عامر عن أم الدرداء أنها قالت: اللهم إن أبا الدرداء خطبني فتزوجني في الدنيا, اللهم فأنا أخطبه إليك فأسألك أن تزوجنيه في الجنة. فقال لها أبو الدرداء: فإن أردت ذلك وكنت أنا الأول فلا تزوجي بعدي. قال: فمات أبو الدرداء, وكان لها جمال وحسن فخطبها معاوية, فقالت: لا والله لا أتزوج زوجا في الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله في الجنة"١.
стр. 107
ثالثا: أبو مسعود الأنصاري:
هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري أصغر من شهد العقبة من الخزرج, روى عن النبي ﷺ , وروى عنه ابنه بشير وعبد الله بن يزيد الخطمي وأبو وائل وقيس بن أبي حازم، وغيرهم, توفي قبل الأربعين وقيل: سنة أربعين بالكوفة أو بالمدينة١, ومروياته قليلة جدا مما يقطع ببعد حبس عمر له.
стр. 108
رابعًا: أبو ذر الغفاري:
هذا هو الذي ذكر في بعض الروايات كثالث المحبوسين مكان أبي مسعود الأنصاري، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه, فقيل: جندب بضم الجيم والدال, وحكي فتح الدال, وقيل: اسمه برير بضم الباء الموحدة وراء مكررة ابن جندب, والمشهور جندب بن جنادة بضم الجيم ابن عبيد الغفاري بكسر
стр. 109
الغين المعجمة, وهو سيد جليل أسلم قديما, قيل: إنه كان رابع من أسلم, وقيل: إنه كان خامسهم, وحكي أن له عبادة ونسكا قبل الإسلام, وبعد إسلامه بمكة رجع إلى بلاد قومه, فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق,
وأسلم على يديه أكثر غفار؛ لذا كانت تلك القبيلة جديرة بأن يغفر الله لها شأنها شأن أسلم التي سلمها الله تعالى. ثم قدم أبو ذر المدينة فصحب النبي ﷺ حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى, ومناقبه جمة وزهده مشهور وتواضعه وزهده مشابهان في الحديث بتواضع عيسى ﵇ وزهده، وكان من مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته من المال, وإنه لا حق لأحد فيما فضل عليه بل واجبه أن يعود به على من عدمه روى له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وواحد وثمانون حديثا اتفق الشيخان منها على اثني عشر, وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بسبعة عشر١.
وقد خرج الى الربذة, وهي بليدة قريبة من المدينة، وقيل: إنه أخرج إليها ومات بها سنة اثنتين وثلاثين وكان وحده أمة في حياته وفي مماته ويكون كذلك في مبعثه فرضي الله عنه وأرضاه.
ولم يبق شك عند عاقل في اختلاق هذا الزعم الباطل الذي يفيد أن عمر حبس هؤلاء, وهم بلا ريب من أجلاء الصحابة, وهو ﵁ أجل من أن يهينهم بالحبس في دعوى لا أصل لها, وهي الإكثار من الرواية, وقد رأينا أنه لم يزد عن عمر من هؤلاء إلا ابن مسعود.
стр. 110
هل روى الصحابة الحديث بالمعنى أم باللفظ ؟:
رأينا كيف تثبت الصحابة من الراوي والمروي, وبان لنا مدى استيثاقهم مما ينقلونه, وتحوطهم في الرواية, وبعدهم من التزيد فيها, واقتصارهم على ما يبلغ الغاية من الرواية أتتحقق من خلاله نضارة الوجوه واتضاح الأحكام، وتحقق مصالح العباد.
فإذا تساءلنا عن أدائهم للأخبار هل كان بمعناها من خلال ألفاظ يصوغونها, ويعلمون مؤداها, أم كان أداؤهم بنفس الألفاظ التي سمعوها من غير تغيير كلمة بأخرى, أو تبديل حرف بحرف, أو تبديل هيئة الحرف لكونه مشددًا أو مخففًا.
المتجرد للحق الخالي من الهوى والعصبية إذا طالع الأخبار المتناقلة بين الصحابة وعنهم, رأى أن من الصحابة من تشدد في الرواية وأبى إلا تحري الألفاظ النبوية, ومنهم من ترخص في ذلك وسوغ الرواية بالمعنى لمن علم المباني وفهم المعاني وعرف مدلول الألفاظ، وما يحيل المعنى أو يغيره، إلى غير ذلك من الشروط اللازمة للترخيص في الرواية بالمعنى.
وممن عرف عنه التشدد في الرواية والتزام اللفظ الناسك العابد، الورع الزاهد عبد الله بن عمر ﵄, وهو أشهر من روى حديث: "بني الإسلام على خمس" , وقد نقل الخطيب عنه أنه قال لمن أعاد هذا الحديث عليه فجعل الصيام قبل الحج: "اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من
стр. 111
فِيِّ رسول الله ﷺ "١.
وممن تشدد في المحافظة على نص الحديث بألفاظه، فمنع زيادة حرف أو حذفه حتى ولو لم يتغير المعنى أنس بن مالك, وكان يقول بعد انتهائه من الرواية: "أو كما قال, أو نحو من ذلك".
وهناك من اشتد حرصه على لفظ سماعه فأبى تبديل حرف مشدد بمخفف, ففي الحديث الذي روته أم كلثوم بنت عقبة٢ ﵄ قالت: "ليس الكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا". قال حماد سمعت هذا الحديث من رجلين, فقال أحدهما: نمى خيرًا خفيفة, وقال الآخر نَمّى خيرًا مثقلة٣.
هكذا التزم كل واحد لفظ سماعه, وهيئة كل حرف فروى أحدهما نمى بتخفيف الميم, ورواه الآخر نَمّى بتشديدها, ونظيره "نضر الله امرأً". بتخفيف الضاد وتثقيلها، وهذا الحديث نفسه هو من شواهد وأدلة الذين كرهوا الرواية بالمعنى حيث جاء فيه: "نضر الله أمرأ سمع مني حديثا, فحفظه
стр. 112
ووعاه فأداه كما حفظه". وفي رواية: "سمع مقالتي فأداها كما سمعها" , ولا ريب في تضمن مثل هذه الروايات الترغيب في نقل الأخبار بألفاظها، والحث على عدم التغيير فيها.
ومن أقوى ما استدل به على كراهية الرواية بالمعنى حديث البراء بن عازب في الدعاء المستحب عند الإيواء إلى الفراش, وفيه أن النبي ﷺ قال له: "إذا أويت إلى فراشك, فتوسد يمينك, ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك, وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك, لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، وآمنت بكتابك الذي أنزلت, وبنبيك الذي أرسلت" , فقلت كما علمني غير أني قلت: ورسولك. فقال بيده في صدري: "وبنبيك، فمن قالها من ليلته ثم مات مات على الفطرة" ١.
