ويقصد بكلمة بلوتقراطية أنها حكومة الأغنياء, وكان يشرف عليه البارزون من بني قصي. وهذه النزعة التجارية حتّمت عليهم أن يضربوا في جنبات الأرض شرقا وغربا وشاما ويمنا, وأن يحتكوا بالفرس والرومان وغيرهم من أصحاب الحضارات القديمة. ومن المرجح أنهم استفادوا من بعض الأنظمة الاجتماعية التي وجدوا عليها الروم وفارس حتى ظن بعض المؤرخين المحدثين أن دار الندوة نفسها ما هي إلا "اقتباس مغير مصغر عن مجامع الروم الدينية والمدنية"١. بيد أننا نعتقد أن هذه الدار قد انبثقت من صميم الروح الديمقراطية العربية التي كانت تسري في دم قصي وفي الملأ الذين عاشوا في بيئته وعصره، وأن استمرار هذا البرلمان القرشي وبقاءه حتى بزوغ فجر الإسلام يعتبر دليلا على أصالة هذه الروح وحب القرشيين للشورى وإيثارهم لرأي الجماعة على رأي الفرد، ولم تكن حكومة قريش هي حكومة الأغنياء التي يسيطر فيها أصحاب رءوس الأموال كما يصور ذلك بعض المستشرقين ومن لف لفهم من المؤرخين العرب، وإنما كانت حكومة ديمقراطية تستهدف إقامة العدالة الاجتماعية والقضاء على مشكلة الجوع والفقر ... ونحن لا ننكر أن فئات من قريش قد أثرت، وأن بعض هذه الفئات قد تولى السلطان، بيد أن هؤلاء لم يكونوا يستغلون نفوذهم للثراء الفاحش وامتصاص دم الشعب، وإنما كانوا يتخذون السبل المشروعة لجمع المال، ثم ينفقونه في وجوه البر والخير كإطعام الحجاج ومساعدة المعتفين والمحتاجين وتحمل الديات، فالمناصب الحكومية كانت مغارم عليهم لا مغانم لهم. بل إن اشتغالهم بالتجارة لم يكن إلا لتعففهم عن الغزو والسلب والنهب، حتى كان بعض القرشيين إذا أجدبوا ولم يجدوا ما يحفظ رمقهم ورمق أبنائهم ينتحون مكانا قصيا حتى يموتوا جوعا, مؤثرين الموت الشريف على الحياة التي يجللها عار السرقة والنهب.
ولم تكن رحلة الشتاء والصيف إلا ليخلقوا مجتمعا سويا لا يحس فيه أحد منهم بألم الجوع وذل الفقر، فالأغنياء والقادرون على العمل والكسب كانوا
стр. 142
يعملون في التجارة صيفا إلى الشام وشتاء إلى اليمن حتى إذا انتعشت الحياة الاقتصادية وراتفعت نسبة الدخل القومي، تضاءلت نسبة الفقراء، فإذا بقي بعد ذلك فقير أو عاجز أو مستضعف كان له حظ في أموال الأغنياء، بل كانوا يخلطون فقيرهم بغنيهم، فإذا الكل على حد سواء.
هذه ظاهرة من ظواهر الرقي الاجتماعي الذي حققته حكومة قريش وبرلمانها "دار الندوة", تلك الدار التي لم يكن يدخلها للمشورة من غير بني قصي إلا من بلغ أربعين عاما، في حين كان يدخلها بنو قصي وحلفاؤهم جميعا.
وقد رأى بعض المؤرخين المحدثين في هذا التفريق لونا من الامتياز, فوسم قصيا مؤسس هذه الدار بأنه "كان أرستقراطيا"، ولكن يخفف من هذا النقد أن أولاد قصي كانوا من الكياسة والنضج وحسن التدبير للأمور في المكان الأرفع. أضف إلى ذلك أن دار الندوة كانت تستقبل كل حكيم مفوّه ولو لم يبلغ الأربعين, مما يدلنا على أن قصيا لم يكن يقصر عضوية دار الندوة على أبنائه وحدهم، وإنما كان يفتح أبوابها لكل نابغة محنك, فهو إذًا لم يكن يستهدف إلا قوة الشخصية والنضج العقلي.
أول رئيس للحكومة المكية:
ولقد كان زيد بن كلاب، زعيم النهضة القرشية، وسمي قصيا فيما بعد؛ لأنه نشأ بعيدا عن موطنه الأصلي "مكة"، فقد كان طفلا عندما مات أبوه كلاب, كما سبق في الفصل السابق، وسرعان ما تزوجت أمه فاطمة من رجل من بني عذرة في حدود الشام ونشأ هناك, ولما استوى عوده عاد إلى مكة وكان النفوذ الديني والمدني في أيدي الخزاعيين، فعزّ على قصي أن يرى الأجانب سادة على قومه القرشيين، فعقد العزم على أن ينتزع منهم السلطان, وتزوج من ابنة زعيم خزاعة "حليل بن حبشية". ولما مات حليل -وكان قد أوصى له بحكم مكة وولاية البيت من بعده كما تذكر بعض الروايات- شب الخلاف بين قصي وقريش، وبين خزاعة، وانضمت بكر لخزاعة كما انضمت كنانة وعذرة لقريش, وظلت الحرب بينهما سجالا حتى حكّموا فيما بينهم رجلا من كنانة, فقضى لقصي بولاية
стр. 143
الكعبة وحكم مكة، وبذلك أصبح قصي رئيسا للجمهورية المكية وزعيما لديانتها، وكان أول ما صنعه قصي أن جمع قريشا وأسكنها وادي إبراهيم، فنزل سادتها وسراتها فيما بين الأخشبين ويسمون قريش البطاح، ونزل سائر قريش فيما وراء ذلك بظاهر مكة, فسموا قريش الظواهر.
وكان لقصي كل الوظائف الرئيسية دينية كانت أم سياسية، وكان -كما سبق- رئيسا لدار الندوة وبيده اللواء والرفادة والحجابة. وإذا ما استعرضنا الاصطلاح الحديث -مع شيء من التجاوز- قلنا: إنه كان مهيمنا على السلطات التشريعية والمالية والحربية, وكان القائد الأعلى للجيش كما كان كبير مستشاري الدولة، ورئيس الجمعية الوطنية في الحكومة المكية الفتية، وكان -لشخصيته القوية ونفوذه الواسع وجمعه لهذه المناصب الكبيرة- زعيما لبلاد العرب ورئيسها الديني الأعلى.
الحزب الهاشمي, والحزب الأموي:
كان قصي في حياته قد وكل أمر اللواء والرفادة وغيرهما لابنه عبد الدار؛ ولذا كان من الطبيعي أن يتولى السلطان بعد وفاة والده، وظلت السلطات في أيدي بني عبد الدار وأحفاده. ونستطيع أن نقول: إنه كان يحكم قريشا في هذه الفترة حزب واحد, حتى نشأ الخلاف بين عبد مناف وعبد الدار، ووزعت بينهم السلطات على نحو ما سبق بيانه، فأصبحت الحكومة القرشية حكومة ائتلافية يشترك فيها حزبان كبيران. بيد أن سلالة عبد مناف احتفظت بالزعامة الحقيقية لمكة، وانقسم بنو عبد مناف بدورهم إلى حزبين هما: بيت ابنه هاشم، وابنه عبد شمس، ولقد احتفظ البيت الهاشمي بمنصبي الرفادة والسقاية، فكسب بذلك نفوذا ثبَّته حسن إدارة المطلب، ثم ابن أخيه عبد المطلب من بعده الذي اعتبرته مكة -كما اعتبرت أباه هاشما من قبل- زعيم شيوخ مكة.
أما فرع أمية بن عبد شمس, فإنه كان كثير العلاقات بالبيوت الأخرى، وأكسبته علاقاته هذه نفوذا، واحتفظ بمنصب هام هو القيادة في الحرب.
стр. 144
"وبلغ التنافس بين هذين الحزبين أشده إبان البعثة النبوية, ولكن باعتناق مكة الإسلام اختفت هذه المنازعات إبان الحماس الديني والفتوح الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين"١.
العدالة السياسية, والتكافل الاجتماعي:
بعد هذا سنعرض بعض المشكلات الجوهرية التي تواجه عادة الحكومات والمجتمعات في كل عصر ومصر؛ لنرى كيف حلها المجتمع القرشي والحكومة القرشية.
فأما المشكلة الأولى فهي مشكلة الأمن الداخلي لسلامة الوطنيين وغير الوطنيين, سواء كانوا من الجاليات الأجنبية أو من العرب الذين يفدون إلى مكة وأسواقها لأغراض دينية أو تجارية أو أدبية. وقد وجدت قريش أن قوة القانون وحدها لا تكفي لتحقيق هذا الغرض, بل لا بد من حصانة خلقية تسوق المجتمع لحماية الأفراد من العدوان أيا كان هذا العدوان، ولا بد أن يستشعر القرشيون -بوصفهم مواطنين لا بوصفهم حكاما- أن عليهم أن يردوا المظالم وأن يأخذوا بيد الضعيف والمظلوم, وأن ينتصفوا له من ظالمه أيا كانت شكيمته. وهذا اللون من الالتزام والشعور بالمسئولية ما ساد مجتمعا من المجتمعات إلا رفرف عليه روح الأمن والطمأنينة والسلام, وأصبح في الذروة من الرقي والحياة الحرة الكريمة.
كان ذلك في دار عبد الله بن جدعان, حيث اجتمعت طوائف من قريش تنتظم بني هاشم وأسد وزهرة وتيم, وتعاقدوا على ألا يظلم بمكة غريب ولا قريب ولا حر ولا عبد إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه ويؤدوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم. فاعجب لأناس ينتصفون للخصم والمظلوم من أنفسهم قبل غيرهم. وبعد إبرام هذا الحلف العظيم الذي كان يسمى حلف الفضول, قدم رجل من خثعم مكة تاجرا ومعه ابنة له اسمها القتول من أوضأ نساء العالمين وجها، فعلقها نبيه بن الحجاج السهمي فلم يبرح حتى نقلها إليه وغلب
стр. 145
أباها عليها، فقيل لأبيها: عليك بحلف الفضول، فأتاهم فشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيهًا، فقالوا: أخرج ابنة هذا الرجل، وهو يومئذ منتد بناحية مكة وهي معه، فأخرجها إليهم, فأعطوه إياها وركبوا وركب معهم الخثعمي.
