ويتضح لنا من ذلك أن هذه النسخة قد جمعت من قصائد زهير ما رواه البصريون والكوفيون, غير أن هذا الجمع بين روايات المدرستين لا ينفي نسبة هذه النسخة إلى أبي العباس ثعلب. وذلك أن ثعلبا -مع أنه كان كوفي المذهب، بل إمام أهل الكوفة في زمنه- قد روى كتب علماء البصرة أيضا، فروى "عن ابن نجدة كتب أبي زيد، وعن الأثرم كتب أبي عبيدة، وعن أبي نصر كتب الأصمعي ... "، وقد ذكر أبا نصر والأثرم في مواطن كثيرة من نسخته هذه.
وقد تضمنت هذه النسخة ثلاثا وخمسين قصيدة ومقطعة لزهير، روى خمسا منها عن حماد الراوية، ونص على واحدة منها بقوله: "وهي متهمة عند المفضل"، ومع ذلك رواها أبو عمرو. وذكر في أربع أخر منها أنها يشك في نسبتها إلى زهير، وأنها قد تروى لغيره.
ويرى الدكتور ناصر الدين الأسد أن هذه النسخة -بالرغم من جمعها بين روايات مختلفة- ربما اتخذت من رواية أبي عمرو الشيباني أصلا، ثم أضاف جامع هذه النسخة عليها ما وجده عند غيره من تعليقات أو اختلاف في روايات الألفاظ. والذي حمله على هذا الافتراض أنه عثر على نسخة مصورة على ميكروفيلم في معهد إحياء المخطوطات العربية -وأصلها محفوظ في مكتبة نور عثمانية بتركيا- وقد نص في آخر هذه النسخة على ما يلي:
"فهذا جميع ما رواه أبو عمرو، وأبو نصر، والأصمعي لزهير من الشعر ... وكتب محمد بن منصور بن مسلم ﵀ بمنبج سنة خمسة "كذا" وسبعين وخمسمائة، والأصل الذي نقله منه كتب من أصل ابن كيسان النحوي ﵀ في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وكان قد قرأ جميعه على أحمد بن يحيى ثعلب، وكان قد قرئ على أبي عمرو الشيباني ... ". وفي هذه النسخة سبع وخمسون قصيدة؛ خمس منها غير موجودة في النسخة المطبوعة، وتمتاز هذه النسخة -على النسخة المطبوعة- بكثرة ما فيها من إشارات إلى الشك في صحة نسبة بعض القصائد إلى زهير. فقد ذكر قصيدته:
أثويت أم أجمعت أنك غاد ... وعداك عن لطف السؤال عوادي
وقال: "أبو عمرو لم يرو هذه القصيدة، وقال: إنها لكعب ابنه" مع أن هذه التعليقة غير مذكورة في المطبوعة. وذكر كذلك قصيدته:
стр. 387
ألا أبلغ لديك بني سبيع ... وأيام النوائب قد تدور
وقال: إن أبا عمرو قال: "هذه لرجل من بني عبد الله بن غطفان"، وليست هذه التعليقة في المطبوعة.
وذكر قصيدته:
وخالي الجبا أوردته القوم فاستقوا ... بسفرتهم من آجن الماء أصفرا
وقال: "قال أبو عمرو الشيباني: هذه لكعب ابنه، وليست في المطبوعة أيضا وذكر مقطعته":
أرادت جوازا بالرسيس فصدها ... رجال قعود في الدجى بالمعابل
وقال: "ويروى أنها لكعب بن زهير، وهي في شعره طويلة"، وليست هذه التعليقة في المطبوعة.
وذكر قصيدته:
هل تبلغني إلى الأخيار ناجية ... تخدي كوخد ظليم خاضب زعر
وقال: "ويقال: هي منحولة".
وذكر قصيدته:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
وقال: "ولم يملها أبو نصر، ويقال: هي لأبي الجويرية العبدي، وهي في شعره طويلة".
