ويرى بعض الباحثين، أن الفترة التي سبقت ظهور الإسلام -وتقدر بنحو قرنين من الزمان- هي التي يطلق عليها العصر الجاهلي، أما ما سبق ذلك من أحداث، فتسمى "تاريخ العرب قبل الإسلام".
واختلفوا كذلك في معنى "الجاهلية" أهي مأخوذة من الجهل الذي هو ضد العلم، وهو عين ما وصفت به الأزمنة السابقة للنصرانية في الآية الثالثة عشرة من الإصحاح السابع من سفر أعمال الرسل؟ وقد ورد لفظ الجهل بهذا المعنى في أقوال الشعراء الجاهليين، كقول عنترة:
"إن كنت جاهلة بما لم تعلمي"
أم هي مأخوذة من الجهل الذي هو السفه والغضب والأنفة، كما يميل كثير من المؤرخين؟
على أننا إذا دققنا النظر في الآيات الأربع التي ورد فيها لفظ الجاهلية، تبين لنا أن هذا المعنى هو المقصود, وهذي هي الآيات:
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] , ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] ، ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ الأحزاب.
ويطلق لفظ الجاهلية على الحال التي كانت عليها العرب قبل بزوغ فجر الإسلام. يقول الدكتور "فيليب حتى": "تفسر كلمة الجاهلية عادة بعصر الجهل أو البربرية الهمجية Barbarism، ولكنها في الواقع تعني تلك الحقبة التي كانت فيها الجزيرة العربية خالية من أي قانون, أو نبي موحى إليه، أو كتاب منزل"١.
ويرى المستر "فيلبي" أن هذا العصر كان عصر مجادة وازدهار، وحياة تجارية وفكرية عظيمة، وأن العرب قد أجحفوا حين وسموا هذه الحقيقة الزاهية -من تاريخهم- بسمة "العصر الجاهلي"، وفي ذلك يقول:
стр. 107
" ... إنه قبل ظهور محمد ﵇ بحوالي ألفي عام، كانت الجزيرة العربية قوة من القوى العظمى في العالم, لها مكانتها التجارية والثقافية العظيمة. ثم غدت مرة أخرى بعد انبثاق فجر الإسلام مركزا لإمبراطورية عالمية عظيمة، شعلة من العلم والمعرفة حية متقدة وسط عصور الظلام في أوروبا، ولكن الجزيرة العربية كانت -بعدئذٍ- قد نسيت ماضيها المجيد، وانصرفت عن تقدير ما حققته في عصورها التليدة، وأطلقت بكل كبرياء على تلك الفترة التي حققت فيها ماضي عظمتها الباكرة "اسم الجاهلي""١.
والذي نميل إليه، هو أن الجاهلية -في مدلولها الواسع- لا تطلق على الجهل الذي هو ضد العلم فقط، ولا على السفه والطيش والحمية وحسب، وإنما تشمل كل ما يجافي الروح الإسلامية من عقائد وأخلاق وعادات، كالربا وعبادة الأوثان، ونصرة الأخ ظالما ومظلوما، ووأد البنات. بيد أن المؤرخ خليق -حين يدرس العصر الجاهلي- أن تذكر ما يتعارض مع الإسلام من التقاليد والمعتقدات وألوان السلوك، وما لا يتعارض مع روحه ومبادئه، كحلف الفضول، وما عرف عن قريش من ختان الأولاد، وتكفين الموتى، والاغتسال من الجنابة، وتعففها في المناكح عن الأخت وبنت الأخت، مما أوجبه الإسلام.
أما فيما يختص بالأدب وتحديد مدة الشعر الجاهلي، فقد ظن كثير من الباحثين -قديما وحديثا- أن أقدم شعر جاهلي وصل إلينا كان قبل الهجرة بنحو ١٥٠ سنة إلى مائتي سنة. وفي طليعة هؤلاء، أبو عمرو الجاحظ، الذي يرى أن العرب تشارك العجم في البناء وتنفرد بالشعر، فبنت غمدان وكعبة نجران وقصري مارد وشعوب، والأبلق الفرد، كما بنت الأعاجم كرييداد، وبيضا إصطخر، وبيضا المدائن. والكتب -فيرأيه- أبقى من بنيان الحجارة وحيطان المدر؛ لأن من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من سبقهم، وأن يميتوا ذكر أعدائهم٢.
стр. 108
فالجاحظ يضع الشعر في تقدير العرب موضع البناء في تقدير العجم؛ لتخليد الآثار, والأمم عادة يتنبه فيها الوعي لتخليد آثارها منذ أن تستيقظ. ومعنى هذا أن الشعر العربي موغل في القدم، قدم الصحوة العربية الباكرة؛ لأنه الوسيلة الأولى لخلود الذكر عند العرب. وهذا يتنافى مع القول بأن عمر الشعر الجاهلي ما بين ١٥٠ سنة إلى مائتي سنة؛ إذ المعروف أن مدنية العرب وحضارتهم أقدم من ذلك بكثير ... هذا إلى أن النمو الطبيعي للقصيدة العربية يستدعي أن تكون قد مرت بأطوار شتى في طرق التعبير والتصوير، وانتقلت من طور السجع إلى الرجز إلى الأوزان القصيرة الأخرى، فالأوزان الطويلة، ومن الحسي إلى المعنوي حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من الاكتمال سواء في ناحية الموسيقى والوزن أو ناحية البلاغة والبيان ... ومن هنا كان رأي ثعلب، الذي نقله الأصمعي، من أن الشعر الجاهلي كان قبل الهجرة بنحو ٤٠٠ سنة، أدنى إلى المعقول، والمنطق السليم ... بل إن بعض الباحثين المحدثين -اعتمادا على حساب أجيال الأنساب "٤٠ سنة للجيل الواحد"- قد وصل إلى أن أقدم شعر جاهلي كان قبل الهجرة بأكثر من ستمائة سنة, وأن أقدم المقطوعات ينسب لطي بن أدد في القرن السابع قبل الهجرة, وأن لقيطا الإيادي في قصيدته التي مطلعها:
يا دار عبلة من محتلها الجرعا ... هاجت لي الهم والأحزان والوجعا
يعتبر ناظم أول قصيدة من الطوال. وفيها ينذر قومه ويحذرهم من زحف ملك الفرس "سابور ذي الأكتاف"، وقد قيلت هذه القصيدة في سنة ٣٢٦م "٢٩٦ق. هـ"١.
وديوان لقيط الأيادي -وهو مخطوط بدار الكتب- يعتبر -على الأرجح- أقدم دواوين الشعر الجاهلي٢.
стр. 109
أما في النثر، فنعتبر الأمثال المنسوبة أقدم فنون الأدب العربي، وأن منها ما ترجع أقدميته إلى القرن الثامن قبل الهجرة، أو القرن الثاني قبل الميلاد المسيحي، وذلك كالمثل الذي ينسبونه إلى أبي الحجازيين "إلياس بن مضر"، وهو: "السليم لا ينام ولا ينيم".
ومهما كانت قيمة هذه الآراء في ميزان التحقيق العلمي، فإن الأدب الجاهلي الذي وصل إلينا مكتملا سويا لا يمكن أن يكون حديث الميلاد لا يتجاوز عمره ١٥٠ عاما؛ فالقصيدة العربية أقدم ميلادا وأوغل في طوايا الزمن مما تصور الجاحظ, ومن نحا منحاه من النقاد ... بيد أن أصول هذا الأدب وأطوار نموه "قد هربت منا -كما يقول "دي فرجيه"- لسوء الحظ، فهو حين يطلع علينا لأول وهلة، يطلع علينا من قلب الصحراء، تام الخلقة كما خرجت "منيرفا" من ذهن جوبتير"١.
стр. 110
الفصل الأول: أهمية الحجاز في العصر القديم
الدور الذي لعبه الحجاز قديما:
الحجاز أهم أقاليم الجزيرة العربية؛ لأسباب عديدة:
١- وقوعه قديما على الطريق التجاري، الذي يصل اليمن ببلاد الشمال.
٢- يبلغ أكثر من خمس الجزيرة العربية كلها بجميع أقاليمها، فبينما يبلغ متوسط عرض الجزيرة ٧٠٠ ميل، نجد أن عرض الحجاز من الشرق إلى الغرب ٢٥٠ ميلا، وبينما نجد أن متوسط منتهى طول الجزيرة ١٢٠٠ ميل، نجد أن الحجاز يبلغ طوله زهاء ٧٠٠ ميل من الشمال للجنوب.
٣- وقوعه وسط مناطق الحضارة في بلاد الشرق، وهي: بلاد اليمن والشام ومصر.
٤- أن الحجاز مركز إستراتيجي مهم.
٥- استقرار أتباع الديانات فيه قبل الإسلام، فقد رحل إليه اليهود، وأنشئوا فيه عدة مواطن، منها المدينة وخيبر وغيرهما، وكان يوجد فيه من قديم أتباع الحنيفية، وعبدة الأوثان والأصنام، وبعض النصارى.
٦- انبعاث أعظم قوة روحية عالمية من الحجاز، وهي رسالة الإسلام التي نزلت على محمد بن عبد الله الحجازي الكي القرشي، والإسلام هو الذي ساد العالم إلى اليوم، وقامت على أصوله أعظم حضارة عرفها التاريخ، وأعدل حكم شهدته الشعوب التي دانت لدول الخلافة الإسلامية بالطاعة.
٧- كان قريش أعظم قبائل الحجاز، ولقريش السيادة على القبائل الحجازية خاصة والعربية عامة، منذ القدم قبل الإسلام وبعده١.
стр. 111
٨- اشتمال الحجاز على مقدسات الإسلام العريقة في المجد والتاريخ، وهي مكة والمدينة وما يحيط بهما وما بينهما، وعلى الآثار الإسلامية الخالدة.
وقد بقي الحجاز منذ عصر النبوة وحتى اليوم محرما أن يعيش فيه أو يسكنه أو يدخل إليه غير المسلمين.
وكانت هذه المنطقة إلى جانب تجارتها الخاصة ملتقى القوافل التجارية بين وادي النيل والهند ودول شرقي حوض البحر الأبيض المتوسط. وكان أهم السلع التي اتجر فيها العرب: الذهب، والنحاس، والأحجار النفيسة، وقد كان من أهم موارد الذهب في تلك الأحقاب السحيقة, ذلك المنجم الذي كان يستثمره اتحاد التعدين في الحجاز، ولا تزال الأحجار الكريمة تستخرج من الحجاز.
