبو أمية ضعيف وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة عند الحاكم والبيهقي وابن خزيمة ومما يؤيد ذلك حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة عند الترمذي في رخصة العرايا وفيه "وعن بيع العنب بالزبيب وعن كل ثمر بخرصه "ومما يدل على أن المعتبر الاتفاق في الوزن حديث أبي سعيد عند أحمد ومسلم بلفظ "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء" وأخرج أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة "الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل" وعند مسلم والنسائي وأبي داود من حديث فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن" ومما ورد في اعتبار الكيل حديث ابن عمر المتقدم وفيه "وإن كان كرما أن تبيعه بزبيب كيلا" وما سيأتي قريبا من النهي عن بيع الصبرة لا يعلم كيلها. أقول: أما اختلاف مثبتي القياس في علة الربا فليس على شئ من هذه الأقوال حجة نيرة إنما هي مجرد تظننات وتخمينات انضمت إليها دعاوى طويلة بلا طائل هذا يقول العلة التي ذهب إليها ساقه إلى القول بها مسلك من مسالك العلة لتخريج المناط والآخر يقول ساقه إلى ما ذهب إليه مسلك آخر كالسبر والتقسيم ونحن لا نمنع كون هذه المسالك تثبت بمثلها الأحكام الشرعية بل نمنع اندراج ما زعموه علة في هذا المقام تحت شئ منها فما أحسن الاقتصار على نصوص الشريعة وعدم التكليف بمجاوزتها والتوسع في تكليفات العباد بما هو تكليف محض ولسنا ممن يقول بنفي القياس لكنا نقول بمنع التعبد به فيما عدا العلة المنصوصة وما كان طريق ثبوته فحوى الخطاب وليس ما ذكروه ههنا من هذا القبيل فليكن هذا المبحث على ذكر منك تنتفع به في مسائل كثيرة قال الماتن ﵀ في كتابه السيل الجرار: ولا يخفاك أن ذكره ﷺ للكيل والوزن في الأحاديث لبيان ما يتحصل به التساوي في الأجناس المنصوص عليها فكيف كان هذا الذكر سببا لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل والوزن بهذه الأجناس الثابتة في الأحاديث وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك وأي مناط استفيد منها مع العلم أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي كما قال: "مثلا بمثل سواء
стр. 418
بسواء" وأما الاتفاق في الجنس والطعم كما قال الشافعي واستدلوا على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع النبي ﷺ يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير" فأقول: ذكر النبي ﷺ الطعام فكان ماذا؟ وأي دليل على أنه أراد بهذا الذكر الإلحاق؟ وأي فهم يسبق إلى كون ذلك هو العلة المعدية حتى تركب عليها القناطر وتبنى عليها القصور ويقال هذا دليل على أن كل ماله طعم كان يبعه بماله متفاضلا ربا مع أن أول ما يدفع هذا الاستدلال الذهب والفضة اللذين هما أول منصوص عليه في الأحاديث المصرحة بذكر الأجناس التي تحرم فيها الربا ومما يدفع القولين جميعا أنه قد ثبت في الأحاديث أن النبي ﷺ ذكر العدد كما في حديث عثمان عند مسلم بلفظ "لا تبيعوا الدينار بالدينارين" وفي رواية من حديث أبي سعيد "ولا درهمين بدهم" ولا يعتبر العدد أحد من أهل هذين القولين ولا من غيرهم وقد وافقت المالكية الشافعي في الطعم وزادت عليه الادخار والاقتيات فوسعوا الدائرة بما ليس بشئ والحاصل أنه لم يرد دليل به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها بها "فإن اختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا كان يدا بيد"لما ثبت في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال "الذهب الذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " وفي الباب أحاديث "ولا يجوز بيع الجنس بجنسه مع عدم العلم بالتساوي"لما وقع في الأحاديث الصحيحة من قوله ﷺ "مثلا بمثل سواء بسواء وزنا بوزن" فإن هذا يدل على أنه لا يجوز بيع الشئ بجنسه إلا بعد العلم بالمماثلة والمساواة ومما يدل على ذلك حديث جابر عند مسلم وغيره قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكليل المسمى من التمر "فإن هذا يدل على أنه لا يجوز البيع إلا بعد العلم "وإن صحبه غيره"أي لا تأثير لمصاحبة شئ آخر لأحد المثلين لحديث فضالة بن عبيد عند مسلم وغيره قال: "اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "لا
