← Адаб

Адаб · id 7454

قصة الأدب في الحجاز

عبد الله عبد الجبار

Полный текст (549 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وهو يصوره أيضا أنه -في شكه في بعض الشعر الجاهلي- لا يقطع ولا يجزم، وإنما يقول: إن هذه الأبيات أو تلك القصيدة "يقال": إنها لفلان؛ فمن ذلك أن ابن سلام سأله عن بيت من الشعر: من يقوله؟ فأجابه: "يقال: للزبير بن عبد المطلب"١. ولقد تجنى بعض الرواة على خلف، حتى إنهم وضعوا على لسانه شعرا ورجزا، ثم نسبوا إليه أنه وضع ذلك الشعر ونحله الشعراء القدماء. قال الجاحظ٢: "ولقد ولدوا على لسان خلف الأحمر، والأصمعي، أرجازا كثيرة، فما ظنك بتوليدهم على ألسنة القدماء؟ " وكل ذلك يرجح رأينا في أن هذه القصيدة قد نظمها الشنفرى، ولم ينحله إياها خلف الأحمر.

стр. 352

لامية تأبط شرا: وقد اختلف النقاد كذلك في نسبة اللامية التي مطلعها: إن بالشعب الذي جنب سلع ... لقتيلا دمه ما يطل فنسبها بعضهم، كأبي تمام في حماسته١، إلى تأبط شرا، ولم يشر إلى أنها قد تنسب إلى غيره. ونسبها بعضهم إلى الشنفرى٢، ولم يشر كذلك إلى أنها قد تنسب إلى غيره. ونسبها بعضهم إلى ابن أخت تأبط شرا، قالها في خاله. وسواء أكانت هذه القصيدة لتأبط شرا أم لابن أخته أم للشنفرى، فهي جاهلية صحيحة وليست منحولة. وهؤلاء جميعا كانوا يضطربون في بيئة حجازية؛ فناظم هذه القصيدة إذًا -وأيا كان هذا الاختلاف- جاهلي حجازي, بيد أن عقدة هذا الموضوع فيما ذكروه من أن خلفا هو ناظم هذه القصيدة، وقد نحلها تأبط شرا.

стр. 353

فلنبدأ بمناقشة أقوال من ذهب إلى أنها منحولة، ثم نعقب بما يثبت رأينا من الأخبار والأقوال. قال التبريزي: قال: قال النمري١: ومما يدل على أنها لخلف الأحمر قوله فيها: "جل حتى دق فيه الأجل"، فإن الأعرابي لا يكاد يتغلغل إلى مثل هذا. قال أبو محمد الأعرابي٢: هذا موضع المثل: "ليس بعشك فادرجي" وليس هذا كما ذكره، بل الأعرابي قد يتغلغل إلى أدق من هذا لفظا ومعنى, وليس من هذه الجهة عرف أن الشعر مصنوع، لكن من الوجه الذي ذكره لنا أبو الندى٣. قال: "مما يدل على أن هذا الشعر مولد أنه ذكر فيه سلعا، وهو بالمدينة، وأين تأبط شرا من سلع؟ وإنما قتل في بلاد هذيل ورمي به في غار يقال له: رخمان". وفي هذا النقض دليل على إحساس الأقدمين أنفسهم بضعف قول من قال: إن هذه القصيدة لخلف نحلها تأبط شرا أو ابن أخته، وما هو هذا المعنى الفلسفي العميق الذي لا يستطيع أن يتغلغل إليه الأعرابي؟ إنه كما قالوا نصف بيت في القصيدة كلها وهو قوله: جل حتى دق فيه الأجل. فإذا كشفت عن هذا المعنى لم تجده يعني شيئا غير قوله: إن وفاة هذا الرجل لأمر عظيم يصغر بإزائه كل عظيم من الأمور. فأي عمق في هذا القول لا يدركه الأعرابي ومن هو دون الأعرابي٤. بيد أن الدليل الذي أقامه أبو الندى على أنقاض هذا الدليل؛ لإثبات أن هذه القصيدة مصنوعة، وهو أن الشاعر ذكر سلعا وسلع: جبل بالمدينة،

стр. 354

منقوض أيضا؛ فإن سلعا -كما ورد في القاموس مادة سلع، وفي معجم البلدان- اسم لعدة مواضع, ومنها كما نص الأقدمون أنفسهم جبل بهذيل, وقد وضح نقض هذا الخبر الذي يتهم خلفا بوضع هذه القصيدة ونحلها الشنفرى أو تأبط شرا أو ابن أخته، حيث قد رجح لدينا أن أكثر هذه القصيدة لا يمكن أن يكون موضوعا متكلفا منحولا. ويجدر بنا -بعد هذا- أن نورد كيف التبس الأمر على القوم في هذه القصيدة؟ فقد أورد الخالديان اثني عشر بيتا من هذه القصيدة ونسباها الشنفرى، ثم قالا: وقد زعم قوم من العلماء أن الشعر الذي كتبنا للشنفرى هو لخلف الأحمر، وهذا غلط. ونحن نذكر الخبر في ذلك: أخبرنا الصولي، عن أبي العيناء، قال: حضرت مجلس العتبي، ورجل يقرأ عليه الشعر للشنفرى، حتى أتى على القصيدة التي أولها: إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطل فقال بعض من كان في المجلس: هذه القصيدة لخلف الأحمر. فضحك العتبي من قوله, فسألناه عن سبب ضحكة؟ فقال: والله ما لآل أبي محرز خلف من هذه القصيدة بيت واحد، وما هي إلا للشنفرى، وكان لها خبر طريف لم يبق من يعرفه غيري. قلنا: وما خبرها؟ قال: جلسنا يوما بالمربد، ونحن جماعة من أهل الأدب، ومعنا خلف الأحمر نتذاكر أشعار العرب، وكان خلف الأحمر أروانا لها وأبصرنا بها، فتذاكرنا منها صدرا، ثم أفضينا إلى أشعارنا، فخضنا فيها ساعة، فبينا خلف ينشدنا قصيدة له في روي قصيدة الشنفرى هذه وقافيتها, يذكر فيها ولد أمير المؤمنين عليهم الرحمة، وما نالهم وجرى عليهم من الظلم، إذ هجم علينا الأصمعي، وكان منحرفا عن أهل البيت، وقد أنشد خلف بعض الشعر، فلما نظر الأصمعي قطع ما كان ينشده من شعره ودخل في غيره إلا أنه على الوزن والقافية، ولم يكن فينا أحد عرف هذا الشعر ولا رواه للشنفرى، فتحيرنا لذلك وظنناه شيئا عمله على البديهة. فلما انصرف الأصمعي قلنا له: قد عرفنا غرضك فيما فعلت, وأقبلنا نطريه

стр. 355

ونقرظه، فقال: إن كان تقريظكم لي لأني عملت الشعر، فما عملته والله، ولكنه للشنفرى يرثي تأبط شرا، ووالله لو سمع الأصمعي بيتا من الشعر الذي كنت أنشدكموه ما أمسى أن يقوم به خطيبا على منبر البصرة فيتلف نفسي. فادعاء شعر، لو أردت قول مثله ما تعذر علي، أهون عندي من أن يتصل بالسلطان، فألحق باللطيف الخبير. قال أبو العيناء: فسألنا العتبي شعر خلف الذي ذكر فيه أهل البيت، فدافعنا مدة, ثم أنشد: قدك مني صارم ما يفل ... وابن حزم عقده لا يحل ينثني باللوم من عاذليه ... ما يبالي أكثروا أم أقلوا "وهي ٤٧ بيتا أوردها كلها، ثم قال": كتبنا هذه القصيدة بأسرها؛ لأنها في سادتنا ﵈، ولأنها أيضا غريبة لا يكاد أكثر الناس يعرفها١.

стр. 356

شعر أمية بن أبي الصلت الديني ... شعر أمية بن أبي الصلت المديني: ومن أشهر من شك في شعر أمية بن أبي الصلت الدكتور طه حسين، والواقع أن الدكتور طه حسين لم يشك في شعر أمية وحده, إنما أمسك بمعول الشك يهدم به الشعر الجاهلي ولا سيما ذلك الذي ينسب إلى ربيعة، واليمن. وقد شك بخاصة في شعر شعراء سماهم بأسمائهم, وهم: امرؤ القيس، وعلقمة, وعبيد بن الأبرص، وعمرو بن قميئة, ومهلهل، وعمرو بن كلثوم، وطرفة، والحارث بن حلزة, والمتلمس، والأعشى ... أما شعراء مضر، فقد وقف منهم موقفا وسطا بين القبول والرفض. وقد قال في كتابه "في الشعر الجاهلي" الذي أحدث ضجة كبرى في الأوساط الأدبية والدينية بمصر وغير مصر: "ولنا في شعر مضر رأي غير رأينا في شعر اليمن وربيعة؛ لأننا نستطيع أن نؤرخه ونحدد أوليته تقريبا، ولأننا نستطيع أن نقبل بعض قديمه دون