وكانت تتشعب من جنوب غربي شبه الجزيرة العربية شبكة من طرق التجارة: أحدها كان يمتد على طول الجانب الغربي مارا بمكة, متجها إلى دمشق, ويدور فرع منه حول خليج العقبة ميمّما شطر مصر ... وكان ثمة طريق آخر، يمتد إلى الخليج الفارسي عند ميناء الجرعاء, التي تقوم الآن على مقربة من موقعها ميناء العقير، حيث كانت سلع اليمن تشحن على السفن إلى بابل ودول الشرق الأوسط.
على أن التجارة لم تكن كل ما امتاز به الحجاز وما حوله في العصور القديمة، بل لقد قامت فيه -إذ ذاك- مراكز عمرانية تكونت فيها مدنية خاصة تكيفت بعوامل الجو والبيئة والظروف وما إليها، والمعتقد أن الكثير من المعلومات الخاصة بها دفين الرمال في انتظار المنقبين من خبراء الآثار.
على أن التاريخ حرص دائما على أن يميز بين عرب الجنوب وعرب الشمال؛ إذ كان أهل الجنوب -ويقال: إنهم أصل العنصر السامي- يعيشون في مدن، بينما كان أغلب أهل الشمال من القبائل الرحل، فكانت لهم ثقافة تختلف عن ثقافة أولئك ... غير أن ازدياد التجارة بين الجنوب والشمال لم يلبث أن قرّب بين الفريقين ... كما هاجم الساميون من الجنوب الشمال في أوقات
стр. 112
الأزمات والحروب، واشتركوا مع الشماليين في الحملات التي كانت تنبعث من شبه الجزيرة للإغارة على الوديان الخصيبة في شرق البحر الأبيض المتوسط. وكانوا في كل حركاتهم هذه يحملون ثقافتهم ومدنيتهم معهم، فيمزجونها بما لدى الشماليين، ثم يحملون الحضارة المشتركة معهم إلى حيث كانوا يغيرون, فيمزجونها بالحضارات التي كانت تقوم في تلك الوديان.
وانفردت الجزيرة العربية -أو قل: الحجاز من بينها- بصفة خاصة: بأنها كانت مصدر المعجزات الإنسانية خلال عصور التاريخ.
فهي التي وجهت العالم القديم قبل الإسلام، وهي التي وجهت العالم بعد ظهور الإسلام، وهي التي خرّجت عظماء الإنسانية خلال عصور التاريخ، ومنها خرج محمد بن عبد الله ﷺ ومنها كذلك انبثق نور الإسلام وشع ضوءه على أرجاء الدنيا في المشرق والمغرب.
ولقد قام سكان الجزيرة العربية -وفي مقدمتهم عرب الحجاز- بكثير من الأدوار المهمة في تاريخ الشرق الأوسط وحضارته؛ فقد كانت هذه الحضارات تتعرض للانهيار، فكان أهل صحارى العرب ينشطون في بعض الأحقاب، فيبثّون روح النهوض من جديد، إذ كانت الواحات المتناثرة في أرجاء الصحارى مراكز للمدنية، وكانت مدنها معاقل للثقافة والتجارة والزعامة ... وكانت القبائل الرحل كثيرا ما تغير على مراكز المدنيات في وديان الأنهار في شمال الجزيرة العربية -وديان: دجلة والفرات وسوريا وفلسطين- في أويقات ضعفها، حاملة معها نقاء الصحراء وطهرها وبساطتها، فيبثون هذا الروح الجديد فيمن تتم لهم الغلبة والسيادة عليهم، ويأخذون عنهم ثقافتهم.
ويكفي مثالا أن نذكر أن بدو شبه الجزيرة العربية هم الذين خرجوا من ديارهم منذ ثلاثة عشر قرنا، وقد تملكهم الإيمان بعقيدة جديدة -هي الإسلام- فانسابوا ينشرون ضياءها في الأرض.
стр. 113
وليس هذا هو الدور الأوحد الذي قام به العرب, فيما يتصل بالحضارات التي قامت في وديان النيل ودجلة والفرات، بل إنهم أنشئوا علاقات تجارية وثيقة.
ولقد كان ظهور الإسلام على يدي محمد بن عبد الله، خاتم المرسلين، أكبر معجزة إنسانية وعاها التاريخ، وأعظم حدث عالمي ردّدته الأجيال، فلقد حول الرسول الكريم ورسالته العظمى مجرى الحياة، وبدل سير التاريخ، وأنقذ العالم من الفوضى والوثنية والعبودية.
وتمّم خلفاء الرسول الأعظم المعجزة، فنشروا الإسلام في الدنيا، وهدوا العالم إلى الحق وإلى كلمة الله، وأقاموا للحضارة والثقافة منارا رفيعا في كل مكان نزلوا فيه.
وأصبح للإسلام وللعرب دولة تشد أزره، وتستهدف أفكاره، وتصنع للحضارة والإنسانية والعالم صنيعا مشكورا، ولا يمكن لإنسان أن يقدره حق قدره.
وامتد تاريخ الإسلام من عهد الرسول الأعظم إلى اليوم، وسيمتد آلاف السنين والأجيال بإذن الله.
وقد امتد كذلك تاريخ الحجاز خلال العصور والأجيال، وشهد حكم الخلفاء الراشدين وبني أمية وابن الزبير وآل العباس، وحكم كثير من الدول الإسلامية التي قامت بعد ذلك، وكذلك حكم الأشراف إلى عصر الأتراك العثمانيين, فالعصر الحديث.
стр. 114
الفصل الثاني: تاريخ الحجاز السياسي
"أولا" في مكة
أشرنا فيما مضى إلى حكم العمالقة لمكة، وأنه كان طورا من أطوار التاريخ القديم لها، إلا أن التاريخ الموثوق به يبدأ من هجرة إبراهيم بإسماعيل ﵉ إلى مكة، وسنفصل الحديث في ذلك بقدر ما يتسع له المقام.
هجرة إبراهيم بإسماعيل إلى مكة:
يشير القرآن الكريم إلى أن إبراهيم هبط مكة بابنه إسماعيل ﵉ ثم بنيا الكعبة، وجعلت أفئدة الناس تهوي إليها.
وتدل الروايات -تفصيلا لهذا الحادث- على أن إبراهيم حينما وضع إسماعيل وأمه هاجر بمكة، وتركهما بهذا القفر لم يضعهما الله، إذ حدث ظمأ إسماعيل، فانطلقت أمه هاجر، حتى صعدت جبل الصفا لتنظر هل ترى شيئا فلم تر شيئا، فانحدرت إلى الوادي، فسمعت حتى أتت المروة، فاستشرفت لعلها ترى شيئا, فلم تر شيئا، فعلت ذلك سبع مرات، ثم عادت إلى إسماعيل وهو يدحض الحجر بقدميه، والماء يتفجر من الأرض، فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء حتى لا يضيع في الرمال, وهي تقول: زم زم، فسميت لذلك زمزم.
وحومت الطير حول الماء، وكانت جرهم بوادٍ قريب من مكة، فلما رأت الطير قصدت نحوها، فوجدوا هاجر وابنها إسماعيل، فقالوا لها: لو شئت فكنا معك وآنسناك والماء لك، فقالت: نعم، فكانوا معها حتى شَبَّ إسماعيل وماتت هاجر، فتزوج إسماعيل فتاة منهم، وتعلم منهم العربية، وأنجب نسلا كثيرا هم العرب المستعربة.
стр. 115
وينفي "وليم موير" هذه القصة, ويرى أنها بعض "إسرائيليات" ابتكرها اليهود قبل الإسلام؛ ليربطوا بينهم وبين العرب بالاشتراك في أبوة "إبراهيم" لهم جميعا -إن كان "إسحاق" أبا اليهود- فإذا كان "إسماعيل" أبا للعرب، فهم إذًا أبناء عمومة توجب على العرب حسن معاملة النازلين بينهم من اليهود، وتيسير تجارة اليهود في شبه الجزيرة.
ويستند "موير" في رأيه هذا، إلى أن أوضاع العبادة في بلاد العرب لا صلة بينها وبين دين إبراهيم؛ لأنها وثنية مغرقة في الوثنية، وكان إبراهيم "حنيفا مسلما".
ويقول "الدكتور هيكل": إن تعليل "موير" ليس كافيا لنفي واقعة تاريخية، وإن وثنية العرب، بعد موت إبراهيم وإسماعيل بقرون كثيرة، لا تدل على أنهم كانوا كذلك حين جاء إبراهيم إلى الحجاز، وحين اشترك إبراهيم وإسماعيل في بناء الكعبة، وأنه لا يوجد ما يمنع أن يدعو إبراهيم إلى الوحدانية، فلا يستمع العرب لدعائه، فقد سبق أن دعا إليها في فلسطين، فلم ينجح١.
أجمع المؤرخون على قصة إبراهيم وإسماعيل في جملتها وإن اختلفوا في التفصيل، وسندهم في هذا، ما جاء به القرآن الكريم: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ، وكذلك السنة النبوية التي كادت تبلغ حد التواتر، وهذه القصة من الأمور الممكنة التي لا يحيل العقل وقوعها، فإن حدوث هجرات من مكان إلى آخر أمر جائز وواقع إلى الآن، وحجة "وليم موير" أنه ليست لديه مصادر تؤيدها، ولو كان منصفا لاعتبر الكتب السماوية أصح المصارد التي يركن إليها الإنسان على الأقل عند فقد النقوش؛ فقد أثبتت الآثار المكتشفة حديثا صدق روايتها في كثير من الحوادث التاريخية، كما جاء في تاريخ عاد وثمود وسبأ، وإن كثيرا من الأخبار لا يزال مطمورا لم يكشف عنه بعد، مع أن من غير المعقول أن هذه الكتب السماوية تكون صادقة في البعض، وكاذبة في البعض الآخر، فالمؤرخ المنصف ينبغي أن يصدق ما جاء
стр. 116
بها، أو على الأقل يتريث ولا يحكم عليها بأنها أسطورة، إلا إذا كشف البحث والتنقيب عن حقائق صحيحة تصادم ما قررته هذه الكتب، وهيهات أن يحدث ذلك في كتاب ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ !.
ومن البعيد جدا أن يكون اليهود اخترعوا هذه القصة قبل الإسلام، لأغراض سياسية أو اقتصادية، ويرى محمد ﵇ المصلحة في ذلك فيقرهم عليها كما يزعمون.
