← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7452

الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدثين

أحمد محرم الشيخ ناجي

Полный текст (349 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك عازل وحين يرمى أصحاب رسول الله ﷺ , ويتطاول عليهم فذاك أمر أغرب من مفاخرة الحصى للشهب والقدح في نور الصبح على لسان الدجى. ولقد جاء أبو رية في ظلماته التي حاول أن يلقيها على السنة فما استطاع, جاء بأقصى المستطاع إفكا وزورًا حين عرض لترجمة الصحابي الجليل, فيما يزيد على ثلاثين صفحة١. فلم يدع منقصة ولا مذمة إلا ألصقها به، ونال شططه من الصحابة، بل ونال المحدثين من شططه ونزغه حين حكموا بعدالتهم ما يستحيى من ذكره, وإنك لتخجل كل الخجل حين ترى هذا الدعي في العلم يستبيح لنفسه أن يرمي أبا هريرة بكل جارحة من القول تعليقا على كلمة لسيدنا أبي هريرة قالها تحدثا بنعمة الله. قال أبو رية: "ولقد استخفه أشره وزهوه -يعني أبا هريرة- ونم عليه أصله وتحيزته فخرج عن حدود الأدب والوقار مع هذه السيدة الكريمة, فكان يقول بعد هذا الزواج الذي ما كان يحلم به: إني كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني، فكنت إذا ركبوا سقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم والآن تزوجتها، فأنا الآن أركب فإذا نزلت خدمتني ... إلخ".

стр. 142

ومما أخرجه ابن سعد أنه قال: أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني وعقبة رجلي، فكانت تطلقني أن أركب قائما وأرد حافيا، فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله، فكلفتها أن تركب قائمة وأن تورد حافية"١. هكذا يصدع أبو هريرة لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ , ويوقف نفسه موقف الرضا من ربه حين يظهر أثر نعمته عليه. لكن أبا رية لا يعجبه هذا فيطلق العنان لقلمه إلى حد أن يكتب في الهامش ما نصه: "انظر إلى هذا الكلام الذي تعرى عن كل مروءة وكرم, واتسم بكل دناءة ولؤم, فتجده يباهي بامتهان زوجه والتشفي منها، وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم خرج من أصل عريق", أستغفر الله من ذنبي كله, ومن إيراد مثل هذا السفه والطعن في راوية الإسلام. وهاك أضحوكة ونادرة تفكه بها، يتهكم أبو رية من راوية الإسلام, ويلقبه بشيخ المضيرة؛ والمضيرة: مريقة تطبخ باللبن المضير الحامض، وربما أضيف إليه الحليب, وكانت تعد من أطايب الطعام ولذائذه في تلك الأيام. وقد حلى لصاحب كتاب أضواء على السنة المحمدية أن يشير مرارًا إلى كتابه "المغيرة على شيخ المضيرة", وينقل من كتاب "ثمار القلوب" للثعالبي سببا لهذا التلقيب "وكان يعجبه المضيرة جدًّا ليأكل مع معاوية،

стр. 143

فإذا أحضرت الصلاة صلى خلف علي ﵁ فإذا قيل له في ذلك قال: مضيرة معاوية أرسم وأطيب، والصلاة خلف علي أفضل، وكان يقال له شيخ المضيرة", ولا ندري كيف تقبل العقول هذا, وإنما الذي ندريه أن الرجل يهرف بما لا يعرف, أو على الأقل يحرف الكلم عن مواضعه ويزيف الحدث عن مواقعه, وإلا فكيف يأكل أبو هريرة مضيرة معاوية ويصلي خلف علي, ورضي الله عن الثلاثة الكرام الذين تفرقوا بين المدينة والعراق والشام. فهل ملك أبو هريرة بساط الريح ليغدوا به ويروح. إن ابن عبد البر يقطع بأنه لم يغادر المدينة منذ أن عزله عمر عن البحرين، فقد طلبه للإمارة فأبى عليه، ولم يزل يسكن المدينة, وبها توفي سنة سبع وخمسين أو ثمان أو تسع وخمسين. لكن أبا رية يصر على اتهام الصحابي فينقل عن غير واحد أن أبا هريرة حضر موقعة صفين, وكان فيها يصانع الفئتين, فكان في بعض الأيام يصلي في جماعة علي ﵁, ويأكل في جماعة معاوية، فإذا حمي الوطيس لحق بالجبل، فإذا ما سئل قال: علي أعلم, ومعاوية أدسم، والجبل أسلم. هكذا يسف في اتهام الرجل، بل وفي اتهام سائر الصحابة معه، وإذًا كيف نامت فطنتهم وغاب وعيهم بحيث لم يكشفوا حيلة المداهن المصانع الذي يصلي خلف قائد هذه الفئة، ويأكل على مائدة قائد تلك؟ ويفقد الجميع الإحساس بمخادعته ومصادنعته.

стр. 144

ثم يدعي أبو رية أن كل من أرخ لأبي هريرة أجمع على أنه كان مزاحا مهذارًا, يكثر ذكر النوادر والغرائب؛ ليجذب الناس نحوه ويحببهم فيه، وما أشده من تناقض ذاك الذي وقع فيه, فقد ادعى زورًا وبهتانا أنه بينهم لم يكن في العير ولا في النفير، وأعجب كيف يكون أبو هريرة بين الصحابة مغمورًا مبهما مغفل الذكر, مهضوم القدر، ثم يدعي أن كل من أرخ له أجمعوا على كونه مزاحًا مهذارًا. وليس هناك ما يدل على مزاحه إلا رواية ذكرها ابن حجر في الإصابة عن ابن أبي الدنيا مفادها أنه قال لرجل ادعى أنه شرب ناسيا: سقاك الله، فلما قال له: أكلت ناسيا، قال: أطعمك الله، فلما تكرر ذلك منه, قال له: يابن أخي أنت لم تتعود الصيام. فمن أين جاءت دعوى الإجماع؟ لعلها جاءت من نفس الباب الذي جاءت منه دعاواه الباطلة الكثيرة التي لا سبيل إلى تحقيقها. ويستغل أبو رية ما كان من بعض الصحابة من مناقشات لما دار فيما بينهم من روايات، وينسخ منها الحكايات ويجعلها عمدته في توجيه الشتائم والبذاءات إلى هذا الصحابي الجليل. وقد سبق أن أوقفناك على بعض تلك المناقشات, وما كان فيها من وجهات نظر مع التزام بعدم الانتقاص، ولم ينفرد الصحابي الجليل أبو هريرة بمناقشة رواياته من البعض، وإنما شاركه غيره من أجلاء الصحابة كعمر أفقههم صاحب الموافقات، وليس أبو هريرة أول رواتهم في الإسلام