стр. 357

أن تحول بيننا وبين ذلك عقبة لغوية عنيفة، وإذًا فنحن نستطيع أن نستأنف هذا البحث في سفر آخر، وسترى أن الشعراء الجاهليين من مضر قد أدركوا الإسلام كلهم أو أكثرهم، فليس غريبا أن يصح من شعرهم شيء كثير"١، وقد وفى بوعده فذكر في كتابه: "في الأدب الجاهلي" رأيه في الشعر المضري الذي يتلخص في قوله: "ونحن لا نقف من الشعر المضري الجاهلي موقف الرفض أو الإنكار؛ لأن الصعوبة اللغوية التي اضطرتنا إلى أن نرفض شعر الربعيين واليمنيين لا تعترضنا بالقياس إلى المضريين، فقد بينا غير مرة أننا نعتقد أن لغة القرشيين قد ظهرت في الحجاز ونجد قبيل الإسلام, وأصبحت لغة أدبية في هذا القسم الشمالي من بلاد العرب. وإذًا فليس يبعد -بوجه من الوجوه- أن يكون الشعراء الذين نجموا في هذه الناحية، قد قالوا الشعر في هذه اللغة القرشية الجديدة، بل نحن لا نشك في هذا ولا نتردد في القطع به ... ٢". لسنا نشك في أنه قد كان لمضر شعر في الجاهلية، ولسنا نشك أيضا في أن هذا الشعر قديم العهد، بعيد السابقة، أقدم وأبعد مما يظن الرواة والمتقدمون من العلماء. ولكننا لا نشك أيضا في أن هذا الشعر قد ذهب، وضاعت كثرته، ولم يبق لنا منه إلا شيء قليل جدا لا يكاد يمثل شيئا، وهذا المقدار القليل الذي بقي لنا من شعر مضر قد اضطرب، وكثر فيه الخلط والتكلف والنحل، حتى أصبح من العسير جدا -إن لم يكن من المستحيل- تلخيصه وتصفيته. ويلخص الدكتور طه حسين موقفه من الشعر الجاهلي بقوله: "إننا نرفض شعر اليمن في الجاهلية، ونكاد نرفض شعر ربيعة أيضا ... وأقل ما توجبه علينا الأمانة العلمية، أن نقف من الشعر المضري الجاهلي، لا نقول: موقف الرفض أو الإنكار، وإنما نقول: موقف الشك والاحتياط"٣.

стр. 358

وقد كان الباحثون من الفرنجة يرون خطأ وإنما أن القرآن تأثر باليهودية والنصرانية ومذاهب أخرى كانت شائعة في البلاد العربية وما جاورها. ولكنهم رأوا أن يضيفوا إلى هذه المصادر مصدرا عربيا خالصا، والتمسوا هذا المصدر من شعر العرب الجاهليين، ولا سيما الذين كانوا يتحنفون منهم. وزعم "كليمان هوار" -في فصل طويل, نشرته له المجلة الأسيوية سنة ١٨٠٤- أنه قد ظفر من ذلك بشيء قيم, واستكشف مصدرا جديدا من مصادر القرآن، هذا الشيء القيم وهذا المصدر الجديد هو شعر أمية بن أبي الصلت. وقد أطال "هوار" في هذا البحث, وقارن بين هذا الشعر الذي ينسب إلى أمية بن أبي الصلت وبين آيات القرآن، وانتهى من هذه المقارنة إلى نتيجتين: الأولى: أن هذا الشعر الذي ينسب إلى أمية بن أبي الصلت صحيح؛ لأن هناك فروقا بين ما جاء فيه وما جاء في القرآن من تفصيل بعض القصص، ولو كان منتحلا لكانت المطابقة تامة بينه وبين القرآن، وإذا كان هذا الشعر صحيحا فيجب في رأي الأستاد "هوار" أن يكون النبي قد استعان به قليلا أو كثيرا في نظم القرآن. الثانية: أن صحة هذا الشعر, واستعانة النبي به في نظم القرآن قد حملتا المسلمين على محاربة شعر أمية بن أبي الصلت ومحوه؛ ليستأثر القرآن بالجدة، وليصح أن النبي قد انفرد بتلقي الوحي من السماء. وعلى هذا النحو العجيب استطاع "هوار" أو خيل إليه أنه استطاع أن يثبت أن هناك شعرا جاهليا صحيحا, وأن هذا الشعر الجاهلي قد كان له -في رأيه الخاطئ- أثر في القرآن. ويعلق الدكتور طه حسين على ذلك بقوله: والغريب من أمر المستشرقين في هذا الموضوع أنهم يشكون في صحة السيرة نفسها، ويتجاوز بعضهم الشك إلى الجحود، فلا يرون في السيرة مصدرا تاريخيا صحيحا، وإنما هي عندهم طائفة من الأخبار والأحاديث تحتاج إلى التحقيق والبحث العلمي الدقيق ليمتاز صحيحها من منتحلها. هم يقفون هذا الموقف من السيرة ويغالون في هذا

стр. 359

الموقف، ولكنهم يقفون من أمية بن أبي الصلت وشعره موقف المستيقن المطمئن, مع أن أخبار أمية ليست أدنى إلى الصدق, ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة. فما سر هذا الاطمئنان الغريب إلى نحو من الأخبار, دون النحو الآخر؟! أيمكن أن يكون المستشرقون أنفسهم لم يبرءوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات؟! ويقف الدكتور طه حسين من شعر أمية نفس الموقف الذي وقفه من شعر الجاهليين جميعا، فيقول: "وحسبي أن شعر أمية بن أبي الصلت لم يصل إلينا إلا من طريق الرواية والحفظ لأشك في صحته كما شككت في صحة امرئ القيس والأعشى وزهير، وإن لم يكن لهم من النبي موقف أمية بن أبي الصلت". ثم إن الموقف نفسه، يحملني على أن أرتاب في شعر أمية بن أبي الصلت، فقد وقف أمية من النبي موقف الخصومة، هجا أصحابه، وأيد مخالفيه، ورثى أهل بدر من المشركين، وكان هذا وحده يكفي لينهى عن رواية هذا الشعر، وليضيع هذا الشعر كما ضاع الكثير من الشعر الوثني الذي هجي فيه النبي وأصحابه حين كانت الخصومة شديدة بينهم، وبين مخالفيهم من العرب الوثنيين واليهود. وليس يمكن أن يكون من الحق في شيء أن النبي نهى عن رواية شعر أمية لينفرد بالعلم والوحي وأخبار الغيب؛ فما كان شعر أمية بن أبي الصلت إلا شعرا كغيره من الشعر، لا يستطيع أن ينهض للقرآن كما لم يستطع غيره من الشعر أن ينهض القرآن. وما كان علم أمية بن أبي الصلت بأمور الدين إلا كعلم أحبار اليهود ورهبان النصارى، وقد ثبت النبي لأولئك وهؤلاء واستطاع أن يغلبهم، فأمر النبي مع أمية بن أبي الصلت كأمره مع هؤلاء الشعراء الكثيرين الذين هجوه وناهضوه وألبوا عليه. ومن هنا تستطيع أن تفهم ما يروى من أن النبي أنشد شيئا من شعر أمية فيه دين وتحنف، فقال: "آمن لسانه وكفر قلبه". آمن لسانه لأنه كان يدعو إلى مثل ما كان يدعو إليه النبي، وكفر قلبه لأنه كان يظاهر المشركين على صاحب هذا الدين محمد الصادق الأمين، فأمره كأمر هؤلاء اليهود الذين أيدوا النبي ووادعوه، حتى إذا

стр. 360

خافوه على سلطانهم السياسي والاقتصادي والديني ظاهروا عليه المشركين من قريش. ليس إذًا شعر أمية بن أبي الصلت بدعا في شعر المتحنفين من العرب أو المتنصرين أو المتهودين منهم، وليس يمكن أن يكون المسلمون قد تعمدوا محوه إلا ما كان منه هجاء للنبي وأصحابه ونعيا على الإسلام، فقد سلك المسلمون فيه مسلكهم في غيره من الشعر الذي أهمل حتى ضاع. ولكن في شعر أمية أخبارا وردت في القرآن: كأخبار ثمود، وصالح، والناقة، والصيحة. ويرى "هوار" أن ورود هذه الأخبار في شعر أمية مخالفة بعض المخالفة لما جاء في القرآن, دليل على صحة هذا الشعر من جهة، وعلى أن النبي -كما يزعم كذبا هوار- قد استقى منه أخباره من جهة أخرى. ولكن من الذي زعم أن ما جاء في القرآن من الأخبار كان مجهولا من قبل؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن كثيرا من القصص القرآني كان معروفا بعضه عند اليهود وبعضه عند النصارى وبعضه عند العرب أنفسهم؟ ولم يكن من العسير إذًا أن يعرفه المتصلون بأهل الكتاب. ثم كان النبي وأمية متعاصرين، فلم يكون النبي هو الذي أخذ عن أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ عن النبي؟ ثم من الذي يستطيع أن يقول: إن من يتحمل الشعر ليحاكي القرآن ملزم أن يلائم بين شعره وبين نصوص القرآن؟ أليس من المعقول أن يخالف بينهما ما استطاع؛ ليخفي الانتحال ويوهم أن شعره صحيح لا تكلف فيه, ولا تعمل؟ بلى. ثم يلخص طه رأيه في شعر أمية وغيره من المتحنفين، فيقول١: "ونحن نعتقد أن هذا الشعر الذي يضاف إلى أمية بن أبي الصلت, وإلى غيره من المتحنفين الذين عاصروا النبي أو جاءوا قبله، انتحل انتحالا، انتحله المسلمون ليثبتوا إن للإسلام قدما وسابقة في البلاد العربية. ومن هنا لا نستطيع أن نقبل ما يضاف إلى هؤلاء الشعراء والمتحنفين إلا مع شيء من الاحتياط والشك غير قليل".