وذكر قوله:
هاج الفؤاد معارف الرسم ... قفر بذي الهضبات كالوشم
وقال: "ولم يملها أبو نصر, قال أبو عمرو الشيباني: هي لأوس بن أبي سلمى".
وجميع هذه التعليقات، زيادة في هذه النسخة، غير مذكورة في النسخة المطبوعة. أما التعليقات المذكورة في المطبوعة فموجودة أيضا في هذه النسخة. فإذا أضفنا هذه القصائد التي نص على الشك في صحة نسبتها لزهير -وهي سبع- إلى القصائد الخمس التي نص في المطبوعة على هذا الشك فيها، كان مجموع هذه القصائد المشكوك فيها اثنتي عشرة قصيدة من ثلاث وخمسين. وبذلك تكون رواية الكوفيين -في مجموعها- لقصائد زهير إحدى وأربعين قصيدة ومقطعة،
стр. 388
وهي تتضمن القصائد التي أوردها الأعلم من رواية الأصمعي وأبي عبيدة, والقصيدتين اللتين اختارهما من رواية أبي عمرو والمفضل.
فإذا عدنا إلى الحديث عن رواية الأصمعي وجدنا أنها خمس عشرة قصيدة ومقطعة فقط، وذلك أن الأعلم قد أورد ثماني عشرة قصيدة ذكر في ختامها أنها رواية الأصمعي، ولكن الأعلم ذكر -في معرض حديثه عن ثلاث من هذه القصائد- أن الأصمعي لم يكن يعرفها, وأنه أسقطها من روايته. وبذلك يكون ما صححه في روايته من شعر زهير, خمس عشرة قصيدة ومقطعة. وقد وجدنا أن هذه القصائد الخمس عشرة كلها مضمنة في القصائد التي رواها علماء الكوفة لزهير، وأن أحدا من العلماء لم يطعن عليها في صحة نسبتها بشيء، وإن كان ثمة خلاف في نسبة أبيات قليلة من بعض هذه القصائد.
وبذلك نستطيع أن نطمئن إلى أن هذه القصائد الخمس عشرة هي التي أجمع الرواة، من البصريين والكوفين، على صحة نسبتها لزهير، فنتخذها أصلا صحيحا لديوانه؛ ندرسها دراسة فنية تكشف خصائصها، وتبين ما فيها من عناصر شخصية الشاعر؛ لنتخذ من ذلك مقياسا فنيا نحتكم إليه في القصائد الأخرى التي رواها الكوفيون، فما انطبق منها على هذا المقياس رجحنا صحة نسبته إلى زهير وضممناه إلى ديوانه, وما لم يستقم منها مع المقياس رجحنا أنه مما نسب خطأ إلى زهير أو وضع عليه.
فإذا ما بحثنا عن الجذور الأولى لديوان زهير، وجدناها جذورا عميقة تضرب في القدم حتى لتكاد تتصل بزهير نفسه، ثم تمتد منه خلال القرون الأولى حتى تتصل -في مطلع القرن الثاني- بأبي عمرو بن العلاء، وبحماد الراوية، ثم من بعدهما بالأصمعي وسائر علماء البصرة والكوفة. فقد ذكر السكري أن ديواني زهير وكعب كانا عند بني غطفان، فكانوا يحفظون شعرهما؛ وذلك لأن زهيرا وابنه كعبا كانا مقيمين في بني عبد الله بن غطفان. وكان عمر بن الخطاب يقدم زهيرا ويفضله، وكذلك جريرا الذي قال عنه: إنه أشعر أهل الجاهلية.
стр. 389
وكان الحطيئة راوية زهير، وقد اتصل الشعر في ابنه كعب بن زهير، وابن كعب عقبة المضرب، وابن ابنه العوام بن عقبة، حتى لقد قرأ أبو عمرو الشيباني شعر زهير أو بعضه على بعض بني زهير.