стр. 145

ولا يصح أن ينسب الحديث الموضوع إليه بمعنى: أن يكون هو الذي وضعه، فإن المحقق أن الصحابة ليس فيهم وضاع ولا كذاب. وتبقى مسألة كثرة مرويات أبي هريرة أشد المسائل لغطًا, وأكثرها بين القديم والحديث، ونتساءل: لماذا يقبل الناس حفظ فلان لآلاف الأبيات من الشعر؟ أو استظهار الآخر للعديد من الكتب؟ أو حفظ ثالث لكل ما تقع عليه عينه، ولا يتوقف أحد في قبول مثل هذا؟ ولا يعده منقصة فيمن نسب إليه, بل على العكس يحصيه بين المآثر والمفاخر. ولو جمعنا كل مرويات أبي هريرة في كتاب واحد, فلن تزيد عن جزء صغير، ذلك أن الكثير من الخمسة آلاف والثلاثمائة والأربع والسبعين عدد ما رواه لا يجاوز السطر والسطرين, فلم هذا اللغط؟ وأين هذا الرقم مما قيل عن حفظ الجاحظ أو بشار بن برد أو غيرهما؟ لكنه تصيد الأباطيل واختلاق الإفك ليرمي به أحد أعلام الروايات. والمتأمل المنصف يمكن أن يرجع كثرة مرويات أبي هريرة إلى ما يأتي: ١- ملازمته لرسول الله ﷺ . ٢- صفاء ذهنه، وشدة ذكائه مما جعله أحفظ الصحابة. ٣- حرصه على الحديث وتعهده مجلسه. ٤- تفرغه لذلك وانعدام ما يشغله عنه.

стр. 146

٥- عدم انشغاله بالإمارة أو بالدنيا بعد زمن النبي ﷺ فمنذ أن عزله عمر ﵁ عن البحرين لم يتول منصبا. ٦- تأخر وفاته مما أتاح له أن يلقى الكثيرين من التابعين حتى قيل: إنه روى عنه ثمانمائة١. ٧- وأهم من كل ما مضى انتفاعه ببركة دعاء النبي ﷺ كما سبق أن أشرنا. وبعد فإن الذين أرادوا النيل من راوية الإسلام, لم يلتزموا بواجب الاحترام سيما أولئك الأعلام. وإذا كان الحديث يقرر: "أن المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" , فكيف بهؤلاء الذين اعتمدوا على خيال الأدباء, وتتبعوا حكايات القصاصين المؤرخين, ونسجوا منها وجوها للطعن في البرآء المنزهين؟ وإنك لتزداد عجبا حين ترى الواحد منهم يأخذ بعض الكلام, ويترك بعضه مكتفيا بما يحقق غرضه، فحينما امتشق ابن قتيبة حسامه ليدافع عن المحدثين, وأورد ما قاله المبطلون فيهم ليدحضه ويبطله, ترى البعض ينقل تصويره للشبه التي أوردها ليدفعها على أنها من كلامه تمثل رأيه ووجهة نظره، وليس هذا إلا صنيع من أفتى بتحريم الصلاة متوقفًا على قوله

стр. 147

﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ , وواضح زيف هذا وبطلانه. ولله در أبي هريرة ذلك الصحابي الجليل، ما أكثر ما جنى من حسنات أولئك الذين تطاولوا عليه فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 148

من المكثرين من الرواية "عبد الله بن عمر ": علم من أعلام الرواية، ونجم من نجومها، إنه الناسك العابد، والورع الزاهد عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، وهو شقيق حفصة أم المؤمنين أمهما زينب بنت مظعون. أسلم عبد الله صغيرا، وهاجر مع أبيه, وقيل: قبله, وكان عمره آنئذ إحدى عشرة سنة, وتعين للجهاد, وأمضي له في غزوة الخندق, وكان عمره خمس عشرة سنة، بعد أن رد في بدر وأحد، ومنذ أن أجيز من قبل القائد كانت له مشاركة فعلية في كل المشاهد، وبعد انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى قاتل وجاهد، فكان في جيش اليرموك، وشارك في فتح مصر وشمال أفريقيا. وقد اشتهر بالحرص على الاتباع, وعرف بتحري الإفتاء، وكان يحضر مجالس التحديث, ويسأل عما غاب عنه مما سوغ لمحمد ابن الحنفية أن يقول فيه: "كان ابن عمر حبر هذه الأمة"، وقال عنه ابن مسعود: "إن أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر", وقال جابر بن عبد الله:

стр. 149

"ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به, ومال بها غير عبد الله بن عمر". وقد ورث عن أبيه الجرأة في الحق والشدة فيه وكانت له مواقف عديدة لازم فيها الحق، وجهر به, ولم تأخذه فيه لومة لائم مما جعل أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول فيه مقارنا بينه وبين أبيه: "كان عمر في زمان له فيه نظراء وكان ابن عمر في زمان ليس فيه نظير". وكان مثالا في الورع والتقوى وكثرة العبادة, يقوم أكثر الليل بعد أن سمع هذا الحض والتشجيع: "نعم العبد عبد الله بن عمر لو كان يقوم من الليل"، وكان شديد الخشوع ظاهر الخضوع تغلبه الدموع عند سماع القرآن, فكلما سمع قوله ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ١ غلبه البكاء. ولا عجب فهو ابن عمر, وكان ﵁ لا يصوم في السفر ولا يكاد يفطر في الحضر، وإذا وضع الطعام أمامه لا تمد يده إلا إذا حضر معه على خوانه يتيم. وكان يحرص على اقتفاء النهج القويم للنبي الكريم ﷺ , فيتحرى مبرك ناقته ليبرك ناقته فيه. وأخبار ذكائه مشهورة مستفيضة وأدبه جم مشهود له به, والسؤال عن الشجرة التي لا يسقط ورقها, وأنها مثل المؤمن, ومعرفته بالإجابة, وعدم ذكره لها خير دليل على ذلك.

стр. 150

وقد روى ابن عمر عن النبي ﷺ مباشرة وعن كبار الصحابة؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وأبي ذر ومعاذ وعائشة وغيرهم. وروى عنه خلق كثير منهم: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وبنوه: سالم وعبد الله, وحمزة, وبلال، ومولاه نافع, ومولى أبيه أسلم. وروى عنه كبار التابعين؛ كسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. ومن الطبقة التي بعد هؤلاء روى عنه عبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم, وأخوه خالد، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبير، ومحمد بن سيرين, وغيرهم. وقد اشتهر عبد الله بالتواضع والتسامح والرحمة والكرم، يكثر التصدق بما يشتهيه من الطعام, ويتقرب إلى الله بما يعجبه من ماله، أتته في ليلة عشرة آلاف درهم، فما بات حتى وزعها، وكان في ملجس فأتي ببضعة وعشرين ألفا فما قام من مجلسه حتى فرقها وزاد عليها، وقد ينفد ما معه فيستدين ليعطي ذوي الحاجات. ولرصيده الضخم من الفضائل رشحه بعض الصحابة للخلافة بعد أبيه، فأبى عمر إلا أن يجعلها شورى في ستة ممن مات رسول الله ﷺ , وهو عنهم راض، وقال قولته المشهورة: يكفي آل الخطاب أن يسأل منهم واحد عن أمور المسلمين. واعتزل ابن عمر الفتن وتفرغ للعبادة والعلم، ولذا كان من المكثرين من الرواية.

стр. 151

فقد روى عن النبي ﷺ ألفي حديث وستمائة وثلاثين حديثا، أخرج الشيخان مائتين وثمانين منها، اتفقا على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بواحد وثمانين، ومسلم بواحد وثلاثين، وبقية أحاديثه في الكتب الستة والمسانيد وسائر كتب السنة. وقد ساعده على كثرة الرواية مكان أخته حفصة في بيت النبوة مما يسر له الدخول والخروج على النبي ﷺ ، وكثرة مخالطته له، وتقدم إسلامه وتفرغه للعلم والرواية، ثم طول عمره، فقد توفي سنة ثلاث وسبعين, وقيل: سنة أربع وسبعين عن أربع أو خمس وثمانين سنة١.

стр. 152

ومن المكثرين من الرواية "أنس بن مالك ": هو الصحابي الجليل أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي النجاري, وأمه أم سليم "بضم السين" بنت ملحان وعمه أنس بن النضر، أحد المؤمنين الذين قضوا نحبهم يوم أحد، بعد أن صدق الله ما عاهده عليه، وشم رائحة الجنة خلف أحد, وقاتل واستشهد فما عرف من بين الشهداء إلا ببنانه.

стр. 153

وعم أنس أيضا أبو طلحة الأنصاري من أجلاء الصحابة، تزوج والدة أنس بعد أبيه وكان صداق ما بينهما الإسلام، وضربا معا أروع الأمثلة في الصبر وأحسا بثمرة الشكر حين غزا أبو طلحة وترك ولده مريضا، فلما عاد كان الغلام قد احتضر، ولكن الرميصاء أم سليم والدة أنس كتمت نبأ وفاة ولدها, وهيأت من نفسها ما تهيئ الزوج لزوجها. فلما أصبح الصبح أخبرته الخبر, ثم ذهب إلى النبي ﷺ , ليجد تحفته عنده: "إن الله قد عجب لصنيعكما الليلة, ولعله أن يبارك لكما في ليلتكما". وعمة أنس هي الربيع بنت النضر، وما تنبئ عن فضلها وفضل أسرتها ثابت في الصحيح، ذلك أنها كسرت سن جارية لها، فتحاكما إلى النبي صلى الله عليه سلم، فأبى إلا القصاص، فقال أنس بن النضر: أتكسر سن الربيع يا رسول الله؟ لا والله لا تكسر سن الربيع، فما كان من الجارية إلا أن عفت، فارتفع بعفوها الحد, ثم قال ﷺ : "إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره". فأنس سليل أسرة عريقة في الإيمان، وربيب بيت غاص بالفضائل حتى فاض، لذا كان مليء الوفاض من طيب الخصال، وكريم الخلال، وجميل الفعال. وقد قدر الله له أن ينهل من تلك الفضائل, ويستكثر حين جاءت به أمه إلى النبي ﷺ , فقالت له: غويلمك أنس خذه يخدمك، فعاش في