وأما المشكلة الثانية, فهي مشكلة العوز والفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع المكي، تلك المشكلة التي لا تزال الحكومات والمجتمعات الحديثة تشكو منها، ويستبين عجزها الفاضح عن حلها ... قد حلتها قريش بأسلوب، مهما قيل في بساطته، فقد كفل القضاء على الفقر والإدقاع؛ إذ ألزمت الأغنياء بكفالة الفقراء، وبذلك دُفع عن ذوي الحاجة غائلة الخصاصة، وأصبح الأغنياء والفقراء في ميزان الحياة على السواء بهذا التكافل الاجتماعي الذي غدا مبدأ مرعيا، وسنة من سنن المجتمع المكي منذ عهد هاشم حتى مجيء الإسلام.
فلقد كانت قريش إذا أصاب واحدًا منهم مخمصة، خرج هو وعياله إلى موضع، وضربوا على أنفسهم خباء حتى يموتوا، إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه, وكان له ابن يقال له: أسد, وكان له ترب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه, فشكا إليه الضر والمجاعة، فدخل أسد على أمه يبكي, فأرسلت إلى أولئك بدقيق وشحم فعاشوا فيه أياما. ثم أتى ترب أسدا مرة أخرى وشكا إليه الجوع, فقام هاشم خطيبا في قريش فقال:
"إنكم أجدبتم جدبا تقلون فيه وتذلون, وأنتم أهل حرم الله وأشراف ولد آدم، والناس لكم تبع" قالوا: "نحن تبع لك, فليس عليك منا خلاف".
فجمع هاشم كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم. فجاء الإسلام وهم على ذلك، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش.
وهذا معنى قول شاعرهم:
стр. 146
والخالطون فقيرهم بغنيهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي١
وأما المشكلة الثالثة, فهي مشكلة المحافظة على الكيان السياسي والاقتصادي، وقد اتخذت قريش الوسيلة لحلها عن طريقين, أولهما: الطريق السلمي الذي يعتمد على المعاهدات السياسية والتجارية, والتي تؤمن الشريان الحيوي لتجارتها عبر الصحراء إلى الشام واليمن. وثانيهما: قوة الدفاع الوطني التي تعتمد أولا على السواعد القوية لقبيلة قريش الفتية، وثانيا على طائفة الحبش من فلول جيش أبرهة وغيرهم، وعلى حلفاء قريش من العرب الذين كانوا يسمون "الأحابيش".
أحابيش قريش وقوة الدفاع العسكري:
ويستعمل لفظ "الأحابيش" في الدلالة على القوة العسكرية التي كانت تستأجرها قريش قبيل الإسلام؛ للدفاع عن بلدها وقوافلها التي كانت تتردد بين الشام واليمن.
ويؤخذ من صريح النصوص العربية، لغوية كانت أو تاريخية، أن هذه القوة كانت عبارة عن حلف قوامه أحياء من عرب كنانة وخزيمة اللتين كانتا تنزلان أغوار تهامة، ومن خزاعة التي كانت تنزل بظاهر مكة. بهذه النصوص أخذ المستشرق الألماني الكبير فلهاوزن, فقال في كتابه الذي ألفه "عن الوثنية العربية" هذه العبارة: "الأحابيش: أحلاف قريش السياسيون".
ولكن لامانس المستشرق اليسوعي المعروف نشر في المجلة الأسيوية, مقالا ضافيا ذهب فيه أن رواة اللغة العربية قد وهموا في تفسير هذا اللفظ, وأن الأحابيش كانوا -كلهم أو جلهم على أقل تقدير- زنوجا من بلاد الحبشة، وأن رواة السيرة تعمدوا القول بأنهم عرب؛ أنفة من أن يقولوا: إن قريشا كانت في الجاهلية تستعين بالسودان في الدفاع عن حوزتها. بيد أن المرحوم عبد الحميد العبادي قد أثبت:
١- أن الأحابيش كانوا عربا.
стр. 147
٢- وأن القول بعربيتهم هو المتفق مع تاريخهم.
٣- وأن العبيد الذين كانت قريش تستعين بهم في حروبها, لم يكونوا من الأحابيش في شيء.
وقد لاحظ أن التفسير اللغوي لكلمة الأحابيش يفيد ثلاثة معانٍ خاصة:
١- الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة.
٢- التجمع والتأشب.
٣- كثرة العدد ويكنى عنها بالسواد؛ لأن العرب تنعت الشيء إذا كثر وتكاثف بسواد اللون.
وهذا التفسير اللغوي يتمشى مع مدلول الأخبار الواردة في بيان أصل نظام الأحابيش. قال ابن إسحاق: والأحابيش: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة. وقال ابن هشام: "تحالفوا جميعا فسموا الأحابيش؛ لأنهم تحالفوا بوادٍ يقال له: الأحبش بأسفل مكة"١. ويقول صاحب معجم البلدان: "حبشي: جبل بأسفل مكة بنعمان الأراك، يقال: به سميت أحابيش قريش، وذلك أن بني المصطلق وبني الهون بن خزيمة اجتمعوا عنده وحالفوا قريشا، وتحالفوا بالله: إنا ليد واحدة على غيرنا ما سجا ليل ووضح نهار، وما رسا حبشي مكانه. فسموا أحابيش قريش باسم الجبل، وبينه وبين مكة ستة أميال ... "٢.
ومن هذه النقول التاريخية نأخذ أن الأحابيش:
١- كانت أحياء عربية تنتمي إلى كنانة وخزيمة وخزاعة.
٢- أن هذه الأحياء تجمعت بوادٍ يقال له: الأحبش، أو عند جبل يقال له: حبشي, وتحالفت فسميت الأحابيش.
٣- أنها حالفت قريشا على التناصر والتآزر، فالمدلول التاريخي لكلمة "الأحابيش" متمشٍّ مع مدلولها اللغوي.
стр. 148
وجنسية الأحابيش العرب يؤكدها تاريخ حلفهم الذي نرجح أنه قام في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي, وانتهى بفتح الرسول مكة سنة ثمانٍ للهجرة. فإنا إذا رجعنا إلى تاريخ عصر النبوة وجدنا الأحابيش طوال ذلك العصر الخطير قوة عربية لها خصائص القبيلة: من سيد يتزعمها، وأرض تنزلها، وراية تحفّ بها عند الحرب، وأنها كانت من حيث علاقاتها السياسية بقريش تنزل منها منزلة الحليف من الحليف، والند من الند، وأنها كانت مسموعة الكلمة في الشئون العامة لقريش ... فالأحابيش عرب وليسوا زنوجا، وقد كانوا حلفاء لقريش تستأجرهم للدفاع عن كيانها الاقتصادي.
وقد كان بمكة قوة من الحبش حقا, ولكن هذه القوة لم تكن من الأحابيش في شيء، بل كانت عبارة عن طبقة من العبيد مسخرة لأشراف مكة في حالي السلم والحرب. ومما يدل على تمييز هذه الطبقة من الأحابيش قول الطبري في غزوة أحد:
"فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة"، وعطف عبدان على ما قبلها هنا عطف نسق يفيد المغايرة، وليس عطف توضيح وبيان كما يرى لامانس١.
وبعض طبقة الحبش قد شري بالمال، وبعضها كان من فلول حملة أبرهة الحبشي على الحجاز ... يقول الأزرقي: "وأقام بمكة فلال من الحبش وعسفاء وبعض من ضمه العسكر, يعتملون ويرعون لأهل مكة"٢، وعرف عنهم خلتان: إطعام الطعام، والبأس يوم البأس. ومن هذه الطبقة وحشي قاتل حمزة يوم أحد، وصؤاب حامل لواء قريش في ذلك اليوم.
وقصارى القول: أن القوة العسكرية لمكة لم تكن تعتمد على سواعد القرشيين وحسب، وإنما كانت تنتظم كذلك طوائف من الحبش الأرقاء، ومن
стр. 149
الأحابيش الأحرار، هؤلاء الأحابيش الذين استأجر أبو سفيان منهم عددا يبلغ الألفين في يوم أحد.
وقد كانت قريش إذا أزمعت حربا تتلقى اللواء من يد زعيمها قصي الذي كان يمثل الرئيس الأعلى للجيش، فقد كان يعقد رقاعا من القماش الأبيض على أطراف الحراب ويقدمها بنفسه، أو يبعثها مع أولاده إلى زعماء قريش. وقد ظل هذا التقليد -الذي يسمى "عقد اللواء" منذ أن أنشأه قصي- إلى آخر أيام الفتوح العربية جاريا.
وبعد أن مات قصي أصبح زعيم قريش عبد الدار أكبر أبنائه، وتولى أبناؤه بعد وفاته تلك الوظائف التي أسلفنا ذكرها، ومن بينها اللواء، ووليها من بعدهم أحفاده، ولكن خلافا نشب بين بني عبد الدار وبني عبد مناف، كاد يفضي إلى القتال لولا أن الفريقين اتفقوا على أن تكون السقاية والرفادة لعبد شمس بن مناف، وأن تظل الحجابة والندوة واللواء في أيدي بني عبد الدار, مما أكسبهم نفوذا وسلطانا قويا في مكة ذاتها.