بعيد هذا الزعم؛ لأنه لو صح لنقل إلينا، وبخاصة عندما اشتدت الخصومة بين اليهود والرسول، على أثر إجلائهم عن المدينة، بعد حروب طال أمدها، ودماء مسفوكة من الجانبين، فإن هذا كان ظرفا مناسبا, دافعا أيضا لأن يطعن كل منهم في نسب الآخر، ويعتبره دخيلا عليه.
أما وأن هذا لم يحدث، فإن صحة نسب العرب العدنانيين إلى إسماعيل وإبراهيم وهجرتهما إلى مكة، وبناءهما البيت، لا يصح التردد فيها بحال.
ويشير القرآن الكريم، والتوراة، إلى أن الله أراد أن يمتحن إبراهيم؛ فأمره في منامه أن يذبح ولده، فأخذ إبراهيم الغلام، وألقاه على جبينه، وهمّ بذبحه؛ امتثالا لأمر الله، فافتداه الله بذبح عظيم.
لم يصرح القرآن باسم الذبيح، أهو إسماعيل أم إسحاق؟ ولم يذكر الموضع الذي حدثت فيه الحادثة، أكان بفلسطين أم بالحجاز؟ وقد اختلف من أجل ذلك المؤرخون. فاليهود يرون أن الذبيح هو إسحاق؛ حرصا منهم على أن يكون أبوهم هو المفدى، الذي استعد للتضحية بنفسه، وينسب هذا الرأي أيضا إلى جماعة من المسلمين، منهم الطبري وابن خلدون، ولعل حجتهم في ذلك هو ما ورد في التوراة من قوله: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه "إسحاق"، واذهب إلى أرض الموديا١ ... إلخ".
стр. 117
والمحققون يرون أن الذبيح هو إسماعيل، بدليل ما في سورة الصافات في قصة الذبيح، فإنه بعد أن ذكر قصة الذبيح، قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ, وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ ، فالتبشير بإسحاق بعد ذكر قصة الذبح والفداء، دليل على أن الله حفظ له ولده الموجود -وهو إسماعيل- وبشره بوجود وارث من "سارة" هو "إسحاق" وعود الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ على الغلام الذبيح، وذكر "إسحاق" معه صريحا يقتضي المغايرة. وقد نسب إلى النبي ﷺ أنه قال: "أنا ابن الذبيحين" أي: إسماعيل، وعبد الله.
والتوراة تذكر أن الذبيح كان وحيد إبراهيم, ولا ينطبق هذا إلا على إسماعيل الأكبر؛ لأنه كان وحيد أبيه قبل ميلاد إسحاق.
ويقول الشيخ عبد الوهاب النجار: إن لفظ "إسحاق" الذي ورد في آية التوراة السابقة، إنما حشر حشرا بيد اليهود؛ حرصا منهم على أن يكون أبوهم هو الذبيح١.
بناء البيت:
وكان نزول إسماعيل وأمه هاجر بمكة بموضع عند البيت الحرام، إذ لم يكن البيت إذ ذاك قد بُني، وإنما كان ربوة حمراء مشرفة على ما حولها، وتقول التوراة: إن نزول إسماعيل كان في برية فاران، وفاران: اسم جبال مكة، ثم أمر الله خليله ببناء البيت الحرام، فبناه بمساعدة ولده إسماعيل ﵉. ولما ارتفع البنيان وعجز إبراهيم عن رفع الحجارة، قام على حجر هو "مقام إبراهيم"، واستمر يبني حتى فرغ من البناء، فأمره الله تعالى بالأذان بالحج، فصعد إبراهيم على جبل أبي قبيس، وأذن في الناس بالحج كما أمر الله، ثم رجع إلى قرية الخليل بفلسطين, ويقال: إن إبراهيم ﵇ قد دفن بها.
стр. 118
بعد إسماعيل حكم الجراهمة:
ومن هذه الأحداث نعلم أن إسماعيل صار زعيم العرب الحجازيين، فلما مات إسماعيل تولى الجراهمة بعده أمر الكعبة، وظلت في أيديهم مدة طويلة من الزمن، ولم ينازعهم أبناء إسماعيل لأن الجراهمة أخوالهم، ويقال: إن ولاية الكعبة كانت في ذرية إسماعيل، وكان يعاونهم أخوالهم من الجراهمة.
والراجح أن جرهما توّجوا أحد أولاد إسماعيل ملكا عليهم، أما سدانة الكعبة ومفاتيحها، فكانت في ولد إسماعيل بلا خلاف. حتى انتهت إلى "نابت" فانتزعها منه بنو جرهم، وبقيت فيهم إلى أن بغوا واستحلوا حرمة البيت، وظلموا من دخل مكة من الحجاج وغيرهم، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها، وفشت فيهم الرذائل، وما زال أمرهم في ضعف وانحلال حتى سلط الله عليهم خزاعة، فتمكنت من قهرهم، وتغلبت عليهم، واستولت على مكة، واستأثرت بولاية البيت وسدانة الكعبة.
وقبل أن يبرح آخر حكامهم "مضاض بن عمرو" مكة، عمد إلى بئر زمزم، فأعمق حفرها، وأودع في قاعها ما كان بالكعبة من تحف وذخائر وأموال، ومن بينها غزالتان من الذهب وسيف ودروع أخرى، ثم طم عليها الرمال.
حكم خزاعة:
استولى الخزاعيون على أمر الكعبة بعد أن أجلوا الجراهمة عنها، ويقال: إن خزاعة أصلها قبائل من اليمن، هاجرت منها بعد سيل العرم، ونزلت بمكة وبقيت بها حتى لاحت لها فرصة القضاء على الجراهمة, حوالي القرن الثالث الميلادي. وقد سادت مكة زهاء قرنين من الزمان، يجمعون في يدهم السلطة الزمنية "السياسية" والدينية معا، ولم يتركوا لأهل مكة من الوظائف إلا أقلها.
ومن أشهر الخزاعيين: "عمرو بن لحي" الذي يقال: إنه أول من أدخل عبادة الأصنام في مكة, وآخر من ولي من الخزاعيين "حليل بن حبشية", وهو
стр. 119
الذي ظهر في أيامه "قصي بن كلاب"، الأب الخامس للرسول ﵇.
وقد عهد حليل إلى ابنته "حبى" بولاية البيت، فقالت: إنها لا تقدر على فتح الباب وإغلاقه.
عودة الحكم إلى أبناء إسماعيل:
سلالة إسماعيل:
لا نعرف عن ذرية إسماعيل كثيرا خلال هذه الفترة الطويلة، ويبتدئ التاريخ المسلم بصحته من عدنان، الجد الأعلى للعدنانيين, ووارث إسماعيل جده الأعلى.
ويختلف النسابون فيمن كان بين إسماعيل وعدنان من الآباء, فيقدره بعضهم بأربعين، ويقدره آخرون بعشرين، وسواهم بخمسة عشر أبا. ويرى آخرون أنه يستحيل تقديرهم بهذا العدد؛ لطول الزمن بين إسماعيل وعدنان١، ويقال: إن والد عدنان هو أدد٢, وقيل: اسمه مقوم. وقد ولد عدنان عددا من الأولاد، من أشهرهم: معد، وعك.
وموطن العدنانيين من تهامة -ومكة من تهامة- ولكن ظروفا قاهرة اضطروا من أجلها إلى الهجرة والتفرق. فظعنت قضاعة بن معد بن عدنان إلى اليمن, بسبب خصومات وقعت بينها وبين نزار، فخرجت قضاعة متفرقين٣, وتلا ذلك هجرات أخرى للعدنانيين، فانتشروا في مناطق واسعة من شبه جزيرة العرب، حتى وصلوا العراق والشام، فهاجرت عبد القيس وهي من رنيعة، وبطون من بكر إلى البحرين، وخرجت بنو حنيفة إلى اليمامة، وأقامت سائر بكر في اليمامة، أقامت تغلب بالجزيرة الفراتية، وسكنت ثقيف الطائف، وهوازن في شرقي مكة بنواحي أوطاس وهي على الجادة بين مكة والبصرة،
стр. 120
وسكنت بنو أسد شرقي تيماء وغربي الكوفة، وسكنت ذبيان بالقرب من تيماء إلى حوران، وبقي بتهامة بطون كنانة، وأقامت بطون قريش بمكة وضواحيها.
ولمعد أربعة أولاد: نزار، وقضاعة، وإياد, وقنص١. ونزار هو جد القبائل النزارية، وتتألف القبائل العدنانية من: ربيعة، ومضر، وإياد, وأنمار٢.
ومن نسل مضر، إلياس، وخلف إلياس مدركة، ومن أبناء مدركة خزيمة, ونسل خزيمة كنانة، وخلف كنانة النضر وهو قريش في أحد الآراء، ومن بني النضر مالك وولد مالك فهرا، وهو قريش في رأي آخرين، ثم سارت سلسلة النسب النبوي إلى عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، راجع جدولي النسب إلى عدنان وإلى قصي.
قصي:
ولقصي ذكر ذائع في التاريخ الحجازي القديم٣، فقد مات والده كلاب وقصي لا يزال طفلا في المهد، فتزوجت أمه ربيعة بن خزام، ورحل بها إلى الشام حيث شب قصي بين آل ربيعة بعيدا عن أهله٤. ولما بلغ أشده رحل عن بني ربيعة إلى مكة موطن آبائه وأجداده، وكان النفوذ الديني والمدني في أيدي خزاعة، وحاكمهم إذ ذاك "حليل بن حبشية".
وعَزَّ على قصي أن يرى قومه تحت سلطان الأجانب من خزاعة، فصمم على أن ينزع منهم الأمر والسلطان، وبدأ ينفذ خطته بالتدريج، فدأب على السعي والتجارة حتى كثر ماله وعظم شرفه وتزوج من "حبي" بنة حليل بن حبشية؛ أملا في أن يرث عنه امتيازاته، وحدث أن "حبى" حينما عرض أبوها
стр. 121
عليها ولاية البيت زهدت فيها وتنحت عن تسلم المفاتيح، فسلم "حليل" المفاتيح لرجل آخر من خزاعة يسمى أبا غبشان، فابتدأ قصي يحتال على أبي غبشان، حتى اشترى منه مفاتيح الكعبة.
كان قصي يعلم ما سيكون, فاتخذ للحرب عدتها من قبل، وما كادت خزاعة تعلم بذلك حتى هاجت وماجت، وادعى أبو غبشان أنه لم يبع المفاتيح، بل كان ما حدث بطريق الرهن، وامتشق قصي الحسام، ومن ورائه قومه من بني إسماعيل ودافع عن الكعبة وهزم خزاعة وأجلاهم عن مكة، وصار الأمر كله فيها لقصي، فكان رئيسا دينيا يخصه العرب بالإجلال والتعظيم.