وكان ممن درس شعر زهير ودرسه منذ مطلع القرن الثاني: أبو عمرو بن العلاء، قال المازني: "قال لي أبو زيد: قرأت هذه القصيدة -يعني معلقة زهير- على أبي عمرو بن العلاء، فقال لي: قرأت هذه القصيدة منذ خمسين سنة، فلم أسمع هذا البيت إلا منك" يعني: بيته:
ومن لا يزال يستحمل الناس نفسه ... ولم يغنها يوما من الناس يسأم
وكذلك قرأ الأصمعي على أبي عمرو وروى عنه في مواطن متعددة، بعضها فيه نقد أدبي.
ويبدو أن الأصمعي لم يكتف برواية شعر زهير عن أبي عمرو بن العلاء وحده, وإنما أضاف إلى روايته ما أخذه عن غيره من العلماء أو ما سمعه عن الأعراب الرواة، ثم قرأ ذلك كله وقرئ عليه، وآية ذلك أننا نجد للأصمعي روايات لبعض الألفاظ وشرحا لبعض الأبيات في القصائد التي أسقطها من روايته ونص على أنها ليست لزهير.
ويرجح الدكتور ناصر الدين أن الأصمعي قد وجد أمامه ديوان زهير تراثا يتناقل ويروى ويتدارس، فكان لا بد له من أن يقرأه جميعه، ويقرئه تلامذته، ولكنه كان كلما مر بقصيدة نص على رأيه في صحة نسبتها إلى زهير، إثباتا أو نفيا، ثم يشرح القصيدة في الحالتين، ويذكر بعض روايات ألفاظها، غير أنه لم يثبت في نسخته من ديوان زهير إلا ما ثبت لديه أنه لزهير حقا، وهي تلك القصائد الخمس عشرة.
стр. 390
قصائد زهير ومقطعاته مرتبة كما جاءت في رواية الأصمعي, ومقارنتها بما في النسخ الأخرى:
١-
أمن أم أو في دمته لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتئلم
١- القصيدة الأولى في ثعلب.
٢- والأولى كذلك في مخطوطة نور عثمانية، وفيها بعد البيت الأول: "قال أبو عمرو: قرأت على بعض بني زهير: الدراج برفع الدال".
٢-
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل
١- القصيدة الخامسة في ثعلب.
٢- والسادسة عشرة في نور عثمانية، إلا أنها هنا شطرت شطرين، فجعلت قصيدتين لا قصيدة واحدة، وذلك بأن ذكرت بعض أبياتها الأخيرة في هذه المخطوطة، "ورقمها ٥٤"، وقبلها قوله: "وهذه الأبيات زيادة لم يروها أبو نصر، وليست في روايته، أنشدها بعض العلماء! ".
٣-
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله
١- آخرها في رواية الأصمعي:
يهد له ما دون رملة عالج ... ومن أهله بالغور زالت زلازله
قال الأعلم ص٣٣: "وهذا البيت آخر القصيدة في رواية الأصمعي، ويلحق بالقصيدة البيتان اللذان بعده، وهما لخوات بن جبير الأنصاري ... ".
٢- القصيدة السابعة في ثعلب، وقد قال في ص١٤٢:
"وهذه آخر رواية أبي عمرو، وروى أبو عبيدة والأصمعي ... "، ثم ذكر سبعة أبيات.
٣- القصيدة التاسعة في نور عثمانية.
٤-
إن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعاق القلب من أسماء ما علقا
стр. 391
١- آخرها في رواية الأصمعي:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
وذكر الأعلم ص٤١ بيتين بعده عن غير الأصمعي.
٢- القصيدة الثانية في ثعلب، وقد أورد قبيل آخرها ستة أبيات نص على أنها من رواية أبي عمرو "ص٤٩-٥٢"، ثم أربعة أبيات نص على أنها مما روى أبو عمرو والأصمعي "ص٥٣, ٥٤"، ثم بيتين في آخرها نص على أنهما "من غير هذه الرواية, وأن الأصمعي لم يروهما ص٥٥".
٣- القصيدة الثانية كذلك في نور عثمانية، وقد ذكر أن أبا عمرو لم يرو آخرها بيتا.
