الناس على حقيقة حالهم وميزوا بين السديين بالكبير وهو ثقة, والصغير وهو كذاب وضاع, وكذا ميزوا بين ابن قتبية الشيعي وبين عبد الله بن مسلم بن قتيبة, ولم يقتصر الشيعة على ذلك, بل وضعوا الكتب وملئوها بأباطيلهم, ونسبوها إلى أهل السنة ككتاب سر العارفين الذي نسبوه للغزالي"١.
هذا وقد كان لوضع الشيعة للحديث واختلاقهم الأخبار أثر عكسي حتى يكتمل الطابع المأسوي لهذا الصنيع السيئ الذي أملاه التعصب والهوى, فقد أتى أكله ثمارا مرة على الجانب الآخر عند خصوم الشيعة الذين أبى ضعفاء الدين منهم إلا أن يزيدوا لهم الصاع صاعين ففجروا في خصومتهم, وغالوا في مباراتهم الشيعة, ومسابقتهم لهم في وضع الحديث, إذ عمد بعض الأئمة من أنصار بني أمية إلى اختلاق أحاديث في فضل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية رضي الله عن الجميع وأرضاهم, يضاهئون بها صنيع الشيعة من قبل في شأن علي وآل البيت.
وإنها وايم الله لخصلة من خصال النفاق وسبة فيمن فعلها فما كان أغناه عن اختلاق الحديث, وتبوئه مقعده من النار، فلهؤلاء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من شرف الصحبة وحسن المجاهدة, وطيب الفعال, وكريم الخلال وجميل الخصال ما يرفعهم إلى أعلى عليين, وما يطلق الألسنة الصادقة بالثناء عليهم إلى يوم الدين، فما أشد ما وقع فيه أولئك الأفاكون الكذابون من السقوط والتردي.
стр. 212
وهذه أمثلة مما رد به ضعفاء الدين من أنصار بني أمية على غلو الشيعة في علي وآل البيت, وما حاكوه من أساطير.
فعن أبي هريرة مرفوعا: "تفاخرت الجنة والنار فقالت النار للجنة: أنا أعظم منك قدرًا، قالت: ولم؟ قالت: لأن فيّ الفراعنة والجبابرة والملوك وأبناؤها, فأوحى الله تعالى إلى الجنة أن قولي: بل لي الفضل إذ زينني الله لأبي بكر وعمر"، موضوع: أبان متروك, ومهدي كذاب وضاع١.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أدخلت الجنة فناولني جبريل تفاحة فانفلقت في يدي فخرجت منها جارية كأن أشفار عينيها مقاديم النسور, فقلت لها: لمن أنت؟ فقالت: أنا للمقتول بعدك ظلما عثمان بن عفان".
قال في الميزان: هذا كذب. قال ابن حبان يحيى بن شعيب يروي عن الثوري ما لم يحدث به قط. وقال في اللسان: هو ظاهر البطلان٢.
وعن خالد بن معدان عن واثلة مرفوعا: "الأمناء عند الله ثلاثة أنا وجبريل ومعاوية". قال النسائي وابن جبان: هذا حديث باطل موضوع, وأحمد بن عيسى يروي عن المجاهيل مناكير وعن المشاهير المغلوبات. قال ابن عدي: وقد تفرد وهو باطل من كل وجه٣.
стр. 213
الفرق الأخرى وأثرهم في الحديث:
تعد فرقتا الخوارج والشيعة أس البلاء فيما انتاب هذه الأمة من تفريق الكلمة وتشتيت الجمع, وقد رأينا ما لهما من أثر على الحديث, وإنك لتزداد بغضا لرأيهما حين ترى تسبب هذه الآراء في نشوء فرق أخرى متعددة الأهواء كالمرجئة الذين قالوا بأنه لا تضر مع الإيمان معصية كما أنه لا تنفع مع الكفر طاعة.
ولو تتبعت الإرجاء في نشأته وتطوره لوجدته في أول أمره موافقا للحق مطابقا لما كان عليه كثيرون من ذوي الرجاحة الذين رأوا الإعراض عن الخلاف والجنوح عن ساحته وتفويض أمر المختلفين إلى الله فرارًا من المغالاة بتفكير هؤلاء أو أولئك كما فعل الخوارج واجترحوا في حق أم المؤمنين ومن حالفها في معركة الجمل، ثم في حق علي الذي حكموا بإيمانه إلى أمد التحكيم, ثم كفروه بقبوله, وقل من سلم من تكفيرهم, فجاء هؤلاء معاكسين لهم, ثم تطور الأمر إلى القول بإرجاء الحكم على مرتكب الكبيرة, وتفويض أمره إلى بارئه مقتربا قائل هذا من أهل السنة فيما قالوه من أن من يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه.
ثم أفرط بعض المرجئة وغالى فقال: بالفصل بين الإيمان والعمل والاكتفاء بمجرد الاعتقاد, ولا يضر مع اعتقاد القلب وقبوله الإسلام مخالفة الظاهر, ولو ارتكبت الجوارح جميع الآثام بل لو وجد المعتقد بقلبه مع اليهود والنصارى.
ولقد صحت أحاديث كثيرة تدفع هذا الزعم وتبطله, وصرف الأئمة
стр. 214
الكثير من اهتمامهم إلى الرد على هؤلاء ودحض شبههم وما أكثر ما عقد المحدثون أبوابا للربط بين الإيمان والقول والعمل, ولبيان أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصية, ويكفيك أن تقرأ "خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر" هكذا ترجم البخاري في صحيحه ثم نقل في تأكيدها هذا المعنى عن إبراهيم التيمي١, قال: ما عرضت قولي على عمل إلا خشيت أن أكون مكذبًا".
وقال ابن أبي مليكة٢: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه, ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
стр. 215
ويذكر عن الحسن١ ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق".
قال العيني في شرح هذه الترجمة: ذكر النووي أن مراد البخاري بهذا الرد على المرجئة في قولهم: إن الله لا يعذب على شيء من المعاصي ممن قال لا إله إلا الله, ولا يحبط شيء من أعماله بشيء من الذنوب، وإن إيمان المطيع والعاصي سواء, فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين, وما نقوله عن الصحابة ﵃, وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم فيه, وأنهم مع اجتهادهم المعروف خافوا أن لا ينجو من عذاب الله تعالى. وقال القاضي عياض المرجئة أضداد الخوارج والمعتزلة كالخوارج تكفر بالذنوب, والمعتزلة يفسقون بها, وكلهم يوجب الخلود في النار, والمرجئة تقول: لا تضر الذنوب مع الإيمان, وغلاتهم تقول: يكفي التصديق بالقلب وحده ولا يضر عدم غيره, ومنهم من يقول: يكفي التصديق بالقلب والإقرار باللسان.
وقال غيره إن من المرجئة من وافق القدرية؛ كالصالحي والخالدي, ومنهم من قال بالإرجاء دون القدر, وهم خمس فرق كفر بعضهم بعضا, والمرجئة
стр. 216
بضم الميم وكسر الجيم وبهمزة مشتق من الإرجاء, وهو التأخير, وقوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أي أخره, والمرجئ من يؤخر العمل عن الإيمان, والنية والقصر, وقيل: من الأرجاء لأنهم يقولون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة, وقيل: مأخوذ من الإرجاء بمعنى تأخير حكم الكبيرة فلا يقضى لها بحكم في الدنيا"١.
وقد كان أثر المرجئة على الحديث من جهة تصادم مذهبهم معه, ولم يشتهر عنهما لوضع أو الدس فيه, وإن كان لا يستبعد وقوعه منهم فقد أسرفوا في الإباحية وغرقوا في المعاصي بزعم أنها لا تضرهم والكذب معصية فلا يبعد اقترافهم له.
وهناك القدرية وهو وصف تفاوت في الإطلاق, فقد كان يطلق على من ينفون القدر, ويقولون إن الأمر أنف بمعنى "مستأنف", وقد ظهر هذا الانحراف العقدي مبكرا مما حدا ببعض الصحابة إلى التصدي له ومجابهته, فقد روى مسلم في أول كتاب الإيمان ما يعد تأريخا لظهور الكلام في القدر, روى بسنده عن يحيى بن يعمر٢.
стр. 217
قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني١.
فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري٢ حاجين أو معتمرين, فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ , فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر, فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد, فاكتنفته أنا وصاحبي: أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله, فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ, فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن, ويتقعرون العلم, وذكر من شأنهم, وأنهم يزعمون أن لا قدر, وأن الأمر أنف, قال: فإذا لقيت أولئك, فأخبرهم أني بريء منهم, وأنهم براء مني, والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا, فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.
"ثم ساق رواية أبيه عمر في سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان وأمارات الساعة, وكان التعريف النبوي للإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره".
стр. 218
قال النووي: "واعلم أن مذهب أهل الحل إثبات القدر, ومعناه أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم, وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده , وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه لم يقدرها, ولم يتقدم علمه بها, وأنها مستأنفة العلم أي إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها, وكذبوا على الله وجلَّ عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا, وسميت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر.
قال أصحاب المقالات من المتكلمين, وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل, ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه, وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر, ولكن يقولون: الخير من الله, والشر من غيره. تعالى الله عن قولهم.
وحديث: "القدرية مجوس هذه الأمة" رواه أبو حازم عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ , أخرجه أبو داود في سننه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين وقال: صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر. قال الخطابي: إنما جعلهم ﷺ مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلية النور والظلم, يزعمون أن الخير من فعل النور, والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية, وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى, والشر إلى غيره, والله خالق الخير والشر جميعا, لا يكون شيء فيهما إلا بمشيئته, فهما مضافان إلى الله خلقا وإيجادا, وإلى الفاعلية لهما من عباده فعلا واكتسابا.
стр. 219
وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله وقهره على ما قدره وقضاه, وليس الأمر كما يتوهمونه, وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من اكتساب العبد, وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها والقدر اسم لما صدر عن فعل القادر يقال: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله تعالى: فقضاهن سبع سموات في يومين" أي خلقهن, قلت: قد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله "١.
ويمتد فكر القدرية الذين آلت إليهم التسمية لقولهم: بأن للعبد قدرة على خلق أفعاله, هؤلاء الذين عرفوا بالمعتزلة, ونشئوا كثمرة مرة لفكر الخوارج, فهم لم يقبلوا التفكير بالكبيرة والمعصية، ولم يرضهم نسبة المعاصي إلى الإيمان فنزلوه منزلة الاثنين, وما أكثر ما ناب الحديث والمحدثين من تطاولهم وتهجمهم, وهم يحكمون العقل في النقل, فإذا أعياهم ذلك لجئوا إلى رد النقل, ورموا النقلة بفحش القول, وما أكثر ما نال المحدثين من بذاءاتهم فحتى الصحابة رضوان الله عليهم نالهم حظهم, وأخذوا نصيبهم من تطاول مدرسة الاعتزال, وقد سبقت الإشارة إلى تطاول النظام, ومن على شاكلته على الصحابي الجليل "أبو هريرة" وسيأتي تعرض لهذا عند استعراض منهج ابن قتيبة في دفاعه عن الحديث والمحدثين.
стр. 220
ومن كل ما سبق يتضح للرائي الجو القائم الذي ظللته إحن الاختلاف ولبدته بغيوم التردد والشك أهواء وعصبيات, ومع ذلك كله لم تحجب تلك الغيم سماء الحقيقة, ولم تطمث إشراق الحق الذي ظل منبلجا في قلوب أهله.
ومن كرم ذي الفضل العظيم, وفيض جوده العميم أن انحصر أهل الأهواء والبدع والعصبيات في شراذم قليلة, وتجمع أنصار الحق ودافعوا عنه في ثبات وصدق, فكان صوتهم الأقوى ونداؤهم الأعلى ونهجهم الأوضح الأجلى أمام تلك الأمواج العاتية وقفت الكثرة الكاثرة من التابعين تذود عن حياض الدين وتظهر إفك الأفاكين، وتتصدى في ثبات ويقين لأي محاولة تستهدف كتاب الله أو سنة نبيه, فمع التابعين وهم في أعمهم وأغلبهم متبعون لا مبتدعون، ومنصفون لا متعصبون.
стр. 221
جهود التابعين في المحافظة على الحديث ومقاومة الضالين:
على طريق الصحابة ومع بعضهم سار التابعون لهم بإحسان يمثلون الكثرة وينهضون بهذه المهمة: المحافظة على الحديث وتبليغه سالما من الدس والتدليس نقيا من الهوى بعيدا عن التعصب.
مضى جمهور التابعين غير منخدع بترويج أهل البدع والأهواء لآرائهم الفاسدة, وإنما تمسك بالسنة ولا يهتز، واحتياط في الرواية وتثبت من الأخبار، فهم يوقنون أن الحديث دين، فلينظروا عمن يأخذون دينهم وهم يدركون اختلاط الغث بالسمين، فلا بد من المبالغة في التأمل والتبصر بما ينقلون, وما كان التابعي ليقبل أن يكون حاطب ليل ربما يحتطب أو يجمع إلى
стр. 222
الحطب الأفاعي والثعابين وهو لا يدري بل لا بد وأن يحاط خبرًا بما يرويه.
كان ولا بد أن يسألوا, وأن يتحروا والعلة في ذلك يوضحها لنا أحدهم محمد بن سيرين١ إذ يقول: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"٢ وقال أيضا: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد, فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم, فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم, وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"٣.
هكذا نستطيع أن نقول إن شطط أهل البدع والأهواء واجتراءهم على الحديث بالوضع والدس فيه, أو محاولة النيل منه بانتقاص راوية، هذا الشطط والاجتراء كما أثمر جانبا سلبيا من خلال المجابهة والمضادة بين أصحاب الأهواء، أثمر أيضا جانبا إيجابيا تمثل في حفز همم أنصار الحق وشحذ عزائمهم ليشتد تمسكهم بالحق ويقوى بحثهم عن اليقين، ويزدادوا تثبتا إلى تثبتهم، واحتياطا إلى احتياطهم.
стр. 223
وقد كان التابعون يسترشدون ويستشهدون برأي من بقي معهم من الهادين المهديين أصحاب النبي ﷺ ، فقد روى مسلم بسنده عن "مجاهد١ قال: جاء بشير العدوي٢ إلى ابن عباس, فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ . فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه, ولا ينظر إليه, فقال: يابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ , ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذننا, فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف"٣.
رأى التابعون رأي العين أن الناس ركبوا الصعب والذلول, فلم يقبلوا من كل أحد استأمنوا على الذهب والفضة وأتمنوا عليهما ولم يأتمنوا على
стр. 224
الحديث أن يأخذوه إلا ممن يثقون فيه، ها هو ذا أبو الزناد١ يقول: "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث, يقال: ليس من أهله"٢ وكان الإمام مالك يقول: لقد أدركت في هذا المسجد أي النبوي سبعين ممن يقول: قال فلان, قال رسول الله ﷺ . ولو أن أحدهم أؤتمن على بيت مال لكان أمينا عليه, ولكني ما أخذت عنهم؛ لأنهم ليسوا من أهل الشأن أي علم الحديث والرواية.
على هذا النحو كان احتياط التابعين وتثبتهم فيما يروون، واستيثاقهم ممن عنه ينقلون، على أنهم قد حاكوا الصحابة وقلدوهم في التقلل من الحديث، والتخفف منه، فلا يروي الواحد منهم إلا قدر ما تلح عليه الضرورة ويحتاج إليه البيان "جالس الشعبي٣ ابن عمر سنة فما سمعه يحدث عن رسول الله ﷺ "٤ وقال مجاهد: صحبت ابن عمر
стр. 225
من مكة إلى المدينة، فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا هذا الحديث: "مثل المؤمن مثل النخلة".
وقال السائب١: إنه "صحب سعد بن أبي وقاص٢ من المدينة إلى مكة، قال: فما سمعته يحدث عن النبي ﷺ حديثا حتى رجع"٣.
ومن هنا نستطيع أن نقول: إن التابعين يعدون بحق امتداد للصحابة في كل شيء, وهم بنص المعصوم صلى الله عليه سلم خير القرون، ولا يجانب الصواب من يقول: إن دور التابعين كان أدق وموقفهم كان أصعب وأشق، إذ كان عليهم أن يواجهوا الخطر المحدق, وأن يتصدوا للمحاولات التي بذلت عبثا للنيل من الحديث والمحدثين.
وإذا وقفنا على تراجم بعض التابعين فسيهولنا ما لهم من مواقف جليلة, وإذا ذهبنا معهم حيث ذهبوا, ومضينا إلى الأمصار التر تفرقوا فيها أو التي وجدوا فيها تلاميذ نجباء لأساتذةٍ ألباء فقهاء، فسننبهر بتلك المدارس.
стр. 226
الحديثية التي توزعت في ربوع الإمبراطورية الإسلامية ذات الأطراف المترامية، ويجدر بنا أن نشير بإيجاز إلى أهم تلك المدارس, ثم نقف على تراجم بعض تلاميذها.
стр. 227
أهم المدارس الحديثية في الأمصار الإسلامية ومناهج
مدخل
...
أهم المدارس الحديثية في الأمصار الإسلامية ومناهج المحدثين فيها:
وانتقل الرسول صلى الله عليه سلم إلى الرفيق الأعلى وكلمة الله هي العليا، وراية الإسلام ترتفع على ربوع الجزيرة العربية، وهبت عاصفة الردة كزوبعة ما أسرع إخمادها، ومضى الفاتحون مؤدين بنصر الله المبين، لا يلوون على جيش إلا قهروه، ولا يطلبون فتحا إلا نالوه، ولم يمض القرن الهجري الأول إلا ورايات الإسلام ترفرف عند سور الصين العظيم شرقا، وجبال البرانس غربا, وتمتد أطراف الدولة يمنة ويسرة، وفي كل مكان نزل فيه الصحابة، ومن بعدهم التابعون، فالناس حولهم محتشدون ولسماع كل ما يصدر عنهم متلفهون.
ولقد أقام كثير من الصحابة والتابعين في تلك البلاد المفتوحة وأعطوا أمثلة صحيحة للسلوك المسلم الملتزم, مما حمل أهل تلك البلاد أن يدخلوا في دين الله أفواجا، وأن يلحوا على تلقي تعاليم ذلك الدين الجديد.
وأشرق النور في كل مكان، وترامت الأضواء في الفيافي والوديان، وعم الإشعاع في كل مكان، ولم يعد ثم مقصور على مركز تألقه, وإنما استوجب الاتساع في بقاع الدولة ظهور مراكز إسلامية تعنى بالقرآن والسنة، وتزكي أريحهما في كل الأماكن، وتعطر بعبقهما كل بقعة تعلو فيها راية الحق, فكانت المدارس موزعة على النحو التالي:
стр. 228
١- مدرسة المدينة:
المدينة هي دار هجرته ﷺ ، أوريتها في المنام وفي اليقظة في رحلة الإسراء والمعراج، ثم كانت في الواقع دار هجرته, فيها توطدت دعوته، وتمت نصرته، وشبت فتية قوية دولته، وأهلها هم الذين آووا ونصروا، وتبوءوا الدار والإيمان، وأحبوا من هاجر إليهم، فأحبهم الله ورسوله، وصالح المؤمنين.
وفي المدينة نزل أكثر القرآن المتصل بالأحكام، وبها كان أغلب التشريع، وفيها طاب المقام لكثير ممن عايشوا الوحي, وتابعوه كلمة بكلمة، واستمرت المدينة عاصمة الدولة طيلة عهد الثلاثة الراشدين، ولم ينتقل عنها رابعهم إلا مكرها.
وفي المدينة جلس أكثر أصحاب رسول الله ﷺ ينشرون علمه الذي ورثوه عنه، واشتهر منهم عمر ﵁ وابنه عبد الله وعلي بن أبي طالب وصهيب الرومي١.
стр. 229
وكان أكثرهم شهرة في دنيا العلم أبي بن كعب١, وزيد بن ثابت٢, ولقد عرف الناس قدر زيد سيما عندما أناط به الصديق مهمة جمع القرآن، وكان زيد موضع الإجلال والتكريم، إلى حد أن ابن عمر كان يأخذ بركابه, ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا.
ومن أشهر تلاميذ زيد التابعي الكبير سعيد بن المسيب الذي كان يحفظ قضاياه وفتاويه ويفضله على غيره.
ومن تلاميذ مدرسة المدينة عروة بن الزبير بن العوام, وكان من أعلم أهل المدينة ومن أشدهم ورعا وأكثرهم أخذا عن عائشة.
ومن أوعية علم هذه المدرسة محمد بن مسلم بن شهاب الزهري القرشي, فقد حفظ فقه علماء المدينة, وكان من أسبق العلماء إلى تدوين العلم، واتصل
стр. 230
بكثير من خلفاء بني أمية, وكان موضع احترامهم, وقال فيه: خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز١ إنكم لا تجدون أعلم بالسنة الماضية منه.
وعن الزهري وأضرابه أخذ أساطين العلم ابن أبي ذئب٢, ومالك بن أنس إمام دار الهجرة, ومحمد بن إسحاق٣ إمام المغازي والسير.
стр. 231
٢- مدرسة مكة:
مكة هي أم القرى, البلد الأمين, فيها حرم الله الآمن، وبها ولد الصادق الأمين ﷺ , وعاش ثلاثا وخمسين سنة بها، وفيها نبئ, وشبت الرسالة عن الطوق، وواجهت الدعوة أكبر التحديات، ولم يخرج الداعية منها إلا مكرها مستنكرا إخراجه والمؤمنين معه من أحب البلاد إلى الله, ثم إليهم, وظلت قلوبهم تتعلق بها وتشتاق، وأرواحهم تهفوا إليها إلى أن عادوا إليها آمنين مطمئنين فاتحين منتصرين، فرحين مستبشرين.
وبعد أن تم الفتح المبين، ودالت دولة الكافرين كان ولا بد أن تكون هناك مدرسة تنشر الهدى, وتبين أحكام الدين, فكانت مدرسة مكة تلك التي حمل لواءها أول الأمر معاذ بن جبل١ الصحابي الجليل الذي ولاه الرسول صلى الله عليه سلم إمرة مكة بعد فتحها، وتولى تعليم أهلها قواعد الإسلام وبصرهم بالحلال والحرام وأقرأهم كتاب الله.
وكان معاذ بن جبل من أفضل شباب الأنصار علما وعملا وحلما وسخاء، وقد شهد المشاهد كلها, ويعد من أعلم الصحابة، وهو ممن جمع القرآن على عهد الرسول, وكان من أفقه الصحابة، وقد أهله فقهه ليكون رسول الله ﷺ فيما بعد, والروايات في الصحيح تشعر بمزيد الأنس بينه وبين رسول الله ﷺ إذ كان يردفه خلفه على الرحل, ويناديه يا معاذ, فيسارع بقوله: لبيك وسعديك يا رسول الله بمعنى إجابة لك بعد
стр. 232
إجابة وإسعادا لك بعد إسعاد, ويكون معاذ بشير سعد إلى كل الموحدين، ويسلك منهجا فريدا في التبشير, علمه إياه البشير النذير، فهو لا يسارع إلى إبلاغ البشرى حتى لا يتكل الناس، فلما أحس بدنو الأجل بلغ بشارة النبي ﷺ خروجا عن عهدة الكتمان, ومات معاذ بمرض الطاعون وهو شاب.
ويرجع الفضل الكبير في تأسيس مدرسة مكة إلى الصحابي الجليل عبد الله بن عباس, الذي تصدى لإلقاء دروس العلم بها بعد أن انتفع به طلاب العلم في البصرة والمدينة.
ومن أبرز تلاميذ مدرسة مكة التابعي الجليل مجاهد بن جبر المفسر الكبير صاحب النزعة العقلية، والمجتهد في التدليل على رأيه, وكذا التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح١.
وتواصلت الحلقات الدراسية بهذه المدرسة, وتخرج منها الجم الغفير من النوابغ الذين كان على رأسهم الإمام الشافعي, الذي نهل من معين هذه المدرسة قبل أن يتجه إلى نبع المدينة الفياض
стр. 233
٣- مدرسة الكوفة:
فإذا تركنا بلاد الحجاز التي أشرق منها نور الإسلام، وذهبنا معه بحيث امتد، فتوقفنا في الكوفة, تلك التي كوفها سعد بن أبي وقاص، وبناها فصارت مركز إشعاع فكري بعد فتح بلاد فارس، علمنا ما كان للكوفة والبصرة من أثر فعال في انتشار الإسلام فيما وراء النهر.
وقد نزل الكوفة عدد كبير من الصحابة، وقيل: نزلها ثلاثمائة من أصحاب بيعة الرضوان، وسبعون بدريا من أشهرهم علي بن أبي طالب, وسعد بن أبي وقاص, وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل١، وعبد الله بن مسعود الذي آثر به عمر بن الخطاب أهل الكوفة على نفسه، ومن منزلته من كتاب الله، ومكانته في القراءة حدث ولا حرج, فمن سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرؤه على قراءة ابن أم عبد.
ولقد تخرج في هذه المدرسة عدد كبير من أجلة التابعين على رأسهم عامر بن شرحبيل الشعبي وسعيد بن جبير الأسدي٢ وغيرهما.
стр. 234
٤- مدرسة البصرة:
البصرة بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات والأشهر فيها الفتح والنسب إليها بصرى بفتح الباء وكسرها، ويقال لها: البصيرة بصيغة التصغير, كما يقال لها: تدمر والمؤتفكة؛ لأنها ائتفكت بأهلها في أول الدهر، وقد قيل عنها إنها قبلة الإسلام وخزانة العرب، وقد بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر ﵁ سنة سبع عشرة، وسكنت في سنة ثماني عشرة، ولم يعبد على أرضها صنم قط.
وقد نزلها كثير من الصحابة رضوان الله عليهم منهم أنس بن مالك, الذي كان أستاذ تلك المدرسة, وإمامها في الحديث، وعبد الله بن عباس الذي تولى إمرتها لابن عمه علي بن أبي طالب قبل رجوعه إلى المدينة، وكثير غيرهم منهم عمران ابن حصين١, وأبو برزة الأسلمي٢, ومعقل ابن يسار٣.
стр. 235
وأشهر من تخرج في هذه المدرسة الحسن البصري الذي أدرك خمسمائة من الصحابة, ومحمد بن سيرين وبهز بن حكيم١, ويونس بن عبيد٢, وعبد الله بن عون٣, وقتادة بن دعامة السدوسي٤, وغيرهم كثير.
стр. 236
٥- مدرسة الشام:
نزل الشام عدد غير قليل من الصحابة ضمن جيوش الفتح الإسلامي، ومن الصعب تحديد العدد الذي دخل الشام من الصحابة، إلا أن الوليد بن مسلم يقرب هذا, فيقول: دخل الشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله ﷺ .
وقد بعث عمر بن الخطاب معاذ بن جبل إلى فلسطين وعبادة بن الصامت١ إلى حمص, وأبا الدرداء إلى دمشق.
ومن أشهر من نزل الشام من الصحابة, أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح٢, ومؤذن الرسول ﷺ بلال بن أبي رباح٣, وسيف الله المسلول خالد بن الوليد٤, وغيرهم.
стр. 237
ونشطت الحركة العلمية في بلاد الشام على يد هؤلاء الأساتذة, وتخرج في مدرستهم عدد كبير من التابعين من كبار علماء الشام؛ منهم سالم بن عبد الله المحاربي١ قاضي دمشق, وأبو إدريس الخولاني٢, وعلى رأسهم عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي٣ الذي لقب بإمام أهل الشام، وكان يقارن بالإمامين مالك وأبي حنيفة ﵃ جميعا.
стр. 238
٦- مدرسة مصر:
فتحت مصر في عهد الخليفة الثاني عمر ﵁, وكان على رأس الجيش الفاتح الصحابي الجليل عمرو بن العاص١, وكان معه في جيشه عدد
стр. 239
كبير من الصحابة الأجلاء؛ منهم الزبير بن العوام١, وعبادة بن الصامت, ومسلمة بن مخلد٢, والمقداد بن الأسود٣, كما كان معه ابنه عبد الله أحد المكثرين من الرواية عن رسول الله ﷺ , والذي كان له الفضل الأكبر في تأسيس المدرسة الحديثية بمصر، فقد مكث بها إلى ما بعد وفاة والده, وعنه أخذ كثير من محدثي الديار المصرية.
ومن الصحابة الذين نزلوا مصر أيضا؛ عقبة بن خالد الجهني٤, الذي
стр. 240
رحل إليه أبو أيوب الأنصاري؛ ليأخذ عنه حديث الستر على المسلم, ومنهم خارجة بن زيد١, وعبد الله بن سعد بن أبي السرح٢.
وفي هذه المدرسة تخرج يزيد ابن أبي حبيب٣ الذي كان أستاذ الحديث بالمدرسة المصرية بعد ذلك, والذي كان له أثر جليل في نشر الحديث بمصر, وتخرج على يديه الليث بن سعد٤, الذي كان يقرن بكبار الأئمة, وعبد الله
стр. 241
بن لهيعة١, وعليهما تتلمذ خلق كثير، وكانا في عصرهما محدثي الديار المصرية.
стр. 242
٧- مدرسة اليمن:
دخل الإسلام اليمن على عهد النبي ﷺ ، ووفد الكثير من أهلها إلى المدينة ينشدون الهدى، وينهلون من علم الحبيب المصطفى ﷺ , وما كان ذلك ليغني عن إرسال أئمة مرشدين يبلغون الدين, ويعلمون أحكامه للمقيمين في أحيائهم.
وكان من أوائل الصحابة الذين أوفدوا إلى اليمن الصحابي الجليل معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري١, ونزل غيرهما كثير.
وقد خرجت مدرسة اليمن مجموعة من نبهاء التابعين ونجبائهم على رأسهم
стр. 243
وهب بن منبه وأخوه همام١ وغيرهما، وتوالت حلقات هذه المدرسة إلى أن جاء معمر بن راشد٢, وتلميذه عبد الرزاق بن همام٣, ولهما مدوناتهما في الحديث.
وقد جنى ثمار مدرسة اليمن, وانتفع بحدائقها الإمام المحدث الفقيه أحمد بن حنبل الشيباني.
وهناك مدارس أخرى في المغرب وخراسان.
ونستطيع أن نتبين آثار هذه المدارس إذا تصفحنا كتب الصحاح، ورأينا أنهم أقطاب الرواية وأعمدة النقل للحديث النبوي، ولقد ترابطت هذه المدارس في مناهجها وتواثقت فيما بينها على نشر السنة النبوية المطهرة وتبليغها في احتياط وتثبت، ولا يخالنّ أحد أننا نعني بالمدرسة المكان ذا السعة المعينة على نحو ما هو معروف الآن؛ إذ من الغني عن البيان أن
стр. 244
المسجد في ذلك الزمان كان يمثل المدرسة والجامعة والمنتدى ومقر القيادة العامة, والبرلمان، والمتعبد.
فحينما يطلق لفظ المدرسة يعنى به المنهج الذي انبرى لإيضاحه واستيضاحه أساتذة أجلاء، وتلاميذ نجباء لم تكن الدنيا مقصدهم، ولا تحصيل منصب غايتهم، ولا جمع مال أو بلوغ جاه مبتغاهم، وإنما كان كل مناهم رضا مولاهم، وينشدون هداه, ويهتدون بوهج ثناه، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.
وحتى نزداد تبصرا بهم، وتعرفا على مناهجهم نتوقف أمام بعض التابعين مجلين مكبرين، معظمين موقرين، ذوي الفضل منهم, فنتعرف على:
стр. 245
١- سعيد بن المسيب:
هو أحد كبراء التابعين وأجلائهم أبو محمد سعيد بن المسيب "بكسر الياء المشددة على الأرجح" بن حزن القرشي المخزومي المدني، أبوه وجده صحابيان أسلما يوم الفتح.
وقد ولد سيد التابعين سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وأدركه في سن التمييز, فروى عنه سماعا كما سمع من عثمان, وعلي, وزيد بن ثابت, وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس, وابن عمر، وأبي هريرة, وجل روايته عنه لمكان مصاهرته، فقد كان سعيد زوج ابنته.
وقد كان سعيد أحد أعلام الدنيا، غزير العلم, قال فيه ابن عمر: "لو رأى رسول الله ﷺ هذا لسره", وقال مكحول بن الفضل
стр. 246
وقتادة بن دعامة, وابن شهاب الزهري: "ما رأينا أعلم من ابن المسيب"، وقال علي بن المديني: "لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، وهو عندي أجل التابعين".
وكان من أحفظ التابعين لأقضية الرسول ﷺ ، والخلفاء الراشدين، وكان يفتي وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء، وكان يقدم على فقهاء عصره.
وكان عمر بن عبد العزيز يجله ويحترمه، وقد اشتهر بعبادته وورعه, وعرف بجرأته في الحق, وأبى أن يابيع بعض أولي الأمر، وجلد على ذلك وبقي صامدا ثابت العزيمة، وهكذا ضرب المثل في التمسك بالحق والتجلد على البلاء وحسن الرضا بالقضاء.
ولسعيد مكانته الخاصة في الرواية، فأكثر من يردون الحديث المرسل, يقبلون مرسل ابن المسيب، ولعل هذا لعلمهم تثبته وتيقنه، فهو لكبر سنه ولفضله لا يسقط إلا الصحابي، ويأخذ مرسله حكم مرسل الصحابي ولجلالته أجمعوا على إمامته وعلو مكانته وعده رأس المدينة في الفقه والفتوى إلى حد تسميته "فقيه الفقهاء".
وأجمع أهل الحديث على ثقته وورعه وضبطه، وشدة حرصه على السنة، ودأبه على العلم والعبادة، حتى إنه كان لا يفارق المسجد من العتمة إلى العتمة، فقد كان تورعه أن رفض العطاء حتى من الأمراء، واكتفى بغلة أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت ويقتات من ربحها.
стр. 247
وقد توفي سعيد سنة ثلاث أو أربع وتسعين١.
стр. 248
٢- سالم بن عبد الله:
هو الزاهد ابن الزاهد, الورع ابن الورع؛ أبو عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، حاله ينطق لسانك بقوله ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ فسبحان السميع العليم الذي تابع الصلاح في ذرية الفاروق.
وسالم إمام زاهد يلبس الثوب بدرهمين، وهو أحد الفقهاء السبعة وأفضل أهل زمانه، وأشبه ولد أبيه به، كان ابن عمر يقبله ويقول: شيخ يقبل شيخا.
قال ابن معين: سالم والقاسم حديثهما قريب من السواء، وابن المسيب قريب منهما، وقيل له: فسالم أعلم بابن عمر أو نافع، قال: يقولون: إن نافعا لم يحدث حتى مات سالم. وقال أحمد وابن راهويه: أصح الأسانيد الزهري عن سالم عن أبيه.
وقد تلقى سالم علمه بالمدينة فسمع من الصحابة كأبيه وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة، وروى عنه من التابعين؛ عمرو بن دينار، ونافع مولى ابن عمر والزهري وموسى بن عقبة وحميد الطويل وصالح بن كيسان وغيرهم, وروى عنه كثير من أتباع التابعين.
стр. 249
وقد استفاض علمه، وعرفت جلالته، ولرفيع مكانته رحب به الخليفة الأموي سلمان بن عبد الملك, وأجلسه على سريره, قال عنه محمد بن سعد كان سالم كثير الحديث عاليا في الرجال ورعا.
وتوفي سالم بالمدينة سنة ست ومائة١.
стр. 250
٣- سليمان بن يسار:
أحد الفقهاء السبعة، سليل بيت علم، فأخوه عطاء بن يسار علم وأحد أوعية العلم، وهو كذلك, كنيته أبو أيوب أو أبو عبد الرحمن أو عبد الله.
لقي الكثير من الصحابة، فروى عن عائشة وأبي هريرة وزيد بن ثابت وابن عباس وميمونة وطائفة، وروى عنه عمرو بن دينار والزهري وسالم أبو النضر ويحيى بن سعيد وصالح بن كيسان وآخرون.
وكان من أئمة الاجتهاد، قال الحسن بن محمد الحنفية: هو أفهم عندنا من سعيد بن المسيب، وقيل: كان المستفتي يأتي سعيد بن المسيب فيقول له: عليك بسليمان بن يسار. وقال مالك: كان سليمان من علماء الناس. وقال مصعب بن عثمان: وكان سليمان من أحسن الشباب صورة فدخلت عليه امرأة فراودته فامتنع وهرب منها.