← Фикх общий

Фикх общий · id 7444

الروضة الندية شرح الدرر البهية ط المعرفة

صديق حسن خان

Полный текст (711 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وكذلك لا بأس أن يوكل أحد الرجلين الآخر أن يستدين له مالا ويتجر فيه ويشتركا في الربح كما هو معنى شركة الوجوه اصطلاحا ولكن لا وجه لما ذكروه من الشروط وكذلك لا بأس بأن يوكل أحد الرجلين الآخر في أن يعمل عنه عملا استؤجر عليه كما هو معنى شركة الأبدان اصطلاحا ولا معنى لاشتراط شروط في ذلك. والحاصل: أن جميع هذه الأنواع يكفي في الدخول فيها مجرد التراضي لأن ما كان منها من التصرف في الملك فمناطه التراضي ولا يتحتم اعتبار غيره وما كان منها من باب الوكالة أو الإجارة فيكفي فيه ما يكفي فيهما فما هذه الأنواع التي نوعوها والشروط التي اشترطوها وأي دليل عقل أو نقل ألجأهم إلى ذلك فإن الأمر أيسر من هذا التهويل والتطويل لأن حاصل ما يستفاد من شركة المفاوضة والعنان والوجوه أنه يجوز للرجل أن يشترك هو وآخر في شراء شئ وبيعه ويكون الربح بينهما على مقدار نصيب كل واحد منهما من الثمن وهذا شئ واحد واضح المعنى يفهمه العامي فضلا عن العالم ويفتي بجوازه المقصر فضلا عن الكامل وهو أعم من أن يستوي ما يدفعه كل واحد منهما من الثمن أو يختلف وأعم من أن يكون المدفوع نقدا أو عرضا وأعم من أن يكون ما اتجرا به جميع مال كل واحد منهما أو بعضه وأعم من أن يكون المتولي للبيع والشراء أحدهما أو كل واحد منهما وهب أنهم جعلوا لك قسم من هذه الأقسام التي هي في الأصل شئ واحد اسما يخصه فلا مشاحة في الاصطلاحات لكن ما معنى اعتبارهم لتلك العبارات وتكلفهم لتلك الشروط وتطويل المسافة على طالب العلم وإتعابه بتدوين ما لا طائل تحته وأنت لو سألت حراثا أو بقالا عن جواز الإشتراك في شراء الشئ وفي ربحه لم يصعب عليه أن يقول نعم ولو قلت له هل يجوز العنان أو الوجوه أو الإيدان لحار في فهم معاني هذه الألفاظ بل قد شاهدنا كثيرا من المتبحرين في علم الفروع يلتبس عليه كثير من تفاصيل هذه الأنواع ويتلعثم إن أراد تمييز بعضها من بعض اللهم إلا أن يكون قريب عهد بحفظ مختصر من مختصرات الفقه فربما يسهل عليه ما يهتدي به إلى ذلك وليس المجتهد من وسع دائرة الآراء العاطلة عن الدليل وقبل كل ما يقف عليه من قال وقيل فإن ذلك هو دأب أسراء التقليد بل المجتهد من قرر الصواب وأبطل الباطل

стр. 457

وفحص في كل مسألة عن وجوه الدلائل ولم يحل بينه وبين الصدع بالحق مخالفة من يخالفه ممن يعظم في صدور المقصرين فالحق لا يعرف بالرجال ولهذا المقصد سلكنا في هذه الأبحاث مسالك لا يعرف قدرها إلا من صغى فهمه عن التعصبات وأخلص ذهنه عن الاعتقادات المألوفات والله المستعان "وإذا تشاجر الشركاء في عرض الطريق كان سبعة أذرع"لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع" وأخرج معناه عبد الله بن أحمد في المسند والطبراني من حديث عبادة بن الصامت وأخرجه أيضا عبد الرزاق من حديث ابن عباس وأخرجه أيضا ابن عدي من حديث أنس "ولا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما "أن النبي ﷺ " قال لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" وروى نحوه أحمد وابن ماجه والبيهقي عن جماعة من الصحابة "ولا ضرر ولا ضرار بين الشركاء"لحديث ابن عباس قال: "قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار وللرجل أن يضع خشبه في حائط جاره وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع" أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي والطبراني وعبد الرزاق قال ابن كثير: أما حديث " لا ضرر ولا ضرار" فرواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت وروي من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري وهو حديث مشهور انتهى فحديث ابن عباس هو المذكور في الباب وحديث عبادة أخرجه أيضا البيهقي وحديث أبي سعيد أخرجه ابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وقد رواه من حديث ثعلبة من مالك القرظي الطبراني في الكبير وأبو نعيم "ومن ضار شريكه كان للإمام عقوبته بقلع شجره أو بيع داره"لحديث "سمرة بن جندب أنه كان له عضد١ من نخل في حائط رجل من الأنصار قال: ومع الرجل أهله قال: وكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به الرجل ويشق عليه فطلب إليه أن يناقله فأبى فأتى النبي ﷺ فذكر له فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى قال: فهبه لي ولك كذا وكذا أمر أرغبه فيه فأبى فقال: أنت مضار فقال رسول الله ﷺ

стр. 458

للأنصاري: "ذهب فاقلع نخله" وهو من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن سمرة ولم يسمع منه وقد روى المحب الطبري في أحاديث الأحكام عن واسع بن حبان قال: "كان لأبي لبابة عذق١ في حائط رجل فكلمه "ثم ذكر نحو قصة سمرة

стр. 459

كتاب الرهن "يجوز رهن ما يملكه الراهن في دين عليه"الرهن جائز بالإجماع وقد نطق به الكتاب العزيز وتقييده بالسفر خرج مخرج الغالب كما ذهب إليه الجمهور وقال مجاهد والضحاك والظاهرية: لا يشرع إلا في السفر وقد رهن النبي ﷺ درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله كما أخرجه البخاري وغيره من حديث أنس وهو في الصحيحين من حديث عائشة وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس وصححه الترمذي وصاحب الاقتراح وفي ذلك دليل على مشروعية الرهن في الحضر كما قال الجمهور "والظَّهر يُركب واللبن يُشرب بنفقة المرهون" لما أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" وللحديث ألفاظ والمراد أن المرتهن ينتفع بالرهن وينفق عليه وقد ذهب أحمد وإسحق والليث والحسن وغيرهم قال ابن القيم: وأخذ أحمد وغيره من أئمة الحديث بهذه الفتوى وهو الصواب وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء: لا ينتفع المرتهن من الرهن بشئ بل الفوائد للراهن والمؤمن عليه قالوا: والحديث ورد على خلاف القياس ويجاب بأن هذا القياس فاسد الاعتبار مبني على شفا جرف هار ولايصح الاحتجاج به لما ورد من النهي عن أن تحلب ماشية الرجل بغير إذنه كما في البخاري وغيره لأن العام لايرد به الخاص بل يبنى عليه

стр. 460

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها ولا يصلح للراهنين غيره وما عداه ففساده ظاهر فإن الراهن قد يغيب ويتعذر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن ويشق عليه أو يتعذر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن وإثبات غيبة الراهن وإثبات أن قدر النفقة عليه قدر حلبه وركوبه وطلبه منه الحكم له بذلك في هذا من العسر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة فشرع الشارع الحكم القيم بمصالح العباد وللمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره وعليه نفقته وهذا محض القياس لو لم تأت به السنة الصحيحة انتهى ثم أطال في تخريج هذا القياس إلى مالا يسعه هذا القرطاس "ولا يُغلق الرهن بما فيه"لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:"لا يغلق١ الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه" أخرجه الشافعي والدارقطني والحاكم والبيهقي وابن حبان في صحيحه وحسن والدارقطني إسناده وقال الحافظ ابن حجز: في بلوغ المرام أن رجاله ثقات إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله وأخرجه ابن ماجه من طريق أخرى والرفع زيادة وقد خرجت من مخرج مقبول والمراد بالغلاق هنا استحقاق المرتهن له حيث لم يفكه الراهن في الوقت المشروط وروى عبد الرزاق عن معمر أنه فسر غلاق الرهن بما إذا قال الرجل إن لم آتك بمالك فالرهن لك قال: ثمن بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا إنما هلك من رب الرهن له غنمه وعليه غرمه وقد روي أن المرتهن في الجاهلية كان يتملك الرهن إذا لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المضروب فأبطله الشارع والغنم والغرم هنا هو أعم مما تقدم من أن الظهر يركب بنفقة المرهون واللبن يشرب قال في الحجة البالغة: ومبنى الرهن على الاستيثاق وهو بالقبض فلذلك اشترط فيه ولا اختلاف عندي بين حديث "لا يغلق الرهن" وحديث "الظهر يركب" الخ لأن الأول هو الوظيفة لكن إذا امتنع الراهن من النفقة عليه وخيف الهلاك وأحياه المرتهن فعند ذلك ينتفع به بقدر ما يراه الناس

