← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7452

الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدثين

أحمد محرم الشيخ ناجي

Полный текст (349 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولم يعرف أن أحدا منهم سمع منه أو حكى عنه، وإنما يحكي عنه من بعدهم، وأما كعب فأسلم في عهد عمر وسمع منه, ومن غيره من الصحابة, وحكى عنه بعضهم وبعض التابعين. ثم يقول بعد ذلك: وأما ما رواه كعب ووهب عن النبي ﷺ فقليل جدا، وهو مرسل لأنهما لم يدركاه، والمرسل ليس بحجة، وقد كان الصحابة ربما توقف بعضهم عن قبول خبر بعض إخوانه من الصحابة حتى يستثبت, فما بالك بما يرسله كعب، فأما وهب فمتأخر وأما ما روياه عن بعض الصحابة أو التابعين فإن أهل العلم نقدوه كما ينقدون رواية سائر التابعين، أقول: لكعب الأحبار ترجمة في تهذيب التهذيب. وليس فيها عن أحد من المتقدمين توثيقه، إنما فيها ثناء بعض الصحابة عليه بالعلم، وكان المزي علم عليه علامة الشيخين مع أنه إنما جرى ذكره في الصحيحين عرضا, لم يسند من طريقه شيء من الحديث فيهما, ولا أعرف له رواية يحتاج إليها أهل العلم. فأما ما كان يحكيه عن الكتب القديمة, فليس بحجة عند أحد من المسلمين، وإن حكاه بعض السلف لمناسبته عنده لما ذكره في القرآن. وبعد فليس كل ما نسب إلى كعب في الكتب بثابت عنه، فإن الكذابين من بعده قد نسبوا إليه أشياء كثيرة لم يقلها، وما صح عنه من الأقوال ولم يوجد في كتب أهل الكتاب الآن ليس بحجة واضحة على

стр. 177

كذبه، فإن كثيرا من كتبهم انقرضت نسخها, ثم لم يزالوا يحرفون ويبدلون"١. هكذا بان لنا سلامة مقف الصحابة رضوان الله عليهم من كعب وأمثاله، بل وسلامة موقف كعب ووهب وانحراف الطاعنين عليهما وبهما فيمن تنزهت ساحته عن الطعن. على أن الذين ترجموا لكعب ووهب أجمعوا على أنه لا رواية لكعب في الصحيحين, وإنما ذكر اسمه في معرض ثناء معاوية ﵁ عليه بقوله: "إن كان لَمِنْ أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب, وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب", قال الحافظ ابن حجر: "قلت: هذا جميع ما له في البخاري, وليست هذه برواية عنه", ثم قال: "وقد وقع ذكر الرواية عنه في مواضع في مسلم في أواخر كتاب الإيمان, وفي حديث معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: "إذا أدى العبد حق الله, وحق مواليه, كان له أجران" , قال: فحدثت به كعبا, فقال كعب: "ليس عليه حساب, ولا على مؤمن مزهد"٢.

стр. 178

وقال البخاري في البيوع بعد رواية فليح عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن عمرو في صفة النبي ﷺ , تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال، وقال سعيد يعني ابن أبي هلال عن هلال عن عطاء عن ابن سلام, ورواية سعيد ذكرت في تعليق التعليق"١. وهاك رواية في مسلم ترد على المتخرصين, المتقولين بالباطل على كعب, وأمثاله حول مدى تأثيرهم على الصحابة، فالحق أن الصحابة هم الذين أثروا, وهم الذين رووا, وحدثوا, فقد روى مسلم في صحيحه بسنده "أن أبا هريرة قال لكعب الأحبار: إن نبي الله ﷺ قال: "لكل نبي دعوة يدعوها, فأنا أريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" , فقال كعب لأبي هريرة: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال أبو هريرة: نعم"٢. وعلى هذا النحو تمضي الروايات الصحيحة عن كعب, فماذا فيها مما يوجب هذا التقريع كله للصحابة على نقلهم عنه؟ وما جريرة كعب؟ وما ينقم المتهجمون؟ أأن كان يهوديًّا فأسلم فكان ممن يؤتيهم الله أجرهم مرتين؟ ذكره ابن سعد٣ في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام, وقال: كان على دين

стр. 179

يهود فأسلم, وقدم المدينة, ثم خرج إلى الشام, فسكن حمص حتى توفي بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان, وقيل: سنة أربع وثلاثين. وقد ذكر ابن سعد قصة إسلامه, وفحواها أن أباه أعطاه كتابا مختوما, وأوصاه أن لا يفض ختمه، فلما توفي أبوه دار في خاطره أن في الكتاب سرًّا ففتحه, وقرأ ما فيه من أوصاف النبي الأمي وأمته, فأسلم. وكان ذلك جوابه على من سأله عن تأخر إسلامه، وقد بالغ أبو رية في استبعاد هذه القصة واستغرباها, ورمى كعبا باختلاقها، ولا غرابة في هذا, بل الغرابة كل الغرابة في استبعاد ما قرره القرآن, ورمي البرآء بالإفك والبهتان. والأعجب والأغرب أن تضيع مقاييس الزمان, فيكون التابعي "وهب بن منبه" واحدًا ممن رمى الصحابة بالأخذ عنهم, وتنوقلت الإسرائيليات بواسطتها.

стр. 180

فمن وهب ومتى ولد وما رأى علماء الجرح التعديل فيه ... فمن وهب؟ ومتى ولد؟ وما رأي علماء الجرح والتعديل فيه؟ إنه: وهب بن منبه بن كامل اليماني الصنعاني، ولد آخر خلافة عثمان سنة أربع وثلاثين, فلقي كثيرا من الصحابة, وروى عنهم كأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وابن عمرو وجابر وأنس. وروى عن التابعين؛ كعمرو بن شعيب, وأبي خليفة البصري, وهمام بن منبه أخي وهب. وروى عنه ابناه: عبد الله وعبد الرحمن، وابنا أخيه: عبد الصمد وعقيل ابنا معقل, وعمرو بن دينار, وروى هو أيضا عنه.

стр. 181

كان وهب من أبناء فارس الذين حسن إسلامهم؛ لذا قال العجلي: تابعي ثقة, وكان على قضاء صنعاء، ووثقه أبو زرعة, والنسائي, ابن حبان, وكان أبوه منبه من أهل هراة, فأخرجه كسرى غلى اليمن, فأسلم في عهد النبي ﷺ , وحسن إسلامه, وسكن وولده بلاد اليمن. وكان وهب عف اللسان، ذكر أنه مكث أربعين سنةً لم يسبَّ شيئا فيه الروح, وكان عابدا يقوم الليل، ذكر أنه لبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وُضوء. قال الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن أبيه: حج عامة الفقهاء سنة مائة, فحج وهب فلما صلوا العشاء, أتاه نفر فيهم عطاء والحسن, وهم يريدون أن يذاكروه القدر, قال: فأمعن في باب من الحمد, فما زال فيه, حتى طلع الفجر, فافترقوا ولم يسألوه عن شيء, قال أحمد: وكان يتهم بشيء من القدر, ثم رجع. قال حماد بن سلمة عن أبي سنان: سمعت وهب بن منبه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتب الأنبياء, كلها من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر, فتركت قولي. وقال الجوزجاني: كان وهب كتب كتابا في القدر, ثم حدثت أنه ندم عليه. وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار: دخلت على وهب داره بصنعاء فأطعمني جوزا من جوزه في داره, فقلت له: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر, فقال: أنا والله وددت ذلك. ومن أقواله: العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والصبر أمير جنوده والرفق أبوه واللين أخوه.

стр. 182

وتوفي وهب سنة عشر ومائة, وقيل: سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة أو ست عشرة ومائة. وهو ثقة عند عامتهم, ولم يضعفه إلا ابن علي الفلاس. روى له البخاري حديثا واحدا من روايته عن أخيه, عن أبي هريرة: ليس أحدًا أكثر حديثا مني إلا عبد الله بن عمرو بن العاص, فإنه كان يكتب ولا أكتب١. وبعد فقد أطلنا الكلام عن كعب ووهب عمدًا؛ لرد ما أثير حولهما من شبهة حول الرواية عنهما كذلك. وكان حقهما أن يذكرا في التابعين، فلا صحبة لهما لكن كعبا روى عن النبي ﷺ مرسلا, وروى عنه كثيرون من الصحابة, واتخذ البعض من ذلك وسيلة للغمز واللمز في حملة الوحي ونقلته الأُوَل. وأما وهب فتابعي روى عن الصحابة, ولم يذكر أن صحابيا روى عنه. ومع ذلك آثرنا ذكر ترجمته هنا, وبيان حاله؛ لاقترانه بكعب وابن سلام في الوصمة التي أريد أن يوصم بها الصحابة رضوان الله عليهم, وهي الأخذ عن الإسرائيليات, وتناقلها مما يفضي إلى عدم الاستيثاق بمروياتهم, والطعن في عدالتهم, وهيهات أن تتحقق هذه الأماني الكاذبة, أو أن يصدق على الأيام حلم من يريدون النيل من الإسلام من خلال التطاول على أصله الثاني

стр. 183

والتشكيك فيه ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ١. نعم يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المستشرقون، أو صنائعهم المستعربون, الذين لا يروقهم إلا الوافد، ولا يعجبهم إلا الفكر المستورد, فذرهم يأكلون ويتمتعون ويلههم الأمل, فسوف يعلمون. ونمضي مع الحق فنتعرف على دور التابعين في تبليغ السنة وخدمتها والمصاعب التي واجهتهم.

стр. 184

المبحث الثالث: التابعون والحديث إلى نهاية القرن مدخل ... المبحث الثالث: التابعون والحديث: إلى نهاية القرن الأول الصحبة درجة شريفة، ومنزلة منيفة, مَنّ بها البر الكريم على أفضل خلقه بعد رسوله ﷺ . وليس يماري عاقل في فضل الصحابي ومنزلته، والتابعي يلي الصحابي في الدرجة والفضل، وقد أشارت إلى ذلك نصوص كثيرة منها: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١. وقوله بعد بيان نصيب الفقراء من المهاجرين والأنصار من الفيء والثناء عليهم وتعديد مناقبهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. ولا يقال: ليس في الآية مدح أو ثناء, وإنما هي حكاية لما صدر عنهم

стр. 185

من التضرع والدعاء؛ لأن الآية مصدرة بواو العطف المقتضية التشريك في الحكم، فهم داخلون في عموم المدح والثناء, وتضرعهم بهذا الدعاء برهان تمكنهم في الفضل. وجاء في الصحيح أيضا: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم" ١. فأشعر هذا بامتداد الفضل وتتابعه، ومما يشعر بذلك أيضا قوله ﷺ : "طوبى لمن رآني وآمن بي, وطوبى لمن رأى من رآني" ٢. ومما يشعر بمكانتهم وضرورة الاستماع منهم والأخذ عنهم قوله ﷺ : "تسمعون ويُسمع منكم، ويُسمع ممن يَسمع منكم" ٣. وليس هناك حد زمني يفصل الصحابة عن التابعين، وبعبارة أخرى ليست هناك حقبة زمنية يمكن اختصاص هؤلاء أو أولئك بها، فقد يدرك التابعين زمن النبي ﷺ لكن لا يلقاه, أو لا يؤمن به إلا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فلا يعد صحابيا، وإنما يقال له: تابعي, ويوصف بأنه مخضرم. وعليه فالتابعون يلتقون مع الصحابة في بكرة الأمر، وأيضا يعايش

стр. 186

الصحابة التابعين إلى نهاية القرن الهجري الأول، بل وربما فاتحة القرن الثاني كما حدث "مع أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي "مات سنة مائة" من الهجرة. قاله مسلم في صحيحه، ورواه الحاكم في المستدرك عن خليفة بن خياط. وقال خليفة في غير رواية الحاكم: إنه تأخر بعد المائة. وقيل: مات سنة اثنتين ومائة. قاله مصعب بن عبد الله الزبيري، وجزم ابن حبان وابن قانع وأبو زكريا بن منده أنه مات سنة سبع ومائة. وقال وهب بن جرير بن حازم عن أبيه: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جِنازة, فسألت عنها, فقالوا: هذا أبو الطفيل. وصحح الذهبي أنه سنة عشر. وأما كونه آخر الصحابة موتا مطلقا، فجزم به مسلم ومصعب الزبيري وابن منده والمزي في آخرين. وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل: رأيت رسول الله ﷺ وما على وجه الأرض رجل رآه غيري. قال العراقي: وما حكاه بعض المتأخرين عن ابن دريد من أن عكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك, وأنه عاش بعد الجمل مائة سنة, فهذا باطل لا أصل له والذي أوقع ابن دريد في ذلك ابن قتيبة، فقد سبقه إلى ذلك، وهو إما باطل أو مؤول بأنه استكمل المائة بعد الجمل, لا أنه بقي بعدها مائة سنة. وأما قول جرير بن حازم: إن آخرهم موتا سهل بن سعد، فالظاهر أنه أراد بالمدينة، وأخذه من قول سهل: لو مت لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله ﷺ . إنما كان خطابه بهذا لأهل المدينة، وآخرهم موتا قبله

стр. 187

أنس بن مالك مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل: اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: تسعين، وهو آخر من مات بها. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى رسول الله ﷺ إلا أبا الطفيل. قال العراقي: بل مات بعده محمود بن الربيع بلا خلاف في سنة تسع وتسعين, وقد رآه وحدث عنه كما في صحيح البخاري، وكذا تأخر بعده عبد الله بن بسر المازني في قول من قال: وفاته سنة ست وتسعين"١. هكذا يمتد وجود الصحابة إلى أول القرن الثاني, وربما شاركهم التابعون بعض حياته ﷺ ، فلا سبيل إلى تمايز بين الصحابة والتابعين من حيث الزمن، وإن كان التمايز محققا من حيث تحديد المراد بالصحابي والتابعي, ويبقى اعتبار الكثرة لمن اعتبر. فإذا كان النبي قد انتقل إلى الرفيق الأعلى ومن رآه ﷺ يزيد على مائة ألف وأربعة عشر ألفا كما قال أبو زرعة، فإننا باعتبار الكثرة, ومراعاة الأغلبية نستطيع أن نطلق على فترة الخلافة الراشدة "زمن الصحابة", وننسب إليهم التحكم في أكثر الأحاديث, والإمساك بأَزِمّة الأمور, لكن بعد أن يرى كل واحد من الصحابة آخرين عديدين, فنفس المنطق يحتم علينا أن نسمي الزمن "زمن التابعين" وأن نضيف الأحدث إليهم, وإذا كنا قد عرفنا أن الصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمنا به، ومات على إسلامه، فمن هو التابعي؟

стр. 188

من هم التابعون ؟: التابعون جمع تابعي, أو جمع تابع, اسم فاعل من تبع, والنسبة إليه: تابعي, وتبعه بمعنى: قفا أثره, ونهج نهجه, وجاء بعده، ولعل مأخذه من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ . والتابعي في اصطلاح المحدثين هو: "من لقي الصحابي, وإن لم تطل صحبته", وهو رأي الحاكم وابن حجر وغيرهما, وقيل: "من صحب الصحابي, ولا يكتفى فيه بمجرد اللقى, بل لا بد من طول الصحبة, وتحقق اللقاء, ومعرفته بالرواية عنه". قال ابن الصلاح: "قال الخطيب الحافظ: التابعي من صحب الصحابيَّ. قلت: ومطلقه مخصوص بالتابعي بإحسان, ويقال للواحد منهم: تابع وتابعي. وكلام الحاكم أبي عبد الله وغيره مشعر بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي, أو يلقاه, وإن لم توجد الصحبة العرفية، والاكتفاء في هذا بمجرد اللقاء والرؤية أقرب منه في الصحابة نظرا إلى مقتضى اللفظين فيهما", وقال الحافظ العراقي متعقبا كلامه "وفيه أمور؛ أحدها: أن تقديم المصنف كلام الخطيب في حد التابعي على كلام الحاكم وغيره, وتصديره به كلامه ربما يوهم في ترجيحه على القول الذي بعده, وليس كذلك, بل الراجح الذي عليه العمل قول الحاكم وغيره في الاكتفاء بمجرد الرؤية دون اشتراط الصحبة, وعليه يدل عمل أئمة الحديث: مسلم بن الحجاج وأبي حاتم بن حبان وأبي عبد الله الحاكم وعبد الغني بن سعيد وغيرهم. وقد ذكر مسلم بن الحجاج في كتاب الطبقات سليمان بن مهران الأعمش

стр. 189

في طبقة التابعين، كذلك ذكره ابن حبان فيهم, وقال: إنما أخرجناه في هذه الطبقة؛ لأن له لقيا وحفظا, رأى أنس بن مالك, وإن لم يصح له سماع المسند عن أنس, وقال علي بن المديني: لم يسمع الأعمش من أنس إنما رآه رؤية بمكة يصلي خلف المقام. أما طريق الأعمش عن أنس, فإنما يرويها عن يزيد الرقاشي عن أنس, ثم قال: "الأمر الثاني": أن الخطيب وإن كان قال في كتاب الكفاية ما حكاه عنه المصنف من أن التابعي من صحب الصحابي, فإنه عد منصور بن المعتمر من التابعين في جزء له جمع فيه رواية الستة من التابعين بعضهم عن بعض, وذلك في الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي من رواية منصور بن المعتمر, عن هلال بن يساف, عن ربيع بن خيثم, عن عمرو بن ميمون, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن امرأة من الأنصار, عن أبي أيوب مرفوعًا: " ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن". قال الخطيب: منصور بن المعتمر لقي ابن أبي أوفى. قلت: وإنما له رؤية له فقط دون الصحبة والسماع, وقد ذكره مسلم وابن حبان وغيرهما في طبقة أتباع التابعين, ولم أر من عده في طبقة التابعين. وقال النووي في شرح مسلم: ليس بتابعي, ولكنه من أتباع التابعين, فقد عده الخطيب في التابعين, وإن لم يعرف له صحبة لابن أبي أوفى, فيحمل قوله في الكفاية: من صحب الصحابي. على أن المراد اللقى جمعا بين كلاميه, والله أعلم. "الأمر الثالث": أن تعقب المصنف كلام الخطيب بقوله: قلت ومطلقه

стр. 190

مخصوص بالتابعي بإحسان فيه نظر من حيث إنه إن أراد بالإحسان أنه لا يرتكب أمرا يخرجه عن الإسلام فهو كذلك، وأهل الحديث وإن أطلقوا أن التابعي من لقي أحدا من الصحابة, فمرادهم مع الإسلام, إلا أن الإحسان أمر زائد على الإيمان والإسلام, كما فسره به النبي ﷺ في سؤال جبريل له في الحديث المتفق عليه, وإن أراد المصنف بالإحسان الكمال في الإسلام أو العدالة, فلم أر من اشتراط ذلك في حد التابعي, بل من صنف في الطبقات دخل فيهم الثقات وغيرهم, والله أعلم١" انتهى كلام ابن الصلاح وتعقيب العراقي عليه. والذي ينشرح له الصدر هو التفريق بين ما للصحبة من تأثير وبين ما للنبوة، فالنبي ﷺ بجاذبيته, وقوة تأثيره وإشراق نور النبوة يمكن أن يتزود منه الصحابي بالشحنة الروحية, ولو من مجرد اللقاء، ويختلف الأمر مع التابعي، فالأوجه اشتراط الصحبة فيه، ومعلوم تفاوت التأثير والتأثر، فالصحابي أسرع استقبالا لفيوضات الخير والقوة المؤثرة فيه أشد، بخلاف التابعي فينبغي مراعاة ذلك.

стр. 191

هل التابعون كلهم عدول ؟: إذا تقرر الفرق بين الصاحب والتابع تأثيرًا وتأثرًا، وأخذًا وإعطاء، فبالتالي يتقرر الفرق بين الصحابة والتابعين في مسألة العدالة، وقبول الرواية من سائرهم، فإن الجمهور على أن الصحابة كلهم عدول بالمعنى الذي سبق

стр. 192

توضيحه، وليس الحال كذلك في التابعين فقد حدث أمور تقتضي الفحص عن أحوالهم, والبحث عن ميولهم، والتنقيب عن درجتهم جرحا وتعديلا، ذلك أنه بعد أن انكسر باب الفتنة بموت عمر, وأطلت الفتنة في آخر خلافة ذي النورين واستشرت، بل وغمت وطمت بعد مقتله ونشبت الحرب بين علي ﵁ وخصومه وانقسمت الأمة بين مناصر موالي وبين مخاصم معادي، والتمس أنصار كل فريق سندا ومعتمدا, لم يعد الحديث في مأمن، ولم يكن الناس على ما كانوا عليه من الثقة والاطمئنان، اللهم إلا أولئك الذين لزموا الحق، وتجنبوا الهوى، وآثروا السلامة من الفتن، وانكبوا على العلم عامة، والحديث خاصة، يجمعونه ويحصلونه ويشهرونه وينشرونه. وكان هؤلاء كثرة كاثرة, ومع ذلك لبدت السماء بغيوم الشك وسحائب الريب من جراء الدس والوضع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه, ومتابعته هواه بغير هدى من الله. وتجردت أقلام لكشف تلك الغيوم، وانبعثت همم لدفع تلك الريب, ووجد النقاد العالمون العارفون بالحديث وعلله، المستبصرون المبصرون بما يذود عن حياض هذا الدين, ويرد عنه غلاء الغالين، ويصونه من تفريط المفرطين. لسوف تعرض هذه الدراسة نماذج طيبة من هؤلاء الذين امتشقوا حسام الكلام, وسلوا ألسنتهم دفاعا عن الحق، ومجابهة للباطل، مما لا يبقى معه عذر لمشكك أو متشكك، وما كان الله ليخلف وعده بحفظ هذا الدين, ولا ليذر المؤمنين على ما هم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب.

стр. 193

ظهور الفرق في عهد التابعين: ما إن نهض علي ﵁ بأعباء الخلافة بعد أن بويع له بها، حتى استقبلته الأحداث، وأحاطت به الملمات، فلم يتهدأ الأمور, ولم يصف له إلا ساعات, وما كان صفاؤها تاما. فأهل الشام بقيادة معاوية أبوا مبايعة علي حتى يأخذ بثأر عثمان، ومتى هدأ له الزمان، ومكن من إقامة العدل ومقاومة الطغيان؟ ومن منه أحرص على تطبيق الحد؟ خرج إلى الكوفة يريد إقناع أهل الشام؛ فإذا بأم المؤمنين عائشة, ومعها طلحة والزبير في جيش عظيم يطالبون بدم عثمان، وتقوم رحى الحرب في موقعة الجمل ويسقط الألوف، ويدين النصر للخليفة، لكنه لا يهنأ به، فما كان ليفرحه أن تراق دماء المسلمين في غير مواقعها، لكن البعض يأبى إلا الاستشراف بالفتن، وتشب حرب ضارية بين علي ومعاوية عند صفين، وما أن تلوح بوادر النصر الحاسم لأبي تراب، حتى يلجأ أهل الشام إلى خديعة ماكرة، فترفع المصاحف على أسنة الرماح، ويتشدق رافعوها بأنهم يطلبون حكم الله، ويحكمون كتابه. ويظهر لعلي وجه الحق، وتدرك حصافته الخديعة، فيرفض التحكيم ويأبى الأغرار من أتباعه إلا إجباره على قبوله، فإذا قبله بإلحاحهم، وآل أمره إلى ما آل إليه، انبرى بعض الجهلاء يعنفونه ويلومونه، وينطقون باطلا: "حكمت الرجال، لا حكم إلا لله ورسوله", ثم يكفرونه، ويكفرون خصومه، ويخرجون عن طاعته وطاعة معاوية فيعرفون بـ"الخوارج"

стр. 194

ويبالغ بعض أتباعه في مشايعته، ويغالون في محبته فيعرفون بـ"الشيعة", ولم تكن إحدى الفرقتين أقل ضررا, ولا أضعف خطرًا على الدين من الأخرى.

стр. 195

الخوارج: فالخوارج رأوا أن الخلافة يجب أن تكون بمحض الاختيار، ولا يلزم كون الخليفة قرشيا خلافًا لما جاءت به النصوص، ومتى تم اختيار الإمام فلا يصح له أن يتنازل، ولا أن يقبل الاحتكام، وهم يرضون الخلافة للشيخين, ثم لعثمان في السنين الأولى من خلافته، ويرضونها لعلي إلى أن قبل التحكيم، وبقبوله له أصبح كافرا في رأيهم، ومعاوية غاصب للخلافة. وهم يكفرون بالمعصية فمرتكب الكبيرة عندهم كافر، والذي يظهر من حالهم أنهم أعراب غلاظ من جفاة البادية لم يحسنوا فهم القرآن، ولم يتمعنوه، وليس فيهم صحابة، أشرق نور النبوة عليهم، أو استضاءوا به. وقد أجاد ابن حزم تسفيه رأيهم في التحكيم وتحقيق جهلهم ومجافاتهم للحق قال: "ما حكم علي ﵁ قط رجلا في دين الله وحاشاه من ذلك, إنما حكم كلام الله ، كما افترض الله تعالى عليه، وإنما اتفق القوم كلهم إذا رفعت المصاحف على الرماح, وتداعوا إلى ما فيها على الحكم بما أنزل الله في القرآن, وهذا هو الحق الذي لا يحل لأحد غيره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 196

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ فإنما حكم علي ﵁ أبا موسى وعمرًا ﵄؛ ليكون كل واحد منهما مدليا بحجة من قدمه, وليكونا متخاصمين عن الطائفتين, ثم حاكمين لمن أوجب القرآن الحكم له. وإذ من المحال الممتنع الذي لا يمكن أن يفهم لغط العسكرين, أو أن يتكلم جميع أهل العسكر بحجتهم, فصح يقينا لا محيد عنه صواب علي في تحكيم الحكمين والرجوع إلى ما أوجبه القرآن, وهذا الذي لا يجوز غيره, ولكن أسلاف الخوارج كانوا أعرابا قرءوا القرآن قبل أن يتفقهوا في السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ، ولم يكن فيهم أحد من الفقهاء لا من أصحاب ابن مسعود ولا أصحاب عمرو ولا أصحاب علي ولا أصحاب عائشة ولا أصحاب أبي موسى ولا أصحاب معاذ بن جبل، ولا أصحاب أبي الدرداء ولا أصحاب سليمان ولا أصحاب زيد وابن عباس وابن عمر، ولهذا تجدهم يكفر بعضهم بعضا عند أقل نازلة تنزل بهم من دقائق الفتيا وصغارها, فظهر ضعف القوم قوة جهلهم"١. ا. هـ. وبناء على مذهبهم الفاسد استباحوا دماء المسلمين، وقاتلوا جماهيرهم، وكان المسلم الذي لا يوافقهم, ولا يتبرأ ممن يتبرءون منه حلال الدم عندهم، رأو نصراينا فقالوا: إن لك عندنا ذمة، وأمنوه، ثم قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت, بقروا بطن جاريته وهي حامل، فما قال لهم علي ﵁: ادفعوا إلينا قتلته، فقالوا: كلنا قتله فقاتلهم علي حتى كاد يبيدهم.

стр. 197

وبقي من بقي منهم غصة في حلق الدولة الأموية، لم يغيرهم الظلم والعسف والتنكيل, ولم يجد معهم اللين والعدل والرفق والإنصاف.

стр. 198

قلة فقه الخوارج, واجتراؤهم على الحديث: يعد الخوارج أشد الفرق الإسلامية دفاعا عن مذهبها، وحماسة لآرائها، وأشد الفرق تدينا في جملتها وأشدها تهورًا واندفاعا، وهم في دفاعهم وتطورهم مستمسكون بألفاظ قد أخذوا بظواهرها, وظنوا هذه الظواهر دينا مقدسا، ولا يحيد عنه مؤمن. وقد كان جهلهم بالحديث وعدم تحملهم له عن غيرهم؛ لأنه متهم في نظرهم سبب في أن فقههم جاء مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية, بل منه ما جاء مخالفا لنصوص القرآن الكريم. مما تستطيع أن تقول معه ليس بفقه ذاك الذي صدروا عنه بل قلة فقه، إذ إن منهم من يرى أن التيمم جائز مطلقا, ولا يشترط فيه فقد الماء، بل يصح على البئر. ومنهم من يرى أن الواجب في الصلاة ركعة في الغداة, وركعة في العشي, ومنهم من يرى أن لا ميقات للحج, وإنما يصح في جميع العام, ومنهم من يبيح نكاح بنات البنات وبنات البنين, فمن أي كتاب, أم من أية سنة تلقوا هذا الضلال؟! إنه فهم سقيم لنصوص القرآن الكريم، وإعراض عن الحق برد روايات

стр. 199

الجمهور، إذ كيف يقبلونها وهم في نظرهم كفار؟ فكيف يأخذون عنهم دينهم؟ يكفيهم أن يستقوا ثم التعصب، وألوان التخبط من أئمتهم الجفاة القساة الذين لا علم لهم بالحديث, ولا تدبر لهم في الكتاب. وهذا هو حال الأعم الأغلب منهم, ولا يتنافى مع وجود قلة قليلة منهم تفقهوا ونبغوا واشتغلوا بالرواية كعمران بن حطان، الذي أخرج البخاري روايته، مع أنه مبتدع، ويكفيه بدعة مدحه لأشقى القوم عبد الرحمن بن ملجم الذي انبعث لقتل علي ﵁ وأرضاه وكرم الله وجهه. ومع قول الخوارج بتكفير مرتكب الكبيرة، واعترافهم بأن الكذب كبيرة تجدهم قد انزلقوا فيه, وسقطوا في مهاويه. قال الأستاذ الدكتور أبو زهو ﵀: "هذا ومع أن الخوارج يحكمون بكفر الكاذب, فقد وجد من بعضهم الوضع في الحديث, والكذب على رسول الله ﷺ ؛ لتأييد مذاهبهم الباطلة حتى تروج لدى أتباعهم فابن الجوزي في مقدمة كتاب الموضوعات يروي عن ابن لهيعة أنه قال: سمعت شيخا من الخوارج تاب ورجع فجعل يقول: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم, فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا, وهذا عبد الرحمن بن مهدي يقول فيما ينسبه إلى النبي ﷺ من قولهم: "إذا أتاكم الحديث عني فأعرضوه على كتاب الله, فإن وافق كتابه الله فأنا قلته ... إلخ". إن الخوارج والزنادقة وضعوا ذلك الحديث, وهذا ليس ببعيد من

стр. 200

قوم وقفوا عند ظواهر الكتاب وردوا الحديث إذا جاء من غير من ينتمون إليه، إلا أن وضع الخوارج للحديث لم يكن بالكثرة التي جاءت عن الشيعة وذلك لأمور: ١- إن الخوارج كان من مذهبهم تكفير الكاذب, وذلك مما يجعل الكذب فيهم قليلا. ٢- إنهم كانوا لبداوتهم وجفاء طبعهم وغلظتهم غير مستعدين لقبول أفراد من الأمم الأخرى كالفرس واليهود الذين اندسوا في الشيعة ووضعوا كثيرا من الأحاديث. ٣- كان عماد الخوارج في محاربتهم خصومهم إنما هو أسلحتهم وقوتهم وشجاعتهم, وكانوا مع ذلك صرحاء لا يعرفون التقية التي استخدمها الشيعة لذلك تراهم لم يلجئوا إلى الكذب لانتقاص أعدائهم؛ لأنهم في نظرهم كفار وليس بعد الكفر عيب ينتقص به صاحبه, فلم يبق سوى السيف يعملونه في رقابهم من غير مداهنة ولا مداجاة. فكل هذه العوامل كان لها أثر في تقليل الكذب في الحديث من الخوارج بالنسبة إلى غيرهم من الفرق الأخرى، ومع ذلك لم يعدموا أفرادا منهم اصطنعوا الأكاذيب واختلقوا الأحاديث"١. ا. هـ. وقد رأى الدكتور مصطفى السباعي عكس هذا، فاستبعد وقوع الكذب

стр. 201

من الخوارج, ورأى أن خبر الشيخ الذي تاب منقول عن شيخ من الرافضة فلعل من نسبه إلى الخوارج وهم فيه، ثم وإبهام الشيخ يزعزع الثقة في الخبر، وكلام عبد الرحمن بن مهدي في حديث: "ما جاءكم عني ... ", لا يبعد أن يكون قد نسب الوضع له إلى الزنادقة, ثم أضاف البعض الخوارج, ثم قال: لقد حاولت أن أعثر على دليل علمي يؤيد نسبة الوضع إلى الخوارج، ولكني رأيت الأدلة العلمية على العكس، تنفي عنهم هذه التهمة، فقد كان الخوارج كما ذكرنا يكفرون مرتكب الكبيرة أو مرتكب الذنوب مطلقا، والكذب كبيرة, فكيف إذا كان على رسول الله ﷺ ؟ يقول المبرد: "والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب, ومن ذوي المعصية الظاهرة". وكانوا في جمهرتهم عربا أقحاحا فلم يكن وسطهم بالوسط الذي يقبل الدسائس من الزنادقة والشعوبيين, كما وقع ذلك للرافضة، وكانوا في العبادة على حظ عظيم شجعانًا صرحاء لا يجاملون, ولا يلجئون إلى التقية كما يفعل الشيعة. وقوم هذه صفاتهم يبعد جدًّا أن يقع منهم الكذب، ولو كانوا يستحلون الكذب على رسول الله ﷺ لاستحلوا الكذب على من دونه من الخلفاء والأمراء والطغاة كزياد والحجاج، وكل ما بين أيدينا من النصوص التاريخية يدل دلالة قاطعة على أنهم واجهوا الحكام والخلفاء والأمراء بمنتهى الصراحة والصدق, فلماذا يكذبون بعد ذلك, على أني أعود فأقول: إن المهم عندنا أن نلمس دليلا محسوسا يدل على أنهم ممن وضعوا

стр. 202

الحديث، وهذا لم أعثر عليه حتى الآن، كيف وقد قال أبو داود: "ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج", ويقول ابن تيمية: "ليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعدل من الخوارج", ويقول عنهم أيضا: "ليسوا ممن يتعمدون الكذب, بل هم معرفون بالصدق, حتى يقال: إن حديثهم من أصح الحديث". ا. هـ١. وقد رأى الدكتور محمد عجاج الخطيب٢ نفس هذا الرأي, وأيما كان الأمر فيمكن أن نقرر في اطمئنان أن الخوارج لم يعبئوا بالحديث, ولم يجعلوه أصلا لهم، ولو فعلوا لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا. وإذن لما رأيناهم ينتجون تلك السبل التي أوردتهم موارد الهلاك، والذي يكفر عليا ويستبيح الذكي لا يبعد عليه استباحة الكذب.

стр. 203

الشيعة: هم أقدم الفرق الإسلامية، وأبعدها أثرًا، وهم الذين ناقضوا بين الاسم المسمى فادعوا أنهم أشياع علي وآل البيت، وناقضت آراؤهم، وتضادت عقائدهم ما يحبه علي وآل البيت وأشدهم بعدا عن الحق السبئية أتباع عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء ذلك اليهودي الذي تستر بالإسلام، وأجج نار الخصام ضد ذي النورين، وجاء منكرًا من القول وزورا

стр. 204

"تدرج في نشر أفكاره ومفاسده بين المسلمين؛ وموضوعها علي بن أبي طالب ﵁ أخذ ينشر بين الناس أنه وجد في "التوراة" أن لكل نبي وصيا، وأن عليا وصي محمد، وأنه خير الأوصياء، كما أن محمدًا خير الأنبياء، ثم إن محمدًا سيرجع إلى الحياة الدنيا، ويقول: عجبت لمن يقول برجعة المسيح، ولا يقول برجعة محمد، ثم تدرج بهذا إلى الحكم بألوهية علي ﵁، ولقد هم علي بقتله، إذا بلغه عنه ذلك، ولكن نهاه عبد الله بن عباس، وقال له: إن قتلته اختلف عليك أصحابك، وأنت عازم على العود لقتال أهل الشام، فنفاه إلى المدائن. ولما قتل علي ﵁ استغل ابن سبأ محبة الناس له كرم الله وجهه وألمهم لفقده، فأخذ ينشر حول موته الأكاذيب التي تجود بها قريحته إضلالا للناس وإفسادًا لهم، فصار يذكر الناس أن المقتول لم يكن عليا، وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورته، وأن عليا صعد إلى السماء كما صعد إليها ابن مريم ﵇ وقال: كما كذبت اليهود والنصارى في دعواهما قتل عيسى بن مريم، كذلك كذبت الخوارج في دعواها قتل علي ﵁. وإنما رأت اليهود والنصارى شخصًا مصلوبا شبهوه بعيسى، كذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه عليا فظنوا أنه علي، وقد صعد إلى السماء، وإن الرعد صوته، والبرق تبسمه، وإن من هؤلاء السبئية من كان يقول: إن الإله حل فيه وفي الأئمة من بعده، وهو قول يوافق بعض

стр. 205

الديانات القديمة التي كانت تقول بحلول الآلهة في بعض البشر، وأن روح الإله تتناوب الأئمة إماما بعد إمام. كما كان يقول القدماء المصريون في الفراعنة، ومن السبئية أيضا طائفة كانت تقول عن علي: "إن الله قد تجسد فيه", وقالوا له: "هو أنت الله", وقد هم بإحراق هؤلاء"١. ا. هـ. ونحن نتساءل كيف تكون هذه الفرقة من الفرق الإسلامية, وهذا ادعاؤهم ومعتقدهم، دعوى ألوهية علي أو نبوته، وهل يمكن عد أتباع مسيلمة في الفرق الإسلامية وهؤلاء السبئية أوغل منهم في الكفر. وهناك من الشيعة من يكتفي بحب علي وتفضيله على سائر الصحابة واعتقاد أنه الأولى بالخلافة, وأن الشيخين قد نازعا الأمر أهله، وسلبا الخلافة لذا فهم يرفضون خلافتهما, ومنهم من يتغالى فيسبهما ويسب كل من ظاهرهما. وأقرب فرق الشيعة إلى الحق الزيدية, القائلون بمجرد تفضيل علي, ولا مانع من تولية الصديق أو الفاروق، إذ يجوز عندهم تولية المفضول مع وجود الفاضل، ومن هنا كانوا أقرب الفرق إلى أهل السنة والجماعة. والحق أن التشيع كان ستارًا, احتجب وراءه من أعداء الإسلام من الفرس واليهود والروم وغيرهم؛ ليكيدوا لهذا الدين، فالفرس يتعالون

стр. 206

ويأنفون أن يكونوا رعية للعرب، فهم يزعمون أنهم الأحرار والسادة, وأن ما سواهم من الأمم عبيد وخدم لهم، وكانت لهم الدولة من قديم الزمان، فلما دالت دولتهم وبدل الله عزهم ذلا على يد العرب الذين كانوا يستهينون بهم ويستصغرون من شأنهم، كبرت عليهم المصيبة وجلت عن الوصف بليتهم، لذا لم يقبلوا الإذعان لسلطان الدولة الإسلامية، وأخذوا يعملون في الخفاء على إسقاطها، ويمعنون الكيد لها طمعا في إضعافها أو تقويضها حتى يعود إليهم سالف مجدهم، هكذا قدروا، وضحكت لهم وبهم الأقدار، لما تبين لهم أن المسلمين أقوى عودا وأصلب شكيمة, ولا سبيل إلى النيل منهم في ساحات الوغى، راحوا يتظاهرون بالإسلام، فمنهم من هدى الله، ومنهم من بقي على ضلالته، فاندسوا في صفوف المسلمين, وتشيعوا لآل البيت، يظهرون الحب والود، ويبطنون الغدر والكيد، وأخذوا يسلكون مفاوز الفتن والمهالك, ويغرون بدعواهم الباطلة المجافية للحق بعض السذج والبسطاء. واليهود هم أساتذة الحقد، وأساطين الدس والكيد، وهم تجار أديان ومحترفو التزييف وعباقرة الزور والبهتان. والأهم الذي ينبغي أن ننساق إليه، إنما هو بيان موقف الشيعة من الحديث وافترائهم الكذب على رسول الله ﷺ .

стр. 207

موقف الشيعة من الحديث ووضعهم له: ليس هناك كفر أضلع من كفر من يدعي ألوهية البشر, أو حلول الإله فيه, أو استحقاقه النبوة وخطأ جبريل ﵇ في نزوله بالوحي على خاتم الرسل ﷺ . ولقد رأينا هذه العقائد عند الشيعة، ورأينا منهم من يتأول القرآن على غير تأويله, ويدعي أن له سبعين بطنا. فهل يشك أحد في الحكم على هؤلاء بالمروق من الدين؟ وهم الذين لا يجدون حجة على ما يدعونه من الضلالات, إلا ادعاؤهم بالإلهام والإعلام الإلهي، وما كان الإلهام حجة عند غير الأنبياء في إثبات حقيقة ما، أو تقرير حكم من الأحكام، ذلك لأن الخصم يمكنه ادعاء الإلهام، وإثبات نقيض ما أثبته خصمه أو إبطال مدعاه. فما دمنا قد فتحنا باب الإلهام فليس أحد أولى من أحد، بل هو أمر عام بموسوع كل إنسان أن يدعيه. والحق أن الميزان الصحيح في تحقيق الشرائع وإثبات العقائد يتمثل في النقل الصحيح، والعقل السليم، والمنطق المستقيم الذي لا يسعه إلا القبول والتسليم لما يصح به الطريق إلى المعصوم ﷺ . لكن الشيعة أبوا هذا وازدادوا تخبطا إلى تخبطهم، حين راحوا يضعون الأحاديث في فضل آل البيت, ويختلقون الأخبار ليرفعوا عليا فوق السحاب، ظنا منهم أن الوضع يوصل إلى الرفع, والحق أن الصدق هو

стр. 208

بر، والكذب فجور، وما كان الفجور ليعلي ويرفع، وإنما شأنه أن يخفض ويضع، وحاشا لله أن يخفض مقام آل البيت سفاهات من ادعوا -زورا وبهتانا- حبهم ومشايعتهم. أخذ هؤلاء المتشيعون أعداء الإسلام يصنعون الأحاديث في أغراض شتى حسب أهوائهم ونحلهم. فمن ذلك أحاديث وضعوها في مناقب علي, يرفعون من قدره, وأخرى وضعوها في الحط من شأن معاوية وبني أمية, ولا عجب فقد قال قائلهم: "كنا إذا جلسنا فاستحسنا أمرا جعلناه حديثا"١. واقرأ من إفكهم الكثير والكثير عند السيوطي وغيره. فقد ذكر السيوطي في مناقب آل البيت نحوا من اثنتين وتسعين صحيفة٢. وهاك بعض ما ذكر "حدثنا موسى بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعا: خلقت أنا وهارون بن عمران ويحيى بن زكريا, وعلي بن أبي طالب من طينة واحدة، موضوع: آفته محمد بن خلف"٣.

стр. 209

عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي أخصك بالنبوة ولا نبوة بعدي ... " الحديث. موضوع آفته بشر"١. "عن أم سلمة مرفوعا: "يقتل الحسين على رأس ستين سنة من مهاجري"، موضوع وآفته سعد"٢. إلى غير ذلك من الروايات المكذوبة تثبت النبوة لعلي تارة والخلافة والوصية بها تارة أخرى على حسب عقائد الوضاع المختلقين وآرائهم. فقد روى البخاري، عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله. أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير, ولا يقتل مسلم بكافر"٣. هكذا ألقم على الحجر لكل دعي يدعي أن له أو لأحد من آل البيت إيصاء من النبي ﷺ ، والعجيب أن الشيعة علموا فضل علي

стр. 210

وأيقنوا ما له من قدر جلي لكنهم طمثوا هذا الفضل ودرسوا معالم ذلك القدر فكانوا كالقبر الذي يخفي ما لصاحبه من حسن وبهاء. قال العلامة ابن القيم: وأما علي بن أبي طالب ﵇ فانتشرت أحكامه وفتاويه, ولكن قاتل الله الشيعة فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه, ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلا ما كان من طريق أهل بيته, وأصحاب عبد الله بن مسعود كعبيدة السلماني وشريح وأبي وائل ونحوهم, وكان ﵁ وكرم وجهه يشكو عدم حمله العلم الذي كما قال: إن ههنا علما لو أصبت له حملة"١. ولقد كان وضع الشيعة للحديث واختلاقهم الأخبار يتسم بالحيلة والبراعة فهم يحكمون الكذب, ويتفننون توليف الأخبار, فهم قد "اشتغلوا بالحديث وسمعوا من الثقات, وعرفوا الأسانيد الصحيحة, ثم وضعوا عليها الأحاديث التي تتفق وعقيدتهم وأضلوا بها كثيرا, فكان منهم من يسمى بالسدي, ومنهم من يسمى بابن قتيبة, وكانوا يروون عنهما فيظن من لا يعرف حقيقة الحال أنهما المحدثان الشهيران مع أن كلا من السدي وابن قتيبة اللذين ينقل عنهما الشيعة رافضي غال. ولكن جهابذة السنة وعلماء الحديث كشفوا دخيلة أمرهم واطلعوا

стр. 211

الناس على حقيقة حالهم وميزوا بين السديين بالكبير وهو ثقة, والصغير وهو كذاب وضاع, وكذا ميزوا بين ابن قتبية الشيعي وبين عبد الله بن مسلم بن قتيبة, ولم يقتصر الشيعة على ذلك, بل وضعوا الكتب وملئوها بأباطيلهم, ونسبوها إلى أهل السنة ككتاب سر العارفين الذي نسبوه للغزالي"١. هذا وقد كان لوضع الشيعة للحديث واختلاقهم الأخبار أثر عكسي حتى يكتمل الطابع المأسوي لهذا الصنيع السيئ الذي أملاه التعصب والهوى, فقد أتى أكله ثمارا مرة على الجانب الآخر عند خصوم الشيعة الذين أبى ضعفاء الدين منهم إلا أن يزيدوا لهم الصاع صاعين ففجروا في خصومتهم, وغالوا في مباراتهم الشيعة, ومسابقتهم لهم في وضع الحديث, إذ عمد بعض الأئمة من أنصار بني أمية إلى اختلاق أحاديث في فضل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية رضي الله عن الجميع وأرضاهم, يضاهئون بها صنيع الشيعة من قبل في شأن علي وآل البيت. وإنها وايم الله لخصلة من خصال النفاق وسبة فيمن فعلها فما كان أغناه عن اختلاق الحديث, وتبوئه مقعده من النار، فلهؤلاء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من شرف الصحبة وحسن المجاهدة, وطيب الفعال, وكريم الخلال وجميل الخصال ما يرفعهم إلى أعلى عليين, وما يطلق الألسنة الصادقة بالثناء عليهم إلى يوم الدين، فما أشد ما وقع فيه أولئك الأفاكون الكذابون من السقوط والتردي.

стр. 212

وهذه أمثلة مما رد به ضعفاء الدين من أنصار بني أمية على غلو الشيعة في علي وآل البيت, وما حاكوه من أساطير. فعن أبي هريرة مرفوعا: "تفاخرت الجنة والنار فقالت النار للجنة: أنا أعظم منك قدرًا، قالت: ولم؟ قالت: لأن فيّ الفراعنة والجبابرة والملوك وأبناؤها, فأوحى الله تعالى إلى الجنة أن قولي: بل لي الفضل إذ زينني الله لأبي بكر وعمر"، موضوع: أبان متروك, ومهدي كذاب وضاع١. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أدخلت الجنة فناولني جبريل تفاحة فانفلقت في يدي فخرجت منها جارية كأن أشفار عينيها مقاديم النسور, فقلت لها: لمن أنت؟ فقالت: أنا للمقتول بعدك ظلما عثمان بن عفان". قال في الميزان: هذا كذب. قال ابن حبان يحيى بن شعيب يروي عن الثوري ما لم يحدث به قط. وقال في اللسان: هو ظاهر البطلان٢. وعن خالد بن معدان عن واثلة مرفوعا: "الأمناء عند الله ثلاثة أنا وجبريل ومعاوية". قال النسائي وابن جبان: هذا حديث باطل موضوع, وأحمد بن عيسى يروي عن المجاهيل مناكير وعن المشاهير المغلوبات. قال ابن عدي: وقد تفرد وهو باطل من كل وجه٣.

стр. 213

الفرق الأخرى وأثرهم في الحديث: تعد فرقتا الخوارج والشيعة أس البلاء فيما انتاب هذه الأمة من تفريق الكلمة وتشتيت الجمع, وقد رأينا ما لهما من أثر على الحديث, وإنك لتزداد بغضا لرأيهما حين ترى تسبب هذه الآراء في نشوء فرق أخرى متعددة الأهواء كالمرجئة الذين قالوا بأنه لا تضر مع الإيمان معصية كما أنه لا تنفع مع الكفر طاعة. ولو تتبعت الإرجاء في نشأته وتطوره لوجدته في أول أمره موافقا للحق مطابقا لما كان عليه كثيرون من ذوي الرجاحة الذين رأوا الإعراض عن الخلاف والجنوح عن ساحته وتفويض أمر المختلفين إلى الله فرارًا من المغالاة بتفكير هؤلاء أو أولئك كما فعل الخوارج واجترحوا في حق أم المؤمنين ومن حالفها في معركة الجمل، ثم في حق علي الذي حكموا بإيمانه إلى أمد التحكيم, ثم كفروه بقبوله, وقل من سلم من تكفيرهم, فجاء هؤلاء معاكسين لهم, ثم تطور الأمر إلى القول بإرجاء الحكم على مرتكب الكبيرة, وتفويض أمره إلى بارئه مقتربا قائل هذا من أهل السنة فيما قالوه من أن من يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه. ثم أفرط بعض المرجئة وغالى فقال: بالفصل بين الإيمان والعمل والاكتفاء بمجرد الاعتقاد, ولا يضر مع اعتقاد القلب وقبوله الإسلام مخالفة الظاهر, ولو ارتكبت الجوارح جميع الآثام بل لو وجد المعتقد بقلبه مع اليهود والنصارى. ولقد صحت أحاديث كثيرة تدفع هذا الزعم وتبطله, وصرف الأئمة

стр. 214

الكثير من اهتمامهم إلى الرد على هؤلاء ودحض شبههم وما أكثر ما عقد المحدثون أبوابا للربط بين الإيمان والقول والعمل, ولبيان أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصية, ويكفيك أن تقرأ "خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر" هكذا ترجم البخاري في صحيحه ثم نقل في تأكيدها هذا المعنى عن إبراهيم التيمي١, قال: ما عرضت قولي على عمل إلا خشيت أن أكون مكذبًا". وقال ابن أبي مليكة٢: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه, ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.

стр. 215

ويذكر عن الحسن١ ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق". قال العيني في شرح هذه الترجمة: ذكر النووي أن مراد البخاري بهذا الرد على المرجئة في قولهم: إن الله لا يعذب على شيء من المعاصي ممن قال لا إله إلا الله, ولا يحبط شيء من أعماله بشيء من الذنوب، وإن إيمان المطيع والعاصي سواء, فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين, وما نقوله عن الصحابة ﵃, وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم فيه, وأنهم مع اجتهادهم المعروف خافوا أن لا ينجو من عذاب الله تعالى. وقال القاضي عياض المرجئة أضداد الخوارج والمعتزلة كالخوارج تكفر بالذنوب, والمعتزلة يفسقون بها, وكلهم يوجب الخلود في النار, والمرجئة تقول: لا تضر الذنوب مع الإيمان, وغلاتهم تقول: يكفي التصديق بالقلب وحده ولا يضر عدم غيره, ومنهم من يقول: يكفي التصديق بالقلب والإقرار باللسان. وقال غيره إن من المرجئة من وافق القدرية؛ كالصالحي والخالدي, ومنهم من قال بالإرجاء دون القدر, وهم خمس فرق كفر بعضهم بعضا, والمرجئة
следующие страницы →