هكذا لم يسمح بتبديل لفظ "نبي" بلفظ "رسول".
وقد أجاب المجوزون للرواية بالمعنى عن هذا بأنه أراد مورد التعبد فهو دعاء، وأجابوا عن الأول: بأن غاية أمره الترغيب في الالتزام باللفظ, ولا مخالفة في ذلك ما استطاع إليه المرء سبيلا، أما إن عجز عن تذكر اللفظ، ولم يكن جاهلا بما يحيل المعنى فلا مانع من ذلك، وشواهد الشرع ناطقة بترجيح رأي المجيزين للرواية بالمعنى، فكلام رب العالمين عن قصص السابقين منقول إلينا لا بلسان أصحاب الوقائع، أو الأحداث, وإنما بلسان
стр. 113
دعوى باطلة وردها:
تحقق أن الرواية بالمعنى ضرورة دعت إليها الحاجة، وإنما تؤخذ للضرورة بقدرها, ولا يدعي عاقل أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يتأهلوا للرواية بالمعنى، بمعنى لم تتحقق فيهم شروطها، بل الحق الصراح الذي لا ريب فيه أن الصحابة ثقات أثبات، حرصوا كل الحرص على الاستيثاق والاحتياط في الروايات، فحفظوا ووعوا ما رووا, وأدوه في الأعم الأغلب كما سمعوه، وإذا اضطرتهم الضرورة للرواية بالمعنى فهم العالمون الفاهمون الهاضمون لما ينقلون، فلا خوف على الرواية من زللهم، كيف وقد تنوقلت رواياتهم بواسطة الأئمة الأعلام الذين بلغوا في النقد والتدقيق والتحرير الغاية. فلو وقفوا على زلل لبينوه وقوموه، لكنهم على من يستدركون؟ أعلى أرباب الفطنة والذكاء من أمثال ابن عباس, الذي كان يحفظ كل ما يقع عليه بصره أو سمعه من مرة واحدة, وأثر أنه سمع قصيدة لشاعر الغزل عمر ابن أبي ربيعة١ من ثمانين بيتا، فحفظها كلها.
стр. 114
أيشك في حفظ زيد بن ثابت؟ أعلم هذه الأمة بالفرائض, أم يشك في حفظ عائشة؟ وهي من هي في قوة الذكاء والفطنة والفهم.
ويستطيع الباحث أن يقرر في اطمئنان؛ أن الصحابة رضوان الله عليهم حفظوا أكثر ما رووا في صدورهم, وسلجه الكثير منهم في السطور، وكان منهم من يستعين بالكتابة في الحفظ والتثبت، فإذا استيقن مما كتبه محاه.
وشاعت مذاكرة الحديث فيما بينهم، فهل يصح أن يسوغ لباحث أن يشكك في المروي عنهم، وأن يرخي العنان لشطط فيدعي أنه وجد "أنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث كلها مما سموه صحيحا، وأما جعلوه حسنا -حديث- قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه, كما نطق الرسول به، ووجدت أن الصحيح منه على اصطلاحهم إن هو إلا معان مما فهمه بعض الرواة، وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة بقيت على حقيقتها في بعض الأحاديث القصيرة وذلك في الفلتة والندرة"١.
هكذا أطلق وعمم, وليته عرف أنه حتى مع التسليم لمدعاة الباطل، لا ضرر ولا ضرار، فالراوون هم المعايشون للوحي، وتنزلاته، والمخالطون لصاحب الشرع صلى الله علي وسلم المحصون لأقواله وأفعاله وأوصافه وإرشاداته وحركاته وسكناته، وهم عرب خلص يدركون مرامي الكلام, ويعرفون مواقع الألفاظ ودلالاتها، إلا أنه لم يفطن إلى ذلك كله، وإنما
стр. 115
راح يرتب على دعواه الباطلة, وتعميماته الخاطئة والمخطئة، أخطر النتائج وعن عمد نسي أو تناسى ما وضعه بل استنبطه المحدثون من شروط الرواية الصحيحة, والتي تتلخص في اتصال السند وعدالة الراوة وضبطهم، وخلو المروي من الشذوذ، وخلوه من العلة، والعلة هي السبب الخفي الذي يقدح في صحة الحديث، وقد يكون راجعًا إلى سنده أو إلى متنه أو إليهما معًا.
نقول هذا لأن صاحب كتاب "أضواء على السنة المحمدية" أو "دفاع عن الحديث" نقل في النتائج المترتبة على فشو الرواية بالمعنى وذيوعها، وامتلاء كتب الصحيح بها، على قرب خلوها من غيرها, نقل عن صاحب كتاب "التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ومذاهبهم واعتقاداتهم" قوله في باب الخلاف العارض من جهة الرواية والنقل: "اعلم أن الحديث المأثور عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه والتابعين لهم تعرض له ثماني علل؛ أولاها: فساد الإسنادات, والثانية: من جهة نقل الحديث على معناه دون لفظه, والثالثة: من جهة الجهل بالإعراب، والرابعة: من جهة التصحيف، والخامسة: من جهة إسقاط شيء من الحديث لا يتم المعنى إلا به, والسادسة: أن ينقل المحدث الحديث ويغفل نقل السبب الموجب له، أو بسط الأمر الذي جر ذكره، والسابعة: أن يسمع المحدث بعض الحديث ويفوته سماع بعضه، والثامنة: نقل الحديث من الصحف دون المشايخ"١.
стр. 116
والذي يعنينا من هذه العلل التي أوردها البطليوسي كأسباب، أوجبت الاختلاف ونقلها الشيخ "أبو رية", إنما هو العلة الثانية المتعلقة بنقل الحديث على معناه دون لفظه, ونتساءل لماذا انقلب الأصل إلى فرع, والفرع إلى أصل؟
الأصل أن الصحابة رووا الأخبار كما سمعوها. والفرع هو الترخص في أدائها، بمعانيها متى ألجأتهم الضرورة إلى ذلك، وحتى مع التسليم بوقوع هذا الانقلاب, فلسنا نرى أن أداء الأخبار بالمعنى يفضي إلى هذه النتائج الخطيرة,
فإذا قلت لابنك: قل لفلان: إن أبي يدعوك لتناول وجبة طعام العشاء معه, فذهب الغلام, فقال لمن أرسلته إليه: إن والدي يدعوك لتتعشى معه، فأي ضرر تحقق بالمخالفة بين لفظ المرسل، ولفظ من أرسله.
ولقد مثل صاحب كتاب التنبيه وتبعه أبو رية بحديث: "قصوا الشوارب وأعفوا اللحى" , رواه أحمد عن أبي هريرة، ورواه البخاري عن ابن عمر في كتاب اللباس بلفظ: "أنهكوا الشارب وأعفوا اللحى" , وفي رواية لابن عمر أيضا: "خالفوا المشركين؛ وفروا اللحى وأحفوا الشوارب". قال البطليوسي "قوله: أعفوا يحتمل أن يريد به كثروا، ووفروا، ويحتمل أن يريد: خففوا، وقللوا، فلا يفهم مراده من ذلك إلا بدليل من لفظ آخر، والمعنيان جميعا موجودان في كلام العرب: يقال: عفا وبر الناقة إذا كثر، وكذلك لحمها. قال الله ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ ؛ أي كثروا.