وقد جمع قصي قريشا من نواحٍ متعددة إلى وادي مكة، ولقب من أجل ذلك "مجمعا"؛ وذلك ليكون منهم عصبية بالقرابة، وجعل قصي لكل بطن حيا خاصا على مقربة من الكعبة، وكان الناس قبل ذلك لا يجرءون على البناء بجوار الكعبة مبالغة في تقديسها، وكانت حجة قصي في ذلك أن يقيم على مقربة من البيت حماة له يتعهدونه بالصيانة ويدفعون عنه الخطر، ولم يترك بين الكعبة والبيوت التي بنتها بطون قريش إلا بمقدار ما يسمح بالطواف، فكانت البيوت كالحصون حول الكعبة من جميع نواحيها.
وبنى قصي دار الندوة، وجعل بابها يؤدي إلى الكعبة مباشرة، وكان قصي يتولى رئاسة هذه الدار التي جعل من اختصاصها حسم المشاكل، وحل المعضلات، وكان لا يدخلها إلا من بلغ الأربعين من عمره، وكانوا يزوجون فيها بناتهم. وإذا بلغت الجارية مبلغ النساء ألبست الدرع في تلك الدار، وكانوا يعقدون فيها لواء الحرب، وقد انتهى أمرها قبل مجيء الإسلام.
وكان في يده اللواء وهو راية الحرب, فكانت لا تعقد إلا بيده، ثم انتهى أمرها إلى بني أمية من ذريته.
وأسندت إليه الحجابة, وهي سدانة البيت، يفتح بابه ويغلقه حسب الحاجة، ويتولى خدمة الكعبة، ويكون عنده مفتاحها، ثم استقرت بعده في بني شيبة.
стр. 122
وعلى الجملة, فقد جمع قصي كل مفاخر العرب ومظاهر الشرف والسيادة والمجد فيها، من سقاية ورفادة وقيادة، وتولى كذلك أمر المشورة والسفارة والحكومة في الخصومات، وبذلك جمع قصي في يده كل السلطات الدينية والسياسية فكان زعميم العرب, ورئيسها الديني، وقائدها العسكري، وزعيم قريش سادة العرب ... وهكذا كانت مكة -وهي أهم مدن الحجاز- على نصيب كبير من الثقافة والحضارة والرقي السياسي والاجتماعي؛ لاشتغال أهلها بالتجارة وترددهم في رحلاتهم على الممالك المتحضرة كفارس والروم ومصر، وأصبح في مكة نوع من الحكومة المنظمة، وضع أساسه قصي في القرن الخامس الميلادي، إذ جدد بناء الكعبة، وابتنى -كما ذكرنا- دار الندوة؛ ليجتمع فيها الرؤساء فيتشاوروا ويعقدوا أنكحتهم وألويتهم، ويفصلوا في خصوماتهم ويختنوا غلمانهم.
توارث أمجاد قصي بعد وفاته:
وورث أبناء قصي هذه المناقب بعده إلى أن وصل الحكم إلى هاشم، ثم إلى عبد المطلب سنة ٥٢٠م، وكان الذي تولى بعد قصي هو ابنه عبد الدار، وبعد خصومات كثيرة بين سلالة قصي وزعت السلطات الدينية والسياسية في مكة على بطون قريش؛ منعا للتنازع والشحناء, وها هي ذي١:
١- السدانة: خدمة الكعبة وحجابتها، وبيد صاحبها مفتاح الكعبة، ولها المقام الأول عندهم، وكانت لبني عبد الله.
٢- السقاية: وهي سقي الحجاج بجلب الماء على الإبل من الآبار العذبة حتى بعثت زمزم، وكانت السقاية في بني هاشم.
٣- الرفادة: وهي ما كانوا يخرجون عنه من أموالهم؛ ليرفد به من ليس ذا سعة ولا مال، وكانت في بني نوفل، وقد سن هذه السنة قصي قائلا: يا معشر قريش, إنكم جيران الله وأهل بيته، والحجاج ضيوف الله وزوار
стр. 123
بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم، ففعلوا, وقيل: أول من أقامها عبد المطلب١.
٤- العقاب٢: وهي راية قريش، ويخرجها من هي عنده وقت الحرب، فإن اتفقوا على واحد حملها وإلا رأسوا صاحبها، وكانت في بني أمية.
٥- الندوة: الإشراف على دار الندوة، وكانت في بني عبد الدار.
٦- المشورة٣: وصاحبها يُستشار في الأمور الهامة، وكانت قريش لا تقر أمرا حتى تعرضه عليه، فإن أقره وإلا تخير، وكانوا له أعوانا، وكانت في بني أسد.
٧- الأشناق: وهي الديات والمغارم، وصاحبها إذا احتمل دية أو مغرما أُعين عليه, وإذا احتمله غيره خذل، وكانت في بني تيم، وآخر من تولاها أبو بكر ﵁.
٨- القبة: وهي الخيمة التي تودع فيها أدوات الحرب، وكانت في بني مخزوم.
٩- الأعنة: وهي تولي أمر الخيل وقت الحرب وإدارة شئونها، وكانت في بني عدي.
١٠- السفارة: وهي التوسط بين قريش وغيرها عند الحرب، والسعي في الصلح، والقيام عنهم بالمنافرة, وكانت في بني عدي أيضا، وعمر آخر سفرائهم في الجاهلية.
١١- الأيسار: وهي تولي أمر الأزلام، وكانت في بني جمع٤.
١٢- الحكومة والأموال المحجرة: أي: الفصل بين المتخاصمين وحفظ الأموال التي كانوا يسمونها لآلهتهم، وكانت في بني سهم٥.
стр. 124
١٣- العمارة١: وهي الإشراف على المسجد الحرام، ومنع الجالسين فيه من الرفث، ورفع الصوت، وكانت في بني هاشم.
ومن نوع النظام الحكومي في مكة: حلف الفضول، وحلف المطيبين, وسنتكلم عنهما فيما بعد.
عبد مناف وذريته:
ساد عبد مناف بن قصي قومه، وارتفع إلى مرتبة الشرف والرياسة باذا في ذلك أخاه عبد الدار أكبر أولاد قصي، غير أن عبد مناف لم ينازع أخاه عبد الدار احتراما لوصية أبيه.
واستمرت الرياسة في يد عبد الدار إلى أن مات، وانتقلت إلى أولاده، فنازع بنو عبد مناف بني عبد الدار، واحتدمت بينهم الخصومة، وانقسمت بطون قريش وحلفاؤهم وجيرانهم فريقين: ففريق يعاضد بني عبد مناف, وفريق يعاضد بني عبد الدار. وعقد كل فريق حلفا مؤكدا على ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، وأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا ووضعوها عند الكعبة، وتحالفوا وجعلوا أيديهم فيها, فسمي هذا الحلف لذلك "حلف المطيبين"، وسنشير إليه بالتفصيل.
وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم وتحالفوا, فسموا لذلك "الأحلاف" ثم تجمع الفريقان للقتال، وباتت مكة على شفا حرب أهلية لا يعلم مدى خطرها إلا الله.
ولكن حرص قريش على بقاء الوحدة القومية، وضنهم بالحرم أن تسال فيه الدماء, جعلهم يتداعون إلى الصلح على وجه ينال به كل من الفريقين حظا من ذلك الشرف الموروث. فكان لبني عبد مناف: السقاية، والرفادة، والقيادة، والندوة, ولبني عبد الدار: الحجابة، واللواء، على نحو ما أسلفنا. ثم حكم بنو عبد مناف القرعة في تقسيم نصيبهم, فكانت السقاية والرفادة لهاشم، والقيادة والندوة لعبد
стр. 125
شمس. ثم انتقلت منهم الندوة بعد ذلك لبني عبد الدار. ويلاحظ في التقسيم أن ما أفاده بنو عبد مناف أكسبهم ذكرا ومجدا خارج قريش، في حين أن ما أفاده بنو عبد الدار أكسبهم نفوذا وسلطانا في مكة نفسها.
وقد انقسم بنو عبد مناف إلى فرعين: بيت هاشم وبيت أخيه عبد شمس، وقد نال الهاشميون منصبي الرفادة والسقاية، ونال عبد شمس منصب القيادة في الحرب.
هاشم بن عبد مناف:
كان هاشم بن عبد مناف قد احتفظ بمنصبي الرفادة والسقاية، وكان رجلا شجاعا ذا لسان ومقام رفيع بين قومه، ولم تكن شجاعته أقل من كرمه، فقد دعا قومه إلى إخراج قسط من أموالهم كل عام، يتولى إنفاقه في إطعام الحاج أثناء المواسم، ولم يقتصر كرمه على الحجيج، فقد أمد أهل مكة نفسها بكثير من الميرة حين أصابتهم سنة مجدبة، فزادت بذلك مكانته بين العرب، وكان هو أول من سنّ رحلة الشتاء والصيف إلى اليمن والشام؛ لتنظيم التجارة، والاتصال بين البلدين.
وقد كان لهذه السنة أثر عظيم في ازدهار مكة، حتى لم تكن بين البلاد العربية مدينة تفوقها، فقد غدت قبلة أنظار العرب جميعا.
لم تكن أيام هاشم خالية من المتاعب، فقد نغّص عليه صفو الحياة ما قام به أمية ابن أخيه عبد شمس من حركة تمرد وتطاول عليه؛ لما كان يتمتع به من شهرة وكثرة في المال والولد، وظن أمية أنه سينال بقوته ما بيد عمه من شارات الشرف. وحض الناس هاشما على التمسك على ما بيده، إذ هو وهو شيخ كبير أحق الناس بميراث قصي, وكادت الحرب تنشب بين هاشم وابن أخيه، غير أن الأمر استقر أخيرا على أن يتحاكما إلى الكاهن الخزاعي بعسفان على خمسين ناقة تذبح بالحرم, وخروج من يحكم عليه من مكة إلى بلد بعيد عشر سنوات، وخرج كل من هاشم وأمية في جماعة من أنصارهما حتى وصلوا إلى الكاهن، فقضى الكاهن
стр. 126
لهاشم١، ولم يجد أمية بدا من تنفيذ ما عاهد عليه، فخرج من مكة مكرها بعد أن نحر الإبل، ومكث بالشام المدة، وهذه أول العداوة بين هاشم وأمية وأولادهما.