стр. 154

بيت النبوة، وتربى على مأدبة الله، وأحبه النبي ﷺ ، وعشق أنس تلك الأخلاق السامية التي أحسها ولمسها, فنهج لسانه بالثناء من نحو قوله: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ وما قال لشيء تركته: لما تركته؟ وكان إذا لامه أحد من أهل بيته على ترك شيء دافع عنه ﷺ بقوله: دعوه فإنه لو قدر أو قضى لكان". وقد أخذ أنس عن رسول الله ﷺ الكثير والكثير, ثم استزاد فروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن رواحة وعن فاطمة الزهراء وعبد الرحمن بن عوف, وعن غيرهم من صحابة رسول الله ﷺ . وروى عنه الحسن البصري وسليمان التيمي وأبو قلابة وأبو مجلز وعبد العزيز بن صهيب, وإسحاق بن أبي طلحة, وأبو بكر بن عبد الله المزني, وقتادة بن دعامة السدوسي, وثابت البناني, ومحمد بن سيرين، وأنس بن سيرين، وابن شهاب الزهري, وربيعة بن عبد الرحمن الشهير بربيعة الرأي ويحيى بن سعيد الأنصاري وسعيد بن جبير وخلق كثير غيرهم. وكان أنس كثير العبادة قليل الكلام, قال فيه أبو هريرة: "ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم", وقد استعمله أبو بكر على زكاة البحرين، ثم استقر به المقام في البصرة بعد المدينة، وصار أنس في البصرة محط أنظار أهل العلم.

стр. 155

روي له عن رسول الله ﷺ ألفا حديث ومائتان وستة وثمانون حديثا. أخرج الشيخان منها ثلاثمائة وثمانية عشرة حديثا, اتفقا منها على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثمانين ومسلم بسبعين. وعمر أنس حتى كان آخر الصحابة وفاة بالبصرة، حيث توفي سنة ثلاث وتسعين، قيل: إن الرسول دعا له بأربع دعوات: طول العمر, فعاش حتى ناهز المائة، والبركة في المال حتى كان له بستان يثمر في العام مرتين، وكثرة العيال حتى قيل: إنه رأى مائة من أولاده وأحفاده. وكان يقول: وإني لأنتظر الرابعة ألا وهي دخول الجنة، فرضي الله عن أنس وأرضاه قدر ما قدم للحديث وصاحبه وأسداه١.

стр. 156

و من المكثرين من الرواية "أم المؤمنين عائشة ": هي الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر إحدى أمهات المؤمنين، بنى بها رسول الله ﷺ في شوال بعد وقعة بدر، فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر, وكانت أحب نسائه إليه, وهي الطاهرة التي برأها القرآن الكريم مما رماها به أهل الإفك، إنها الحصان الرزان التي لا تزن بريبة.

стр. 157

وكانت ذكية فطنة نهمة في العلم شغوفة به, وقد سهل عليها مكانها في بيت النبوة واختلاطها بصاحب الوحي معرفة كثير من أحكام الشرع ومقاصده, وإليها يرجع الفضل الكبير في نقل أكثر ما يتعلق بالنساء من أحكام الإسلام, إذ كانت أكثر نسائه ﷺ رواية عنه. وتعد من أفقه الصحابة وقد شهد بعلمها وفقهها الصحابة والتابعون, كما كان لها علم بالطب، قال عنها ابن اختها عروة: "ما رأيت أحدا أعلم بالطب منها", وقال أيضا: "ما رأيت أحدا أعلم بالقرآن, ولا بفرضه ولا بحلال ولا حرام ولا بشعر ولا بحديث العرب والنسب من عائشة". فلا غرابة أن نرى الصحابة والتابعين يلتفتون حولها يتفقهون بها، ويرجعون إليها في أمورهم, وفي هذا يقول قبيصة بن ذؤيب "كانت عائشة أعلم الناس يسألها أكابر الصحابة", وعن أبي موسى قال: ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما. وكانت كريمة صاحبة وقار وهيبة، يحترمها كل من يلقاها وقد كرمها الصحابة والتابعون، روت عائشة ﵂ عن الرسول الكريم الكثير الطيب، وروت عن أبيها وعن عمر وفاطمة وسعد بن أبي وقاص وأسيد بن حضير، وجذامة بنت وهب وحمزة بن عمرو. وروى عنها الصحابة عمر, وابنه عبد الله, وأبو هريرة, وأبو موسى, وزيد بن خالد, وابن عباس, وربيعة بن عمرو الجرشي، والسائب بن يزيد, وغيرهم.

стр. 158

وروى عنها من كبار التابعين القاسم وعبد الله ابنا أخيها محمد، وابن أختها عروة بن الزبير، وبنت أخيها عمرة بنت عبد الرحمن ومواليها أبو بكر وذكوان وأبو يونس. وروى عنها سعيد بن المسيب وعمرو بن ميمون، وعلقمة بن قيس ومسروق والأسود، وكثير غيرهم. وروى لها عشرة أحاديث ومائتان وألفا حديث، وأخرج الشيخان منها ستة عشر حديثا وثلاثمائة، اتفقا على أربعة وتسعين ومائة، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ومسلم بثمانية وستين. وتوفيت عائشة ﵂ سنة ثمان وخمسين، ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان عند أكثرهم, وقال بعضهم: سنة سبع وخمسين١.

стр. 159

و من المكثرين من الرواية "عبد الله بن عباس ": هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم رسول الله ﷺ وأمه أم الفضل، لبابة الكبرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين.

стр. 160

كان يقال له: الحبر والبحر؛ لكثرة علمه, وهو ترجمان القرآن، وهو والد الخلفاء العباسيين, وأحد العبادلة الأربعة, وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وقول الجوهري في الصحاح بدل ابن العاص: ابن مسعود, مردود عليه؛ لأنه منابذ لما قال أعلام المحدثين؛ كالإمام أحمد, وغيره. وقد ولد ابن عباس بشعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقال أحمد: خمس عشرة سنة، والأول هو المشهور. وقد مكنه قربه من النبي صلى الله عليه سلم، ومكان خالته ميمونة عنده من أخذ الكثير والكثير، ثم إنه لم يأل جهدا -بعد وفاة الرسول ﷺ في طلب العلم. فكان يقصد الصحابة ويسألهم، حتى إنه لينتظر الصحابي في قيلولته، فيتوسد رداءه على بابه, والريح تسفي التراب على وجهه حتى يخرج إليه, فيخبره بما أراد. ويقول الصحابي: هلا أرسلت إليّ فآتيك, فيقول: لا أنا أحق أن آتيك. هكذا يكون الحرص على طلب العالم وإجلال أهله، وقد بوأ هذا ابن عباس مكان الصدارة, وعمر مجلسه وحفل بقاصدي العلم والفقه. قال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا كان أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: الحلال والحرام، والعربية، والأنساب، والشعر.