وكانت قريش تميل للسلام، وإذا استعرنا أسلوب العصر الحديث، قلنا: إنها كانت من دعاة التعايش السلمي peaceful Coexistence، ولكنها إذا اضطرت للقتال كافحت كفاح الأبطال، وربما بدا من بعض أفرادها ما يشبه أفعال الفدائيين أو الفرق الانتحارية في الحروب الحديثة. وفي إحدى حروب الفجار التي كانت بينها وبين قيس عيلان جمعت قيس جموعها ومعها ثقيف وغيرها، وجمعت قريش جموعها منهم: كنانة جميعها، والأحابيش، وأسد بن خزيمة، وخرجت قريش للموعد, على كل بطن منها رئيس بعد أن تسلحت، فكان على بني هاشم: الزبير بن المطلب ومعه رسول الله ﷺ وإخوته أبو طالب، وحمزة، والعباس بنو عبد المطلب، وعلى بني أمية وأحلافها: حرب بن أمية، وعلى بني أسد بن عبد العزى: خويلد بن أسد، وعلى بني مخزوم: هشام بن المغيرة أبو أبي جهل، وعلى بني تيم: عبد الله بن جدعان، وعلى بني جمح: معمر بن خبيب بن وهب، وعلى بني سهم: العاص بن وائل, وعلى بني عدي:
стр. 150
زيد بن نفيل والد سعد بن زيد، وعلى بني لؤي: عمرو بن عبد شمس والد سهيل بن عمرو، وعلى بني فهر: عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة, وعلى الأحابيش: الحليس بن يزيد وسفيان بن عويف، وعلى بني بكر: بلعاء بن قيس، وعلى بني فراس بن غنم من كنانة: عمير بن قيس جذل الطعان، وعلى بني أسد بن خزيمة: بشر بن أبي خازم، وكان القائد العام لهذه الجيوش جميعها حرب بن أمية.
وسارت قريش حتى نزلت عكاظ وبها قيس، وكان مع حرب بن أمية إخوته: سفيان، وأبو سفيان، والعاص، وأبو العاص. فعقل حرب نفسه وقيد سفيان وأبو العاص نفسيهما وقالوا: لن يبرح رجل منا من مكانه حتى نموت أو نظفر ... فيومئذ سموا العنابس، والعنبس: الأسد. واقتتل الناس قتالا شديدا, فكان الظفر أول النهار لقيس وانهزم كثير من بني كنانة وقريش، وثبت حرب بن أمية وبنو عبد مناف وسائر قبائل قريش، ولم يزل الظفر لقيس على قريش وكنانة إلى أن انتصف النهار، ثم عاد الظفر لقريش وكنانة فقتلوا من قيس وأكثروا، وحمي القتال واشتدّ الأمر، فقتل يومئذ تحت راية بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة مائة رجل وهم صابرون, وانهزمت قيس وقتل من أشرافهم عباس بن زعل السلمي وغيره. ولما رأى سبيع بن ربيع بن معاوية هزيمة قبائل قيس عقل نفسه واضطجع وقال: يا معشر بني نصر، قاتلوا عني أو ذروا. فعطفت عليه قبائل من قيس وقاتلوا قتالا شديدا. ثم إنهم تداعوا إلى الصلح، فاصطلحوا على أن يعدوا القتلى، فأي الفريقين فضل له قتلى، أخذ ديتهم من الفريق الآخر. فتعادوا القتلى، فوجدوا قريشا وبني كنانة قد أفضلوا على قيس عشرين رجلا، فرهن حرب بن أمية يومئذ ابنه أبا سفيان في ديات القوم حتى يؤديها, ورهن غيره من الرؤساء أبناءهم، ووضعت الحرب أوزارها١.
وقد كانت مستودعات الأسلحة في القبة كما سبق وفي دور أشراف قريش، إذ كان كل سري من سراتهم يحتفظ لديه بكمية وافرة من العتاد والسلاح
стр. 151
يفرقها على الجنود وقت الحاجة. ففي حرب الفجار فرقت قريش السلاح في الناس, فأعطى عبد الله بن جدعان التيمي مائة رجل سلاحا تاما، وفعل الباقون مثله١.
ويلوح لنا أن دار ابن جدعان كانت بها أماكن خاصة لحفظ الأسلحة؛ لأنه لم يكن يختزن عتاده الخاص الذي يذود به قريشا إذا حزبها أمر وحسب، وإنما يحفظ كذلك أسلحة العرب الذين يفدون إلى عكاظ لتبقى عنده، حتى إذا فرغوا من حجهم وأسواقهم استردوها ورجعوا لديارهم.
وقد كان من الطبيعي -استيفاء لبحث الحياة السياسية في الحجاز- أن نعقد فصلا لأيام قريش وأيام الأوس والخزرج، ولكنا آثرنا إرجاء ذلك إلى حين نتحدث عن الشعر السياسي.
стр. 152
الباب الثاني: الحياة الاجتماعية لعرب الحجاز في العصر الجاهلي
الفصل الأول: "١" تمهيد:
كان بين عرب الحجاز العدنانيين، وعرب اليمن القحطانيين فروق كثيرة في شتى نواحي التفكير والحياة والمعيشة:
فمن حيث كان عرب الجنوب يعيشون عيشة استقرار وإقامة غالبا؛ لأنهم كانوا يسكنون في مدن عامرة، كان عرب الشمال على عكس ذلك؛ لا يستقرون في مكان, بل ينتقلون غالبا وراء أرزاقهم في بادية العرب، ومساكنهم تبعا لذلك يحملونها معهم على ظهور الإبل ويضربونها حيث يطيب لهم المقام؛ لأنها كانت خفيفة تنسج من صوف الغنم ووبر الإبل وشعر المعز، ولم يتحضروا إلا في مكة والمدينة والطائف وبعض مدن قليلة في الحجاز, إبان ذلك العصر الجاهلي البعيد.
وحين كان يغلب على أهل الجنوب الحضارة والمدنية, إذ كان لهم حظ كبير في العلوم والمعارف, ويحذقون كثيرا من الصناعات المختلفة: كصقل السيوف، وتقويم الرماح، ونسج البرود والأكسية والثياب، كان عرب الشمال أهل بداوة, يحتقرون الصناعات وبعض العلوم غالبا؛ وذلك تبعا للبيئة والأمم المجاورة.
стр. 153
٢- وكانت الأمية تغلب على العرب جميعا، سواء منهم أهل الجنوب أم الشمال، غير أن أهل الجنوب كانوا أكثر إلماما بصناعة الكتابة من أهل الشمال, كما كانوا أسبق منهم إلى معرفة الخط.
وكان الخط اليمني يكتب بحروف منفصلة ويسمى المسند الحميري, وهو مشتق من الخط الفينيقي المأخوذ من الهيروغليفي "المصري القديم". ومن اليمن انتقل الخط المسند إلى كندة والنبط، ومنها إلى الحيرة والأنبار، ثم نقل إلى الحجاز على يد حرب بن أمية بعد أن دخله تغيير أبعده عن صورة المسند الحميري.
فالخط المصري من أقدم الخطوط المعروفة، وهو مبدأ سلسلة الخط العربي باتفاق المؤرخين غربيين وشرقيين، وعنه أخذ الفينيقيون "سكان ساحل الشام غربي جبال لبنان" خطهم الفينيفي لترددهم على مصر بالتجارة، إلا أنهم زادوا فيه حروفا، وأدخلوا عليه من التعديل ما صيره أسهل تناولا. وعن الفينيقيين أخذت أمم شتى "أصول" خطوطها؛ ففي شمال بلاد العرب الآراميون وهم من الأمم السامية القديمة التي كانت تسكن شمالي بلاد العرب في فلسطين والشام والعراق، وفي جنوبها الحميريون.
ومن هنا اختلف مؤرخو العرب والفرنجة، فيرى الأولون أن النبطيين "سكان مدين والعقبة والحجر وفلسطين وحوران" أخذوا خطهم عن الحميريين وأصحاب المسند، بدليل ما عثر عليه فيها من الآثار الكتابية بالخط المسند، ولأن النبط كانوا متصلين باليمن تجاريا، وكان اليمنيون في ذلك الوقت على جانب عظيم من الحضارة، ثم أخذ أهل الحيرة والأنبار خطهم عن هؤلاء النبط، وعن كندة التي أصلها من حمير، وعن هاتين المدينتين انتقل الخط الحميري "النسخي" إلى الحجاز بوساطة بعض التجار الحيريين١ ولكن لم يتعلمه منهم
стр. 154
إلا القليل ولذا سموا بالأميين، وكان خطهم ضعيفا، ودون ما كان عليه عند حمير بمراحل؛ لمكانهم من البداوة ومكان أولئك من الحضارة، كما يقول ابن خلدون. وقد عمل رسول الله ﷺ بعد غزوة بدر على نشره بتشجيعه المعروف.
وخلاصة رأي هؤلاء المؤرخين: أن الخط الحجازي النسخي مأخوذ عن المسند, لا عن الآرامي أخيه، فمنشأ الخط كان في اليمن١، ثم انتقل منها إلى العراق، حيث
стр. 155
تعلمه أهل الحيرة، وعنهم تعلمه أهل الأنبار، وعنهم أخذه جماعة من أهل الحجاز، وينسب هذا الرأي لابن عباس١.
ومهما كان فالحجازيون هم الذين عرفوا الكتابة قبل عرب الجزيرة الشماليين. ولما جاء الإسلام كان في قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب، ومنهم: الشفاء بنت عبد الله العدوية، كانت تحسن الكتابة، وكذلك جماعة من النسوة، وفي المدينة قليل من الأوس والخزرج يكتبون، ومنهم سويد بن الصامت، وحضير الكاتب، وكانا من أهل يثرب٢.
أما مؤرخو الفرنجة فيقولون: إن الخط الحيري مأخوذ عن النبطي كما قال مؤرخو العرب، ولكنهم يقولون: إن النبط أخذوا خطهم عن الخط الآرامي؛ لقرب الآراميين من النبط، وإن الخط الكوفي متولد عن نوع من الخط السرياني، يسمى السطرنجيلي قبيل الإسلام، بدليل تشابههما في الحروف، واتفاقهما في بعض قواعد الرسم: كحذف ألف المد من "الظالمين" و"كتاب"، وفي الأغراض التي يستخدمان فيها، وهي: النقش على جدران المعابد, وكتابة الكتب السماوية.