стр. 361

ونحن مع الدكتور طه حسين في دفاعه القوي البليغ عن القرآن في هذا الموضع من كتابه، ضد بعض المستشرقين الذين اصطنعوا هذا الأسلوب المشين للتشكيك في القرآن، واتخذوا من البحث في شعر أمية بن أبي الصلت تكأة للنيل من الإسلام, ولكننا لسنا معه في الشك في شعر أمية بن أبي الصلت جملة وتفصيلا، وإن كنا نعتقد أن كثيرا من شعر أمية قد ضاع، فقد وقف الحجاج بن يوسف الثقفي -يوما- على المنبر، فقال: "ذهب قوم يعرفون شعر أمية، وكذلك اندراس الكلام!! "، وبين الحجاج وأمية نحو من ثمانين سنة. كما أن طائفة منه قد تعرضت للنحل والوضع, وقد نص النقاد على بعض مواضع الانتحال؛ فالأصمعي ينفي عنه القصيدة المنسوبة إليه التي منها: من لم يمت غبطة يمت هرما ... الموت كأس فالمرء ذائقها وينسبها لرجل من الخوارج، ونقد قوله: "الموت كأس". أما من نسب هذه القصيدة لأمية فهو الزبير بن بكار عن شيوخه, وعن الحسن البصري أيضا. وقد سبق أن ذكرنا حديث النابغة الجعدي مع الحسن بن علي، حين أنشده قصيدته: الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما فقال له الحسن: با أبا ليلى، ما كنا نروي هذه الأبيات إلا لأمية بن أبي الصلت. قال: يابن رسول الله، والله إني لأول الناس قالها. كما نلاحظ أن بعض شعر أمية مشكوك في نسبته إليه، وقد نص بعض المؤرخين على شعر له يروى لشعراء آخرين، كما فعل ابن هشام في تعقيباته على ابن إسحاق١. والقصيدة التي منها: من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما

стр. 362

نسبها يونس للنابغة الجعدي، ونسبها أبو عبيدة لأمية، ثم سئل خلف الأحمر عنها فقال: للنابغة، وقد يقال: لأمية. واختلاف الرواة في نسبة الشعر الجاهلي لا يعني أن هذا الشعر منحول؛ لأن هذا الخلاف لا يخرجه عن نطاق الشعر الجاهلي. ومعنى هذا أن جاهلية هذا الشعر لا شك فيها عند الرواة، وإنما الخلاف في قائليها. ومن الممكن ترجيح نسبة القصيدة لشاعر بعينه, إذا كانت مشاكلة لشعره، وتبدو فيها شخصيته. وكان الجاحظ يقول إذا ما شك في نسبة الشعر: "وقال أمية, إن كان قالها". وما ذكره الدكتور طه من أن النبي -صلى الله عليه وسم- نهى عن رواية شعر أمية، وأن هذا وحده كافٍ لأن يضيع هذا الشعر، يرده ما جاء في الحديث الصحيح، من أن النبي استشهد رجلا شعر أمية، فظل ينشده حتى أنشد مائة بيت. ولو صح أن النبي نهى عن شعره لكان هذا النهي مقصورا على قصيدة أمية التي رثى بها قتلى قريش في وقعة بدر ... على أنا نجد هذه القصيدة التي يقولون: إن النبي ﷺ نهى عن روايتها, واردة في بعض كتب السير والمغازي, وقد رواها ابن هشام في نحو ثلاثين بيتا. وينكر الدكتور طه حسين كل ما يروى من الشعر والأخبار الممهدة للبعثة النبوية, مع أن انتظار بعض علماء العرب وكهانهم وأحبار اليهود ورهبان النصارى لبعثة نبي عربي من المسائل التي ذكرها القرآن. ثم ما الذي يمنع أن يسبق نبوة محمد ﷺ شعر أو خبر يتصل بها؟ ليس هناك ما يمنع من ذلك!! وإنما شأن هذه الأشعار والأخبار الممهدة لرسالة النبي الكريم شأن الأشعار الجاهلية كلها، أن توضع على محكّ النقد الصحيح، ويفحص ما يرد في هذا الصدد فحصا دقيقا حتى يتميز صحيحه من فاسده، ويتخذ مكانه من الوضع أو الضعف أو الصحة. وكذلك فعل العلماء الثقات؛ فحكموا على جانب من ذلك بالوضع والنحل، كالأخبار والأشعار المعزوَّة إلى قس بن ساعدة.

стр. 363

على أننا لا يمكن أن نتجاهل -كما يقول نيكلسون- أن قدرا كبيرا من المشاعر الدينية ممثل في الشعر الجاهلي، وإذا كان قد سبق قول بعض العلماء بأن بعض تلك القصائد منحول، فإن هذا القول لم يعد قائما، والفضل في تقويضه أولا إلى فون كريمر، وسير شارلس ليال، وفلهاوزن؛ لأنهم أثبتوا: أ- أن الشعور الديني الذي تمثله هذه القصائد ليس في كثير من الحالات إسلاميا في لهجته. ب- وأن الموضوعات التي ورد فيها ليست من الإسلام. جـ- وأنه نتيجة طبيعية لتأثير المسيحية واليهودية الذي عم انتشاره١. ولننتقل بعد هذا لدراسة الدواوين الشعرية، وهي على نوعين: دواوين القبائل, والدواوين المفردة.

стр. 364

دواوين القبائل الحجازية: فأما "دواوين القبائل" فتطلق على تلك المجموعات الشعرية التي تشتمل كل ضميمة منها على شعر شعراء القبيلة وما يتصل بذلك من أنساب وأخبار وقصص وأحاديث ... وهذه الدواوين تسمى مرة "كتبا" ومرة أخرى "أشعارا". وقد عد طائفة منها: "ابن النديم" في "الفهرست"، والآمدي في "المؤتلف والمختلف". أما ابن النديم فقد ذكر تسعة وعشرين ديوانا من دواوين القبائل العربية عامة، نسب ثمانية وعشرين منها إلى صانعها أبي سعيد السكري، وواحدا منها إلى ابن الكلبي. وأما الآمدي فقد ذكر منها ستين ديوانا لم ينسبها إلى جامع أو صانع من الرواة العلماء، ما عدا إشارة إلى ديوانين منها، وهما: "أشعار بني تغلب"، و"أشعار الرباب"، فقد قال عن الأول في معرض حديثه عن ابن جعيل التغلبي: "وله فيما تنخلته من أشعار بني تغلب مقطعات حسان"، كما قال عن الثاني: "ووجدت في أشعار الرباب

стр. 365

عن المفضل وحماد ... إلخ"، مما يشير إلى أن ديوان الرباب كله -أو جله- عن المفضل وحماد, وهذه الوفرة العددية في دواوين القبائل، ما هي إلا غيض من فيض. فالسكري لم يصنع من دواوين القبائل العربية إلا جزءا، إذ لم يتح له أن يستوعب القبائل كلها، وأبو عمرو الشيباني ذكر له البغدادي ديوان بني تغلب، وديوان بني محارب، ولم يذكر له ابن النديم شيئا, مع أنه -كما روى ابنه عمرو- جمع أشعار نيف وثمانين قبيلة، كل قبيلة وحدها في ديوان مستقل١. فكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها للناس كتب مصحفا وجعله في مسجد الكوفة، حتى كتب نيفا وثمانين مصحفا بخطه. هذا فضلا عما صنعه الرواة الثقات الآخرون ممن لم نذكرهم، أمثال: معمر بن المثنى، وخالد بن كلثوم الكلبي، ومحمد بن حبيب. ومع هذا المجهود الضخم الذي بذله العلماء الثقات في جمع أشعار القبائل، وكثرة الأسماء التي ذكرتها المصادر، فإن ابن قتيبة يقول: "والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام أكثر من أن يحيط بهم محيط، أو يقف من وراء عددهم واقف، ولو أنفد عمره في التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال، ولا أحسب أحدا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعر إلا عرفه، ولا قصيدة إلا رواها"٢ وما أشد أسف الباحث، إذا ما علم أن هذا الكنز الثمين من دواوين القبائل العربية، لم تبق لنا منه أيدي الضياع إلا ديوانا واحدا هو: "ديوان هذيل" الذي سنتحدث عنه عما قليل. والذي يهمنا في هذا البحث هو دواوين القبائل الحجازية التي استطعنا تجريدها مما ذكره الآمدي وابن النديم؛ فقد ذكر الآمدي ثمانية عشر ديوانا حجازيا، كما ذكر ابن النديم تسعة دواوين حجازية انفرد بديوان واحد منها هو: "أشعار بني مخزوم" واشترك مع الآمدي في ثمانية منها، وهي: أشعار أشجع، وأشعار بجيلة، وأشعار بني عدوان، وأشعار بني فزارة، وأشعار فهم، وأشعار كنانة, وأشعار مزينة، وأشعار هذيل, كما انفرد الآمدي بذكر عشرة دواوين.

стр. 366

وهذا ثبت بأسماء دواوين القبائل الحجازية: ثبت بأسماء دواوين القبائل الحجازية: ١- كتاب أشجع. ٢- كتاب بجيلة. ٣- كتاب جهينة. ٤- كتاب بلي. ٥- كتاب خثعم. ٦- كتاب خزاعة. ٧- كتاب بني سليم. ٨- كتاب عدوان. ٩- كتاب بني عذرة. ١٠- كتاب فزارة. ١١- أشعار فهم. ١٢- كتاب بني فريظة. ١٣- أشعار بني مخزوم. ١٤- كتاب كنانة. ١٥- كتاب بني مرة بن عوف. ١٦- كتاب مزينة. ١٧- كتاب نهد. ١٨- كتاب بني هاشم. ١٩- شعر هذيل. ونحب أن نلاحظ أننا أغفلنا بعض الأسماء المشتركة بين القبائل الحجازية وغير الحجازية، كبني عدي, وبني سعد.