стр. 461

عدلا انتهى. قلت: وعليه أهل العلم قال محمد: وبهذا نأخذ وتفسير قوله: "لا يغلق الرهن " أن الرجل كان يرهن الرهن أي المرهون عند الرجل فيقول: إن جئتك بمالك إلى كذا وكذار وإلا فالرهن لك بمالك قال رسول الله ﷺ "لا يغلق الرهن ولا يكون للمرتهن بماله" وكذلك نقول: وهو قول أبي حنيفة وكذلك فسره مالك بن أنس وفي شرح السنة: معناه لا يستغلق بحيث لا يعود إلى الراهن بل متى أدى الحق المرهون به افتك وعاد إلى الراهن وروى الشافعي هذا الحديث مع زيادة ولفظه "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه" قال الشافعي: غنمه زيادته وغرمه هلالكه وفيه دليل على أنه إذا هلك في يد المرتهن يكون من ضمان الراهن ولا يسقط بهلاكه شئ من حق المرتهن وعليه الشافعي وقال أبو حنيفة: قيمته إن كانت قدر الحق يسقط بهلاكه الحق وإن كانت أقل من الحق يسقط بقدره وإن كان أكثر من الحق يسقط الحق وعند الشافعي: دوام القبض ليس بشرط في الرهن فيستعمل الدابة المرهونة بالنهار وترد إلى المرتهن بالليل ولا يسافر عليها ولم يجوزه أبو حنيفة. أقول: الحق أن الرهن إذا تلف في يد المرتهن بدون جنايته ولا تفريطه فهو غير مضمون عليه وإن كان بجنايته أو تفريطه ضمنه للجناية عليه أو التفريط لا لكونه مستحقا حبسه فإن الحبس للرهن بمجرده ليس بسبب للضمان والمدارك الشرعية واضحة المنار

стр. 462

كتاب الوديعة والعارية أقول العارية من مكارم الأخلاق ومحاسن الطاعات وأفصل الصلات لأنها إباحة المالك لمنافع ملكه لمن له إليه حاجة ولا ريب أن هذا الفعل داخل تحت نصوص الكتاب والسنة فإن فيهما من الترغيب في ذلك ما لا يحيط به الحصر ومن جملة ذلك قوله تعالي: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ والحاصل: أن العارية في لسان العرب والشرع هي: إباحة المنافع بلا عوض فما وجد فيه هذا المعنى كان من العارية ومالا فلا "تجب على الوديع١ والمستعير تأدية الأمانة إلى من

стр. 463

ائتمنه ولا يخون من خانه" لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ولقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة وفي إسناده طلق ابن غنام عن شريك وقد استشهد له الحاكم بحديث أبي التياح عن أنس وفي إسناده أيوب بن سويد وهو مختلف فيه وقد تفرد به كما قال الطبراني وأخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية من حديث أبي بن كعب وفي إسناده من لا يعرف وأخرجه أيضا الدارقطني عنه وأخرجه البيهقي والطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف وأخرجه الدارقطني والطبراني والبيهقي وأبو نعيم من حديث أنس وأخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي عن رجل من الصحابة وفي إسناده مجهول غير الصحابي "ولا ضمان عليه إذا تلفت العين المستعارة أو المستودعة بدون جنايته وخيانته"لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ قال: "لا ضمان على مؤتمن" أخرجه الدارقطني وفي إسناده ضعف وقد وقع الإجماع على أن الوديع لا يضمن إلا لجناية منه على العين لما أخرجه الدارقطني في الحديث السابق من طريق أخرى بلفظ "ليس على المستعير غير المغل ضمان" والمغل هو الخائن والجاني خائن وأما المستعير فقد ذهب إلى أنه لا يضمن إلا لجناية أو خيانة الحنفية والمالكية وحكى في الفتح عن الجمهور: أن المستعير يضمنها إذا تلفت في يده إلا إذا كان التلف على الوجه المأذون فيه وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وفي سماع الحسن عن سمرة مقال مشهور وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم من حديث صفوان بن أمية "أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أدراعا فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة" قال الماتن في حاشية الشفاء: وجميع هذه الأسباب داخلة تحت قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "على اليد ما أخذت حتى تؤديه " إن كان المراد على اليد ضمان ما أخذت ولكن الظاهر أن المراد على اليد حفظ ما أخذت حتى تؤديه وذلك إنما يكون في الباقي وليس فيه دليل

стр. 464

على ضمان التالف١ "ولا يجوز منع الماعون كالدلو والقدر"لحديث ابن مسعود قال: "كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر "أخرجه أبو داود وحسنه المنذري وروي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما فسرا قوله تعالي: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ أنه متاع البيت الذي يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والدلو والحبل والقدر وما أشبه ذلك وعن عائشة الماعون الماء والنار والملح وقيل الماعون الزكاة "وإطراق الفحل وحلب المواشي لمن يحتاج ذلك والحمل عليها في سبيل الله"لما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن بقرنها قلنا يار سول الله: وما حقها؟ قال: إطراق فحلها وإعارها دلوها ومنحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله" والمراد بإطراق فحلها عاريته من يحتاج أن يطرق به على ماشيته والمراد بمنحتها أن يعطي المحتاج لينتفع بجلبها ثم يردها وأما الحمل عليها في سبيل الله فإذا طلب ذلك من لا ماشية له من صاحب المواشي اليت فها زيادة على حاجته

стр. 465

كتاب الغصب "يأثم الغاصب"لأنه أكل مال غيره بالباطل أو استولى عليه عدوانا وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه" أخرجه الدارقطني من طرق عن أنس مرفوعا وفي أسانيدها ضعف وأخرجه أحمد والدارقطني من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو متكلم عليه وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وأخرجه الدارقطني عنه من طريق أخرى

стр. 466

وأخرجه البيهقي وابن حبان والحاكم في صحيحيهما من حديث أبي حميد الساعدي وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث السائب بن يزيد عن أبيه قال: "قال رسول الله ﷺ " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها عليه" "وحديث "إنما أموالكم ودماؤكم عليكم حرام" وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما وهو مجمع على تحريم الغصب عند كافة المسلمين ومجمع على وجوب رد المغصوب إذا كان باقيا وعلى تسليم عوضه إن كان تالفا "ويجب عليه رد ما أخذ ولا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه"كما تقدم دليله "وليس لعرق ظالم حق ومن زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شئ ومن غرس في أرض غيره غرسا رفعه"لحديث رافع بن خديج "أن النبي ﷺ قال: " من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شئ وله نفقته" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي والبيهقي والطبراني وابن أبي شيبة والطيالسي وأبو يعلى وحسنه البخاري١ وأخرج أبو داود والدارقطني من حديث عروة بن الزبير "أن رسول الله ﷺ قال: " من أحيا أرضا فهي له وليس لعرق ظالم حق" قال: ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤس وإنها لنخل عم٢ "وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وأخرجه البخاري تعليقا من حديث بن زيد قال: "قال رسول الله ﷺ " من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق" أقول: الحق الحقيق بالقبول أن الزرع لمالك الأرض وعليه للغاصب ما أنفقه على الزرع كما ثبت ذلك عند أهل السنن ولفظه في رواية "أنه ﷺ أتى بني حارثة فرأى زرعا في أرض ظهير فقال: ما أحسن زرع ظهير قيل: ليس لظهير قال: أليست أرض ظهير؟ قالوا: بلى ولكنه

стр. 467

زرع فلان قال: فخذوا زرعكم وردوا عليه النفقة " الحديث "ولا يحل الانتفاع بالمغصوب"لما تقدم من الأدلة القاضية بأنه لا يحل مال الغير لا عينا ولا انتفاعا وقد ورد في غصب الأرض التي لا ثمرة لغصبها إلا الانتفاع بها بالزرع ونحوه أحاديث منها عن عائشة في الصحيحين وغيرهما "أن النبي ﷺ قال: "من ظلم شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين" وفيهما أيضا من حديث أبي سعيد نحوه وفي البخاري وغيره من حديث ابن عمر نحوه أيضا وفي مسلم من حديث أبي هريرة نحوه أيضا "ومن أتلفه فعليه مثله أو قيمته"لحديث عائشة "أنه لما كسرت إناء صفية الذي أهدت فيه للنبي ﷺ فقال لها: "إناء كإناء وطعام كطعام" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وحسنه الحافظ في الفتح وأخرج البخاري وغيره من حديث أنس "أن رسول الله ﷺ كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام وقال: كلوا ودفع القصعة الصحيحة للرسول وحبس المكسورة " ولفظ الترمذي قال: "أهدت بعض أزواج النبي ﷺ إليه طعاما في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها فقال النبي ﷺ : " طعام بطعام وإناء بإناء" وقد استدل بذلك من قال: إن القيمي يضمن يمثله ولا يضمن بالقيمة إلا عند عدم المثل وهو الشافعي والكوفيون وقال مالك: إن القيمي يضمن بقيمته مطلقا قيل: لا خلاف في أن المثلي يضمن بمثله ولكنه قد ورد في حديث المصراة الثابت في الصحيح ردها وصاعا من تمر واللبن مثلي والبحث مستوفى في مواطنه

стр. 468

كتاب العتق الترغيب في العتق قد ثبت عنه ﷺ في الأحاديث الصحيحة كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو من عضوا من النار حتى فرجه بفرجه" وأخرج الترمذي وصححه من حديث أبي أمامة وغيره من الصحابة عن النبي ﷺ قال: "أيما امرىء مسلم أعتق أمرأ مسلما

стр. 469

كان فكاكه من النار يجزي كل عضو منه عضوا منه وأيما امريء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزي كل عضو منهما عضوا منه "وفي لفظ "أيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزي كل عضو من أعضائها عضوا من أعضائها" وإسناده صحيح وفي الباب أحاديث أفضل الرقاب أنفسها لما في الصحيحين من حديث أبي ذر قال: "قلت يارسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله قال: قلت أي الرقاب أفضل؟ قال: "أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا" "ويجوز العتق بشرط الخدمة ونحوها"لحديث سفينة بن عبد الرحمن قال: أعتقتني أم سلمة وشرطت علي أن أخدم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما عاش" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه قال: لا بأس بإسناده وأخرجه الحاكم وفي إسناده سعيد ابن جهمان أبو حفص الأسلمي وقد وثقه ابن معين وغيره وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه ووجه الحجة من هذا أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لا يخفى عليه مثل ذلك وقد قيل إن تعليق العتق بشرط الخدمة يصح إجماعا "ومن ملك رحِمه عَتق عليه" لحديث سمرة عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: " من ملك ذا رحم محرم فهو حر" ولفظ أحمد "فهو عتيق "وهو من رواية الحسن عن سمرة وفي سماعه منه مقال مشهور وقال علي بن المديني: هو حديث منكر وقال البخاري: لا يصح وأخرج النسائي والترمذي والحاكم من حديث ابن عمر قال: "قال رسول الله ﷺ : " من ملك ذا رحم محرم فهو حر" وهو من رواية ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عنه قال النسائي: حديث منكر ولا نعلم أحدا رواه عن سفيان غير ضمرة وقال الترمذي: لم يتابع ضمرة ابن ربيعة على هذا الحديث لكنه قد وثقه يحيى بن معين وغيره وحديثه في الصحيحين وقد صحح حديثه هذا ابن حزم وعبد الحق وابن القطان وأخرج أبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب موقوفا مثل حديث سمرة وهو من رواية قتادة عنه ولم يسمع منه. أقول: الحاصل أن جميع الأخبار الواردة في عتق ذي الرحم لا تخلو عن مقال ولكنها تنتهض بمجموعها للاستدلال ولا يعارضها حديث أبي هريرة الآتي عند مسلم

стр. 470

وقد ذهب إلى أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم: إنه يعتق عليه الأولاد والآباء والأمهات ولا يعتق عليه غيرهم من قرابته وزاد مالك الإخوة ولا ينافي ما ذكرناه حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره قال: "قال رسول الله صلى عليه وسلم: "لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" لأن إيقاع العتق تأكيدا لا ينافي وقوعه بالملك وزاد في حاشية الشفاء: لأن الإعتاق ههنا وإن كان ظاهرا في الإنشاء بعد الشراء فهو لا يسلتزم أن الشراء بنفسه لا يكون سببا انتهى وقد تمسك بحديث أبي هريرة الظاهرية فقالوا: لا يعتق أحد على أحد "ومن مثّل بمملوكه فعليه أن يعتقه"لحديث ابن عمر عند مسلم وغيره قال "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لطم مملوكه أوضربه فكفارته أن يعتقه" وفي مسلم أيضا عن سويد بن مقرن قال: "كنا بني مقرن على عهد رسول الله ﷺ ليس لنا إلا خادمة واحدة فلطمها أحدنا فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: أعتقوها" وفي رواية "إذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها" وفي مسلم أيضا من حديث أبي مسعود البدري قال: "كنت أضرب غلاما بالسوط فسمعت صوتا من خلفي "إلى أن قال: "فإذا رسول الله ﷺ يقول: إن الله أقدر منك على هذا الغلام " وفيه "قلت: يارسول الله هو حر لوجه الله فقال: "لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار " "وإلا أعتقه الإمام أو الحاكم"لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في المملوك الذي جب سيده مذاكيره فقال النبي ﷺ : "علي بالرجل فلم يقدر عليه فقال له النبي ﷺ : اذهب فأنت حر" أخرجه أبو داود وابن ماجه وقد أخرجه أحمد وفي إسناده الحجاج ابن أرطاة وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجال أحمد ثقات وأخرجه أيضا الطبراني وقد حكى في البحر عن علي والشافعية والحنفية أنه لا يُعتق العبد بمجرد المثلة بل يؤمر السيد بالعتق فإن تمرد فالحاكم وقال مالك والليث وداود والأوزاعي: بل يعتق بمجردها قال النووي في شرح مسلم: إنه أجمع العلماء على أن ذلك العتيق ليس واجبا وإنما هو مندوب رجاء الكفارة وإزالة إثم اللطم وذكر من أدلتهم إذنه ﷺ بأن

стр. 471

يستخدموها كما تقدم ودعوى الإجماع غير صحيحة وإذنه ﷺ لا يدل على عدم الوجوب بل الأمر قد دل على الوجوب والإذن بالاستخدام دل على كونه وجوبا متراخيا إلى وقت الاستغناء عنها انتهى "ومن أعتق شركا له في عبد ضمن لشركائه نصيبهم بعد التقويم وإلا عتق نصيبه فقط واستُسعي العبد"لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه العبد قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق" زاد الدارقطني "ورقّ ما بقي " وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث أبي المليح عن أبيه "أن رجلا من قومه أعتق شقصا له من مملوك فرُفع ذلك إلى النبي ﷺ فجعل خلاصه عليه في ماله وقال ليس لله شريك "وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من أعتق شقيصا من مملوك فعليه خلاصه في ماله فإن لم يكن له مال قُوّم المملوك قيمة عدل ثم استُسعي في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه" ولا تنافي بين هذا وبين حديث ابن عمر بل الجمع ممكن وهو أن من أعتق شركا له في عبد ولا مال له لم يعتق إلا نصيبه ويبقى نصيب شريكه مملوكا فإن اختار العبد أن يستسعي لما بقي استُسعي وإلا كان بعضه حرا وبعضه عبدا وأخرج أحمد من حديث إسمعيل بن أمية عن أبيه عن جده قال: "كان لهم غلام يقال له طهمان أو ذكوان فأعتق جده نصفه فجاء العبد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال النبي ﷺ : " تعتق في عتقك وترق في رقك" قال: فكان يخدم سيده حتى مات "ورجاله ثقات وأخرجه الطبراني قال في المسوى: قلت عليه الشافعي أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره وهو موسر بقيمة نصيب الشريك يعتق عليه ويكون ولاؤه كله للمعتق وإن كان معسرا عتق نصيبه ونصيب الشريك رقيق لا يكلف إعتاقه ولا يستسعى العبد في فكه قوله: "فأعطى شركاءه حصصهم "يحتمل معنيين: أحمدهما أنه لا يعتق نصيب الشريك بنفس اللفظ ما لم يؤد إليه قيمته وقال به الشافعي في القديم وثانيهما أنه يعتق كله عليه بنفس الإعتاق ولا يتوقف على أداء القيمة وذلك لأن إعطاء القيمة والعتق حكمان لمن أعتق شركا له في عبد يردان عليه جميعا وقال

стр. 472

به الشافعي في الجديد وقال أبو حنيفة: إن كان المعتق موسرا فالذي لم يعتق بالخيار إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء استسعى العبد في قيمة نصيبه فإذا أدى عتق فكان الولاء بينها وإن شاء ضمن المعتق قيمة نصيبه ثم شريكه بعد ما ضمن رجع على العبد استسعاه فإذا أداه عتق وولاؤه كله له وقال صاحباه: لا يعتق نصيب الشريك بنفس الإعتاق بل يُستسعى العبد فإذا أدى قيمة النصف الآخر عتق كله والولاء بينهما ومأخذ قولهم حديث أبي هريرة مرفوعا "من أعتق شقيصا في عبد عتق كله إن كان له مال وإلا يستسع غير مشقوق عليه " رواه الشيخان قوله: "غير مشقوق عليه "أي لا يستغلى عليه في الثمن وتأويل هذا الحديث على قول الشافعي: إن معنى يستسعى يستخدم لسيده الذي لم يعتق إن كان معسرا ومعنى غير مشقوق عليه أنه لا يحمل من الخدمة فوق ما يلزمه إنما يطالبه بقدر ما له فيه من الرق انتهى "ولا يصح شرط الولاء لغير من أعتق"لحديث عائشة في الصحيحين وغيرهما "أنها جاءت إليها بريرة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت فذكرت بربرة ذلك لأهلها فأبواها وقالوا: إن شاءت أن تعنست عليك فلنفعل ويكون لنا ولاؤك فذكرت ذلك بريرة ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : "ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق" ثم قام فقال: ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة مرة شرط الله أحق وأوثق" وللحديث طرق وألفاظ قال ابن القيم ﵀: قال شيخنا الحديث على ظاهره ولم يأمرها النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط ولا إباحة له ولكن عقوبة لمشترطه إذ أبى أن يبيع جارية للعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله تعالى وشرعه فأمرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله في أن الشروط الباطلة لا تغير شرعه وأن من شرط ما يخالف دينه لم يجبر أن يوفي له بشرطه ولا يبطل من البيع به وإن عرف فساد الشرط وشرطه إلغاء اشتراطه ولم يعتبر والله تعالى أعلم قلت: وعليه أهل العلم أن من أعتق عبدا يثبت له عليه الولاء ويرثه به ولا يثبت الولاء بالحلف والموالاة وبأن يسلم رجل

стр. 473

على يدي رجل لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أضاف الولاء إلى المعتق بالألف واللام فأوجب ذلك قطعه عن غيره كما يقال: الدار لزيد فيه إيجاب الملك فيها لزيد وقطعها عن غيره وعليه الشافعي وقال أبو حنيفة: يثبت الولاء بعقد الموالاة "ويجوز التدبير فيُعتق بموت مالكه وإذا احتاج المالك جاز له بيعه"لحديث جابر في الصحيحين وغيرهما "أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج فأخذه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: من يشتريه مني فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه "وأخرج البيهقي من حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا بلفظ "المدبر من الثلث " ورواه الدارقطني مرفوعا بلفظ "المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث" وفي إسناده عبيدة بن حسان١ وهو منكر الحديث وقد ذهب إلى جواز بيع المدبر للحاجة الشافعي وأهل الحديث ونقله البيهقي في المعرفة عن أكثر الفقهاء وحكى النووي عن الجمهور أنه لا يجوز بيع المدبر مطلقا وبه قال أبو حنيفة وتعقبه الشافعي بما روي عن جابر وتقدم وأجيب باحتمال أن يكون تدبيره مقيدا بشرط أو زمان ورد بأن اسم التدبير إذا أطلق فيفهم منه التدبير المطلق لا غير واتفقوا على جواز وطء المدبرة ومن أجاز بيعه قال يباع في الجناية. أقول: قد دل الحديث على جواز البيع للحاجة وليس فيه دلالة على عدم جوازه مع عدمها ولم يرد ما يدل على ذلك إلا ما يحتج بمثله فالقائل بالجواز واقف في موقف المنع وعلى مدعي عدمه بيان المانع فإن قال المانع العتق قلنا الناجز وأما المشروط بشرط لم يقع فممنوع كونه مانعا "ويجوز مُكاتبة المملوك على مال يؤديه"لقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ الآية وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية فقرر ذلك الإسلام ولا أعرف خلافا في مشروعيتها قلت: وعليه أبو حنيفة وقال الشافعي أظهر معاني الخير في العبد بدلالة الكتاب الاكتساب مع الأمانة فأحب أن لا يمتنع من كتابته إذا كان هكذا "فيصير عند الوفاء حُراً ويُعتق منه بقدر ما سلم"لحديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "يودى٢ المكاتب بحصة ما أدى دية الحر وما بقي دية العبد "أخرجه أحمد

стр. 474

وأبو داود والنسائي والترمذي وأخرج أحمد وأبو داود نحوه من حديث علي وقد ذهب إلى هذا بعض أهل العلم وذهب آخرون إلى أن حكم المكاتب حكم العبد حتى يوفي مال الكتابة واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ قال: أيما عبد كوتب بمائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي والحاكم وصححه وفي لفظ لأبي داود "المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم " ولا يعارض هذا ما تقدم فالجمع ممكن بحمل هذا على ما لا يمكن تبعضه من الأحكام وفي حديث أم سلمة "أن النبي ﷺ قال: إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه "أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه فأثبت له ههنا حكم الحر لأن العبد يجوز له أن ينظر إلى مولاته لقوله تعالي: ﴿وْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ قال في المسوى المكاتب عبد ما بقي عليه شئ وعليه أكثر أهل العلم فلا يرث من قريبه شيئا وإذا أصاب حدا ضرب حد العبد "وإذا عجز عن تسليم مال الكتابة عاد في الرق"لكون المالك لم يعتقه إلا بعوض وإذا لم يحصل العوض لم يحصل العتق وقد إاشترت عائشة بريرة بعد أن كاتبها أهلها كما تقدم "ومن استولد أمَته لم يحل له بيعها"لحديث ابن عباس عن النبي ﷺ "من وطيء أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر منه" أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي وفي إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف وأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: "ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ﷺ فقال: أعتقها ولدها "وأخرجه أيضا الدارقطني وفي إسناده الحسين بن عبد الله وهو ضعيف كما تقدم وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس أيضا أم الولد حرة وإن كان صدقا وإسناده ضعيف وأخرج البيهقي من حديث ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر "أن رسول الله ﷺ قال لأم إبراهيم: " أعتقك ولدك " وهو معضل وقال ابن حزم: صح هذا بسند رواته ثقات عن ابن عباس وأخرج الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال: "لا يُبعن ولا يوهبن ولا يورثن يستمتع بها السيد ما دام حيا وإذا مات فهي حرة" وقد أخرجه مالك في الموطإ والدارقطني أيضا من قول ابن عمر وأخرجه البيهقي مرفوعا وموقوفا وهذه الأحاديث وإن كان في أسانيدها

стр. 475

ما تقدم فهي تنتهض للاحتجاج بها وقد أخذ بها الجمهور وذهب من عداهم إلى الجواز وتمسكوا بحديث جابر قال: "كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبي بكر فلما كان عمر نهانا فانتهينا "أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم وليس فيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم اطلع على ذلك والخلاف في المسألة بين الصحابة فمن بعدهم معروف مشهور "وعتقت بموت"أي سيدها الذي استولدها لقوله في الحديث المتقدم "فهي معتقة عن دبر منه "أي في دبر حياته "أو بتخبيره"أي تخيير مستولدها١ "لعتقها"لأن إيقاع العتق يوجب عتق من لم يوجد لعتقه سبب فمن قد وجد له سبب عتقه أولى بذلك ولا سيما بعد قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أعتقها ولدها "فإنه يدل على أنه قد وقع العتق بالولادة ولكن بقي للسيد حق يوجب عليها بعض ما يجب على المملوك حتى يموت فإذا نجز العتق فقد رضي بإسقاط ذلك الحق

стр. 476

كتاب الوقف قال في الحجة البالغة: وهو من التبرعات كان أهل الجاهلية لا يعرفونه فاستنبطه النبي ﷺ لمصالح لا توجد في سائر الصدقات فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالا كثيرا ثم يفنى فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى وتجيء أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شئ حبسا للفقراء وابن السبيل يُصرف عليهم منافعه ويبقى أصله على ملك الواقف انتهى "من حبَّس ملكه في سبيل الله صار محبّسا"قد ذهب إلى مشروعية الوقف ولزومه جمهور العلماء قال الترمذي: لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافا في جواز وقف الأرضين وجاء عن شريح أنه أنكره وقال أبو حنيفة: لا يلزم وخالفه جميع أصحابه إلا زفر وقد حكى الطحاوي عن أبي يوسف

стр. 477

أنه قال: لو بلغ أبا حنيفة يعني الدليل لقال به وقال القرطبي: راد الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه ومما يدل على صحته ولزومه حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر "أن عمر أصاب أرضا بخيبر فقال: يارسول الله أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني فقال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضعيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول "وأخرج النسائي والترمذي وحسنه والبخاري تعليقا من حديث عثمان "أن النبي ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يتسعذب غير بئر رومة فقال: " من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي "وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "أما خالد فقد حبس أدراعه وأعتده١ في سبيل الله " "وله أن يجعل غلاتِّه لأي مصرف شاء مما فيه قُربه"لقوله ﷺ لعمر في الحديث السابق "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فإطلاق الصدقة يشعر بأن للواقف أن يتصدق بها كيف شاء فيما فيه قربة وقد فعل عمر ذلك فتصدق بها على الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل كما تقدم. والحاصل: أن الوقف الذي جاءت به الشريعة ورغب فيه رسول الله ﷺ وفعله أصحابه هو الذي يُتقرب به إلى الله حتى يكون من الصدقة الجارية التي لا ينقطع عن فاعلها ثوابها فلا يصح أن يكون مصرفه غير قربة لأن ذلك خلاف موضوع الوقف المشروع لكن القربة توجد في كل ما أثبت فيه الشرع أجرا لفاعله كائنا ما كان فمن وقف مثلا على إطعام نوع من أنواع الحيوانات المحترمة كان وقفه صحيحا لأنه قد ثبت في السنة الصحيحة "أن في كل كبد رطبة أجرا " ومثل هذا لو وقف على من يخرج القذارة من المسجد أو يرفع ما يؤذي المسلمين في طريقهم كان ذلك وقفا صحيحا

стр. 478

لورود الأدلة الدالة على ثبوت الأجر لفاعل ذلك فقس على هذا غيره مما هو مساوله في ثبوت الأجر لفاعله وما هو آكد منه في استحقاق الثواب "وللمتولي عليه أن يأكل منه بالمعروف"لما تقدم في وقف عمر الذي قرره النبي ﷺ "وللواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين"لما تقدم في حديث عثمان من قوله ﷺ : فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين" ومن وقف شيئا مضارة لوارثه كان وقفه باطلا" لأن ذلك مما لم يأذن به الله سبحانه بل لم يأذن إلا بما كان صدقة جارية ينتفع بها صاحبها لا بما كان إثما جاريا وعقابا مستمرا وقد نهى الله تعالى عن الضرار في كتابه العزيز عموما وخصوصا ونهى عنه النبي ﷺ عموما كحديث "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وقد تقدم وخصوصا كما في ضرار الجار وضرار الوصية ونحوهما. والحاصل أن الأوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل ومخالفة فرائض الله فهي باطلة من أصلها لا تنعقد بحال وذلك كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم وما أشبه ذلك فإن هذا لم يرد التقرب إلى الله تعالى بل أراد المخالفة لأحكام الله والمعاندة لما شرعه لعباده وجعل هذا الوقف الطاغوتي ذريعة إلى ذلك المقصد الشيطاني فليكن هذا منك على ذُكر فما أكثر وقوعه في هذه الأزمنة وهكذا وقف من لا يحمله على الوقف إلا محبة بقاء المال في ذريته وعدم خروجه عن أملاكهم فيقفه على ذريته فإن هذا إنما أراد المخالفة لحكم الله وهو انتقال الملك بالميراث وتفويض الوارث في ميراثه يتصرف فيه كيف يشاء وليس أمر غنى الورثة أو فقرهم إلى هذا الواقف بل هو إلى الله وقد توجد القربة في مثل هذا الوقف على الذرية نادرا بحسب اختلاف الأشخاص فعلى الناظر أن يمعن النظر في الأسباب المقتضية لذلك ومن هذا النادر أن يقف على من تمسك بالصلاح من ذريته أو اشتغل بطلب العلم فإن هذا الوقف ربما يكون المقصد فيه خالصا والقربة متحققة والأعمال بالنيات ولكن تفويض الأمر إلى ما حكم الله به بين عباده وارتضاه لهم أولى وأحق "ومن وضع مالا في مسجد أو مشهد لا ينتفع به أحد جاز صرفه في أصل الحاجات ومصالح المسلمين ومن ذلك ما يوضع في الكعبة

стр. 479

وفي مسجده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم"لحديث عائشة في صحيح مسلم وغيره قالت: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله" فهذا يدل على جواز إنفاق ما في الكعبة إذا زال المانع وهو حداثة عهد الناس بالكفر وقد زال ذلك واستقر أمر الإسلام وثبت قدمه في أيام الصحابة فضلا عن زمان من بعدهم وإذا كان هذا هو الحكم في الأموال التي في الكعبة فالأموال التي في غيرها من المساجد أولى بذلك بفحوى الخطاب فمن وقف على مسجده صلى الله تعالى عليه وسلم أو على الكعبة أو على سائر المساجد شيئا يبقى فيها لا ينتفع به أحد فهو ليس بمتقرب ولا واقف ولا متصدق بل كانز يدخل تحت قوله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية ولا يعارض هذا ما روى أحمد والبخاري عن أبي وائل قال: "جلست إلى شيبة في هذا المسجد فقال: جلس إلي عمر في مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين قلت: ما أنت بفاعل قال: لم قلت لم يفعله صاحباك فقال: هما المرآن يُقتدى بهما " لأن هذا من عمر ومن شيبة بن عثمان بن طلحة اقتداء بما وقع من النبي ﷺ وأبي بكر وقد أبان حديث عائشة السبب الذي لأجله ترك ﷺ ذلك أقول: وفي حاشية الشفاء: وأما أموال المساجد فإن كانت كالأموال التي يقفها الواقفون عليها ليحصل من غلاتها ما يحتاج إليه من عمارة ونحوها وما يقوم بمن يحييها بالصلاة والتلاوة وتدريس العلوم فلا شك أن هذا من أعظم القرب ولا يحل لمسلم أن يأخذ منه شيئا وإن كان ذلك من الأمور التي لمجرد الزخرفة التي هي من علامات القيامة ن أو للمباهاة والمكاثرة فهو من إضاعة المال بل من وضعه في معاصي الله فيكون أخذه وصرفه في مصالح المسلمين من باب القيام بواجبين: أحدهما النهي عن المنكر والثاني توقي إضاعة المال المنهي عنها بالدليل الصحيح وأما وضع الحلي في الكعبة والدراهم والدنانير والجواهر النفيسة فلا أستبعد أن يكون فاعله من الكانزين الذي قال الله فيهم: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ولا

стр. 480

أرى على من أخذها ليصرفها في مصالح المؤمنين أو يدفع بها مفاسدهم بأسا ولم يرد ما يدل على المنع انتهى وقد أوضح الماتن الكلام فيها في شرح المنتقى فليراجع "والوقف على القبول لرفع سُمكها أو تزيينها أو فعل ما يجلب على زائرها فتنة باطل" لأن رفعها قد ورد النهي عنه كما في حديث علي "أنه أمره ﷺ أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه ولا تمثالا إلا طمسه "وهو في مسلم وغيره وكذلك تزيينها وأشد من ذلك ما يجلب الفتنة على زائرها كوضع الستور الفائقة والأحجار النفيسة ونحو ذلك فإن هذا مما يوجب أن يعظم صاحب ذلك القبر في صدر زائره من العوام فيعتقد فيه مالا يجوز وهكذا إذا وقف للنحر عند القبور ونحوه مما فيه مخالفة لما جاء عن الشارع أما إذا وقف على إطعام من يفد إلى ذلك القبر أو نحو ذلك فهذا هو وقف على الوافد لا على القبر وما صنع الواقف بوقفه على القبر إلا ما يعرضه للإثم فقد يكون ذلك سببا للاعتقادات الفاسدة. وبالجملة: فالوقف على القبور مفسدة عظيمة ومنكر كبير إلا أن يقف على القبر مثلا لإصلاح ما انهدم من عمارته التي لا إشراف فيها ولا رفع ولا تزيين فقد يكون لهذا وجه صحة وإن كان غير القبر أحوج إلى ذلك كما قال الصديق رضي الله تعالى عنه الحي أولى بالجديد من الأكفان أو كما قال*

стр. 481

كتاب الهدايا جمع هدية قال في الحجة البالغة: إنما يبتغى بها إقامة الألفة فيما بين الناس ولا يتم هذا المقصود إلا بأن يرد إليه مثله فإن الهدية تحبب المهدي إلى المهدى له من غير عكس وأيضا فإن اليد العليا خير من اليد السفلى ولمن أعطى الطول على من أخذ فإن عجز فليشكره وليظهر نعمته فإن الثناء أول اعتداد بنعمته وإضمار لمحبته وأنه يفعل في إيراث الحب ما تفعل الهدية ومن كتم فقد خالف عليه ما أراده وناقض مصلحة الائتلاف وغمط حقه ومن أظهر ما ليس في الحقيقة فذلك كذب انتهى. يشرع قبولها ومكافأة فاعلها"لحديث أبي هريرة عند البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 482

قال: "لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت" وأخرج أحمد والترمذي وصححه نحوه من حديث أنس وأخرج الطبراني من حديث أم حكيم الخزاعية قالت: "قلت يارسول الله: تكره رد اللطف قال: ما أقبحه لو أهدي إلي كراع لقبلته" وأخرج أحمد برجال الصحيح من حديث خالد بن عدي "أن النبي ﷺ قال: "من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه" وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة قال "كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها "والأحاديث في قبول الهدية والمكافأة عليها وذلك معلوم منه ﷺ "ويجوز بين المسلم والكافر" لأن النبي ﷺ كان يقبل هدايا الكفار ويهدي لهم كما أخرجه أحمد والترمذي والبزار من حديث علي قال: "أهدى كسرى لرسول الله ﷺ فقبل منه وأهدى له قيصر فقبل منه وأهدت له الملوك فقبل منها "وأخرج أبو داود من حديث بلال "أنه أهدى إلى النبي ﷺ عظيم فدك "وفي الصحيحين من حديث أنس "أن أكيدر دومة أهدى لرسول الله ﷺ جبة سندس "وأخرج أبو داود من حديثه "أن ملك الروم أهدى إلى النبي ﷺ مستقة١ سندس فلبسها "وفيهما أيضا من حديث علي "أن أكيدر دومة الجندل٢ أهدى إلى النبي ﷺ ثوب حرير فأعطاه عليا فقال: شققه خمرا بين الفواطم " وأخرج البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: "أتتني أمي راغبة في عهد قريش وهي مشركة فسألت النبي ﷺ أصلها قال نعم " قال ابن عبينة: فأنزل الله فيها: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وقد أخرج أحمد والطبراني من حديث أم سلمة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد

стр. 483

مات ولا أرى هديتي إلا مردودة فإن ردت إلي فهي لك " وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي وثقه يحيى بن معين وغيره وضعفه جماعة والأحاديث في قبوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لهدايا الكفار كثيرة جدا وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة وصححاه من حديث عياض بن حمار "أنه أهدى للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هدية أو ناقة فقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: أسلمت قال: لا قال: إني قد نهيت عن زبد المشركين" وأخرج موسى بن عقبة في المغازي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك "أن عامر بن مالك الذي يقال له ملاعب الأسنة قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأهدى له فقال: "إني لا أقبل هدية مشرك" قال في الفتح: رجاله ثقات إلا أنه مرسل: قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخا وقيل: إنما رد ذلك إليهم لقصد الإغاظة أو لئلا يميل إليهم ولا يجوز الميل إلى المشركين وأما قبوله لهدية من تقدم ذكره فهو لكونهم قد صاروا من أهل الكتاب وقيل: إن الرد في حق من يريد بهديته التودد والموالاة والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه ويمكن أن يكون النهي لمجرد الكراهة التي لا تنافي الجواز جمعا بين الأدلة وزبد المشركين هو بفتح الزاي وسكون الموحدة بعدها دال مهملة قال في الفتح: هو الرفد انتهى. ويحرم الرجوع فيها لكون الهدية هي هبة لغة وشرعا وقد ورد في ذلك حديث ابن عباس عند البخاري وغيره "أن النبي ﷺ قال: "العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه" وهو في مسلم أيضا وفي لفظ للبخاري "ليس لنا مثل السوء" وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر وابن عباس رفعاه إلى النبي ﷺ قال: "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ومثل الرجل يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم رجع في قيئه "وقد دل قوله "لا يحل " على تحريم الرجوع من غير نظر إلى التمثيل الذي وقع الخلاف فيه هل يدل على الكراهة أو التحريم وقد ذهب إلى التحريم جمهور العلماء إلا هبة الوالد لولده كذا قال في الفتح "وتجب التسوية بين الأولاد"لحديث جابر عند مسلم وغيره قال: "قالت امرأة بشير انحل ابني غلاما وأشهد لي

стр. 484

رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي فقال: له إخوة؟ قال: نعم قال: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ قال: لا قال: فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق " وفي لفظ لأحمد من حديث النعمان بن بشير "لا تشهدني على جور إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم " وفي الصحيحين من حديثه "أن النبي ﷺ قال له: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا فقال فأرجعه " وفي لفظ لمسلم من حديثه "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم" فرجع أبي في تلك الصدقة "وكذا في البخاري ولكنه بلفظ العطية وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديثه قال: "قال ﷺ : " اعدلوا بين أبنائكم اعدلوا بين أبنائكم اعدلوا بين أبنائكم" وأخرج الطبراني والبيهقي وسعيد بن منصور من حديث ابن عباس بلفظ "سووا بين أولادكم في العطية ولو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء " وفي إسناده سعيد بن يوسف وفيه ضعف وقد حسن في الفتح إسناده وهذه الأحاديث تدل على وجوب التسوية وأن التفضيل باطل جور يجب على فاعله استرجاعه وبه قال طاوس والثوري وأحمد وإسحق وبعض المالكية وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فقط وأجابوا عن الأحاديث بما لا ينبغي الالتفات إليه. والحاصل: أن النبي ﷺ قد أمر بالتسوية بين الأولاد وقد تولى الله سبحانه كيفية ذلك في محكم كتابه وسمى التفضيل جورا فمن زعم أنه يجوز التفضيل لسبب من الأسباب كالبر ونحوه فعليه الدليل ولا ينفعه المجيء بما هو أعم من هذا الحديث المقتضي للأمر بالتسوية والمقام محتمل للتطويل والبسط وقد جمع الماتن ﵀ فيه رسالة مستقلة وذكر في شرح المنتقى ما أجاب به القائلون بعد وجوب التسوية وهي وجوه عشرة وأجاب عن كل واحد منها وأوضحت المقام أيضا في كتابي دليل الطالب على أرجح المطالب فليراجع قال ابن القيم في حديث نعمان بن بشير المتقدم: هذا الحديث هو من تفاصيل العدل الذي أمر الله به في كتابه وقامت به السموات والأرض وأثبتت عليه الشريعة فهو أشد موافقة للقرآن من كل قياس على وجه الأرض وهو محكم الدلالة غاية الإحكام فرد بالمتشابه من قوله "كل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين "فكونه أحق به يقتضي جواز تصرفه فيه كما يشاء وبقياس متشابه على إعطاء الأجانب ومن المعلوم

стр. 485

بالضرورة أن هذا المتشابه من العموم والقياس لا يقاوم هذا المحكم المبين غاية البيان انتهى وفي شرح السنة: ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن تفضيل بعض الأولاد على بعض في النحل مكروه ولو فعل نفذ وقد فضل أبو بكر عائشة بجداد عشرين وسقا نحلها إياه دون سائر أولاده وفي الحديث دليل على أن الوالد إذا وهب لولده شيئا جاز له الرجوع فيه وكذلك الأمهات والأجداد وأما غير الوالدين فلا رجوع لهم فيما وهبوا وسلموا لقول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة: لا رجوع له فيما وهب لولده"والرد لغير مانع شرعي مكروه" لما قدمنا في أول البحث من الأدلة فإن كان ثم مانع شرعي من قبول الهدية لم يحل قبولها وذلك كالهدايا لأهل الولايات توصلا إلى أن يميلوا مع المهدي فإن ذلك رشوة وستأتي الأدلة الدالة على تحريمها وقد ورد في هدايا الأمراء ما يفيد أنها لا تحل وسيأتي الكلام على طرق حديث هدايا الأمراء في كتاب القضاء والعلة أنها تؤل إلى الرشوة إما في الحكم أو في شئ مما يجب قيام الأمراء به ومن ذلك الهدية إلى من يعلم المهدي القرآن وقد تقدم الدليل على ذلك في الإجازات وهكذا حلوان الكاهن ومهر البغي ونحوهما ومن ذلك الهدية لمن يقضي للمهدي حاجة لحديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "من يشفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا" "أخرجه أبو داود من طريق القاسم بن عبد الرحمن الأموي مولاهم الشامي وفيه مقال وبالجملة فكل مانع شرعي قام الدليل على مانعيته من قبول الهدايا له حكم ما ذكرناه

стр. 486

كتاب الهبات "إن كانت بغير عِوض فلها حكم الهدية في جميع ما سلف"لكون الهدية هبة لغة وشرعا والفرق بينهما إنما هو اصطلاح جديد فإن كانت الهبة بغير عوض كانت المكافأة عليها مشروعة وتجوز للكافر ومنه ولا يحل الرجوع فيها وتجب التسوية بين الأولاد ويكره الرد بغير مانع شرعي "وإن كانت بعوض فهي بيع

стр. 487

ولها حكمه"لأن المعتبر في التبايع إنما هو التراضي والتعاوض وهما حاصلان في الهبة بعوض إذا كان ذلك واقعا عند التواهب وأما إذا كان في الموهوب له مكافأة غير مرادة للواهب عند الهبة فهي كالهدية وبالجملة فتنطبق على الهبة بغير عوض الأدلة المتقدمة في الهدية وتنطبق على الهبة بعوض الأدلة المتقدمة في البيع وقد تقدمت فلا حاجة إلى إيرادها ههنا "والعمرى" بضم العين المهملة وسكون الميم مع القصر عند الأكثر وهي مأخوذة من العمر وهو الحياة سميت بذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجل الرجل الدار ويقول له: أعمرتك إياها أي أبحتها لك مدة عمرك وحياتك فقيل لها عمرى لذلك. "والرقبى" بوزن العمرى مأخوذة من المراقبة لأن كل واحد منهما يرقب الآخر متى يموت لترجع إليه وكذا ورثته يقومون مقامه هذا أصلهما لغة "توجبان المُلك للمُعْمر والمُرقب ولعقبه من بعده لا رجوع فيهما"لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ قال: "العمرى ميراث لأهلها أو قال جائزة" وفيهما من حديث جابر قال: "قضى رسول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت له "وفي لفظ لمسلم "فمن أُعمر عمرى فهي للذي أعمر حيا وميتا ولعقبه " وفي لفظ لأحمد ومسلم وأبي داود "إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها "ولكن قد قيل إن ذلك من كلام أبي سلمة مدرج في حديث جابر فلا تقوم بهذه الرواية الحجة ولا تصلح لتقييد الأحاديث المطلقة كالحديثين المتقدمين وحديث زيد بن ثابت عند أحمد وأبي داود وابن ماجه وابن حبان قال: "قال رسول الله ﷺ " من أعمر عمرى فهي لمعمره حياته ومماته لا ترقبوا من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث" وأخرج أحمد والنسائي من حديث ابن عمر قال: "قال رسول الله ﷺ : "لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو له حياته ومماته" ورجال إسناده ثقات وورد في محل النزاع ما أخرجه النسائي من حديث جابر بلفظ "أن النبي ﷺ قضى بالعمرى أن يهب الرجل الرجل ولعقبه الهبة ويستثني إن حدث بك حدث ولعقبك فهي إلي وإلى عقبي أنها لمن أعطاها ولعقبه "وهكذا ما أخرجه أحمد من حديث جابر "أن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخيل حياتها فماتت فجاء إخوته فقالوا: نحن فيه شرع سواء قال: فأبى فاختصموا إلى النبي

стр. 488

صلى الله عليه وسلم فقسمها بينهم ميراثا "ورجاله رجال الصحيح وقد أخرجه أيضا أبو داود فهذا وما قبله يفيد أنها تكون للوارث وإن لم يذكر بل ذكر الموروث بل وإن استثنى وقال: إن حدث بك حدث فهي إلي فإن ذلك لا يفيد بل يكون للمعمر والمرقب ولورثته من بعده وقد ذهب إلى هذا جماعة من الشافعية وذهب الجمهور إلى أنه قال: هي لك ما عشت فإذا مت رجعت إلي فهي عاريّة مؤقتة ترجع إلى المعمر عند موت المعمر وتمسكوا برواية جابر المتقدمة وقد قدمنا ما قيل فيها من الإدراج ثم اعلم أن الهبة تصح بمجرد الإيجاب ولا تفتقر إلى قبول ولكنها تبطل بالرد ومن زعم أنها لا تتم إلا بالقبول احتاج إلى الدليل ولا حجة لمن اشترط القبض في الهبة ومن كان له صبر على الفاقة وقلة ذات اليد فلا بأس بالتصديق بأكثر ماله أو بكله ومن كان يتكفف الناس إذا احتاج لم يحل له أن يتصدق بجميع ماله ولا بأكثره وهذا هو وجه الجمع بين الأحاديث الدالة على أن مجاوزة الثلث غير مشروعة وبين الأدلة التي دلت على مشروعية التصدق بزيادة على الثلث وأما رجوع الوالد في هبة الوالد فيستدل على ذلك بما أخرجه أهل السنن وصححه الترمذي من حديث ابن عمر وابن عباس قالا: "قال النبي ﷺ "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده " وظاهر الحديث تحريم الرجوع في الهبة مطلقا إلا ما تقدم تخصيصه إلا أن يصح ما أخرجه الحاكم من حديث الحسن عن سمرة مرفوعا بلفظ "إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع " ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس قال ابن الجوزي وهما ضعيفان وقال الحافظ في إسناد الثاني ضعف فإذا انتهضا للاحتجاج كانا مخصصين لذي الرحم من العموم وكذلك إذا صح حديث أبي هريرة الذي رواه ابن حزم مرفوعا بلفظ "الواهب أحق بهبته ما لم يثب فيها " وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عباس مرفوعا "من وهب هبة فهو أحق بها حتى يثاب عليها" وقد ضعف حديث أبي هريرة ابن الجوزي وصححه الحاكم من قول عمر فإن صح الحديثان أو أحدهما كانا مخصصين للهبة التي لم يثب عليها فيجوز الرجوع فيها وأما حديث الصحيحين بلفظ " العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه" وزاد البخاري "ليس لنا مثل السوء "وثبت بلفظ "لا يحل" كما في حديث ابن عمر وابن عباس والرواية التي فيها "كالكلب يعود في

стр. 489

قيئه" ليست إلا المبالغة في الزجر وليس المراد بالحديث إلا تمثيل فعل الراجع في الهبة بالكلب العائد في قيئه وهذه صورة في غاية الشناعة والفظاعة وليس المراد بيان ما يجوز للكلب من الرجوع في قيئه وليس في الشرع ما يدل على ألفاظ مخصوصة ولا على مجلس ولا على قبض ومن زعم أن في الشريعة ما يدل على شئ من ذلك فهو مطالب بالدليل والفرق بين الحقوق والأملاك وجعل كل واحد منهما مختصا بشئ مما تحت يد الثابت عليه إنما هو مجرد اصطلاح من بعض أهل الفروع وإذا عرفت ذلك هان عليك الخطب ولم تحتج إلى الاشتغال بما في ذلك من التفاريع والتفاصيل

стр. 490

كتاب الأيمان "الحلف إنما يكون باسم"من أسماء "الله تعالى"وهو ظاهر "أو صفة له"من صفات ذاته لحلفه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بمقلب القلوب كما في حديث ابن عمر في صحيح البخاري وغيره وقال: "كان أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف لا ومقلب القلوب"وفي الصحيحين من حديث ابن عمر "أن النبي ﷺ قال في زيد بن حارثة: "وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة " وهكذا ثبت عنه ﷺ الحلف بقوله "والذي نفسي بيده" وهو في الصحيح وحكى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن جبرئيل ﵇ أنه قال "وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها " يعني الجنة وهو في الصحيح أيضا والأحاديث في هذا كثير جدا"ويحرم بغير ذلك"أي بغير اسم الله تعالى وصفاته فإن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون في أناس أن أسماءهم مباركة معظمة وكانوا يعتقدون أن الحلف بأسمائهم على الكذب يستوجب حرما في ماله وأهله فلا يقدمون على ذلك ولذلك كانوا يستحلفون الخصوم بأسماء الشركاء بزعمهم فنهوا عن ذلك كما في حديث ابن عمر عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال: "إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " وفي لفظ "ومن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله" وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود

стр. 491

والنسائي وابن حبان والبيهقي قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن النبي ﷺ "من حلف بغير الله فقد كفر" وفي لفظ "فقد أشرك" وهو عند أحمد من هذا الوجه وفي لفظ للترمذي والحاكم "فقد كفر وأشرك" وفي الباب أحاديث قال في الحجة البالغة: وقد فسره بعض المحدثين على معنى التغليظ والتهديد ولا أقول بذلك وإنما المراد عندي اليمين المنعقدة واليمين الغموس باسم غير الله تعالى على اعتقاد ما ذكرنا وقال في المسوى: قال الشافعي من حلف بغير الله فهو يمين مكروهة وأخشى أن يكون معصية فإن قبل أليس قد أقسم الله ببعض مخلوقاته فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ أليس أن النبي ﷺ قال في حديث الأعرابي: "أفلح وأبيه إن صدق " فالجواب يكون بوجهين: أحدهما أن فيه إضمارا معناه ورب السماء ورب الشمس ورب أبيه ونحو ذلك حيثما وقع وثانيهما وهو الأصح أن النهي إنما وقع عما كان على قصد التعظيم للمحلوف بإسمه كالحالف بالله يقصد بذكره التعظيم دون ما كانت العرب تستعمله تؤكد به كلامها من غير ذلك التعظيم. أقول: الحلف باسم غير الله تعالى على اعتقاد تعظيمه بحيث يكون الحنث مع ذكر اسمه موجبا عنده للعقوبة في الدنيا والآخرة شرك وبغير هذا التعظيم مكروه لأجل المشابهة مثل ما ذكروا من التفصيل في النهي عن القول يمطرنا بنوء كذا وكذا انتهى وفي حديث الصحيحين وغيرهما بلفظ "من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله " ولا ريب أن الإنسان إنما يحلف بما هو عظيم عنده ولهذا أمر رسول الله ﷺ الحالف أن يحلف بالله أو يصمت فمن حلف باللات والعزى كان معظما لهما ومن عظمهما كفر ومن كفر لم يرجع إلى الإسلام إلا بكلمة الإسلام وهي لا إله إلا الله "ومن حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى ولا حِنْث عليه"لحديث أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث " أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي وابن حبان ولفظ ابن ماجه "فله ثنياه " ولفظ النسائي "فقد استثنى " وأخرجه الحاكم وقد صححه ابن حبان وأخرج أبو داود عن عكرمة "أن النبي ﷺ قال: "والله لأغزون قريشا ثم قال: إن

стр. 492

شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله ثم لم يغزهم "قال أبو داود: إنه قد أسنده غير واحد عن ابن عباس وقد رواه البيهقي موصولا ومرسلا ويؤيد أحاديث الباب ما في الصحيحين "أن سليمان بن داود قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة " الحديث وفيه "فقال النبي ﷺ : لو قال إن شاء الله لم يحنث " وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وادعى ابن العربي الإجماع على ذلك فقال أجمع المسلمون على أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا وفي الموطإ عن ابن عمر "من قال والله ثم قال إن شاء الله ثم لم يفعل الذي حلف عليه لم يحنث "قال مالك أحسن ما سمعت في الثنيا أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه وما كان من ذلك نسقا يتبع بعضه بعضا قبل أن يسكت فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له قلت وعلى هذا أهل العلم أن الاستثناء إذا كان موصولا باليمين فلا حنث عليه. أقول: ثم اعلم أن اعتبار الأعراف في الأيمان لا بد منه فإن الحالف عند حلفه من شئ أو على شئ لا يخطر بباله غير العرف الذي غلب عليه في محاوراته فلو فرض أن عرفه فيما حلف عليه مخالف لاسمه اللغوي أو الشرعي كان العرف مقدما أما إذا كان ممن لا يعرف الشرع أو اللغة فظاهر وأما إذا كان ممن يعرفها فكذلك أيضا لأن خطورة المعنى العرفي أسبق من خطور غيره بالبال إلا أن يقول: أردت ذلك فإنه يقبل منه إن كان لا يتعلق بالمعنى العرفي حق للغير "ومن حلف على شئ فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفِّر عن يمينه" لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " وفي لفظ " فكفر عن يمينك وات الذي هو خير " وفي لفظ للنسائي وأبي داود "فكفر عن يمينك ثم أت الذي هو خير " وأخرج مسلم وغيره من حديث عدي بن حاتم ومن حديث أبي هريرة نحوه وفي الصحيحين من حديث أبي موسى "لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " وفي الباب أحاديث قلت: قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ واختلفوا في وجه الجمع بينه وبين حديث أبي هريرة فقال أبو حنيفة: قوله تعالى مخصوص بما إذا

стр. 493

كان المحلوف عليه معصية إذ من المعلوم أن الله تعالى لا يأمر بمعصية فمن حلف على معصية كترك الكلام مع أبيه حنث وكفر وقال الشافعي: مخصوص بما إذا حلف على معصية أو حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه لقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ أي مانعا لكم عن البر قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير "فقال أبو حنيفة: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث فمعناه فليقصد أداء الكفارة كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وقال الشافعي: يجوز تقديهما على الحنث يكفر بالصوم وعلى قياس هذا كل حق مالي تعلق بشيئين يجوز تقديمه على الشيئين كالزكاة إذا تم النصاب ولم يتم الحول "ومن أُكره على اليمين فهي غير لازمة ولا يأثم بالحنث فيها"لكون فعل المكره كلا فعل وقد رفع الله تعالى الخطاب به في التكلم بكلمة الكفر فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ولحديث "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهو حديث فيه مقال طويل١ وتكليف الحالف بيمينه التي أكره عليها من تكليف مالا يطاق وهو باطل بالأدلة العقلية والنقلية "واليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها"لحديث ابن عمر قال: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر "فذكر الحديث "وفيه "اليمين الغموس " وفيه "قلت وما اليمين الغموس قال: التي يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها كاذب" أخرجه البخاري قال مالك: وعقد اليمين أن يحلف الرجل أن لا يبيع ثوبه بعشرة دنانير ثم يبيعه بذلك أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه ونحو هذا فهذا الذي يكفر صاحبه عن يمينه وليس في اللغو كفارة وأما الذي يحلف على الشئ وهو يعلم أنه آثم ويحلف على الكذب وهو يعلم ليرضي به أحدا أو ليعتذر به إلى معتذر له أو ليقطع به مالا فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة قلت: الغموس هي الحلف على ما يعلم بطلانه لا على ما يظن صدقه فإنه خارج عن الأقسام الثلاثة والحلف على الظن لا يجوز لأن الله سبحانه قد نهى عن اتباع الظن والعمل به نهيا عاما مخصصا بأمور ليس الحلف منها ومن زعم أنه يجوز الحلف على الظن فهو مطالب بدليل صالح لتخصيص ذلك ولا نسلم صدق إسم

стр. 494

الاعتقاد على الظن بل هو أخص منه ولو سلم دخوله تحته بالمعنى العام فلا نسلم أن الاعتقاد الذي يكون مطابقته صدقا هو ذلك العام ولو سلمنا أنه العام فلا نسلم أن كل صدق بهذا المعنى يجوز الحلف عليه بل الذي يجوز الحلف عليه بل الذي يجوز الحلف عليه هو نوع من أنواع الصدق خاص وهو ما كان معلوما لا ما كان مظنونا ومن زعم غير هذا فعليه الدليل "ولا مؤاخذة باللغو"لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وفي البخاري عن عائشة "أنها قالت: أنزلت هذه الآية ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ في قول الرجل لا والله بلى والله "وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة وجماعة من التابعين وأخرج أبو داود عن عائشة قالت: "قال رسول الله ﷺ : " هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله" وأخرج أبو داود عن عائشة قالت: "قال رسول الله ﷺ : "هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله" وأخرجه أيضا البيهقي وابن حبان وصحح الدارقطني الوقف قال أبو داود رواه غير واحد عن عطاء عن عائشة موقوفا وذهبت الحنفية إلى أن لغو اليمين أن يحلف على الشئ يظنه ثم يظهر خلافه وبه قال جماعة وقيل أن يحلف وهو غضبان والخلاف في ذلك طويل وتفسير الصحابة الآية الكريمة مقدم على تفسير غيرهم قلت: الأيمان ثلاثة أقسام: لغو لا كفارة فيها ومنعقدة تجب فيه الكفارة إن حنث وغموس اختلفوا في كفارتها قالت عائشة: لغو اليمين قول الإنسان لا والله وقال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشئ يستقين أنه كذلك ثم يوجد على غير ذلك فهو اللغو وذهب الشافعي في تفسير اللغو إلى قول عائشة وأبو حنيفة إلى ما حسنه مالك أقول: الأولى أن يقال إن اللغو لما وقعت في كتاب الله مقابلة للمعقودة وقد تقرر أن تعقيد اليمين قصدها والمراد عقد القلب بها كما صرح به صاحب الكشاف فاللغو هي ما لم يقصد كقول الرجل: لا والله وبلى والله في محارواته من غير قصد لليمين سواء كان في حال اليمين أم لا فلو لم يرد في اللغو إلا وقوعها في القرآن مقابلة للمعقودة لكان القول بأنها ما ذكرناه متعينا فكيف وقد فسرت عائشة اللغو المذكور في القرآن بما قلنا "ومن حق المسلم على المسلم إبرار قَسَمه"لما ثبت في الصحيحين من أمره ﷺ بذلك كما في حديث البراء وغيره. وأخرج أحمد من حديث أبي الزاهرية عن عائشة "أن امرأة أهدت إليها

стр. 495

تمرا فأكلت بعضه وبقي بعضه فقالت أقسمت عليك إلا أكلت بقيته فقال رسول الله ﷺ : "أبريها فإن الإثم على المحنث" ورجاله رجال الصحيح "وكفارة اليمين هي ما ذكره الله في كتابه العزيز"وهو قوله تعالى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ قلت: ذهب ابن عمر إلى أن أو ههنا للتقسيم لا للتخيير وتعقبه عامة أهل العلم بالقياس الجلي على فدية الحلق في الإحرام فقالوا: يتخير الرجل بين أن يطعم عشرة من المساكين أو يكسوهم أو يتعتق رقبة فإن عجز عنها صام ثلاثة أيام وأما قدر الإطعام والكسوة فكان ابن عمر يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة مختصر وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر ورأوا ذلك مجزئا عنهم قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة أنه إن كسا الرجال كساهم ثوبا وإن كسا النساء كساهن ثوبين ثوبين درعا وخمارا وذلك أدنى ما يجزىء كلا في صلاته قلت: على هذا الشافعي في الإطعام وقال في الكسوة أولا مثل ما قال مالك: ثم رجع وقال: إن اختار الكسوة فعليه لكل مسكين ثوب واحد من قميص أو سراويل أو مقنعة أو إزار يصلح لكبير أو صغير لصحة إطلاق الكسوة على كل ذلك سواء وقال أبو حنيفة: الإعتاق والإطعام كما مر في الظهار وأما الكسوة فلكل واحد ثوب يستر عامة بدنه فلا يجوز السراويل والإزار ونحوهما قال مالك: فأما التوكيد فهو حلف الإنسان في الشئ الواحد يردد فيه الأيمان يمينا كقوله: والله لا أنقصه من كذا وكذا يحلف بذلك مرارا ثلاثا أو أكثر من ذلك قال فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين. أقول: الذي في القرآن الكريم إطعام عشرة مساكين ومعناه الحقيقي أن يجعل لهم طعاما يأكلونه مرة واحدة من غير تقدير بمقدار معين ولا على صفة معينة من اجتماعهم أو كونه في وقت مخصوص بل ما يصدق عليه مسمى إطعام العشرة لغة ولا ريب أنه يقال لمن أطعم عشرة ليلا أو نهارا مجتمعين أو مفترقين إنه مطعم لذلك القدر فما وقع الجزم به من اعتبار إطعام العشرة مرتين لا وجه له وأما الظن من حديث
следующие страницы →