وعلى هذا الرأي، فالمسند لا دخل له في سلسلة الخط العربي بنوعيه، بخلاف الآرامي، وهذا عكس ما يقول مؤرخو العرب في هذه النقطة ... وكانت الكتابة على العسب والرقوق والعظام حتى اخترع الورق سنة ١٢٠هـ.
стр. 156
إسكنر
٣- وأما اللغة فقد كانت الحميرية هي السائدة بين عرب الجنوب، ويقال: إن إسماعيل ﵇ تكلم بلسان جرهم، وكان لسانه قبل ذلك: إما سريانيا كأهل فلسطين، أو كلدانيا كأهل كلدانيا؛ لأن إبراهيم أباه عاش في كليهما، أو مصريا تبعا لأمه هاجر. ويظهر أن لغة إسماعيل تأثرت بكل من هذه اللهجات الثلاث، وقد نشأت سلالته في الحجاز على العربية الفصحى.
على هذا كانت لغة أهل الحجاز تخالف لغة أهل اليمن من بعض الوجوه، وتظهر بعض الفوارق في المفردات؛ فمثلا: المدية عند اليمنيين تسمى سكينا في لغة أهل الحجاز، كما تظهر أيضا في أسماء الإشارة والضمائر وأدوات التعريف وأوجه الإعراب ... إلخ. ولما نزل القرآن الكريم بلغة قريش أهملت العرب لغة حمير, فكادت تنعدم ولم يبق منها إلا القليل، كالتي تسمى جعجعة قضاعة, وشنشنة اليمن، وتلتلة بهراء, وطمطمة حمير١.
стр. 157
٤- وتوجد فوارق أخرى خِلْقِيَّة بين عرب الشمال والجنوب ترجع إلى لون البشرة وشكل الرأس وطول القامة؛ فأهل الشمال يغلب عليهم جمال الوجه واستدارته, وكبر الرأس وطول القامة، والبياض الضارب إلى السمرة، وهي خصائص الجنس السامي.
أما أهل اليمن, فقليلا ما تتوفر فيهم هذه الصفات السامية، بل يغلب عليهم السواد، وتشبه سحنهم من وجوه كثيرة سحنة الإفريقيين من الأحباش.
وكان أساس الاجتماع عند العرب كما تقدم شماليين وجنوبيين هو الأسرة التي يكونها الرجل منهم بالزواج والتناسل ولا يزال يقوم عليها، ويعنى بكل حاجياتها حتى تشتد سواعد أبنائها، ويصبحوا قادرين على الكسب، فيقوم فيهم الوالد يرشدهم بما كسبه من التجارب ويدلهم على طرق الخير بما أفاءت عليه الظروف من حكمة وعقل، ويفصل بينهم في المنازعات المختلفة التي قد تقوم بينهم، فلا يتركهم يتفرقون حتى لا يطمع فيهم طامع، إذ هم مصدر عزته وجاهه، وتستمر الأسرة في الزيادة حتى تتكون القبيلة.
والعرب الحجازيون: بدو وحضر، وبين الفريقين تفاوت كبير في التقاليد والعادات والأخلاق:
أما البدو، فهم قوم رحّل يسكنون الخيام، ولا يقرون في مكان, ينتجعون الكلأ، ويتتبعون مساقط الماء ومنابت العشب، يرحلون إليها بأنعامهم التي يغتذون بلحومها وألبانها، ويكتسون بأصوافها وأوبارها، وهم -لجدب بلادهم، وانصرافهم عن أوجه التكسب الأخرى- كانوا يقنعون من العيش بالكفاف، ولا يفتنّون في المطاعم والملابس، بل كانوا يعيشون غالبا على اللبن والتمر واللحم. ولقلة مواطن الكلأ لديهم، وميلهم إلى الانتقام
стр. 158
والأخذ بالثأر, كثرت الحروب بينهم كثرة مفزعة، وكانت نيرانها لا تخبو إلا لتشتعل، وكانوا يأنفون من الاشتغال بالزراعة والصناعة، ويرون أنهم لم يخلقوا إلا للقتال ولم يعدهم الدهر إلا للصراع والنزال، وأنه لا ينبغي أن يتناولوا رزقهم إلا من سيوفهم ورماحهم, ولم يكن لديهم سوى نظام القبيلة.
والقبائل العربية كانت متعادية، متنافرة، أما أفراد القبيلة الواحدة فكانوا متضامنين أشد التضامن؛ ما يغنمه أحدهم فهو للقبيلة، وما يصيبه فعليها، يعتز كل منهم بنسبها ويفاخر بحسبها ويوافقها على خطئها وصوابها:
وهل أنا إلا من غزية، إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزية أرشد
وإذا اعتدي على أحدهم، هبوا إلى نصرته سراعا، زرافات ووحدانا:
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا١
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
لكن أخاهم، إذا جرّ عليهم المغارم، واسترسل في جناياته، تخلوا عنه وأعلنوا براءتهم منه، ويسمى عندهم "خليعا".
وقد كان أساس العصبية عند العرب هو النسب؛ ولذلك كانت العصبية القبلية هي أقوى العصبيات؛ لقربها واتحادها، وشدة ارتباط أفرادها، وهنالك عصبيات أخرى كالحلف والولاء:
الحلف:
فالحلف -أو المعاهدة- يجمع بين القبائل ولو تباعدت أنسابها، وإنما يلتجئون إلى هذا النوع -في الغالب- حينما يفتقدون القوة والنصرة في ذوي القرابة, فيتعاقدون ويتناصرون مع الأباعد لتتوفر لهم أسباب القوة التي ينالون بها الرياسة، أو يدفعون عن أنفسهم الظلم والعدوان، أو يغالبون بها من سواهم، وهذه العصبية أضعف من العصبية القبلية.
стр. 159
الولاء:
والولاء هو الرابطة التي كانت توجد بين العرب والأعاجم الذين عاشوا بينهم، ويسمون هؤلاء الأعاجم موالي، ومثلهم الأسرى الذين لم يستطيعوا فداء أنفسهم، وكان العرب يسمون هؤلاء جميعا بسمة القبيلة؛ لأن كل قبيلة كان لها سمة خاصة تعرف بها، وتسم بها رايتها وإبلها كيا بالنار.
وكان المولى يرث من القبيلة التي استلحق بها, كما يرث الصريح من أبنائها.
الخلع:
وضد الولاء "الخلع", فكان الرجل إذا ساءه أمر من ابنه أو من مولاه خلعه أي: نفاه عن نفسه، فيصبح غير مرتبط بالمولى وتصبح قبيلته -تبعا له- في حل من جميع التصرفات التي يرتبط بها المولى ولا يتحملون جريرتها، وقد يعلنون ذلك الخلع في سوق عكاظ، فيبعثون مناديا ينادي فيه بذلك، وقد يكتبون به كتابا١.
عصبية الأبوة:
وعصبية النسب معناها الانتساب إلى الأب، فقد كان هو المعول عليه في القرابة عند العرب٢. وقد روى المبرد أن رجلا من الأزد كان يطوف بالبيت وهو يدعو لأبيه، فقيل له: ألا تدعو لأمك؟ فقال: إنها تميمية٣.
стр. 160
عصبية الخئولة:
ومع شدة تمسك العرب بعصبية الأبوة وتقديمها على عصبية الأمومة، فقد كانوا إلى جانب ذلك يرعون حق الأمومة، ويسمونها "عصبية الخئولة".
وأوضح شواهد على ذلك نصرة أهل المدينة للنبي؛ لأن أم النبي ﷺ من بني النجار من الخزرج، وهي قبيلة قحطانية، وأبوه من قريش، وهي قبيلة عدنانية، فلما توفي والده التجأت أمه إلى أخواله بني النجار بالمدينة فأكرموا وفادتها، ولما بلغ أشده واستوى وآتاه الله العلم والحكمة واضطهدته قريش ومن تبعه، هاجر إلى المدينة في حماية أخواله وأتباعه؛ لأن خئولة بني النجار جعلت الخزرج كلهم أخواله، وكل الحوادث في المدينة تدل على أن بني النجار كانوا دائما في مقدمة المحامين عن الرسول وأتباعه بعد الهجرة.
ونذكر بعد ذلك أيضا من الحوادث، أن بني كلب انضمت إلى معاوية بن أبي سفيان حينما نهض للمطالبة بدم عثمان، ولعل أهم سبب في انضمامهم أن نائلة زوج عثمان كانت من قبيلتهم، وأمثلة ذلك كثيرة في الجاهلية وبعد الإسلام.
آثار العصبية القبلية:
ومن الواضح أن العصبية القبلية كانت من أهم أسباب النزاع الذي نشب بين العرب في الجاهلية، وقد اتخذت هذه العصبية أشكالا مختلفة، ظهرت في شكل مفاخرات، وفي شكل منافرات، وأخيرا جرّت إلى نشوب معارك دموية، وأورثت أحقادا وحزازات تأصلت في نفوس العرب. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها صاحب الدعوة ﵇ في محوها من نفوسهم، فقد بقيت تشغل معظم تاريخ النزاع في جزيرة العرب, وفي غيرها أيضا حوالي ثلاثة قرون من الزمان.
وأشهر حوادث المنافسة ما كان بين القبائل القحطانية والعدنانية، وقد يفوت القارئ ملاحظة ذلك أثناء اطلاعه على تاريخ المعارك؛ لأنهم قلما يذكرون انتساب القبائل إلى إحدى هاتين العصبيتين، فيقولون مثلا:
стр. 161
"ونشبت الحرب بين قيس وكلب" ولا يذكرون أن قيسا من العدنانية وكلبا من القحطانية لاعتقادهم أن القارئ يعلم ذلك، وعلى هذا النحو قولهم: تفاخرت قحطان ونزار، أو معد واليمن، أو مضر وحمير، أو هوازن وكهلان, أو قيس وهمدان ... إلخ.