стр. 367

ديوان الهذليين: والديوان الوحيد الذي بقي لنا من دواوين القبائل الحجازية، بل من دواوين القبائل العربية كافة، هو ديوان الهذليين. قال أبو سعيد: "قيل لحسان بن ثابت الأنصاري, ﵁: أي الناس أشعر؟ فقال: رجل بأذنه، أم قبيل بأسره؟ قال: بل قبيل بأسره، قال: هذيل فيهم نيف وثلاثون شاعرا أو نحو ذلك، وبنو سنان مثلهم مرتين ليس فيهم شاعر واحد". وإذا فهمنا من هذا النص أن جميع من روي له شعر من هذيل "نيف وثلاثون شاعرا أو نحو ذلك"، يكون ديوان هذيل الذي بين أيدينا قد ضم بين دفتيه جميع

стр. 368

هؤلاء الشعراء، إذ إن ديوان الشعراء الهذليين فيه نحو من أربعين شاعرا. بيد أن أكثر من نصفهم قد روي لكل منهم أقل من خمسة وعشرين بيتا، بل إن بعض هؤلاء لم يرو له إلا بيتان أو ثلاثة أو أربعة. أما الشعراء الذين تجاوز شعرهم مائة بيت فسبعة فقط. وإذا كان غير محتمل أن يسمي حسان -في عبارته المتقدمة- من لم يقل إلا البيتين أو الثلاثة أو الأربعة شاعرا، فنحن إذًا بين اثنتين: إما أن يكون عدد الشعراء كاملا أو مقاربا، ولكن ما روي لهم من الشعر ناقص غير مستوفى، وإما أن يكون كثير من الشعراء لم يذكروا في الديوان الذي بين أيدينا. وكلا الأمرين ينتهيان بنا إلى نتيجة واحدة، هي: أن ما بين أيدينا من شعر هذيل غير كامل١. ويؤكد ذلك ما قيل عن الإمام الشافعي٢ عن أنه "كان يحفظ عشرة آلاف بيت من شعر هذيل، بإعرابها وغريبها ومعانيها". والذي بين أيدينا من هذا الشعر -في أطول رواياته- لا يكاد يبلغ ثلاثة آلاف بيت. والشعر الذي بين أيدينا للهذليين أقل من نصف ما كان يحفظه الشافعي، كما أن بعض العلماء قد استدركوا ما فات السكري ذكره من شعر هذيل، ومنهم ابن جني الذي ألف كتاب "التمام في تفسير أشعار هذيل" مما أغفله أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري ﵀ وحجمه خمسمائة ورقة، بل يزيد على ذلك٣. وقد طبع ديوان هذيل في مجموعتين: الأولى في أوروبا، والثانية في مصر. وهناك أربع مجموعات: ١- "شرح أشعار الهذليين، صنعة أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري" طبعت في لندن سنة ١٨٥٤م، بتحقيق وتقديم المستشرق جودفري وزكوجارتن.

стр. 369

٢- "أشعار الهذليين, ما بقي منها في النسخة اللندنية غير مطبوع"، طبعت في برلين سنة ١٨٨٤م، وفيها تعليقات وترجمة للشعر باللغة الألمانية، للمستشرق فلهاوزن. ٣- "ديوان أبي ذؤيب"، وهو الجزء الأول من "مجموع دواوين من أشعار الهذليين"، نشره المستشرق الألماني يوسف هل، وطبعه في هانوفر سنة ١٩٢٦. ٤- "أشعار ساعدة بن جؤية، وأبي خراش، والمتنخل، وأسامة بن الحارث", وهو الجزء الثاني من "مجموعة أشعار الهذليين" نشرها يوسف هل، في ليبزج سنة ١٩٣٣. وقد طبعت المجموعتان الأولى والثانية عن نسخة مخطوطة مضبوطة قديمة محفوظة في ليدن، كتبت في سنة ٥٢٩-٥٣٩هـ، كتبها محمد بن علي بن إبراهيم بن زبرج العتابي ٤٨٤-٥٥٦هـ، وكان إماما في النحو وعلوم العربية، مشهورا بجودة الخط مع الصحة والضبط، وقد نقلها من نسخة بخط السمسمي المتوفى سنة ٤٢٥هـ، والمعروف بإتقان الخط والتحقيق، والذي ذكر العتابي في آخر المخطوطة أنه قابلها أيضا بنسخ أخرى؛ منها نسخة شيخه الجواليقي، ونسخة بخط الحميدي١. وقد روى هذه النسخة أبو الحسن علي بن علي بن عبد الله الرماني ٢٩٦-٣٨٤هـ, عن أبي بكر أحمد بن محمد بن عاصم الحلواني "بينه وبين أبي سعيد السكري نسب قريب، فروى عنه كتبه وكانت كثيرا ما توجد بخطه"٢، عن أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري "المتوفى سنة ٢٧٥هـ". وهكذا تنتهي رواية هذه النسخة إلى السكري, غير أنها ناقصة، والموجود منها هو الجزء الثاني فقط، وهو المطبوع في لندن سنة ١٨٥٤م، وفي برلين سنة ١٨٨٤م, وهي تظهر لنا صدق الأقدمين في وصفهم السكري بأنه كان الغاية في الجمع.

стр. 370

وقد اعتمد السكري في جمعه ديوان هذيل على ثلاث روايات، هي: أ- رواية بصرية: الرياشي، عن الأصمعي، عن عمارة بن أبي طرفة الهذلي. ب- ورواية كوفية: محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني. جـ- ورواية جمعت بين الروايتين: محمد بن الحسن الأحول، عن عبد الله بن إبراهيم الجمحي١. وقد نص السكري على كل قصيدة انفرد بها بعض هؤلاء الرواة دون غيرهم، وترك القصائد التي أجمعوا جميعا عليها من غير أن ينص على روايتها، وحسبنا أمثلة قليلة توضح ذلك: أ- فقد أورد تسعة عشر بيتا لمالك بن الحارث، اتفق الرواة جميعا على نسبة الأبيات الستة الأولى منها له، ثم اختلفوا بعد ذلك؛ فمنهم من جعل بقيتها قصيدة منفصلة نسبوها لتأبط شرا, يرد بها على مالك بن الحارث، ومنهم من جعلها كلها قصيدة واحدة منسوبة إلى مالك؛ ولذلك قال السكري عند البيت التاسع منها: "هذا آخر ما في رواية الجمحي وأبي عبد الله، قالا: فأجابه تأبط شرا الفهمي ثم العدوي به، وأما أصحاب الأصمعي فيجعلونها قصيدة واحدة, ويروونها لمالك بن الحارث إلى آخرها". ب- وأورد قصيدة لحبيب الأعلم، وقال في مقدمتها: "لم يروها أبو نصر, ولا أبو عبد الله، ورواها الباهلي والجمحي". جـ- وأورد قصيدة لساعدة بن العجلان، وقال في مقدمتها: "رواها الأصمعي، ولم يروها ابن الأعرابي". د- وأورد عشرة أبيات لساعدة بن العجلان، قال عند البيت السادس منها: "هذا آخرها في رواية الأصمعي، والباقي عن الجمحي والباهلي وأبي نصر وأبي عمرو, قال أبو نصر: لم يرو الأصمعي من ههنا إلى آخرها". هـ- وأورد قصيدة لأبي جندب، قال عند البيت الرابع منها: "هذا أولها عند أبي عبيدة".

стр. 371

و وأورد قصيدة لأبي جندب أيضا، قال في مقدمتها: "رواها الأصمعي، ولم يروها ابن الأعرابي ولا أبو عمرو ولا الجمحي". ز- وقصيدة أخرى لأبي جندب، قال في مقدمتها: "قال الأصمعي: وتروى لأبي ذؤيب". حـ- وقصيدة رابعة لأبي جندب، قال في مقدمتها: "لم يروها أبو عبد الله ولا أبو نصر ولا الأخفش، ورواها أبو نصر والجمحي"١. ولم يكتف السكري بهذا، وإنما زاد على ذلك أن نص على رواية الأبيات التي اختلفوا عليها، فكان يذكر البيت -في القصيدة- ثم ينص على أن فلانا لم يروه وأن فلانا رواه؛ فمن ذلك: أ- أنه أورد بيتا في قصيدة لصخر الغي، ثم قال: "لم يرو هذا البيت والبيتين بعده الأصمعي، ورواها الجمحي وابن الأعرابي". ب- وأورد بيتا في قصيدة أخرى لصخر أيضا، ثم قال: "رواه أبو عبد الله الجمحي". جـ- وأورد بيتا لأبي المثلم، ثم قال: "لم يرو هذا البيت والبيتين اللذين بعده أحد غير الباهلي عن الأصمعي، ولم يرو هذا أبو عمرو ولا أبو عبد الله ولا أبو نصر ولا الأخفش". د- وأورد بيتا لصخر الغي، وقال: "لم يرو هذا البيت والبيت الذي بعده الأصمعي وأبو عبد الله". هـ- وأورد بيتا في قصيدة لأبي المثلم، وقال: "رواه الجمحي وأبو عمرو وأبو عبد الله". و وذكر بيتا آخر من القصيدة نفسها، وقال: "لم يروه والبيت الذي بعده إلا أبو عمرو وأبو عبد الله والجمحي". ز- وأورد أرجوزة لصخر الغي، قال عنها: "وروى الأصمعي من هذه الأرجوزة ثلاثة أبيات عليها صح صح، وسائرها عن أبي عبد الله والجمحي"٢.

стр. 372

ح- وقال عن بيت في قصيدة أخرى لصخر: "لم يروه الأصمعي، ورواه أبو عبد الله والجمحي". ط- وقال عن بيت آخر في القصيدة نفسها: "لم يروه إلا عبد الله وأبو عمرو والجمحي". ي- وأورد بيتا في قصيدة لعامر بن العجلان، ثم قال: "لم يروه والبيت الذي بعده الأصمعي، ورواهما أبو عمرو الجمحي وأبو عبد الله". ك- وأورد بيتا في قصيدة لأبي جندب، ثم قال: "لم يروه أبو عبد الله ولا أبو نصر ولا الأخفش، ورواه الجمحي وأبو عمرو والأصمعي"١. وقد ذهب السكري إلى أبعد من ذلك في تحريه ودقته؛ فقد نص -في داخل البيت نفسه- على روايات ألفاظه المختلفة، فذكر في كثير من الأبيات رواية الأصمعي أو أبي عمرو أو ابن الأعرابي أو ابن حبيب أو الجمحي أو الأخفش لهذه اللفظة أو لتلك. وقد قدم السكري بذكره رواية الديوان في مجموعه، ثم رواية القصيدة في جملتها، ثم رواية الأبيات المفردة في القصيدة الواحدة، ثم رواية الألفاظ في البيت الواحد، فقدم مادة خصبة للدرس، إذ يستطيع الدارس المتتبع أن يستخرج رواية الديوان البصرية, أي: رواية الأصمعي، ويفردها وحدها، ويستطيع كذلك أن يستخرج رواية الديوان الكوفية, أي: رواية ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني، ويفردها وحدها، ثم يثبت ما بينهما من اختلاف واتفاق، وينتهي من كل ذلك إلى دراسة ممتعة لهذا الديوان. هذه هي النسخة الليدنية التي طبعت منها المجموعتان الأولى والثانية من الطبعة الأوروبية، وأما المجموعة الثالثة وهي "ديوان أبي ذؤيب" التي طبعها يوسف هل في هانوفر سنة ١٩٢٦، فمع أنه طبعها عن نسخة في دار الكتب, رقمها ١٩ أدب ش, إلا أن هذه النسخة أيضا من رواية السكري.

стр. 373

ويرجح الدكتور ناصر الدين الأسد١ أنها منقولة عن النسخة الليدنية أو عن نسخة منقولة عنها، فتكون بذلك جزءا من القسم الأول المفقود من النسخة الليدنية. وأما المجموعة الأخيرة من الطبعة الأوروبية، وهي: مجموعة أشعار الهذليين, "الجزء الثاني" المطبوعة في ليبزج سنة ١٩٢٣، بتحقيق يوسف هل، وتشتمل على أشعار ساعدة بن جؤية, وأبي خراش، والمتنخل, وأسامة بن الحارث, فمتفقة في إيراد الشعر وترتيبه وشرحه، مع ما ورد من أشعار هؤلاء الشعراء الأربعة في طبعة دار الكتب؛ ولذلك نستغني عنها بما سنورده من حديث عن هذه الطبعة.

стр. 374

طبعة دار الكتب: وأما طبعة دار الكتب، فمأخوذة من نسخة خطية محفوظة في الدار، برقم٦ أدب ش، مكتوبة بخط مغربي، وكانت ملك الشيخ محمد الشنقيطي، وقد كتب عليها: "ملك هذا المجموع محمد محمود بن التلاميذ الشنقيطي المدني ثم المكي، وكتبه مالكه وواقفه محمد محمود سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف". وأصل هذه النسخة بخط يحيى بن المهدي الحسيني، كتبه سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة. وفي أول الأصل هذه المقدمة "كتاب ديوان الهذليين", وهو يشتمل على ثمانية أجزاء: خمسة منها من رواية أبي سعيد عن الأصمعي، وهي الثاني والثالث والرابع والخامس والسابع. ولم نظفر من نسخة رواية أبي سعيد إلا بهذه الخمسة، وضاع الثاني، وهي ثلاثة من نسخة الأصل، ثم وقفنا بعد ذلك على نسخة أخرى ليست من رواية أبي سعيد، وهي كتاب واحد غير مجزأ يخالف نسخة رواية أبي سعيد في الترتيب وفي رواية بعض الأشعار ونسبتها إلى قائليها، فأخذنا ما وجدناه فيها مما ليس رواية أبي سعيد، وقسمناه إلى ثلاثة أجزاء، وهي: الأول والسادس والثامن، وجعلناه تماما لهذه النسخة، وألحقنا كل شيء من ذلك بموضعه اللائق به حسبما أمكن, وبالله تعالى التوفيق".

стр. 375

والشرح في هذه النسخة مختصر موجز، والرواية فيها قليلة لا تكاد تسعف الدارس, وذكر أبي سعيد فيها فيه لبس وإبهام، فهو أحيانا أبو سعيد السكري، كما في قوله: "قال أبو سعيد: وحدثني الرياشي, قال: الأصمعي"، وأحيانا أخرى أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي، ونستدل على ذلك ممن يروي عنهم، وذلك مثل قوله: "وأنشدنا أبو سعيد، قال: وأنشدنا أبو عمرو بن العلاء" وكثيرا ما يورد شروحا أو استشهادات شعرية يرويها عن أبي عمرو بن العلاء. ومثل قوله: "وسمعت عيسى بن عمر يقول" أو "حدثني عيسى بن عمر"، وقوله: "قال أبو سعيد: وحدثنا شعبة عن سماك بن حرب"، وقوله: "قال أبو سعيد: سألت ابن أبي طرفة عن هذا فلم يعرفه, ولم يكن عند أبي عمرو فيها إسناد"، وقوله: "قال أبو سعيد: وأنشدنا الهذلي"١.

стр. 376

الداواوين المفردة ... الدواوين المفردة: وأما الدواوين المفردة فتعتبر أهم المصادر التي يجب أن يعتمد عليها الباحث في دراسة الشعر الجاهلي، بعد تصفيتها وتنقيتها واستخلاص ما أجمع عليه الرواة من ديوان كل شاعر. ولعل الطريقة المثلى لدراسة هذه الدواوين -كما يراها بعض الباحثين- هي: ١- أن ندرس الروايات المختلفة لديوان الشاعر دراسة مقارنة. ٢- ثم نفرد القدر الذي اتفق عليه العلماء الرواة جميعهم واشتركوا في روايته؛ لنتخذه أصلا معتمدا لديوان الشاعر. ٣- وبعد ذلك ندرس هذا القدر المشترك دراسة دقيقة، تكشف عن خصائص الشاعر الفنية التي تميز شخصيته الأدبية. ٤- ثم نتخذ هذا المقياس الفني الذي نستخرجه محكا نعرض عليه القصائد المتفرقة التي انفرد كل عالم راوية بروايتها، فما استقام منها مع هذا المقياس ترجحت صحته وضممناه إلى الديوان، وما لم يستقم رجحنا أنه مما اختلطت نسبته على ذلك الراوية العالم. هذه الطريقة إن لم تنته بنا إلى يقين نقطع به، فستنتهي بنا إلى شبه يقين نطمئن إليه١. وما أجدر الباحث في الشعر الحجازي الجاهلي أن يتخذ له من هذا المنهج القويم نبراسا يضيء له السبيل لدراسة الدواوين والمجموعات الشعرية الحجازية؛ كديوان حسان, وقيس بن الخطيم، والنابغة، والخنساء، وأمية بن أبي الصلت، ودريد بن الصمة, وغيرهم، يستقصي مخطوطات كل ديوان ورواياته المختلفة، ثم يوازن بينها ويستخلص القدر المشترك, ثم يدرسه دراسة فنية تكشف عن شخصية الشاعر، ثم يضيف من الروايات المختلف عليها ما يشاكل روح هذه الشخصية. وكنا نود القيام بهذا لولا أن هذا العمل يحتاج إلى مجهود خاص ودراسة خاصة ليس هذا الكتاب مجالها. ومع هذا فسنطبق هذا المنهج إلى حد ما على بعض الشعراء الحجازيين -على سبيل المثال- مستعينين بمن سبقنا من الباحثين. ومن المجموعات الشعرية التي رويت في القرن الثاني الهجري، تلك المجموعة التي تضم شعر امرئ القيس، والنابغة، وزهير، وطرفة، وعلقمة، وعنترة؛ لأن هؤلاء الشعراء منذ عهد طويل، هم في المرتبة الأولى عند كثير من نقاد الأدب العربي, وقد أخملوا كثيرا من شعراء زمانهم، ولم يلحقهم من أتى بعدهم، وكان لهم تأثير قوي على الأدب العربي. وكان هؤلاء الشعراء الذين ضمت هذه المجموعة دواوينهم في الصدارة من ثبت

стр. 377

الشعراء الجاهليين، بل شعراء العربية قاطبة؛ وذلك لأنهم -فضلا عما تقدم- لم تكن حياتهم محدودة راكدة ليس فيها إلا حوادث البادية المألوفة كما كان حال غيرهم من الشعراء، بل شهدوا حوادث لها أثر في تاريخ الأمة العربية، وذات أثر فعال في مقومات شخصيتها، واتصلوا بأشخاص لهم وزنهم في التاريخ، وبذلك كان شعرهم موضع اهتمام منذ قيل، ووجد فيه علماء اللغة وطلاب الأدب والمعاني جل طلباتهم، فعكفوا على درس شعرهم منذ جمع قبيل منتصف القرن الثاني للهجرة، في كل صقع حل به العرب، وشرح شعرهم عشرات من العلماء، وليس بصحيح ما قيل من أن الاهتمام بشعرهم كان وقفا على أهل المغرب، وربما نجم هذا الظن من كثرة المخطوطات التي عثر عليها بخط مغربي، فإن ثمة نسخا أخرى وجدت بالخط النسخي، كما أن المشارقة عنوا جد العناية بشرح شعرهم١، وقد نشر هذه المجموعة وليم بن الورد البروسي W. Ahlwardt سنة ١٨٧٠م بلندن، وكتب لها مقدمة قيمة بعد أن راجع عدة مخطوطات، وقد جاء في مقدمته: "إن هذه المجموعة رواها أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى، المعروف بالأعلم الشنتمري النحوي اللغوي ٤١٠-٤٧٠هـ، وله عليها شرح كامل وقد قال في مقدمتها: إنه اعتمد القصائد التي رواها الأصمعي وعدها صحيحة، وأضاف إلى كل شاعر ما رآه بعض الرواة الثقات غير الأصمعي صحيحا، وقد كان الأصمعي يعرف هذه القصائد كذلك، بيد أنه شك فيها أو رآها منحولة. ويظهر أن الأصمعي كان له شرح على هذه المجموعة, يدل على ذلك أن الأعلم الشنتمري كثيرا ما يرجع إلى تفسير الأصمعي فيقول: "الأصمعي يفسر هذه الكلمة بكذا"، و"الأصمعي لا يعترف بهذا البيت"، وغير ذلك من التعليقات التي اعتمد فيها على الأصمعي.