٥-
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وزودوك اشتياقا أية سلكوا
١- القصيدة التاسعة في ثعلب.
٢- والخامسة في نور عثمانية.
٦-
تعلم أن شر الناس حي ... ينادى في شعارهم يسار
١- القصيدة الخامسة والعشرون في ثعلب.
٢- والثامنة والعشرون في نور عثمانية.
٧-
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم
١- الثامنة في ثعلب، والسابعة عشرة في نور عثمانية.
٨-
لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن شهر
١- ذكر الأعلم آخرها بيتا عن غير الأصمعي, ص٦٤.
٢- القصيدة الرابعة في ثعلب، وهو يورد منها ستة عشر بيتا ثم يقول: هذا آخر رواية أبي عمرو، ص٩٤، ويكمل عدة القصيدة اثنين وعشرين بيتا.
٣- القصيدة العشرون في نور عثمانية.
стр. 392
٩-
عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم فالحساء
١- ذكر الأعلم البيت السابع منها عن غير الأصمعي، ص٦٥.
٢- القصيدة الثالثة في ثعلب.
٣- والثالثة أيضا في نور عثمانية.
١٠-
لمن طلل برامة لا يريم ... عفا وخلاله حقب قديم
١- القصيدة الثانية عشرة في ثعلب، والتاسعة عشرة في نور عثمانية.
١١-
ألا أبلغ لديك بني تميم ... وقد يأتيك بالخبر الظنون
١- القصيدة العاشرة في ثعلب، ولم يرو أبو عمرو فيها الأبيات الثلاثة الأخيرة في رواية الأصمعي.
٢- القصيدة الرابعة في نور عثمانية.
١٢-
رأيت المنى آل امرئ القيس أصفقوا ... علينا وقالوا إننا نحن أكثر
١- القصيدة الثالثة عشرة في ثعلب، والثانية عشرة في نور عثمانية.
١٣-
إن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت
١- القصيدة الثامنة والثلاثون في ثعلب، والسادسة والعشرون في نور عثمانية.
٢- رواها الأصمعي -في الأعلم- في ثلاثة أبيات، وجاءت في ثعلب ونور عثمانية في خمسة أبيات، ووردت في طبقات ابن سلام في أربعة أبيات "ص٥٦٨, ٥٦٩"، وقال ابن سلام: "حدثني أبو عبيدة قال: كان قراد بن حنش من شعراء غطفان، وكان جيد الشعر قليله، وكانت شعراء غطفان تغير على شعره فتأخذه وتدعيه، منهم زهير بن أبي سلمى ادعى هذه الأبيات".
"ولما كان إجماع الرواة منعقدا على أن زهيرا قال هذا الشعر، فإننا نرجح أن الأبيات الثلاثة التي رواها الأصمعي صحيحة النسبة لزهير، أما البيتان الآخران فلعلهما من شعر قراد بن حنش الذي أدخل في شعر زهير".
стр. 393
١٤-
لعمرك والخطوب مغيرات ... وفي طول المعاشرة التقالي
١- الثالثة والأربعون في ثعلب، والخامسة والثلاثون في نور عثمانية.
١٥-
وقالت أم كعب لا تزرني ... فلا والله ما لك من مزار
١- التاسعة والثلاثون في ثعلب.
٢- والسابعة والعشرون في نور عثمانية١.
وخاتمة المطاف بعد هذه الجولة السريعة في دراسة الشعر الحجازي الجاهلي على النحو السالف هي:
١- أ- أن الدواوين الشعرية بعد تمحيصها على النحو السالف، هي أصح ما يجب أن يعتمد عليه الباحث في الأدب الحجازي.
ب- وكذلك ما أجمع الرواة على صحته من الأشعار الحجازية في غير الدواوين.
٢- وأن ما نص الثقات على وضعه من الأشعار يعتبر موضوعا منحولا.
