← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7452

الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدثين

أحمد محرم الشيخ ناجي

Полный текст (349 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقتادة بن دعامة, وابن شهاب الزهري: "ما رأينا أعلم من ابن المسيب"، وقال علي بن المديني: "لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، وهو عندي أجل التابعين". وكان من أحفظ التابعين لأقضية الرسول ﷺ ، والخلفاء الراشدين، وكان يفتي وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء، وكان يقدم على فقهاء عصره. وكان عمر بن عبد العزيز يجله ويحترمه، وقد اشتهر بعبادته وورعه, وعرف بجرأته في الحق, وأبى أن يابيع بعض أولي الأمر، وجلد على ذلك وبقي صامدا ثابت العزيمة، وهكذا ضرب المثل في التمسك بالحق والتجلد على البلاء وحسن الرضا بالقضاء. ولسعيد مكانته الخاصة في الرواية، فأكثر من يردون الحديث المرسل, يقبلون مرسل ابن المسيب، ولعل هذا لعلمهم تثبته وتيقنه، فهو لكبر سنه ولفضله لا يسقط إلا الصحابي، ويأخذ مرسله حكم مرسل الصحابي ولجلالته أجمعوا على إمامته وعلو مكانته وعده رأس المدينة في الفقه والفتوى إلى حد تسميته "فقيه الفقهاء". وأجمع أهل الحديث على ثقته وورعه وضبطه، وشدة حرصه على السنة، ودأبه على العلم والعبادة، حتى إنه كان لا يفارق المسجد من العتمة إلى العتمة، فقد كان تورعه أن رفض العطاء حتى من الأمراء، واكتفى بغلة أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت ويقتات من ربحها.

стр. 247

وقد توفي سعيد سنة ثلاث أو أربع وتسعين١.

стр. 248

٢- سالم بن عبد الله: هو الزاهد ابن الزاهد, الورع ابن الورع؛ أبو عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، حاله ينطق لسانك بقوله ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ فسبحان السميع العليم الذي تابع الصلاح في ذرية الفاروق. وسالم إمام زاهد يلبس الثوب بدرهمين، وهو أحد الفقهاء السبعة وأفضل أهل زمانه، وأشبه ولد أبيه به، كان ابن عمر يقبله ويقول: شيخ يقبل شيخا. قال ابن معين: سالم والقاسم حديثهما قريب من السواء، وابن المسيب قريب منهما، وقيل له: فسالم أعلم بابن عمر أو نافع، قال: يقولون: إن نافعا لم يحدث حتى مات سالم. وقال أحمد وابن راهويه: أصح الأسانيد الزهري عن سالم عن أبيه. وقد تلقى سالم علمه بالمدينة فسمع من الصحابة كأبيه وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة، وروى عنه من التابعين؛ عمرو بن دينار، ونافع مولى ابن عمر والزهري وموسى بن عقبة وحميد الطويل وصالح بن كيسان وغيرهم, وروى عنه كثير من أتباع التابعين.

стр. 249

وقد استفاض علمه، وعرفت جلالته، ولرفيع مكانته رحب به الخليفة الأموي سلمان بن عبد الملك, وأجلسه على سريره, قال عنه محمد بن سعد كان سالم كثير الحديث عاليا في الرجال ورعا. وتوفي سالم بالمدينة سنة ست ومائة١.

стр. 250

٣- سليمان بن يسار: أحد الفقهاء السبعة، سليل بيت علم، فأخوه عطاء بن يسار علم وأحد أوعية العلم، وهو كذلك, كنيته أبو أيوب أو أبو عبد الرحمن أو عبد الله. لقي الكثير من الصحابة، فروى عن عائشة وأبي هريرة وزيد بن ثابت وابن عباس وميمونة وطائفة، وروى عنه عمرو بن دينار والزهري وسالم أبو النضر ويحيى بن سعيد وصالح بن كيسان وآخرون. وكان من أئمة الاجتهاد، قال الحسن بن محمد الحنفية: هو أفهم عندنا من سعيد بن المسيب، وقيل: كان المستفتي يأتي سعيد بن المسيب فيقول له: عليك بسليمان بن يسار. وقال مالك: كان سليمان من علماء الناس. وقال مصعب بن عثمان: وكان سليمان من أحسن الشباب صورة فدخلت عليه امرأة فراودته فامتنع وهرب منها.

стр. 251

مات سنة أربع وتسعين, وقيل: مائة, وقيل: أربع أو سبع ومائة عن ثلاث وسبعين سنة١.

стр. 252

٤- عبيد الله بن عتبة: الفقيه العلم أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني الضرير أحد الفقهاء السبعة: أخذ عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعدة، وروى عنه عراك بن مالك رفيقه والزهري وصالح بن كيسان وأبو الزناد, وكان عتبة مع إمامته في الفقه والحديث شاعرًا محسنا وهو مؤدب عمر بن عبد العزيز ﵁، قال الزهري كان عبيد الله من بحور العلم، وقال محمد بن الضحاك: قال مالك: كان ابن شهاب يأتي عبيد الله بن عبد الله, وكان من العلماء, فكان يحدثه ويستقي حوله الماء من البئر، وكان عبد الله يطول الصلاة ولا يعجل عنها لأحد، بلغني أن علي بن الحسين جاءه, وهو يصلي, فجلس ينتظره وطول عليه, فعوتب في ذلك, وقيل: يأتيك ابن بنت رسول الله ﷺ فتحبسه هذا الحبس؟ فقال: اللهم غفرا، لا بد لمن طلب هذا الشأن أن يعنى. وقال عبيد الله عن نفسه محدثا بنعمة الله عليه: ما سمعت حديثا قط فأشاء أن أعيه إلا وعيته.

стр. 253

وتوفي عبيد الله سنة ثمان وتسعين على الصحيح١.