стр. 161

وكان الصحابة يعتزون بعلمه، ويعتبرونه مرجعهم في كل ما يعن لهم من القضايا والفتاوى، وكان عمر شديد الاعتزاز به وكثيرا ما يؤخذ برأيه ويفاخر بعمله الصحابة، وكيف لا وهو الذي ناله هذا الدعاء النبوي المبارك: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" , وعن ذكائه وفطنته وتوقد ذهنه وحسن خبرته حدث ولا حرج، ولذا ولاه على البصرة وكان أحد أعمدته في صراعه المرير. وقد كثر مرويه عن النبي ﷺ لشدة قربه منه ويسر دخوله عليه، وحصول بركة الدعاء له، وشدة ذكائه ونهمه في الطلب, ثم طول عمره. وبلغ ما روى له ألف حديث وستمائة وستين حديثًا، أخرج منها الشيخان مائتين وأربعة وثلاثين حديثا، اتفقا منها على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بمائة وعشرة أحاديث ومسلم بتسعة وأربعين. وقد توفي ابن عباس بالطائف١ سنة ثمان وستين عن إحدى وسبعين سنة أثناء محنة عبد الله بن الزبير, وكان قد كف بصره في آخر عمره وأثر عنه قوله:

стр. 162

إن أذهب الله من عيني نورهما ... ففي فؤادي وعقلي منهما نوري عقلي ذكي وقلبي ما حوى دخلا ... وفي فمي صارم كالسيف مشهور

стр. 163

ومن المكثرين من الرواية "جابر بن عبد الله الأنصاري ": هو أبو عبد الله أو أبو محمد أو عبد الرحمن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي الفقيه مفتي المدينة في زمانه. كان مع من شهد العقبة الثانية من الأنصار، واستشهد أبوه في غزوة أحد، وترك عيالا كثيرين، ودينا مما هم جابرا هما شديدا، فسرى عنه النبي ﷺ , ووساه بعطفه وكرمه، وأحاطه برعايته وعنايته وصدقة المعونة حتى قضى دينه. وكان يحب رسول الله ﷺ ، وشهد معه المشاهد كلها إلا غزوتي بدر وأحد, فإن أباه خلقه على إخوته, ولم يمنع ضيق ذات اليد ولا شظف العيش جابرا من أن يجد في طلب العلم، وأن يكد في تحصيله؛ وأن يرحل في طلب الحديث الواحد. سمع من رسول الله ﷺ الكثير, ورحل بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى إلى القاصي والداني، فروى عن أبي بكر, وعلي, وعن أبي عبيدة, وطلحة, ومعاذ بن جبل, وعمار بن ياسر, وخالد بن الوليد، وأبي هريرة, وأبي سعيد, وعبد الله بن أنيس, وغيرهم. وروى عنه أولاده: عبد الرحمن, وعقيل, ومحمد، وروى عنه سعيد بن

стр. 164

المسيب, ومحمود بن لبيد، وعمر بن دينار, وأبو جعفر الباقر, وابن عمه محمد بن عمر, وابن الحسن، ومحمد بن المنكدر، وعامر الشعبي, وغيرهم، وكان له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه فيها العلم. وقد كان لملازمته النبي ﷺ , وأخذه عن كثير بعده، وطول عمره أثر كبير في كثرة الرواية عنه. وقد روى له ألف وخمسمائة وأربعون حديثا، وأخرج الشيخان منها مائتين واثني عشر حديثا، واتفقا منها على ستين وانفرد البخاري بستة وعشرين ومسلم بمائة وستة وعشرين. وله رواية مطولة في كتاب الحج أخرجها الإمام مسلم في صحيحه، وهو من الصحابة الكاتبين وصحيفته مشهورة, وقد رواها عنه التابعي الجليل والتلميذ النجيب من تلاميذ جابر: قتادة بن دعامة السدوسي. وقد امتد العمر بجابر فعاش حتى بلغ أربعة وتسعين عاما، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وسبعين, وهو آخر الصحابة وفاة بها١. وقيل آخر سهل بن سعد الساهلي.

стр. 165

ومن المكثرين من الرواية "أبو سعيد الخدري ": من الصحابة المكثرين غير الستة المشهورين الصحابي الجليل سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الخدري الأنصاري الخزرجي، المشهور بكنية أبي سعيد الخدري "الخاء" نسبة إلى بني خدرة حي من الأنصار. وقد استشهد والد أبي سعيد في غزوة أحد، فقاس ولده شظف العيش, وقيل: إنه دخل مع أهل الصفة؛ ليتغلب على تلك المعاناة، واستصغر أبو سعيد يوم أحد, ثم شهد أكثر الغزوات بعدها مع رسول الله ﷺ , وشهد بيعة الرضوان, وكان يحضر حلقات الرسول ﷺ , فتحمل عنه الكثير, واستدرك ما فاته منه بأن تحمله من غيره. لذا رأيناه يروي عن رسول الله ﷺ , وعن الأربعة الراشدين وعن زيد بن ثابت وغيرهم من الصحابة. وروى عنه من الصحابة ابن عباس, وابن عمر, وجابر, ومحمود بن لبيد، وأبو أمامة بن سهل, وأبو الطفيل، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي وطارق بن شهاب وغيرهم، وممن بعدهم عطاء, وعياض بن أبي سرح, ومجاهد, وغيرهم. روي له ألف ومائة وسبعون حديثا، وأخرج له منها الشيخان مائة وأحد عشرة حديثا، اتفقا منها على ثلاثة وأربعين وانفرد البخاري بستة عشر، وسلم باثنين وخمسين.

стр. 166

وعرف أبو سعيد باستقامته الشديدة، وحرصه على الحق, فكان يصدع له ويجاهر به، ولا يخشى في الله لومة لائم، وهو الذي روى حديث: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده" , وطبقه عمليا حين جذب مروان بن الحكم من ثوبه عند تغييره السنة بتقديم خطبة العيد على الصلاة. وتوفي أبو سعيد بالمدينة سنة أربع وسبعين وسنه ستة وثمانون عامًا١.

стр. 167

من المكثرين من الرواية عبد الله بن عمرو العاص ... ومن المكثرين من الرواية "عبد الله بن عمرو بن العاص": هو أحد العبادلة الفقهاء، وقد أسلم قبل أبيه, ثم هاجر قبل الفتح, وكان زاهدا عابدا يكثر من الصلاة والصوم، وهو أحد الرهط الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ الخفية كي يقتدوا بها. وكان شديد الحرص على الاقتداء بالنبي ﷺ ، مكثرا من التعبد إلى حد أن رسول الله ﷺ رخص له في أشياء، فشدد هو على نفسه، وفارقه رسول الله ﷺ على عبادة ثقلت عليه فيما بعد، لكنه كره أن يترك ما فارقه عليه الرسول من العبادة، وكان يقول: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ . قيل: إنه كان يصغر أباه بأحد عشرة عاما، ومع ذلك كان مفضلا على أبيه

стр. 168

مقدما عليه، وقد كان ﵁ خيرًا جوادًا معطاء متواضعا، مقبلا على شأنه، يكره الفتن، وقد لام أباه على تحيزه لفئة معاوية، وكره مخالفته خوف العقوق، فحضر معه موقعة صفين، لكن لم يكن فيها من المقاتلين، وإنما أغمد سيفه، وقد أصاب جملة من كتب أهل الكتاب، وأدمن النظر فيها ورأى فيها عجائب. وقد خلف له أبواه أموالا عظيمة, وكان له عبيد وخدم, وله بستان بالطائف يسمى الوهط قيمة ألف ألف درهم، ولعله هو الذي أشار إليه بقوله: والله ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط، والصادقة هي الصحيفة التي كتب فيها ما سمعه من رسول الله ﷺ بعد أن استأذنه في الكتابة فأذن له، وقيل: إن الوهط حديقة كان قد وقفها أبوه على الفقراء وكان هو يقوم على رعاية حقوقهم فيها. وقد قدم مصر مع أبيه، وطاب له فيها المقام، وحمل عنه المصريون علمًا كثيرًا. وروى عبد الله عن كثيرين من الصحابة منهم عمر, وأبو الدرداء, ومعاذ, وعبد الرحمن بن عوف. وروى عنه عبد الله بن عمر, والسائب بن يزيد, وابن المسيب، وطاوس, وعكرمة, وعروة, ومسروق, وغيرهم. وروى له سبعمائة حديث، أخرج له الشيخان منها خمسة وأربعين، اتفقا على سبعة عشر, وانفرد البخاري بثمانية, ومسلم بعشرين، وأصح

стр. 169

الأسانيد عنه رواية حفيده عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر. وقد اختلف في سنة ومكان وفاته١. فقيل: توفي سنة ثلاثة وستين, وقيل: سنة خمس وستين بالشام أو بمصر أو بالطائف أو بمكة, المهم أنك ترى إكثاره من الرواية نسبيا إن قسته بمن هو أقل منه، فأين هو ممن هو أكثر رواية؟ كأبي هريرة الذي صح عنه قوله: "ما من أصحاب النبي صلى الله عليه سلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو, فإنه كان يكتب ولا أكتب"٢. وقد استفيد من كلام أبي هريرة هذا بأنه كان جازما بنفي أن يكون في الصحابة من أكثر حديثا منه إلا عبد الله بن عمر. فماذا يعني الاستثناء؟ والحال أن ما روي عن أبي هريرة يقارب ثمانية أضعاف ما روي عن ابن عمرو، فإن قلنا: الاستثناء منقطع فلا إشكال، إذ التقدير: لكن الذي كان من عبد الله, وهو الكتابة لم يكن مني، سواء لزم منه كونه أكثر حديثا لما تقتضيه العادة أم لا.

стр. 170

وإن قلنا الاستثناء متصل، فالإشكال حاصل لعدم تحقق خبر أبي هريرة الصحيح ومطابقته للواقع، وينزاح الإشكال بأن نقول: إن أبا هريرة نظر لقضية الأخذ والرواية والكتابة، ولم ينظر إلى الأداء، وما اطلع الغيب ليعلم أن ما ينقله الرواة عنه سيكون أكثر مما ينقلونه عن ابن عمرو، وإنما وقف على حال الأمر, وهو أن ابن عمرو، كتب الكثير وأخذ. بقي أن يفحص عن أسباب قلة المروي عنه لا أن يشكك في خبر أبي هريرة. وأهم تلك الأسباب التي أدت إلى قلة الرواية عن عبد الله بن عمرو نسبيا عمن زاد عنه يتمثل فيما يأتي: ١- كان عبد الله مشتغلا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم. ٢- كان أكثر مقامه بمصر أو بالطائف, ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات, ويتضح هذا من كثرة من حمل عنه كما مر بك. ٣- ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي ﷺ بأن لا ينسى ما يحدثه به. ٤- كان عبد الله قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين. وهنا يظهر صدق حدس هذه الأمة ويقظة ضميرها وانتباهها في الرواية وتمييزها بين الغث والسمين، فلتخرس ألسنة الأفاكين الذين يريدون النيل من الحديث والمحدثين من خلال انتقاص رواته الأولين.