على أن النزاع الذي حدث بين هذه القبائل، لم يكن أعظم عنفا وأثرا مما حدث بين بني العباس وبني أبي طالب وهما جميعا من بني هاشم، ولا مما حدث بين بني هاشم وبني أمية، وكلاهما من بني عبد مناف.
موقف الإسلام منها:
أما موقف الإسلام من العصبية القبلية، فكان موقفا عدائيا، فإن صاحب الرسالة ﵇ قد دعا إلى الوحدة، والتضامن، ونبذ الخلاف والشقاق والأنانية، وعمل على إزالة الفوارق، ونشر العدالة، وأعلن المساواة بين الناس، وكان آخر ما خاطب به الناس في حجة الوداع: "إن ربكم واحد, وأباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى".
٥- مكانة الشاعر:
وكانوا يحبون الشعر والاستماع له؛ لأنه ديوانهم الذي يخلد مفاخرهم، ويسجل أنسابهم ووقائعهم، ويذكي نار الحماسة في نفوسهم، وكان لكل قبيلة شاعر أو أكثر، يناضل عن أحسابها، ويشيد بمفاخرها، ويذود عن حياضها.
اللهو:
كما كانوا يلهون بالخمر, وغناء القيان، ولعب القمار، وصيد الوحوش بالكلاب المعلّمة أو بالخيل أو بحفر "الزبية". ومن أمثالهم: بلغ السيل الزبى، وكل الصيد في جوف الفرا.
стр. 162
أثر المرأة:
وكانت المرأة البدوية تشاطر زوجها أعباء الحياة؛ فتواسي الجرحى وتقف خلف الصفوف تبعث الحمية في نفوس الرجال فيستميتون في القتال؛ خوفا على نسائهم أن يقعن في السبي. وفي السلم تنسج الخيام والملابس وتخيطهما, وتحضر الماء وتطهي الطعام وتصنع الأقط والزبد, وكانت سافرا تقابل الضيوف وتقريهم، وتستشار في زوجها فتقبل أو ترفض.
وقد كثر ذكرها في أشعارها واحتلت الذروة منها وافتتحوا بها قصائدهم، وكثيرا ما نراها واقفة في وجه زوجها تصده عن الاسترسال في الكرم والقتال ضنا بنفسه وبماله، فلا يثنيه ذلك عما ركب في طبيعته من حب السخاء والشجاعة؛ إيثارا لحسن الأحدوثة وجمال الذكر.
قال أحد شعرائهم القدامى:
وعاذلة هبت بليل تلومني ... ولم يغتمز في قبل ذاك عذول
تقول: اتئد لا يدعك الناس مملقا ... وتزري بمن يابن الكرام تعول
فقلت: أبت نفس علي كريمة ... وطارق ليل غير ذاك يقول
ولكن العرب -لشدة غيرتهم على نسائهم وحرصهم على أعراضهم أن تثلم، ولأن حياتهم حياة حربية, ثم لفقرهم- كرهوا البنات، وقالوا: دفن البنات من المكرمات. ومما يروى في ذلك، أن رجلا تحول عن بيت زوجه إلى بيت جاره حين ولدت بنتا، فسمعها ذات يوم تغني, وهي ترقصها:
ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا ... والله ما ذلك في أيدينا
وإنما نأخذ ما أعطينا ... ونحن كالأرض لزارعينا
ننبت ما قد زرعوه فينا
فأثر ذلك في نفسه، وعاوده حدب الوالد على ولده.
وقد أسرف بعضهم في بغضهن فاستباح وأدهن. واستفظع ذلك كثير من عقلائهم، فكانوا يفدونهن من أهلهن ويحتضنونهن، ومن هؤلاء صعصعة بن ناجية، وبه افتخر الفرزدق، فقال:
стр. 163
ومنا الذي أحيا الوئيد، وغالب ... وعمرو، ومنا حاجب والأقارع
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا -يا جرير- المجامع
ومن الحجازيين الذين استنكروا الوأد، زيد بن عمرو بن نفيل القرشي ... كان يستحيي الموءودات، فإذا بصر برجل يهم بوأد بنته، قال له: لا تقتلها، أنا أكفيك مئونتها، ويأخذها وينفق عليها حتى تكبر، ثم يقول لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مئونتها. ويقال: إنه أحيا ستا وتسعين موءودة١.
وأما ما أثر من أخبار العهر٢, فخاص بالإماء دون الحرائر.
أما الحضر:
فكانوا يسكنون المدن، ويبنون الدور والقصور، ويفتنون في المطعم والمشرب والمسكن، ويشتغلون بالصناعة والزراعة والتجارة، ولا يرون في ذلك بأسا ولا غضاضة، وهؤلاء هم سكان مكة والمدينة والطائف وبعض القرى الحجازية الأخرى.
القرشيون والتجارة:
وكان القرشيون أهل تجارة يغدون ويروحون في جزيرة العرب آمنين مطمئنين وقد اتسعت تجارتهم، فامتدت إلى الشام واليمن وكانت إلى الأولى رحلتهم الصيفية، وإلى الثانية رحلتهم الشتوية، كما شملت الحبشة والفرس والهند، وقد تقسم أولاد عبد مناف هذه الأقطار: فكان هاشم يذهب إلى الشام، وعبد شمس إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس. وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار، بحبال هؤلاء الإخوة، فلا يتعرض لهم؛ لأن كل أخ منهم كان قد أخذ من ملك ناحية سفره أمانا له٣ وإنما استأثرت قريش بالتجارة لما كانت تتمتع به بين العرب من
стр. 164
أمن على أموالها وقوافلها لمنزلتهم الدينية في نفوس سكان الجزيرة. قال الزمخشري وصاحب القاموس: وكان لقريش رحلتان: يرحلون في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام, فيمتارون ويتجرون، وكانوا في رحلتهم آمنين؛ لأنهم أهل حرم الله، وولاة بيته، والناس يتخطفون من حولهم، فإذا عرض لهم عارض، قالوا: نحن أهل حرم الله، فينصرف عنهم من غير أن يمسهم بسوء. ولهذه الرحلات وما فيها من مشاهدات أثر كبير في رقيهم الثقافي والفكري؛ لذلك كانوا أرقى عرب الشمال عقلا، وأسماهم فكرا وثقافة.
النسيء:
ومعناه: التأجيل والتأخير، وأصله أن العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇ يعتقدون تعظيم الأشهر الحرم، وهي أربعة: المحرم, رجب, ذو القعدة, ذو الحجة، وكانوا يتحرجون فيها من القتال، ولكنهم كانوا يكرهون توالي ثلاثة أشهر من غير قتال ونفوسهم مجبولة على الحروب وشن الغارات, فكانوا إذا احتاجوا إلى الحرب في المحرم أخّروا تحريمه إلى صفر، فإن احتاجوا أيضا إلى الحرب في صفر أحلوه وحرموا مكانه ربيعا الأول, وهكذا حتى استدار التحريم على جميع فصول السنة, وانعدم ضبط الأشهر الحرم، وضاعت خصوصيتها اعتمادا على تحريم مجرد العدد.
أما كيفية ذلك, فكان الرجل من كنانة يقوم على باب الكعبة، أو عند جمرة العقبة إذا صدر الحاج من منى, فيقول: أنا الذي لا أعاب، ولا أخاب، ولا يرد لي قضاء، فيقولون: صدقت، أنسئنا شهرا، فيقول: إني أحللت لكم شهر كذا وأنسأته وحرمت مكانه شهر كذا "ويسمي الشهر".
وكان من عادتهم أيضا تأخير أشهر الحج أو أشهر أخرى, يقصدون بذلك أن يأتي الحج في فصل معين من السنة لا يختلف باختلاف الفصول حتى
стр. 165
يتمكنوا من أدائه من غير مشقة ولا عنت، ومن غير أن تتأثر مصالحهم بأدائه؛ لأن حجهم -حسب شريعة إبراهيم- كان يقع في شهر ذي الحجة, وهو من الشهور الهلالية التي تدور في كل فصل من فصول السنة ولا توافق فصلا معينا، فربما أدركهم هذا الشهر وهم مشغولون بشئون معاشهم, فلا يستطيعون السفر للحج والتجارة كما هي عادتهم.
وقد حرم الله النسيء بنوعيه، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ الآية.
أما تخصيص هذه الأشهر بالحرمة, فلفضل مزيتها؛ لأن المحرم يبدأ به العام ورجبا وسطه والقعدة والحجة آخر العام، إشارة إلى وجود السلم في العام كله، فإذا حدثت الحرب لا ينبغي أن تشغل جميع العام، بل يجب أن تنقطع بفترات من السلم في الأول والوسط والآخر؛ تهدئة لنارها، وإراحة للناس من عنائها وويلاتها، وفتحا لمجال المصالحات والمهادنة، وإنما كان الختم بشهرين لوقوع فريضة الحج فيهما وهي التي لا تؤدى إلا في سلام ووئام تامين.
стр. 166
الفصل الثاني: أسواق العرب في الحجاز ١ وحياة الحجاز التجارية
١- كان العرب في العصر الجاهلي يقيمون أسواقا عامة للتجارة، وكانت هذه الأسواق تستمر طول العام ينتقلون من بعضها إلى بعض، ومن أشهر أسواقهم العربية في الحجاز:
١- سوق عكاظ، وكانت تعقد في أول ذي القعدة إلى العشرين منه، وهي أعظم أسواقهم، وقد اتخذت سوقا بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة وظلت قائمة في الإسلام حتى نهبها الخوارج عام ١٢٩هـ حين خرجوا بمكة مع المختار بن عوف, وسنخصها بحديث بعد.
٢- سوق مجنة: ومجنة موضع بمر الظهران أسفل مكة على أميال منها, وكانوا ينتقلون إليها من عكاظ فيقيمون فيها إلى نهاية ذي القعدة.