стр. 419
تباع حتى تفصل" وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف منهم عمر بن الخطاب وقال به الشافعي وأحمد وإسحق وذهب جماعة منهم الحنفية إلى جواز التفاضل مع مصاحبة شئ آخر إذا كانت الزيادة مساوية لما قابلها "ولا بيع الرطب بما كان يابسا"لحديث ابن عمر المتقدم في النهي عن أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا وكذلك حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة المتقدمات وفي الموطإ حديث سعد قال "سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال رسول الله ﷺ : "أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم فنهى عن ذلك "قلت: وعليه الشافعي وهذا الحديث أصل في أنه لا يجوز بيع شئ من المطعوم بجنسه أحدهما رطب والآخر يابس مثل: بيع الرطب بالتمر وبيع العنب بالزبيب وبيع اللحم الرطب بالقديد وهذا قول أكثر أهل العلم وإليه ذهب مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وجوزه أبو حنيفة وحده ورده بالمتشابه من قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ والمتشابه من قياس في غاية الفساد وهو قولهم: الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين وإما أن يكون جنسا واحدا وعلى التقديرين فلا يمنع بيع أحدهما بالآخر قال ابن القيم: وإذا نظرت إلى هذا القياس رأيته مصادما للسنة أعظم مصادمة ومع أنه فاسد في نفسه بل هما جنس واحد أحدهما أزيد من الآخر قطعا بنية فهو أزيد أجزاء من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتميزها ولا يمكن أن يجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به عند الكمال إذ هو ظن وحسبان فكان المنع من بيع أحدهما بالآخر محض القياس لو لم يأت به سنة وحتى لو لم يكن ربا ولا القياس يقتضيه لكان أصلا قائما بنفسه يجب التسليم والانقياد له كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة انتهى "إلا لأهل العرايا"لحديث زيد بن ثابت عند البخاري وغيره "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلا "وفي لفظ في الصحيحين "رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا "وأخرج أحمد والشافعي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث جابر قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: حين أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بخرصها الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة "
стр. 420
وفي الباب أحاديث والمراد أن النبي ﷺ رخص للفقراء الذين لا نخل لهم أن يشتروا من أهل النخل رطبا يأكلونه في شجرة بخرصه تمرا والعرايا جمع عرية وهي في الأصل عطية ثمر النخل دون الرقبة وقد ذهب إلى ذلك الجمهور ومن خالف فالأحاديث ترد عليه قلت: العرية فعيلة بمعنى مفعولة من عراه يعروه إذا قصده وهي عقد مقصود أو بمعنى فاعلة من عري يعرى إذا خلع ثوبه كأنها عريت وهي بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض والعنب في الشجر بزبيب فيما دون خمسة أوسق وقال محمد: وبهذا نأخذ ولفظ البخاري في باب تفسير العرايا قال مالك: العرية أن يعري الرجل الرجل النخلة ثم يتأذى بدخوله عليه فرخص له أن يشتريها منه بتمر وقال ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر يدا بيد ولا تكون بالجزاف ومما يقويه قول ابن أبي حثمة بالأوسق الموسقة وقال ابن إسحق: في حديثه عن نافع عن ابن عمر كانت العرايا أن يعري الرجل الرجل في ماله النخلة والنخلتين وقال يزيد: عن سفيان بن حسين العرايا نخل كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها رخص لهم أن يبيعوها بما شاؤا من التمر انتهى.