وعلى الرغم من تقدم هاشم في السن، فقد ظل محافظا على الغدو والرواح إلى الشام وإلى اليمن، وإنه لفي رحلته يوما عائدا من الشام، إذ عرج على يثرب مع جماعة من قريش، فاسترعى نظره فتاة تشرف على قوم يتجرون، فأعجب بها، وزادت رغبته إليها حينما علم أنها ابنة عمرو الخزرجي، إذ كان ذا شرف في قومه، وكانت تسمى"سلمى" فتقدم هاشم لخطبتها، فقبلته زوجا لها.
وانتقلت معه إلى مكة، ثم رجعت إلى يثرب حيث ولدت لهاشم غلاما سمته شيبة الحمد، بقي في حضانتها في حياة هاشم وبعد موته.
ومات هاشم بغزة أثناء إحدى رحلاته، فقام بأعباء الملك من بعده أخوه المطلب، وجمع في يده منصب الرفادة والسقاية، وكان يسمى "الفيض" لسماحته وكرمه.
عبد المطلب:
وقد فكر المطلب يوما في شيبة الحمد ابن أخيه هاشم، فذهب إلى يثرب وطلب إلى سلمى بنة عمرو الخزرجية أن تسلم إليه الفتى، ففعلت، وأردفه المطلب على بعيره، ودخل به مكة، فظن الناس أنه عبد اشتراه المطلب، وصاحوا: هذا عبد المطلب، فصاح بهم المطلب: إنه شيبة الحمد ابن أخي هاشم قدمت به من يثرب، ولكن على الرغم من هذا غلب هذا الاسم على شيبة الحمد، حتى صار يدعى "عبد المطلب".
стр. 127
وأراد المطلب أن يعطي ابن أخيه مال أبيه هاشم، فأبى عليه ذلك أخوه نوفل، ووضع يده على ذلك المال، ولما كبر شيبة الحمد واشتد ساعده -بعد وفاة المطلب- لجأ عبد المطلب إلى أهل مكة، فرفضوا أن يدخلوا بين العم وابن أخيه، فكتب بعد ذلك إلى أخواله بني النجار في يثرب فنصروه، واضطر نوفل إلى رد ماله إليه قسرا، وقام عبد المطلب في مناصب هاشم من السقاية والرفادة، لكنه لقي في القيام بها مشقة، وبخاصة السقاية؛ لأن سقاية الحاج كانت تجمع من آبار عدة مبعثرة حول مكة، ولم يكن لعبد المطلب من يساعده غير ولده الحارث، وشغل هذا الأمر بال عبد المطلب، وتمنى لو أن زمزم لا زالت باقية، وأن مضاض بن الحارث الجرهمي لم يكن قد طمّها في القرون الخالية, وظل عبد المطلب يعاني المتاعب في سقاية الحاج وحده، فهو منشغل بأمر السقاية، وبينما هو في منامه، إذ ناداه هاتف: أن احفر زمزم. فقال: وما زمزم؟ فقال الهاتف: بين الفرث والدم عند نقرة الأعصم، وما زال الهاتف يأتيه، حتى اهتدى عبد المطلب إلى مكان زمزم١.
شمر عبد المطلب عن ساعد الجد، وجعل يحفر، وابنه الحارث ينقل التراب والرمال حتى نبع الماء، وظهرت النفائس من الذهب والأسياف والدروع، التي كان قد خبأها الملك مضاض الجرهمي، فعزّ على قريش أن تترك ذلك لعبد المطلب، فنازعوه على البئر وما وجد فيها، ولم يكن للمطلب من الأولاد عدد يستمد منهم ومن قوتهم حولا وسلطانا، ولم يستطع أن يمنع نفسه من قريش؛ فرضخ للاحتكام إلى الأقداح لدى هبل في جوف الكعبة، وضربت الأقداح, فوقعت النفائس من نصيب عبد المطلب والكعبة.
وكان من بينها غزالتان وألواح كلها من الذهب، تنازل عنها عبد المطلب وضربها ألواحا للكعبة، وحليا لأبواب البيت الحرام.
ولكن المسألة تركت أثرا في نفس عبد المطلب، ذلك أنه شعر بهوانه
стр. 128
على قومه وضعفه بينهم وقهره على أن يرضخ لحكم القداح. ولم يكن له من الأولاد ما يجد بهم نصرة، فنذر لئن بلغ ولده عشرة بنين يراهم قادرين على منعه من مثل ما لقي حين حفر زمزم، لينحرن أحدهم قربانا إلى الله عند باب الكعبة، وكرّت الأعوام، وألفى عبد المطلب حوله بنين عشرة، كلهم أشداء, قد بلغوا من القوة ما حسب عبد المطلب معه أنهم قادرون على منعه من مثل ما لقي حين حفر زمزم.
فدعا عبد المطلب أبناءه للوفاء بنذره، فأجابوه إلى ما طلب، فاقتادهم إلى جوف الكعبة لدى هبل، وكتب كل واحد من الأولاد اسمه على قدح، ثم أديرت الأقداح في جمع من قريش, فخرج القدح على عبد الله، أصغر أولاد عبد المطلب وأحبهم إليه.
واقتاد عبد المطلب ولده عبد الله إلى ما بين إساف ونائلة، حيث كانت تنحر العرب أنعامها. فبكت بنات عبد المطلب، وتعلقن بأخيهن، ورأت قريش في نحر عبد الله شدة وقسوة، فتوسلت إلى عبد المطلب أن يكف عن النحر، وأن يلتمس العذر على عدم الذبح عند هبل, ولم يشأ عبد المطلب أن ينزل عن مراده حتى توجد وسيلة لإرضاء الله، فتشاور القوم. وأخيرا قرّ رأيهم على استشارة عرافة بيثرب، فأشارت بتقريب عشرة من الإبل تضرب عليها وعلى عبد الله القداح, فإذا خرجت القداح على عبد الله، زِيد في الإبل عشرة، وضربت الأقداح ثانية، وهكذا حتى ترضى الآلهة، وفعلوا وجعلت الأقداح تخرج على عبد الله فيزيد في الإبل عشرة، حتى بلغت مائة والناس يشهدون عند الكعبة. ثم ضربوا فخرجت القداح على الإبل، فقال الناس: قد رضي ربك، وقال عبد المطلب: لا, حتى أضرب عليها ثلاثا فتخرج على الإبل، فضرب ثلاثا فخرجت عليها، فنحرت الإبل، ثم تركت لا يصد عنها إنسان, ولا طير، ولا وحش١.
وفي عهد عبد المطلب كانت واقعة الفيل، بين أصحاب الفيل من طغاة الأحباش
стр. 129
الذين كانوا قد زحفوا على اليمن، فاستعمروا البلاد، ثم ما لبث أبرهة قائدهم أن صمّم على الاستيلاء على مكة، وحاول صرف العرب عن الكعبة بهدمها, وبإنشاء كعبة أخرى مماثلة لها في اليمن، وقد أهلك الله أبرهة وجيشه بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول. وقد احتفل الشعراء الحجازيون بهزيمة الحبشة في الحجاز، ونظموا قصائد طويلة يصورون فيها هذا النصر الكبير، وتجد بعض هذه القصائد في كتاب بلوغ الأرب للألوسي١، وهذا الشعر ينفي ما ذهب إليه ابن سلام، في كتاب "طبقات الشعراء"، من قلة الشعر الحجازي في العصر الجاهلي؛ لعدم الحروب والملاحم٢.
حلف المطيبين:
دفعت الضرورة القبائل الحجازية العربية إلى تكوين الأحلاف؛ للمحافظة على الأمن, والدفاع عن مصالحها المشتركة.
ومن هذه الأحلاف: حلف المطيبين الذي عقد في مكة، بعد اختلاف بني عبد مناف وهاشم والمطلب ونوفل مع بني عبد الدار بن قصي، وإجماعهم على أخذ ما بأيدي بني عبد الدار مما كان قصي قد جعله فيهم من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا، على ألا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضا، ما بل بحر صوفة، فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، قيل: إن بعض نساء بني عبد مناف أخرجتها لهم، فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم؛ توكيدا على أنفسهم، فسموا المطيبين، وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا على ألا يتخاذلوا, ولا يسلم بعضهم بعضا, فسموا الأحلاف٣.
стр. 130
حلف الفضول:
دعت إليه قبائل قريش، فتعاهدوا وتعاقدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس، إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه، حتى ترد عنه مظلمته، وسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وكان أول اجتماع لقبائل قريش -من بني هاشم وأسد وزهرة وتيم- في دار عبد الله بن جدعان، حيث صنع لهم طعاما كثيرا، ثم عمدوا إلى ماء من بئر زمزم، فجعلوه في جفنة، ثم بعثوا به إلى البيت، فغسلت به أركانه، ثم أوتوا به فشربوه, وتعاقدوا وتعاهدوا بالله المنتقم، ليكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه, ما بل بحر صوفة. وقد حضر هذا الحلف رسول الله -صلوات الله عليه- وقال فيه: "لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار ابن جدعان، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت" ١.
معاهدات مع الأمم المجاورة:
وقد عقد القرشيون سادة مكة معاهدات على جانب كبير من الخطورة في العصر الجاهلي مع الأمم التي تجاورهم، وهي معاهدات اقتصادية تحمي حرية التجارة، وينتشر في ظلالها نفوذ العرب في كل مكان. ويروي صاحب الأمالي في كتابه ذيل الأمالي والنوادر ما نصه٢:
"كانت قريش تجارا، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة، إنما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم، ثم يتبايعونها بينهم ويبيعونها على من حولهم من العرب, فكانوا كذلك حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام, فنزل بقيصر، فكان يذبح كل يوم شاة، ويضع جفنة ثريد، ويجمع من حوله فيأكلون، وكان هاشم من أجمل الناس وأتمهم، فذكر ذلك لقيصر، فقيل له: ههنا رجل من قريش يهشم الخبز ثم يصب عليه المرق ويفرغ عليه اللحم,
стр. 131
وإنما كانت العجم تصب المرق في الصحاف ثم تأتدم بالخبز، فدعا به قيصر، فلما رآه وكلمه أعجب به، فكان يبعث إليه في كل يوم فيدخل عليه ويحادثه، فلما رأى نفسه تمكن عنده قال له: أيها الملك، إن قومي تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتابا تؤمن تجارتهم, فيقدموا عليك بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه فتباع عندكم فهو أرخص عليكم، فكتب له كتاب أمان لمن يقدم منهم، فأقبل هاشم بذلك الكتاب، فجعل كلما مر بحي من العرب بطريق الشام أخذ من أشرافهم إيلافا، والإيلاف: أن يأمنوا عندهم في أرضهم بغير حلف، إنما هو أمان الطريق، وعلى أن قريشا تحمل لهم بضائع فيكفونهم حملانها، ويؤدون إليهم رءوس أموالهم وربحهم، فأصلح هاشم ذلك الإيلاف بينهم وبين أهل الشام، حتى قدم مكة، فأتاهم بأعظم شيء أتوا به بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوزهم، يوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب، حتى أوردهم الشام وأحلهم قراها، ومات في ذلك السفر بغزة، وخرج المطلب بن عبد مناف إلى اليمن، فأخذ من ملوكهم عهدا لمن تجر إليهم من قريش، وأخذ الإيلاف كفعل هاشم، وكان أكبر أولاد عبد مناف، وكان يسمى الفيض، وهلك بردمان من اليمن، وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى الحبشة، فأخذ إيلافا كفعل هاشم والمطلب، وهلك عبد شمس بمكة، فقبره بالحجون, وخرج نوفل بن عبد مناف وكان أصغر ولد أبيه، فأخذ عهدا من كسرى لتجار قريش، وإيلافا ممن مر به من العرب، ثم قدم مكة ورجع إلى العراق، فمات بسلمان. واتسعت قريش في التجارة، وكثرت أموالها، فبنو عبد مناف أعظم قريش على قريش منة في الجاهلية والإسلام".
