وعلى شاكلة ضمام قدمت الوفود من السهول والآكام، بل ومن كل مكان تطلب, وتتلقى وتعود إلى قبائلها مبشرة بالدين الجديد, وبذا ذاعت السنة وشاعت وطبقت الآفاق, واشتهرت وانتشرت في كل مكان, وكان وراء انتشارها واشتهرها عوامل نوجزها لك فيما يأتي.
стр. 72
عوامل وأسباب انتشار السنة في العهد النبوي:
لم ينتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا والسنة مشهورة منشورة في جزيرة العرب وخارجها.
أما جزيرة العرب؛ فقد دخل أكثرها في دين الله أفواجا، وأما خارج الجزيرة؛ فقد ترامت إليهم الأخبار الكثيرة عن هذا الدين الجديد, ووصلت كتبه ﷺ ورسله إلى قصور كسرى وهرقل والمقوقس وأمراء الحيرة وغسان, وغيرها من البلدان, مما يطمئن الباحث معه إلى أن يقول: إن السنة قد انتشرت, وملأت الآفاق, وصاحبها ما زال بعد يصدع بأمر ربه, ويبلغ ما أوحي إليه.
وقد كانت هناك عوامل وراء انتشار السنة أهمها:
١- نشاط النبي صلى الله عليه سلم, وجده, واجتهاده في تبليغ الدعوة، فما ترك سبيلا إلى نشرها إلا وسلكه, وما وجد بابا يمكن أن يفتح أمامها إلا وطرقه، عرض نفسه على القبائل، غير آبه بما لاقى من صنوف الأذى، ويا لهولِ ما لاقى، فما وهن لما أصابه في سبيل الله، وما ضعف, وما استكان، وإنما صبر, وثابر، وجاهد في الله حق جهاده، وأتقن, وأحسن، فأنجز له الوعد
стр. 73
المبذول ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ , فوجدت دعوته طريقها إلى قلوب الناس, وتبوأت السنة مكانتها عند المسلمين المستجيبين لما دعوا إليه.
٢- طبيعة الإسلام ونظامه الجديد، الذي جعل الناس يتساءلون عن أحكامه وعن رسوله وأهدافه، فكان بعض من يسمع بالدعوة يقبل على رسول الله ﷺ يسأله عن الإسلام, فيعلن إسلامه, وينطلق إلى قومه ليبلغهم ما رأى, ويخبرهم ما سمع.
٣- نشاط أصحاب النبي ﷺ في تلقي السنة, واندفاعهم في طلب العلم, وحرصهم على كل ما يصدر عن معلمهم حرص الضنين، وقد مر الكثير من صور تكريمهم له, وتهافتهم على وضوئه, وأتمارهم بأمره، وابتدارهم إلى طاعته.
٤- دور أمهات المؤمنين:
لا شك أنهن قمن بدور بارز في نشر السنة وتبليغها, وأسهمن بنصيب موفور في تبليغ الدين إلى نساء المؤمنين, فمعلوم أن هناك مسائل كثيرة تستحيي المرأة أن تستبينها من الرجل، وقد علم أنهن شكون كثرة مجالسة الرجال له, فقلن: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما فخصهن بيوم، ثم كان تقدير الله واختياره نساء نبيه, مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات عالمات محدثات مشتهرات بالحرص على ذكر ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وشاءت حكمة العلي القدير كثرة عددهن، فاجتمعن في عصمته, وبلغن تسع نسوة، ونبغ منهن الكثيرات.
стр. 74
فعرفت الصديقة بنت الصديق بسعة العلم, ورحابة الأفق, والسؤال عن كل شيء, ومراجعة الحكم للتثبت منه، واشتهر عن السيدة الجليلة أم سلمة اللباقة وحسن التصرف، واشتهرت السيدة زينب بنت جحش بالنسك وكثرة العبادة، وما أعظم بركة جريرة بنت الحارث على ذويها.
٥- النساء الصحابيات شاركن بدور في تبليغ السنة, لا يقل على دور الصحابة, واضطلعن مع أمهات المؤمنين بتبليغ أحكام الدين, وحفظ ما يخص النساء، ولا سبيل إلى خبرة الرجال به، وما أكثر ما نقرأ في السنة من تساؤلات واستفسارات ومناقشات نسائية, وقضايا فرضت نفسها على الفقه الإسلامي, ونبأ ذلك كله مستفيض.
٦- ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار السنة؛ الرسل الذين بعثهم رسول الله ﷺ إلى القبائل، وإلى الملوك والأمراء، وغالبا ما أرسل معهم كتبا يبين فيها جوهر دعوته، ويدعو إلى متابعته فما أن استقرت الأمور في المدينة المنورة، حتى خرج أولئك الرسل يطوفون البقاع, ويجوبون الأسقاع محملين بزاد روحي ومزودين بمنهج متكامل وبطاقة حماسية، فهم ميسرون لا معسرون, ومبشرون لا منفرون, على نحو ما أمر معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري حين أرسلا إلى اليمن, وهم عادلون لا جائرون، وبلغاء وليسوا عيياء، وقد اشتهر العام السابع من الهجرة بإرسال الكتب، فبعد صلح الحديبية, ووضع الحرب بين المسلمين, وبين أعدائهم, كانت الفرصة سانحة لتحرك سياسي محسوب, وفي يوم واحد انطلق ستة نفر إلى جهات مختلفة يتكلم كل واحد بلسان القوم الذين بعث إليهم.
стр. 75
فقد اشتهر أنه راسل رسله إلى قيصر الروم، وإلى أمير بصرى، وإلى الحارث بن أبي شمر أمير دمشق, ومن قبل هرقل, يدعوهم إلى الإسلام، كما وجه كتبه إلى النجاشي ملك الحبشة, وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، وأرسل كتبه ورسله إلى عمان واليمامة وغيرها.
وكان الرسل يجيبون عما يسألهم عنه الملوك والأمراء ورؤساء القبائل, ويبينون لهم الإسلام وغاياته على ضوء ما يزودهم به الرسول ﷺ من التوجيه والإرشاد، وكان ﷺ يولي على كل قوم قبلوا الإسلام كبيرهم، ويمدهم بمن يفقههم ويعلمهم.