стр. 117
ويقال: عفا المنزل, إذا درس. ا. هـ١.
هكذا استشهد البطليوسي ووضح موضع استشهاده, ثم ساق كثيرا من الأمثلة التي يشترك فيها اللفظ مع أكثر من معنى، وتحتاج إلى دقة في الفهم مما يتفق فيه الباحث الأصولي مع المحدث.
ومما لا يشك معه أحد في أن الصحابة رضوان الله عليهم وتابعيهم أيضا هم أعرف الناس لهذا الباب، أما أبو رية فإنه يكتفي من الغنيمة بالإياب, ويقتصر على إيراد الحديث، ويا للعجب العجاب ما عقب به بعد التمثيل بالحديث السابق, "ففي مثل هذا يجوز أن يذهب النبي ﷺ إلى المعنى الواحد, ويذهب الراوي عنه إلى المعنى الآخر، فإذا أدى معنى ما سمع دون لفظه بعينه، كان قد روى عنه ضد ما أراده غير عامد، ولو أدى لفظه بعينه، لأوشك أن يفهم منه الآخر ما لم يفهم الأول"٢.
هكذا يحتم الكاتب خفاء استعمالات العربية على الصحابة، بل إن المتأمل في عبارته هذه ليرى أنه يفضل الإمساك عن الرواية مطلقا بدلا من أن يروي المعنى فيتناقض بفهمه مع مراد النبي ﷺ , أو يروي باللفظ فيوشك أن يفهم عنه الآخر ما لم يفهم الأول، فالأوفق، والأليق عن المنافح والمدافع عن السنة أن يغلق باب الرواية, وأن يضيع الأصل الثاني لهذا الدين.
стр. 118
هذا وقد سبق ذلك استشهاد صاحبنا بعدة أمثلة على وقوع الاختلاف بين الصحابة فيما لا يصح أن يختلفوا فيه على ما فهم هو, فقد ساق ثماني روايات في التشهد، ورأى أن التشهد من الأعمال اليومية المتكررة المتواترة.
فكيف وقع الخلاف بينهم فيها, ثم إن عمر خطب بتشهده على المنبر, وسمعه الكافة فلم ينكر عليه واحد منهم.
نقول: ومن أدراك أن رسول الله ﷺ علمهم صيغة واحدة للتشهد حتى لا يصح رواية سواه، ما المانع أن يكون ابن مسعود أحد السابقين تعلم ما لم يتعلمه عمر، وتعلم ابن عباس, وهو من صغار الصحابة ومن مهاجرة الفتح ما لم يتعلماه.
إن القرآن نفسه قرئ بسبعة أحرف كما نزل عليها، وقد تباينت قراءة عمر مع قراءة هشام بن حكيم لسورة الفرقان، فلما اختلفا رجعا إلى النبي ﷺ فأقرأهما، ثم أقر كلا على قراءته, وهذا هو اليسر الذي أراده الله بنا.
هذا وقد استطرد إلى صيغ الصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد التشهد, وبين أحكامها عند الأئمة, والفرق بينها وبين التشهد بيِّنٌ حتى للمبتدئ.
стр. 119
وقد ختم الأستاذ المغفور له أبو شهبة رده على أبي رية في هذه القضية بما يأتي: ولكي ترى الفرق بين العلماء والأدعياء أذكر لك ما روي عن الإمام الشافعي, وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس, قال: لما رأيته واسعا وسمعته عن ابن عباس صحيحا كان عندي أجمع، وأكثر لفظا من غيره, وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح. ولو سلمنا -جدلا- أن هذه الروايات في قصة واحدة, فالخلاف بينها هيِّن يسير لا يستأهل كل هذا التهويل، فتشهد ابن مسعود بلفظ: "التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ... إلخ".
وتشهد ابن عباس بلفظ: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله", باقيه كتشهد ابن مسعود، وتشهد عمر بلفظ: "التحيات لله, الزكيات لله، الصلوات لله، الطيبات لله"، وسائره كتشهد ابن مسعود, وبقية صيغ التشهد الواردة لا تخرج عن هذه الصيغ بزيادة كلمة من صدر التشهد أو نقصان أخرى، وذكر لفظ "لله" عقب كل منها أو في أولاها أو أخراها، وكل ذلك أمر جائز وله وجه في العربية, وأما زيادة البسملة قبل التشهد، فلم تصح كما قال الحافظ في الفتح، فعلام كل هذه الضجة المفتعلة التي لا يقصد من ورائها إلا التشويش على السنة والأحاديث؟ ثم من قال أيها المؤلف البحاثة: إن التشهد من قبيل الأفعال المتواترة، وليس من قبيل الأقوال؟ إن الطالب المبتدئ يعلم أن الصلاة أقوال وأفعال، والتشهد من الأقوال لا محالة"١.
стр. 120
ولقد مضى أبو رية في طريق الخلط واللبس إلى أبعد ما يكون، فها هو ذا يذكر حديث طلحة بن عبيد الله, وحديث أبي أيوب الأنصاري, وحديث أبي هريرة على أنها حديث واحد يدور حول الإيمان والإسلام والإحسان.
ويبعد النجعة في التماس ما في هذه الروايات من قصور على حد زعمه, ويقلب الحقائق حين يستشهد بكلام الأئمة في الجمع بين هذه الروايات ببيان زيادة الثقة في بعضها لما أبهم في البعض الآخر على رأيه المتهافت في الرواية بالمعنى.
ويتابع الشطط والهوى, فيذكر حديث البخاري عن ابن عمر: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" , ثم نقل كلام الحافظ ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث:
"كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم "الظهر" مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد، وقد وافق مسلما أبو يعلى وآخرون, وكذا أخرجه ابن سعد, وأما أصحاب المغازي فاتفقوا على أنها العصر".
وإلى هنا اقتصر المؤلف -أبو رية- من كلام الحافظ وتتمة كلام ابن حجر: وكذلك وافق البخاري الطبراني والبيهقي في الدلائل, وهذا كله يؤيد البخاري.
стр. 121
وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر وبعضهم لم يصلها: "لا يصلين أحد الظهر" , ولمن صلاه: "لا يصلين أحد العصر" , وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة الثانية: العصر. وكلاهما جمع لا بأس به ... إلى أن قال: ثم تأكد عندي أن الاختلاف في اللفظ من حفظ بعض رواته ... أو أن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيرًا ... ولكن موافقه أبي حفص السلمي له -أي البخاري- تؤيد الاحتمال الأول, هذا كله من حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال: الظهر لطائفة, والعصر لطائفة متجه. ا. هـ.