стр. 132
"ثانيا" المدينة:
تاريخ المدينة السياسي قبل الإسلام:
"كان ساكنو المدينة -في أول الدهر قبل بني إسرائيل- قوما من الأمم الساحقة، يقال لهم: "العماليق". وكانوا قد تفرقوا في البلاد، وكانوا أهل غزو وبغي شديد، فكان ملك الحجاز منهم يقال له: الأرقم, ينزل ما بين تيماء وفدك، وكانوا قد ملئوا المدينة ولهم بها نخل كثير وزرع، وكان موسى بن عمران قد بعث الجنود إلى الجبابرة من أهل القرى يغزونهم، فبعث موسى إلى العماليق جيشا من بني إسرائيل، وأمرهم أن يقتلوهم جميعا ولا يستبقوا منهم أحدا، فقدم الجيش الحجاز فأظهرهم الله على العماليق، فقتلوهم أجمعين إلا ابنا للأرقم كان وضيئا جميلا, فضنوا به على القتل، وقالوا: نذهب به إلى موسى فيرى رأيه فيه، فرجعوا إلى الشام فوجدوا موسى قد توفي، فقال لهم بنو إسرائيل: ما صنعتم؟ فقالوا: أظهرنا الله عليهم فقتلناهم, ولم يبق منهم أحد غير فلان كان شابا جميلا, فنفسنا به على القتل، وقلنا: نأتي به موسى فيرى فيه رأيه، فقالوا لهم: هذه معصية، قد أمرتم ألا تستبقوا منهم وألا تدخلوا علينا الشام أبدا. فلما صنعوا ذلك قالوا: ما كان خيرا لنا من منازل القوم الذين قتلناهم بالحجاز، نرجع إليهم فنقيم بها، فرجعوا على حاميتهم فنزلوها، فكان ذلك الجيش أول سكنى اليهود بالمدينة١. ويشك ابن خلدون في صحة هذه الرواية؛ لأنها لم توجد عند اليهود، ولأن اليهود لا يعرفون هذه القصة.
ولكن من الراجح أن اليهود نزحوا إلى الحجاز في بعض النكبات التي أصابتهم، وإن كان نزوحهم ثابتا لما هدم بختنصر بيت المقدس, وأجلى من أجلى، وسبى من سبى من بني إسرائيل، ففر قوم منهم إلى الحجاز، ونزلوا وادي القرى ويثرب وتيماء٢. ثم لحق بهؤلاء إخوان لهم فرارا من بومبي، ومن تيطس، ومن هادريان.
стр. 133
والحقيقة أن جموعا من اليهود المضطهدين كانوا يبحثون لهم عن ملجأ كلما حزبهم الأمر، وكان هذا الملجأ هو الحجاز١، ومن المحتمل أن الأنباط حين غزوا فلسطين أسروا كثيرا من اليهود، وأن هؤلاء الأسرى وغيرهم يمّموا شطر الجنوب موغلين٢.
على أن عددهم بالحجاز قبل الميلاد بقرن، كان ضئيلا؛ لأن جريزل Grayzel نشر خريطة دقيقة لمواطن اليهود في العالم القديم في القرن الأول قبل الميلاد، وسجل فيها عددهم في كل موطن، وليس بها إشارة إلى اليهود بالحجاز أو باليمن٣.
وفي الحجاز أقام اليهود، وبنوا الحصون، وثمروا الأموال، وزرعوا الأرض٤, وبتطاول الزمن صارت لهم في الحجاز مستعمرات عدة، منها: خيبر، وفدك، ووادي القرى، وتيما، ومقنا. وكانت قرى كثيرة شمالي يثرب آهلة باليهود، وهي والمستعمرات اليهودية تصور مبلغ كثرتهم وانتشارهم بالحجاز٥.
وكثر اليهود بالحجاز، واختلطوا بالعرب؛ لأن الأوس والخزرج نزلوا يثرب ووجدوا بها عدة قبائل من بني إسرائيل، هم: بنو عكرمة، وبنو ثعلبة، وبنو محمر، وبنو زغوار، وبنو قينقاع، وبنو زيد, وبنو النضير, وبنو قريظة، وبنو بهدل، وبنو عوف، وبنو الفصيص. وكان هنالك بنو ضخم، وبنو ماسكة، وبنو القممة، وبنو زيد اللات، وبنو حجر، وبنو زهرة, وبنو زبالة, وبنو ناغضة، وبنو عكوة، وبنو مزاية، حتى لقد نيّفت قبائلهم على العشرين، وزادت آطامهم وآطام من نزل معهم من العرب على السبعين٦.
وكانت معهم بطون من العرب، منهم: بنو الحرمان -حي من اليمن- وبنو مرثد -حي من بلي- وبنو نيف -من بلي- وبنو معاوية
стр. 134
-من بني سليم- وبنو الشيظة -من غسان- وبنو مزيد -من بلي- وبنو الجذمى "الجذماء" من اليمن.
ثم بعد سيل العرم وفد إليهم الأوس والخزرج، واستوطنوا المدينة، وأقام بعضهم بين القرى اليهودية، وأقام آخرون مع اليهود في قراهم، ونزل بعضهم وحده لا مع اليهود, ولا مع العرب الذين كانوا قد تألفوا إلى اليهود١.
والأوس: ينتسبون إلى أوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد، وينقسمون إلى بطون، منهم: عوف، والنيبت، وجشم، ومرة، وامرؤ القيس.
وأما الخزرج: فهم إخوة الأوس، فالخزرج شقيق أوس، وهم بطون، أشهرها: بنو النجار وينتسبون إلى تيم الله بن ثعلبة، والحارث، وجشم، وعوف، وكعب ... وكان للخزرج رئيس منهم هو عمرو بن الإطنابة، وقد حكم الحجاز في أيام النعمان بن المنذر، وقتله الحارث بن ظالم قاتل خالد بن جعفر بن كلاب.
والأوس والخزرج يدعون ببني "قيلة"، وهي: قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة على الراجح. وقضى الأوس والخزرج ردحا من الزمن في ضيق؛ لأن الخيرات كانت في قبضة اليهود، ثم تحالفوا وتعاملوا، وظلوا على ذلك زمنا طويلا٢ حتى قدم أبو جبيلة الغساني إلى يثرب، فآزر الأوس والخزرج، وأفنى كثيرا من اليهود.
وقد أشاد الشعراء بأبي جبيلة وافتخروا به، وكان أبو جبيلة من الخزرج الذين نزحوا إلى سوريا، واندمج في الغساسنة، فمن الطبيعي أن يستجيب لنصرة قومه. ثم نكل مالك بن العجلان مرة أخرى باليهود، فنقموا منه ولعنوه في بِيَعهم وكنائسهم.
ولكنهم بعد ذلك ذُلوا وتخوّفوا بطش العرب، وجعلوا كلما هاجمهم أحد من الأوس والخزرج بشيء يكرهونه، لم يمش بعضهم إلى بعض كما كانوا يفعلون,
стр. 135
بل يذهب اليهودي إلى جيرانه الذين يعيش بين أظهرهم؛ لأن كل قوم من يهود قد لجئوا إلى بطن من الأوس والخزرج يتعززون بهم١.
ثم دبّ دبيب الخلاف بين الأوس والخزرج، وتنازعوا السلطان، فجرت بينهم الوقائع، وكانت بينهم حروب طويلة، أشهرها: الأيام المعروفة بيوم سمير، ويوم السرارة، ويوم حاطب، ويوم بعاث.
وما زال الخلاف قائما بين الأوس والخزرج، يستعين فيه بعضهم ببعض قبائل اليهود على بعض؛ حتى كان اعتناقهم للإسلام، وهجرة النبي ﷺ إليهم سنة ٦٢٢م، حيث آخى بينهم, وتناسوا ما كان بينهم من عداوة وأحقاد كادت أن تأتي عليهم٢.
стр. 136
الفصل الثالث: طبيعة الحكم في الحجاز في العصر الجاهلي
الحكم القبلي:
أبطلت البحوث الحديثة نظرية "روبرتسون سميث Robetson Smith" القائلة: إن النظام الاجتماعي في بلاد العرب كلها واحد يمكن تلخيصه في أن القبيلة هي الوحدة السياسية والاجتماعية؛ فقد أثبت العلامة روبرت لوي R. Lowie "أن الأسرة هي أصغر وحدة اجتماعية, وأن الجماعات الكبيرة كالعشيرة والقبيلة قد نشأت من نمو الأسرة"١.
ولذا عدت الأسرة عند أكثر الأمم قديما وحدة اجتماعية، فكانت أشبه بحكومة صغيرة في الأمة الكبيرة. ومن الأسر المشتركة في الدم تنشأ القبيلة موسومة بطابع الأسر التي كونتها.
وكل خيمة في المجتمع تمثل أسرة، والمعسكر المكون من عدة خيام يسمى حيا وأعضاء الحي الواحد يكونون قوما، ومجموعة الأقوام القريبة النسب يكونون قبيلة. فالقبيلة العربية إذًا هي الأساس الاجتماعي الكبير لحياة العرب. ويعد أفراد القوم الواحد أنفسهم أبناء دم واحد يخضعون لرئيس واحد، ويتداعون إلى الحرب بصيحة واحدة، ويضيفون كلمة "بني" إلى الاسم الذي يجمع بينهم٢.