٣- سوق ذي المجاز بمنى خلف عرفة: وكانوا يقيمون فيها ثمانية أيام من ذي الحجة، ثم يقفون بعرفة في اليوم التاسع.
٤- دومة الجندل: وتنعقد في ربيع الأول، ويحدد البغدادي ميعاد انعقادها فيجعله اليوم الخامس عشر من ربيع الأول من كل عام.
٥- مكة: وهي سوق دائمة.
٦- نطاة خيبر: وتعقد بعد أيام الحج, كما روى الألوسي.
٧- سوق منى.
стр. 167
وقد أغفلوا بعض مواضع مهمة١ تقوم فيها أسواق، ربما لا تقل شأنا عن التي أفردوها بالذكر؛ كالطائف، وكالسوق التي يقيمها النبط في المدينة أحيانا، فإنا نعلم أن الطائف مدينة قديمة جاهلية، وهي "بلد الدباغ, يدبغ بها الأهب الطائفية المعروكة" ولأهلها زراعة وتجارة وغنى، وربما قاربوا قريشا في شأنها التجاري، ومن ثم كانت لأسواق الطائف أهمية تجارية ملحوظة.
٢- وكانت هذه الأسواق العربية -رغم أنها مكان للتجارة والمقايضة- ميدانا فسيحا لتبادل الآراء، وعرض الأفكار، والتشاور في مشكلات الأمور، ومجالا للمفاخرات والمنافرات والمحاورات، ومعرضا لإذاعة مفاخر القبيلة وشرف الأرومة، وناديا واسعا لإلقاء روائع الشعر، والمباهاة بالفصاحة, والمفاخرة بالبلاغة. وفيها ألقيت أشهر القصائد والمعلقات العربية؛ فأنشد عمرو بن كلثوم معلقته في عكاظ، وكذلك فعل الأعشى الذي أنشد فيها قصيدته في مدح المحلق.
ولقد سبق الإغريق العرب إلى أمثال هذه المحافل في المجتمعات الأولمبية التي كانوا يقيمونها كل أربع سنوات للألعاب الرياضية البدنية كلما حجوا إلى هيكل المشترى في أولمبية، وكانوا يحرمون القتال على أنفسهم في أثنائها على نحو ما يفعل العرب في الأشهر الحرم، فلما استوثق لهم الأمر صارت هذه المجتمعات الأولمبية أندية لإنشاد الشعر وتبادل الأفكار.
وكانت في هذه الأسواق منابر الخطابة في الجاهلية, يقوم عليها الخطيب بخطبته فيذيع فعاله ويعدد مآثره ومآثر قومه وأيامهم عاما بعد عام.
стр. 168
وكان النقاد والشعراء والرواة يجتمعون في الأسواق, فينشد الشعراء, وينقد النقاد، ويذيع الرواة ما سمعوه في كل مكان. وكان النابغة الذبياني حكم الشعراء بسوق عكاظ، وكانت تضرب له قبة فيه، فتأتيه الشعراء ينشدونه قصائدهم فيحكم لبعضهم على الآخرين.
وكان هذا الميدان الأدبي الفسيح، بما فيه من آذان مرهفة، وعيون متطلعة, وأذواق حصيفة، يحمل الشعراء والخطباء على التجويد والتهذيب والتنقيح، ويدعوهم إلى تخير الألفاظ العذبة، والأساليب الجميلة، والمعاني الرائعة؛ قصدا إلى الوضوح والإفهام والإمتاع، ومن ورائهم الرواة يذيعون هذا الأدب المختار في البلاد، وينشرونه في القبائل، ويروونه في كل مكان للسامعين.
ذلك هو الأثر الأدبي الكبير لهذه الأسواق, فوق أثرها الخطير في توحيد العقائد والأخلاق والعادات، والنهوض الحثيث بالمجتمع العربي، والسير به في طريق الوحدة التي بلغها بعد ظهور الإسلام ونبيه الكريم.
٣- وللأسواق عمل لغوي خطير، فقد كانت سببا في التقريب بين لغات العرب ولهجاتهم.
كانت تنزل بها شتى القبائل العربية على اختلافها، من قحطانيين وعدنانيين، كما كان ملك الحيرة يبعث تجارته إليها، ويأتيها التجار من مصر والشام والعراق.
فكان هذا الاجتماع الكبير وسيلة من وسائل التفاهم اللغوي، والتقارب بين اللغات واللهجات العربية، واختيار القبائل بعضها من بعض. وكانت الأذواق المرهفة في هذه الأسواق تعمل عملها في النقد اللغوي، فتأخذ كل قبيلة من لغة الأخرى ما خفّ على النطق، وعذب في الألسنة, وظهرت فصاحته من مختلف الألفاظ والأساليب.
وكان القرشيون خاصة من بين قبائل العرب وبتأثير اجتماعات الحج والأسواق والحروب، أكثر القبائل ميلا إلى النقد اللغوي, فاقتبسوا من
стр. 169
لهجات القبائل أعذبها ومن ألفاظهم أسهلها وأنصعها وأفصحها، وأخذوا يضيفون ذلك إلى لغتهم؛ فزادت ثروة اللغة العدنانية القرشية. وقلدت القبائل الأخرى قريشا في ذلك، وأخذت عنها محاكية لها في لغتها؛ وذلك لمكانة قريش وإشرافها على هذه الأسواق، مما حدا بالشعراء الذين يريدون لشعرهم الذيوع أن يتحروا لهجتها المختارة الذائعة في إذاعة محامد قبائلهم وأمجادهم، فكان لذلك آثاره البعيدة في تهذيب اللغة العربية وتوحيدها وجمعها في لغة مختارة هي لغة قريش أفصح القبائل العربية التي نزل بها القرآن الكريم.
وعمل الأسواق في توحيد الألسنة والتقريب بين اللهجات وتهذيب اللغة العربية كان ذا أثر بعيد في نمو اللغة العربية ونهضتها وانتقالها من طور اللهجات المتباينة واللغات المتنافرة والمتناكرة إلى طور جديد، مهد للوحدة اللغوية بين قبائل العرب، التي نزل القرآن الكريم مؤيدا لها ومذيعا للغة قريش في كل مكان.
٤- أهم الأسواق:
١- سوق عكاظ:
وننتقل بعد ذلك إلى الحديث في إيجاز عن سوق عكاظ وأثرها في اللغة والأدب؛ توضيحا لأثر الأسواق الجاهلية، وزيادة في معارفنا عن أسرار الاجتماع الجاهلي؛ لأن هذه السوق كانت تمتاز عن غيرها بأن جميع القبائل كانت تقصدها.
أين تقع عكاظ؟
في موقع عكاظ آراء عديدة, نذكر أشهرها، وهذه طائفة من أقوال المؤرخين القدامى في تحديد موقع عكاظ:
١- عكاظ بين نخلة والطائف إلى موضع يقال له: الغدق "ابن إسحاق, الواقدي, أبو عبيدة"١.
стр. 170
٢- عكاظ نخل في وادٍ بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليالٍ، وبه كانت تقوم سوق العرب بموضع يقال له: الأثيداء، وبه كانت أيام الفجار، وكانت هناك صخور يطوفون بها ويحجون إليها "الأصمعي"١.
٣- عكاظ في وسط أرض "قيس عيلان", "ابن هشام"٢.
٤- عكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة على طريق صنعاء, في عمل الطائف على بريد منها. وهي سوق لقيس عيلان وثقيف, وأرضها لنصر "الأزرقي"٣.
٥- عكاظ في أصل جبل بس أو ماء بس بقعة لبني هلال, وحذاءها أخرى يقال لها: الخدود، وعكاظ منها على غلوة. وعكاظ صحراء مستوية ليس فيها جبل ولا علم إلا ما كان من الأنصاب التي كانت في الجاهلية، وبها من دماء الإبل كالأرجام العظام، وحذاءها عين يقال لها: خليص للعمريين، وخليص هذا رجل وهو ببلاد تسمى ركبة "عرام بن الأصبغ السلمي البكري"٤.
هذه جملة من أقوال المتقدمين في تحديد عكاظ, وهي متقاربة في المعنى متطابقة في الجملة.
وجميع الأوصاف المتقدمة تنطبق على الأرض الواسعة الواقعة شرق الطائف -بميل نحو الشمال- خارج سلسلة الجبال المطيفة به، وتبعد تلك الأرض عن الطائف مسافة "٣٥كم" تقريبا، ويحدها غربا: جبال بلاد عدوان "العقرب, وشرب, والعبيلاء"، وجنوبا: أبرق العبيلاء وضلع الخلص، وشرقا: صحراء ركبة، وشمالا: طرف ركبة والجبال الواقعة شرق وادي قران. وتشمل هذه الأرض وادي الأخيضر "وهو المعروف قديما بوادي عكاظ"، ووادي شرب حينما يفيضان في الصحراء ويخرجان من الجبال وما بينهما من الأرض وما اتصل بهما من طرف ركبة٥.
стр. 171
هذا هو موقع عكاظ كما حققه الثقات عن مشاهدة وعيان، ولا عبرة بمن يقول: إن موقع عكاظ في السيل الكبير على الطريق بين مكة والطائف, أو السيل الصغير في الطريق بين السيل الكبير والطائف؛ أولا: لما في هذا القول من مخالفة للتحديد المذكور في الأقوال السابقة, وهو الأهم. وثانيا: لأنها تقع في مجرى السيول التي تسير في تلك الناحية. وثالثا: لأنها تضيق عن الغرض المقصود منها, وهو إقامة تلك السوق العربية الكبيرة.
أثرها الأدبي:
كانت سوق عكاظ ميدانا للتجارة, وفداء الأسرى, والمفاوضة في الرأي، وتبادل الأفكار؛ كما كانت ميدانا للمنافرة والمفاخرة وإنشاد القصائد, وكان بها في الجاهلية منابر يقوم عليها الخطباء، فيقف أشراف القبائل مفاخرين بمناقبهم ومآثر قومهم. وكانت معرضا للبلاغة ومدرسة بدوية يلقى فيها الشعر والخطب، وينقد ذلك كله ويهذب، وفيه أنشد ابن كلثوم معلقته، ويقال: إن المعلقات أنشدت فيها, كما أنشد فيها الأعشى مدحته المحبرة في المحلق. وممن ألقى فيها مدائحه حسان، كما كانت الخنساء تلقي فيها مراثيها وتعاظم بمصيبتها. وكان النابغة تضرب له قبة حمراء في سوق عكاظ ويجتمع عليه الشعراء فيتحاكمون إليه.
أتاه الأعشى يوما فأنشده، ثم أتاه حسان, فقال: لولا أن أبا بصير أنشدني آنفا لقلت: إنك أشعر الجن والإنس، قال حسان: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك وجدك، فقبض النابغة على يده، وقال: يابن أخي, أنت لا تحسن أن تقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى منك واسع
ثم أتته الخنساء, فأنشدته:
قذى بعينك أم بالعين عوار ... أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدار؟ ١
فلما بلغت قولها:
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
стр. 172
قال: ما رأيت ذا مثانة أشعر منك.
ويروى: أنه قال لها: لولا أن أبا بصير سبقك لقلت: إنك أشعر من بالسوق، ويروى أنه قال لحسان حين بلغ من قصيدته:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
قللت جفانك ولو قلت: الجفان لكانت أكثر، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، وقلت: يلمعن بالضحى، ولو قلت: يبرقن بالدجى لكان أبلغ؛ لأن الضيف بالميل أكثر طروقا، وأنثت السيوف١.
وكذلك قصدت هند بنت عتبة بن ربيعة هذه السوق حين قتل أهلها في بدر، وقرنت جملها بجمل الخنساء، وأخذت كل منهما تعاظم الأخرى بمصابها وتساجل في الشعر لوعة بلوعة، ورثاء برثاء.
وفي سوق عكاظ خطب قس بن ساعدة خطبته المشهورة، وقد سمعها الرسول -صلوات الله عليه.
وكان عليها رئيس يشرف على الموسم ويقضي بين المتخاصمين، ومن الرؤساء عامر بن الظرب العدواني، واستمرت في الإسلام. وكان محمد بن سفيان بن مجاشع قاضيا لها، وكان أبوه يقضي فيها في الجاهلية. وقد قصدها الرسول الأعظم يبث فيها دعوته, وبقيت حتى خربت عام ١٢٩هـ.
وكانت سوق عكاظ سببا في أربع حروب نشبت بين العرب, وسميت حروب الفجار.
وكان سبب الأولى "المفاخرة في سوق عكاظ"، وسبب الثانية "تعرض فتية من قريش لامرأة من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ", وسبب الثالثة "مقاضاة دائن لمدينه مع إذلاله في سوق عكاظ", وسبب الرابعة "أن عروة الرحال ضمن أن تصل تجارة النعمان بن المنذر إلى سوق عكاظ آمنة, فقتله البراض في الطريق". وهذه الحروب كانت قبل مبعث الرسول وهو ابن أربع عشرة سنة وشهدها مع أعمامه, وقال: $"كنت يوم الفجار أنبل على عمومتي".
стр. 173
وقد دعت هذه الحروب التي كانت تنشب أيام قيام هذه السوق، ويترتب عليها السلب والنهب في التجارة، أن قام فريق من العرب بالدعوة إلى السلم، ومن أشهرهم عبد الله بن جدعان، فكان إذا اجتمعت العرب في السوق دفعت أسلحتها إليه ثم يردها عليها إذا ظعنوا، ويظهر أن هؤلاء السادة هم الذين سموا هذه الحروب بحروب الفجار؛ لما ارتكب فيها من الفجور وسفك الدماء, وقد نجحوا في وقف هذه الحروب وربما كان ذلك من أثر حلف الفضول.
٥- ١- وأما سوق مجنة: فكانت تبدأ من العشر الأواخر من ذي القعدة بعد أن يفيض الناس من عكاظ قرب موسم الحج. ومجنة موضع قرب مكة، وكان يحضرها كثير من قبائل العرب ولكنها كانت أقل مكانة من عكاظ.
٢- وأما ذو المجاز: فكانت قرب عرفة على بعد فرسخ منها فيما بينها وبين "الشرائع", ولا يزال ذو المجاز معروفا، وكانت سوقها تقام إلى الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية، وكانت العرب تتم في هاتين السوقين ما فاتها في سوق عكاظ من أعمالها التجارية وغير التجارية.
٣- دومة الجندل: دومة الجندل ويقال: دوماء الجندل, كلاهما بالضم١, وهي بلد تقع في نقطة متوسطة بين الشام والخليج الفارسي والمدينة، على منتصف الخط الواصل بين العقبة والبصرة تقريبا. وبينها وبين دمشق خمس ليالٍ، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة لعدم استقامة الطريق بينهما. وهي في غائط من الأرض طوله خمسة فراسخ, وفيها حصن "مارد" المشهور، وإلى غربها عين تثج, فتسقي ما حولها من النخل والزرع.
وسميت دومة الجندل؛ لأن حصنها مبني بالجندل. وقريب منها جبلا طيء
стр. 174
وكان بهذا الحصن بنو كنانة من كلب، وكانت خربة فأعاد بناءها أكيدر صاحبها وإخوته, وهي التي تسمى حديثا بالجوف.
وكانت العرب في الجاهلية تنزل سوق دومة الجندل للبيع والشراء في غرة ربيع الأول.
قال الألوسي: كان أكيدر صاحب دومة الجندل يرعى الناس ويقوم بأمرهم أول يوم, فتقوم سوقهم إلى نصف الشهر. وربما غلب على السوق بنو كلب فيعشرهم ويتولى أمرهم يومئذ بعض رؤساء بني كلب فتقوم سوقهم إلى آخر الشهر.
ويدور نشاط هذه السوق حتى منتصف ربيع الأول, وتغص بمن يؤمها من أطراف الشام والعراق وسائر الجزيرة، وهي من الأسواق الكبرى للعرب حتى إنهم ليلقون في سيرهم إليها نَصَبا كبيرا لوعورة الطريق والتعرض للأخطار وفقدان الأمن. ولا يحملهم على ذلك كله إلا ما تغريهم به هذه السوق من ربح وفائدة. قال المرزوقي:
"كانت قريش تخرج إليها من مكة، فإن أخذت الحزن لم تنخفر العرب حتى ترجع ... وكانوا إذا خرجوا من الحزن أو على الحزن وردوا مياه كلب، وكانت كلب حلفاء بني تميم, فإذا سفلوا عن ذلك أخذوا في بني أسد حتى يخرجوا على طيء فتعطيهم وتدلهم على ما أرادوا؛ لأن طيئا حلفاء بني أسد، فإذا أخذوا طريق العراق تخفروا ببني عمور، مرثد من بني قيس بن ثعلبة، فتجيز لهم ذلك ربيعة كلها"١.
ثم تفتر حركتها وتأخذ بالاضمحلال حتى آخر الشهر، إذ يفترق أهلها وموعدهم إليها من قابل، شهر ربيع الأول.
٤- سوق نطاة خيبر: خيبر قرية شمالي المدينة, وهي عدة حصون لليهود وفيها مياه ومزارع. ونطاة اسم حصن بها واسم عين أيضا, وقيل: هي خيبر نفسها.
стр. 175
وقد اشتغل أهلها بالزراعة والتجارة، ونظرا لوقوعها على الطريق التجارية الكبرى بين اليمن والشام قام أهلها بتجارة الجزيرة، وكانت إحدى محطات القوافل التجارية في سفرها إلى الشام. ونجح أهلها في متاجرهم حتى أفادوا منها غنى واسعا واستفاضت لهم ثروات طائلة ونشأت فيهم رءوس الأموال الضخمة. ويرى بعضهم أن خيبر كانت مصرف الجزيرة المالي, ولما فتحها الرسول ﷺ صالح أهلها على الشطر من الثمر والحب.
وكلما مرت عير لقريش أو لطيمة من لطائم النعمان قامت لها سوق في خيبر١.
الحياة التجارية:
كانت أهم السلع التي تشغل هذه الأسواق: الخمور من هجر وغزة وبصرى, والأدم والبرود الموشاة من اليمن، والطيب والحرير والزيوت من الشام، والجلود من الطائف، والمسك من الحيرة، وكان البيع فيها بطريق المبادلة في الغالب.
وقد عرف الحجازيون التجارة منذ القدم، وكان في الجزيرة العربية طرق تسلكها القوافل التجارية بين المحيط الهندي وبلاد الشام, فكان أحدها يسير من حضرموت إلى البحرين على الخليج الفارسي "طريق الغرب" وعلى هذا الطريق الأخير تقع مكة في المنتصف تقريبا بين صنعاء وبطرة.
وقد سلك العرب هذه الطرق البرية؛ لأن طريق البحر لم يكن آمنا. وكانت التجارة لا تخرج إلا محروسة، وكانت تسير في أزمنة محدودة وقد أثبت العرب شرفا في التبادل التجاري، واشتهروا بحب الوفاء وتقدير الوعد، والصدق في عرض السلع، فوثقت بهم الممالك المجاورة، وبذلك مهد العربي الطريق لتجارة واسعة منظمة.
وكانت بعض القبائل تتولى تأمين المتاجر مقابل جُعْل خاص، فإذا عدا عليها عادٍ بذلوا في سبيل حمايتها حياتهم ودماءهم, وإذا عجزوا عن حمايتها ردوا الجعل لأصحاب التجارة، وربما عوضوهم عما أصابهم من خسائر.