أقول: العرايا أصلها أن العرب كانت تطوع على من لا ثمر له كما يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة وهي عطية اللبن دون الرقبة قال الجوهري في الصحاح: العرية هي النخلة التي يعريها صاحبها رجلا محتاجا بأن يجعل له ثمرها عاما من عراه إذا قصده انتهى فرخص ﷺ لمن لا نخل لهم أن يشتري الرطب على النخل بخرصها تمرا كما وقع في الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن ثابت وفي لفظ في الصحيحين من حديثه "رخص في العرايا يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا "وفي لفظ لهما من حديثه "ولم يرخص في غير ذلك "فهذا جائز والذي أخبرنا بتحريم الربا ومنعنا من المزابنة هو الذي رخص لنا في العرايا والكل حق وشريعة واضحة وسنة قائمة ومن منع ذلك فقد تعرض لرد الخاص بالعام ولرد الرخصة بالعزيمة ولرد السنة بمجرد الرأي وهكذا من منع من البيع وجوز الهبة كما روي عن أبي حنيفة ﵀ ولكن هذه الرخصة مقيدة بأن يكون الشراء بالوسق والوسقين والثلاثة والأربعة كما وقع في حديث جابر عند الشافعي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان
стр. 421
والحاكم فلا يجوز الشراء بزيادة على ذلك ولا بيع اللحم بالحيوان لما تقدم قريبا من حديث سعيد بن المسيب عند مالك "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحيوان باللحم "وقال سعيد: من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين وقال نهى عن بيع الحيوان باللحم وقال أبو الزناد: كل من أدركت من أهل العلم ينهون عن بيع الحيوان باللحم أي من جنسه وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره وفي شرح السنة ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى تحريمه وإليه ذهب الشافعي وحديث ابن المسيب وإن كان مرسلا لكنه يتقوى بعمل الصحابة واستحسن الشافعي مرسل ابن المسيب وذهب جماعة إلى إباحته واختارها المزني إذ لم يثبت الحديث وكان فيه قول متقدم ممن يكون بقول اختلاف ولأن الحيوان ليس بمال الربا بدليل أنه يجوز بيع حيوان بحيوانين فبيع اللحم بالحيوان بيع مال الربا بما لا ربا فيه فيجوز ذلك في القياس إلا أن يثبت الحديث فنأخذ به وندع القياس وقال محمد في الموطإ: وبهذا نأخذ من باع لحما من لحم الغنم بشاة حية لا يدري اللحم أكثر أو مافي الشاة أكثر فالبيع فاسد مكروه ولا ينبغي وهذا مثل المزابنة والمحاقلة وكذا بيع الزيتون بالزيت ودهن السمسم بالسمسم. أقول: والأحسن عندي أن معنى الحديث: أن يقول للقصاب كم يخرج من هذه الشاة فيقول القصاب: عشرون رطلا فيقول: خذ هذه الشاة بعشرين رطلا من اللحم إن خرج أكثر فلك أو أقل فعليك وهذا نوع من القمار ورجع الحديث إلى القياس
"ويجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه"لحديث جابر عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي قال: "إن النبي ﷺ اشترى عبدا بعبدين "وأخرجه أيضا مسلم في صحيحه وأخرج أيضا مسلم وغيره من حديث أنس "أن النبي ﷺ اشترى صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي "وأخرج أحمد وأبو داود من حديث ابن عمرو "أن النبي ﷺ أمره أن يبعث جيشاً على إبل كانت عنده قال: فحملت الناس عليها حتى نفذت الإبل وبقيت بقية من الناس قال: فقلت يارسول الله الإبل قد نفذت وبقيت بقية من الناس لا ظهر لهم فقال لي: ابتع علينا إبلا بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى ينفذ هذا البعث قال: وكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى
стр. 422
نفذت ذلك البعث فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله ﷺ "وفي إسناده محمد ابن اسحق وفيه مقال وقوى في الفتح إسناده وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن الجارود من حديث سمرة قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة "وهو من رواية الحسن عن سمرة ولم يسمع منه١ وقد جمع الشافعي بين الحديثين بأن المراد به النسيئة من الطرفين فيكون ذلك من بيع الكالىء بالكالىء لا من طرف واحد فيجوز وفي الموطإ أن علي بن أبي طالب باع جملا له يدعى عصيفر بعشرين بعيرا إلى أجل وأن عبد الله بن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة وسئل ابن شهاب عن بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل فقال: لا بأس بذلك قال الشافعي: يجوز سواء كان الجنس واحدا أو مختلفا مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم سواء باع واحدا بواحد أو باثنين وقال أبو حنيفة: لا يجوز وفي بيع الحيوان بالحيوان نسيئة خلاف "ولا يجوز بيع العينة"لحديث ابن عمر "أن النبي ﷺ قال: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم "أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان وصححه وقال الحافظ: رجاله ثقات والمراد بالعينة بكسر العين المهملة بيع التاجر سلعته بثمن إلى أجل ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن ويدل على المنع من ذلك ما رواه أبو إسحق السبيعي عن امرأته "أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقع فقالت: يا أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وإني ابتعته منه بستمائة نقدا فقالت لها عائشة: بئسما اشتريت وبئسما شريت إن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل إلا أن يتوب "أخرجه الدارقطني وفي إسناده الغالية بنت أيفع وقد روي عن الشافعي أنه لا يصح وقرر كلامه ابن كثير في إرشاده وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة مالك وأبو حنيفة وأحمد وجوز ذلك الشافعي وأصحابه وقد ورد النهي عن العينة من طرق عقد لهما البيهقي في سننه بابا. أقول: أما بيع أئمة الجور وشراؤهم
стр. 423
على وجه التجارة مع رعاياهم فهذه المسألة قد عمت وطمت وكادت تطبق الأرض وقد رأينا في كتب التواريخ حكايات عن ملوك مصر من الجراكسة وذلك من أشدها وأعظمها جرما أنهم إذا أرادوا بيع شئ لهم أكرهوا التجار على شرائه بأضعاف ثمنه وإذا أراد أحد منهم الامتناع ضربوه ضربا مبرحا وأخذوا ماله كرها ومن ذلك أنهم يمنعون الناس من الشراء من أحد من التجار حتى ينفق ما يريدون بيعه من أموالهم فيرتفع ثمنه لأجل ذلك وينفق سريعا قال الماتن في حاشية الشفاء: وفي الديار اليمنية من هذا القبيل أنواعها منها: أنهم يرسمون صرف القرش بمقدار محدود من الضربة التي يضربونها من الفضة المغشوشة بالنحاس المغلوبة بالغش على وجه لا تكون الفضة الخالصة إلا مقدار نصف الفضة التي في القرش ثم إن الرعايا لا تمتثل هذا الرسم بل يتعاملون في المصارفة بزيادة على ذلك إلى مقدار الثلث أو الربع من ذلك الرسم فإذا كان النقد خارجا من مال الدولة إلى غيرهم من الأجناد ونحوهم كان على ذلك الرسم الناقص وإذا كان النقد داخلا إلى أموال الدولة من الرعايا لم يقبلوا منهم إلا القروش الفرانسة أو الصرف الزائد الذي يتعامل به الرعية فيما بينهم فيأخذون ثلث أموال الرعية أو ربعها ظلما وإذا تزايد صرف القروش بين الرعايا أمر الأمراء بكسر السكة ويضربون ضربة أخرى مثل الكسورة في الخالص والغش أو أكثر منها غشا ثم يمنعون التعامل بتلك الضربة الأولى فيبيعونها الرعايا وزنا من الدولة فيأتي ثمن القفلة منها بنصف قفلة من الضربة الأخرى وقد يزيد قليلا أو ينقص قليلا ثم يأخذون تلك السكة الأولى ويضربونها على تلك الضربة الأخرى ويدفعونها إلى الرعايا بصرف قد رسموه فيأكلون بهذا الذريعة نصف أموال العباد أو قريبا من ذلك والرعايا لا يقدرون على الاستمرار على الرسم الذي يرسمونه لهم في صرف القروش من تلك الضربة لأنهم يحتاجون إلى القروش الفرانسة في كثير من الحالات لكونه لا يتفق لهم في المعاملة لتجار سائر الأرض إلا هي ومن الأنواع التي يأكلون بها أموال الرعايا أكلا ظاهرا ويتجرون فيها اتجارا بينا أنهم يجعلون ضرائب على الباعة في الأسواق يجبرونهم على تسليمها شاؤا أم أبوا ثم يأذنون لهم بالزيادة في الأسعار فيبيعون بما شاؤا
стр. 424
ويصنعون بالناس ما أرادوا وليس عليهم إلا الوفاء بالضرائب فإذا استغاث مستغيث بالناس من زيادة الأسعار أو أراد منكر أن ينكر على الباعة ما يفعلونه قالوا: هذه الزيادات للدولة فيلقمون المنكر والمستغيث حجرا وكم أعدد لك من هذه إلا حبولات الشيطانية التي هي السحت بلا شك ولا شبهة نسأل الله أن يصلح الجميع انتهى. ومن هذا القبيل أنواع المكوس على أهل الدور والتجارات والضرائب المتنوعة التي لا تكاد تنحصر على الرعايا في الأشياء المختلفة وكل ذلك من جهة الدول ولا شكوى في ذلك من الكفرة الفجرة الذي استولوا على أكثر البلاد الإسلامية بل من ملوك الإسلام وولاة المسلمين المدعين للتدين بالدين المحمدي والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وانظر في كتابنا إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة يتضح عليك الحق في هذا الباب من الباطل والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم قال الماتن في حاشية الشفاء: اعلم أن باب المصارفة قد صار في هذه الأزمنة بحيث لا يتمكن من الخلوص عن الدخول به في الربا البحت أحد كما عرفناك فيما سبق ثم إن الناس يحتاجون إلى التعامل بهذه الضربة في تصرفاتهم ويضطرون إلى المصارفة بها إلى القرش الفرنجي بذلك المقدار المرسوم لهم فيبيعون الفضة بالفضة مع العلم بالتفاضل وهذا ربا بحت والعارف منهم يستروح إلى حيل قد رآها في كتب الفروع التي لا يرجع غالبها إلى دليل وهي لا تغني من الحق شيئا وها نحن نعرفك بغالب ما يظنونه من الحيل مخلصا له من ورطة الربا فمن ذلك أن بعض المتفقهة الذين لا يعرفون لعلوم الاجتهاد رسما قد أفتاهم بأنه لا ربا في المعاطاة وأن الصرف الذي يفعله الناس الآن هو معاطاة لعدم وقوع العقد وهذا المقصر لا يدري بأن أدلة الكتاب والسنة مصرحة بتحريم الربا من غير نظر إلى عقد بل لم يعتبر الله في البيع إلا مجرد الرضا ومن ذلك ما قاله أيضا بعض المصنفين في الفروع أن الغش في كل واحد من البدلين يكون مقابلا للفضة في الآخر وهذا لا يرضى به عاقل قط وكيف يرضى العاقل أن يبيع تسع أواقي فضة بأوقية نحاس فإن كان مراد هذا القائل أن ذلك مخلص عن الربا سواء رضي كل واحد من المتبايعين بالبدل أم لم يرض فهذا جهل لا علم ومن ذلك أن الغش في كل واحد من البدلين يكون جريرة مسوغة للصرف وهذا يرده حديث القلادة
стр. 425
فإنه قد انضم إلى الفضة غيرها ولم يجعل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ذلك مسوغا للبيع بل أمر بالفصل والتمييز بين الفضتين وقد ذكروا غير هذه الأمور مما هو من السقوط بمكان لا يخفى على من له أدنى فطنة فإن قلت فهل من مخلص من هذه الورطة التي وقع الناس فيها؟ قلت: نعم ثم مخلص أرشد إليه رسول الله ﷺ وهو ما قاله لمن اشترى تمرا جيدا بتمر رديء أحد التمرين جمع والآخر جنيب وأخبره أنه اشترى الصاع الجيد بصاعين من الرديء فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أن ذلك ربا " فسأله رسول الله كيف يصنع فقال: إنه " يبيع التمر الرديء بالدراهم ثم يشتري بها التمر الجيد" فهذه وسيلة شرعية ومعاملة نبوية فمن أراد أن يصرف الدراهم المغشوشة بالقروش الفرنجية فليشتر صاحب الدراهم مثلا بمقدار صرف القرش سلعة من صاحب القرش ثم يبيعها منه بالقرش ولا مخلص من ذلك إلا هذه الصورة ومن ظن أن ثم مخلصا في غيرها فهو مخادع بنفسه بما هو صريح الربا المتوعية عليه بحرب من الله ورسوله وعلى الضارب لتلك الدراهم المغشوشة نصيبه من الإثم لأنه حمل الناس على الربا وألجأهم إلى الدخول فيه وسن لهم هذه السنة الملعونة لقصد الحطام وأكل أموال الناس بالباطل ولو كان ممتثلا لما أمر الله به من الرفق بالرعية والعدل في القضية لكان له بضرب الفضة الخالصة عن الغش مندوحة وأقل أحوال المسلم أن يكون في رعاية مصالح الرعية كالفرنج فيجعل ضربته كضربتهم حتى يرتفع الربا في المصارفة انتهى