стр. 378

وثمة نسخ أخرى تضم دواوين بعض شعراء هذه المجموعة, مثال ذلك: شعر زهير بن أبي سلمى فقد رواه ثعلب، وقد روى أبو بكر محمد بن القاسم -المعروف بابن الأنباري- ديواني زهير والنابغة وشرحهما. وجمع السكري دواوين امرئ القيس، وزهير، والنابغة, وإن كان يلوح أن "الأعلم الشنتمري" لم ينتفع بمجهودات من سبقه، إذ لم يشر إليهم قط. أما القصائد التي شك فيها الأصمعي، فقد أثبتها "الأعلم" بناء على أدلة ظهرت له، وقد اعتمد في شعر النابغة ما رواه الطوسي عن ابن الأعرابي. وقد وجد "وليم بن الورد" كثيرا من الأبيات منسوبة إلى هؤلاء الشعراء في مختلف كتب الأدب، فاسترعى ذلك نظره، وأخذ يتساءل: هل كل هذه الأبيات مزورة، ولماذ؟ فصارت هذه الأسئلة تلح عليه ردحا طويلا من الزمن، وهو يرى هذه الأبيات تتردد في كتب أخرى منسوبة إلى هؤلاء الشعراء أنفسهم، مما قوي عنده أنها ليست مزورة، وأن الأعلم رفضها عن غير قصد؛ لأنها ليست مما رواه الأصمعي، وقد تكون من مرويات غيره. ورأى من جهة أخرى أن استشهادات ابن قتيبة في "الشعر والشعراء"، وأبي الفرج في "الأغاني"، والجوهري في "الصحاح" لا تقتصر على ما اعتمده الأعلم الشنتمري من رواية الأصمعي. ويستدرك ابن الورد، فيقول: "إن بعض هذه الأبيات مشكوك فيه لا ريب في ذلك، وبعضها جاء من اختلاط الأسماء"، ويضرب على ذلك مثلا كلمة "بجل"؛ فالجوهري يستشهد على تفسيرها ببيتين من الشعر وينسبهما إلى زهير، فيتبادر إلى الذهن أنه زهير بن أبي سلمى، ولكن ابن قتيبة ينسبها إلى زهير بن جناب، ويقع هذا التشابه في اسم النابغة، ففي نسخة باريس من هذه المجموعة تجد البيتين الآتيين منسوبين إلى النابغة الذبياني: فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا وهما للنابغة الجعدي.

стр. 379

وقد يكون التزوير ناجما عن خطأ في الرواية، فالبيت الآتي لا شك أنه من شعر الحطيئة، ولكنه منسوب للنابغة: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد ولكن معظم الأبيات صحيحة، ونسبتها إلى قائليها نسبة لا ريب فيها. وقد اعتمد ابن الورد في إخراج هذه المجموعة على عشر مخطوطات. وقد بذل ابن الورد مجهودات في إخراج هذه المجموعة التي تضم ما رواه الأصمعي من أشعار هؤلاء الفحول الستة، ولكنه لم ينشر معها شرح الأعلم الشنتمري عليها, وبعد أن فرغ من تدوين ما رواه الأصمعي ألحق به ما عثر عليه في كتب الأدب، لكل شاعر من هؤلاء الشعراء، تحت عنوان "الشعر المنحول"، وقد لا يكون كل هذا الشعر منحولا كما مر بنا، ولكنها رواية غير الأصمعي، ثم أشار في ملحق آخر إلى اختلاف النسخ، وكذلك ترتيب الأبيات في القصائد مشيرا إلى كل مخطوطة، وفي ملحق ثالث أثبت ما رواه الأعلم الشنتمري وغيره من مقدمات القصائد التي تلقي ضوءا على مناسباتها، والأسباب التي دعت إلى قولها.

стр. 380

١١- رواية ديوان النابغة: والذي يهمنا نحن هنا هو ما يتصل بشعر النابغة وزهير بوصفهما شاعرين حجازيين؛ فأما النابغة فقد روى له الأصمعي في هذه المجموعة أربعا وعشرين قصيدة فحسب، ولكن ابن الورد أضاف سبع قصائد أخرى من مرويات غير الأصمعي من مثل ما رواه أبو عمرو بن العلاء، والمفضل الضبي، وأبو سعيد السكري، والطوسي عن ابن الأعرابي, وغيرهم من الثقات. وبذلك صار ديوان النابغة ٣١ قطعة غير الملحق، ثم زاد في ملحقه للنابغة سبعا وخمسين قطعة شعرية وواحدة نثرية، وهذه القطع فيها البيت الواحد وفيها القصائد الطويلة، مثل قصيدته التي أولها: عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤي وأحجار؟ وقد نشر "ديرنبورج" Derenbourg في سنة ١٨٦٨م، في المجلة الآسيوية ديوان النابغة الذبياني نقلا عن مجموعة الأعلم الشنتمري، وأضاف إليه القصائد السبع التي رواها الطوسي عن ابن الأعرابي، ثم أفرد هذا الديوان في كتاب خاص. وقد اعتمد على مخطوطتي باريس اللتين أشرنا إليهما آنفا, وعلى مخطوطة فينا رقم ٤٥٦, وهي بخط مغربي وعليها شرح لأبي بكر البطليوسي، وقد قدم "ديرنبورج" لديوان النابغة بترجمة وافية منقولة عن كتب الأدب، كالشعر والشعراء لابن قتيبة، والأغاني لأبي الفرج, وغيرهما، مع رجوعه إلى ما كتبه المستشرقون أمثال "دي برسفال" عن العرب في الجاهلية، وله فيها مجهود خاص يستحق الثناء. ثم أصدر "ديرنبورج" في سنة ١٨٩٩ ملحقا لديوان النابغة بعد أن عثر على المخطوطة رقم ٦٥ من مجموعة Schefer في مؤتمر المستشرقين بباريس سنة ١٨٩٧، وقد كتبت هذه المخطوطة في ساوة١ ببلاد فارس, بخط أبي القاسم محمد بن أبي القاسم الخاستي في التاسع من جمادى الآخرة سنة ٥٩٢هـ. ويقول ياقوت في معجم البلدان: "كان بساوة أكبر مكتبة في العالم، وقد بلغني أن التتار أحرقوها" وقد عثر أبو القاسم في هذه المكتبة على هذه النسخة القيمة فنقلها. وفي هذه النسخة ثمانٍ وخمسون قصيدة وقطعة للنابغة الذبياني، بما في ذلك القصائد السبع التي أضافها الطوسي عن ابن الأعرابي, كما وجدت في مخطوطة "بطرسبورج". وبهامش هذه النسخة كتاب مجمع الأمثال للميداني, وهي مكتوبة بخط جميل, وفي مخطوطة "ساوة" تجد مثلا القصيدة المشهورة: أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب تسعة وعشرين بيتا، بينما هي فيما نشره ابن الورد عن الأعلم الشنتمري، وفيما نشره ديرنبورج في سنة ١٨٦٨ لا تزيد عن اثني عشر بيتا، وتراها في مخطوطة بطرسبورج عشرين بيتا. وقد وجد "ديرنبورج" في مخطوطة ساوة زيادات ليست في مخطوطة بطرسبورج غير القصيدة السابقة، وليست في ملحق ابن الورد؛ ولذلك قام

стр. 381

بنشر هذه المخطوطة فيما يتعلق بديوان النابغة فحسب، سالكا سبيل الاختصار. فالقصائد التي سبق له نشرها أو نشرها ابن الورد، أشار إليها دون أن يذكرها، ومعلقا على ترتيب الأبيات واختلافها في المخطوطات العديدة. أما القصائد التي لم تنشر من قبل, فقد أوردها بأكملها مع المقدمات التي تشرح ظروف القطعة وأسباب قولها، وكذلك الزيادات التي اختصت بها مخطوطة "ساوة" في القصائد التي رواها الأصمعي أو الطوسي، أو رواها ابن الورد في ملحقه. وقد نشر الأب لويس شيخو في شعراء النصرانية ديوان النابغة، كما رواه الأعلم الشنتمري، وأضاف إليه ملحق ابن الورد. ومن الجدير بالملاحظة أن ثمة أربعا وعشرين قصيدة قد أثبتتها جميع المخطوطات وتلك القصائد هي التي رواها الأصمعي، ثم سبع قصائد أخرى أثبتها مخطوطة "بطرسبورج" ومخطوطة "ساوة"، وهي ما رواه الطوسي عن ابن الأعرابي، وبذلك تكون القصائد التي يرى الرواة الثقات أنها للنابغة الذبياني -بغض النظر عن اختلاف الروايات في بعض الكلمات، وبعض الزيادات- إحدى وثلاثين قصيدة. وإذا عرفت أن الأصمعي كان متزمتا يضيق ولا يعتمد إلا أصح اللغات, ويلح في دفع ما سواه، ولا يفسر من القرآن ولا من اللغة شيئا له نظير واشتقاق في القرآن، وأنه كان يتحرج في الحديث، ولا ينشد من الشعر ما كان فيه ذكر الأنواء، ولا يفسره؛ لقوله ﷺ : "إذا ذكرت النجوم فأمسكوا"، وأنه لم ينشد أو يفسر شعرا فيه هجاء، أدركت أي راوية كان الأصمعي في تثبته وتحقيقه وتحرجه. ولقد تعقب الأزهري في كتابه التهذيب رواة الشعر واللغة, فاحصا منقبا مدققا ملتمسا مواطن الثقة فيما يرويه عنهم منبها على الكلام المصحف، وبعد أن أنعم النظر والتثبت قال: إنه وجد معظم ما روى لابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني، وأبي زيد، وأبي عبيدة، والأصمعي, معروفا في الكتب التي رواها الثقات عنهم، والنوادر المخطوطة لهم ... فخص هؤلاء بالثقة دون سائر الرواة, ووصفهم بالإتقان والتبريز. وكان الأصمعي أعرف الرواة بالصحيح والمنحول من الشعر، ولم يكن شاعرا حتى يتزيد ويختلق كما فعل غيره؛ ولذا كان ما رواه عن النابغة أصح شعر يروى له١.

стр. 382

رواية ديوان زهير: وأما زهير بن أبي سلمى فهو حجازي -وإن كان قد نشأ في بني عبد الله بن غطفان بنجد- لأنه من مزينة إحدى القبائل الحجازية، ولا تذكر لنا المصادر العربية -من العلماء الذين جمعوا ديوانه- غير ستة، وهم: ١- يعقوب بن إسحاق السكيت. ٢- أبو الحسن علي بن عبد الله بن سنان الطوسي. ٣- محمد بن هبيرة الأسدي، المعروف بصعوداء. ٤- أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري. ٥- أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري. ٦- يوسف بن سليمان، الأعلم الشنتمري. وليس بين هذه الأسماء عالم واحد من رواة الطبقة الأولى ممن يعدون أصولا، إنما هم جميعا إما من تلاميذ هذه الطبقة مثل ابن السكيت -وهو كوفي المذهب، أخذ عن أبي عمرو الشيباني والفراء وابن الأعرابي- وإما من الجماع الذين جمعوا بين الروايات المختلفة، فرجحوا كفة الكوفيين حينا مثل: صعوداء، والطوسي، وابن الأنباري, أو رجحوا كفة البصريين حينا آخر مثل: السكري، والأعلم. فأين إذًا روايات ديوان زهير التي تعد أصولا؟ لقد أغفلت ذكرها المصادر العربية، ولكنها بقيت -مع ذلك- فيما وصل إلينا من نسخ هذا الديوان، أو فيما تضمنته هذه النسخ من إشارات للرواة والروايات. وهذه الأصول لديوان زهير قسمان: أصول بصرية، وأصول كوفية.

стр. 383

الأصول البصرية: وهي أصلان: رواية أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي، ورواية أبي سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي: ١- رواية أبي عبيدة: أما رواية أبي عبيدة فلم يبق لنا منها إلا قصائد متفرقة ذكر في مقدمتها أنها من رواية أبي عبيدة، أو ألفاظ في أبيات من قصائد أشير فيها إلى روايته, كما أشير فيها إلى رواية غيره من العلماء. فقد ذكر الأعلم عند حديثه عن قصيدة زهير: أبلغ بني نوفل عني فقد بلغوا ... مني الحفيظة لما جاءني الخبر أن أبا حاتم قال: "لم يعرفها الأصمعي، وعرفها أبو عبيدة". وكذلك ذكر عند حديثه عن قصيدته: أبلغ لديك بني الصيداء كلهم ... أن يسارا أتانا غير مغلول أن أبا حاتم قال: "لم يعرفها الأصمعي، وعرفها أبو عبيدة". وذكر ثعلب عند حديثه عن قصيدته: شطت أميمة بعدما صقبت ... ونأت وما فني الجناب فيذهب أنه "لم يروها أبو عمرو لزهير ولا لكعب، ورواها أبو عبيدة لزهير". وذكر عند حديثه عن قصيدته: فعد عما ترى إذ فات مطلبه ... أضحى بذاك غراب البين قد نعقا أن هذه الأبيات لم يملها أبو عمرو ولا أبو نصر، ولم يعرفها الأصمعي، ولكن "رواها أبو عبيدة وهي صحيحة عنده"، وأنكر أبو عبيدة قصيدة زهير: إن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت وقال: إنها لقراد بن حنش من شعراء غطفان، وإن زهيرا ادعى هذه الأبيات. أما روايات أبي عبيدة لبعض الألفاظ في أبيات من قصائد زهير فكثيرة جدا، وقد أشار إليها الأعلم وثعلب في مواطن كثيرة من شرحيهما.

стр. 384

٣- رواية الأصمعي: أما رواية الأصمعي فقد حفظت لنا كاملة، حفظها الأعلم الشنتمري في مجموعته "دواوين الشعراء الستة"، وقد اعتمد الأعلم من هذه الأشعار على أصح روايتها، وأوضح طرقاتها، وهي رواية الأصمعي لتواطؤ الناس عليها، واعتيادهم لها، واتفاق الجمهور على تفضيلها، وأتبع ما صح من رواياته قصائد متخيرة من رواية غيره. وعلى هذا أورد الأعلم ثماني عشرة قصيدة ومقطعة لزهير في ختامها ما يلي: "كمل جميع شعر زهير مما رواه الأصمعي من شعر زهير، ونصل به بعض ما رواه غيره إن شاء الله". ثم يورد قصيدتين ذكر أنهما مما رواه أبو عمرو والمفضل، ويختم نسخته بقوله: "كمل جميع شعر زهير مما رواه الأصمعي وأبو عمرو والمفضل ... ". وقد أورد الأعلم ثلاث قصائد ليست من رواية الأصمعي، وقد نص في الأوليين منها -وقد مر ذكرهما- على أن أبا حاتم السجستاني قال: "لم يعرفها الأصمعي وعرفها أبو عبيدة". وذكر في حديثه عن القصيدة الثالثة، وهي: ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا أن الأصمعي قال: "ليست لزهير، ويقال: هي لصرمة الأنصاري ولا تشبه كلام زهير". وسنعود إلى الحديث عن رواية الأصمعي بعد الحديث عن الأصول الكوفية: الأصول الكوفية: أما علماء الكوفة من الطبقة الأولى من الرواة الذين رووا ديوان زهير فهم: حماد الراوية، والمفضل بن محمد الضبي، وأبو عمرو الشيباني. غير أن روايات هؤلاء العلماء جاءتنا مختلطة متداخلة في مجموعة نسبت مع شرح أبياتها إلى ثعلب، وقد طبعت هذه المجموعة من الروايات بدار الكتب المصرية، وفي مقدمتها حديث مفصل عن ترجيح نسبتها إلى أبي العباس ثعلب, وقد اعتمدت هذه الطبعة على عدة نسخ خطية.

стр. 385

ودراسة هذه الطبعة تدلنا على أن ثعلبا قد جمع في مجموعته بين الروايات الكوفية والبصرية، فكثيرا ما يورد في شرحه شروحا للأصمعي وأبي عبيدة، وكثيرا ما يورد روايتهما المختلفة في الألفاظ والأبيات، وحسبنا أمثلة قليلة على ذلك؛ فقد أورد سبعة وثلاثين بيتا من قصيدة زهير: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله ثم قال: "وهذه آخر رواية أبي عمرو، وروى أبو عبيدة والأصمعي ... " ثم يورد سبعة أبيات من روايتهما. أما في قصيدته: إن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا فهو يثبت في أصل أحد أبياتها، وهو قوله: وقابل يتغنى كلما قدرت ... على العراق يداه قائما دفقا رواية أبي عبيدة، ويقول: "روى أبو عبيدة قائما بالنصب، ورواه غيره بالرفع". ثم يذكر بيت زهير: وذاك أحزمهم رأيا إذا نبأ ... من الحوادث آب الناس أو طرقا وهو من غير رواية أبي عمرو، ثم ينص على أن البيت في رواية أبي عمرو هو: ومن يفوقهم أمرا إذا فرقوا ... من الحوادث أمرا آب أو طرقا ثم يورد ستة أبيات ينص على أنها من رواية أبي عمرو، وأربعة أبيات أخرى ينص على أنها مما روى أبو عمرو والأصمعي، ويورد في آخرها بيتين يذكر أنهما "من غير هذه الرواية" و"أن الأصمعي لم يروهما". وكذلك ذكر ستة عشر بيتا من قصيدة زهير: لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن دهر ثم يقول: "هذا آخر رواية أبي عمرو"، ويكمل القصيدة في اثنين وعشرين, وكثيرا ما يثبت في أصل البيت لفظة أو ألفاظا من غير رواية أبي عمرو، وينص على ذلك، ثم يذكر روايته في تلك الألفاظ. وأكثر من ذلك أنه يورد قصيدة لم يروها أبو عمرو لزهير ولا لكعب، ورواها أبو عبيدة لزهير.

стр. 386

ويتضح لنا من ذلك أن هذه النسخة قد جمعت من قصائد زهير ما رواه البصريون والكوفيون, غير أن هذا الجمع بين روايات المدرستين لا ينفي نسبة هذه النسخة إلى أبي العباس ثعلب. وذلك أن ثعلبا -مع أنه كان كوفي المذهب، بل إمام أهل الكوفة في زمنه- قد روى كتب علماء البصرة أيضا، فروى "عن ابن نجدة كتب أبي زيد، وعن الأثرم كتب أبي عبيدة، وعن أبي نصر كتب الأصمعي ... "، وقد ذكر أبا نصر والأثرم في مواطن كثيرة من نسخته هذه. وقد تضمنت هذه النسخة ثلاثا وخمسين قصيدة ومقطعة لزهير، روى خمسا منها عن حماد الراوية، ونص على واحدة منها بقوله: "وهي متهمة عند المفضل"، ومع ذلك رواها أبو عمرو. وذكر في أربع أخر منها أنها يشك في نسبتها إلى زهير، وأنها قد تروى لغيره. ويرى الدكتور ناصر الدين الأسد أن هذه النسخة -بالرغم من جمعها بين روايات مختلفة- ربما اتخذت من رواية أبي عمرو الشيباني أصلا، ثم أضاف جامع هذه النسخة عليها ما وجده عند غيره من تعليقات أو اختلاف في روايات الألفاظ. والذي حمله على هذا الافتراض أنه عثر على نسخة مصورة على ميكروفيلم في معهد إحياء المخطوطات العربية -وأصلها محفوظ في مكتبة نور عثمانية بتركيا- وقد نص في آخر هذه النسخة على ما يلي: "فهذا جميع ما رواه أبو عمرو، وأبو نصر، والأصمعي لزهير من الشعر ... وكتب محمد بن منصور بن مسلم ﵀ بمنبج سنة خمسة "كذا" وسبعين وخمسمائة، والأصل الذي نقله منه كتب من أصل ابن كيسان النحوي ﵀ في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وكان قد قرأ جميعه على أحمد بن يحيى ثعلب، وكان قد قرئ على أبي عمرو الشيباني ... ". وفي هذه النسخة سبع وخمسون قصيدة؛ خمس منها غير موجودة في النسخة المطبوعة، وتمتاز هذه النسخة -على النسخة المطبوعة- بكثرة ما فيها من إشارات إلى الشك في صحة نسبة بعض القصائد إلى زهير. فقد ذكر قصيدته: أثويت أم أجمعت أنك غاد ... وعداك عن لطف السؤال عوادي وقال: "أبو عمرو لم يرو هذه القصيدة، وقال: إنها لكعب ابنه" مع أن هذه التعليقة غير مذكورة في المطبوعة. وذكر كذلك قصيدته:

стр. 387

ألا أبلغ لديك بني سبيع ... وأيام النوائب قد تدور وقال: إن أبا عمرو قال: "هذه لرجل من بني عبد الله بن غطفان"، وليست هذه التعليقة في المطبوعة. وذكر قصيدته: وخالي الجبا أوردته القوم فاستقوا ... بسفرتهم من آجن الماء أصفرا وقال: "قال أبو عمرو الشيباني: هذه لكعب ابنه، وليست في المطبوعة أيضا وذكر مقطعته": أرادت جوازا بالرسيس فصدها ... رجال قعود في الدجى بالمعابل وقال: "ويروى أنها لكعب بن زهير، وهي في شعره طويلة"، وليست هذه التعليقة في المطبوعة. وذكر قصيدته: هل تبلغني إلى الأخيار ناجية ... تخدي كوخد ظليم خاضب زعر وقال: "ويقال: هي منحولة". وذكر قصيدته: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا وقال: "ولم يملها أبو نصر، ويقال: هي لأبي الجويرية العبدي، وهي في شعره طويلة". وذكر قوله: هاج الفؤاد معارف الرسم ... قفر بذي الهضبات كالوشم وقال: "ولم يملها أبو نصر, قال أبو عمرو الشيباني: هي لأوس بن أبي سلمى". وجميع هذه التعليقات، زيادة في هذه النسخة، غير مذكورة في النسخة المطبوعة. أما التعليقات المذكورة في المطبوعة فموجودة أيضا في هذه النسخة. فإذا أضفنا هذه القصائد التي نص على الشك في صحة نسبتها لزهير -وهي سبع- إلى القصائد الخمس التي نص في المطبوعة على هذا الشك فيها، كان مجموع هذه القصائد المشكوك فيها اثنتي عشرة قصيدة من ثلاث وخمسين. وبذلك تكون رواية الكوفيين -في مجموعها- لقصائد زهير إحدى وأربعين قصيدة ومقطعة،

стр. 388

وهي تتضمن القصائد التي أوردها الأعلم من رواية الأصمعي وأبي عبيدة, والقصيدتين اللتين اختارهما من رواية أبي عمرو والمفضل. فإذا عدنا إلى الحديث عن رواية الأصمعي وجدنا أنها خمس عشرة قصيدة ومقطعة فقط، وذلك أن الأعلم قد أورد ثماني عشرة قصيدة ذكر في ختامها أنها رواية الأصمعي، ولكن الأعلم ذكر -في معرض حديثه عن ثلاث من هذه القصائد- أن الأصمعي لم يكن يعرفها, وأنه أسقطها من روايته. وبذلك يكون ما صححه في روايته من شعر زهير, خمس عشرة قصيدة ومقطعة. وقد وجدنا أن هذه القصائد الخمس عشرة كلها مضمنة في القصائد التي رواها علماء الكوفة لزهير، وأن أحدا من العلماء لم يطعن عليها في صحة نسبتها بشيء، وإن كان ثمة خلاف في نسبة أبيات قليلة من بعض هذه القصائد. وبذلك نستطيع أن نطمئن إلى أن هذه القصائد الخمس عشرة هي التي أجمع الرواة، من البصريين والكوفين، على صحة نسبتها لزهير، فنتخذها أصلا صحيحا لديوانه؛ ندرسها دراسة فنية تكشف خصائصها، وتبين ما فيها من عناصر شخصية الشاعر؛ لنتخذ من ذلك مقياسا فنيا نحتكم إليه في القصائد الأخرى التي رواها الكوفيون، فما انطبق منها على هذا المقياس رجحنا صحة نسبته إلى زهير وضممناه إلى ديوانه, وما لم يستقم منها مع المقياس رجحنا أنه مما نسب خطأ إلى زهير أو وضع عليه. فإذا ما بحثنا عن الجذور الأولى لديوان زهير، وجدناها جذورا عميقة تضرب في القدم حتى لتكاد تتصل بزهير نفسه، ثم تمتد منه خلال القرون الأولى حتى تتصل -في مطلع القرن الثاني- بأبي عمرو بن العلاء، وبحماد الراوية، ثم من بعدهما بالأصمعي وسائر علماء البصرة والكوفة. فقد ذكر السكري أن ديواني زهير وكعب كانا عند بني غطفان، فكانوا يحفظون شعرهما؛ وذلك لأن زهيرا وابنه كعبا كانا مقيمين في بني عبد الله بن غطفان. وكان عمر بن الخطاب يقدم زهيرا ويفضله، وكذلك جريرا الذي قال عنه: إنه أشعر أهل الجاهلية.

стр. 389

وكان الحطيئة راوية زهير، وقد اتصل الشعر في ابنه كعب بن زهير، وابن كعب عقبة المضرب، وابن ابنه العوام بن عقبة، حتى لقد قرأ أبو عمرو الشيباني شعر زهير أو بعضه على بعض بني زهير. وكان ممن درس شعر زهير ودرسه منذ مطلع القرن الثاني: أبو عمرو بن العلاء، قال المازني: "قال لي أبو زيد: قرأت هذه القصيدة -يعني معلقة زهير- على أبي عمرو بن العلاء، فقال لي: قرأت هذه القصيدة منذ خمسين سنة، فلم أسمع هذا البيت إلا منك" يعني: بيته: ومن لا يزال يستحمل الناس نفسه ... ولم يغنها يوما من الناس يسأم وكذلك قرأ الأصمعي على أبي عمرو وروى عنه في مواطن متعددة، بعضها فيه نقد أدبي. ويبدو أن الأصمعي لم يكتف برواية شعر زهير عن أبي عمرو بن العلاء وحده, وإنما أضاف إلى روايته ما أخذه عن غيره من العلماء أو ما سمعه عن الأعراب الرواة، ثم قرأ ذلك كله وقرئ عليه، وآية ذلك أننا نجد للأصمعي روايات لبعض الألفاظ وشرحا لبعض الأبيات في القصائد التي أسقطها من روايته ونص على أنها ليست لزهير. ويرجح الدكتور ناصر الدين أن الأصمعي قد وجد أمامه ديوان زهير تراثا يتناقل ويروى ويتدارس، فكان لا بد له من أن يقرأه جميعه، ويقرئه تلامذته، ولكنه كان كلما مر بقصيدة نص على رأيه في صحة نسبتها إلى زهير، إثباتا أو نفيا، ثم يشرح القصيدة في الحالتين، ويذكر بعض روايات ألفاظها، غير أنه لم يثبت في نسخته من ديوان زهير إلا ما ثبت لديه أنه لزهير حقا، وهي تلك القصائد الخمس عشرة.

стр. 390

قصائد زهير ومقطعاته مرتبة كما جاءت في رواية الأصمعي, ومقارنتها بما في النسخ الأخرى: ١- أمن أم أو في دمته لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتئلم ١- القصيدة الأولى في ثعلب. ٢- والأولى كذلك في مخطوطة نور عثمانية، وفيها بعد البيت الأول: "قال أبو عمرو: قرأت على بعض بني زهير: الدراج برفع الدال". ٢- صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل ١- القصيدة الخامسة في ثعلب. ٢- والسادسة عشرة في نور عثمانية، إلا أنها هنا شطرت شطرين، فجعلت قصيدتين لا قصيدة واحدة، وذلك بأن ذكرت بعض أبياتها الأخيرة في هذه المخطوطة، "ورقمها ٥٤"، وقبلها قوله: "وهذه الأبيات زيادة لم يروها أبو نصر، وليست في روايته، أنشدها بعض العلماء! ". ٣- صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله ١- آخرها في رواية الأصمعي: يهد له ما دون رملة عالج ... ومن أهله بالغور زالت زلازله قال الأعلم ص٣٣: "وهذا البيت آخر القصيدة في رواية الأصمعي، ويلحق بالقصيدة البيتان اللذان بعده، وهما لخوات بن جبير الأنصاري ... ". ٢- القصيدة السابعة في ثعلب، وقد قال في ص١٤٢: "وهذه آخر رواية أبي عمرو، وروى أبو عبيدة والأصمعي ... "، ثم ذكر سبعة أبيات. ٣- القصيدة التاسعة في نور عثمانية. ٤- إن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعاق القلب من أسماء ما علقا
следующие страницы →