стр. 254

٥- عروة بن الزبير: هو أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام الأزدي عالم المدينة, تابعي جليل مجمع على جلالته وإمامته وكثرة علمه وبراعته، وهو أحد الفقهاء السبعة وهم: عروة, وسعيد بن المسيب, وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود, والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق, وسليمان بن يسار, وخارجة بن زيد بن ثابت، وفي السابع ثلاثة أقوال: أحدها: أبو سلمة بن عبد الرحمن, الثاني: سالم بن عبد الله بن عمر, الثالث: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام, وعلى القول الأخير جمعهم الشاعر: ألا إن من لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى من الحق خارجة فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سلمان خارجة وأم عروة أسماء بنت الصديق, وقد جمع الشرف من وجوه؛ فرسول الله ﷺ صهره, وأبو بكر جده, والزبير والده, وأسماء أمه, وعائشة خالته, كذا قال العيني. وقال الزهري: رأيته بحرا لا ينزف, وكان يتألف الناس على حديثه، وقال هشام بن عروة: ما حفظت من أبي جزءا من ألف جزء من حديثه،

стр. 255

وكان أبي يصوم الدهر ومات صائما، وقال ابن شوذب: كان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصفح ويقوم به في الليل, فما تركه إلا ليلة قطعت رجله, وقع فيها الأكلة فنشرها, وقال ابن عيينة: إن أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم بن محمد، وعروة، وعمرة بنت عبد الرحمن، وقد اعتزل الفتن ولم يشارك فيها رغم قربه من أخيه عبد الله. قال ابن سعد: كان عرورة ثقة كثير الحديث، فقيها مأمونا عالما ثبتا. وإلى جانب حفظه للحديث الشريف كان عالما بالسيرة. وتوفي سنة أربع وتسعين على الأرجح من نيف وسبعين سنة١.

стр. 256

٦- القاسم: هو أحد أوعية العلم عامة، وعلم عمته عائشة خاصة، وأحد الفقهاء السبعة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. سمع عمته عائشة وابن عباس ومعاوية وفاطمة بنت قيس وابن عمر وطائفة، وروى عنه ابنه عبد الرحمن والزهري وابن المنكدر وابن عون وربيعة الرأي وأفلح بن حميد وحنظلة بن أبي سفيان وأيوب السختياني وخلق. وقد قتل محمد بن أبي بكر والقاسم صغير فتربى في حجر عمته عائشة وتفقه بها

стр. 257

واشتهر فقهه وورعه مما جعل الألسنة تلهج بالثناء عليه من ذلك قول يحيى بن سعيد الأنصاري: ما أدركَنا أحدٌ بالمدينة نفضله على القاسم. وقال أبو الزناد: ما رأيت فقيها أعلم من القاسم، وما رأيت أحدا أعلم بالسنة منه، وقال ابن عيينة: كان القاسم أعلم أهل زمانه. وقال ابن سعد: كان القاسم إماما فقيها ثقة رفيعا ورعا كثير الحديث, وقال أبو أيوب السختياني: ما رأيت رجلا أفضل من القاسم، لقد ترك مائة ألف وهي له حلال. وقال عمر بن عبد العزيز: ولو كان لي من الأمر شيء لاستخلفت أعيمش بني تميم يعني القاسم. مات سنة إحدى ومائة أو اثنتين أو ست أو سبع أو ثمان أو تسع أو اثنتي عشرة أو سبع عشرة ومائة١.

стр. 258

٧ - ابن شهاب الزهري: من أعلام التابعين أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن الحارث يجتمع مع رسول الله ﷺ في جده لأمه زهرة بن كلاب. ولد ابن شهاب سنة خمسين في خلافة معاوية على الأرجح، وروي أنه وفد على مروان بن الحكم سنة أربع وستين, وهو غلام محتلم. وقيل: إنه حفظ القرآن في ثمانين يوما مما يدل على رجاحة عقله وتوقد

стр. 259

ذكائه، وقد طلب الحديث في آخر عصر الصحابة رضوان الله عليهم, فلقي أنس بن مالك وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وغيرهم. كما أخذ عن كبار التابعين؛ كسعيد بن المسيب الذي يقول عنه: "مست ركبتي ركبة سعيد ثماني سنوات", ولزم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وخدمه, وأكثر رواياته في الصحيحين عنه. وعرف ابن شهاب بالجرأة في طلب العلم وشدة الحرص عليه, واستعان على حفظه بالكتابة، واشتهر الزهري بذاكرته القوية وسرعة حفظه، وكان يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته، وقال: ما استعدت حديثا إلا مرة فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت. وعن غزارة علم الزهري وتبحره في المعرفة حدث ولا حرج، وما أكثر الذين أثنوا عليه ووصفوه بأنه لا يوجد أعلم منه بسنة ماضية. وعظم قدره عند الناس فصار عالم الشام، بل ومحط أنظار أهل الإسلام؛ لسمو مكانته وعلو منزلته, ولاه يزيد بن عبد الملك القضاء واختاره هشام لتأديب أولاده، وتعددت معارفه, فبالإضافة إلى طول باعه في الحديث نبغ في الفقه وفي السيرة, ويقال: إنه أول من صنف فيها، وعرف الشعر وأنساب العرب وأيامهم, وما تكلم في شيء إلا قيل: إنه انفرد به، وتفرد بسنن لولاه لضاعت حتى قال مسلم بن الحجاج: "وللزهري نحو من تسعين حديثا يرويه عن النبي ﷺ ، لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد". وكان كثير الاهتمام بإسناد الحديث، ويرى أن الحديث بغير إسناد

стр. 260

كالدابة بغير زمام، وتعتبر أسانيد، أحسن الأسانيد، قال الإمام أحمد: "الزهري أحسن الناس حدثيا وأجود الناس إسنادا". وعن الزهري أخذ خلق كثيرون من أشهرهم الإمام مالك ابن جريج وصالح بن كيسان غيرهم. وتوفي ابن شهاب ليلة الثلاثاء السابعة عشر أو التاسعة عشر من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة, وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق حتى يدعو له المارون. ومع كثرة المادحين للزهري وجدنا هناك معرضين من أهل البدع والأهواء أو من الأعداء الألداء لهذا الدين، الذين يتخذون ممن كان عل شاكلة الزهري من أعلام الإسلامي هدفا للطعن والتشكيك. ولقد نال الزهري مثل ما نال أبا هريرة ﵄، فمن الأباطيل التي ترددت حول ابن شهاب ما ذكره اليعقوبي المؤرخ الشيعي من المعرف المتوفى سنة اثنتين وتسعين حيث قال: "ومنع عبد الملك أهل الشام الحج، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة, حتى رأى عبد الملك منعهم من الخروج إلى مكة, فضج الناس وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض من الله علينا، فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال: $"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس"، وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام, وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله وضع قدمه عليها لما صعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة فبنى على الصخرة قبة وعلق عليها ستور الديباج

стр. 261

وأقام لها سدنة وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة وأقام بذلك أيام بني أمية"١. وتبنى هذا الرأي المستشرق: جولدتسيهر وشنع به وشايعه بعض علماء المسلمين كالأستاذ علي عبد القادر، وجولدتسيهر يتهم الزهري بوضع الأحاديث مستندا إلى غير مستند، فما ذكره اليعقوبي غير موجود في أي مصدر تاريخي آخر. وبعرض افتراءات اليعقوبي ومشايعة جولدتسهير على المقاييس العقلية السليمة ومقتضيات المنطق يتضح ما يلي: ١- أن يمنع عبد الملك أهل الشام من الحج غير معقول؛ لأن الحج فريضة على كل مسلم قادر، فكيف يعطل عبد الملك شعائر الله ويمنع إقامتها؟ وقد عرف بالعبادة والصلاح حتى عد من فقهاء المدينة، ولا يعقل أن يمنع عبد الملك أهل الشام من الحج, وفيهم أئمة التابعين ويسكتون عليه, فلا ينكرون عليه أو يشقون عصا الطاعة. ٢- لم تذكر المصادر التاريخية المعتمدة أن عبد الملك هو الذي بنى قبة الصخرة بل ذكرت أنه الوليد بن عبد الملك الذي أغرم ببناء المساجد، وأولع بزخرفتها، على فرض تسليم أن عبد الملك, وهو الذي بنى قبة الصخرة،

стр. 262

فقصارى هذا أن يكون مزيد اعتناء منه ببيت المقدس ومبالغة في إظهار فضله الثابت عند المسلمين ولو كان مقصوده صرف قلوب الناس إليه وجعله بديل المسجد الحرام لكان هذا في مقدمة الطعن التي أخذها أعداء عبد الملك عليه؛ بل ولكان هذا فيه كفر صراح، وتغيير لشريعة الله، وهذا أشهر من أن يخفى، وعبد الملك أجل من أن يقع منه هذا. ومما يؤكد لنا أنه لم يحمل أحدا على الحج إلى بيت المقدس، بل كان عمله مجرد احترام لذلك المسجد ما قام به بعد انتصاره على ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين حين أمر بإعادة بناء الكعبة كما كانت عليه في عهد الرسول ﷺ , وإزالة ما أدخل ابن الزبير في بنائها سنة أربع وستين, فمن الواجب أن يفرق بين اعتنائه بالمسجد الأقصى وجعله محجا للمسلمين. ٣- إذا انتفى عن عبد الملك أنه منع الناس من الحج إلى بيت الله الحرام وحمله إياهم على قصد بيت المقدس، فانتفاء تهمة الوضع عن الزهري أظهر وبراءة ساحته من الكذب على رسول الله ﷺ أشهر، وجرأة الزهري على الأمراء هي الثابتة، وشجاعته في الحق وموالاته له محققة، فقد كان من الذين لا يخافون إلا الله ولا يخشون أحدا سواه، ولا يقيمون وزنا للوم اللائمين ما دام الحق معه، أو هو مع الحق يتابعه ويشايعه. وعلى حساب من يلاين ابن شهاب أو يداهن؟ أعلى حساب دينه، وقد ذكر ابن عساكر قصة فحواها أن سليمان بن يسار دخل على هشام بن عبد الملك فسأله هشام عن الذي تولى كبره منهم؟ فأجاب سليمان بأنه: عبد الله بن أبي فقال له هشام كذبت، هو: علي بن أبي طالب، فقال له

стр. 263

سليمان: أمير المؤمين أعلم بما يقول، فلما دخل ابن شهاب وسأله عما سأل عنه سليمان فأجاب بما أجاب، قال له هشام: كذبت الذي تولى كبره منهم هو علي بن أبي طالب، عند ذلك قال الزهري: أنا أكذب لا أبا لك والله لو نادى مناد أن الكذب مباح ما كذبت، ثم ساق رواية تثبت أن الذي تولى كبره هو ابن أبي. ما كان لابن شهاب أن يصانع، وكذب من رماه بالوضع، فلو وضع حديثا واحدا لضاع رأسماله من الثقة التامة التي أولاه إياها العامة، ومتى أتيح له أن يضع وأن يكذب لصالح الأمويين وصد ابن الزبير؟ إن التاريخ نفسه يحيل هذا ويكذب قائله، فابن شهاب ولد سنة خمسين، والخلاف بين عبد الملك وابن الزبير كان بين سنتي خمس وستين واثنتين وسبعين في بداية طلب ابن شهاب وحظه من الشهرة غير كبير، والثابت أنه لقي عبد الملك سنة اثنتين وثمانين بعد حسم الخلاف باستشهاد بن الزبير بتسع سنين. فما فائدة الوضع في هذا الحين؟ كبرت كلمة تخرج من فم اليعقوبي وجولدتسيهر أن يقولان إلا كذبا، وإن ادعاءهما على الزهري واتهامه بوضع الحديث وتعليل ذلك بأنه كان صديق عبد الملك بن مروان ليس إلا محض افتراء، لأنه يصغر عبد الملك بأربعة وعشرين عاما، ولما قدم دمشق أدخله قبيسة بن أبي ذؤيب على عبد الملك الذي ذكره بأن أباه اشترك مع ابن الزبير في الثورة عليه، كيف يكون هو صديقا له وأبوه من الثائرين عليه؟ وحديث: "لا تشد الرحال ... " إلى آخره. الذي اتهم الزهري بوضعه حديث صحيح من أعلى درجات الصحيح, حيث اتفق الشيخان على إخراجه، قد صح

стр. 264

مخرجه عندهما من طرق أخرى غير طريق ابن شهاب، كما صح من طريقه، وأخرج الحديث أيضا أصحاب السنن الأربعة، والإمام أحمد في مسنده، والدارمي في سننه. ولم يبق إلا أن يسلم ابن شهاب من كل ما اتهم به, وأن تسلم ساحته، وأن يبرأ جانبه من كل ما ألصق به. إنه إذن الثقة الثبت الحجة الحافظ أعلم التابعين بالسنة الماضية، فرضي الله عنه وأرضاه وأحسن إليه١.

стр. 265

٨- نافع مولى ابن عمر: هو أبو عبد الله العدوي المدني مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵁، أحد أعلام التابعين. قيل: أصله من المغرب، وقيل: من الديلم شمال العراق، أسر في أحد الحروب بين المسلمين والفرس فكان من نصيب عبد الله بن عمر، فلزمه ما يقرب من ثلاثين سنة، تعلم خلالها القرآن والسنة.

стр. 266

وروي عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري ورافع بن خديج وعائشة وأم سلمة، وعبد الله وعبيد الله وسالم وزيد أولاد عبد الله بن عمر وغيرهم. وروي عن نافع من التابعين الزهري وابن كيسان وحميد الطويل وغيرهم. كما أخذ عنه من أتباع التابعين الأوزاعي وابن جريج والليث بن سعد ومالك بن أنس. ورواية مالك عن نافع تكتسب أهمية خاصة حيث عرفت بسلسلة الذهب فأصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وكان نافع ثقة ضابط صحيح الرواية لا يعرف له خطأ في جميع ما رواه، كثير الحديث، قال عنه عبد الله بن عمر: "لقد من الله علينا بنافع" وقال عنه مالك بن أنس: "كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من غيره". وبلغ من منزلته في الحديث أن اختاره عمر بن عبد العزيز معلما لأهل مصر يعلمهم السنن، ويبصرهم بدينهم. وتوفي نافع ﵁ بالمدينة سنة سبعة عشرة ومائة على الراجح في تحديد سنة وفاته١.

стр. 267

هذه أمثلة رائدة، ونماذج رائعة لجموع التابعين الجامعة التي كانت الأكثر والأغلب والتي استطاعت أن تحتوي محاولات القلة القليلة الضئيلة من ذوي البدع والأهواء الذين كانوا يمثلون نقطة في بحر لا تعكره الدلاء، فلا سبيل إلى تشكيك في السنة الغراء في جهة أنها تعرضت في مهدها لبعض العواصف، ولا سبيل في صحة هذا الادعاء المغرض الذي يريد النيل من الدين لأن الله تكفل بحفظ كتابه واقتضى حفظ الكتاب حفظ البيان والتفسير له، وكان الحفظ بواسطة الصحابة الكرام ثم تابعيهم، وتابعي تابعيهم بإحسان، وتوالت الجهود وتتابعت خدمة الحديث إلى أن بلغت تمام نضجها في آخر القرن الهجري الأول لتمثل فاتحة القرن الهجري الثاني مرحلة جديدة جديرة بالدراسة.

стр. 268

المبحث الرابع: مناهج المحدثين في القرن الهجري الثاني مدخل ... المبحث الرابع: مناهج المحدثين: في القرن الهجري الثاني كان ولا بد وأن تثمر تلك الجهود الضخمة التي بذلت إبان القرن الأول أينع الثمار, وأن تؤتي أكلها ضعفين بإذن ربها, ثم بإخلاص باذليها، فما إن بدت أضواء القرن الثاني تلوح حتى كان الحديث والمحدثون في طور جديد, وشهدت فاتحة القرن الهجري الثاني نهضة كبيرة على طريق تدوين الحديث, وشيوع التصنيف فيه, فيأمر عمر بن عبد العزيز دون أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم١, وابن شهاب الزهري وغيرهما. الحديث ونسخت النسخ مما دون, ووزعت على الأمصار لتكون للناس موئلا ومرجعًا وفي التأريخ لهذا العمل العمري المبارك والتعليل له يروي البخاري في كتاب العلم باب كيف يقبض العلم. "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه: "فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء

стр. 269

ولا يقبل إلى حديث النبي ﷺ وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم, فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا"١. وكأننا بالورع الزاهد العالم العابد الخليفة الراشد, وهو يضع معالم مناهج المحدثين فهو ينبه على ضرورة استقلال الحديث وتخليص الألفاظ النبوية من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ثم على المحدثين أن يحضروا مجالس التحديث, فلا يتكلوا على الكتابة والتدوين، فلا بد من المشافهة, ويتحتم تضافر كل الجهود حتى لا يندرس العلم ويفشو الجهل. ومما ينبغي التنبه له أن هذا التدوين هو الذي اشتهر وانتشر وذاع وشاع, وملأ البقاع, لا لأنه كان جديدا في زمانه, فقد سبقته محاولات كثيرة ترجع إلى عصر النبوة كما سبق أن ألمحنا، وإنما لأسباب أخرى ستسفر عن نفسها قريبا, وليس صحيحا ما ذهب إليه صاحب مجلة المنار الأستاذ محمد رشيد رضا من أن أول من دون الحديث خالد بن معدان؛ لذا تأباه النصوص الصحيحة والصريحة في إفادة أن هناك صحفا كانت لبعض الصحابة كصحيفة علي بن أبي طالب ﵁, وقد مر بك خبرها آنفا كالصادقة لعبد الله بن عمر وغيرها كثير. وليس صحيحا تأويله لأحاديث الإذن في الكتابة للحديث, ولا ادعاؤه أن أحاديث النهي عن الكتابة ناسخة لأحاديث الإذن فيها.

стр. 270

ولا يقبل أيضا جمع صاحب المنار بين أحاديث النهي والإذن بما لا يصلح, ولا ادعاؤه بأن الصحابة لم يدونوا الأحاديث؛ لأنهم لم يتخذوها دينا عاما دائما كالقرآن١. ولا ندري كيف لم يتخذ الصحابة الأحاديث دينا, فأي شيء اتخذوه دينا إذن؟ القرآن: وهو لا سبيل لفهمه, ولا الوقوف على أسراره واستنباط أحكامه ووجوه هدايته إلا بالوقوف على السنة. وقد أسفر القرآن عن هذه الحقيقة, وأبانها إسفار الصبح وبيانه, وعلم الصحابة ذلك علم اليقين, وقد ذكرنا دقة فهمهم لهذه المعاني وروعة استنباطهم للحكم الذي لم ينص القرآن عليه مع ذلك أخذه منه من خلال أمره بأخذ ما آتانا الرسول ﷺ , وترك ما نهانا عنه والأمر بالاقتداء بالصحابة, ونقل فعلهم على أنه من القرآن. الحق الثابت الذي لا تردد فيه هو أن تدوين الحديث وكتابته يرجع إلى عصر مبكر ربما إلى عصر النبوة, أو بعده مباشرة, وأما ما كان في فاتحة القرن الهجري الثاني على أيدي النبهاء كابن حزم وابن شهاب من اشتهار التدوين وانتشاره فإنه يرجع إلى ما يأتي:

стр. 271

١- اتخاذ التدوين طابعا رسميا فقد كان بأمر الخليفة وتنفيذًا لرغبته. ٢- ظهور الوضع والوضاعين, ذلك أن أعداء الدين أحكموا كيدهم المتين, وأوردوا طعن الإسلام من الخلف بعد أن عجروا عن النيل منه, وضعفوا عن مواجهته، كفاحا فلبسوا مسوحه وتزيوا بمظهره, وانطوت قلوبهم على حقد دفين فراحوا يؤججون نار الفتنة ويسعرون أوارها, ويلهبون الخلافات ويغذونها ببذور الشقاق والفرقة, وظنوا أن في السنة مرتعا خصبا يتخذون منه هدفا لسهامهم المسمومة, فراحوا يدسون ويكذبون كل ذي رأي يدعي أنه على الحق ويلتمس دليلا لمدعاه وهيهات أن يجد في كتاب الله ما يوافق هواه, لكن ماذا عساه أن يفعل أكثر من أن يقول في القرآن بغير علم, ويأوله على وفق متمناه, ويعجز عن أن ينقص أو يزيد فيه. أما السنة فبحارها تتلاطم أمواجا, والناس يدخلون فيها أفواجا, ويسلكون إليها سبلا فجاجا مما يزين لأصحاب العقول الضيقة أنه بوسعهم أن يختلقوا وأن يأفكوا من غير أن يتنبه أحد لإفكهم واختلاقهم, لكن الله هيأ للسنة رجالا أكفاء يذودون عنها كل خطر ويدفعون كل شعر ويذبون كذب الكاذبين. ٣- تفرق الصحابة ومن بعدهم التابعون, وتوزعوا على الأمصار كل يحدث بما سمع ويبلغ ما وعى, مما دعت الحاجة معه إلى جمع ما تفرق, وتأليف ما توزع. ٤- اتساع رقعة الدولة بعد الفتوحات الإسلامية العظيمة وانشغال

стр. 272

الناس بالدنيا وانغماس الكثيرين في طلب تحصيلها أدى ذلك إلى ضعف ملكة الحفظ شيئا ما, وجد مسيس الحاجة إلى تدوين الحديث مخافة أن يضيع. كل ذلك، وأكثر منه كان وراء نشاط حركة الجمع والتصفيف تلك الحركة التي لم تنشأ من فراغ, وإنما اعتمدت على زاد ضخم وحصاد عظيم كان ثمرة جهد وكد السابقين الذين ذهب بعضهم قبل بدء القرن الثاني, وبقي تراثهم يواصل إحياء ذكرهم. وهناك كثيرون ممن كانت لهم اليد الطولى في حفظ السنة في القرن الأول واصلوا جهدهم في القرن الثاني, ولم يسلموا الراية إلا عند إسلام أرواحهم إلى بارئها، ولم يسلموها إلا لمن يجهد حملها والذود عنها. والناظر إلى القرن الهجري الثاني يبهره صنيع المحدثين فيه, ويهوله ذلك الجهد المضني الذي بذل بسخاء خدمة السنة النبوية المطهرة. وتلمع نجوم حديثية في هذا القرن, وتسطع أضواؤها فتلمع من عمالقة الحديث في هذا القرن الأئمة الأربعة, وإن كان رابعهم عاش أكثر من نصف عمره في القرن الثالث ونلمح سفيان بن عيينة المولود سنة سبع ومائة, والمتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة, ونلمح ابن إسحاق وموسى بن عقبة وشعبة والثوري؛ كلهم جدير بلقب "أمير المؤمنين بالحديث", والذي يطالع كتب الصحاح يدرك ما لهؤلاء من أثر. وتنوعت طرق التحديث عن هؤلاء فمنهم من اكتفى بتصدر مجالس

стр. 273

التحديث يروي للناس السنن كالسفيانين، ومنهم من يتكلم في الرواية, وما يتصل بها من أحكام الدراية كشعبة بن الحجاج، ومنهم من جمع إلى التحديث والتصنيف. وتعددت مناحيهم في التصنيف, فمنهم من اعتنى بالمباحث الفقهية, وركز كل اهتمامه على الأحكام وجمع من الرواية اجتهاد بعض الأئمة، ومع ذلك كله اعتبر صنيعه توطئة للحديث, وتمهيدًا للدخول فيه, فسمي "موطأ", ومنهم من نظر إلى السنة خلال أخذها عن رسول الله ﷺ مباشرة, فعني بجمع مرويات الصحابي وسماها مسندا, وأضافها إلى الصحابي, ولم يراع في ترتيبها إلا من مرويات تلك الصحابي الذي يعنى بجميع منقوله عن رسول الله ﷺ . ثم يرتب الصحابة إما على السبق للإسلام, وإما على مراتبهم ودرجات تفضيلهم ككون الواحد منهم من العشرة المبشرين بالجنة, أو ممن شهد بدرًا, أو بيعة الرضوان إما أن يراعى في الترتيب حرف المعجم، وعرفت هذه الطريقة بالمسانيد. وكما اشتهر في الكتب المرتبة على الأبواب "موطأ مالك" و"موطأ بن أبي ذئب", اشتهر أيضا في الكتب المرتبة على المسانيد "مسند أبي داود الطيالسي" و"مسند ابن أبي شيبة", وكان أجمع المسانيد وأنفعها "مسند الإمام" "أحمد ابن حنبل". وهناك من رتب تصنيفه على الأطراف بأن ذكر طرف الحديث فقط

стр. 274

اعتمادًا على الذاكرة، من هؤلاء "عبد بن حميد العبدي" كتب أطراف الحديث عن الحسن البصري عن النبي ﷺ . وتعددت الأسماء اللامعة في التصنيف, ولا يكاد يخلو بلد من علم من أعلام الحديث المحدثين، وقد اتسمت مصنفات هذا القرن بالسمات الآتية: ١- الذين صنفوا على الأبواب جمعوا حديث كل باب على حدة, ثم أدرجوا الأبواب تحت الكتب فنرى أحاديث الصلاة موزعة على أبوابها, مجموعة تحت كتاب الصلاة وكذا الزكاة. ٢- يلاحظ أن مصنفي هذا القرن لم يقتصروا في مصنفاتهم على الصحيح فحسب, بل وجد في كتبهم الصحيح والضعيف لكنهم تجنبوا الموضوع. ٣- عني هؤلاء بجمع طرق الحديث الواحد, وسوقه من عدة روايات؛ ولهذا أهميته القصوى عند جهابذة الحديث والعارفين بمواطن النقد والتمحيص. ٤- مزج مصنفو هذا العصر الأحاديث النبوية بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين, وفي العقدين الأخيرين من هذا القرن رأى بعض أهل الحديث أن يفسروا أحاديث رسول الله ﷺ في مؤلفات خاصة. ونختار بعض أعلام المحدثين في القرن الثاني؛ لنتعرف عليهم وعلى مناهجم:

стр. 275

١- أبو حنيفة: اسمه ونسبه ومكانته: إنه الإمام الأعظم, فقيه أهل العراق, أقدم الأئمة الأربعة زمانًا, وأكثرهم تابعًا, غلبت كنيته واشتهر بها, واسمه النعمان بن زوطى التيمي, وزوطى جده من أهل كابل كان مملوكا لبني تميم الله بن ثعلبة فأعتق. وولد ثابت في الإسلام ولا صحة لادعاء نصرانيته وتسمية ولده له بذلك, وقد اختلف في سنة مولده على ثلاثة أقوال، قيل: سنة ثلاث وستين وقيل: سنة سبعين, وقيل: سنة ثمانين وأكثرهم على الأخير وقد نفى بعضهم١ الرق عن جد الإمام وأثبت أنه كان أميرا أفغانيا, ولعل من قال برقه وعتقه فهم ذلك من كونه مولى لبني تميم, ولا يبعد أن يكون هذا الولاء ولاء إسلام لا ولاء نسب. وفي الكوفة نشأ الإمام كغيره من الأئمة الأعلام شغوفا بالعلم دءوبا على طلبه, والكوفة يومئذ من حواضر الإسلام تموج بمجالس العلم, وتزخر بأرباب النباهة والفهم, وصدى صوت ابن مسعود وتلاميذه النجباء يجلجل في الأرجاء. لقي الإمام أنسا غير مرة لما قدم عليهم الكوفة, وحدث عن عطاء

стр. 276

ونافع وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وعدي بن ثابت وسلمة بن كهيل وأبي جعفر محمد بن علي وقتادة وعمرو بن دينار وأبي إسحاق وخلق كثير. وتفقه به زفر بن الهزيل وداود الطائي، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو والحسن بن زياد اللؤلؤي وأبو مطيع البلخي وغيره. ومن أشهر من تفقه بهم حماد بن سليمان الذي أخذ عن إبراهيم النخعي الذي أخذ عن علقمة بن قيس الذي أخذ عن ابن مسعود. وكان أبو حنيفة إمامًا ورعا عالما عاملا متعبدا كبير الشأن, لا يقبل جوائز السلطان, بل يتجر ويكسب, سئل يزيد بن هارون أيهما أفقه الثوري أو أبو حنيفة؟ فقال: أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث. وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس. وقال أيضا: إنه آية. فقيل له: آية في الشر أو في الخير؟ فقال: اسكت يا هذا, يقال: غاية في الشر وآية في الخير. قال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، وقال يزيد: ما رأيت أحدا أروع, ولا أعقل من أبي حنيفة, وقال ابن معين: ثقة لا يحدث من الحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظه، وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل زمانه, وما رأيت في الكوفيين أورع منه. واشتهر عنه إحياء الليل, فعن أبي يوسف قال: كنت أمشي مع أبي حنيفة, فقال رجل لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال: والله لا يتحدث الناس عني بما لم أفعل, فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعًا.

стр. 277

وقد طلب لمنصب القضاء فأبى, وضربه ابن هبيرة يزيد بن عمر من أجل ذلك مائة جلدة فما لان وما استكان, وظل متعففا يقتات من الرزق الحلال إلى أن وافاه الأجل سنة خمسين ومائة. ورغم كثرة مادحيه وجد له خصوم قادحون فيه ما سلم منهم في حياته, ولا كف أذاهم عنه بعد مماته؛ اتهموه بأنه قدري تارة, ومرجئ تارة أخرى, ونسبوه إلى الرأي وجردوه له، فهو لا يأخذ إلا به وبالقياس المتفرع عنه, ويهمل الحديث ويعمل العقل، وراح الخطيب ومن قبله ابن حبان يطيلان في ذكر مثالبه ونقض وهدم مناقبه. وقد استحق الخطيب كما استحق غيره شدة التأنيب على ذكر الروايات التي تغض من قدر الإمام، ولا أدل على ضعفها, بل واختلاقها من نسبتها إلى الأئمة الذين نقل عنهم في الأصح والأرجح مدح الإمام ووصفه بما يستحقه، كمالك والشافعي وأحمد وابن معين وابن المبارك والسفيانين والأوزاعي, الذي قيل١: إنه كان يسيء الظن بأبي حنيفة حين بدأ يشتهر أمره, ولم يكن قد اجتمع به بعد حتى قال مرة لعبد الله بن المبارك: من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة، ويكنى أبا حنيفة؟ فلم يجبه ابن المبارك، بل أخذ يذكر مسائل عويصة وطرق فهمها والفتوى فيها, فقال الأوزاعي: من صاحب هذه الفتاوى؟ فقال: شيخ لقيته بالعراق، فقال الأوزاعي: هذا نبل من المشايخ، اذهب فاستكثر منه، قال ابن المبارك: هذا أبو حنيفة.

стр. 278

ثم اجتمع الأوزاعي وأبو حنيفة بمكة, فتذاكرا المسائل التي ذكرها ابن المبارك فكشفها، فلما افترقا: قال الأوزاعي لابن المبارك، غبطت الرجل بكثرة علمه ووفور عقله وأستغفر الله تعالى، لقد كنت في غلط ظاهر, الزم الرجل, فإنه بخلاف ما بلغني عنه. وقد كانت الأصول التي اعتمد عليها الإمام في استنباط الأحكام, تتمثل في الكتاب: يأخذ به، فإن لم يجد, أخذ بالسنة, فإن لم يجد, أخذ بأقوال الصحابة متخيرا منها, فإن لم يجد اجتهد رأيه فقاس أو استحسن. وليس هناك تباين بين هذه الأصول, وبين ما جرى عليه بقية الأئمة المجتهدين, وكان بعض حق الإمام أن يجري ذكره عبقا عطرا على مر الزمان يلهج بالثناء عليه كل لسان, ويتضوع أريج ذكراه في كل مكان, ولكن كيف وتغاير العلماء وتنافر المتعاصرين؟ من هنا أثيرت ضجة كبرى حول الإمام تكيل له الاتهام وترميه بزور الكلام، وكان وراء هذه الضجة الأسباب الآتية: ١- كان أبو حنيفة أول من توسع في استنباط أحكام الفقه من أئمة عصره, وأسبق من فرع الفروع على الأصول, ووضع افتراضات لأمور لم تقع, وإنما قدر احتمال وقوعها وضرورة الاستعداد لها. وكان أكثرهم يكرهون ذلك. نقلوا عن زيد بن ثابت أنه كان إذا سئل عن مسألة, يقول: هل وقعت؟ فإن قالوا: لا, قال: ذروها حتى تقع

стр. 279

أما أبو حنيفة فكان المجتهد الذي يمهد الفقه للناس ولأصل المسائل ويستعد للبلاء قبل قوعه. ٢- عرف عن أبي حنيفة تشدده في قبول الأخبار, واشتراطه شروطا أصعب مما اشترط المحدثون مما جعله يضعف أحاديث يقبلها أكثرهم، وقد حداه إلى ذلك انتشار الوضع في الحديث سيما وكان العراق بلد الشقاق يفور بقيادات فكرية متنافرة وخلافات مذهبية متناحرة, فهو مرتع خصب للإفك والكذب فعنَّ للإمام أن يبالغ في التثبت والاحتياط. ٣- وعلى العكس من ذلك كان يحتج بالمرسل إذا كان الذي أرسله ثقة خلافا لما ذهب إليه جمهور المحدثين، مما جعله يستل بأحاديث هي عندهم ضعيفة لا يحتج بها. ٤- ونتيجة لتضييق أبي حنيفة من دائرة العمل بالحديث في الحدود التي رسمها واطمأن إليها، واضطر إلى القياس وإعمال الرأي. وقد آتاه الله فيه موهبة عجيبة فذة لا مثيل لها، ولا ريب أن استعماله القياس إلى مدى واسع باعد الشقة بينه وبين أهل الحديث، كما بالمدينة, وبين بعض الفقهاء الذين لا يستعملون القياس إلا في نطاق ضيق. ٥- كان أبو حنيفة دقيق المسلك في الاستنباط دقة عجيبة بعيدة المدى, قادرا على تقلب وجوه الرأي في كل مسألة لدرجة تذهل وتدهش. "أخرج ابن أبي العوام بسنده إلى محمد بن الحسن قال: كان أبو حنيفة قد حمل إلى بغداد, فاجتمع أصحابه وفيهم أبو يوسف وزفر وأسد بن عمرو

стр. 280

وعامة الفقهاء المتقدمين من أصحابه فعملوا مسألة أيدوها بالحجاج وتفوقوا في تقديمها وقالوا: نسأل أبا حنيفة أول ما يقدم، فلما قدم أبو حنيفة كان أول مسألة سئل عنا تلك المسألة، فأجابهم بغير ما عندهم فصاحوا من نواحي الحلقة: يا أبا حنيفة بلدتك الغربة، فقال لهم: رفقا رفقا ماذا تقولون؟ قالوا: ليس هكذا القول، قال: عال, أبحجة أم بغير حجة؟ قالوا: بحجة، قال: هاتوا، فناظرهم فغلبهم بالحجاج حتى ردهم إلى قوله، وأذعنهم أن الخطأ منهم، فقال لهم: أعرفتم الآن؟ قالوا: نعم، قال: فما تقولون فيمن يزعم أن قولكم هو الصواب، وأن هذا القول خطأ؟ فقالوا: لا يكون ذاك، قد صح هذا القول، فناظرهم حتى ردهم عن القول، فقالوا: يا أبا حنيفة ظلمتنا والصواب كان معنا، قال: فما تقولون فيمن يزعم أن هذا القول خطأ، والأول خطأ والصواب قول ثالث؟ فقالوا: هذا لا يكون، قال: فاجتمعوا واخترع قولا ثالثا، وناظرهم عليه حتى ردهم إليه فأذعنوا، وقالوا: يا أبا حنيفة علمنا، قال: الصواب هو القول الأول الذي أجبتكم به لعلة كذا وكذا، وهذه المسألة لا تخرج من هذه الثلاثة الأنحاء، ولكل منها وجه في الفقه ومذهب، وهذا الصواب فخذوه وارفضوا ما سواه"١. ليس يرتبا عاقل في أن من أوتي القدرة العجيبة على تقليب وجه الرأي في المسألة الواحدة والاستعداد للدفاع عن كل رأي محتمل، رجل كهذا أوتي براعة كتلك في استطاعته كما يقول مالك وقد سئل:

стр. 281

"هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم: رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته"١. ٦- بلغ أبو حنيفة منزلة الإمام الأعظم, وكان الكثير من أهل عصره يجلونه ويكبرونه, مما أوغر عليه بعض الصدور, وهيج عليه بعض المشاعر. فالنفوس البشرية ليست معصومة من الغيرة, وحين يشتد التنافس لا عاصم من الزلل في القول أو الفعل إلا من رحم الله, فسما بنفسه وترفع بخلقه واستلهم نهج النبيين والصديقين، وقد قالوا: إن المعاصر لا يناصر. وعقد ابن البر بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض، وآخر: في أنه لا يقبل قول بعض إلا ببينة، وذكر فيما ذكر قول ابن عباس: استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض, فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايرا من التيوس في زربها"٢. ٧- لقد كان أثر العوامل السابقة مجتمعة أن تناقل الناس أشياء عن أبي حنيفة منها ما لا ظل له من الحق, ومنها ما لم يفهمه الناس على حقيقته من طرائق أبي حنيفة في الاجتهاد، ولقد وصل ذلك إلى أسماع بعض العلماء البعيدين عنه كما بلغهم بعض آرائه التي خالفهم فيها دون أن يعرفوا مبرره في الخلاف مع اقتناعهم بترجيح أدلتهم وموافقة نظرهم للحق، وهنا يعبرون عن معارضتهم بعنف, وربما ينالون من الرجل أو ينتقصونه لعدم تبين الأمر, فإذا عرضوا الحق بدت لهم وجهة نظر الإمام ورأوا ما استند إليه سريعا ما يعدول عن رأيهم فيه فينصفونه بعد أن يروا من دقة رأيه وقوة دينه ما يحمله على الثناء عليه وامتداح رأيه.

стр. 282

وما حديث الأوزاعي مع ابن المبارك من الأسماع ببعيد. ما اتهم به الإمام في القديم والحديث من أنه كان قليل البضاعة في الحديث: مناقشة ذلك: يتحامل الخطيب البغدادي على الإمام الأعظم تحاملا عجيبا, فينقل بأسانيد متهافتة عن كثير من الأئمة ما يفيد أنه كان يتيما في الحديث وزمنا فيه, ولم يكن صاحب حديث, ولا يمثل أي شيء فيه حتى يسأل عنه, وليس له رأي ولا حديث, وأن جميع ما روي عنه مائة وخمسون حديثا، أخطأ في نصفها, وأن عبد الرزاق لم يكتب عن أبي حنيفة إلا ليكثر به رجاله. إلى غير ذلك من متناقض الروايات التي بثها الخطيب في ترجمته المطولة التي خصص نصفها تقريبا لما للإمام من مناقب ونصفها الآخر لما ألصق به من المثالب. وإنك لترى من أغرب الغرائب أن ينقل إمام, نقاد بصير صيرفي في الحديث وبالرواية خبير كالخطيب روايات متناقضة عن الأئمة, فهو ينقل عن الإمام الواحد المدح والقدح, فكيف السبيل إلى قبول ذلك؟ ومن قبل الخطيب ومن بعده تحامل كثيرون على شيخ الفقهاء, فها هو ذا ابن حبان يذكره بين المجروحين, ويتحامل عليه إلى حد أن محقق الكتاب جرد قلمه ليبرر صنيع أبي حاتم, وإنما ليرد عليه, فهو يقول بعد تصوير تحامل ابن حبان وتصنيفه كتابين في التهجم عليه, ورد ما قيل في مناقب أبي حنيفة بزعم أنه له عللا.

стр. 283

ورد رأيه أيضا بادعاء إبطال مستنده, يقول محقق كتاب المجروحين: "وليس ابن حبان أول محدث حمل على أبي حنيفة هذه الحملة, ولكن الأئمة العدول من المحدثين الذين خبروا الإمام قد أنصفوه ولم يسلموه لأقوال المتحاملين. يقول اللكنوي الهندي بعد أن ذكر فرح الدارقطني في أبي حنيفة. وقوله: إنه ضعيف في الحديث: "فتارة يقول إنه كان مشتغلا بالفقه". انظر بالإنصاف أي قبح فيما قالوا؟ بل الفقيه أولى بأن يؤخذ الحديث عنه. وتارة يقولون: إنه لم يلاق أئمة الحديث، إنما أخذ ما أخذ من حماد, وهذا باطل، فإنه روى عن كثير من الأئمة كالإمام محمد الباقر، والأعمش وغيرهما. مع أن حمادا كان وعاء للعلم فالأخذ منه أغناه عن الأخذ عن غيره, وهذا أيضا آية على ورعه وكمال تقواه, فإنه لم يكثر الأساتذة لئلا تكثر الحقوق فيخاف عجزه عن إيفائها، وتارة يقولون إنه من أصحاب القياس والرأي, وكان لا يعمل بالحديث حتى وضع أبو بكر بن أبي شيبة في كتابه المصنف بابا للرد عليه, ترجمته "باب الرد على أبي حنيفة". وهذا أيضا من التعصب, كيف وقد قبل المراسيل وقال: ما جاء عن رسول الله ﷺ فبالرأس والعين, وما جاء عن أصحابه فلا أتركه. ولم يخصص بالقياس عام خبر الواحد، فضلا عن عام الكتاب، ولم يعمل بالإحالة والمصالح المرسلة"١.

стр. 284

بل وأكثر من ذلك نجده يقدم الحديث الضعيف على القياس والرأي, وعلى ذلك انبنى مذهبه. قال العلامة ابن القيم: "وأصحاب أبي حنيفة ﵀ يجمعون على أن مذهب أبي حنيفة: أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي, وعلى ذلك بنى مذهبه كما قدم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي, وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس, ومنع قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم والحديث فيه ضعف, وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف, وشرط في إقامة الجمعة المصر والحديث فيه كذلك, وترك القياس في مسائل الآبار لآثار فيه غير مرفوعة. فتقدم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله وقول الإمام أحمد, وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين, بل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفًا"١. ويترامى رنين صوت الادعاء بأن الإمام أبو حنيفة كان قليل البضاعة في الحديث, ويتناقل البعض هذه القضية تارة بحسن نية, وأخرى بخبث وسوء طوية, وإن المرء ليبلغ به الاندهاش مداه إزاء هذا الاتجاه الذي يحرص أصحابه على انتقاص قدر الأئمة والنيل منهم. وإمام ينتشر مذهبه ويكثر أتباعه إلى حد عشرات الملايين بل مئاتها, كيف يسوغ اتهامه بقلة البضاعة فيما تنبني عليه استنباطاته وأحكامه؟

стр. 285

ولتأكيد معنى الإنكار في هذا الاستفهام نقول: أولا: كان أبو حنيفة إماما مجتهدا بإجماع موافقيه ومخالفيه، من شروط الاجتهاد أن يحيط علما بالأصول التي تنبني عليها الأحكام، ولا يختلف ذي الأفهام في أن الأحاديث هي أهم تلك الأصول، فلا يعقل أن يسلم للإمام اجتهاده إلا وهو ملم بالآلاف من الأحاديث أو على الأقل المئات لا سبعة عشرة حديثا فحسب كما تردد ذلك في بعض الكتب. ثانيا: لو طالعنا مذهب الإمام لوجدناه قد وافق الأحاديث الصحيحة في مئات المسائل: وقد جمع الشارح القاموس المحيط وإحياء علوم الدين السيد مرتضى الزبيدي ﵀ كتابا جمع فيه الأحاديث من مسانيد الإمام أبي حنيفة, والتي وافقه في روايتها أصحاب الكتب الستة سماه "عقد الجواهر المنيفة في أدلة أبي حنيفة"، فكيف وافق اجتهاد الإمام مئات الأحاديث الصحيحة، وليس عنده إلا بضعة عشر حديثا، أو خمسون أو مائة وخمسون أخطأ في نصفها! ثالثا: ولقد أفرد ابن أبي شيبة في مصنفه الكبير بابا لما خالف فيه أبو حنيفة ما صح من الأحاديث, فبلغت مائة وخمسة وعشرون مسألة. فلو سلم لابن أبي شيبة جميع ما أخذه عن أبي حنيفة كانت بقية المسائل التي أثرت عنه موافقة للحديث في كل مسألة ورد فيها حديث. وإذا كانت مسائل أبي حنيفة على أقل تقدير ثلاثا وثمانين ألف مسألة. وهناك روايات تبلغ العدد إلى ألف ألف ومائتي ألف. فهل هذا العدد
следующие страницы →