فها نحن أولا نرى أن الحافظ بن حجر ردد الوهم في رواية البخاري بين أن يكون من أحد الرواة، أو من البخاري نفسه مع ترجيح الاحتمال الأول، فجاء المؤلف فنقل من كلام الحافظ الاحتمال الثاني مقتضبا عما قبله وعما بعده, وترك من كلام الحافظ ما قاله العلماء في التوفيق بين الروايتين, ولا يخفى على القارئ الفطن ما يريده المؤلف من هذا الاقتضاب المخل, والذي يبغي من ورائه إظهار أئمة الحديث لا سيما أميرهم البخاري بمظهر غير الضابطين المثبتين"١.
وبعد فإن دعوى أن أكثر الحديث روي بالمعنى دعوى باطلة،
стр. 122
وما رتب عليها أدخل في باب البطلان، والحق الأبلج إنما هو في أن الصحابة رضوان الله عليه حفظوا ما رووا, وضبطوا ووعوا وأدوا كما سمعوا، وإذا تفلت منهم لفظ أو لفظان ويتقنوا معناه أدوه بالمعنى خروجا من عهدة الكتمان, ولا ندعي العصمة لسائرهم، وإنما نقول: إذا حدث وأخطأ أو وهم واحد منهم فإن في المجموع من يصحح الزلل ويكشف الوهم، وما أكثر مراجعة بعضهم لبعض, وما أدق ما قاله أئمتنا في دفع الوهم والإيهام طلبا للإنصاف في الأحكام، وأما الذي يلوي الكلام ويحرص على التغرير بالأفهام فحجته داحضة, وتجارته كاسدة وسلعته فاسدة, فإن الحق أبلج، وإن الباطل لجلج.
стр. 123
عدالة الصحابة ومعناها:
أثنى الله على صحابة نبيه ﷺ , ومدحهم, ورضي عنهم في عدة مواضع من كتابه, وأجرى الثناء عليهم, ومدحهم على لسان نبيه ﷺ , وحذرنا من انتقاصهم أو اتخاذهم غرضًا, ولذا شاع بين المحدثين أن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم, سواء في ذلك من طالت صحبته أو قصرت أو عرفت ملازمته أو مجرد لقياه أو غزا معه أو لم يغزُ, ولا يقدح في تلك العدالة ما شجر بينهم من نزاع, فإنهم مجتهدون رغم أنوف المعترضين, للمصيب منهم أجران وللمخطئ منهم أجر, وينبغي أن يحدد مفهوم العدالة التي عمم الحكم بها المحدثون على الصحابة حتى تدحض حجة منتقصهم, ويلقم الحجر كل من تطلع إلى النيل منهم, فما أكثر من تهجم على المحدثين واتخذ من تعميمهم الحكم بعدالة الصحابة تكأة لتهجمه, فراح
стр. 124
يستشهد بما روي في بعض الكتب من تفسيق لآحاد الصحابة, ثم راح يستشهد بما جرى في الصدر الأول من افتتان وابتداع يصك الأسماع ويهيج الألم والأوجاع, ولو درى ذلك المتهجم ما قصده المحدثون من العدالة لألفيته بفضلهم معترفا ومن علمهم مغترفا.
قال الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف رحمه الله تعالى في تحديد ما تطلق عليه العدالة والمراد بها عند المحدثين ما نصه: تطلق العدالة بإطلاقات:
١- بالمعنى المقابل للجور والظلم فيقال للسلطان: "إنه عادل" وتفسر بالإنصاف في المعاملات وإيصال الحقوق إلى مستحقيها.
٢- بالمعنى المقابل للفسق والعصيان وتفسر بما تفسر به التقوى.
٣- بمعنى العصمة وتفسر: بالملكة الحاملة على اجتناب الفجور والعصيان وهي التي اتصف بها الأنبياء والملائكة.
٤- بمعنى الحفظ عن الذنب والخطأ بلطف من الله من دون حصول ملكة وهي ما وصفوا بها الأولياء، وأثبتها بعض العلماء للصحابة، وأجاب عما نسب إليهم, وأنه لم يصح وبعض علماء السنة يريد بالحفظ في شأن أهل البيت العصمة كما يريدها الشيعة في أئمتهم.
٥- بمعنى الحفظ عن الخطأ في الاجتهاد فقط كما ذكره بعض العلماء في شأن المهدي المنتظر.
٦- بمعنى التجنب عن تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها
стр. 125
بارتكاب ما يوجب عدم قبولها فلا يقع من الصحابة ذنب, أو يقع ولا يؤثر في قبول مروياتهم.
قال ابن الأنباري: المراد من عدالة الصحابة: قبول روايتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا أن يثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك. وقال شاه ولي الله الدهلوي: وبالتتبع وجدنا أن جميع الصحابة يعتقدون أن الكذب على رسول الله أشد الذنوب ويحترزون منه غاية الاحتراز.
وقال الآلوسي: في الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية: إنه ما مات من ابتلي منهم بفسق إلا تائبا عدلا ببركة نور الصحبة. والآلوسي يفسر بذلك معنى العدالة المرادة للمحدثين, ثم قال: لا يقال: إذا كانت العدالة التي ادعيتموها للصحابة ﵃ بذلك المعنى يلزم منه التوقف في قبول رواية من وقع منه مفسق إلى أن يعلم أنها بعد التوبة لأنا نقول بعد الالتزام: بأنه لا بد من أن يتوب ببركة الصحبة التي هي الأكسير الأعظم لا احتمال لكون روايته عن رسول الله ﷺ كذبا وافتراء عليه ﵊؛ لأن صحة توبته يقتضي تلافي ذلك بالإخبار عن أمره, فتأمله, فإنه دقيق, وعليك برعاية حق الصحبة, فهو بالرعاية حقيق. ا. هـ.
وبذلك يتضح أن المراد بالعدالة الثابتة لجميع الصحابة عند المحدثين هي: تجنب تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها، فإن الذنب على فرض وقوعه لا يمنع من قبولها فهم عدول على العموم.
стр. 126
ويرى ابن الوزير والأمير الصنعاني: أن هذا العموم يستثنى منه ما قام الدليل على أنه فاسق بصريح, وأن هذا الاستثناء مراد من عمم, إلا أنه لم يذكره لندرته, وهذا لا ينافي التزام الأدب مع الصحابة, وعدم ذكرهم بسوء, والإمساك عما وقع منهم, وعلى ذلك مجمل القول من أطلق من العلماء ممن ذكرهم الخطيب في الكفاية, والحافظ في الإصابة, وهو مردود بما حررنا به معنى العدالة, وبما ذكره العلامة الآلوسي، وقبولهم أولى بالاعتبار من قبول رواية المبتدع, الذي يحرم الكذب, ويظن صدقه من غير الصحابة, وحتى من يرى أن العدالة لا تتحقق إلا باجتناب جميع المنهيات, فإنه يريد الكاملة ولا يمنع من القول بأنها تتجزأ١.
"وقد أطال الصنعاني في عرض مسألة عدالة الصحابة واستشهد على استثناء من شذ منهم بأخبار كثيرة في الوليد بن عقبة, وبسر بن أبي أرطاة, ثم قال نقلا عن ابن الوزير٢, وتعقيبا عليه", وقد ذكر شراح الحديث من أهل السنة في تأويل هذا الحديث٣.
стр. 127
أن جماعة ممن تطلق عليهم الصحبة ارتدوا عن الإسلام, والردة أكبر المعاصي, ومن جازت عليهم الردة جازت عليه سائر الكبائر, وإنما ذكرت هذا؛ لأن بعض المتعصبين على أهل الحديث زعموا أنهم يقولون بعصمة الصحابة كلهم, ويعدون كبائرهم صغائر", هذا إشارة إلى ما قاله شيخه السيد علي بن محمد بن أبي القاسم, فإنه قال في رسالته التي رد عليها المصنف بالعواصم ما لفظه:
إن المحدثين يذهبون إلى أن الصحابة لا تجوز عليهم الكبائر, وأنهم إذا فعلوا المعصية الكبيرة عدوها صغيرة.
وقد أطال المصنف في الرد على ما قاله في الجزء الأول من العواصم: وليس كذلك, ولكن القوم لا يولعون بالسب لأحد من الصحابة, وإن صح فسقه ولا يلهجون بذكر ذلك تعظيما لرسول الله ﷺ , وامتثالا لقوله ﷺ : "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" , ثم قال: وهم -أي أئمة الحديث- يعرفون فسق الفاسق, وجرحه, والنهي عن قبوله, وهم يسوون في ذلك أي في الجرح بين المنحرفين عن علي ﵇ وعن عمر وعن أبي بكر ﵃, فليس لهم عصبية تحملهم على خلاف هذا, فإنهم كما يقدحون بالغلو في الرفض يقدحون بالنصب؛ والرفض: محبة عليّ وتقديمه على الصحابة وسب الشيخين, والنصب: بغض عليّ ﵇ وتقديم غيره عليه، فالمنحرف عن علي ﵇ هو الناصبي, والمنحرف عن الشيخين هو الغالي في الرفض, وقد سووا في الجرح بكل واحدة من الصفتين"١.
стр. 128
وفي ذلك كله ما يقطع بإنصاف المحدثين وعدم تعصبهم.
وعين الإنصاف منهم أنهم يحكمون بعدالة الصحابة, ولا يولعون بتتبع ما بدر من بعضهم, وليس تقصي حال النادر الشاذ من غرضهم, بل هم لا يبالغون في الفحص عن عدالتهم؛ لأنهم حملة الشريعة, فلو ثبت توقف في روايتهم أو تشكك فيها لكان معنى هذا قصور التبليغ, وانحصاره في عهد الوحي, ولما أمكن شيوعه وذيوعه في كل عصر, وفي كل مصر, وعلى مدى الدهر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ونختم القول في عدالة الصحابة بما رواه الخطيب بسنده عن أبي زرعة الرازي: وإذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ , فاعلم أنه زنديق, وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق والقرآن حق, وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله ﷺ , وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم إلى وهم زنادقة١.
стр. 129
المكثرون من الرواية والتعريف بهم:
عرف بالإكثار من الرواية منهم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وعائشة، وابن عمرو.
وها نحن ذا نسعد وننعم بذكر طرف من سيرهم وقبس من أنوارهم, فأولهم وأكثرهم حديثا وأحرصهم على تلقي العلم منه صلى الله عليه وسلم
стр. 130
رواية الإسلام: أبو هريرة
...
راوية الإسلام أبو هريرة:
اسمه ونسبه وإسلامه وفضله:
هو عبد الرحمن بن صخر من بني ثعلبة, وهو دوسي من أزد شنوءة وقد اختلف في اسمه واسم أبيه بحيث لا سبيل إلا ضبط الخلاف في اسمهما في الجاهلية والإسلام١.
والأصح أن اسمه: عبد الرحمن أو عبد الله, وأن اسمه في الجاهلية كان عبد شمس.
وقد عرف الإسلام طريقه إلى قبيلة دوس بواسطة الطفيل بن عمرو الذي قدم مكة قبل الهجرة, فصدته قريش عن الصراط, وقعدت له كل مرصد تبغي الحيلولة بينه وبين الهادي البشير ﷺ , فكان أن استمع إليه, وهو يقرأ القرآن في صلاته في المسجد الحرام فانشرح صدره للإسلام, ثم طلب الدعاء له بالعون على هداية قومه وجعل النور بين عينيه له آية فخشي أن يظنوها مثله فتحول النور إلى سوطه فأسلم على يديه الكثيرون, ويبدو أن أبا هريرة كان واحدًا منهم.
وأكثر الذين ترجموا له مجمعون على أنه قدم على النبي ﷺ مهاجرًا أثناء فتح خيبر سنة سبع مع نفر من قومه, وعندي أن هذه
стр. 131
المرة هي التي تحققت بعدها الملازمة التامة والمصاحبة الدائمة, ولا يتنافى هذا مع كونه قدم قبل ذلك, فقد روى الهيثمي عن أبي هريرة ﵁ أنهم كانوا يحملون اللَّبِنَ إلى المسجد, ورسول الله ﷺ معهم, قال: فاستقبلت رسول الله ﷺ , وهو عارض لبنة على بطنه, فظننت أنها شقت عليه, فقلت ناولنيها يا رسول الله قال: "خذ غيرها يا أبا هريرة, فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة" ١.
ترى أي مسجد ذاك الذي كانوا يحملون اللَّبِنَ له؟ إن كان المسجد النبوي فالمتعين أن أبا هريرة قدم إلى المدينة قبل سنة سبع.
وما المانع أن يكون قد حاكى أبا ذر الغفاري في إسلامه قديما, ثم لحوقه بأهله داعيا إلى دينه, ثم عاد فقدم عليه مرة أخرى.
ما دام خبر الهيثمي صحيحا, وليس بمستبعد أن يكون اللَّبِنَ لمسجد آخر من مساجد المدينة التسعة.
المهم أنه لزم النبي ﷺ , وانتفع بملازمته وتعدته المنفعة إلى أمه التي أسلمت ببركة دعاء النبي صلى الله عليه سلم, وهكذا هاجر أبو هريرة مسكينا, مما جعله علم أهل الصفة يشتد به الجوع, ويصرع من ألم المسغبة حتى يظن الناس به الظنون, ويرمونه بالجنون, ويسأل الصحابة الواحد تلو الآخر عن الآية, وما به حاجة للسؤال عنها إلا ابتغاء استضافته وإطعامه.
стр. 132
وكان لا يطفئ حر سبغه إلا خليله أبو القاسم ﷺ , وهو في ذلك كله متفرغ للحديث, متلهف إليه, حريص عليه, يسأل عن أحق الناس بحسن الشفاعة, فيقطع له بالعلم بأنه لن يسأل عن هذا غيره.
ويشغل المهاجرون بالصفق في الأسواق, ويعنى الأنصار بالحصاد والفواق, ويتفرغ أبو هريرة للحديث, ويلازم على شبع بطنه أو الكسرة والكسرتين, يحضر إذا غاب غيره, ويحفظ إذا نسي غيره, ويشكو سوء الحفظ, فيبسط الرداء, ويحظى بالدعاء من أمير الأنبياء ﷺ , ولا يطوي ردائه حتى تنقضي مقالته فلا ينسى شيئا أبدًا.
لا عجب إذا أن يقول عنه الشافعي: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. أسنده البيهقي في المدخل، وكان ابن عمر يترحم عليه في جنازته ويقول: كان يحفظ على المسلمين حديث النبي ﷺ "١.
стр. 133
عدد مروياته وما أثير حوله من شبه:
روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ خمسة آلاف وثلاثمائة وأربع وسبعين حديثا, اتفق الشيخان منها على ثلاثمائة وخمسة وعشرين, وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين, ومسلم بمائة وتسعة وثمانين؛ وروى عن أبي هريرة أكثر من ثمانمائة رجل, وهو أحفظ الصحابة.
стр. 134
وقد جرت كثرة مروياته عليه متاعب كثيرة, وأوغرت صدور بعض الحاقدين الذين يغيظهم أن تبلغ أحكام هذا الدين, ويتمنون أن لو أوتوا القدرة على هدم صرحه المتين، ولما تنكبوا السبيل إلى ذلك راحوا يتطاولون على العدول الناقلين, وأنى لهم النيل منهم ما كان حال الواحد منهم.
إلا كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
ولقد كان الصحابي الجليل "أبو هريرة" هدفا لكثير من محاولات الطعن والتشكيك قديما وحديثا, ولقد تجردت أقلام الحق للذب عنه, وممن حمل لواء الحق في هذه القضية: الأستاذ الدكتور/ محمد محمد أبو شهبة في كتابه "دفاع عن السنة", والأستاذ الدكتور/ محمد محمد السماحي في كتابه "أبو هريرة في الميزان", والأستاذ الدكتور/ مصطفى السباعي "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي", والأستاذ الدكتور/ محمد عجاج الخطيب في كتابه "السنة قبل التدوين", ثم أفرد كتابا خاصا لراوية الإسلام أفاض في الترجمة له, وفي تقرير الشبه التي أثيرت حوله, وكان فارس الحلبة الغوار في دحض تلك المفتريات إبطال تلك الشبهات.
وقد جاء كتاب "أبو هريرة راوية الإسلام" في طبعته الثالثة في مائتين واثنتين وستين صحيفة من القطع الكبير.
قال بعد أن أطال في عرض سيرته: ذلكم أبو هريرة الذي عرفناه قبل إسلامه وبعد إسلامه, عرفناه في هجرته وصحبته للرسول الكريم ﷺ .
стр. 135
فكان الصاحب الأمين والطالب المجد، يدور مع الرسول الكريم ﵊ في حله وترحاله, ويشاركه أفراحه وأحزانه, وعرفنا التزامه للسنة المطهرة, وتقواه وورعه في شبابه وهرمه, في غناه وفقره.
وقرأنا كثيرًا عن تواضعه وكرمه، ورأينا مواقفه المشرفة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتزاله الفتن وحبه للجماعة وسعيه للخير, وكشفنا عن روحه الطيبة المرحة, ونفسه الصافية, وأخلاقه الكريمة, وزهده في الدنيا, وتفانيه في سبيل الحق, وعرفنا مكانته العلمية, وكثرة حديثه, وقوة حافظته، ورأينا منزلته بين أصحابه, وثناء العلماء عليه، ذلكم أبو هريرة الذي صوره لنا التاريخ من خلال البحث الدقيق, إلا أن بعض الباحثين لم يسرهم أن يروا أبا هريرة في هذه المكانة السامية والمنزلة الرفيعة, فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى أن يصوروه صورة تخالف الحقيقة التي عرفناها, فرأوا في صحبته للرسول الكريم ﵊ غايات خاصة لأبي هريرة ليشبع بطنه, ويروي نهمه, وصوروا أمانته خيانة، وكرمه رياء, وحفظه تدجيلا.
وحديثه الطيب الكثير كذبا على رسول الله ﵊ وبهتانا, ورأوا في فقره مطعنا وعارًا, وفي تواضعه ذله, وفي مرحه هذرًا, وصوروا أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لونا من المؤمرات لخداع العامة, ورأوا في اعتزاله الفتن تحزبا، وفي قوله الحق انحيازًا, فهو ضيعة الأمويين الذين طووه تحت جناحهم, فكان أداتهم الداعية لمآربهم السياسية, فكان
стр. 136
لذلك من الكاذبين الواضعين للأحاديث على رسول الله ﷺ افتراء وزورًا.
هكذا أراد أن يصوره بعض أهل الأهواء؛ كالنظام والمريسي والبلخي, وتابعهم في هذا العصر بعض المستشرقين أمثال: "جولد تسيهر" و"شبرنجر".
وأغرب من هذا أن يطعن فيه وفي السنة بعض من ينسب إلى العلم، فقد عثرت أثناء بحثي على كتاب تحت عنوان "أبو هريرة" ألفه عبد الحسين شرف الدين العاملي وهو إمامي والإمامية يتخذون أبا هريرة هدفا لكي يوهنوا أحاديث أهل السنة، ويرفضوها ويروجوا أخبارهم. وقد لف لفهم من كان لهم تابعًا مجربا على تبعيته.
ولم أكد أتصفحه حتى دهشت لما جاء فيه من الافتراءات والطعون والتأويلات التي لا تتمشى مع البحث العلمي, ولا توافق التاريخ.
وقد استقى من هذا الكتاب أيضا محمود أبو رية صاحب كتاب "أضواء على السنة المحمدية" فكان أشد على أبي هريرة من أستاذه, وأكثر مجانبة للصواب، فرأيت من واجبي أن أرد تلك الشبهات التي أثارها بعض أهل الأهواء والمستشرقين وبعض الباحثين. كما حدث للأستاذ الباحث أحمد أمين. ورأيت أن أرد على بعض ما جاء في كتاب "أبو هريرة" وأتناول خلال ذلك بعض النقاط التي اشترك فيها هؤلاء جميعا"١.
стр. 137
ونحن نلخص لك أهم تلك الشبهة, وأقوى وجوه دفعها فنقول: عاب عبدُ الحسين الصحابيَّ الجليل بكثرة مروياته وإفراطه في التحديد، وعاب أصحاب الصحاح لإفراطهم في تخريج رواياته. والعيب مردود على من عاب به فما كانت كثرة الروايات قط عيبا، وما كان تحري أصحاب الصحيح لما صح عندهم وذكرهم إياه وسيلة لاتهامهم, ثم إن القادح يعيب الصحابي الجليل بكثرة الاختلاف في اسمه واسم أبيه، ولا عيب في هذا ما دام قد اشتهر بكنيته, وعرف بها وغلبت عليه، وشأن أبي هريرة في ذلك هو شأن الصديق الذي غلبت كنيته اسمه، وشأن أمين هذه الأمة أبي عبيدة, وشأن فارس رسول الله أبي دجانة.
ثم ويتوارد الغمز بالهرة التي كني بها، ويدعي الأفاك أنه من أجل ذلك روى الحديث: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها ... إلخ " , فلشدة ولعه بالهرة وكثرة عبثه بها روى ذلك.
والحديث مخرج في أصح الصحيح عند أحمد والبخاري ومسلم، ووافق أبا هريرة على رواياته عند البخاري ابنُ عمر وأسماء, فانقطع باب القدح, ثم ويتهم أبو هريرة بأنه كان حافيًا عاريًا، ويلمز بالفقر, ولم ندر أن الفقر والغنى ميزان للتفاضل في المنطق الصحيح، وما درينا أن أهل تلك الأعصار كانوا ينتعلون.
ثم والطعن في الرجل بأنه ظل ثلاثين سنة جاهلا لا يعرف عن الإسلام شيئا طعن ساقط؛ لأنه لا يلام على ذلك ما دام قد استضاء بنور الحق, وانشرح
стр. 138
صدره للإسلام الذي يجب ما قبله, وهكذا كان حال سائر الأعلام. فمن الذي ولد آن إذ مسلما موحدا؟ ومن قال: إن أهل تلك الحقبة كانوا علماء أفذاذ؟ المعلوم أن أكثرهم كانوا جاهلين أميين، فتحضروا بالإسلام, وصاروا به هداة وأئمة للأنام.
ومسألة صحبته للنبي ﷺ ثلاث سنوات فقط, وإن نقلت عنه هو غير دقيقة؛ لأنه لم يقصد انحصار صحبته في هذه المدة, وما درى أن الزمان يدخر له لئام الناس الذين ينتقصون منه, ويبالغون في الطعن فيه, والمحرر المدقق أن إسلامه سبق هجرته بكثير، وأنه كان يتحرى أخبار المسلمين.
ومن هنا أشار بمنع القسم وإعطاء سهم لإبان بن سعيد؛ لكونه قتل النعمان بن قوقل في أحد, والمعلوم أن فتح خيبر كان في المحرم من سنة سبع، وكان انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى في ربيع الأول سنة إحدى عشرة, وبذلك تزيد مدة ملازمة أبي هريرة وانقطاعه للحديث عن أربعة أعوام، ولا سبيل إلى الغمز فيه بأنه كان من أهل الصفة، فذلك شرف له وأي شرف فهم ضيوف الإسلام ومادة بثه وإشاعته.
ويعود عبد الحسين إلى الطعن بالفقر والجوع وتصوير أبي هريرة بالبائس المسكين الذي عانى لا شظف العيش, بل انعدامه, ويتناسى ما لهذا من تأثير على صفاء الذهن، فمن قديم تردد "إذا وجدت البطنة نامت الفطنة", وإذا عد هذا عيبا في راوية الإسلام فسينسحب على أكثر ذلك الزمان, فلم يكونوا مترعين بالترف، وإنما عرفوا القسوة والمعاناة والشظف زهدا وإعراضا عن الدنيا.
стр. 139
ويذكر ابن كثير أن النبي ﷺ قال لأبي هريرة: "ألا تسألني شيئا من هذه الغنائم" , فأجاب بما يفيد أنه لا يريد إلا علما ينفعه الله به.
ويتهم أبو هريرة بأنه سرق عشرة آلاف حين كان واليا على البحرين من قبل عمر، وأن الفاروق استردها منه بعد عزله, بينما الحق أنه لما سئل عن نماء ماله أفاد بأنه ربح تجارته, ونتاج ماشيته وخراج أعبده.
وقد عرف أن عمر شاطر عماله على الأمصار أموالهم. فهل يعني هذا اتهاما لهم بالسرقة؟ إنه باب شر يفتح بهذه الادعاءات, وماذا نقول فيمن يكيلون الاتهامات, ويبتغون للبرآء العنت فيرون قرب أبي هريرة من عثمان ابتداء مشايعته لبني أمية, ويعيبونه باعتزال الفتنة عندما حمي الوطيس مع نطق الحق بأن القاعد فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي، وأن من تعرض لتلك الفتن واستشرف لها تستشرفه, ويبالغ عبد الحسين في اختلاف تشيع أبي هريرة للأمويين, ويتهمه بوضع الأحاديث.
ومواقف الصحابة منه ترد ذلك وتأباه؛ وننتقل إلى موقف أبي رية.
стр. 140
افتيات أبي رية وجرأته:
حين تنقلب الحقائق, فيقال عن التطاول والبذاءة في حق ذوي العدالة والنزاهة: إنه تعمق في البحث ونتائج أوصل إليها طول التنقيب، وأنطق اللسان بها الجرأة والجسارة، حين يصل الأمر إلى هذا فلا يعاب التمثل بما قاله أبو العلاء:
стр. 141
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك عازل
وحين يرمى أصحاب رسول الله ﷺ , ويتطاول عليهم فذاك أمر أغرب من مفاخرة الحصى للشهب والقدح في نور الصبح على لسان الدجى.
ولقد جاء أبو رية في ظلماته التي حاول أن يلقيها على السنة فما استطاع, جاء بأقصى المستطاع إفكا وزورًا حين عرض لترجمة الصحابي الجليل, فيما يزيد على ثلاثين صفحة١.
فلم يدع منقصة ولا مذمة إلا ألصقها به، ونال شططه من الصحابة، بل ونال المحدثين من شططه ونزغه حين حكموا بعدالتهم ما يستحيى من ذكره, وإنك لتخجل كل الخجل حين ترى هذا الدعي في العلم يستبيح لنفسه أن يرمي أبا هريرة بكل جارحة من القول تعليقا على كلمة لسيدنا أبي هريرة قالها تحدثا بنعمة الله. قال أبو رية: "ولقد استخفه أشره وزهوه -يعني أبا هريرة- ونم عليه أصله وتحيزته فخرج عن حدود الأدب والوقار مع هذه السيدة الكريمة, فكان يقول بعد هذا الزواج الذي ما كان يحلم به: إني كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني، فكنت إذا ركبوا سقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم والآن تزوجتها، فأنا الآن أركب فإذا نزلت خدمتني ... إلخ".
стр. 142
ومما أخرجه ابن سعد أنه قال: أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني وعقبة رجلي، فكانت تطلقني أن أركب قائما وأرد حافيا، فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله، فكلفتها أن تركب قائمة وأن تورد حافية"١.
هكذا يصدع أبو هريرة لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ , ويوقف نفسه موقف الرضا من ربه حين يظهر أثر نعمته عليه. لكن أبا رية لا يعجبه هذا فيطلق العنان لقلمه إلى حد أن يكتب في الهامش ما نصه: "انظر إلى هذا الكلام الذي تعرى عن كل مروءة وكرم, واتسم بكل دناءة ولؤم, فتجده يباهي بامتهان زوجه والتشفي منها، وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم خرج من أصل عريق", أستغفر الله من ذنبي كله, ومن إيراد مثل هذا السفه والطعن في راوية الإسلام.
وهاك أضحوكة ونادرة تفكه بها، يتهكم أبو رية من راوية الإسلام, ويلقبه بشيخ المضيرة؛ والمضيرة: مريقة تطبخ باللبن المضير الحامض، وربما أضيف إليه الحليب, وكانت تعد من أطايب الطعام ولذائذه في تلك الأيام.
وقد حلى لصاحب كتاب أضواء على السنة المحمدية أن يشير مرارًا إلى كتابه "المغيرة على شيخ المضيرة", وينقل من كتاب "ثمار القلوب" للثعالبي سببا لهذا التلقيب "وكان يعجبه المضيرة جدًّا ليأكل مع معاوية،
стр. 143
فإذا أحضرت الصلاة صلى خلف علي ﵁ فإذا قيل له في ذلك قال: مضيرة معاوية أرسم وأطيب، والصلاة خلف علي أفضل، وكان يقال له شيخ المضيرة", ولا ندري كيف تقبل العقول هذا, وإنما الذي ندريه أن الرجل يهرف بما لا يعرف, أو على الأقل يحرف الكلم عن مواضعه ويزيف الحدث عن مواقعه, وإلا فكيف يأكل أبو هريرة مضيرة معاوية ويصلي خلف علي, ورضي الله عن الثلاثة الكرام الذين تفرقوا بين المدينة والعراق والشام. فهل ملك أبو هريرة بساط الريح ليغدوا به ويروح.
إن ابن عبد البر يقطع بأنه لم يغادر المدينة منذ أن عزله عمر عن البحرين، فقد طلبه للإمارة فأبى عليه، ولم يزل يسكن المدينة, وبها توفي سنة سبع وخمسين أو ثمان أو تسع وخمسين.
لكن أبا رية يصر على اتهام الصحابي فينقل عن غير واحد أن أبا هريرة حضر موقعة صفين, وكان فيها يصانع الفئتين, فكان في بعض الأيام يصلي في جماعة علي ﵁, ويأكل في جماعة معاوية، فإذا حمي الوطيس لحق بالجبل، فإذا ما سئل قال: علي أعلم, ومعاوية أدسم، والجبل أسلم.
هكذا يسف في اتهام الرجل، بل وفي اتهام سائر الصحابة معه، وإذًا كيف نامت فطنتهم وغاب وعيهم بحيث لم يكشفوا حيلة المداهن المصانع الذي يصلي خلف قائد هذه الفئة، ويأكل على مائدة قائد تلك؟ ويفقد الجميع الإحساس بمخادعته ومصادنعته.
стр. 144
ثم يدعي أبو رية أن كل من أرخ لأبي هريرة أجمع على أنه كان مزاحا مهذارًا, يكثر ذكر النوادر والغرائب؛ ليجذب الناس نحوه ويحببهم فيه، وما أشده من تناقض ذاك الذي وقع فيه, فقد ادعى زورًا وبهتانا أنه بينهم لم يكن في العير ولا في النفير، وأعجب كيف يكون أبو هريرة بين الصحابة مغمورًا مبهما مغفل الذكر, مهضوم القدر، ثم يدعي أن كل من أرخ له أجمعوا على كونه مزاحًا مهذارًا.
وليس هناك ما يدل على مزاحه إلا رواية ذكرها ابن حجر في الإصابة عن ابن أبي الدنيا مفادها أنه قال لرجل ادعى أنه شرب ناسيا: سقاك الله، فلما قال له: أكلت ناسيا، قال: أطعمك الله، فلما تكرر ذلك منه, قال له: يابن أخي أنت لم تتعود الصيام. فمن أين جاءت دعوى الإجماع؟ لعلها جاءت من نفس الباب الذي جاءت منه دعاواه الباطلة الكثيرة التي لا سبيل إلى تحقيقها.
ويستغل أبو رية ما كان من بعض الصحابة من مناقشات لما دار فيما بينهم من روايات، وينسخ منها الحكايات ويجعلها عمدته في توجيه الشتائم والبذاءات إلى هذا الصحابي الجليل.
وقد سبق أن أوقفناك على بعض تلك المناقشات, وما كان فيها من وجهات نظر مع التزام بعدم الانتقاص، ولم ينفرد الصحابي الجليل أبو هريرة بمناقشة رواياته من البعض، وإنما شاركه غيره من أجلاء الصحابة كعمر أفقههم صاحب الموافقات، وليس أبو هريرة أول رواتهم في الإسلام
стр. 145
ولا يصح أن ينسب الحديث الموضوع إليه بمعنى: أن يكون هو الذي وضعه، فإن المحقق أن الصحابة ليس فيهم وضاع ولا كذاب.
وتبقى مسألة كثرة مرويات أبي هريرة أشد المسائل لغطًا, وأكثرها بين القديم والحديث، ونتساءل: لماذا يقبل الناس حفظ فلان لآلاف الأبيات من الشعر؟ أو استظهار الآخر للعديد من الكتب؟ أو حفظ ثالث لكل ما تقع عليه عينه، ولا يتوقف أحد في قبول مثل هذا؟ ولا يعده منقصة فيمن نسب إليه, بل على العكس يحصيه بين المآثر والمفاخر.
ولو جمعنا كل مرويات أبي هريرة في كتاب واحد, فلن تزيد عن جزء صغير، ذلك أن الكثير من الخمسة آلاف والثلاثمائة والأربع والسبعين عدد ما رواه لا يجاوز السطر والسطرين, فلم هذا اللغط؟ وأين هذا الرقم مما قيل عن حفظ الجاحظ أو بشار بن برد أو غيرهما؟ لكنه تصيد الأباطيل واختلاق الإفك ليرمي به أحد أعلام الروايات.
والمتأمل المنصف يمكن أن يرجع كثرة مرويات أبي هريرة إلى ما يأتي:
١- ملازمته لرسول الله ﷺ .
٢- صفاء ذهنه، وشدة ذكائه مما جعله أحفظ الصحابة.
٣- حرصه على الحديث وتعهده مجلسه.
٤- تفرغه لذلك وانعدام ما يشغله عنه.