ورئيس القبيلة يتميز بصفات خاصة هي التي دفعته إلى الصدارة؛ فهو
стр. 137
أقواهم شخصية، وأشجعهم قلبا، وأسخاهم يدا، وأفصحهم لسانا، وأوسعهم صدرا، وأنضجهم عقلا, وهو في الوسط من قومه ينتمي إلى آباء توارثوا المجد.
وشيخ القبيلة -أو سيدها- ينتخب انتخابا طبيعيا إذا ما توفرت له تلك الفضائل من كرم وشجاعة، ومروءة وشهامة، وفصاحة ولسن, وحكمة وتجربة, وفاق غيره فيها. ومن حيث إن هذه الخلال لا تنتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء والأحفاد، فإن سيادة القبيلة ليست منصبا وراثيا.
وفي المسائل القضائية والحربية وغيرها من الشئون العامة لم يكن شيخ القبيلة مستبد السلطان, بل إن عليه أن يستشير مجلس القبيلة المكون من زعماء الأقوام, وبقاؤه في منصبه رهين برضاء زمرة ناخبيه، فسيادة الرئيس إذًا ليست مبنية على التسلط والقهر والاستبداد، وإنما منشؤها التجلة والاحترام والعدالة والديمقراطية، والتفاني في خدمة العشيرة, ومن قولهم المأثور: "سيد القوم خادمهم". وإذا ما ركب شيخ القبيلة رأسه واعتز بطغيانه واستبد بجماعته، فإنه لا يلبث طويلا حتى يثور عليه بعض أفراد قبيلته, ويقتلوه أو يقصوه عن الحكم.
"والعرب عامة, والأعراب منهم خاصة وقد ولدوا في مهاد الديمقراطية، يقابل الواحد منهم شيخه ويقف منه موقف المساواة. ولم يستعمل العرب لقب ملك -في الأغلب- إلا حينما كانوا يشيرون إلى الحكام الأجانب أو أسرتي غسان والمناذرة المتأثرتين بالنفوذ الروماني والفارسي، ومن شذ عن هذه القاعدة ملوك بني كندة١.
والحكم القبلي على هذا النحو هو الذي كان سائدا في البوادي والقبائل الحجازية.
أما المدن كمكة والمدينة، فقد احتفظت بجوهر الروح الديمقراطية في الحكم القبلي، إلا أنها اتخذت ألوانا من التنظيم والتنسيق طبقا لما كانت عليه من درجة التحضر والرقي.
стр. 138
الحكم في يثرب:
فأما "يثرب" حيث تنازع السلطان فيها الأوس والخزرج، فقد أراد كل فريق منهما أن يكون الحكم في رجاله، وبعد حروب استقروا على أن يكون الحكم بينهما بالمناوبة، فيحكم في كل عام زعيم من زعماء الحي الواحد، يليه في العام الثاني, وبذلك يكونون قد وضعوا لهم نظام التناوب في الحكم، فيكون لهذه المدينة حاكم في كل عام١.
وكان أهل يثرب أباة أحرارا, يثورون على الظلم ولا يقبلون الضيم. وقد حدث أن حكم يثرب وما حولها الفطيون اليهودي، وكان فاسقا فاجرا مستهترا، وكانت اليهود تدين بألا تتزوج امرأة منهم إلا دخلت عليه قبل زوجها. ويقال: إن هذا الفاسق قد سولت له نفسه الخبيثة أن يمارس هذه الفعلة الشنعاء مع الأوس والخزرج، بيد أن روحهم العربية الأبيّة أبت أن يُوصَموا بهذه الوصمة البغيضة، فاندس إليه رجل من الخزرج فقتله ... وذلك في قصة ترويها كتب التاريخ ومؤداها: "أن أختا لمالك بن العجلان الخزرجي تزوجت، فلما كان زفافها خرجت إلى مجلس قومها وفيه أخوها مالك، وقد كشفت عن ساقيها، فقال لها: "لقد جئت بسوء" فقالت: "الذي يُراد بي الليلة أسوأ من هذا، أدخل على غير زوجي؟! " ثم عادت فدخل عليها أخوها، فأشار عليها أن يدخل مع النساء، فإذا خرجن ودخل الفطيون قتله، فذهب مع النساء في زي امرأة ومعه سيفه، فلما خرجن قتله مالك وخرج هاربا ... واستنجد مالك بأبي جبيلة عظيم غسان٢, فأباد كثيرا من اليهود الذين بالمدينة وصار العز بها للأوس والخزرج".
وهكذا تخلصت يثرب من العسف والطغيان, وقضت على سلطان الدخيل، ومحت عن نفسها وصمة الذل والعار بسيف ابن من أبنائها البررة الشجعان.
стр. 139
الحكم في مكة:
مكة الكبرى لقاح:
كانت مكة في الجاهلية لقاحا١ لا تدين لملك، وتأبى أن ينفرد بالحكم فيها فرد متوج أيا كان هذا الفرد ولو كان من صفوة بنيها الأخيار، فلا تاج ولا صولجان ولا استئثار بالسلطان؛ ذلك لأن الحكم الفردي يخالف طبيعتها، ويجافي فطرة أبنائها، تستنكره تهامة أعظم الاستنكار, ومكة من تهامة بل هي قلب تهامة، يقول الجاحظ: "لم تزل مكة أمنا ولقاحا، لا تؤدي إتاوة، ولا تدين للملوك٢ ... ".
ولما طمع أحد القرشيين -وهو عثمان بن الحويرث- في أن يملك قريشا وأن يعقدوا له على رأسه التاج، وافقوا -بادئ ذي بدئ- لأنه تحيل عليهم، ولكنهم ما لبثوا حين استبانوا الرشد أن فاءوا إلى طبيعتهم فانتفضوا وثاروا، وقالوا له: "ما كان بتهامة ملك قط" وأقسموا باللات والعزى على ألا يكون ذلك أبدا. وفيما يلي نسجل حديث هذه الانتفاضة كما وردت في التاريخ: "خرج عثمان بن الحويرث وكان يطمع أن يملك قريشا, وكان من أظرف قريش وأعقلها، حتى قدم على قيصر وقد رأى موضع حاجتهم ومتجرهم من بلاده، فذكر له مكة ورغبه فيها, وقال: تكون زيادة في ملكك كما ملك كسرى صنعاء، فملّكه عليهم وكتب له إليها, فلما قدم عليهم قال: يا قوم, إن قيصر من قد علمتم, أموالكم ببلاده, وما تصيبون من التجارة في كنفه, وقد ملكني عليكم، وإنما أنا ابن عمكم وواحد منكم، وإنما آخذ منكم الجراب من الأقط والعكة من السمن والإهاب، فأجمع ذلك ثم أبعث به إليه، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام, فلا تتجروا فيه ويقطع مرفقكم منه.
стр. 140
فلما قال لهم ذلك خافوا قيصر وأخذ بقلوبهم ما ذكر من متجرهم، فاجتمعوا على أن يعقدوا على رأسه التاج عشية وفارقوه على ذلك. فلما طافوا عشية بعث الله عليه ابن عمه أبا زمعة الأسود بن عبد المطلب بن أسد, فصاح على الجمع وكانت قريش في الطواف وقال: عباد الله, ملك بتهامة؟! قالوا: "صدقت, واللات والعزى ما كان بتهامة ملك قط! " فانتفضت قريش عما كانت قالت له، ولحق بقيصر يعلمه". وفي رواية أخرى: قال الأسود بن عبد المطلب: "إن قريشا لقاح لا تملك" وكانت نهاية عثمان أن سُمَّ، ومات بالشام مسموما١.
الحكومة المكية:
ويجدر بنا أن نلاحظ أن بعض المدن والقرى، ولا سيما العربية الغربية مثل مكة، لم يكن عليها ملك كما أسلفنا، إنما يحكمها عدة رجال, قسمت الأعمال بينهم، ولا يلقب زعيمهم والمتقلد فيهم بلقب ملك. و"للملأ" وهم أصحاب الحل والعقد في البلد، الحكم في الناس على وفق العادات والأعراف والقوانين الموروثة, ويكون لهم في البلد مجتمع خاص يكون ناديهم ومقرهم, وناديهم ومقرهم ودار حكمهم عرف بـ"دار الندوة" بمكة وبـ"المزوِّد" عند أهل اليمن. ويمكن أن نقول: إنه مجلس تلك الزمرة، وبرلمان ذلك العهد, ويرى بعض الباحثين أن طريقة الحكم في أمثال هذه المدن هو ما يقال له بـ"حكومات المدن" عند المؤرخين الغربيين٢, وقد نظر بعض المؤرخين إلى مكة من زاوية خاصة وهي اشتهار أهلها بالتجارة وأطلقوا عليها اسم "الجمهورية التجارية"، تلك الجمهورية التي شبهها "لامنس" بجمهوريتي البندقية وقرطاجنة؛ لسيطرة الماليين من أرباب التجارة وأصحاب رءوس الأموال٣ كما وصفها "در منجهم" بأنها جمهورية بلوتقراطية،
стр. 141
ويقصد بكلمة بلوتقراطية أنها حكومة الأغنياء, وكان يشرف عليه البارزون من بني قصي. وهذه النزعة التجارية حتّمت عليهم أن يضربوا في جنبات الأرض شرقا وغربا وشاما ويمنا, وأن يحتكوا بالفرس والرومان وغيرهم من أصحاب الحضارات القديمة. ومن المرجح أنهم استفادوا من بعض الأنظمة الاجتماعية التي وجدوا عليها الروم وفارس حتى ظن بعض المؤرخين المحدثين أن دار الندوة نفسها ما هي إلا "اقتباس مغير مصغر عن مجامع الروم الدينية والمدنية"١. بيد أننا نعتقد أن هذه الدار قد انبثقت من صميم الروح الديمقراطية العربية التي كانت تسري في دم قصي وفي الملأ الذين عاشوا في بيئته وعصره، وأن استمرار هذا البرلمان القرشي وبقاءه حتى بزوغ فجر الإسلام يعتبر دليلا على أصالة هذه الروح وحب القرشيين للشورى وإيثارهم لرأي الجماعة على رأي الفرد، ولم تكن حكومة قريش هي حكومة الأغنياء التي يسيطر فيها أصحاب رءوس الأموال كما يصور ذلك بعض المستشرقين ومن لف لفهم من المؤرخين العرب، وإنما كانت حكومة ديمقراطية تستهدف إقامة العدالة الاجتماعية والقضاء على مشكلة الجوع والفقر ... ونحن لا ننكر أن فئات من قريش قد أثرت، وأن بعض هذه الفئات قد تولى السلطان، بيد أن هؤلاء لم يكونوا يستغلون نفوذهم للثراء الفاحش وامتصاص دم الشعب، وإنما كانوا يتخذون السبل المشروعة لجمع المال، ثم ينفقونه في وجوه البر والخير كإطعام الحجاج ومساعدة المعتفين والمحتاجين وتحمل الديات، فالمناصب الحكومية كانت مغارم عليهم لا مغانم لهم. بل إن اشتغالهم بالتجارة لم يكن إلا لتعففهم عن الغزو والسلب والنهب، حتى كان بعض القرشيين إذا أجدبوا ولم يجدوا ما يحفظ رمقهم ورمق أبنائهم ينتحون مكانا قصيا حتى يموتوا جوعا, مؤثرين الموت الشريف على الحياة التي يجللها عار السرقة والنهب.
