← Фикх общий

Фикх общий · id 7444

الروضة الندية شرح الدرر البهية ط المعرفة

صديق حسن خان

Полный текст (711 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والحاكم فلا يجوز الشراء بزيادة على ذلك ولا بيع اللحم بالحيوان لما تقدم قريبا من حديث سعيد بن المسيب عند مالك "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحيوان باللحم "وقال سعيد: من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين وقال نهى عن بيع الحيوان باللحم وقال أبو الزناد: كل من أدركت من أهل العلم ينهون عن بيع الحيوان باللحم أي من جنسه وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره وفي شرح السنة ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى تحريمه وإليه ذهب الشافعي وحديث ابن المسيب وإن كان مرسلا لكنه يتقوى بعمل الصحابة واستحسن الشافعي مرسل ابن المسيب وذهب جماعة إلى إباحته واختارها المزني إذ لم يثبت الحديث وكان فيه قول متقدم ممن يكون بقول اختلاف ولأن الحيوان ليس بمال الربا بدليل أنه يجوز بيع حيوان بحيوانين فبيع اللحم بالحيوان بيع مال الربا بما لا ربا فيه فيجوز ذلك في القياس إلا أن يثبت الحديث فنأخذ به وندع القياس وقال محمد في الموطإ: وبهذا نأخذ من باع لحما من لحم الغنم بشاة حية لا يدري اللحم أكثر أو مافي الشاة أكثر فالبيع فاسد مكروه ولا ينبغي وهذا مثل المزابنة والمحاقلة وكذا بيع الزيتون بالزيت ودهن السمسم بالسمسم. أقول: والأحسن عندي أن معنى الحديث: أن يقول للقصاب كم يخرج من هذه الشاة فيقول القصاب: عشرون رطلا فيقول: خذ هذه الشاة بعشرين رطلا من اللحم إن خرج أكثر فلك أو أقل فعليك وهذا نوع من القمار ورجع الحديث إلى القياس "ويجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه"لحديث جابر عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي قال: "إن النبي ﷺ اشترى عبدا بعبدين "وأخرجه أيضا مسلم في صحيحه وأخرج أيضا مسلم وغيره من حديث أنس "أن النبي ﷺ اشترى صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي "وأخرج أحمد وأبو داود من حديث ابن عمرو "أن النبي ﷺ أمره أن يبعث جيشاً على إبل كانت عنده قال: فحملت الناس عليها حتى نفذت الإبل وبقيت بقية من الناس قال: فقلت يارسول الله الإبل قد نفذت وبقيت بقية من الناس لا ظهر لهم فقال لي: ابتع علينا إبلا بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى ينفذ هذا البعث قال: وكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى

стр. 422

نفذت ذلك البعث فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله ﷺ "وفي إسناده محمد ابن اسحق وفيه مقال وقوى في الفتح إسناده وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن الجارود من حديث سمرة قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة "وهو من رواية الحسن عن سمرة ولم يسمع منه١ وقد جمع الشافعي بين الحديثين بأن المراد به النسيئة من الطرفين فيكون ذلك من بيع الكالىء بالكالىء لا من طرف واحد فيجوز وفي الموطإ أن علي بن أبي طالب باع جملا له يدعى عصيفر بعشرين بعيرا إلى أجل وأن عبد الله بن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة وسئل ابن شهاب عن بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل فقال: لا بأس بذلك قال الشافعي: يجوز سواء كان الجنس واحدا أو مختلفا مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم سواء باع واحدا بواحد أو باثنين وقال أبو حنيفة: لا يجوز وفي بيع الحيوان بالحيوان نسيئة خلاف "ولا يجوز بيع العينة"لحديث ابن عمر "أن النبي ﷺ قال: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم "أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان وصححه وقال الحافظ: رجاله ثقات والمراد بالعينة بكسر العين المهملة بيع التاجر سلعته بثمن إلى أجل ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن ويدل على المنع من ذلك ما رواه أبو إسحق السبيعي عن امرأته "أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقع فقالت: يا أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وإني ابتعته منه بستمائة نقدا فقالت لها عائشة: بئسما اشتريت وبئسما شريت إن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل إلا أن يتوب "أخرجه الدارقطني وفي إسناده الغالية بنت أيفع وقد روي عن الشافعي أنه لا يصح وقرر كلامه ابن كثير في إرشاده وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة مالك وأبو حنيفة وأحمد وجوز ذلك الشافعي وأصحابه وقد ورد النهي عن العينة من طرق عقد لهما البيهقي في سننه بابا. أقول: أما بيع أئمة الجور وشراؤهم

стр. 423

على وجه التجارة مع رعاياهم فهذه المسألة قد عمت وطمت وكادت تطبق الأرض وقد رأينا في كتب التواريخ حكايات عن ملوك مصر من الجراكسة وذلك من أشدها وأعظمها جرما أنهم إذا أرادوا بيع شئ لهم أكرهوا التجار على شرائه بأضعاف ثمنه وإذا أراد أحد منهم الامتناع ضربوه ضربا مبرحا وأخذوا ماله كرها ومن ذلك أنهم يمنعون الناس من الشراء من أحد من التجار حتى ينفق ما يريدون بيعه من أموالهم فيرتفع ثمنه لأجل ذلك وينفق سريعا قال الماتن في حاشية الشفاء: وفي الديار اليمنية من هذا القبيل أنواعها منها: أنهم يرسمون صرف القرش بمقدار محدود من الضربة التي يضربونها من الفضة المغشوشة بالنحاس المغلوبة بالغش على وجه لا تكون الفضة الخالصة إلا مقدار نصف الفضة التي في القرش ثم إن الرعايا لا تمتثل هذا الرسم بل يتعاملون في المصارفة بزيادة على ذلك إلى مقدار الثلث أو الربع من ذلك الرسم فإذا كان النقد خارجا من مال الدولة إلى غيرهم من الأجناد ونحوهم كان على ذلك الرسم الناقص وإذا كان النقد داخلا إلى أموال الدولة من الرعايا لم يقبلوا منهم إلا القروش الفرانسة أو الصرف الزائد الذي يتعامل به الرعية فيما بينهم فيأخذون ثلث أموال الرعية أو ربعها ظلما وإذا تزايد صرف القروش بين الرعايا أمر الأمراء بكسر السكة ويضربون ضربة أخرى مثل الكسورة في الخالص والغش أو أكثر منها غشا ثم يمنعون التعامل بتلك الضربة الأولى فيبيعونها الرعايا وزنا من الدولة فيأتي ثمن القفلة منها بنصف قفلة من الضربة الأخرى وقد يزيد قليلا أو ينقص قليلا ثم يأخذون تلك السكة الأولى ويضربونها على تلك الضربة الأخرى ويدفعونها إلى الرعايا بصرف قد رسموه فيأكلون بهذا الذريعة نصف أموال العباد أو قريبا من ذلك والرعايا لا يقدرون على الاستمرار على الرسم الذي يرسمونه لهم في صرف القروش من تلك الضربة لأنهم يحتاجون إلى القروش الفرانسة في كثير من الحالات لكونه لا يتفق لهم في المعاملة لتجار سائر الأرض إلا هي ومن الأنواع التي يأكلون بها أموال الرعايا أكلا ظاهرا ويتجرون فيها اتجارا بينا أنهم يجعلون ضرائب على الباعة في الأسواق يجبرونهم على تسليمها شاؤا أم أبوا ثم يأذنون لهم بالزيادة في الأسعار فيبيعون بما شاؤا

стр. 424

ويصنعون بالناس ما أرادوا وليس عليهم إلا الوفاء بالضرائب فإذا استغاث مستغيث بالناس من زيادة الأسعار أو أراد منكر أن ينكر على الباعة ما يفعلونه قالوا: هذه الزيادات للدولة فيلقمون المنكر والمستغيث حجرا وكم أعدد لك من هذه إلا حبولات الشيطانية التي هي السحت بلا شك ولا شبهة نسأل الله أن يصلح الجميع انتهى. ومن هذا القبيل أنواع المكوس على أهل الدور والتجارات والضرائب المتنوعة التي لا تكاد تنحصر على الرعايا في الأشياء المختلفة وكل ذلك من جهة الدول ولا شكوى في ذلك من الكفرة الفجرة الذي استولوا على أكثر البلاد الإسلامية بل من ملوك الإسلام وولاة المسلمين المدعين للتدين بالدين المحمدي والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وانظر في كتابنا إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة يتضح عليك الحق في هذا الباب من الباطل والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم قال الماتن في حاشية الشفاء: اعلم أن باب المصارفة قد صار في هذه الأزمنة بحيث لا يتمكن من الخلوص عن الدخول به في الربا البحت أحد كما عرفناك فيما سبق ثم إن الناس يحتاجون إلى التعامل بهذه الضربة في تصرفاتهم ويضطرون إلى المصارفة بها إلى القرش الفرنجي بذلك المقدار المرسوم لهم فيبيعون الفضة بالفضة مع العلم بالتفاضل وهذا ربا بحت والعارف منهم يستروح إلى حيل قد رآها في كتب الفروع التي لا يرجع غالبها إلى دليل وهي لا تغني من الحق شيئا وها نحن نعرفك بغالب ما يظنونه من الحيل مخلصا له من ورطة الربا فمن ذلك أن بعض المتفقهة الذين لا يعرفون لعلوم الاجتهاد رسما قد أفتاهم بأنه لا ربا في المعاطاة وأن الصرف الذي يفعله الناس الآن هو معاطاة لعدم وقوع العقد وهذا المقصر لا يدري بأن أدلة الكتاب والسنة مصرحة بتحريم الربا من غير نظر إلى عقد بل لم يعتبر الله في البيع إلا مجرد الرضا ومن ذلك ما قاله أيضا بعض المصنفين في الفروع أن الغش في كل واحد من البدلين يكون مقابلا للفضة في الآخر وهذا لا يرضى به عاقل قط وكيف يرضى العاقل أن يبيع تسع أواقي فضة بأوقية نحاس فإن كان مراد هذا القائل أن ذلك مخلص عن الربا سواء رضي كل واحد من المتبايعين بالبدل أم لم يرض فهذا جهل لا علم ومن ذلك أن الغش في كل واحد من البدلين يكون جريرة مسوغة للصرف وهذا يرده حديث القلادة

стр. 425

فإنه قد انضم إلى الفضة غيرها ولم يجعل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ذلك مسوغا للبيع بل أمر بالفصل والتمييز بين الفضتين وقد ذكروا غير هذه الأمور مما هو من السقوط بمكان لا يخفى على من له أدنى فطنة فإن قلت فهل من مخلص من هذه الورطة التي وقع الناس فيها؟ قلت: نعم ثم مخلص أرشد إليه رسول الله ﷺ وهو ما قاله لمن اشترى تمرا جيدا بتمر رديء أحد التمرين جمع والآخر جنيب وأخبره أنه اشترى الصاع الجيد بصاعين من الرديء فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أن ذلك ربا " فسأله رسول الله كيف يصنع فقال: إنه " يبيع التمر الرديء بالدراهم ثم يشتري بها التمر الجيد" فهذه وسيلة شرعية ومعاملة نبوية فمن أراد أن يصرف الدراهم المغشوشة بالقروش الفرنجية فليشتر صاحب الدراهم مثلا بمقدار صرف القرش سلعة من صاحب القرش ثم يبيعها منه بالقرش ولا مخلص من ذلك إلا هذه الصورة ومن ظن أن ثم مخلصا في غيرها فهو مخادع بنفسه بما هو صريح الربا المتوعية عليه بحرب من الله ورسوله وعلى الضارب لتلك الدراهم المغشوشة نصيبه من الإثم لأنه حمل الناس على الربا وألجأهم إلى الدخول فيه وسن لهم هذه السنة الملعونة لقصد الحطام وأكل أموال الناس بالباطل ولو كان ممتثلا لما أمر الله به من الرفق بالرعية والعدل في القضية لكان له بضرب الفضة الخالصة عن الغش مندوحة وأقل أحوال المسلم أن يكون في رعاية مصالح الرعية كالفرنج فيجعل ضربته كضربتهم حتى يرتفع الربا في المصارفة انتهى

стр. 426

" باب الخيارات " "يجب على من باع ذاعيب أن يبينه وإلا ثبت للمشتري الخيار"لحديث عقبة بن عامر عند ابن ماجه والدارقطني والحاكم والطبراني قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب إلا بينه" وقد حسن إسناده الحافظ في القمح وأخرج نحوه أحمد وابن ماجه والحاكم في المستدرك من حديث واثلة مرفوعا وفي إسناده أبو جعفر الرازي وأبو سباع والأول مختلف فيه والثاني مجهول وأخرج ابن ماجه والترمذي والنسائي وابن الجارود والبخاري تعليقا

стр. 427

من حديث العداء بن خالد قال: "كتب لي النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بكسر الخاء بيع المسلم المسلم "ويؤيد هذه الأحاديث: حديث "من غشنا فليس منا " وهو في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة فدلت هذه الأحاديث على أن من باع ذا عيب ولم يبينه فقد باع بيعا لا يحل شرعا فيكون المشتري بالخيار إن رضيه فقد أثم البائع وصح البيع لوجود المناط الشرعي وهو التراضي وإن لم يرضه كان له رده لأن العلم بالعيب كشف عن عدم الرضا الواقع حال العقد فلم يوجد المناط الشرعي ولما ورد في رد المعيب وسيأتي "والخراج بالضمان" لحديث عائشة عند أحمد وأهل السنن والشافعي وصححه الترمذي وابن حبان وابن الجارود والحاكم وابن القطان وابن خزيمة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قضى أن الخراج بالضمان "وفي رواية "أن رجلا ابتاع غلاما فاستغله ثم وجد به عيبا فرده بالعيب فقال البائع غلة عبدي فقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الغلة بالضمان " والمراد بالخراج الدخل والمنفعة أي يملك المشتري الخراج الحاصل من المبيع بضمان الأصل الذي عليه أي بسببه قال مالك: في الرجل يشتري العبد فيؤاجره بالإجارة العظيمة أو القليلة ثم يجد به عيبا يرد منه إنه يرده بذلك العيب وتكون له إجارته وغلته وذلك الأمر الذي كانت عليه الجماعة ببلدنا وذلك لو أن رجلا ابتاع عبدا فبنى له دارا قيمة بنيانها ثمن العبد أضعافا ثم يوجد به عيب يرد منه رده ولا يحسب للعبد عليه إجارة فيما عمل له ذلك فكذلك تكون له إجارته إذا آجره من غيره لأنه ضامن له قلت: وعليه أهل العلم "وللمشتري الرد بالغرر"لأن المشتري إنما رضي بالمبيع عند العقد قبل علمه بالغرر فإذا تبين له الغرر كشف عن عدم الرضا الذي هو المناط الشرعي "ومنه"أي من ذلك الغرر "المصراة فيردها وصاعا من تمر"فإنه ثبت الخيار فيها بوجود الغرر الكائن بالتصرية وهو حبس اللبن في الضروع ليخيل المشتري غزارته فيغتر وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها

стр. 428

وإن سخطها ردها وصاعا من تمر "وفي رواية مسلم وغيره "من اشترى مصراة فهو منها بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر لا سمراء" قلت عليه الشافعي وفي المنهاج التصرية حرام تثبت الخيار على الفور وقيل: يمتد ثلاثة أيام فإن رد بعد تلف اللبن١ رد معها صاع تمر وقيل يكفي صاع قوت والأصح أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن وفي شرح السنة قال أبو حنيفة: لا خيار له بسبب التصرية وليس له ردها بالعيب بعد ما حلبها وقال ابن أبي ليلى: وأبو يوسف: بردها ويرد معها قيمة اللبن قال في الحجة البالغة: واعتذر بعض من لم يوفق للعمل بهذا الحديث بضرب قاعدة من عند نفسه فقال: كل حديث لا يرويه إلا غير فقيه أسند باب الرأي فيه يترك العمل به وهذه القاعدة على ما فيها لا تنطبق على صورتنا هذه لأنه أخرجه البخاري عن ابن مسعود أيضا وناهيك به ولأنه بمنزلة سائر المقادير الشرعية يدرك العقل حسن تقدير ما فيه ولا يستقل بمعرفة حكمه هذا القدر خاصة اللهم إلا عقول الراسخين في العلم انتهى قال ابن القيم: ومنها رد المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصراة بالمتشابه من القياس وزعمهم أن هذا حديث يخالف الأصول فلا يقبل فيقال: الأصول كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة والقياس الصحيح الموافق للكتاب والسنة فالحديث الصحيح أصل بنفسه فكيف يقال الأصل يخالف نفسه؟ هذا من أبطل الباطل والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلام الله تعالى وكلام رسوله وما عداهما فمردود إليهما فالسنة أصل قائم بنفسه والقياس فرع فكيف يرد الأصل بالفرع؟ قال الإمام أحمد: إنما القياس أن يقيس على أصل فأما أن يجيء إلى أصل فيهدمه ثم يقيس فعلى أي يقيس وقد تقدم بيان موافقة حديث المصراة للقياس وإبطال قول من زعم أنه خلاف القياس وأنه ليس في الشريعة حكم يخالف القياس الصحيح وأما القياس الباطل فالشريعة كلها مخالفة له ويا لله العجب كيف وافق الوضوء بالنبيذ المشتد الأصول حتى قبل وخالف خبر المصراة الأصول حتى رد انتهى. والحاصل: أنه لم يرد ما يعارض حديث المصراة

стр. 429

ولم تصح الرواية بلفظ "طعام أو بر "بل الذي صح الصاع من التمر وللحنفية أجوبة عن الحديث كثيرة ليس على شئ منها أثارة من علم وقد استوفاها الماتن في شرح المنتقى ودفعها جميعها ولا نؤثر على نص الشارع شيئا بل نقول: إذا تنازع بائع المصراة ومشتريها في قيمة اللبن المستهلك وردّ المشتري صاعا من تمر وجب على البائع قبوله ولا يجاب إلى غيره ولو كان المثل موجودا نعم إذا عدم التمر كان الواجب الرجوع إلى قيمته وكذلك إذا تراضى البائع والمشتري على قيمة أخرى كان الرضا له حكمه وتمام هذا البحث في شرحنا لبلوغ المرام فليرجع إليه "أو ما يتراضيان عليه"لأن حق الآدمي مفوض إليه فإذا رضي بأخذ عوض عنه جاز ذلك كما لو رضي بإسقاطه أو أخذ بعضه "ويثبت الخيار لمن خدع"فإن كان مع شرط عدم الخداع فلا ريب في ذلك لما تقدم من حديث ابن عمر "أن رجلا كان يُخدع في البيوت فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: من بايعت فقل لا خلابة" وهو في الصحيحين والموطأ وزاد فيه "فكان الرجل إذا بايع يقول لا خلابة "وقد ثبت أن النبي ﷺ جعل لحبان بن منقذ الذي كان يخدع في البيوع خيار ثلاثة أيام كما في حديث ابن عمر في رواية منه وكذلك في حديث غيره وأما إذا لم يشترط فالبيع الذي وقع ليس هو بيع المسلم إلى المسلم بل هو مشتمل على الخبث والخداع والغائلة فللمخدوع الخيار لكونه كذلك ولكونه الخداع كشفا عن عدم الرضا المحقق الذي هو المناط كما تقدم تقريره قلت: اختلفوا في تفسير هذا الحديث فقال المحلي: لا خلابة عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثة أيام وفي رواية البيهقي وابن ماجه "ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال" وقال محمد: نرى أن هذا كان لذلك الرجل خاصة يريد أنه خيار الغبن وليس بمطرد وفي شرح السنة: عند أحمد الخبر عام في حق كافة الناس إذا ذكر هذه الكلمة في البيع كان له الرد إذا ظهر في بيعه الغبن وسبيله سبيل من باع واشترى بشرط الخيار في المنهاج لهما ولأحدهما شرط الخيار وإنما يجوز في مدة معلومة ولا تزيد على ثلاثة أيام "أو باع قبل وصول السوق"لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره قال: "نهى النبي

стр. 430

صلى الله عليه وسلم أن يُتلقى الجلب فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق "وتلقي الجلب هو أن يقدم ركب بتجارة فيتلقاه رجل قبل أن يدخلوا البلد ويعرفوا السعر فيشتري منهم بأرخص من سعر البلد وهذا مظنة ضرر للبائع لأنه إن نزل بالسوق كان أغلى له ولذلك كان له الخيار إذا عثر على الضرر "ولكل من المتبايعين بيعا منهيا عنه الرد"كتلك الصور المتقدمة ووجهه: أن النهي إن كان مقتضيا للفساد المرادف للبطلان كما تقرر في الأصول فوجود العقد كعدمه وهو غير لازم لواحد منهما فالرد بالخيار هو بمعنى الرد لما هو غير لازم وإن كان النهي غير مقتض للفساد فوقوع العقد على صورة من تلك الصور إن رضيه كل واحد منهما فقد حصل المناط الشرعي وهو الرضا وإن لم يحصل الرضا منهما أو من أحدهما لوقوعه على وجه يخالف الشرع فقد المناط "ومن اشترى شيئا لم يره فله رده إذا رآه"لحديث أبي هريرة مرفوعا "من اشترى ما لم يره فله الخيار إذا رآه" أخرجه الدارقطني والبيهقي وفي إسناده عمر بن إبراهيم الكردي وهو ضعيف ولكنهما أخرجا عن مكحول مرسلا عن النبي ﷺ نحوه وفي إسناده أيضا أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف ومثل هذا لا تقوم به الحجة ولكن الخيار في الغالب يمكن الاستدلال عليه بأحاديث النهي عن الغرر فإن ما لم يقف الإنسان على حقيقته لا يخلو عن نوع غرر سواء كان بعناية البائع أم لا وأيضا لا بد من حصول المناط الشرعي وهو التراضي فإذا لم يرض المشتري بالمبيع عند رؤيته فقد فقد الرضا وعدم المصحح "وله رد ما اشتراه بخيار"وذلك نحو أن يشتري شيئا على أنه له فيه الخيار مدة معلومة لما ورد في الأحاديث الصحيحة الواردة في خيار المجلس بلفظ "كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار " وفي لفظ "إلا أن يكون صفقة خيار" وهما في الصحيحين وفيهما ألفاظ بهذا المعنى ولكنه قد اختلف في تفسير بيع الخيار فقيل هذا وقيل غيره ويؤيد ثبوت خيار الشرط ما تقدم من حديث من كان يخدع في البيوع أن النبي ﷺ قال له: "إذا بايعت فقل لا خلابة" وفي بعض الروايات "ولك

стр. 431

الخيار ثلاثة أيام" وقد تقدم ذلك "وإذا اختلف البيعان فالقول ما يقوله البائع" لحديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وصححه الحاكم وابن السكن قال: "قال رسول الله ﷺ : " إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان " وفي لفظ "والمبيع قائم بعينه" وفي لفظ "إذا اختلف البيعان والمبيع مستهلك فالقول قول البائع" وفي لفظ "ولا بينة لأحدهما" وفي الباب روايات كثيرة قد استوفاها المصنف في نيل الأوطار وحاصلها: يفيد أن القول قول البائع وقد قيل: إن هذا الحديث مخصص لأحاديث أن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين وسيأتي وقيل بينهما عموم وخصوص من وجه فظاهر حديث القول ما يقول البائع أن القول قوله سواء كان مدعيا أو مدعى عليه وظاهر حديث "على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين "أن القول قول المنكر مع يمينه سواء كان بائعا أو غير بائع وقد تقرر أنه إذا تعارض عمومان كما نحن بصدده وجب المصير إلى الترجيح إن أمكن والترجيح ههنا ممكن فإن حديث "على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين" أصح من حديث "فالقول قول البائع" ومتقضى هذا الترجيح أن القول لا يكون قول البائع إلا إذا كان منكرا غير مدع من غير فرق بين المبيع الباقي والتالف ولكنه يرشد إلى الجمع ما رواه أحمد١ في زوائد المسند والدارمي والطبراني من حديث ابن مسعود الذي فيه "فالقول ما يقول البائع "بزيادة "والسلعة قائمة " ولكن في إسناد هذه الزيارة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف لسوء حفظه فلا يصح للجمع بين الحديثين بها وقد اختلف الفقهاء في ذلك اختلافا طويلا قال مالك الأمر عندنا في الرجل يشتري السلعة فيختلفان في الثمن فيقول البائع بعتكها بعشرة دنانير ويقول المبتاع ابتعتها منك بخمسة دنانير أنه يقال للبائع إن شئت فأعطها المشتري بما قال وإن شئت فاحلف بالله ما بعت سلعتك إلا بما قلت فإن حلف قيل للمشتري إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع وإما أن تحلف بالله ما اشتريتها إلا بما قلت فإن حلف بريء منها وذلك أن كل

стр. 432

واحد منهما مدع على صاحبه وفي شرح السنة: ولا فرق عند الشافعي بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة في أنهما يتحالفان ويرد قيمة السلعة وإليه رجع محمد بن الحسن وذهب أبو حنيفة إلى أنهما لا يتحالفان بعد هلاك السلعة عند المشتري بل القول قول المشتري مع يمينه فإذا اختلفا في الأجل أو الخيار أو الرهن أو الضمين فهو عند الشافعي كالاختلاف في الثمن يتحالفان وقال أبو حنيفة: القول قول من ينفيها١ ولا تحالف عنده إلا عند اختلاف الثمن وفي الحجة البالغة: القول قول صاحب المال لكن المبتاع بالخيار لأن البيع مبناه على التراضي٢

стр. 433

" باب السلم " "هو"نوع مخصوص من أنواع البيع فلا يجوز أن يكون المالان مؤجلين لأن ذلك هو بيع الكالىء بالكالىء وقد تقدم المنع منه فلا بد أن يكون رأس المال مدفوعا عند العقد "أن يسلم رأس المال في مجلس العقد"وقد وقع الاتفاق على أنه يشترك فيه ما يشترط في البيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس وقد شرط في السلم جماعة من أهل العلم شروطا لم يدل عليها دليل "على أن يعطيه ما يتراضيان عليه معلوما إلى أجل معلوم"لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" وأخرج أحمد والبخاري من حديث عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى قالا: "كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ وكان يأتينا أبناط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير

стр. 434

والزيت إلى أجل مسمى قيل: أكان لهم زرع أو لم يكن؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك "وفي لفظ لأحمد وأهل السنن إلا الترمذي "وما نراه عندهم "في شرح السنة: السلف له معنيان في المعاملات أحدهما القرض والثاني السلم ومعناه عند الشافعي لو كان مؤجلا اشترط معرفة الأجل ولو كان مكيلا أو موزونا اشترط معرفة الكيل أو الوزن وفهم معرفة الجنس والوصف بالأولى وفي الوقاية: يصح فيما يعلم قدره وصفته لا فيما لا يعلم قدره وصفته كالحيوان وشروطه بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره معلوما وأجله معلوما وأقله شهر وفي الحجة البالغة: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهو يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال: "من أسلف في شئ فليسلف في كيل ووزن إلى أجل معلوم" وذلك لترتفع المناقشة بقدر الإمكان وقاسوا عليها الأوصاف التي يبين بها الشئ من غير تضييق ومبنى القرض على التبرع من أول الأمر وفيه معنى الإعارة فلذلك جازت النسيئة وحرم الفضل انتهى. أقول: أما اعتبار الجنس والصفة فليس في الحديث ما يدل عليه وكذلك اشتراط تعيين المكان ليس في الحديث ما يدل عليه وإنما اعتبر تعيين هذه الأمور لرفع التشاجر من بعد ولا يخفى أن الرجوع إلى النوع المعهود أو الصفة المعهودة أو إلى الأوسط من ذلك يرفع التشاجر وكذلك يرفع التشاجر في تعيين المكان إلى الأصل وهو عدم وجوب الإيصال على المسلم إليه والرجوع إلى البلدة التي هي وطنه أو بلد إقامته يرفع ذلك أيضا. فالحاصل: أن شروط السلم تعيين جنس المسلم فيه وكونه معلوما بكيل أو وزن وكونه إلى أجل معلوم فهذه ثلاثة شروط ولم يدل الدليل على اشتراط غيرها. ولا يأخذ إلا ما سماه أو رأس ماله لحديث ابن عمر عند الدارقطني قال: "قال رسول الله ﷺ : من أسلف شيئا فلا يشرط على صاحبه غير قضائه" وفي لفظ "من أسلف في شئ فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله" قال مالك: الأمر عندنا فيمن أسلف في طعام بسعر معلوم إلى أجل مسمى فحل الأجل فلم يجد المبتاع عند البائع وفاء مما ابتاع منه فأقاله فإنه لا ينبغي له أن يأخذ إلا ورقه أو ذهبه أو الثمن الذي دفع إليه بعينه "ولا يتصرف فيه قبل قبضه"لما أخرجه أبو داود من حديث أبي سعيد قال: "قال رسول الله ﷺ : " من أسلم في شئ فلا يصرفه إلى غيره" وفي إسناده عطية بن سعيد العوفي وفيه مقال. والمعنى أنه

стр. 435

لا يحل جعل المسلم فيه ثمنا لشئ قبل قبضه ولا يجوز بيعه قبل القبض وقد اختلف أهل العلم في ذلك قال مالك: لا يشتري منه بذلك الثمن شيئا حتى يقبضه منه وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه أوصرفه في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى قلت: وعليه أهل العلم في الوقاية: ولم يجز التصرف في رأس المال والمسلم فيه كالشركة والتولية قبل قبضه وفي المنهاج: ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه ولا الاعتياض عنه

стр. 436

" باب القرض " "يجب إرجاع مثله"لأنه إذا وقع التعاطي على أن يكون القضاء زائدا على أصل الدين فذلك هو الربا بل قد ورد ما يدل على أن مجرد الهدية من المستقرض للمقرض ربا كما أخرجه البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى قال: "قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاش فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذنه فإنه ربا " "ولا يجوز أن يكون أفضل أو أكثر إذا لم يكن مشروطا"لحديث جابر في الصحيحين قال: "أتيت النبي ﷺ وكان لي عليه دين فقضاني وزادني "وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة قال: "كان لرجل على النبي ﷺ سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال أعطوه فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنا فوقها فقال: أعطوه فقال: أوفيتني أوفاك الله فقال النبي ﷺ : "إن خيركم أحسنكم قضاء " وأخرج نحوه مسلم وغيره من حديث أبي رافع وهذان الحديثان كما يدلان على جواز أن يكون القضاء أفضل يدلان على أنه يصح قرض الحيوان وإليه ذهب الجمهور ومنه من ذلك الكوفيون "ولا يجوز أن يجر القرض نفعا للمقرض"لحديث أنس عند ابن ماجه "أنه سئل عن الرجل يقرض أخاه المال فيهدي إليه فقال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك" وفي إسناده يحيى بن إسحق الهنائي وهو مجهول وفي إسناده أيضا عتبة ابن حميد الضبي وقد ضعفه أحمد والراوي عنه إسمعيل بن عياش وهو أيضا ضعيف

стр. 437

وقد أخرج البخاري في التاريخ من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: "إذا أقرض فلا يأخذ هدية " وأخرج البيهقي عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عياش في السنن الكبرى موقوفا عليهم "إن كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا "وأخرج البيهقي أيضا نحو ذلك في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا عليه وقد تقدم ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن سلام وقد أخرجه الحرث بن أبي أسامة من حديث علي "أن النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة "وفي رواية "كل قرض جر منفعة فهو ربا "وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك وما في الباب من الأحاديث والآثار يشهد بعضها لبعض

стр. 438

كتاب الشفعة والأصل فيها دفع الضرر عن الجيران والشركاء "سببها الإشتراك في سيء ولو منقولا"لعموم الأحاديث الواردة في ذلك كحديث جابر في البخاري وغيره "أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة "وأخرجه أيضا بنحو هذا اللفظ أهل السنن وحديث أبي هريرة قال "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إذا قسمت الدار وحدت فلا شفعة فيها "أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم من حديث جابر "أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم "وأخرج البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا "الشفعة في كل شئ " ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال وأخرج الطحاوي له شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس به "فإذا وقعت القسمة فلا شفعة" لما في هذه الأحاديث من التصريح بأنها في الشئ الذي لم يقسم ثم فسر القسمة بقوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " فالأحاديث الواردة في مطلق شفعة الجار كأحاديث "الجار أحق بسقبه١"

стр. 439

وهي ثابتة في الصحيحين وغيرهما مقيدة بعدم القسمة لأن الجار كما يصدق على الملاصق يصدق على المخالط وأما تقييد شفعة الجار باتحاد الطريق كما في حديث جابر عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه قال: "قال النبي ﷺ "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها إن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا " فهذا الحديث يؤيد ما قلناه من أنه لا شفعة إلا للخليط لأن الطريق إذا كانت واحدة فالخلطة كائنة فيها ولم تقع القسمة الموجبة لبطلان الشفعة لعدم تصريف الطرق فالحق أن سبب الشفعة هو واحد فقط وهو الشركة قبل القسمة والخلطة الكائنة بين الشريكين في المشترك بينهما أو في طريقه أو في مجاريه أو منبعه فما قيل من أن من أسبابها الاشتراك في الطريق والاشتراك في قرار النهر أو مجاري الماء هو راجع إلى السبب الذي ذكرناه لأن الاشتراك في طريق الشئ أو في سواقيه هو اشتراك في بعض ذلك الشئ والحاصل: أن هذه الأحاديث مخصصة لذلك العموم لأن الظاهر من قوله: "فلا شفعة "أن القسمة مانعة من ثبوت الشفعة سواء كانت القس مة بين المشتري والشفيع أو متقدمة كما يفيده النكرة الواقعة في سياق النفي وقد حقق الماتن المقام في رسالة مستقلة أورد فيها جميع ما ورد في الشفعة من الأدلة وجمع بينها جمعا نفيسا فليرجع إليها وقد حكى في البحر عن علي وعثمان وعمر وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وربيعة بن مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبيد الله بن الحسن والإمامية أن الشفعة لا تثبت إلا بالخلطة وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وابن سيرين: أن الشفعة تثبت بالجوار واستدلوا بالأحاديث الواردة في شفعة الجار قال في شرح السنة: اتفق أهل العلم على ثبوت الشفعة للشريك في الربع المنقسم إذا باع أحد الشركاء نصيبه قبل القسمة فللباقين أخذه بالشفعة بمثل الثمن الذي وقع عليه البيع وإن باع بشئ متقوم من ثوب أو عبد فيأخذ بقيمته واختلفوا في ثبوت الشفعة للجار قال الشافعي: لا شفعة للجا. وذهب أبو حنيفة: إلى ثبوت الشفعة للجار وفي المنهاج: وكل ما لو قسم بطلت منفعته المقصودة كحمام ورحى لا شفعة فيه في الأصح وفي الموطإ: عن عثمان بن عفان لا شفعة في بئر

стр. 440

ولا نخل١ قال في الحجة البالغة: أرى أن الشفعة شفعتان شفعة يجب على المالك أن يعرضها على الشفيع فيما بينه وبين الله وأن يؤثره على غيره ولا يجبر عليها في القضاء وهي للجار الذي ليس بشريك وشفعة يجبر عليها في القضاء وهي للجار الشريك فقط وهذا وجه الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب انتهى والحق ما قدمناه "ولا يحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه"لحديث جابر عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به " "ولا تبطل بالتراخي"لما في الأحاديث الواردة في الشفعة من الإطلاق وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ "لا شفعة لغائب ولا لصغير والشفعة كحل العقال" ففي إسناده محمد بن عبد الرحمن البيلماني وهو ضعيف جدا وقال ابن حبان: لا أصل للحديث وقال أبو زرعة: منكر وقال البيهقي: ليس بثابت ولا يصح تأييد هذا الحديث الباطل بما روي من قول شريح فإنه لاحجة في ذلك على أن هذا الحديث قد اشتمل على ثلاثة أحكام: نفي شفعة الغائب ونفي شفعة الصغير واعتبار الفور وقد هُجر ظاهره في الحكمين الأولين فكان ذلك مقيدا لترك الاحتجاج به في الحكم الثالث على فرض أنه غير باطل. والحاصل: أنه ليس في اشتراط الفورية ما يصلح متمسكا كما لا يخفى على عارف وقد ثبتت الشفعة بتلك الأحاديث الصحيحة فتقييد الثبوت بقيد لا دليل عليه مستلزم لإبطال ما يستفاد من أحاديث الثبوت من الإطلاق بدون حجة وذلك باطل فالحق أن الشفعة لا تبطل بالتراخي لأن دفع الضرر الذي شرعت لأجله لا يختص بوقت دون وقت وما قيل من أن إثباتها مع التراخي يستلزم الإضرار بالمشتري لأنه ملكه يكون معلقا ممنوع والسند أن ملكه مستقر يتصرف به كيف يشاء غاية ما هناك أن للشفيع حقا متى طلبه وجب وليس ذلك من التعليق في شئ ولا إضرار في ذلك بحال٢

стр. 441

كتاب الإجارة قال الله تعالى في قصة موسى وشعيب ﵉: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ في هذه الآية مشروعية الإجارة مطلقا ومشروعية الإجارة بتسليم نفسه للخدمة وعليه أهل العلم وتدل أيضا على أنه إن أطاق الخدمة فهي محمولة على المتعارف ولا يضرها الجهالة في الجملة لأن الإرضاع والرعي لا يضبطان حق الضبط "تجوز على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي"لإطلاق الأدلة الواردة في ذلك كحديث أبي سعيد قال: "نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره "أخرجه أحمد ورجال إسناده رجال الصحيح وأخرجه أيضا البيهقي وعبد الرزاق وإسحاق في مسنده وأبو داود في المراسيل والنسائي في الزراعة غير مرفوع ولفظ بعضهم من استأجر أجيرا فليسم له أجرته ولا طلاق حديث أبي هريرة عند البخاري وأحمد قال: "قال رسول الله ﷺ : يقول الله : "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا وأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره" وقد استأجر النبي ﷺ دليلا عند هجرته إلى المدينة كما في البخاري وغيره وثبت من حديث أبي هريرة عند البخاري قال: "قال النبي ﷺ : ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال أصحابه: وأنت قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي من حديث سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي فساومنا سراويل فبعناه وثم رجل يزن بالأجر فقال له: زن وأرجح "وفيه أنه ﷺ لم يذكر قدر أجرته بل أعطاه ما يعتاده في مثل ذلك وقد كان الصحابة

стр. 442

رضي الله تعالى عنهم يؤجرون أنفسهم في عصره ﷺ ويعملون الأعمال المختلفة حتى إن عليا آجر نفسه من امرأة على أن ينزع لها كل ذنوب بتمرة فنزع ستة عشر ذنوبا حتى مجلت١ يداه فعدت له ست عشرة تمرة فأتى النبي ﷺ فأخبره فأكل معه منها أخرجه أحمد من حديث علي بإسناد جيد وأخرجه أيضا ابن ماجه وصححه ابن السكن وأخرجه البيهقي وابن ماجه من حديث ابن عباس "أن عليا آجر نفسه من يهودي يسقي له كل دلو بتمرة "وأما المانع الشرعي فهو مثل الصور التي سيأتي ذكرها "وتكون الأجرة معلومة عند الاستئجار"لحديث أبي سعيد المتقدم "فإن لم تكن"أجرته "كذلك"أي معلومة "استحق الأجير مقدار عمله عند أهل ذلك العمل"لحديث سويد بن قيس السابق ولكون ذلك هو الأقرب إلى العدل وأما أجرة القسام فأقول: القسام أجير كسائر الأجراء يستحق أجرته ممن عمل له فإن كانت مسماة لم يستحق سواها وإن كانت غير مسماة كانت له مثله على حسب العمل ولكنه لا يُجعل له من الأجرة ما يُجعل لمن يزاول الأعمال الوضيعة لأن مرجع صناعة القسمة إلى العلم وهو أشرف صناعة دينا ودنيا ولا يجعل له ما يجعل للقسامين في هذا العصر من الأجرة التي تكاد تبلغ إلى مقدار نصيب بعض المقتسمين فإن ذلك من الظلم البحت بل يسلك به مسكا وسطا وتكون الأجرة على مقدار الأنصباء فيكون على كل واحد من الشركاء بمقدار نصيبه وأما ما يروى عن بعض أهل العلم أن أجرة القسام تكون نصف عشر التركة أو ربع عشرها فمجازفة لا ترجع إلى دليل بل إعانة لظلمة القسامين على أكل أموال الناس بالباطل ولقد تفاحش كثير من الحكام ونوابهم في هذا الأمر وصنعوا صنيع من لا يخشى تبعة في الدنيا والآخرة نسأل الله السلامة مع أن من كان منهم يأخذ مقررا من بيت المال لا يستحق على القسمة شيئا من الأجرة لأنه قد صار مستغرق المنافع فكما أنه لا يأخذ أجرة على قضائه كذلك لا يأخذ أجرة على القسمة لأن الكل من مصالح المسلمين التي أخذ نصيبا من بيت المال في مقابلة القيام بها بحسب طاقته

стр. 443

"وقد ورد النهي عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن"لحديث أبي هريرة "أن النبي ﷺ نهى عن كسب الحجام ومهر البغي وثمن الكلب "أخرجه أحمد برجال الصحيح وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط ومثله من حديث رافع بن خديج عند أحمد وأبي داود والنسائي والترمذي وصححه وهو أيضا في صحيح مسلم وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي مسعود البدري قال "نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن " "وعسب الفحل"وقد تقدم الكلام على ثمن الكلب وعلى عسب الفحل في البيع والمراد بمهر البغي ما تأخذه الزانية على الزنا والمراد بحلوان الكاهن عطية الكاهن لأجل كهانته والحلوان بضم الحاء المهملة مصدر حلوته إذا أعطيته وقد استدل بما تقدم بعض أهل الحديث فقال: إنه يحرم كسب الحجام وقد ورد في معنى ما تقدم أحاديث وفي بعضها التصريح بأنه خبيث وأنه سحت وذهب الجمهور إلى أنه حلال لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما "أن النبي ﷺ احتجم حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه "وفيهما أيضا من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره ولو كان سحتا لم يعطه "والأولى الجمع بين الأحاديث بأن كسب الحجام مكروه غير حرام إرشادا منه ﷺ إلى معالي الأمور ويؤيد ذلك حديث محيصة ابن مسعود عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات "أنه كان له غلام حجام فزجره النبي ﷺ عن كسبه فقال له: ألا أطعمه أيتاما لي؟ قال: لا قال: أفلا أتصدق به قال: لا فرخص له أن يعلفه ناضحه "فلو كان حراما بحتا لم يرخص له أن يعلفه ناضحه ويستفاد منه أن إعطاءه ﷺ الحجام لا يستلزم أن يأكله أهله حتى تتعارض الأحاديث فقد يكون مكروها لهم ويكون وصفه بالسحت والخبث مبالغة في التنفير وقد يمكن الجمع بأن المنع عن مثل ما منع منه محيصة والإذن بمثل ما أذن له ورخص له فيه "وأجر المؤذن"لحديث عبادة بن الصامت "أن النبي ﷺ قال لعثمان ابن أبي العاص: "واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا" وفي لفظ "لا تتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا " والحديث في الصحيح١ "وقفير الطحان"لحديث

стр. 444

أبي سعيد قال "نهى رسول الله ﷺ عن قفيز الطحان "أخرجه الدارقطني والبيهقي وفي إسناده هشام أبو كليب قيل: لا يعرف وقد أورده ابن حبان الثقات ووثقه مغلطاي وقفيز الطحان هو أن يطحن الطعام بجزء منه وقيل: المنهي عنه طحن الصبرة١ لا يعلم قدرها بجزء منها "ويجوز الاستئجار على تلاوة القرآن"لحديث ابن عباس عند البخاري وغيره "أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق فإن في الماء رجلا لديغا أو سليما فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا حتى قدموا المدينة فقالوا يارسول الله: أخذ على كتاب الله أجرا! فقال رسول الله ﷺ "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله" "وفي لفظ من حديث أبي سعيد "أن النبي ﷺ قال "أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم سهما" وضحك النبي ﷺ "والحديث في الصحيحين بألفاظ وفي حديث خارجة بن الصلت عن عمه في رقية المجنون بقاتحة الكتاب "أن النبي ﷺ قال: "خذها فلعمري من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي "لا على تعليمه" لحديث أبي بن كعب قال: "علمت رجلا القرآن فأهدى لي قوسا فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إن أخذتها أخذت قوسا من نار" فرددتها "أخرجه ابن ماجه والبيهقي وقد أعل بالانقطاع وتعقب وأعل أيضا بجهالة بعض رواته وتعقب وله شاهد عند الطبراني من حديث الطفيل بن عمر والدوسي قال: "أقرأني أبي بن كعب القرآن فأهديت إليه قوسا فغدا إلى النبي ﷺ وقد تقلدها فقال له النبي ﷺ : "تقلدها من جهنم " وعلى هذا يحمل حديث عبد الرحمن بن شبل عن النبي ﷺ قال: "اقرؤا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به " أخرجه أحمد برجال الصحيح وأخرجه أيضا البزار وله شواهد وحديث عمران بن حصين "أن النبي ﷺ قال: " اقرؤا القرآن واسألوا الله به فإن من بعدكم "

стр. 445

قوما يقرؤون القرآن يسألون الناس به "أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وفي الباب أحاديث ووجه المنع من أخذ الأجرة على تعليمه أن ذلك من تبليغ الأحكام الشرعية وهو واجب وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل وأصحابه وأبو حنيفة وبه قال عطاء والضحاك والزهري وإسحق وعبد الله بن شقيق هذا وقد مال الماتن في حاشية الشفاء: إلى أن الجمع متقدم على الترجيح قال لأن حديث "أحق ما أخذتم عليه أجرا القرآن" عام يصدق على التعليم وأخذ الأجرة على التلاوة لمن طلب من القارىء ذلك وأخذ الأجرة على الرقية وأخذ ما يدفع إلى القارىء من العطاء لأجل كونه قارئا ونحو ذلك فيخص من هذا العموم تعليم المكلف ويبقى ما عداه داخلا تحت العموم وبعض أفراد العام فيه أدلة خاصة تدل على جوازه كما دل العام على ذلك فمن تلك الأفراد أخذ الأجرة على الرقية وتعليم المرأة في مقابلة مهرها فهكذا ينبغي تحرير الكلام في المقام والمصير إلى الترجيح من ضيق العطن ولا سيما لما لا مدخل له فيما نحن بصدده كما زعمه المصنف والمقبلي وبهذا تعلم أن ما ساقه في أدلة القائلين بجواز أخذ الأجرة على التعليم من حديث الرقية لا دلالة فيه على المطلوب "ويجوز أن يكري العين مدة معلومة بأجرة معلومة"لما ورد من إكراء الأراضي في عصره صلى الله تعالى عليه وسلم كحديث رافع بن خديج في الصحيحين قال: "كنا أكثر الأنصار حقلا فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك فأما بالورق فلم ينهنا "وفي لفظ لمسلم وغيره "فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به "وسائر الأعيان لها حكم الأرض وفي شرح السنة: ذهب عامة أهل العلم إلى جواز كراء الأرض بالدراهم والدنانير وغيرها من صنوف الأموال سواء كان مما تنبت الأرض أولا تنبت إذا كان معلوما بالعيان أو بالوصف كما يجوز إجارة غير الأراضي من العبيد والدواب وغيرها وجملته أن ما جاز بيعه جاز أن يجعل أجرة قال محمد: لا بأس بكراء الأرض بالذهب والورق وبالحنطة كيلا معلوما وضربا معلوما ما لم يشترط ذلك مما يخرج منها فإن اشترط مما يخرج منها كيلا معلوما فلا خير فيه وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا "ومن ذلك الأرض لا بشطر ما يخرج منها"لأن أحاديث "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عامل أهل

стр. 446

خيبر بشطر ما يخرج من تمر أو زرع "وإن كانت ثابتة في الصحيحين وغيرهما فهي منسوخة بمثل حديث رافع المتقدم وما ورد في معناه وفي المسألة مذاهب متنوعة وأدلة مختلفة واجتهادات مضطربة قد أوضحها الماتن في شرح المنتقى وفي رسالة مستقلة وذكرتها في مسك الختام ومن أصرح أحاديث النهي حديث جابر عند مسلم وغيره قال: "كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ فنصيب من القصري١ ومن كذا ومن كذا فقال النبي ﷺ " من كانت له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه وإلا فليدعها " وفي حديث سعد بن أبي وقاص "أنه نهاهم أن يكروا بذلك وقال: " أكروا بالذهب والفضة" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ورجاله ثقات وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة نحو حديث جابر وفي الحجة البالغة: اختلف الرواة في حديث رافع اختلافا فاحشا وكان وجوه التابعين يتعاملون بالمزارعة ويدل على الجواز حديث معاملة أهل خيبر وأحاديث النهي عنها محمولة على الإجارة بما على الماذيانات أو قطعة معينة وهو قول رافع أو على التنزيه والإرشاد وهو قول ابن عباس أو على مصلحة خاصة بذلك الوقت من جهة كثرة مناقشتهم في هذه المعاملة حينئذ وهو قول زيد رضي الله تعالى عنه والله تعالى أعلم والمزارعة أن يكون الأرض والبذر لواحد والعمل والبقر من الآخر والمخابرة أن يكون الأرض لواحد والبذر والبقر والعمل من الآخر ونوع آخر يكون العمل من أحدهما والباقي من الآخر انتهى "ومن أفسد ما استؤجر عليه أو أتلف ما استأجره ضمن"لمثل حديث "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي والحاكم وصححه وهو من حديث الحسن عن سمرة وفي سماعه منه كلام مشهور والمراد أن على اليد ضمان ما أخذت حتى تؤديه وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه والبزار من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن" وقد أخرجه النسائي مسندا منقطعا ويؤيده حديث عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز

стр. 447

قال: حدثني بعض الوفد الذين قدموا على أبي قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما طبيب تطبب على قوم لا يعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت١ فهو ضامن" أخرجه أبو داود فالمتطبب إنما ضمن لكونه أقدم على بدن المريض غير عالم بما يعلم به أهل هذه الصناعة فكان ضامنا وهكذا من استؤجر على عمل عين فأقدم على العمل فيها غير عالم بالصناعة وأفسدها لتعاطيه ضمن وهكذا من استأجر دابة ليركب عليها إلى مكان فسار بها سيرا غير معتاد فهلكت أو تركت علفها فماتت فإنه ضامن

стр. 448

" باب الإحياء والإقطاع " "من سبق إلى إحياء أرض لم يسبق إليها غيره فهو أحق بها وتكون ملكا له"لحديث جابر "أن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له" أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان وصححه الترمذي وفي لفظ "من أحاط حائطا على أرض فهي له" أخرجه أحمد وأبو داود وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي وصححه ابن الجارود من حديث الحسن عن سمرة مرفوعا "من أحاط حائطا على أرض فهي له" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي من حديث سعيد بن زيد قال "قال رسول الله ﷺ "من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق" وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة قالت: "قال رسول الله ﷺ : " من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها " وأخرج أبو داود من حديث أسمر بن مضرس قال: "أتيت النبي ﷺ فبايعته فقال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له" فخرج الناس يتعادون يتخاطبون "أي يجعلون في الأرض خطوطا علامة لما سبقوا إليه وصححه الضياء في المختارة في شرح السنة: من أحيا مواتا لم يجر عليه ملك أحد في الإسلام يملكه وإن لم يأذن السلطان وبه قال الشافعي وذهب بعضهم إلى أنه يحتاج إلى إذن السلطان وهو قول أبي حنيفة وخالفه صاحباه وقوله: "ليس لعرق ظالم حق" هو أن يغتصب أرض الغير فيغرس فيها أو يزرع فلا حق له ويقلع غراسه وزرعه وفي المنهاج: ولو سبق رجل إلى موضع من رباط مسبل أي وقف أو فقيه إلى مدرسة

стр. 449

أو صوفي إلى خانقاه لم يزعج منه ولم يبطل حقه بخروجه لشراء حاجة ونحوه انتهى في الحجة البالغة: الأرض كلها بمنزلة مسجد أو رباط جعل وقفا على أبناء على أبناء السبيل وهم شركاء فيه فيقدم الأسبق فالأسبق ومعنى الملك في حق الآدمي كونه أحق كالإنتفاع من غير انتهى "ويجوز للإمام أن يقطع من في إقطاعه مصلحة شيئا من الأرض الميتة أو المعادن أو المياه"لما في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر "من أنها كانت تنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ "وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن عمر "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أقطع الزبير حضر١ فرسه وأجرى الفرس حتى قام ثم رمى بسوطه فقال: أقطعوه حيث بلغ السوط " وفي إسناده عبد الله بن عمر بن حفص وفيه مقال خفيف وأقطع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وائل بن حجر أرضا بحضرموت كما أخرجه الترمذي وأبو داود وابن حبان والبيهقي والطبراني والمنذري بإسناد حسن وصححه الترمذي وأخرجه أحمد من حديث عروة بن الزبير أن عبد الرحمن بن عوف قال: "أقطعني النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا "وأخرج البخاري وغيره من حديث أنس قال: "دعا النبي ﷺ الأنصار ليقطع لهم البحرين فقالوا يارسول الله: إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها فلم يكن ذلك عند النبي ﷺ فقال: " إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس قال: "أقطع النبي ﷺ بلال بن الحرث المزني معادن القبلية جلسيّها وغوريّها٢ "وأخرجاه أيضا من حديث عمرو بن عوف المزني وأخرج الترمذي وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي من حديث أبيض بن حمال "أنه وفد إلى النبي ﷺ استقطعه الملح فقطع له فلما أن ولى قال رجل من المجلس: أتدري ما أقطعت له إنما أقطعته الماء العد٣ قال: فانتزعه منه "وفي الباب

стр. 450

غير ذلك قال في المنهاج: المعدن الظاهر وهو ما يخرج بلا علاج لا يُملك بالإحياء ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاع والمعدن الباطن هو ما لا يخرج إلا بعلاج كذهب وفضة وحديد ونحاس لا يُملك بالحفر والعمل في الأظهر قال المحلي: والثاني يُملك بذلك وللسلطان إقطاعه على الملك وكذا على عدمه في الأظهر ولا يقطع إلا قدرا يتأتى في العمل عليه قال في الحجة البالغة: ولا شك أن المعدن الظاهر الذي لا يحتاج إلى كثير عمل إقطاعه لواحد من المسلمين إضرار بهم وتضييق عليهم إنتهى *

стр. 451

كتابة الشَّركة "الناس شُركاء في الماء والنار والكلاء"لحديث أبي خراش عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: "قال رسول الله ﷺ "المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلإ والنار" أخرجه أحمد وأبو داود وقد رواه أبو نعيم في الصحابة في ترجمة أبي خراش ولم يذكر الرجل وقد سئل أبو حاتم عنه فقال: أبو خراش لم يدرك النبي ﷺ قال ابن حجر: رجاله ثقات وقد أخرج الحديث ابن ماجه عن ابن عباس وفي إسناده عبد الله بن خراش وهو متروك وقد صححه ابن السكن وأخرج ابن ماجه أيضا من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يُمنع الماء والنار والكلأ " قال ابن حجر: إسناده صحيح وأخرج الخطيب من حديث عمر نحو ما في الباب وزاد "والملح" وفيه عبد الحكيم بن مسرة ورواه الطبراني بسند حسن عن زيد بن جبير عن ابن عمر وله عنده طريق أخرى وأخرجه أبو داود من حديث بهيسة عن أبيها وأخرجه ابن ماجه من حديث عائشة "أنها قالت: يارسول الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح والماء والنار" وإسناده ضعيف وأخرجه الطبراني عن أنس بلفظ "خصلتان لا يحل منعهما الماء والنار" وأخرجه العقيلي في الضعفاء من حديث عبد الله بن سرجس وأحاديث الباب تنتهض بمجموعها وقد خصص الحديث بما وقع من الإجماع على أن الماء المحرز في الجرار ملك قال في الحجة: يتأكد استحباب المواساة في هذه فيما كان مملوكا وما ليس بمملوك أمره ظاهر انتهى "وإذا تشاجر المستحقون للماء كان الأحق به

стр. 452

الأعلى فالأعلى يمسكه إلى الكعبين ثم يرسله إلى من تحته"لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ قضى في سيل مهزور١ أن يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل" أخرجه أبو داود وابن ماجه قال ابن حجر في الفتح: وإسناده حسن وأخرجه الحاكم في المستدرك من حديث عائشة وصححه الحاكم وأعله الدارقطني بالوقف وأخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ثعلبة بن مالك وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث أبي حاتم القرظي عن أبيه عن جده وأخرج ابن ماجه والبيهقي والطبراني من حديث عبادة "أن النبي ﷺ قضى في شرب النخل من السيل أن الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء إلى الكعبين ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه وكذلك حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء "وأحاديث الباب صالحة للاحتجاج بها قال في المنهاج: والمياه المباحة من الأودية والعيون والسيول والأمطار يستوي الناس فيها فإن أراد الناس سقي أرضهم منها فضاق سقى الأعلى فالأعلى وحبس كل واحد الماء حتى يبلغ الكعبين وقال محمد: بهذا نأخذ لأنه كان كذلك الصلح بينهم ولكل قوم ما اصطلحوا وأسلموا عليه من عيونهم وسيوليهم وأنهارهم وشربهم "ولا يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ"لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ قال: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ " وفي لفظ مسلم "لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ " وفي لفظ للبخاري "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ "وفي الباب أحاديث وفي لفظ لأحمد "ولا يمنع فضل ماء بعد أن يستغنى عنه "وهو أن يتغلب رجل على عين أو واد فلا يدع أحد يسقي منه ماشية إلا بالأجر فإنه يفضي إلى بيع الكلإ المباح يعني يصير المرعى من ذلك بإزاء مال وهذا باطل لأن الماء والكلأ مباحان وقيل: يحرم بيع الماء الفاضل عن حاجته لمن أراد الشرب أو سقي الدواب وأما ماء البئر فلا يُمنع من أراد شربه أو سقي بهائمه كما في الموطإ من حديث عمرة بنت عبد الرحمن "أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع نقع بئر" "أي فضل مائها قلت: وعليه أهل العلم في المنهاج وحافر بئر بموات للارتفاق أولى بمائها حتى يرتحل والمحفورة أي في أرض موات للتملك أو في

стр. 453

ملك يتملك ماءها في الأصح وسواء ملكه أم لا لا يلزمه بذل مافضل عن حاجته لزرع ويجب لماشية قال المحلي: في المحفورة للارتفاق وقبل ارتحاله ليس له منع مافضل عنه عن محتاج إليه للشرب إذا استسقى بدلو نفسه ولا منع مواشيه وله منع غيره لسقي الزرع قال محمد: وبهذا نأخذ أيما رجل كانت له بئر فليس له أن يمنع الناس منها أن يستقوا منها بشفاههم أما لزرعهم ونخلهم فله أن يمنع ذلك وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا "وللإمام أن يحمي بعض المواضع لرعي دواب المسلمين في وقت الحاجة"لحديث ابن عمر عند أحمد وابن حبان "أن النبي ﷺ حمى النقيع١ للخيل خيل المسلمين" وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم من حديث الصعب بن جثامة٢ وزاد "لاحمى إلا لله ورسوله "وهذه الزيادة في صحيح البخاري وفيه "أن النبي ﷺ حمى النقيع وأن عمر حمى شرف والربذة٣ "قلت: وعليه الشافعي في المنهاج: والأظهر أن للإمام أن يحمي بقعة موات لرعي نعم جزية وصدقة وضالة وضعيف من النجعة ولا يحمي لغير ذلك انتهى لأن الحمى تضييق على الناس وظلم عليهم وإضرار لهم "ويجوز الاشتراك في النقود والتجارات ويقسم الربح على ما تراضيا عليه"لحديث السائب بن أبي السائب "أنه قال للنبي ﷺ : كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك لاتداريني ولا تماريني "أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي والحاكم وصححه وفي لفظ لأبي داود وابن ماجه "أن السائب المخزومي كان شريك النبي ﷺ قبل البعثة فجاء يوم الفتح فقال: مرحبا بأخي وشريكي لا تداري ولا تماري "وله طرق غير هذه وأخرج البخاري عن أبي المنهال "أن زيد بن أرقع والبراء بن عازب كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة فبلغ النبي ﷺ فأمرهما أن ما كان يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فردوه "وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود قال: "اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم

стр. 454

بدر قال فجاء سعد بأسيرين ولم أجىء أنا وعمار بشئ "وفيه انقطاع وأخرج أحمد وأبو داود عن رويفع بن ثابت قال: "إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضو١ أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح٢ "وأخرجه الدارقطني والبيهقي "وتجوز المضاربة"وهو في لغة أهل المدينة القراض والضرب بمعنى السفر والمضاربة المعاملة على السفر وأيضا الضرب بمعنى الشركة والمضاربة المعاملة على الشركة اتفق أهل العلم على جواز المضاربة ولا تجوز إلا على الدراهم والدنانير وهو أن يعطي شيئا منها لرجل ليعمل ويتجر فيما يحصل من الربح يكون بينهما مناصفة أو أثلاثا على ما يتشارطان "ما لم تشتمل على ما لا يحل"لما روي عن حكيم بن حزام "أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة يضرب له به أن لا يجعل مالي في كبد رطبة ولا يحمله في بحر ولا ينزل به بطن مسيل فإن فعلت شيئا من ذلك فقد ضمنت مالي "وقد قيل: إنه لم يصح في المضاربة شئ عن النبي ﷺ وإنما فعلها الصحابة منهم حكيم المذكور ومنهم علي كما رواه عبد الرزاق ومنهم ابن مسعود كما رواه الشافعي ومنهم العباس كما رواه البيهقي ومنهم جابر كما رواه البيهقي أيضا ومنهم أبو موسى وابن عمر كما رواه في الموطإ والشافعي والدارقطني ومنهم عمر كما رواه الشافعي ومنهم عثمان كما رواه البيهقي وقد روي في ذلك من المرفوع ما أخرجه ابن ماجه من حديث صهيب قال: "قال رسول الله ﷺ "ثلاث فيهن البركة البيع إلى أجل والمقارضة وإخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع " ولكن في إسناده مجهولان. أقول: قد صرح جماعة من الحفاظ بأنه لم يثبت في هذا الباب أعني المضاربة شئ مرفوع إلى رسول الله ﷺ بل جميع ما فيه آثار عن الصحابة وقد وقع إجماع من بعدهم على جواز هذه المعاملة كما حكى ذلك غير واحد وصرح الحافظ ابن حجر بأنها كانت ثابتة في عصر النبوة فقال: والذي نقطع به أنها كانت ثابتة في عصر النبي

стр. 455

صلى الله عليه وسلم يعلم بها وأقرها ولولا ذلك لما جازت البتة انتهى ولا يخفاك أن عدم الجواز الذي ذكره على فرض عدم ثبوتها في أيام النبوة مبني على أن الأصل عدم جواز كل معاملة لم يثبت فيها دليل وهو غير مسلم بل الأصل الجواز ما لم تكن على وجه يستلزم ما لا يحل شرعا وعندي أن المضاربة داخلة تحت قول الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وتحت قوله تعالى: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ بل كل ما دل على جواز البيع وعلى جواز الإجارة وعلى جواز الوكالة دل عليها وبيان ذلك ان المالك للنقد إذا دفعه إلى آخر ووكله بالشراء له بنقده مارآه ووكله أيضا بيعه وجعل له أجرة على تولي البيع وتولي الشراء وهي ما سماه له من الربح فجواز البيع والشراء داخل تحت أدلة البيع والشراء وجواز التوكيل بهما داخل تحت أدلة الوكالة وجواز جعل جزء من الربح للوكيل داخل تحت أدلة الإجارة فعرفت بهذا أن القراض غير خال من دليل يدل عليه العموم بل الذي لم يثبت هو الدليل الذي يدل عليه بخصوصه فلا وجه لما قاله الحافظ ابن حجر: أنه لو لم تثبت هذه المعاملة بخصوصها في عصر النبوة لما جازت البتة١ واعلم أن هذه الأسامي التي وقعت في كتب الفروع لأنواع من الشركة كالمفاوضة والعنان والوجوه والأبدان لم تكن أسماء شرعية ولا لغوية بل اصطلاحات حادثة متجددة ولا مانع للرجلين أن يخلطا ماليهما ويتجرا كما هو معنى المفاوضة المصطلح عليها لأن للمالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء ما لم يستلزم ذلك التصرف محرما مما ورد الشرع بتحريمه وإنما الشأن في اشتراط استواء المالين وكونهما نقدا واشتراط العقد فهذا لم يرد ما يدل على اعتباره بل مجرد التراضي بجمع المالين والاتجار بهما كاف وكذلك لا مانع من أن يشترك الرجلان في شراء شئ بحيث يكون لكل واحد منهما نصيب منه بقدر نصيبه من الثمن كما هو معنى شركة العنان اصطلاحا وقد كانت هذه الشركة ثابتة في أيام النبوة ودخل فيها جماعة من الصحابة فكانوا يشتركون في شراء شئ من الأشياء ويدفع كل واحد منهم نصيبا من قيمته ويتولى الشراء أحدهما أو كلاهما وأما اشتراط العقد والخلط فلم يرد ما يدل على إعتباره

стр. 456

وكذلك لا بأس أن يوكل أحد الرجلين الآخر أن يستدين له مالا ويتجر فيه ويشتركا في الربح كما هو معنى شركة الوجوه اصطلاحا ولكن لا وجه لما ذكروه من الشروط وكذلك لا بأس بأن يوكل أحد الرجلين الآخر في أن يعمل عنه عملا استؤجر عليه كما هو معنى شركة الأبدان اصطلاحا ولا معنى لاشتراط شروط في ذلك. والحاصل: أن جميع هذه الأنواع يكفي في الدخول فيها مجرد التراضي لأن ما كان منها من التصرف في الملك فمناطه التراضي ولا يتحتم اعتبار غيره وما كان منها من باب الوكالة أو الإجارة فيكفي فيه ما يكفي فيهما فما هذه الأنواع التي نوعوها والشروط التي اشترطوها وأي دليل عقل أو نقل ألجأهم إلى ذلك فإن الأمر أيسر من هذا التهويل والتطويل لأن حاصل ما يستفاد من شركة المفاوضة والعنان والوجوه أنه يجوز للرجل أن يشترك هو وآخر في شراء شئ وبيعه ويكون الربح بينهما على مقدار نصيب كل واحد منهما من الثمن وهذا شئ واحد واضح المعنى يفهمه العامي فضلا عن العالم ويفتي بجوازه المقصر فضلا عن الكامل وهو أعم من أن يستوي ما يدفعه كل واحد منهما من الثمن أو يختلف وأعم من أن يكون المدفوع نقدا أو عرضا وأعم من أن يكون ما اتجرا به جميع مال كل واحد منهما أو بعضه وأعم من أن يكون المتولي للبيع والشراء أحدهما أو كل واحد منهما وهب أنهم جعلوا لك قسم من هذه الأقسام التي هي في الأصل شئ واحد اسما يخصه فلا مشاحة في الاصطلاحات لكن ما معنى اعتبارهم لتلك العبارات وتكلفهم لتلك الشروط وتطويل المسافة على طالب العلم وإتعابه بتدوين ما لا طائل تحته وأنت لو سألت حراثا أو بقالا عن جواز الإشتراك في شراء الشئ وفي ربحه لم يصعب عليه أن يقول نعم ولو قلت له هل يجوز العنان أو الوجوه أو الإيدان لحار في فهم معاني هذه الألفاظ بل قد شاهدنا كثيرا من المتبحرين في علم الفروع يلتبس عليه كثير من تفاصيل هذه الأنواع ويتلعثم إن أراد تمييز بعضها من بعض اللهم إلا أن يكون قريب عهد بحفظ مختصر من مختصرات الفقه فربما يسهل عليه ما يهتدي به إلى ذلك وليس المجتهد من وسع دائرة الآراء العاطلة عن الدليل وقبل كل ما يقف عليه من قال وقيل فإن ذلك هو دأب أسراء التقليد بل المجتهد من قرر الصواب وأبطل الباطل

стр. 457

وفحص في كل مسألة عن وجوه الدلائل ولم يحل بينه وبين الصدع بالحق مخالفة من يخالفه ممن يعظم في صدور المقصرين فالحق لا يعرف بالرجال ولهذا المقصد سلكنا في هذه الأبحاث مسالك لا يعرف قدرها إلا من صغى فهمه عن التعصبات وأخلص ذهنه عن الاعتقادات المألوفات والله المستعان "وإذا تشاجر الشركاء في عرض الطريق كان سبعة أذرع"لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع" وأخرج معناه عبد الله بن أحمد في المسند والطبراني من حديث عبادة بن الصامت وأخرجه أيضا عبد الرزاق من حديث ابن عباس وأخرجه أيضا ابن عدي من حديث أنس "ولا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما "أن النبي ﷺ " قال لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" وروى نحوه أحمد وابن ماجه والبيهقي عن جماعة من الصحابة "ولا ضرر ولا ضرار بين الشركاء"لحديث ابن عباس قال: "قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار وللرجل أن يضع خشبه في حائط جاره وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع" أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي والطبراني وعبد الرزاق قال ابن كثير: أما حديث " لا ضرر ولا ضرار" فرواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت وروي من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري وهو حديث مشهور انتهى فحديث ابن عباس هو المذكور في الباب وحديث عبادة أخرجه أيضا البيهقي وحديث أبي سعيد أخرجه ابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وقد رواه من حديث ثعلبة من مالك القرظي الطبراني في الكبير وأبو نعيم "ومن ضار شريكه كان للإمام عقوبته بقلع شجره أو بيع داره"لحديث "سمرة بن جندب أنه كان له عضد١ من نخل في حائط رجل من الأنصار قال: ومع الرجل أهله قال: وكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به الرجل ويشق عليه فطلب إليه أن يناقله فأبى فأتى النبي ﷺ فذكر له فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى قال: فهبه لي ولك كذا وكذا أمر أرغبه فيه فأبى فقال: أنت مضار فقال رسول الله ﷺ

стр. 458

للأنصاري: "ذهب فاقلع نخله" وهو من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن سمرة ولم يسمع منه وقد روى المحب الطبري في أحاديث الأحكام عن واسع بن حبان قال: "كان لأبي لبابة عذق١ في حائط رجل فكلمه "ثم ذكر نحو قصة سمرة

стр. 459

كتاب الرهن "يجوز رهن ما يملكه الراهن في دين عليه"الرهن جائز بالإجماع وقد نطق به الكتاب العزيز وتقييده بالسفر خرج مخرج الغالب كما ذهب إليه الجمهور وقال مجاهد والضحاك والظاهرية: لا يشرع إلا في السفر وقد رهن النبي ﷺ درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله كما أخرجه البخاري وغيره من حديث أنس وهو في الصحيحين من حديث عائشة وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس وصححه الترمذي وصاحب الاقتراح وفي ذلك دليل على مشروعية الرهن في الحضر كما قال الجمهور "والظَّهر يُركب واللبن يُشرب بنفقة المرهون" لما أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" وللحديث ألفاظ والمراد أن المرتهن ينتفع بالرهن وينفق عليه وقد ذهب أحمد وإسحق والليث والحسن وغيرهم قال ابن القيم: وأخذ أحمد وغيره من أئمة الحديث بهذه الفتوى وهو الصواب وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء: لا ينتفع المرتهن من الرهن بشئ بل الفوائد للراهن والمؤمن عليه قالوا: والحديث ورد على خلاف القياس ويجاب بأن هذا القياس فاسد الاعتبار مبني على شفا جرف هار ولايصح الاحتجاج به لما ورد من النهي عن أن تحلب ماشية الرجل بغير إذنه كما في البخاري وغيره لأن العام لايرد به الخاص بل يبنى عليه

стр. 460

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها ولا يصلح للراهنين غيره وما عداه ففساده ظاهر فإن الراهن قد يغيب ويتعذر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن ويشق عليه أو يتعذر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن وإثبات غيبة الراهن وإثبات أن قدر النفقة عليه قدر حلبه وركوبه وطلبه منه الحكم له بذلك في هذا من العسر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة فشرع الشارع الحكم القيم بمصالح العباد وللمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره وعليه نفقته وهذا محض القياس لو لم تأت به السنة الصحيحة انتهى ثم أطال في تخريج هذا القياس إلى مالا يسعه هذا القرطاس "ولا يُغلق الرهن بما فيه"لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:"لا يغلق١ الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه" أخرجه الشافعي والدارقطني والحاكم والبيهقي وابن حبان في صحيحه وحسن والدارقطني إسناده وقال الحافظ ابن حجز: في بلوغ المرام أن رجاله ثقات إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله وأخرجه ابن ماجه من طريق أخرى والرفع زيادة وقد خرجت من مخرج مقبول والمراد بالغلاق هنا استحقاق المرتهن له حيث لم يفكه الراهن في الوقت المشروط وروى عبد الرزاق عن معمر أنه فسر غلاق الرهن بما إذا قال الرجل إن لم آتك بمالك فالرهن لك قال: ثمن بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا إنما هلك من رب الرهن له غنمه وعليه غرمه وقد روي أن المرتهن في الجاهلية كان يتملك الرهن إذا لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المضروب فأبطله الشارع والغنم والغرم هنا هو أعم مما تقدم من أن الظهر يركب بنفقة المرهون واللبن يشرب قال في الحجة البالغة: ومبنى الرهن على الاستيثاق وهو بالقبض فلذلك اشترط فيه ولا اختلاف عندي بين حديث "لا يغلق الرهن" وحديث "الظهر يركب" الخ لأن الأول هو الوظيفة لكن إذا امتنع الراهن من النفقة عليه وخيف الهلاك وأحياه المرتهن فعند ذلك ينتفع به بقدر ما يراه الناس
следующие страницы →