٧- الفتح الأعظم:
بعد أن نقضت قريش عهدها مع النبي ﷺ , وأعانت بكرا على خزاعة, فبيت الخزاعيون بالوتير هجدا, وقتلوا ركّعا وسجّدا, وقدر الله المخرج للمضطهدين في مكة، الذين لا يجدون سبيلا للفرار بدينهم, ويبقيهم الحرص على الوفاء مكبلين في أغلال الظلم والصف القرشي, فسار النبي ﷺ في جيش عرمرم قوامه عشرة آلاف مجاهد, لم تشهد له جزيرة العرب قبل ذلك نظيرا، ودخل مكة فاتحا منتصرا فرحا مستبشرًا بنصر الله والفتح المبين، وخطب في جموع الذين آذوه وطردوه, وشملهم بعفوه وصفحه الجميل، واشتهرت خطبة الفتح بما أرسته من دعائم, وأصلته من قواعد؛ كنهيه عن أن يقتل مسلم بكافر، وعن أن يرث المسلم الكافر, وعن أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها, وكتغليظه حرمة مكة, وزجره
стр. 76
من نادى على ذلك اليوم أنه "يوم الملحمة" يوم تستباح فيه الحرمة, لكن الرءوف الرحيم اعتبره يوم المرحمة، ويوم تعظيم الحرمة, ولقد أذن يوم الفتح بدوال دولة الكفر، وسقوط معقل المناوأة والمجابهة للدين الجديد.
٨- الوفود:
كان فتح مكة في رمضان من السنة الثامنة, وبعده حنين في شوال من نفس السنة, ثم عاد النبي ﷺ إلى المدينة, واستقبل فيها سنة تسع, تلك السنة التي عرفت بعام الوفود لكثرة الوفود التي وفدت على المدينة وجاءت من داني المكان وقاصيه, تتزود بتعاليم الدين الجديد وتتعلم أحكامه.
وكان من هذه الوفود من يقيم عند النبي ﷺ الليالي ذوات العدد, ثم يقفلون عائدين إلى قومهم منذرين, وقد وقفت على نبأ الوفد الذي تزعمه ضمام بن ثعلبة.
ومن الوفود التي قدمت المدينة وطار نبؤها, وعمرت برواية خبرها وفد عبد القيس، ووفود بني حنيفة وطيئ وكندة وأزدشنوءة، ووفد ملوك حمير ووفد همدان.
والحديث عن الوفود وأثرها في نشر السنة طويل.
стр. 77
٩- حجة الوداع:
لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق, وأنجز له ولصحبه الوعد الصدق، فمكنهم من دخول البيت آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين, وأظهر لهم مكنون ما لا سبق لهم بعلمه، فمكنهم من أداء الحج, وصحبت النبي ﷺ في هذه الحجة جموع غفيرة، وخطب خطبته الجامعة في يوم الحج الأكبر، يوم أن أكمل الله دينه وأتم نعمته ورضي الإسلام لهذه الأمة دينا، أبان النبي ﷺ في خطبة يوم عرفة الكثير من الأحكام منها: حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم كحرمة الزمان والمكان، ومنها: وجوب أداء الأمانة ووضع ربا الجاهلية, وتحقيقا لمبدأ المساواة بين الناس كان أول ربا وضعه ربا عمه العباس، ومنع النسيء والتأخير للشهر الحرام تأكيدا لما قرره الكتاب، وبين حقوق الرجال والنساء, وحض على حسن معاملتهن والترفق بهن، وأكد على أهمية ما أبانه من أحكام, ووجوب تبليغه إلى الأنام بقوله: "ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه" ١.
وفي رواية: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب ... ألا هل بلغت, ألا هل بلغت" ٢.
стр. 78
هكذا انتشرت السنة في العهد النبوي، وأخذ تبليغها الطابع التكليفي, فإيصالها إلى الغير أمانة يجب أن تؤدى إلى أهلها، ويستحق مؤديها الثناء عليه لرعايته إياها وحفظها.
وصار الصحابة هم الأمناء عليها, ترى هل كانوا أهلا لتلك الأمانة؟ أم مضيعين لها؟ ذلك ما لا يقوله عاقل, إذ إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ما كانوا قط مضيعين ولا مفرطين أو مقصرين أو مُحْدِثين مبتدعين، وإنما كانوا المتبعين المقتدين الراعين للأمانة والمؤدين لها، الحريصين على التبليغ المتحوطين في النقل المتثبتين في العمل والقول، فكيف كان حالهم مع الحديث أو مع السنة؟ وما هو الدور الذي تمادوا في أدائه؟ وما طريقتهم في الأخذ والإعطاء لها؟ ذلك ما سنتبينه في المبحث التالي: السنة في عهد الصحابة.
стр. 79
المبحث الثاني: السنة في عهد الصحابة
مدخل
...
المبحث الثاني: السنة في عهد الصحابة
لما أشرقت شمس الهداية الإلهية، وتألقت أنوار التجليات الربانية بالعناية والرعاية للبشرية، وبعث الله نبيه محمدا ﷺ بالرسالة الخاتمة، وأنزل عليه الكتاب المهيمن على ما بين يديه من الكتب المصدق لها، وتكفل المولى بحفظ ذلك الكتاب، اجتمعت القلوب والألباب حول الرسالة وصاحبها, وأدرك المؤمنون الصلة بين الكتاب المنزل وبين أقوال وأفعال وصفات وتقريرات النبي المبلغ, فقد علمهم ربهم أن طاعة رسول الله ﷺ من طاعة الله، وأن متابعته متابعة له ومبايعته مبايعة له, وأدركوا أنه المبين عن الله ما أراده من خلقه.
فقد بين لهم كل ما احتاج إلى بيان، وقبلوا هم منه في ثقة واطمئنان، ولم يخطر ببال أحد منهم أن يترك قولا أو فعلا أو أمرا أو نهيا من غير أن يلتزم به, وهذا الالتزام مبعثه الاقتناع التام, وهو التزام بالحكم باق بقاء الأحكام, ولا معنى لتعلقه بالأشخاص، فما كان الله ليأمر بطاعة نبيه ﷺ في حياته فحسب، وإنما كانت الطاعة مبدأ كما كان الالتزام كذلك, والمبادئ لا تموت, ومن أبرز سماتها الاستقرار والثبوت، ولهذه المبادئ رجالها الذين يعتنقونها, ويلتزمون بها, ويموتون دونها، ولو وضعت الشمس في أيمانهم والقمر في شمائلهم على أن يتخلوا عنها ما تركوها، وما ازدادوا إلا تمسكا بها.