стр. 176
ولما كانت قريش تسكن مكة في مكان متوسط بين اليمن والشام غير ذي زرع، وليس بهذا المكان موارد تكفيهم، فقد اتخذ القرشيون التجارة مهنة لهم، وأصبحوا ينافسون عرب اليمن، وغدت تجارة قريش -على عهد هاشم بن عبد مناف- تخرج في قوافل عظيمة تشبه الجيش, وقد بلغت أحيانا خمسمائة وألف بعير، تتقدمها الكشافة تتعرف ما في الطريق، والهداة يهدون السبيل والحراس يخفرونها.
وكانت القوافل الحجازية تنزل في أسواق عينتها الحكومة الرومانية لتحصل منهم الضرائب، ولتراقب الأجانب الوافدين على بلادها، وكانت هذه القوافل التي تقصد البلاد الرومانية تنزل أولا في أيلة "العقبة" ومنها تذهب إلى غزة ثم تتفرق القافلة حسب مقتضيات التجارة, على أن تعود فتتجمع في غزة في موعد مضروب, تعود بعده القافلة نحو البلاد العربية. وقد استفاد العرب أثناء رحلاتهم التجارية بعضا من مدنية الروم والفرس وآدابهم, واقتبسوا مما شاهدوه في هذه الأمم من أنظمة حكومية في جمع الضرائب، ومن أخلاق، ولغة وعادات لم تكن لهم، يؤيد ذلك ما أدخله العرب على لغتهم -بتأثير هذه المخالطة- من ألفاظ فارسية، ورومانية، ومصرية، وحبشية، مما أصبح على مر الأيام جزءا لا يتجزأ من اللغة العربية، إلى حد أن نطق بها القرآن الكريم١.
ويقال: إن اسم "قريش" إنما سميت به قبيلة قريش المكية لاشتغالها بالتجارة، فقد ورد في لسان العرب: وقيل: سميت بذلك لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع وزرع، وذلك من قولهم: فلان يتقرش المال أي: يجمعه.
стр. 177
الفصل الثالث: اللغة العربية في الحجاز
١- أصل العربية:
ليس في الإمكان معرفة لغة الإنسان الأول ولا اللغات التي تفرعت عنها، فقد مضى على ذلك قرون عجز التاريخ عن الإلمام بها، وما يقال من أن لغة آدم ﵇ كانت سريانية أو عربية، وأنه رثى ابنه بشعر عربي, تَجَنٍّ على التاريخ حمل عليه تعصب كل قوم للغتهم، وليست اللغة العربية في حاجة إلى مثل هذه الخرافات لتشرف على غيرها من اللغات؛ إذ لها من المفاخر الحقيقية ما يغنيها عن هذه الترهات.
وغاية ما أمكن الباحثين، أن أرجعوا اللغات الحالية إلى لغات أبناء نوح الثلاثة: يافث، وحام، وسام، الذين أبقى الله ذريتهم دون من كان معهم في السفينة, كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ وتفرقوا في جهات الأرض، وكان لكل فريق منهم لغة نسبت إلى جدهم الأعلى، وهي: اليافثية أو الآرية, والحامية، والسامية.
أما الأولى، فقد انتشرت في الهند وامتدت منه إلى الأفغان وفارس ثم إلى أوروبا، مصاحبة لأهلها في فتوحاتهم وتجولاتهم؛ ولذا قسمت قسمين:
أ- آرية شمالية، ومنها تفرعت اللاتينية واليونانية وغيرهما، ومنهما تفرعت لغات أوروبا الحالية.
ب- آرية جنوبية, وهي السنسكريتية "الهندية القديمة", وفروعها: الهندية الحالية والفارسية والأفغانية
والأرمينية.
стр. 178
وأما الحامية، فقد انتشرت شمالي أفريقية, وتشمل: الزنجية، والبربرية لغة سكان المغرب، والمصرية القديمة التي كانت قبل الهكسوس. أما بعد إغارتهم فصارت خليطا من الحامية والسامية، لغة الفاتحين.
وأما السامية، فقد انتشرت غربي آسيا في العراق والشام وجزيرة العرب, ثم الحبشية بأفريقية على رأي.
وتشمل اللغة السامية: البابلية, نسبة إلى بابل التي بقيت أطلالها بقرب الكوفة، والسريانية بأعلى العراق وشمال سورية، والكلدانية١ جنوبيه, والآشورية شماليه, والفينيقية بين جبال لبنان والبحر الأبيض، والعبرية بفلسطين، والحبشية, والعربية. وقد ماتت هذه اللغات ما عدا العبرية، والسريانية, والعربية، ولكن المنقبين قد اهتدوا إلى الآشورية والبابلية، ووضعوا فيهما المعاجم كأنهما من اللغات الحية. وإنما عاشت هذه اللغات دون أخواتها الساميات لتقييدها بالكتابة, وزاد العربية تأييدا نزول القرآن الكريم بها, وهي أغنى أخواتها الساميات؛ لطول عمرها واتساع رقعتها، ونزول القرآن بها، ولما اقتبسته من الأمم التي اتصلت بأهلها سياسيا أو تجاريا أو مجاورة.
وقد اختلف الباحثون في هذه اللغات: أتفرعن من واحدة مجهولة لنا، أم إن إحداهن أم للباقيات؟ والذين يذهبون إلى الرأي الثاني اختلفوا في أيهن الأم، فقيل: هي البابلية؛ لما بينها وبينهن من تشابه قوي, فبعض الكلمات على صورة واحدة فيها وفي العربية، ككلمتي: أنف وعنب، وهما في العبرية والسريانية بحذف النون, والتنوين في العربية نون، وفي البابلية ميم، وهما متقاربان في العربية؛ ولذا تبدل إحداهما من الأخرى، مثل: غين في غيم، وامتقع في انتقع، وعلامة الجمع فيها الواو والنون، وفي السريانية الياء والنون، وفي العبرية الياء والميم, والسين في العربية
стр. 179
شين في العبرية، والألف في العربية واو في العبرية, والضاد في العربية صاد في العبرية, والثاء في العربية شين في العبرية؛ فيقال في سلام وأرض وثور: شلوم، وأرص، وشور بالعبرية، والذال في العربية زاي في العبرية ودال في السريانية, والحاء في العربية خاء في العبرية والسريانية, والغين في العربية عين فيهما.
ولا يعقل أن تكون العبرية أو السريانية أصلا؛ لأن البابلية أقدم، وإنما كانت أصلا للعربية؛ لأن العرب انتقلوا من بابل إلى جزيرتهم، فالبابلية أصل العربية.
وقيل: هي العربية؛ لأن الكلمات المشتملة على حرف الضاد تنقل إلى العبرية والسريانية -وهما أغنى اللغات السامية بعد العربية- بجعل الضاد صادا في العبرية وعينا في السريانية، ولو كانت العربية ناقلة عنهما، لما كان هناك داعٍ لجعل هذين الحرفين ضادا لوجودهما فيها، ولأن في العربية من أصول الكلمات ما ليس فيهما.
والتشابه بين هذه اللغات مما لا شك فيه، ولكنه لا يكفي في الحكم بأن إحداهن أم للأخريات؛ ولذلك رجح العلماء الرأي الأول، وهو أنهن أخوات لأم عفى عليها الزمن١ ... يقول جورجي زيدان في كتابه "تاريخ آدب اللغة": واللغات السامية أخوات لا يعرف لهن أم، وظن بعضهم أن البابلية والآشورية القديمة أمهن ولكن المحققين لا يؤيدون ذلك، والمعول عليه أن هذه اللغات السامية أخوات انقرضت أمهن قبل زمن التاريخ، وقال في "تاريخ العرب قبل الإسلام": وقيل: إن أمهن العبرية، وقيل: العربية، وقيل: البابلية، وكلها لا تخرج عن حد التخمين. ا. هـ. ونقول: لعل الحامل لهؤلاء على أقوالهم تعصب كل فريق للغته.
ومن هذا يتبين لك أنه ليس من السهل الوصول إلى معرفة أصل اللغة العربية.
стр. 180
٢- نشأة العربية:
إذا كنا لم نستطع أن نعين أصل العربية، فإننا نستطيع أن نقول: إن اللغة العربية تألفت من لغات شتى، تدخل كل منها في بنائها في طور من أطوار حياتها، وذلك أن أقدم العرب هم الطبقة البائدة، ويظن أنهم هم المعينيون الذين قدموا من العراق إلى اليمن، وكانت لغتهم عامية البابلية، وبإقامتهم باليمن أخذت لغتهم تتباعد عن أصلها شيئا فشيئا حتى ضعفت الصلة بينهما، ثم جاء السبئيون أو القحطانيون إلى هذه البلاد من الحبشة أو من سقي الفرات، في القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد، واقتبسوا لغة المعينيين، ولعل هذا المعنى هو قول المؤرخين: إن القحطانيين أخذوا اللغة العربية عن العرب البائدة, ثم نزل إبراهيم بابنه إسماعيل ﵉ وبأمه هاجر بمكة في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ونشأ إسماعيل بين قبيلة جرهم الثانية القحطانية التي انتقلت هي وغيرها من اليمن على أثر حادث سيل العرم, وأصهر إليهم وكان لسانه عبرانيا، فأدخل في لغة قحطان العنصر العبري، وتغلبت بعد ذلك اللغة العدنانية على الحميرية وغيرها من اللغات بواسطة الأسواق, واجتماعات الحج.
ومن هذا تعرف كيف نشأت اللغة العربية, وكيف استمدت من البابلية والحبشية والعبرية، وتمثلت بعد ذلك لغة مستقلة فاقت كل هذه اللغات.
٢- مميزات العربية:
ومما تمتاز به العربية عن سواها:
١- الإعراب: وتشاركها فيه الحبشية، والألمانية، ويقول العارفون: إن الألمانية كادت تتخلص منه. ويظهر أن الإعراب أليف البداوة دون الحضارة؛ فقد كانت البابلية واللاتينية واليونانية والسنسكريتية معربة حين كان أهلها متبدين، فلما تحضروا ذهب عنها الإعراب، ولم يبق