ولم تكن رحلة الشتاء والصيف إلا ليخلقوا مجتمعا سويا لا يحس فيه أحد منهم بألم الجوع وذل الفقر، فالأغنياء والقادرون على العمل والكسب كانوا
стр. 142
يعملون في التجارة صيفا إلى الشام وشتاء إلى اليمن حتى إذا انتعشت الحياة الاقتصادية وراتفعت نسبة الدخل القومي، تضاءلت نسبة الفقراء، فإذا بقي بعد ذلك فقير أو عاجز أو مستضعف كان له حظ في أموال الأغنياء، بل كانوا يخلطون فقيرهم بغنيهم، فإذا الكل على حد سواء.
هذه ظاهرة من ظواهر الرقي الاجتماعي الذي حققته حكومة قريش وبرلمانها "دار الندوة", تلك الدار التي لم يكن يدخلها للمشورة من غير بني قصي إلا من بلغ أربعين عاما، في حين كان يدخلها بنو قصي وحلفاؤهم جميعا.
وقد رأى بعض المؤرخين المحدثين في هذا التفريق لونا من الامتياز, فوسم قصيا مؤسس هذه الدار بأنه "كان أرستقراطيا"، ولكن يخفف من هذا النقد أن أولاد قصي كانوا من الكياسة والنضج وحسن التدبير للأمور في المكان الأرفع. أضف إلى ذلك أن دار الندوة كانت تستقبل كل حكيم مفوّه ولو لم يبلغ الأربعين, مما يدلنا على أن قصيا لم يكن يقصر عضوية دار الندوة على أبنائه وحدهم، وإنما كان يفتح أبوابها لكل نابغة محنك, فهو إذًا لم يكن يستهدف إلا قوة الشخصية والنضج العقلي.
أول رئيس للحكومة المكية:
ولقد كان زيد بن كلاب، زعيم النهضة القرشية، وسمي قصيا فيما بعد؛ لأنه نشأ بعيدا عن موطنه الأصلي "مكة"، فقد كان طفلا عندما مات أبوه كلاب, كما سبق في الفصل السابق، وسرعان ما تزوجت أمه فاطمة من رجل من بني عذرة في حدود الشام ونشأ هناك, ولما استوى عوده عاد إلى مكة وكان النفوذ الديني والمدني في أيدي الخزاعيين، فعزّ على قصي أن يرى الأجانب سادة على قومه القرشيين، فعقد العزم على أن ينتزع منهم السلطان, وتزوج من ابنة زعيم خزاعة "حليل بن حبشية". ولما مات حليل -وكان قد أوصى له بحكم مكة وولاية البيت من بعده كما تذكر بعض الروايات- شب الخلاف بين قصي وقريش، وبين خزاعة، وانضمت بكر لخزاعة كما انضمت كنانة وعذرة لقريش, وظلت الحرب بينهما سجالا حتى حكّموا فيما بينهم رجلا من كنانة, فقضى لقصي بولاية
стр. 143
الكعبة وحكم مكة، وبذلك أصبح قصي رئيسا للجمهورية المكية وزعيما لديانتها، وكان أول ما صنعه قصي أن جمع قريشا وأسكنها وادي إبراهيم، فنزل سادتها وسراتها فيما بين الأخشبين ويسمون قريش البطاح، ونزل سائر قريش فيما وراء ذلك بظاهر مكة, فسموا قريش الظواهر.
وكان لقصي كل الوظائف الرئيسية دينية كانت أم سياسية، وكان -كما سبق- رئيسا لدار الندوة وبيده اللواء والرفادة والحجابة. وإذا ما استعرضنا الاصطلاح الحديث -مع شيء من التجاوز- قلنا: إنه كان مهيمنا على السلطات التشريعية والمالية والحربية, وكان القائد الأعلى للجيش كما كان كبير مستشاري الدولة، ورئيس الجمعية الوطنية في الحكومة المكية الفتية، وكان -لشخصيته القوية ونفوذه الواسع وجمعه لهذه المناصب الكبيرة- زعيما لبلاد العرب ورئيسها الديني الأعلى.
الحزب الهاشمي, والحزب الأموي:
كان قصي في حياته قد وكل أمر اللواء والرفادة وغيرهما لابنه عبد الدار؛ ولذا كان من الطبيعي أن يتولى السلطان بعد وفاة والده، وظلت السلطات في أيدي بني عبد الدار وأحفاده. ونستطيع أن نقول: إنه كان يحكم قريشا في هذه الفترة حزب واحد, حتى نشأ الخلاف بين عبد مناف وعبد الدار، ووزعت بينهم السلطات على نحو ما سبق بيانه، فأصبحت الحكومة القرشية حكومة ائتلافية يشترك فيها حزبان كبيران. بيد أن سلالة عبد مناف احتفظت بالزعامة الحقيقية لمكة، وانقسم بنو عبد مناف بدورهم إلى حزبين هما: بيت ابنه هاشم، وابنه عبد شمس، ولقد احتفظ البيت الهاشمي بمنصبي الرفادة والسقاية، فكسب بذلك نفوذا ثبَّته حسن إدارة المطلب، ثم ابن أخيه عبد المطلب من بعده الذي اعتبرته مكة -كما اعتبرت أباه هاشما من قبل- زعيم شيوخ مكة.
أما فرع أمية بن عبد شمس, فإنه كان كثير العلاقات بالبيوت الأخرى، وأكسبته علاقاته هذه نفوذا، واحتفظ بمنصب هام هو القيادة في الحرب.
стр. 144
"وبلغ التنافس بين هذين الحزبين أشده إبان البعثة النبوية, ولكن باعتناق مكة الإسلام اختفت هذه المنازعات إبان الحماس الديني والفتوح الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين"١.
العدالة السياسية, والتكافل الاجتماعي:
بعد هذا سنعرض بعض المشكلات الجوهرية التي تواجه عادة الحكومات والمجتمعات في كل عصر ومصر؛ لنرى كيف حلها المجتمع القرشي والحكومة القرشية.
فأما المشكلة الأولى فهي مشكلة الأمن الداخلي لسلامة الوطنيين وغير الوطنيين, سواء كانوا من الجاليات الأجنبية أو من العرب الذين يفدون إلى مكة وأسواقها لأغراض دينية أو تجارية أو أدبية. وقد وجدت قريش أن قوة القانون وحدها لا تكفي لتحقيق هذا الغرض, بل لا بد من حصانة خلقية تسوق المجتمع لحماية الأفراد من العدوان أيا كان هذا العدوان، ولا بد أن يستشعر القرشيون -بوصفهم مواطنين لا بوصفهم حكاما- أن عليهم أن يردوا المظالم وأن يأخذوا بيد الضعيف والمظلوم, وأن ينتصفوا له من ظالمه أيا كانت شكيمته. وهذا اللون من الالتزام والشعور بالمسئولية ما ساد مجتمعا من المجتمعات إلا رفرف عليه روح الأمن والطمأنينة والسلام, وأصبح في الذروة من الرقي والحياة الحرة الكريمة.
كان ذلك في دار عبد الله بن جدعان, حيث اجتمعت طوائف من قريش تنتظم بني هاشم وأسد وزهرة وتيم, وتعاقدوا على ألا يظلم بمكة غريب ولا قريب ولا حر ولا عبد إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه ويؤدوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم. فاعجب لأناس ينتصفون للخصم والمظلوم من أنفسهم قبل غيرهم. وبعد إبرام هذا الحلف العظيم الذي كان يسمى حلف الفضول, قدم رجل من خثعم مكة تاجرا ومعه ابنة له اسمها القتول من أوضأ نساء العالمين وجها، فعلقها نبيه بن الحجاج السهمي فلم يبرح حتى نقلها إليه وغلب
стр. 145
أباها عليها، فقيل لأبيها: عليك بحلف الفضول، فأتاهم فشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيهًا، فقالوا: أخرج ابنة هذا الرجل، وهو يومئذ منتد بناحية مكة وهي معه، فأخرجها إليهم, فأعطوه إياها وركبوا وركب معهم الخثعمي.
وأما المشكلة الثانية, فهي مشكلة العوز والفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع المكي، تلك المشكلة التي لا تزال الحكومات والمجتمعات الحديثة تشكو منها، ويستبين عجزها الفاضح عن حلها ... قد حلتها قريش بأسلوب، مهما قيل في بساطته، فقد كفل القضاء على الفقر والإدقاع؛ إذ ألزمت الأغنياء بكفالة الفقراء، وبذلك دُفع عن ذوي الحاجة غائلة الخصاصة، وأصبح الأغنياء والفقراء في ميزان الحياة على السواء بهذا التكافل الاجتماعي الذي غدا مبدأ مرعيا، وسنة من سنن المجتمع المكي منذ عهد هاشم حتى مجيء الإسلام.
فلقد كانت قريش إذا أصاب واحدًا منهم مخمصة، خرج هو وعياله إلى موضع، وضربوا على أنفسهم خباء حتى يموتوا، إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه, وكان له ابن يقال له: أسد, وكان له ترب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه, فشكا إليه الضر والمجاعة، فدخل أسد على أمه يبكي, فأرسلت إلى أولئك بدقيق وشحم فعاشوا فيه أياما. ثم أتى ترب أسدا مرة أخرى وشكا إليه الجوع, فقام هاشم خطيبا في قريش فقال:
"إنكم أجدبتم جدبا تقلون فيه وتذلون, وأنتم أهل حرم الله وأشراف ولد آدم، والناس لكم تبع" قالوا: "نحن تبع لك, فليس عليك منا خلاف".
فجمع هاشم كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم. فجاء الإسلام وهم على ذلك، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش.
وهذا معنى قول شاعرهم: