والنسائي وابن حبان والبيهقي قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن النبي ﷺ "من حلف بغير الله فقد كفر" وفي لفظ "فقد أشرك" وهو عند أحمد من هذا الوجه وفي لفظ للترمذي والحاكم "فقد كفر وأشرك" وفي الباب أحاديث قال في الحجة البالغة: وقد فسره بعض المحدثين على معنى التغليظ والتهديد ولا أقول بذلك وإنما المراد عندي اليمين المنعقدة واليمين الغموس باسم غير الله تعالى على اعتقاد ما ذكرنا وقال في المسوى: قال الشافعي من حلف بغير الله فهو يمين مكروهة وأخشى أن يكون معصية فإن قبل أليس قد أقسم الله ببعض مخلوقاته فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ أليس أن النبي ﷺ قال في حديث الأعرابي: "أفلح وأبيه إن صدق " فالجواب يكون بوجهين: أحدهما أن فيه إضمارا معناه ورب السماء ورب الشمس ورب أبيه ونحو ذلك حيثما وقع وثانيهما وهو الأصح أن النهي إنما وقع عما كان على قصد التعظيم للمحلوف بإسمه كالحالف بالله يقصد بذكره التعظيم دون ما كانت العرب تستعمله تؤكد به كلامها من غير ذلك التعظيم. أقول: الحلف باسم غير الله تعالى على اعتقاد تعظيمه بحيث يكون الحنث مع ذكر اسمه موجبا عنده للعقوبة في الدنيا والآخرة شرك وبغير هذا التعظيم مكروه لأجل المشابهة مثل ما ذكروا من التفصيل في النهي عن القول يمطرنا بنوء كذا وكذا انتهى وفي حديث الصحيحين وغيرهما بلفظ "من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله " ولا ريب أن الإنسان إنما يحلف بما هو عظيم عنده ولهذا أمر رسول الله ﷺ الحالف أن يحلف بالله أو يصمت فمن حلف باللات والعزى كان معظما لهما ومن عظمهما كفر ومن كفر لم يرجع إلى الإسلام إلا بكلمة الإسلام وهي لا إله إلا الله "ومن حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى ولا حِنْث عليه"لحديث أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث " أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي وابن حبان ولفظ ابن ماجه "فله ثنياه " ولفظ النسائي "فقد استثنى " وأخرجه الحاكم وقد صححه ابن حبان وأخرج أبو داود عن عكرمة "أن النبي ﷺ قال: "والله لأغزون قريشا ثم قال: إن
стр. 492
شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله ثم لم يغزهم "قال أبو داود: إنه قد أسنده غير واحد عن ابن عباس وقد رواه البيهقي موصولا ومرسلا ويؤيد أحاديث الباب ما في الصحيحين "أن سليمان بن داود قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة " الحديث وفيه "فقال النبي ﷺ : لو قال إن شاء الله لم يحنث " وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وادعى ابن العربي الإجماع على ذلك فقال أجمع المسلمون على أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا وفي الموطإ عن ابن عمر "من قال والله ثم قال إن شاء الله ثم لم يفعل الذي حلف عليه لم يحنث "قال مالك أحسن ما سمعت في الثنيا أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه وما كان من ذلك نسقا يتبع بعضه بعضا قبل أن يسكت فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له قلت وعلى هذا أهل العلم أن الاستثناء إذا كان موصولا باليمين فلا حنث عليه. أقول: ثم اعلم أن اعتبار الأعراف في الأيمان لا بد منه فإن الحالف عند حلفه من شئ أو على شئ لا يخطر بباله غير العرف الذي غلب عليه في محاوراته فلو فرض أن عرفه فيما حلف عليه مخالف لاسمه اللغوي أو الشرعي كان العرف مقدما أما إذا كان ممن لا يعرف الشرع أو اللغة فظاهر وأما إذا كان ممن يعرفها فكذلك أيضا لأن خطورة المعنى العرفي أسبق من خطور غيره بالبال إلا أن يقول: أردت ذلك فإنه يقبل منه إن كان لا يتعلق بالمعنى العرفي حق للغير "ومن حلف على شئ فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفِّر عن يمينه" لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " وفي لفظ " فكفر عن يمينك وات الذي هو خير " وفي لفظ للنسائي وأبي داود "فكفر عن يمينك ثم أت الذي هو خير " وأخرج مسلم وغيره من حديث عدي بن حاتم ومن حديث أبي هريرة نحوه وفي الصحيحين من حديث أبي موسى "لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " وفي الباب أحاديث قلت: قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ واختلفوا في وجه الجمع بينه وبين حديث أبي هريرة فقال أبو حنيفة: قوله تعالى مخصوص بما إذا
стр. 493
كان المحلوف عليه معصية إذ من المعلوم أن الله تعالى لا يأمر بمعصية فمن حلف على معصية كترك الكلام مع أبيه حنث وكفر وقال الشافعي: مخصوص بما إذا حلف على معصية أو حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه لقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ أي مانعا لكم عن البر قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير "فقال أبو حنيفة: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث فمعناه فليقصد أداء الكفارة كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وقال الشافعي: يجوز تقديهما على الحنث يكفر بالصوم وعلى قياس هذا كل حق مالي تعلق بشيئين يجوز تقديمه على الشيئين كالزكاة إذا تم النصاب ولم يتم الحول "ومن أُكره على اليمين فهي غير لازمة ولا يأثم بالحنث فيها"لكون فعل المكره كلا فعل وقد رفع الله تعالى الخطاب به في التكلم بكلمة الكفر فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ولحديث "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهو حديث فيه مقال طويل١ وتكليف الحالف بيمينه التي أكره عليها من تكليف مالا يطاق وهو باطل بالأدلة العقلية والنقلية "واليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها"لحديث ابن عمر قال: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر "فذكر الحديث "وفيه "اليمين الغموس " وفيه "قلت وما اليمين الغموس قال: التي يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها كاذب" أخرجه البخاري قال مالك: وعقد اليمين أن يحلف الرجل أن لا يبيع ثوبه بعشرة دنانير ثم يبيعه بذلك أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه ونحو هذا فهذا الذي يكفر صاحبه عن يمينه وليس في اللغو كفارة وأما الذي يحلف على الشئ وهو يعلم أنه آثم ويحلف على الكذب وهو يعلم ليرضي به أحدا أو ليعتذر به إلى معتذر له أو ليقطع به مالا فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة قلت: الغموس هي الحلف على ما يعلم بطلانه لا على ما يظن صدقه فإنه خارج عن الأقسام الثلاثة والحلف على الظن لا يجوز لأن الله سبحانه قد نهى عن اتباع الظن والعمل به نهيا عاما مخصصا بأمور ليس الحلف منها ومن زعم أنه يجوز الحلف على الظن فهو مطالب بدليل صالح لتخصيص ذلك ولا نسلم صدق إسم
стр. 494
الاعتقاد على الظن بل هو أخص منه ولو سلم دخوله تحته بالمعنى العام فلا نسلم أن الاعتقاد الذي يكون مطابقته صدقا هو ذلك العام ولو سلمنا أنه العام فلا نسلم أن كل صدق بهذا المعنى يجوز الحلف عليه بل الذي يجوز الحلف عليه بل الذي يجوز الحلف عليه هو نوع من أنواع الصدق خاص وهو ما كان معلوما لا ما كان مظنونا ومن زعم غير هذا فعليه الدليل "ولا مؤاخذة باللغو"لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وفي البخاري عن عائشة "أنها قالت: أنزلت هذه الآية ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ في قول الرجل لا والله بلى والله "وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة وجماعة من التابعين وأخرج أبو داود عن عائشة قالت: "قال رسول الله ﷺ : " هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله" وأخرج أبو داود عن عائشة قالت: "قال رسول الله ﷺ : "هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله" وأخرجه أيضا البيهقي وابن حبان وصحح الدارقطني الوقف قال أبو داود رواه غير واحد عن عطاء عن عائشة موقوفا وذهبت الحنفية إلى أن لغو اليمين أن يحلف على الشئ يظنه ثم يظهر خلافه وبه قال جماعة وقيل أن يحلف وهو غضبان والخلاف في ذلك طويل وتفسير الصحابة الآية الكريمة مقدم على تفسير غيرهم قلت: الأيمان ثلاثة أقسام: لغو لا كفارة فيها ومنعقدة تجب فيه الكفارة إن حنث وغموس اختلفوا في كفارتها قالت عائشة: لغو اليمين قول الإنسان لا والله وقال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشئ يستقين أنه كذلك ثم يوجد على غير ذلك فهو اللغو وذهب الشافعي في تفسير اللغو إلى قول عائشة وأبو حنيفة إلى ما حسنه مالك أقول: الأولى أن يقال إن اللغو لما وقعت في كتاب الله مقابلة للمعقودة وقد تقرر أن تعقيد اليمين قصدها والمراد عقد القلب بها كما صرح به صاحب الكشاف فاللغو هي ما لم يقصد كقول الرجل: لا والله وبلى والله في محارواته من غير قصد لليمين سواء كان في حال اليمين أم لا فلو لم يرد في اللغو إلا وقوعها في القرآن مقابلة للمعقودة لكان القول بأنها ما ذكرناه متعينا فكيف وقد فسرت عائشة اللغو المذكور في القرآن بما قلنا "ومن حق المسلم على المسلم إبرار قَسَمه"لما ثبت في الصحيحين من أمره ﷺ بذلك كما في حديث البراء وغيره. وأخرج أحمد من حديث أبي الزاهرية عن عائشة "أن امرأة أهدت إليها
стр. 495
تمرا فأكلت بعضه وبقي بعضه فقالت أقسمت عليك إلا أكلت بقيته فقال رسول الله ﷺ : "أبريها فإن الإثم على المحنث" ورجاله رجال الصحيح "وكفارة اليمين هي ما ذكره الله في كتابه العزيز"وهو قوله تعالى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ قلت: ذهب ابن عمر إلى أن أو ههنا للتقسيم لا للتخيير وتعقبه عامة أهل العلم بالقياس الجلي على فدية الحلق في الإحرام فقالوا: يتخير الرجل بين أن يطعم عشرة من المساكين أو يكسوهم أو يتعتق رقبة فإن عجز عنها صام ثلاثة أيام وأما قدر الإطعام والكسوة فكان ابن عمر يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة مختصر وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر ورأوا ذلك مجزئا عنهم قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة أنه إن كسا الرجال كساهم ثوبا وإن كسا النساء كساهن ثوبين ثوبين درعا وخمارا وذلك أدنى ما يجزىء كلا في صلاته قلت: على هذا الشافعي في الإطعام وقال في الكسوة أولا مثل ما قال مالك: ثم رجع وقال: إن اختار الكسوة فعليه لكل مسكين ثوب واحد من قميص أو سراويل أو مقنعة أو إزار يصلح لكبير أو صغير لصحة إطلاق الكسوة على كل ذلك سواء وقال أبو حنيفة: الإعتاق والإطعام كما مر في الظهار وأما الكسوة فلكل واحد ثوب يستر عامة بدنه فلا يجوز السراويل والإزار ونحوهما قال مالك: فأما التوكيد فهو حلف الإنسان في الشئ الواحد يردد فيه الأيمان يمينا كقوله: والله لا أنقصه من كذا وكذا يحلف بذلك مرارا ثلاثا أو أكثر من ذلك قال فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين. أقول: الذي في القرآن الكريم إطعام عشرة مساكين ومعناه الحقيقي أن يجعل لهم طعاما يأكلونه مرة واحدة من غير تقدير بمقدار معين ولا على صفة معينة من اجتماعهم أو كونه في وقت مخصوص بل ما يصدق عليه مسمى إطعام العشرة لغة ولا ريب أنه يقال لمن أطعم عشرة ليلا أو نهارا مجتمعين أو مفترقين إنه مطعم لذلك القدر فما وقع الجزم به من اعتبار إطعام العشرة مرتين لا وجه له وأما الظن من حديث
стр. 496
كفارة الظهار فغير ظاهر فإنه وقع الاختلاف الطويل العريض في مقدار العرق من التمر أو المركتل وهل الإعانة منه ﷺ فقط أو منه ومن المرأة ثم هو مهجور الظاهر فإنه أمر أوس بن الصامت أن ينفقه على نفسه كما ثبت في الصحيح
стр. 497
كتاب النذر
"إنما يصح إذا ابتغي به وجه الله فلا بد أن يكون قُربة ولا نذْر في معصية الله"لأنه قد ورد النهي عن النذر كما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن النذر وقال: "إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من مال البخيل" وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة نحوه ثم ورد الإذن بالنذر في الطاعة والنهي عنه في المعصية كما في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" وعلى ذلك يحمل قوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم فسماهم الله أبرارا وورد بلفظ الحصر أنه لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله كما أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ قال: "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله " وأخرج مسلم وغيره من حديث ابن عباس قال: "قال رسول الله ﷺ "من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين" وأخرج أحمد وأهل السنن من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" والأحاديث في هذا الباب كثيرة "ومن النذر في المعصية ما فيه مخالفة للتسوية بين الأولاد" لما قدمنا في كتاب الهدايا "أو مفاضلة بين الورثة مخالفة لما شرعه الله" لأن المخالفة لذلك معصية ولا نذر في معصية كما تقدم "ومنه النذر على القبور" لكون ذلك ليس من النذر في الطاعة ولا من النذر الذي يبتغى به وجه الله تعالى بل قد يكون من النذر في المعصية إذا كان يتسبب عنه اعتقاد باطل في صاحب القبر كما
стр. 498
يتفق ذلك كثيرا وقد أخرج أبو داود بإسناد صالح عن سعيد بن المسيب "أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك كفّر عن يمينك ولا تنذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا تملك "وأخرج مالك والبيهقي بسند صحيح وصححه ابن السكن عن عائشة " أنها سئلت عن رجل جعل ماله في رتاج الكعبة إن كلم ذا قرابة فقالت: يكفر عن اليمين" وإذا كان هذا في الكعبة فغيرها من المشاهد والقبور بالأولى قلت: اختلف أهل العلم في النذر إذا خرج مخرج اليمين مثل: أن يقول: إن كلمت فلانا فلله علي عتق رقبة أو إن دخلت الدار فلله علي أن أصوم أو أصلي فهذا نذر أخرج مخرج اليمين لأنه قصد به منع نفسه عن الفعل كالحالف يقصد بيمينه منع نفسه عن الفعل فأصح قولي الشافعي أنه بمنزلة اليمين عليه الكفارة إن حنث والمشهور من مذهب أبي حنيفة أن عليه الوفاء بما سمى الرتاج الباب وجعل ماله في رتاج الكعبة معناه جعله لها كنى عنها بالباب لأنه يدخل إليها منه "وعلى ما لم يأذن به الله" كالنذر على المساجد لتزخرف أو على أهل المعاصي ليستعينوا بذلك على معاصيهم فإن ذلك من النذر في المعصية وأقل الأحوال أن يكون النذر على ما لم يأذن به الله خارجا عن النذر الذي أذن الله به وهو النذر في الطاعة وما ابتغي به وجه الله فيشمل هذا كل نذر على مباح أو مكروه أو محرم "ومن أوجب على نفسه فعلا لم يشرعه الله لم يجب عليه" لحديث ابن عباس عند البخاري وغيره قال: "بينا النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم فقال النبي ﷺ : مروه ليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه "وأخرج أحمد من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه فيمن نذر أن لا يزال في الشمس حتى يفرغ النبي ﷺ من خطبته فقال له النبي ﷺ : "إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله" قلت: وعلى هذا أهل العلم"وكذلك إن كان"النذر "مما شرعه الله وهو لا يطيقه" لم يجب عليه الوفاء به لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما "أن
стр. 499
النبي ﷺ رأى شيخا يهادى١ بين ابنيه فقال: ما هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني وأمره أن يركب "زاد النسائي في رواية "نذر أن يمشي إلى بيت الله "وأخرج أبو داود بإسناد صحيح عن النبي ﷺ قال: "من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين" وأخرجه أيضا ابن ماجه وزاد "من نذر نذرا أطاقه فليف به" ومن ذلك أمره ﷺ لمن نذر أن يمشي إلى الكعبة بالركوب كما في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر وفي مسند أحمد وسنن أبي داود من حديث ابن عباس وفي مسند أحمد من حديث عقبة بن عامر قلت: ذهب أبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه إلى أن عليه دم شاة وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب إلا على وجه الاحتياط لحديث أنس في مثل هذه الصورة ولم يذكر هديا ولا قضاء. ومن نذر نذرا لم يُسمِّه أو كان معصية أولا يطيقه فعليه كفارة يمين لحديث عقبة ابن عامر عند ابن ماجه والترمذي وصححه قال: قال رسول الله ﷺ : " فارة النذر إذا لم يسمه كفارة يمين " هو في صحيح مسلم دون قوله: "إذا لم يسمه" وقد تقدم حديث ابن عباس قريبا فيمن نذر نذرا لم يسمه وأخرج مسلم من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين" كذا نسبه صاحب المنتقى إلى مسلم وفيه نظر وهو عند أبي داود وابن ماجه وأحمد وأخرج أحمد وأهل السنن "أن النبي ﷺ قال "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" وفي إسناده مقال وأخرج أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ : قال "من نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين" "وهكذا أمر ﷺ المرأة التي نذرت أن تمشي وهي لا تطيق بأن تكفر كما أخرجه أحمد وأبو داود. أقول: النذر بالمباح يصدق عليه مسمى النذر فيدخل تحت العمومات المتضمنة للأمر بالوفاء به ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود أن امرأة قالت يا رسول الله: إني نذرت إذا انصرفت من غزوتك سالما أن أضرب على رأسك بالدف فقال لها: " وفي بنذرك " وضرب الدف إذا لم يكن
стр. 500
مباحا فهو إما مكروه أو أشد من المكروه ولا يكون قربة أبدا فإن كان مباحا فهو دليل على وجوب الوفاء بالمباح وإن كان مكروها فالإذن بالوفاء به يدل على الوفاء بالمباح بالأولى وكذلك إيجاب الكفارة على من نذر نذرا لم يسمه يدل على وجوب الكفارة بالأولى في المباح. فالحاصل: أن النذر بالمباح لا يخرج عن أحد القسمين إما وجوب الوفاء به أو وجوب الكفارة مع عدم الوفاء ولا ينافي ذلك ما ثبت عنه ﷺ من الإذن لمن نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافية غير مختمرة بأن تختمر وتركب لأنه ﷺ أمرها مع ذلك بصيام ثلاثة أيام وفي رواية أنه أمرها بأن تهدي بدنة ومثل ذلك حديث الشيخ الذي نذر أن يمشي فقال ﷺ "إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه" فإنه لا يعارض ما قدمنا لوجهين: الأول أن عدم التصريح بوجوب الكفارة عليه لا ينافي الأحاديث المصرحة بوجوبها والثاني أنه رآه يضعف عن ذلك كما في الرواية أنه رآه يهادى بين ابنيه ولهذا قال: "إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه" ومحل النزاع من نذر بمباح مقدرو له من غير تعذيب لنفسه ثم تعذيب النفس إن كان من قبيل المعصية فقد ثبت أن في نذر المعصية كفارة يمين وإن كان لكونه يلحق بغير المقدور فقد ثبت أن من نذر فيما لا يملك فعليه كفارة يمين وما ليس بمقدور للإنسان داخل فيما لا يملكه وقد أخرج أبو داود حديثا وفيه "ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ". والحاصل: أن النذر إن كان بطاعة مقدورة وجب الوفاء به سواء كانت تلك الطاعة واجبة أو مندوبة وإن كان بغير طاعة فهو إما من المباح أو الحرام أو المكروه فإن كان من المباح فقد تقدم وإن كان من الحرام فقد ثبت وجوب الكفارة فيه مع المنع من الوفاء به وإن كان مكروها فهو إما أن يكون لاحقا بالحرام أو بالمباح إن كان الأول وجبت الكفارة ولم يجز الوفاء به وإن كان الثاني فقد تقدم هذا خلاصة الكلام في أنواع النذر ولا دليل بيد من لم يوجب الوفاء ولا الكفارة في المندوب والمباح "ومن نذر بقربة وهو مشرك ثم أسلم لزمه الوفاء"لحديث عمر في الصحيحين وغيرهما "أنه قال: قلت يارسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام فقال: "أوف بنذرك " وأخرج أحمد وابن ماجه عن
стр. 501
ميمونة بنت كردم١ "أن أباها سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إني نذرت أن أنحر ببوانة٢ فقال: "أبها وثن أو طاغية؟ " قال لا قال: "أوف بنذرك" ورجال إسناده رجال الصحيح. وأخرج أبو داود نحوه من حديث ثابت بن الضحاك وإسناده صحيح "ولا ينفذ النذر إلا من الثلث" لحديث كعب بن مالك في الصحيحين أنه قال: "يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال النبي ﷺ " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" وفي لفظ لأبي داود "إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة قال: لا قلت: فنصفه؟ قال: لا قلت: فثلثه؟ قال: نعم" وفي إسناده محمد بن إسحق وفي لفظ لأبي داود أنه قال له: "يجزي عنك الثلث" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال: "يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك وأن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله فقال: "يجزي عنك الثلث" قلت: وهو قول أهل العلم في الجملة ولو حلف الرجل بصدقة ماله أو قال: مالي في سبيل الله فقال قوم: عليه كفارة يمين وهو من نذر اللجاج وعليه الشافعي وقال مالك: يخرج ثلث ماله لحديث أبي لبابة المذكور وقال أبو حنيفة: ينصرف ذلك إلى كل ما يجب فيه الزكاة من عينه من المال دون ما لا زكاة فيه من العقار والدواب ونحوها "وإذا مات الناذر بقربة ففعلها عنه ولده أجزأه ذلك لحديث ابن عباس أن سعد ابن عبادة استفتى رسول الله ﷺ أن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه فقال رسول الله ﷺ "قضه عنها " أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح وأصل القصة في الصحيحين وفي البخاري "أن ابن عمر أمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء ثم ماتت أن تصلي عنها "وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس نحو ذلك بإسناد صحيح وقد روي عنهما خلاف ذلك قلت: هو القول القديم للشافعي أن من فاته شئ من رمضان وتمكن من قضائه ثم مات ولم يقض وكذا النذر والكفارة تدارك عنه
стр. 502
وليه إما بالصوم عنه أو الإطعام من تركته قال النووي: القديم ههنا أظهر وقال محمد: ما كان من نذر أو صدقة أو حج قضاها الولي أجزأ ذلك إن شاء الله تعالى وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا
стр. 503
كتاب الأطعمة
الأصل في كل شئ الحل ولا يحرم إلا ما حرمه الله ورسوله وما سكتا عنه فهو عفو"لمثل قوله تعالي: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية فإن النكرة في سياق النفي تدل على العموم ولمثل حديث سلمان الفارسي قال: "سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا لكم" أخرجه ابن ماجه والترمذي وفي إسناد ابن ماجه سيف بن هرون البرجمي وهو ضعيف١ وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص "أن رسول الله ﷺ قال: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شئ لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته " وفيهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ذروني ماتركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وأخرج البزار وقال: سنده صالح والحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء ورفعه بلفظ " ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى وتلا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ "وأخرج الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها "وفي الكتاب والسنة مما يتقرر به هذا الأصل الكثير الطيب فيتوجه الاقتصار في رفع الحل على ماورد فيه دليل يخصه ومن التخصيص
стр. 504
قوله تعالى في آخر تلك الآية: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى آخر الآية "فيحرم ما في الكتاب العزيز"وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي ما مات حتف أنفه ﴿وَالدَّمَ﴾ وهو المسفوح صرح بذلك في الآية الأخرى والمفسر قاض على المبهم وهذا مما ينقض به قول القائل المبهم على إبهامه والمفسر على تفسيره فإنهم اتفقوا في هذه الآية على التقييد ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ وكل شئ من الخنزيز حرام وتخصيص اللحم بالذكر لأنه يقصد في العادة والخنزير حيوان مسخ بصورته قوم ولم يزل نوح ومن بعده من الأنبياء يحرمون الخنزير ويأمرون بالتبعد عنه إلى تنزل عيسى ﵇ فيقتله ويشبه أن الخنزير كان يأكله قوم فنطقت الشرائع بالنهي عنه وهجر أمره أشد ما يكون ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي ذكر اسم غير الله عند ذبحه ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ هي التي تختنق فتموت ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ هي المقتولة بالعصا ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ هي التي تتردى من مكان عال فتموت ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ هي التي تنطحها أخرى فتموت ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ يريد ما بقي مما أكل السبع لأنه ضبط المذبوح الطيب بما قصد إزهاق الروح باستعمال المحدد في حلفه أو لبته فجرّ ذلك إلى تحريم الأشياء ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي ما أدركتم من هذه الأشياء وفيه حياة مستقرة فذبحتموه أما ما صار إلى حالة المذبوح فهو في حكم الميتة ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قيل: مفرد كعنق وقيل: جمع نصاب وهو الشئ المنصوب من حجر ونحوه أمارة للطاغوت والجمع بينه وبين ما أهل لغير الله به يدل على الفرق بينهما وذلك لأن المذبوح عند النصب قصد به تعظيم الطاغوت دلالة وإن لم يتلفظ باسمه فهو بمنزلة ما أهل الغير الله به ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ إلى قوله ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ قلت قد اتفق المسلمون على ذلك في الجملة وإن كان لهم في التفاصيل اختلاف "وكل ذي ناب من السباع"لخروج طبيعتها من الاعتدال وبشكاسة أخلاقها وقسوة قلوبها لحديث أبي ثعلبة الخشني عند مسلم ومالك وغيره "أن رسول الله ﷺ قال "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام" وفي الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما والمراد بالناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب وكل ذي ناب يتقوى به ويصاد
стр. 505
وقال في النهاية: هو ما يفترس الحيوان ويأكل قسرا كالأسد والذئب والنمر ونحوها قال في القاموس: السبع بضم الباء المفترس من الحيوان انتهى وأراد بذي ناب ما يعدو بنابه على الناس وأموالهم مثل: الذئب والأسد والكلب والفهد والنمر وعلى هذا أهل العلم إلى أن الشافعي ذهب إلى إباحة الضبع والثعلب وقال أبو حنيفة: هما حرامان كسائر السباع أقول: قد قيل إنه لا ناب للضبع وأن جميع أسنانها عظم واحد كصفحة نعل الفرس كذا قال ابن رسلان في شرح السنن وعلى تسليم أن لها نابا فيخصصها من حديث كل ذي ناب حديث جابر فإنه قيل له: "الضبع صيد قال: نعم فقال له السائل آكلها؟ قال نعم فقال له: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم " أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وصححه وصححه أيضا البخاري وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي ولا يعارض هذا الحديث الصحيح ما أخرجه الترمذي من حديث خزيمة بن جزء قال: "سألت رسول الله ﷺ عن الضبع فقال: "أو يأكل الضبع أحد" وفي رواية "ومن يأكل الضبع" لأن في إسناده عبد الكريم أبا أمية وهو متفق على ضعفه والراوي عنه اسمعيل بن مسلم وهو ضعيف١ "وكل ذي مخلب من الطير"لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره قال: "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير "والمخلب بكسر الميم وفتح اللام قال أهل اللغة: المراد به ما هو في الطير بمنزلة الظفر للإنسان ويباح منه الحمام والعصفور لأنهما من المستطاب "و"من ذلك "الحمر الإنسية"وكان كثير من أهل الطباع السليمة من العرب يحرمونه ويشبه الشياطين وهو يرى الشيطان فينهق وهو قوله ﷺ "إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطانا " ويضرب به المثل في الحق والهوان وقد حرمه من العرب أذكاهم فطرة وأطيبهم نفسا كما في حديث البراء بن عازب في الصحيحين وغيرهما "أنه ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية "وفيهما من
стр. 506
حديث ابن عمر وأبي ثعلبة الخشني نحوه وفي الباب غير ذلك وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء قلت: وأما الحمار الوحشي فاتفقوا على إباحته كذا في المسوى وأهدي له ﷺ الحمار الوحشي فأكله كذا في الحجة البالغة "و"من ذلك "الجلالة قبل الاستحالة"لحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها "وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه الترمذي وابن دقيق العيد من حديث ابن عباس "النهي عن أكل الجلالة وشرب لبنها "وأخرج أحمد والنسائي والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحو ذلك وفي الباب غير ذلك وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل والثوري والشافعية وذهب بعض أهل العلم إلى الكراهة فقط وظاهر النهي التحريم والعلة تغير لحمها ولبنها فإذا زالت العلة بمنعها عن ذلك حتى يزول الأثر فلا وجه للتحريم لأنها حلال بيقين إنما حرمت لمانع وقد زال قال في الحجة البالغة: الجيفة وما تأثر منها خبيث في جميع الأمم والملل فإذا تميز الخبيث من غيره ألقي الخبيث وأكل الطيب وإن لم يكن التميز حرم أكله ودل الحديث على حرمة كل نجس ومتنجس ونهى ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها لأنها لما شربت أعضاؤها النجاسة وانتشرت في أجزائها كان حكمها حكم النجاسات أو حكم من يتعيش بالنجاسة أقول: الاستحالة مطهرة والأولى أن يقال في طهارة ما استحال إن العين التي حكم الشارع بنجاستها لم تبق اسما ولا صفة فإن حكمه بنجاسة العذرة مقيد بكونها عذرة فإذا صارت رمادا فليست بعذرة فمن ادعى بقاء النجاسة مع ذهاب الاسم والصفة فعليه الدليل "و"من ذلك "الكلاب"ولا خلاف في ذلك يعتد به وهو مستخبث وقد وقع الأمر بقتله عموما وخصوصا وقد نهى النبي ﷺ عن أكل ثمنه كما تقدم وسيأتي وتقدم أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وقد جعله بعضهم داخلا في ذوات الناب من السباع قال في الحجة البالغة: ويحرم الكلب والسنور لأنهما من السباع ويأكلان الجيف والكلب شيطان "و"من ذلك "الهر"لحديث جابر عن أبي داود وابن ماجه والترمذي "أن النبي ﷺ نهى عن أكل الهر وأكل ثمنها "وفي إسناده عمر بن
стр. 507
زيد١ الصنعاني وهو ضعيف لكن يشد من عضده ما ثبت من النهي عن أكل ثمن الكلب والسنور وهو في الصحيح وقد تقدم ولا فرق بين الوحشي والأهلي وللشافعية وجه في حل الوحشي "و"من ذلك "ما كان مستخبثا" لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ فما استخبثه الناس من الحيوانات لا لعلة ولا لعدم اعتياد بل لمجرد الاستخباث فهو حرام وإن استخبثه البعض دون البعض كان الاعتبار بالأكثر كحشرات الأرض وكثير من الحيوانات التي ترك الناس أكلها ولم ينهض على تحريمها دليل يخصها فإن تركها لا يكون في الغالب إلا لكونها مستخبثة فتندرج تحت قوله ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وقد أخرج أبو داود عن ملقام بن تلب قال "صحبت النبي ﷺ فلم أسمع لحشرات الأرض تحريما "وقد قال البيهقي: إن إسناده غير قوي وقال النسائي: ينبغي أن يكون ملقام بن تلب ليس بالمشهور٢ وهذا الحديث ليس فيه ما يخالف الآية وغايته عدم سماعه لشئ من النبي ﷺ وهو لا يدل على العدم وقد أخرج ابن عدي والبيهقي من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن أكل الرخمة٣ "وفي إسناده خارجة بن مصعب وهو ضعيف جدا فلا ينتهض للاحتجاج به وأخرج أحمد وأبو داود من حديث عيسى بن نميلة الفزازي عن أبيه قال "كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنقذ فتلا هذه الآية ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي ﷺ فقال: خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر: إن كان قاله رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهو كما قال "وعيسى بن نميلة ضعيف٤ فلا يصلح الحديث لتخصيص القنفذ من أدلة الحل العامة وقد قيل إن من أسباب التحريم الأمر بقتل الشئ كالخمس الفواسق
стр. 508
الوزغ ونحو ذلك والنهي عن قتله كالنملة والنحلة والهدهد والصرد والضفدع ونحو ذلك ولم يأت عن الشاعر ما يفيد تحريم أكل ما أمر بقتله أو نهي عن قتله حتى يكون الأمر والنهي دليلين على ذلك ولا ملازمة عقلية ولا عرفية فلا وجه لجعل ذلك أصلا من أصول التحريم بل إن كان المأمور بقلته أو المنهي عن قتله مما يدخل في الخبائب كان تحريمه بالآية الكريمة وإن لم يكن من ذلك كان حلالا عملا بما أسلفنا من أصالة الحل وقيام الأدلة الكلية على ذلك ولهذا قلنا "وما عدا ذلك فهو حلال"قال الشافعي: ما لم يرد فيه نص تحريم ولا تحليل ولا أمر بقتله ولا نهي عن قتله فالمرجع فيه إلى العرب من سكان البلاد والقرى دون أجلاف البوادي فإن استطابته العرب أو سمته باسم حيوان حلال فهو حلال وإن استخبثته أو سمته باسم حيوان حرام فهو حرام فأما ما أمر الشرع بقتله أو نهى عن قتله فلا يكون حلالا فقد قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "خمس يقتلن في الحل والحرم "الحديث وأمر بقتل الوزغ ونهى عن قتل أربعة من الدواب النملة والنحلة والصرد والهدهد وبالجملة: فتحل الطيبات وتحرم الخبائث لقوله تعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ والطيبات ما تستطيبه العرب وتستلذه من غير أن ورد بتحريمه نص من كتاب أو سنة قال الماتن في حاشية الشفاء: إن القول بكراهية أكل الأرنب لا مستند له بخلاف الضب فإنه قد ورد النهي عن أكله كما أخرجه أبو داود وثبت في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: "إن الله غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب ولا أدري لعل هذا منها" والنهي حقيقة في التحريم لولا ما ثبت في الصحيحين من حديث جماعة من الصحابة أن النبي ﷺ أذن لهم بأكل الضب فقال لهم "كلوه فإنه حلال ولكن ليس من طعامي" فإن هذا الحديث يصرف النهي عن حقيقته إلى مجازه وهو الكراهة وحديث تردده ﷺ في كونه ممسوخا مؤيد لذلك وأما أكل التراب فلم يصح في المنع منه شئ لكنه من أسباب العلل الصعبة التي يتأثر عنها انحلال البنية وقد نهى الله سبحانه عن قتل الأنفس
стр. 509
باب الصيد
وكان الاصطياد ديدناً للعرب وسيرة فاشية فيهم حتى كان ذلك أحد المكاسب التي عليها معاشهم فأباحه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "ما صيد بالسلاح الجارح والجوارح كان حلالا إذا ذُكر اسم الله عليه"لحديث أبي ثعلبة الخشني في الصحيحين قال: "قلت يا رسول الله: إنا بأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي المعلم وبكلبي الذي ليس بمعلم فما يصلح لي؟ فقال: ماصدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلّم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكائه فكل " وفي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم قال: "قلت يارسول الله: إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن عليّ وأذكر اسم الله قال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس معها قال: قلت فإني أرمي بالمعراض١ الصيد فأصيد قال: إذا رميت بالمعراض فخزق٢ فكل وإن أصابه بعرضه فلا تأكل " وفي رواية "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخْذ الكلب ذكاة" وفي لفظ من حديثه عند أحمد وأبي داود "قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك "وفي الصحيحين من حديثه "فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه "وفي حديث ابن عباس عند أحمد قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه فإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل إنما أمسكه على صاحبه" وقد أخرج أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر وأن أبا ثعلبة الخشبي قال: "يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها قال: " إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت عليك فقال يا رسول الله: ذكي وغير ذكي قال: ذكي وغير ذكي
стр. 510
قال: وإن أكل منه قال يا رسول الله: أفتني في قوسي قال: "كل ما أمسك عليك قوسك" قال: ذكي وغير ذكي قال وغير ذكي قال: فإن تغيب عني قال: "وإن تغيب عنك ما لم يصل١" يعني يتغير أو تجد فيه أثر غير سهمك" وقد قال ابن حجر: إنه لا بأس بإسناده وفيه نظر لأن في إسناده داود بن عمر الأودي الدمشقي وفيه مقال وخلاف وقد أخرج نحو هذا الحديث أبو داود من حديث أبي ثعلبة نفسه ولا ينتهض هذا لمعارضة ما في الصحيحين من النهي عن أكل ما أكل منه الكلب وأخرج أحمد وأبو داود من حديث عدي بن حاتم "أن رسول الله ﷺ قال: "ما علّمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك" وقد أكل ﷺ من حمار الوحش الذي صاده أبو قتادة طعنا برمحه وهو في الصحيح وقد تقدم في الحج وقد ذكر الله في كتابه العزيز تحليل ما صيد بالجوارح فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ الآية وأباح الأكل فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وقد دل ما ذكرناه من هذه الأدلة على ما اشتمل عليه المتن من أن ما صيد بالجارح والجوارح كان حلالا إذا ذُكر اسم الله عليه "وما صيد بغير ذلك فلا بد من التذكية"وقد نزّل ﷺ المعراض إذا أصاب فخزق منزلة الجارح واعتبر مجرد الخزق كما في حديث عدي بن حاتم المذكور وفي لفظ لأحمد من حديث عدي قال: "قلت يارسول الله: إنا قوم نرمي فما يحل لنا قال: "يحل لكم ما ذكيتم وما ذكرتم اسم الله عليه فخرقتم فكلوا " فدل على أن المعتبر مجرد الخزق وإن كان القتل بمثقل فيحل ما صاده من يرمي بهذه البنادق الجديدة التي يُرمى بها بالبارود والرصاص لأن الرصاص تخزق خزقا زائدا على خزق السلاح فلها حكمه وإن لم يدرك الصائد بها ذكاة الصيد إذا ذكر اسم الله على ذلك وعبارة الماتن في حاشية الشفاء أقول: ومن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البنادق الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص فإن الرصاصة يحصل بها خزق زائد على خزق السهم والرمح والسيف ولها في ذلك عمل يفوق كل آلة ويظهر لك ذلك بأنك لو وضعت ريشا أو نحوه فوق رماد دقيق أو تراب دقيق وغرزت فيه شيئا يسيرا من أصلها ثم ضربتها بالسيف المحدد ونحو ذلك من الآلات
стр. 511
لم يقطعها وهي على هذه الحالة ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم لا من عقل ولا من نقل وما روي من النهي عن أكل ما رمي بالبندقة كما في رواية من حديث عدي بن حاتم عند أحمد بلفظ "ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت "فالمراد بالبندقة هنا هي التي تتخذ من طين فيرمي بها بعد أن تيبس وفي صحيح البخاري "قال ابن عمر في المقتولة بالبندقية تلك الموقوذة "وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وهكذا ما صيد بحصى الخذف فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن المغفل "أن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف١ وقال: إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ٢ عدوا لكنها تكسر السن وتفقأ العين "ومثل هذا ما قتل بالرمي بالحجارة غير المحدودة إذا لم تخزق فإنه وقيذ لا يحل وأما إذا خزقت حل قال في المسوى: يحل ما اصطاد بكلبه إذا ذُكر اسم الله عليه وعند إرساله وكان الكلب معلما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ والتعليم هو أن يوجد فيه ثلاثة أشياء: إذا أُشليت استشلت٣ وإذا أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل فإذا وجد ذلك منها مرارا وأقله ثلاث مرات كانت معلمة يحل صيدها وعلى هذا كله أهل العلم في الجملة وأكثر أهل العلم على أن المراد بالجوارح الكواسب من سباع البهائم كالفهد والكلب ومن سباع الطير كالبازي والصقر مما يقبل التعليم فيحل صيد جميعها والمكلب هو الذي يغري الكلاب على الصيد ويعلمها ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ﴾ أراد أن الجارحة المعلمة إذا جرحت بإرسال صاحبها فأخذت الصيد وقتلته كان حلالا قلت: وهذا هو مذهب مالك والقول القديم للشافعي ثم تعقبه الشافعي بحديث عدي ابن حاتم المذكور وهو مذهب أبي حنيفة وسمع مالك أهل العلم يقولون في البازي والعقاب والصقر وما أشبه ذلك إنه إذا كان معلما يفقه كما تفقه الكلاب المعلمة فلا بأس بأكل ما قتلوه مما صادت إذا ذكر اسم الله على إرسالها قال مالك: الأمر المجتمع عليه
стр. 512
عندنا أن المسلم إذا أرسل كلب المجوسي الضاري فصاد أو قتل أنه إذا كان معلما فأكْل ذلك الصيد حلال لا بأس به وإن لم يذكه المسلم وإنما مثل ذلك مثل المسلم يذبح بشفرة المجوسي أو يرمي بقوسه أو بنبله فيقتل بها فصيده ذلك وذبيحته حلال لا بأس بأكله قال مالك: إذا أرسل المجوسي كلب المسلم الضاري على صيد فأخذه فإنه لا يؤكل ذلك الصيد إلا أن يذكى وإنما مثل ذلك قوس المسلم ونبله يأخذها المجوسي فيرمي بها الصيد فيقتله وبمنزلة شفرة المسلم يذبح به المجوسي فلا يحل أكل شئ من ذلك انتهى "وإذا شارك الكلب المعلَّم كلب آخر لم يحل صيدهما" لما تقدم في حديث عدي من قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " ما لم يشركها كلب ليس معها " وفي لفظ له في الصحيحين قال: "قلت يا رسول الله إني أرسل كلبي وأسمي قال: "إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فكل وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه" قلت: إني أرسل كلبي أجد معه كلبا لا أدري أيهما أخذه قال فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره "وفي لفظ له "فإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله" وإذا أكل الكلب المعلَّم ونحوه من الصيد لم يحل فإنما أمسك على نفسه لما تقدم من الأدلة على ذلك وتقدم أيضا ترجيحها على حديث عبد الله بن عمرو "وإذا وجد الصيد بعد وقوع الرمية فيه ميتا ولو بعد أيام في غيرماء كان حلالا ما لم يُنتن أو يعلم أن الذي قتله غير سهمه"لحديث أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا رميت سهمك فغاب ثلاثة أيام وأدركته فكله ما لم ينتن" أخرجه مسلم وغيره وفي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم قال "سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الصيد قال: " إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك" وفي لفظ من حديثه لأحمد والبخاري عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل " وفي لفظ لمسلم نحوه وفي لفظ للبخاري من حديثه "إنا نرمي الصيد فنقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم نجده ميتا وفيه سهمه قال: يأكل
стр. 513
إن شاء " وفي لفظ للترمذي وصححه قال: "قلت يارسول الله: أرمي الصيد فأجد فيه سهمي من الغد قال: إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل" قلت: وعلى هذا أهل العلم في الجملة.
стр. 514
" باب الذبح "
"هو ما أنهر الدم"أي أساله "وفرى"أي قطع "الأوداج"وهما عرقان بينهما الحلقوم "وذُكر اسم الله عليه ولو بحجر أو نحوه"كخشب وغيره "ما لم يكن سنا أو ظفرا"لحديث رافع بن خديج في الصحيحين وغيرهما قال: "قلت يارسول الله: إنا نلقى العدو غدا وليس معنا مدى فقال النبي ﷺ : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا سأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة" وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس وأبي هريرة قالا: "نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج "وفي إسناده عمرو بن عبد الله الصنعاني وهو ضعيف وأخرج أحمد والبخاري من حديث كعب بن مالك "أنها كانت لهم غنم ترعى بسلع فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا فكسرت حجرا فذبحتها فقال لهم لا تأكلوا حتى أسأل رسول الله ﷺ أو أرسل إليه من يسأله عن ذلك وأنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك أو أرسل غليه فأمره بأكلها "وفيه دليل على أن ذبح النساء والرقيق جائز وعليه أهل العلم وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت "أن ذئبا نيّب في شاة فذبحوها بمروة فرخص لهم رسول الله ﷺ في أكلها "وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان من حديث عدي بن حاتم قال: "قلت يا رسول الله: إنا نصيد الصيد فلا نجد سكينا إلا الظرار وشقة العصا فقال ﷺ : أمرّ الدم بما شئت واذكر اسم الله عليه " والظرار١ الحجر أو المدر وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة "أن قوما قالوا يارسول الله:
стр. 515
إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال: سموا عليه أنتم وكلوا قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر "وهذا لا ينافي وجوب التسمية على الذابح بل فيه الترخيص لغير الذابح إذا شك في اللحم هل ذكر عليه اسم الله عند الذبح أم لا فإنه يجوز له أن يسمي ويأكل وأما استقبال القبلة فليس في السنة ما يدل على هذا فإن كان الدال على استقبال القبلة هو قوله في الحديث "فما وجههما "فليس فيه أنه وجههما إلى القبلة بل المراد وجههما للذبح وقد تقرر أن حذف المتعلق مشعر بالعموم وإن كان الاستدلال بقوله "وجهت وجهي "فكذلك أيضا ليس فيه دلالة على ذلك ولا أعلم دليلا على مشروعية١ الاستقبال حال الذبح قال الماتن في السيل الجرار: ليس على هذا دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا من قياس وما قيل من أن القول بندب الاستقبال في الذبح قياس على الأضحية فليس بصحيح لأنه لا دليل على الأصل حتى يصلح للقياس عليه بل النزاع فيه كائن كما هو كائن في الفرع والندب حكم من أحكام الشرع فلا يجوز إثباته إلا بدليل تقوم به الحجة انتهى "ويحرم تعذيب الذبيحة"لحديث شداد بن أوس عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحكم شفرته وليرح ذبيحته" أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه وأخرج أحمد وابن ماجه من حديث ابن عمر "أن رسول الله ﷺ أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز "أي يتمها وفي إسناده ابن ليهعة وفيه مقال معروف قلت في اختيار أقرب طريق لإزهاق الروح اتباع داعية الرحمة وهي خلة يرضى بها رب العالمين ويتوقف عليها أكثر المصالح المنزلية والمدنية "والمثلة بها"لما ورد في تحريمها من الأحاديث الثابتة في الصحيح وغيره وهي عامة "و"تحريم "ذبحها لغير الله"لما ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من لعن من ذبح لغير الله كما في صحيح مسلم وغيره ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وكان أهل الجاهلية يتقربون إلى الأصنام والنجوم بالذبح لأجلهم
стр. 516
إما بالإهلال عند الذبح بأسمائهم وإما بالذبح على الأنصاب المخصوصة لهم فنهوا عن ذلك وهذا أحد مظان الشرك وأما الذبح للسطان وهل هو داخل في عموم ما أهل به لغير الله أم لا؟ فقد أجاب الماتن ﵀ في بحث له على ذلك بما لفظه: اعلم أن الأصل الحل كا صرحت به العمومات القرآنية والحديثية فلا يحكم بتحريم فرد من الأفراد أو نوع من الأنواع إلا بدليل ينقل ذلك الأصل المعلوم من الشريعة المطهرة مثل: تحريم ما ذبح على النصب والميتة والمتردية والنطيحة والموقوذة وما أهل به لغير الله ولحم الخنزيز وكل شئ خرج من ذلك الأصل بدليل من الكتاب أو السنة المطهرة كتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وتحريم الحمر الإنسية وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أصول التحريم الكتاب والسنة والإجماع والقياس أو وقوع الأمر بالقتل أو النهي عنه أو الاستخباث أو التحريم على الأمم السالفة إذا لم ينسخ فلا بد للقائل بتحريم فرد من الأفراد أو نوع من الأنواع من اندراجه تحت أصل من هذه الأصول فإن تعذر عليه ذلك فليس له أن يتقول على الله ما لم يقل فإن من حرم ما أحله الله كمن حلل ما حرم الله لا فرق بينهما وفي ذلك من الإثم ما لا يخفى على عارف ولا شك أن البراءة الأصلية بمجردها كافية على ما هو الحق فكيف إذا انضم إليها من العمومات مثل: قوله تعالي: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وقوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ وقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ والحاصل أن الواجب وقف التحريم على المنصوص على حرمته والتحليل على ما عداه وقد صرح بذلك حديث سلمان عند الترمذي "أن النبي ﷺ قال: الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" وأخرج أبو داود عن ابن عباس موقوفا "كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فبعث الله تعالى نبيه وأنزل كتابه فأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو وتلا ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾
стр. 517
وأخرج الترمذي وأبو داود من حديث قبيصة بن هلب عن أبيه١ قال "سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد قال له رجل إن من الطعام طعاما أتحرج منه فقال ضارعت النصرانية لا يختلجن في نفسك شئ "إذا تقرر هذا فمسألة السؤال أعني ما ذبح من الأنعام لقدوم السلطان والاستدلال على تحريم ذلك بقول تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِالله﴾ فاسد فإن الإهلال رفع الصوت للصنم ونحوه وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى كذا قال الزمحشري في الكشاف والذابح عند قدوم السلطان لا يقول عند ذبحه باسم السلطان ولو فرض وقوع ذلك كان محرما بلا نزاع ولكنه يقول باسم الله وقد استدل على ذلك بما رواه أحمد ومسلم والنسائي من حديث أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه "أنه سمع النبي ﷺ يقول: لعن الله من ذبح لغير الله" الحديث وليس ذلك الاستدلال بصحيح فإن الذبح لغير الله كما بينه شراح هذا الحديث من العلماء أن يذبح باسم غير الله كمن ذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو لعيسى أو للكعبة أو نحو ذلك فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلما أو يهوديا أو نصرانيا كما نص على ذلك الشافعي وأصحابه قال النووي في شرح مسلم: فإن قصد الذابح مع ذلك تعظيم المذبوح له وكان غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرا فإن كان الذابح مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدا انتهى وهذا إذا كان الذبح باسم أمر من تلك الأمور لا إذا كان لله وقصد به الإكرام لمن يجوز إكرامه فإنه لا وجه لتحريم الذبيحة ههنا كما سلف وذكر الشيخ إبراهيم المروزي من أصحاب الشافعي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله قال الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشارا بقدومه فهو كذبح العقيقة لولادة المولود ومثل هذا لا يوجب التحريم انتهى وهذا هو الصواب وفي روضة الإمام النووي من ذبح للكعبة تعظيما لها لكونها بين الله أو لرسول الله لأنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهذا
стр. 518
لا يمنع الذبيحة بل تحل قال: ومن هذا القبيل الذبح الذي يذبح عند استقبال السلطان استبشارا بقدومه فإنه نازل منزلة الذبح للعقيقة لولادة انتهى وقد أشعر أول كلامه أن من ذبح للسلطان تعظيما له لكونه سلطان الإسلام كان ذلك جائزا مثل: الذبح له لأجل الاستبشار بقدومه إذ لا فرق بين ذلك وبين الذبح للكعبة تعظيما لها لكونها بيت الله وقد ذكر الدواري أن من ذبح للجن وقصد به التقرب إلى الله تعالى ليصرف عنه شرهم فهو حلال وإن قصد الذبح لهم فهو حرام انتهى وهذا يستفاد منه حل ما ذبح لإ كرام السلطان بالأولى وذلك هو الحق لما أسلفناه من أن الأصل الحل وأن الأدلة العامة قد دلت عليه وعدم وجود ناقل عن ذلك الأصل ولا مخصص لذلك العموم والله أعلم انتهى كلام الشوكاني وفيه دليل على التفرقة بين ما يذبح للتقرب إلى غير الله تعالى وبين ما يذبح لغيره من الاستبشار ونحوه كالذبح للعقيقة والوليمة والضيافة ونحوها فالأول يحرم والثاني يحل قال ابن حجر المكي في الزواجر: وجعل أصحابنا مما يحرم الذبيحة أن يقول باسم الله واسم محمد أو محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بجر اسم الثاني أو محمد إن عرف النحو فيما يظهر أو أن يذبح كتابي لكنيسة أو لصليب أو لموسى أو لعيسى ومسلم للكعبة أو لمحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أو تقربا لسلطان أو غيره أو للجن فهذا كله يحرم المذبوح وهو كبيرة قال: ومعنى ما أهل به لغير الله ما ذبح للطواغيت والأصنام قاله جمع وقال آخرون: يعني ما ذكر عليه غير اسم الله قال الفخر الرازي: وهذا القول أولى لأنه أشد مطابقة للفظ الآية قال العلماء: لو ذبح مسلما ذبيحة وقصد بذبحه التقرب بها إلى غير الله تعالى صار مرتدا وذبيحته ذبيحة مرتد انتهى كلام الزواجر وقال صاحب الروض: إن المسلم إذا ذبح للنبي ﷺ كفر انتهى قال الشوكاني في الدر النضيد: وهذا القائل من أئمة الشافعية وإذا كان الذبح لسيد الرسل ﷺ كفرا عنده فكيف الذبح لسائر الأموات انتهى قال الشيخ الفاضل مفتي الديار النجدية عبد الرحمن بن حسن بن محمد عبد الوهاب بن سليمان بن علي في كتابه فتح المجيد شرح كتاب التوحيد في باب ما جاء في الذبح لغير الله: قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀ في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم في
стр. 519
الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ إن الظاهر أنه ما ذبح لغير الله مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه باسم المسيح ونحوه كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة وقصد به ذلك أولى فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا إليه يحرم وإن قال فيه باسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين قد يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكونه يجتمع في الذبيحة ما نعان: الأول أنه مما أهل لغير الله به والثاني أنها ذبيحة مرتد ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذبائح الجن انتهى قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا دارا أو بنوها أو استخرجوا عينا ذبحوا ذبيحة خوفا أن تصيبهم الجن فأضيفت إليهم الذبائح لذلك انتهى كلام فتح المجيد وقد نقل الشوكاني أيضا العبارة المتقدمة لشيخ الإسلام في رسالته الدر النضيد واستدل به على تحريم ما ذبح لغير الله تعالى سواء لفظ به الذابح عن الذبح أو لم يلفظ وهذا هو الحق "وإذا تعذر الذبح لوجه جاز الطعن والرمي وكان ذلك كالذبح"لحديث أبي العشراء عن أبيه "قلت يا رسول الله: أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة قال: "لو طعنت في فخذها لا جزأك" أخرجه أحمد وأهل السنن وفي إسناده مجهولون وأبو العشراء لا يعرف من أبوه ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة فهو مجهول فلا تقوم الحجة بروايته والذي يصلح للاستدلال به حديث رافع بن خديج في الصحيحين وغيرهما قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فند١ بعير من إبل القوم ولم يكن معهم خيل فرماه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله ﷺ إن لهذه البهائم أوابد كأوابد٢ الوحش فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا""وذكاة الجنين ذكاة أمه"لحديث أبي سعيد عند أحمد وابن ماجه وأبي داود والترمذي والدارقطني
стр. 520
وابن حبان وصححه عن النبي ﷺ أنه قال في الجنين: "ذكاته ذكاة أمه " وللحديث طرق يقوي بعضها بعضا وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة تشهد له قلت: وعليه الشافعي ووافقه محمد بن الحسن وقال أبو حنيفة: لا يجوز حتى يخرج حيا فيذكى. أقول: وأما التمسك بالآية الكريمة فلا يخفى أنه من معارضة الخاص بالعام وقد تقرر أن الخاص مقدم على العام وقد قال ابن المنذر إنه لم يرو عن أحمد من الصحابة ولا من العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه إلا ماروي عن أبي حنيفة ﵀ قال ابن القيم: وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه بأنها خلاف الأصول وهو تحريم الميتة فيقال الذي جاء على لسانه تحريم الميتة استثنى السمك والجراد من الميتة فكيف وليست بميتة فإنها جزء من أجزاء الأم والذكاة قد أتت على جميع أعضائها فلا يحتاج أن يفرد كل جزء منها بذكاة والجنين تابع للأم جزء منها فهذا هو مقتضى الأصول الصحيحة ولو لم ترد السنة بالإباحة فكيف وقد ورد بالإباحة الموافقة للقياس والأصول فقد اتفق النص والأصل والقياس ولله الحمد "وما أُبِين من الحي فهو ميتة"لحديث ابن عمر "أن النبي ﷺ قال: "ما قطع من بهيمة وهي حية فما قطع منها فهو ميتة" أخرجه ابن ماجه والبزار والطبراني وقد قيل: إنه مرسل هذا يدل على تحريم الأكل ولا ملازمة بينه وبين النجاسة كما عرفت غير مرة وأخرج أحمد والترمذي وأبو داود والدارمي من حديث أبي واكد الليثي عن النبي ﷺ "من قطع من البهيمة وهي حية فهو مية" وأخرج ابن ماجه والطبراني وابن عدي نحوه من حديث تميم الداري قلت: وكان أهل الجاهلية يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم فنهوا عن ذلك لأنه فيه تعذيبا ومناقضة لما شرع الله تعالى من الذبح "وتحل ميتتان ودمان السمك والجراد"وعليه أهل العلم "والكبد والطحال"وهما عضوان من أعضاء بدن البهيمة لكنهما يشبهان الدم فأزاح النبي ﷺ الشبهة فيهما وليس في الحوت والجراد دم مسفوح فلذلك لم يشرع فيهما الذبح ووجهه حديث ابن عمر عند أحمد وابن ماجه والدارقطني والشافعي والبيهقي قال: "قال رسول الله ﷺ : "أحل لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال" وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن
стр. 521
أسلم وهو ضعيف وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن أبي أوفى قال "غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد "وفيهما أيضا من حديث جابر "أن البحر ألقى حوتا ميتا فأكل منه الجيش فلما قدموا قالوا للنبي ﷺ فقال: كلوا رزقا أخرج الله لكم أطعمونا منه إن كان معكم فأتاه بعضهم بشئ "وفي البخاري عن عمر في قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ قال: صيده مااصطيد وطعامه ما رمى به وفيه عن ابن عباس قال طعامه ميتته إلا ما قذرت منها وفيه قال ابن عباس كل من صيد البحر صيد يهودي أو نصراني أو مجوسي انتهى وإلى هذا ذهب الجمهور فقالوا: ميتة البحر حلال سواء ماتت بنفسها أو بالاصطياد وذهبت الحنفية إلى أنه لا يحل إلا ما مات بسبب آدمي أو بإلقاء الماء له أو جزره عنه وأما ما مات أو قتله حيوان غير آدمي فلا يحل واستدلوا بما أخرجه أبو داود من حديث جابر مرفوعا بلفظ "ما ألقاء البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه " وفي إسناده يحيى بن سليم وهو ضعيف الحفظ وقد روي من غير هذا الوجه وفيه ضعف قلت: ظاهر القرآن والحديث إباحة ميتات البحر كلها والمراد منها كل ما يعيش في البحر فإذا أخرج منه كان عيشه عيش المذبوح كالسمك فكل ذلك حلال بأنواعه ولاحاجة إلى ذبحه سواء يؤكل مثله في البر كالبقر والغنم أولا يؤكل كالكلب والخنزير والكل سمك وإن اختلفت الصور بخلاف ما يعيش في الماء فإذا أخرج دام حيا فإن كان طائرا كالبط فذبح فحلال ولا يحل ميتتها وإن كان غيرها كالضفدع والسرطان والسلحفاة وذوات السموم كالحية والعقرب فحرام وعليه الشافعي. أقول وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ المراد منه ما يصطاد بالقصد والاختيار وقوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ المراد منه ميتات البحر مما لم يصد بالاختيار كنى به عن الميتة كراهية لذكر الميتة في مقام التحليل وقوله: ﴿مَتَاعاً لَكُمْ﴾ إباحته لأهل الحضر وقوله: ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ المراد منه إباحته لأهل السفر وقال أبو حنيفة: جميع حيوانات البحر حرام إلا السمك المعروف
أقول: الحق أن كل حيوان بحري حلال على أي صورة كان ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ " هو الطهور ماؤه والحل ميتته "فمن جاءنا بدليل يصلح لتخصيص هذا العموم قبلناه "وتحل الميتة للمضطر"لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ وقد ثبت تحليل
стр. 522
الميتة عن الجوع من حديث أبي وافد الليني عند أحمد والطبراني برجال ثقات ومن حديث جابر بن سمرة عند أحمد وأبي داود بإسناد لا مطعن فيه ومن حديث الفجيع العامري عند أبي داود وقد اختلف في المقدار الذي يحل تناوله وظاهر الآية أنه يحل ما يدفع الضرورة لأن من اندفعت ضرورته فليس بمضطر قال في المستوى: أما ذبائح أهل الكتاب فتحل بنص الكتاب ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أقول: معنى الآية باتفاق المفسرين ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم وذبائحكم حلال لهم قيل: أي فائدة في الحل لهم وهم كفار ليسوا من أهل الشرع فقال الزجاج: معناه حلال لكم أن تطعموهم وأقول معناه: حلال لهم إذا التزموا شريعتنا أكلوها وكان اليهود يزعمون أن بني إسرائيل لا يحل لهم ذبائح العرب فبين الله تعالى أن الأحكام الشرعية لا تتفاوت بالنسبة إلى قوم دون قوم وعليه أهل العلم أن ذبائح اليهود والنصارى حلال لنا وذبائح المجوس لا تحل وفي الموطإ سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس بها وتلا هذه الآية ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ قلت عليه أبو حنيفة وقال الشافعي: لا تحل ذبيحة المنتصر بعد التحريف والنسخ والمشكوك فيه. أقول: ذبائح جميع المسلمين على اختلاف نحلهم وتباين طرائقهم حلال لأن الله ﷻ إنما نهانا عن أكل ما لم يذكر عليه اسمه وكل مسلم لا يذبح إلا ذاكرا لاسم الله تحقيقا أو تقديرا على أي مذهب كان وذبائح أهل الكتاب تابعة لتحليل أطعمتهم إما لصدق اسم الطعام عليها أو لأنها من الإدام اللاحق للطعام ويؤيده أكله ﷺ للشاة التي أهدتها له اليهودية من خيبر بعد طبخها لها ولا نسلم أن ذبائحهم مما لم يذكر عليه اسم الله فإنهم يذبحون لله وليسوا كأهل الكفر من غيرهم. فالحاصل: أن الذبح الذي تحل به الذبيحة ما في حديث رافع بن خديج بلفظ "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا " أخرجه الجماعة كلهم وذبيحة المسلم على أي مذهب كان وفي أي بدعة وقع هي مما يذكر عليه اسم الله ومع الالتباس هل وقعت التسمية من المسلم أولا قد دل الدليل على الحل لما أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة "قالت يا رسول الله: إن قوما حديثو عهد بجاهلية يأتوننا باللحمان لا ندري أذكروا اسم الله
стр. 523
عليها أم لم يذكروا أنأكل منها أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ : اذكروا اسم الله وكلوا " فأمره ﷺ بإعادة التسمية مشعر بأن ذبيحة من لم يسم سواء كان مسلما أو غيره مسلم حلال ويحمل قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ على عدم الذكر الكلي عند الذبح وعند الأكل وهو الظاهر من نفي ذكر اسم الله فاللحم إذا سمى عليه الآكل عند الأكل والذابح كافر لم يسم يكون مما ذكر عليه اسم الله تعالى وهذا من الوضوح بمكان ولا عبرة بخصوص السبب وهو كون عائشة كان سؤالها عن اللحمان التي يأتي بها من المسلمين من كان حديث عهد بالجاهلية بل الاعتبار بعموم اللفظ كما تقرر في الأصول والحق أن ذبيحة الكافر حلال إذا ذكر عليها اسم الله ولم يهل بها لغير الله كالذبح للأوثان ونحوها فإن قلت الكافر لا يذكر اسم الله على الذبيحة وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وقال ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه" قلت: هذا لا يتم إلا بعد العلم بأن الكافر لا يذكر اسم الله على ذبيحته وأما الاحتجاج لعدم اشتراط التسمية بحديث اللحمان المتقدم فليس فيه دليل على عدم اشتراط التسمية مطلقا بل عدم اشتراطها عند الذبح وأما حديث "ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر " فهو إما مرسل أو موقوف فكيف ينتهض لمعارضة الكتاب العزيز ثم هو خاص بالمسلم والنزاع في الكافر وكذلك الحديث الأول خاص بالمسلم لقوله: "إن قوما حديثو عهد بالجاهلية "فلا يتم الاستدلال به على عدم التسمية مطلقا. وحاصل البحث: أنه إذا ذبح الكافر ذاكرا لاسم الله غير ذابح لغير الله وأنهر الدم وفرى الأوداج فليس في الآية ما يدل على تحريم هذه الذبيحة الواقعة على هذه الصفة فمن زعم أن الكافر خارج من ذلك بعد أن ذبح لله تعالى وسمى فالدليل عليه وأما ذبح الكافر لغير الله فهذه الذبيحة حرام ولو كانت من مسلم وهكذا إذا ذبح غير ذاكر لاسم الله فإن إهمال التسمية منه كإهمال التسمية من مسلم حيث ذبحا جميعا لله وإذا عرفت هذا لاح لك أن الدليل على من قال باشتراط إسلام الذابح لا على من قال بأنه لا يسقط فلا حاجة إلى الاستدلال على عدم الاشتراط بما لا دلالة فيه على المطلوب كالاحتجاج
стр. 524
بقوله١ ﷺ "لم ينه عن ذبائح المنافقين "فإن المنافقين كان يعاملهم ﷺ معاملة المسلمين في جميع الأحكام عملا بما أظهروه من الإسلام وجريا على الظاهر وأما ما يقال من حكاية الإجماع على عدم حل ذبيحة الكافر فدعوى الإجماع غير مسلمة وعلى تقدير أن لها وجه صحة فلا بد من حملها على ذبيحة كافر ذبح لغير الله أو لم يذكر اسم الله تعالى وأما ذبيحة أهل الذمة فقد دل على حلها القرآن الكريم ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ومن قال إن اللحم لا يتناوله الطعام فقد قصر في البحث ولم ينظر في كتب اللغة ولا نظر في الأدلة الشرعية المصرحة بأن النبي ﷺ أكل ذبائح أهل الكتاب كما في أكله ﷺ للشاة التي طبختها يهودية وجعلت فيها سما والقصة أشهر من أن تحتاج إلى التنبيه عليها ولا مستند للقول بتحريم ذبائحهم إلا مجرد الشكوك والأوهام التي يبتلى بها من لم يرسخ قدمه في علم الشرع فإن قلت قد يذبحونه لغير الله أو بغير تسمية أو على غير الصفة المشروعة في الذبح قلت: إن صح شئ من هذا فالكلام في ذبيحته كالكلام في ذبيحة المسلم إذا وقعت على أحد هذه الوجوه وليس النزاع إلا في مجرد كون كفر الكتابي مانعا لا كونه أخذ بشرط معتبر انتهى
стр. 525
باب الضيافة
"يجب على من وجد ما يقري به من نزل من الضيوف أن يفعل ذلك وحد الضيافة إلى ثلاثة أيام وما كان وراء ذلك فصدقة ولا يحل للضيف أن يثوي عنده حتى يخرجه وإذا لم يفعل القادر على الضيافة ما يجب عليه كان للضيف أن يأخذ من ماله بقدر قراه"لحديث عقبة بن عامر في الصحيحين قال: "قلت يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى؟ قال: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" وفيهما من حديث أبي شريح الخزاعي عن رسول الله ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته" قال: وما جائزته يا رسول الله؟ قال:
стр. 526
يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يُحْرجه" أي يضيق صدره وأخرج أحمد وأبو دادو من حديث المقدام "أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليلة الضيف واجبة على كل مسلم فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا له عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه" وإسناده صحيح وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة نحوه وإسناده صحيح وفي الباب أحاديث وقد ذهب الجمهور إلى أن الضيافة مندوبة لا واجبة واستدلوا بقوله "فليكرمه ضيفه جائزته" قالوا: والجائزة هي العطية والصلة وأصلها الندب ولا يخفى أن هذا اللفظ لا ينافي الوجوب وأدلة الباب مقتضية لذلك لأن التغريم لا يكون للإخلال بأمر مندوب وكذلك قوله "واجبة " فإنه نص في محل النزاع وكذلك قوله "فما كان وراء ذلك فهو صدقة " قال في المسوى: وفي قوله "جائزته" قولان: أحدهما يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له ويقدم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته وما كان بعد الثلاثة فهو صدقة ومعروف إن شاء فعل وإن شاء ترك والثاني أن جائزته أن يعطيه ما يجوز به مسافر يوما وليلة "ويَحْرم أكل طعام الغير بغير إذنه"لقوله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وكل مادل على تحريم مال الغير دل على ذلك لأنه مال وإنما خص منه ما ورد فيه دليل يخصه كالضيف إذا حرمه من يجب عليه ضيافته كما مر "ومن ذلك حلْب ماشيته وأخْذ ثمرته وزرعه لا يجوز إلا بإذنه إلى أن يكون محتاجا إلى ذلك فلْيُناد صاحب الإبل أو الحائط فإن أجابه وإلا فليشرب وليأكل غير متخذ خبنة"للأدلة العامة والخاصة أما العامة فظاهر كالآية الكريمة وحديث خطبة الوداع ونحو ذلك وأما الأدلة الخاصة فمثل: حديث ابن عمر في الصحيحين "أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلبن أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن يؤتى مشربته فينتثل١ طعامه وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " وأخرج أحمد من حديث عمير مولى آبي اللحم قال: "أقبلت مع سادتي نريد الهجرة حتى إذا دنونا من المدينة قال: فدخلوا وخلفوني في
стр. 527
ظهرهم فأصابتني مجاعة شديدة قال: فمر بي بعض من يخرج من المدينة فقالوا: لو دخلت المدينة فأصبت من تمر حوائطها قال: فدخلت حائطا فقطعت منه قنوين فأتاني صاحب الحائط وأتى بي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأخبره خبري وعلي ثوبان فقال لي: أيهما أفضل؟ فأشرت إلى أحدهما فقال: خذه وأعط صاحب الحائط الآخر فخلى سبيلي "وفي إسناده ابن لهيعة وله طريق أخرى عند أحمد وفي إسناده أيضا أبو بكر بن يزيد بن المهاجر غير معروف الحال وقد أعل هذا الحديث بأن في إسناده عبد الرحمن بن اسحق عن محمد بن زيد وهو ضعيف وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يدخل الحائط فقال: " يأكل غير متخذ خبنة " وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث سمرة "أن النبي ﷺ قال: إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاث فإن أجابه أحد فليستأذنه فإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل" وهو من سماع الحسن عن سمرة وفيه مقال معروف وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو يعلى وابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد "أن رسول الله ﷺ قال: إذا أتى أحدكم حائطا فأراد أن يأكل فليناد صاحب الحائط ثلاثا فإن أجابه وإلا فليأكل وإذا مر أحدكم بإبل فأراد أن يشرب من ألبانها فليناد يا صاحب الإبل أو يا راعي الغنم فإن أجابه وإلا فليشرب" وأخرج الترمذي وأبو داود من حديث رافع قال: "كنت أرمي نخل الأنصار فأخذوني فذهبوا بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يارافع لم ترمي نخلهم؟ قال: قلت يا رسول الله: الجوع قال: لا ترم وكل ما وقع أشبعك الله وأرواك " وأخرج أبو داود والنسائي من حديث شرحبيل بن عباد في قصة مثل قصة رافع وفيها فقال رسول الله ﷺ لصاحب الحائط: "ما علمت إذا كان جاهلا ولا أطعمت إذا كان جائعا " والمراد بالخبنة ما يحمله الإنسان في حضنه وهي بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وبعدها نون ويمكن الجمع بين الأحاديث بأن تغريم النبي ﷺ لآبي اللحم لعدم المناداة منه ولو فرضنا عدم صحة الجمع بهذا كانت أحاديث الإذن عند الحاجة مع المناداة أرجح
стр. 528
" باب آداب الأكل "
فقد علّم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم آدابا يتأدبون بها في الطعام كما ستأتي "تُشرع للآكل التسمية"لحديث عائشة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وصححه قالت: "قال رسول الله ﷺ : " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل بسم الله فإن نسي في أوله فليقل بسم الله على أوله وآخره " وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر "سمع النبي ﷺ يقول: " إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت فإذا لم يذكر الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء " وأخرج مسلم وغيره من حديث حذيفة بن اليمان قال: "قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان ليستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه " الحديث وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يأكل طعاما في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه لو سمى لكفى لكم" وقال حسن صحيح وفي الباب أحاديث قلت وعليه أهل العلم قال النووي: الأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم فإن قال بسم الله حصلت السنة "والأكل باليمين"لحديث ابن عمر عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ قال: "لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" قلت: وعليه أهل العلم "ومن حافتي الطعام لا من وسطه"لحديث ابن عباس عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه "أن النبي ﷺ قال: "البركة تنزل في وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه" وأخرجه أبو داود بلفظ "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاه " "ومما يليه"لحديث عمر بن أبي سلمة في الصحيحين وغيرهما قال: "كنت غلاما في حِجر النبي ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي:" يا غلام سمّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك " "ويلعق أصابعه والصحفة"لحديث أنس عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ كان إذا طعم طعاما لعق أصابعه الثلاث وقال: "إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها
стр. 529
للشيطان وأمرنا أن نسلت١ القصعة وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة" وفي الصحيحين من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ قال: "إذ أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يُلعقها" وأخرج مسلم من حديث جابر أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: "إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة" قال في الحجة البالغة وقد اتفق لنا أنه زارنا ذات يوم رجل من أصحابنا فقربنا إليه شيئا فبينا يأكل إذا سقطت كسرة من يديه وتدهدهت في الأرض فجعل يتبعها وجعلت تتباعد عنه حتى تعجب الحاضرون بعض العجب وكابد هو في تتبعها بعض الجهد ثم إنه أخذها فأكلها فلما كان بعد أيام تخبط الشيطان إنسانا وتكلم على لسانه فكان فيما تكلم إني مررت بفلان وهو يأكل فأعجبني ذلك الطعام فلم يطعمني منه شيئا فخطفته من يده فنازعني حتى أخذه مني وبينا يأكل أهل بيتنا أصول الجزر إذ تدهده بعضها فوثب إليه إنسان فأخذه وأكله فأصابه وجع في صدره ومعدته ثم تخبطه الشيطان فأخبر على لسانه أنه كان أخذ ذلك المتدهده وقد قرع أسماعنا شئ كثير من هذا النوع حتى علمنا أن هذه الأحاديث ليست من باب إرادة المجاز وإنما أريد به حقيقتها فمن العلم الذي أعطاه الله نبيه ﷺ حال الملائكة والشياطين وانتشارهم في الأرض انتهى "والحمد عند الفراغ والدعاء"لحديث أبي أمامة عند البخاري وغيره "أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والبخاري في التاريخ من حديث أبي سعيد قال: "كان النبي ﷺ إذا أكل وشرب قال "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث معاذ بن أنس قال: "قال رسول الله ﷺ : " من أكل طعاما فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه " وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه وإذا سقي لنبا فليقل "اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شئ يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن"
стр. 530
وأخرجه الترمذي بنحوه وحسنه ولكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف وقد رواه عن محمد بن حرملة قال أبو حاتم بصري لا أعرفه "ولا يأكل متكئا "لحديث أبي جحيفة عند البخاري وغيره قال: "قال رسول الله ﵌: "أما أنا فلا آكل متكئا " قلت: لأن النبي ﵌ بُعث في العرب وعاداتهم أوسط العادات ولم يكونوا يتكلفون تكلف العجم والأخذ بها أحسن ولا أحسن لأصحاب الملة من أن يتبعوا سيرة إمامها في كل نقير وقطمير وما أكل رسول الله ﷺ على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق ولا رأى شاة سميطا بعينه قط وما رأى منخلا كانوا يأكلون الشعير غير منخول