стр. 171

ولتتساقط كل الدعاوى الباطلة التي يزعم مدعوها أن بعض الصحابة خدع بالإسرائيليات, وخالت عليه نُقول كعب الأحبار ووهب بن منبه من كتب أهل الكتاب, وتناقلوها على أنها أحاديث عن النبي ﷺ . والعجيب أن أبا رية كتب مقدمة عن "الإسرائيليات في الحديث" بدأها بداية موفقة, حين نقل أخبار الوضع والوضاعين وردود الأئمة عليهم وانتصابهم لكشف زيغهم، ثم علل لظهور الإسرائيليات وهدفها، ثم انحدر إلى الهاوية حين اتهم الصحابة بترويج تلك الإسرائيليات والانكباب عليها، وراح يسف في نقد كعب الأحبار ووهب بن منبه، وليته وقف عند هذين بل تجاوزهما إلى الصحابي الجليل عبد الله بن سلام، وراح يتخبط, فانتقد حديثا رواه البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو في صفة النبي ﷺ , وأنه موصوف في التوراة ببعض صفاته في القرآن؛ "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، بل يعفو ويغفر، لا يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: "لا إله إلا الله" ويفتح بها أعينا عميا, وآذانا صما, وقلوبا غلفا". ثم يذكر عن ابن كثير أن ابن يسار سأل كعب الأحبار عن هذا الحديث فما اختلف فيه مع عبد الله في حرف واحد، وكيف يختلف فيه وهو راوية.

стр. 172

ولا أدري؛ كيف ساغ لهذا الرجل أن يشكك في هذا الحديث الذي يتطابق مع القرآن؟ ألم يقرأ قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ... الآية والتي بعدها؟ ثم أين قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ؟ ١.

стр. 173

كلمة عن الإسرائيليات وموقف الصحابة منها والرد على المتقولين: يمضي أبو رية في هذا المهيع، في خلط مريع بين الحق والباطل, ولبس للهدى بالضلال مستغرقا نحوا من ثمان وثلاثين صفحة١. ينقل عن الأستاذ أحمد أمين في ضحى الإسلام، وعن ابن خلدون في مقدمته ما يفيد ذم الإسرائيليات, ويظهر خطرها والنقل عنها وانخداع البعض بها، ولا أحد يقبل الإسرائيليات على إطلاقها, ولا يستطيع أحد أن يهون خطرها؛ لكن الذي يجب أن يعلم هو أن الإسرائيليات يمكن أن يحكم عليها من خلال الصحيح الذي بين أيدينا, وأن مسلمة أهل الكتاب ليسوا جميعا سيِّئِي النية، خبيثي الطوية, وأن الثلاثة الذين انتقصهم لا يسلم له انتقاصهم. وقد صح إباحة التحديث عن بني إسرائيل على ما مضى: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" , وصح النهي عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم.

стр. 174

وأمرنا أن نقول: ﴿آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١. ونستطيع أن نقسم الأخبار المنقولة عن مسلمة أهل الكتاب إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذلك صحيح. ثانيها: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه, وهذا باطل يحكم برده؛ ويمثل للأول بحديث ابن عمر السالف الذكر، ويمثل للثاني بالكثير من سفاهات اليهود وضلالتهم في نقولهم على الله ما لا يليق به، أو وصفهم له تعالى بما تنزه عنه، وكذا ترهاتهم وفظائعهم التي رموا بها الأنبياء مما يتنافى مع عصمتهم -عليهم صلوات الله وتسليماته- كنسبة لوط إلى السكر والزنى، وقل أن يسلم نبي عندهم من مثل هذا. ثالثها: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به، ولا نذكبه، وتصح حكايته وذلك كقصة البقرة التي أمروا بذبحها, فقد سكت القرآن عن ثمنها, وإن كان قد تعرض لتحديدها في ضوء استفساراتهم، وذكر علة ذبحها. وقد بذل المحدثون جهدًا مشكورًا في نقد الإسرائيليات وتمحيصها, ورد ما تأباه أصولنا، وبلغ من شدة تحريهم ونقدهم، وحرصهم على تجلية الحق أنهم قالوا: إن قول الصحابي إذا كان في شيء لا مجال للرأي فيه يأخذ

стр. 175

حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه سلم بشرط أن لا يكون ذلك الصحابي ممن عرف بالأخذ عن الإسرائيليات، فإن كان كذلك توقفنا في الحكم على قوله. وقد رأينا كيف أحجم التابعون عن روايات عبد الله بن عمرو فلم ينقلوا منها إلا القليل؛ لشغفه بمطالعة كتب أهل الكتاب. ومن الجدير بالذكر أن المنقول في الإسرائيليات يدور حول أخبار الأمم السابقة وقصصهم, ولا تعلق له في الأعم الأغلب بالأحكام أو العقائد, اللهم إلا جزء يسير يتعلق بالنبوات, وغالبا ما يظهر عليه ما يقتضي رده ورفضه. بقي أن نتعرف حال الثلاثة الذين نال منهم أبو رية، بل ونال من الصحابة من خلال نيله منهم. قال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في الدفاع عن ابن سلام ووهب وكعب: "أما عبد الله بن سلام فصحابي جليل أسلم مقدم النبي ﷺ المدينة، وشهد له النبي ﷺ بالجنة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره, وحدث عن النبي ﷺ قليلا جدا، وقلما ذكر عن كتب أهل الكتاب, وما ثبت عنه من ذلك فهو مصدق به حتما, وإن لم يوجد في كتب أهل الكتاب الآن, إذ قد ثبت أن كثيرا من كتبهم انقرض, ولا يسيء الظن بعبد الله بن سلام إلا جاهل أو مكذب لله ورسوله. وأما وهب بن منبه فولد في الإسلام سنة ٣٤هـ وأدرك بعض الصحابة