стр. 80
ولم يعرف ولن يعرف أناس أشد ارتباطا بمبادئهم من أصحاب رسول الله ﷺ , بينما كان المصاب الجلل فيه يملك عليهم أحاسيسهم, ويكاد يفقدهم صوابهم, والعواطف المتأججة بالحزن تملأ قلوبهم, وهو ﷺ مسجى بغطاء الموت، وما أطيبه حيا وميتا, بينما الحال كذلك إذ بهم يجتمعون في ثقيفة بني ساعدة؛ ليدبروا أمر استمرار المسيرة الرائدة، وتجتمع الكلمة على أبي بكر من منطق أنه الصديق خير رفيق، فهو ثاني اثنين, وهو المأمور بتقديمه للإمامة، ويتولاها أبو بكر قويا على أعبائها أمينا على مسئولياتها, فهو المتبع المقتدى.
فإذا ارتد أكثر العرب, واشرأب النفاق في المدينة أَبَى أبو بكر إلا أن ينفذ بعث أسامة من منطق أنه أمر أمضاه رسول الله ﷺ , وما يكون له أن ينقض ما أمضى، وإذا عرض عليه المرتدون إسلاما بصلاة من غير زكاة, ولم تطب نفوسهم بأداء حق الله أبى إلا مقاتلتهم، فإذا عورض بأنهم موحدون قالوا: لا إله إلا الله, وبقولها تعصم دماؤهم وأموالهم إلا بحقها.
أقسم بارا غير حانث ليقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة، واعتبر الزكاة حق المال, ولو منعوه عناقا أو عقالا كانوا يؤدونه إلى النبي ﷺ لقاتلهم عليه.
وينشرح صدر الجميع لما انشرح له صدر أبي بكر، ويمضي الصديق في طريق حسن الاتباع متجنبا الابتداع، فإذا أتته فاطمة الزهراء تسأل
стр. 81
عن نصيبها في أبيها، ما كان له ليجامل في دين الله, أو يداهن, أو يصانع, أو يلاين. وإذا كان منطق أسوته أنها لو سرقت لقطع رسول الله أبوها ﷺ يدها, فإن أبا بكر يعلمها أن ما من طعمة يطعمها الله نبيه إلا كانت صدقة من بعده، وأن معاشر الأنبياء لا يورثون, وأن ما تركوه صدقة.
وإذا أمر الصديق خالد بن الوليد قائدا للجيوش التي تقاوم المرتدين وتعيدهم إلى حظيرة الدين، ثم قائدا لجيوش الفتح العظيم لبلاد الروم, فمن منطق أنه سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه، وأنه نعم أخو العشيرة هو, ومن هنا حق له أن يهدد به, ويتوعد: لينسين به الروم وساوس الشيطان.
ولما عرض الفاروق على الصديق جمع القرآن استصعب أبو بكر هذا الأمر واستثقله من منطق حرصه على الاتباع، فكيف يقدم على عمل لم يعمله رسول الله ﷺ ؟
ومضى الحال على ذلك في أمورهم, وفي جميع ما عرض لهم من قضايا سواء اتصلت اتصالا مباشرًا بالأحكام الشرعية؛ كقضية فاطمة بنت قيس وميراث الجدة، أو كان اتصالها بالأحكام غير مباشر.
وانظر إلى الحال نفسه مع الفاروق عمر, وهو من هو شدة في الحق وصلابة في التمسك به, وقوة عريكة في مجابهة مخالفيه, كان أقوى المعارضين للصديق في حرب المرتدين، مما حمل أبا بكر على أن يقول له: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام، وما كان ذلك من عمر خورًا ولا ضعفا, وإنما
стр. 82
كان حرصًا على الاتباع, ولما طعن بيد الغدر, وهو يصلي الفجر, قيل له: ألا تستخلف؟ فقال بلسان الاقتداء ردًّا على من طلب منه الإيصاء بالأمر إلى من يراه أهلا لتحمل الأمانة, قال الفاروق: إن أترك فقد ترك من هو خير مني يقصد رسول الله ﷺ حيث انتقل إلى الرفيق الأعلى من غير تحديد للخليفة بعده, وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، يقصد أبا بكر الذي عهد بالخلافة إليه.
ويمضي الحيي الكريم ذو النورين على سنن الخليفتين قبله, يأكل كما كان يأكل النبي ﷺ , ويطعم مثل ما كان يطعم, ويتوضأ مثل وضوئه، ثم يقول: توضأت وضوء النبي ﷺ , وأكلت طعامه، وقعدت مقعده، ويحرص على إظهار السنة, فإذا قدر الله للفتنة أن تطل برأسها, فمكن دعاتها من إثارة نارها وتأجيج أوارها، وراح عبد الله بن سبأ عدو الله اليهودي الخبيث الذي تظاهر بمتابعة هذا الدين، وانطوى قلبه على حقد دفين، يهيج مشاعر الناس ضد الخليفة, ويمكن موجات الغضب من رؤوس الغوغاء, فيتكاثرون على المدينة, ويقتلون الخليفة عثمان وهو يقرأ القرآن الذي كان له معه موقف يحمد بكل لسان, وإذا حدث ذلك كله فالناس بعد ما زالوا بخير, وما زال فيهم القائمون على الحق، المنصورون على من خالفهم.
فإذا خرج الزبير وطلحة مع عائشة مطالبين بدم عثمان، ولقي جيشهم جيش علي ﵁ كانت السنة تتوقد في قلوب القاطبة، فأصحاب الجمل يرون أنهم يؤازرون الحق ويتكلمون به، ولا يسكتون عنه حتى لا يكونوا شياطين بكما, وأمير المؤمنين علي يرى التريث في الأمر, ولأن يخطئ الأمير
стр. 83
في العفو خير وأحب إلى الله من أن يخطئ في إقامة الحد، وإذا ذكر الزبير الحواري بحديث النبي ﷺ : "تقاتل عليا وأنت له ظالم" , إذا ذكر بذلك رجع لتوه.
وإذا احتدم النزاع بين علي ومعاوية، تحكمت السنة أيضا في الأعم الأغلب وذكر بعضهم بعضا بها.
وأمثلة حسن اتباع الصحابة للسنة وتقفيهم أثرها في شأنهم كله ما جل منه وما قل كثيرة, وهاك مثلا يستدل به على ما كان منهم من حسن متابعة وإصرار على الطاعة. روى ابن ماجه "أن عبادة بن الصامت الأنصاري، النقيب صاحب رسول الله ﷺ غزا مع معاوية أرض الروم, فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير, وكسر الفضة بالدراهم.
فقال: يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا! سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل, لا زيادة بينهما ولا نظرة" , فقال له معاوية: يا أبا الوليد، لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة, فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله ﷺ , وتحدثني عن رأيك؟ لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك عليّ فيها إمرة، فلما قفل لحق بالمدينة، فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، وما قال من مساكنته، فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك, وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه. واحمل الناس على ما قال, فإنه هو الآمر"١.
стр. 84
احتياط الصحابة وتثبتهم من الراوي والمروي:
حين كان الصحابة يتلقون الحديث مباشرة أو بواسطة، زمن حياته ﷺ كانوا في مأمن من أن يكذب على رسول الله ﷺ ، أو يدس في سنته فلا مكان لخديعة منافق أو تدليس غاش، إذ إن الوحي ينزل فيكشف زيف المبطلين ويظهر خبأهم: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ ١.
وإذا عرض خلاف في مسألة ما, أو لاحت ريبة, فالملاذ موجود لا عليهم إلا أن يرجعوا إليه ليحسم أي خلاف ولتزول أية شبهة، بل ويندفع الخاطر أو الهاجس، فلما انتقل صلوات الله وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى, لم يكن هناك حارس للسنة, ولا وعاء لها إلا صدور الصحابة، ومن هنا نظروا إليها على أنها كنوز ثمينة في صدور الذين أوتوا العلم، فلم يشاءوا أن يعرضوها في سوق الرواية لئلا يتخذ المنافقون من شيوع الحديث عن رسول الله ﷺ ذريعة للتزيد فيها, وسلما لتزييف الحديث عن رسول الله, ولئلا تزل بالمكثرين أقدامهم, فيسقطوا في هوة الخطأ, والنسيان ليكذبوا على رسول الله من حيث لا يشعرون.
ومن هنا احتاطوا في الرواية, وتقللوا منها ليس إقلالا لشأنها, وإنما
стр. 85
تعظيما وتكريما للسنة، قال ابن قتيبة: "كان عمر شديدا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها، ويدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي.
وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله ﷺ ؛ كأبي بكر, والزبير, وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقلون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة, وقال علي ﵁: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا، نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث استحلفته، فإن حلف لي صدقته, وإن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر"١.
والتزم الصحابة منهاج عمر ﵁, وأتقنوا أداء الحديث, وضبطوا حروفه ومعناه, وكانوا يخشون كثيرا أن يقعوا في الخطأ لذلك نرى بعضهم -مع كثرة تحملهم عن الرسول ﷺ لا يكثر من الرواية في ذلك العهد، حتى إن منهم من كان لا يحدث حديثا في السنة، ونرى من تأخذه الرعدة يقشعر جلده، ويتغير لونه ورعا واحتراما لحديث رسول الله ﷺ , وشاهد هذا ما رواه ابن ماجه بسنده عن "عمر بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه,
стр. 86
قال: فما سمعته يقول بشيء قط: قال رسول الله ﷺ , فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله ﷺ . قال: فنكس. قال: فنظرت إليه, فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك, أو فوق ذلك, أو قريبا من ذلك, أو شبيها بذلك"١.
ويصرح أنس بسبب إقلاله الرواية فيقول: "لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله ﷺ "٢.
ولشدة دقة أنس وحيطته في الرواية كان يقول عند فراغه منها: "أو كما قال".
هكذا احتاط الصحابة رضوان الله عليهم في الرواية, وحاذروا الكذب عليه، ووضعوا نصب أعينهم شدة تحذيره منه، كانوا يعلمون أن كذبا عليه ليس ككذب على أحد, وأن من كذب عليه متعمدا يلج النار, بل إن منهم من روى ذلك من غير قيد: "متعمدا".
ولقد اعتبر ﷺ أن تحديث المرء بكل ما سمع كذب, فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" ٣.
стр. 87
وعن عمر ﵁ قال: "بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع"١.
ومضى يقينهم إلى أبعد من ذلك, إلى حد أن من حدث عنه بحديث يرى أنه كذب, فهو أحد الكذابين، والأخبار في تغليظ حرمة الكذب عليه تبلغ حد التواتر، ولو لم يكن الكذب حرامًا ما كذب هؤلاء الذين صدقوا الله ما عاهدوه عليه.
من هنا نستطيع أن نقول: إن أهم أسباب إقلال الرواية هو خوفهم من الوقوع في الكذب، وإشفاقهم على أنفسهم من أن يخطئوا في النقل, وتستطيع أن تضم إلى ذلك رغبتهم في أن يقتنع المنقول إليه الخبر فيما أخبر به، فلا بد أن يكون المنقول مما تقبله العقول حتى لا يكون فتنة ومحنة, قال ابن مسعود: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"٢.
وفي نفس المعنى يقول علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله"٣.
سار الصحابة على الهدي النبوي في هذا الصدد فامتنعوا عن التحديث بما لا تدركه عامة الناس خشية أن يفتنوا فيتركوا بعض الفرائض الدينية.
стр. 88
تثبت الصحابة رضوان الله عليهم:
عني الصحابة عناية فائقة بالأخبار، وبذلوا غاية الوسع في التثبت منها امتثالا لأمر الله تعالى ووقوفا عند هدى نبيه, فقد قرءوا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١.
ولا يعد تثبتهم من الأخبار واستيثاقهم طعنا منهم في راوي الخبر، وإنما هو حرص على سلامة النقل, واحتياط للأمر, وتقوية له، فأخذوا الحديث بحيطة بالغة وحذر شديد، فما اطمأنت قلوبهم إليه بحيث لم يشكوا في حفظ راويه أو ضبطه قبلوه وعملوا به من غير أن يطلبوا عليه شاهدًا أو برهانا، وما تطرق إليه الشك استوثقوا منه وطلبوا وجه اليقين فيه.
وقد ساق الإمام الذهبي شواهد ذلك عند ترجمته لكثير من الصحابة, قال في ترجمة أبي بكر: "وكان أول من احتاط في قبول الأخبار, فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءة إلى أبي بكر تلتمس أن تورث, فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا, ما علمت أن رسول لله ﷺ ذكر لك شيئا, ثم سأل الناس, فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله ﷺ يعطيها السدس فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك, فأنفذه لها أبو بكر ﵁"٢.
стр. 89
وقال في ترجمة عمر: "وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل, وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب, فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات, فلم يؤذن له, فرجع, فأرسل عمر في أثره, فقال: لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاث, فلم يجب, فليرجع" , قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك, فجاء أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس, فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا, وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم, كلنا سمعه, فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر, فأخبره؛ أحب عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر، ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد, وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم, ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد, وقد كان عمر من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله ﵌ يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم, ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن"١.
стр. 90
نقد الصحابة للمتن:
غالبا ما يأخذ الصحابي من النبي مشافهة، وإذا أخذ عنه ﷺ بواسطة فغالبًا ما يرفع الحديث ولا يذكر الواسطة.
وقد اتفق علماء الحديث على أن الرواية بهذه الكيفية تسمى "مرسل
стр. 91
الصحابي", واتفقوا على أن "مرسل الصحابي" مقبول، وذلك فرع اتفاقهم على أن الصحابة عدول، فإذا نقد صحابي رواية ما أو ردها، فلا يعقل أن يكون ناقدًا أو رادًّا للرواية على النبي ﷺ , فكل ما صدر عنه فوق المناقشة وفوق الشك والريب، فهو المعصوم من الخطأ.
تدور المناقشات إذن بين الصحابي والصحابي فيما رواه أحدهما ليس من باب تكذيبه, وإنما من باب توهيمه أو توهيم الواسطة التي أخذ عنها, ومعلوم أن كل ابن آدم خطاء, وأن كل كلام يؤخذ منه ويرد عليه إلا كلام المعصوم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وإنما يقع الوهم عند الراوي الموثوق به وبعدالته، لواحد من الأسباب الآتية:
١- إن يحدث بما سمعه من النبي ﷺ ولا يدري أنه منسوخ.
٢- أن يقع له انقلاب بين شيئين أو لفظين، فيجعل كل واحد منهما مكان الآخر، وهذا هو "المقلوب".
٣- أن يقول مع رواية الحديث قولا من عند نفسه، متصلا بنص الحديث، فيظنه السامعون أنه مرفوع، وهذا هو "المدرج".
٤- أن يروي الحديث في مورد يجعله يتحمل من المعنى أكثر مما يحتمل.
٥- أن لا يضبط لفظ الحديث بحيث يختلف المعنى.
стр. 92
٦- أن يروي الحديث على غير وجهه لغفلته عن سبب الورود.
٧-أن يقع له غلط فيروي واهما عن النبي ﷺ ما لم يسمعه منه"١.
وقد اشتهر بالنقد من أعلام الصحابة: أم المؤمنين عائشة وعمر وابن مسعود وابن عباس, ولا سبيل إلى استقصاء الأخبار التي انتقدها بعض الصحابة على بعض بالذكر, وإنما نسوق بعض الأمثلة التي يعلم بها مدى دقة الصحابة وتثبتهم في المروي، كما رأينا اسيتثاقهم من الراوي، وبالمثال يتضح الحال ويعلم أن المحدثين ما كانوا ولن يكونوا زوامل أسفار، ونقلة أخبار لا خبرة لهم بها، ولا قدرة لديهم على فهمها، وإنما كانوا الفاهمين الهاضمين لما نقلوه الحافظين الواعين لما سمعه، الملتزمين جانب الأدب فيما قبلوه أو ردوه.
المثال الأول:
روي أن عائشة ردت رواية من يفيد أن رسول الله ﷺ رأى ربه ليلة الإسراء والمعارج, واعتبرت ذلك من أعظم الفرية, واعتمدت في رأيها على قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٢.
وقد فهمت من الإدراك في الآية الرؤية، وفهم العلماء منها الإحاطة٣.
стр. 93
المثال الثاني:
صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي أو ببكاء أهله عليه" , روى ذلك عنه أبو هريرة وعمر وعبد الله بن عمر والمغيرة بن شعبة, لكن عائشة رأت أن هذه الرواية تتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١.
فبرأت الراوين عن الكذب أو نسبتهم إليه فقالت: "إنكم تحدثوننا غير كاذبين ولا مكذبين", وقالت عن ابن عمر: "يرحم الله أبا عبد الرحمن أو غفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ", ثم ذكرت أن النبي ﷺ مر بدار رجل من اليهود قد مات، وأهله يبكون عليه, وأنه قال: "إنهم ليبكون عليه وإنه ليعذب" ٢.
المثال الثالث:
رد عمر ﵁ قول فاطمة بنت قيس٣ التي جاءته وأخبرته بأن المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ولا كسوة, فقال لها عمر: لا ندع كتاب ربنا, ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت٤.
стр. 94
ثم كان أن استفاض واشتهر قضاء النبي ﷺ بأنه لا نفقة ولا كسوة للمبتوتة على نحو ما روت فاطمة, فاستقر العمل على ذلك وقال به الفقهاء.
المثال الرابع:
مسألة الوضوء مما مست النار "أمر النبي ﷺ بالوضوء مما مست النار ثم نسخه، وبقي عدد من الصحابة يرون الأمر الأول لعدم علمهم بالنسخ، ويرون إيجاب الوضوء من ذلك, ومنهم أبو هريرة، وقد انتقد ابن عباس رواية أبي هريرة، ووجد أن العقل لا يؤيدها، ولعل خلافا وقع بين الصحابة في تعيين الناسخ والمنسوخ قبل أن يصرح جابر ببيان ذلك فوجد ابن عباس أن الناسخ هو ما رجحه العقل ولذلك وجه النقد لمتن الرواية الأخرى.
وكان نقده منصبا على أن الطعام الحلال لا يمكن أن يكون سببا مؤثرا في نقض الوضوء فقال: "أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالا, لأن النار مسته؟ " أما أبو هريرة فجمع بيده حصى، وقال: "أشهد عدد هذا الحصى، أن رسول الله ﷺ قال: "توضئوا مما مست النار" فقد استبعد ابن عباس أن يكون أكثر الطعام الحلال ناقضا للوضوء؛ لأن النار مسته والمعهود في الشريعة أن ينتقض الوضوء بالخارج النجس لا بالداخل الحلال الطاهر"١.
стр. 95
المثال الخامس:
نكاح المتعة: رخص فيه النبي ﷺ عام خيبر, ثم نهى عنه, ثم رخص فيه في أوطاس, ثم نهى عنه, وكان آخر الأمرين نهيه عن نكاح المتعة, قال ابن عباس: كانت الرخصة للضرورة, والنهي لانقضاء الضرورة, والحكم باق إلى ذلك أي على الترخيص فيها عند الضرورة وقال الجمهور: كانت الرخصة إباحة والنهي نسخًا لها١.
وبذلك يبين أن نقد الصحابة لبعض الروايات كان موضع أخذ ورد، ولم يكن مسلما على إطلاقه، بل إن كثيرًا من العلماء تشدد في مساندة الرواية ورد النقد الموجه إليها, وعلى سبيل المثال في نقد عائشة لحديث ابن عمر: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" بتعارضه مع الآية. لم يقبل العلماء قولها والتمسوا وجوهًا للجمع بين الروايات الصحيحة وبين الآية بأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه لكون هذا من كسبه، حيث إنه لم يوص بضده قبل موته، أو حدث مع غيره فرضي عليه ولم ينكره، وربما يكون قد وصى بذلك, وطلب وقوعه إلى غير ذلك من وجوه الجمع التي تساند الروايات وتآزرها.
ويبقى تقلل الصحابة من الرواية وتثبتهم من الراوي والمروي, وطرحهم الشك وأخذهم باليقين، يبقى لهم هذا التحوط والمبالغة في التثبت والتأكد. يبقى لهم ذلك كله اعتزازا بالسنة وإعلاء لشأنها وذبا لكل محاولة تريد النيل منها سواء بإخراج بعضها أو إدخال ما ليس منها، ولا يعد هذا منهم بأي حال إعراضًا عن السنة أو هجرًا لها أو عدولا عنها إلى الرأي، فهم أبعد ما يكونون عن الرأي والقول به في الدين.
стр. 96
وما أكثر ما نقل عنهم من ذم له وللأخذ به مع وجود النص المعول عليه, قال عمر ﵁: "أصبح أهل الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يعوها, وتفلتت منهم أن يرووها، فاستبقوها بالرأي", وقال ﵁: "اتقوا الرأي في دينكم", وقال أيضا: "أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم", قال ابن القيم بعد سوق هذه الآثار وغيرها عن عمر: "وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة"١.
ثم ساق عن كثير من الصحابة ذمهم للرأي وعليه فلا سبيل لهم إلى الأخذ به إلا إذا عجزوا عن الوقوف على نص في النازلة أو الواقعة، فهم لا يقدمون شيئا على كتاب ربهم ﵎ وسنة نبيهم ﷺ . تلكم طريقتهم ومنهجهم في المحافظة على حديث رسول الله ﷺ خشية الوقع في الخطأ أو تسرب الدس إلى الحديث الشريف من الجهلاء وأصحاب الأهواء، أو أن تحمل بعض الأحاديث على غير وجه الحق والصواب، فيكون الحكم بخلاف ما أخذ به، فعلوا ذلك كله احتياطيا للدين ورعاية لمصلحة المسلمين لا زهدا في الحديث النبوي ولا تعطيلا له.
فلا يجوز لإنسان أن يفهم من منهاج الصحابة ومن تشدد عمر خاصة
стр. 97
هجر الصحابة للسنة أو زهدهم فيها، معاذ الله أن يقول هذا إلا جاهل أو صاحب هوى، لا علم له بقليل من السنة ولم تخالط قلبه روح الصحابة, ولا أنار سبيله قبس من هداهم.
فقد ثبت عن الصحابة جميعا تمسكهم بالحديث الشريف وإجلالهم إياه وأخذهم به، وقد تواتر خبر اجتهاد الصحابة إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، وفزعهم إلى كتاب الله تعالى فإن وجدوا فيه ما يريدون تمسكون به، وأجروا -حكم الحادثة- على مقتضاه، وإن لم يجدوا ما يطلبون فزعوا إلبى السنة, فإن روي لهم خبر أخذوا به ونزلوا على حكمه وإن لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد بالرأي.
هكذا كان منهج الصحابة في كل ما يرد عليهم، وليس لأحد بعد هذا أن يتخذ بعض ما ورد عن الصحابة ذريعة لهواه"١.
ومن كل ما مضى يتضح لنا أن الصحابة رضوان الله عليهم بلغوا الذرورة في التثبت من الحديث، وأعملوا الرواية والأناة في تحمل الخبر وأدائه, ولم يحدثوا إلا عن ثقة تامة بصحة ما يحدثون به، وقد حرصوا كل الحرص على المحافظة على الحديث، وما تركوا وسيلة تبلغهم هذه الغاية إلا أخذوا بها، وتحروا أقوم المناهج وأدقها في الذب عن السنة ودفع كل دغل عنها.
وقد حمل لواء هذه المحافظة والحرص على السنن جميع الصحابة، وكان عمر بما تميز به من شدة في الحق, وغلظة على أهل الباطل ذا شهرة خاصة في
стр. 98
هذا الباب؛ لذا رأينا الكثيرين يخافون مخفقته أو درته. وقد وقفت آنفا على طرف من أقواله في ذم الرأي والحث على متابعة السنة، ومدح أهلها, والقدح في منابذها، فالفاروق يرى مع جمهور الصحابة أن من تثبت من حفظه, وتيقن ما يرويه فهمه، واتضحت له مراميه, حق له أن يروي وأن يحدث طلبا لإشاعة السنة وإفشائها، وخروجا عن عهدة كتمانها.
أما من شك في شيء أو ارتاب فيه, أو اختلط عليه فهم معانيه فلا عليه إلا أن يقل الرواية طلبا للنجاة, وفرارا من الخطأ أو التحريف.
على هذا النحو ينبغي أن تفهم النصوص الورادة عن الصحابة عامة وعن عمر خاصة، فما كانوا ليزهدوا الناس في السنن أو يرغبوهم عنها، وهم ممن يسنون, ويستن بسنتهم التابعون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 99
رد ما جاء في ضعيف الخبر من أن عمر حبس ثلاثة نفر من الصحابة لإكثارهم الرواية
مدخل
...
رد ما جاء في ضعيف الخبر من أن عمر حبس ثلاثة نفر من الصحابة لإكثارهم الرواية:
فيما يبدو الفاروق عملاقا في شتى المجالات، تأتي بعض الروايات التي تريد, أو يريد البعض من خلالها أن يباين بين الرجل وبين جوهر عظمته، ذلك أن مفتاح تلك العظمة تمثل في حسن المتابعة والاقتداء بأمير الأنبياء ﷺ , والعمل على نشر دعوته وإحياء سنته.
وفي الوقت الذي يظهر فيه عمر غيورًا على السنة دءوبا على حفظها، مبجلا لها وللمشتغلين بها تأتي هذه الرواية التي تفيد أنه ﵁ حبس
стр. 100
ثلاثة نفر من عليه الصحابة وكبرائهم بسبب إكثارهم الرواية عن النبي ﷺ .
وأصل هذه الرواية ما رواه الطبراني في الأوسط عن "إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف, قال: بعث عمر بن الخطاب إلى ابن مسعود وأبي مسعود الأنصاري وأبي الدرداء, فقال ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول لله ﷺ فحبسهم بالمدينة حتى استشهد".
وإليك ما قاله أحد صيارفة الحديث في هذه الرواية، قال الهيثمي: "هذا أثر منقطع وإبراهيم ولد سنة عشرين، ولم يدرك من حياة عمر إلا ثلاث سنين وابن مسعود كان بالكوفة ولا يصح هذا عن عمر"١.
نعم لا يصح هذا عن عمر لا نقلا ولا عقلا، أما نقلا فقد تكفل الهيثمي ببيان نفي صحته, وأما عقلا فلأن هؤلاء الثلاثة من أجلاء الصحابة وفضلائهم, فأنى لعاقل تصديق أن عمر حبسهم؟ وما جريرتهم؟ أو الجرم الذي يصلح حيثية لحبسهم؟ متى كان تبليغ السنن ذنبا يعاقب عليه القانون؟ وقانون من؟ قانون العدل الذي لا يضاهى فيه عمر فضلا عن أن يبارى.
إن القارئ لمثل هذه الأخبار لتعتريه الدهشة فيتساءل منكرا: ما حد الإكثار الذي يعد آتيه مقارفًا الأوزار؟ وقد ساق الإمام ابن حزم هذا الخبر المنكر وناقشه مناقشة قوية قال: "هذا مرسل ومشكوك فيه من شعبة فلا يصح، ولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو نفسه ظاهر الكذب
стр. 101
والتوليد؛ لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة, وفي هذا ما فيه أو يكون نهى عن نفس الحديث, وعن تبليغ سنن رسول الله ﷺ إلى المسلمين, وألزمهم كتمانها وجحدها, وأن لا يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين في الكذب على النبي ﷺ , فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلا, ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بد له من أحدهما١" على أن هناك تضاربا في هذا الخبر يقتضي التأكيد على رده, فبينما يذكر الذهبي٢ أن المحبوسين هم ابن مسعود وأبو الدرداء وأبو مسعود الأنصاري, إذا بابن حزم يذكر أبا ذر بدلا من أبي مسعود، فهل وقع الحبس من عمر؟ لو حدث لاشتهر، على أن خبرا كهذا يعظم خطره كان ولا بد أن يتطاير شرره، وأن يعرف به السابق واللاحق، ونتساءل: لماذا حبس عمر هؤلاء وهناك من هو أكثر رواية منهم؟ كأبي هريرة الذي روي له عن النبي ﷺ خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثا, فإن قيل: إن أبا هريرة لم يكثر الرواية إلا بعد استشهاد عمر لكونه كان يخافه في حياته، قلنا: ولِمَ لَمْ يخف هؤلاء من عمر؟ وقد ذكر أن عمر نفسه روي له عن النبي ﷺ نيف وخمسمائة حديث, ولم يزد عليه من
стр. 102
المسمين إلا ابن مسعود، فكان على عمر أن يحبس نفسه قبل أن يحبس هؤلاء لإتيانه ما أتوه.
بقي أن نوقفك على طرف من تراجم هؤلاء النبلاء لترى موقعهم في نفس عمر، وتتبين مكانتهم من الشرع الذي حكم عمر وحكم هو به.
стр. 103
أولا: ابن مسعود:
هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي, ويكنى أبا عبد الرحمن, أمه أم عبد "معدودة من الصحابيات" أسلم قديما بمكة، روي عنه أنه أسلم سادس سنة وهاجر الهجرتين إلى الحبشة, وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان صاحب سر رسول الله ﷺ ووساده وسواكه ونعليه وطهوره في السفر، وكان يشبه بالنبي ﷺ في هديه ودله وسمته، وكان خفيف اللحم قصيرًا شديد الأدمة، وكان من أجود الناس ثوبا، ومن أطيب الناس ريحا، وولي قضاء الكوفة وبيت المال لعمر, وصدرا من خلافة عثمان, ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة اثنتين وثلاثين١, ودفن بالبقيع وهو ابن بضع وستين, وقيل: توفي بالكوفة, والأول أصح.
كيف يحبسه عمر؟ وهو الذي قد وجهه إلى الكوفة, وامتن على أهلها به ليفقههم في الدين, ويعلمهم القرآن الذي كان قد جمعه في عهد رسول الله ﷺ , وفيم يحبسه؟ في الإكثار من الرواية, فكم حديثا رواه؟ روى عن النبي ﷺ ثمانمائة وثمانية وأربعين حديثا
стр. 104
اتفق الشيخان على إخراج أربعة وستين حديثا منها, وانفرد البخاري بواحد وعشرين, ومسلم بخمسة وثلاثين، فكم حديثا زاده عن عمر؟ ثلاثمائة وأربعين حديثا تقريبا, وهذا رقم لا يستحق أن يحبس عليه.
وكيف يحبسه وهو أعلم الناس بفضله وأعرفهم بقدره فابن مسعود هو صاحب السبق إلى الإسلام, وهو في المناقب والمفاخر والمآثر علم الأعلام, فهو الذي قرأ القرآن وأشرب حبه, ومن سره أن يقرأه غضا كما أنزل فليقرأه على قراءته, ورجلاه أثقل في الميزان من جبل أحد رغم نحولهما, وهو أشبه الصحابة برسول الله ﷺ وأدناهم منه, حتى إن رائيه معه ليعده من أهليه ﵁ وأرضاه.
стр. 105
ثانيا: أبو الدرداء:
هو عويمر, وقيل: عامر بن مالك بن قيس الأنصاري الخزرجي, وهو صحابي جليل أجرى الله الحكمة على لسانه وعرف بالزهد، والورع وكثرة العبادة إلى حد الحاجة إلى نصحه بأن لأهله عليه حقا, ولبدنه عليه حقا ولنفسه عليه حقا, فعليه أن يعطي كل ذي حق حقه، وقد روي له عن النبي صلى لله عليه وسلم مائة وتسعة وسبعون حديثا, أقل من ثلث ما رواه عمر. وتوفي ﵁ بدمشق سنة اثنين وثلاثين, وقيل: إحدى وثلاثين في خلافة عثمان.
عن معاوية بن قرة أن أبا الدرداء اشتكى, فدخل عليه أصحابه, فقالوا: ما تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي. قالوا: فما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة. قالوا: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: هو الذي أضجعني. وعن لقمان بن
стр. 106
عامر عن أم الدرداء أنها قالت: اللهم إن أبا الدرداء خطبني فتزوجني في الدنيا, اللهم فأنا أخطبه إليك فأسألك أن تزوجنيه في الجنة. فقال لها أبو الدرداء: فإن أردت ذلك وكنت أنا الأول فلا تزوجي بعدي. قال: فمات أبو الدرداء, وكان لها جمال وحسن فخطبها معاوية, فقالت: لا والله لا أتزوج زوجا في الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله في الجنة"١.
стр. 107
ثالثا: أبو مسعود الأنصاري:
هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري أصغر من شهد العقبة من الخزرج, روى عن النبي ﷺ , وروى عنه ابنه بشير وعبد الله بن يزيد الخطمي وأبو وائل وقيس بن أبي حازم، وغيرهم, توفي قبل الأربعين وقيل: سنة أربعين بالكوفة أو بالمدينة١, ومروياته قليلة جدا مما يقطع ببعد حبس عمر له.
стр. 108
رابعًا: أبو ذر الغفاري:
هذا هو الذي ذكر في بعض الروايات كثالث المحبوسين مكان أبي مسعود الأنصاري، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه, فقيل: جندب بضم الجيم والدال, وحكي فتح الدال, وقيل: اسمه برير بضم الباء الموحدة وراء مكررة ابن جندب, والمشهور جندب بن جنادة بضم الجيم ابن عبيد الغفاري بكسر
стр. 109
الغين المعجمة, وهو سيد جليل أسلم قديما, قيل: إنه كان رابع من أسلم, وقيل: إنه كان خامسهم, وحكي أن له عبادة ونسكا قبل الإسلام, وبعد إسلامه بمكة رجع إلى بلاد قومه, فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق,
وأسلم على يديه أكثر غفار؛ لذا كانت تلك القبيلة جديرة بأن يغفر الله لها شأنها شأن أسلم التي سلمها الله تعالى. ثم قدم أبو ذر المدينة فصحب النبي ﷺ حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى, ومناقبه جمة وزهده مشهور وتواضعه وزهده مشابهان في الحديث بتواضع عيسى ﵇ وزهده، وكان من مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته من المال, وإنه لا حق لأحد فيما فضل عليه بل واجبه أن يعود به على من عدمه روى له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وواحد وثمانون حديثا اتفق الشيخان منها على اثني عشر, وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بسبعة عشر١.
وقد خرج الى الربذة, وهي بليدة قريبة من المدينة، وقيل: إنه أخرج إليها ومات بها سنة اثنتين وثلاثين وكان وحده أمة في حياته وفي مماته ويكون كذلك في مبعثه فرضي الله عنه وأرضاه.
ولم يبق شك عند عاقل في اختلاق هذا الزعم الباطل الذي يفيد أن عمر حبس هؤلاء, وهم بلا ريب من أجلاء الصحابة, وهو ﵁ أجل من أن يهينهم بالحبس في دعوى لا أصل لها, وهي الإكثار من الرواية, وقد رأينا أنه لم يزد عن عمر من هؤلاء إلا ابن مسعود.
стр. 110
هل روى الصحابة الحديث بالمعنى أم باللفظ ؟:
رأينا كيف تثبت الصحابة من الراوي والمروي, وبان لنا مدى استيثاقهم مما ينقلونه, وتحوطهم في الرواية, وبعدهم من التزيد فيها, واقتصارهم على ما يبلغ الغاية من الرواية أتتحقق من خلاله نضارة الوجوه واتضاح الأحكام، وتحقق مصالح العباد.
فإذا تساءلنا عن أدائهم للأخبار هل كان بمعناها من خلال ألفاظ يصوغونها, ويعلمون مؤداها, أم كان أداؤهم بنفس الألفاظ التي سمعوها من غير تغيير كلمة بأخرى, أو تبديل حرف بحرف, أو تبديل هيئة الحرف لكونه مشددًا أو مخففًا.
المتجرد للحق الخالي من الهوى والعصبية إذا طالع الأخبار المتناقلة بين الصحابة وعنهم, رأى أن من الصحابة من تشدد في الرواية وأبى إلا تحري الألفاظ النبوية, ومنهم من ترخص في ذلك وسوغ الرواية بالمعنى لمن علم المباني وفهم المعاني وعرف مدلول الألفاظ، وما يحيل المعنى أو يغيره، إلى غير ذلك من الشروط اللازمة للترخيص في الرواية بالمعنى.
وممن عرف عنه التشدد في الرواية والتزام اللفظ الناسك العابد، الورع الزاهد عبد الله بن عمر ﵄, وهو أشهر من روى حديث: "بني الإسلام على خمس" , وقد نقل الخطيب عنه أنه قال لمن أعاد هذا الحديث عليه فجعل الصيام قبل الحج: "اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من