стр. 176

ولم يعرف أن أحدا منهم سمع منه أو حكى عنه، وإنما يحكي عنه من بعدهم، وأما كعب فأسلم في عهد عمر وسمع منه, ومن غيره من الصحابة, وحكى عنه بعضهم وبعض التابعين. ثم يقول بعد ذلك: وأما ما رواه كعب ووهب عن النبي ﷺ فقليل جدا، وهو مرسل لأنهما لم يدركاه، والمرسل ليس بحجة، وقد كان الصحابة ربما توقف بعضهم عن قبول خبر بعض إخوانه من الصحابة حتى يستثبت, فما بالك بما يرسله كعب، فأما وهب فمتأخر وأما ما روياه عن بعض الصحابة أو التابعين فإن أهل العلم نقدوه كما ينقدون رواية سائر التابعين، أقول: لكعب الأحبار ترجمة في تهذيب التهذيب. وليس فيها عن أحد من المتقدمين توثيقه، إنما فيها ثناء بعض الصحابة عليه بالعلم، وكان المزي علم عليه علامة الشيخين مع أنه إنما جرى ذكره في الصحيحين عرضا, لم يسند من طريقه شيء من الحديث فيهما, ولا أعرف له رواية يحتاج إليها أهل العلم. فأما ما كان يحكيه عن الكتب القديمة, فليس بحجة عند أحد من المسلمين، وإن حكاه بعض السلف لمناسبته عنده لما ذكره في القرآن. وبعد فليس كل ما نسب إلى كعب في الكتب بثابت عنه، فإن الكذابين من بعده قد نسبوا إليه أشياء كثيرة لم يقلها، وما صح عنه من الأقوال ولم يوجد في كتب أهل الكتاب الآن ليس بحجة واضحة على

стр. 177

كذبه، فإن كثيرا من كتبهم انقرضت نسخها, ثم لم يزالوا يحرفون ويبدلون"١. هكذا بان لنا سلامة مقف الصحابة رضوان الله عليهم من كعب وأمثاله، بل وسلامة موقف كعب ووهب وانحراف الطاعنين عليهما وبهما فيمن تنزهت ساحته عن الطعن. على أن الذين ترجموا لكعب ووهب أجمعوا على أنه لا رواية لكعب في الصحيحين, وإنما ذكر اسمه في معرض ثناء معاوية ﵁ عليه بقوله: "إن كان لَمِنْ أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب, وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب", قال الحافظ ابن حجر: "قلت: هذا جميع ما له في البخاري, وليست هذه برواية عنه", ثم قال: "وقد وقع ذكر الرواية عنه في مواضع في مسلم في أواخر كتاب الإيمان, وفي حديث معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: "إذا أدى العبد حق الله, وحق مواليه, كان له أجران" , قال: فحدثت به كعبا, فقال كعب: "ليس عليه حساب, ولا على مؤمن مزهد"٢.

стр. 178

وقال البخاري في البيوع بعد رواية فليح عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن عمرو في صفة النبي ﷺ , تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال، وقال سعيد يعني ابن أبي هلال عن هلال عن عطاء عن ابن سلام, ورواية سعيد ذكرت في تعليق التعليق"١. وهاك رواية في مسلم ترد على المتخرصين, المتقولين بالباطل على كعب, وأمثاله حول مدى تأثيرهم على الصحابة، فالحق أن الصحابة هم الذين أثروا, وهم الذين رووا, وحدثوا, فقد روى مسلم في صحيحه بسنده "أن أبا هريرة قال لكعب الأحبار: إن نبي الله ﷺ قال: "لكل نبي دعوة يدعوها, فأنا أريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" , فقال كعب لأبي هريرة: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال أبو هريرة: نعم"٢. وعلى هذا النحو تمضي الروايات الصحيحة عن كعب, فماذا فيها مما يوجب هذا التقريع كله للصحابة على نقلهم عنه؟ وما جريرة كعب؟ وما ينقم المتهجمون؟ أأن كان يهوديًّا فأسلم فكان ممن يؤتيهم الله أجرهم مرتين؟ ذكره ابن سعد٣ في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام, وقال: كان على دين

стр. 179

يهود فأسلم, وقدم المدينة, ثم خرج إلى الشام, فسكن حمص حتى توفي بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان, وقيل: سنة أربع وثلاثين. وقد ذكر ابن سعد قصة إسلامه, وفحواها أن أباه أعطاه كتابا مختوما, وأوصاه أن لا يفض ختمه، فلما توفي أبوه دار في خاطره أن في الكتاب سرًّا ففتحه, وقرأ ما فيه من أوصاف النبي الأمي وأمته, فأسلم. وكان ذلك جوابه على من سأله عن تأخر إسلامه، وقد بالغ أبو رية في استبعاد هذه القصة واستغرباها, ورمى كعبا باختلاقها، ولا غرابة في هذا, بل الغرابة كل الغرابة في استبعاد ما قرره القرآن, ورمي البرآء بالإفك والبهتان. والأعجب والأغرب أن تضيع مقاييس الزمان, فيكون التابعي "وهب بن منبه" واحدًا ممن رمى الصحابة بالأخذ عنهم, وتنوقلت الإسرائيليات بواسطتها.

стр. 180

فمن وهب ومتى ولد وما رأى علماء الجرح التعديل فيه ... فمن وهب؟ ومتى ولد؟ وما رأي علماء الجرح والتعديل فيه؟ إنه: وهب بن منبه بن كامل اليماني الصنعاني، ولد آخر خلافة عثمان سنة أربع وثلاثين, فلقي كثيرا من الصحابة, وروى عنهم كأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وابن عمرو وجابر وأنس. وروى عن التابعين؛ كعمرو بن شعيب, وأبي خليفة البصري, وهمام بن منبه أخي وهب. وروى عنه ابناه: عبد الله وعبد الرحمن، وابنا أخيه: عبد الصمد وعقيل ابنا معقل, وعمرو بن دينار, وروى هو أيضا عنه.
следующие страницы →