٣- وأن ما اختلفت فيه الأخبار من الشعر، ثم أثبت التحقيق العلمي نسبته لشاعر حجازي، يكون أدنى إلى الصحة، كما في لاميتي الشنفرى وتأبط شرا.
٤- وأن نسبة الشعر إلى غير واحد من الشعراء الجاهليين الحجازيين ليست دليلا على وضعه، فهو شعر جاهلي حجازي إلا أن الخلاف في تعيين قائله.
٥- وأن طائفة كبيرة من الأشعار الحجازية لم يتناولها النقاد بالتجريح أو الشك، وهذه أدنى إلى الرجحان في ميزان التحقيق ما دام عليها طابع العصر الجاهلي.
٦- أو ما كان مهلهل النسج لا يشاكل في صياغته وروحه البيئة الجاهلية، خليق أن يشك في صحته.
стр. 394
الباب الثالث: فنون الشعر الحجازي في العصر الجاهلي
الفصل الأول: الشعر السياسي
" أولا" أيام الحجازيين في الجاهلية:
١- كان كثير من الحجازيين والعرب عامة في جاهليتهم بدوا؛ لا يخضعون لنظام، ولا يدينون لحكومة، ولا يربطهم إلا قانون القبيلة.
وقد فرضت عليهم طبيعة أرضهم القاحلة أن يعيشوا على رعي الإبل والأغنام, يتتبعون بها مواقع الغيث ومواطن الكلأ، ينتقلون بينها، ويسيمون ماشيتهم فيها. فإذا أخلفت السماء وأمحلت الأرض، لجئوا إلى الإغارة والغزو، ودفعهم الجدب إلى الحرب.
كذلك كان دأبهم النفرة من العار، والنهوض لحماية الجار، والحرص على الأخذ بالثأر والاغترار بالعصبية، والاعتزاز بالقرابة الواشجة، والمفاخرة والمنافرة، والإباء والشمم.
كل ذلك كان يدفع العربي إلى الحرب، ويجعلها أثيرة عنده، يثيرها لأوهى سبب، ويشنها لأدنى حدث، صارت عادة مألوفة، وسنة معروفة، وحتى أنفوا أن يرتزقوا من عمل غير السيف، أو يكسبوا إلا من أسنة الرماح، فإذا لم يجدوا عدوا أغاروا على الأقرباء، كما يقول القطامي:
стр. 395
ومن تكن الحضارة أعجبته ... فأي رجال بادية ترانا
ومن ربط الجحاش فإن فينا ... قنا سلبا وأفراسا حسانا١
وكن إذا أغرن على جناب ... وأعوزهن نهب حيث كانا٢
أغرن من الضباب على حلول ... وضبة إنه من حان حانا٣
وأحيانا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا
هذا قليل من كثير مما أثر عن العرب في حب الحرب، وخوض المعارك، ولهم أيام مشهورة٤.
فالعرب بطبيعتهم أمة مغالبة مجالدة، مساورة معاندة، لا ترضى بالضيم، ولا تقيم على الذل، ولا تغضي على الهوان، ولقد مردوا على المخاطرة، واعتادوا القتل والقتال, وألفوا الصولة والصيال، فانتزعت من نفوسهم غريزة الخوف، وغلبت عليهم الحرية الشخصية، وصارت الحرب عندهم تهيج لأوهى سبب، وتشعل لأقل حادث، وما تخبو إلا لتستعر. وقد تظل ملتهبة بين القبائل أعواما طوالا، لا تهدأ نارها، ولا يخبو أوارها.
وللعرب كثير من الوقائع العظيمة التي هاجت قبائلهم، وأثارت عصبياتهم، والتي تحدث عنها الشعراء في أشعارهم، وكانت مادة رائعة للسمار والمحدثين في حقب طويلة، وأعصار بعيدة. قال ابن عبد ربه: "إنها -أيام العرب-
стр. 396
مآثر الجاهلية، ومكارم الأخلاق السنية، قيل لبعض أصحاب رسول الله: ما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم؟ قال: كنا نتناشد الشعر، ونتحدث بأخبار جاهليتنا".
وقد سميت هذه الوقائع بأيام العرب، وهي ينبوع ثجاج من ينابيع الأدب، وميدان فسيح من ميادين البيان، بما اشتملت عليه من روائع القصص، وبدائع القول، ومأثور الحكم، وبليغ الخطب والشعر، كما أنها صورة صحيحة للعرب وعاداتهم وتقاليدهم، وتصوير صادق لأسلوب حياتهم وشأنهم في الحرب والسلم والنجعة والاستقرار.
٢- ولهذه الأيام أثر واضح في الأدب، بما تهيج من عاطفة، وتبعث من شعور، وتثير من شاعرية ... كان الشعراء والخطباء من وراء الفوارس يذكون حميتهم، ويلهبون شجاعتهم، ويصفون خيلهم وسلاحهم، ويشيدون ببطولتهم ومواقفهم، ويندبون بقوافيهم الباكية صرعى الأيام، ويحرضون على الثأر والانتقام، وقد ينفرون من الحرب وويلاتها، ويحملون لقبائلهم غصن الزيتون!!
ومن أجل آثار هذه الأيام ما يلي:
١- أن الشعر الجاهلي عامة، والفخر والحماسة والرثاء والهجاء منه خاصة، ترتبط بهذه الأيام ارتباطا وثيقا، فأكثر القصائد وهذه الفنون الأدبية في الشعر الجاهلي قيلت في هذه الأيام وكانت صدى لها، ونظمها أصحابها فخرا بمآثر القبيلة، ودفاعا عن أحسابها، أو هجاء لخصومها وثلبا لأعدائها، أو تحميسا لأبناء القبيلة ليهبوا للدفاع عن كيانها وحفظ شرفها، أو رثاء للقتلى من أبنائها في حومة القتال وميادين النضال.
٢- وفي الشعر الجاهلي قصائد كثيرة قيلت في وصف المعارك، وفي الدعوة إلى السلام وتصوير فظائع الحرب، أو الدعوة إلى الانتقام وطلب الأخذ بالثأر.
стр. 397
٣- وأوصافهم في شعرهم للخيول والرماح والسيوف والدروع وغيرها من أدوات القتال، أثر من آثار هذه الأيام في الشعر الجاهلي.
٤- ولا يقتصر أثر هذه الأيام على الشعر، بل إنها تشغل جزءا كبيرا من النثر الجاهلي أيضا، كما تجد في خطبة هانئ بن قبيصة في قومه يحرضهم على الحرب يوم ذي قار١, وفي سواها من الخطب، وفي الكثير من المفاخرات والمنافرات والمحاورات، التي تتصل بأيام العرب في جاهليتهم في قريب.
٥- وفوق ذلك, فإن أثر هذه الأيام في تاريخنا الأدبي أثر جليل، فالأدب الذي خلفه لنا الشعراء والأدباء صورة مفصلة لحياة العرب الاجتماعية والسياسية ولصلاتهم بالأمم المجاورة لهم، وهو مرآة ناطقة بأخلاقهم وفضائلهم وعاداتهم وشمائلهم، وما تحدثت به الرواة عن هذه الأيام يشغل جانبا كبيرا في كتب الأدب العربي ومصادره، وهو يمثل ألوانا طريفة من فنون الأدب المتصلة بفن القصص والأساطير.
٦- وقد ألفت في أيام العرب كتب أدبية كثيرة, ضاعت على مر الأجيال:
أ- فلأبي عبيدة، الأديب الراوية, المتوفى عام ٢٠٩هـ، كتاب صغير فيه حوى خمسة وسبعين يوما، وكتاب آخر كبير جمع فيه ألفا ومائتي يوم.
ب- ولأبي الفرج الأصبهاني، المتوفى سنة ٣٥٦هـ، كتاب في أيام العرب، جمع فيه ألفا وسبعمائة يوم.
جـ- وقد ألف لفيف من الأساتذة المعاصرين كتابا في "أيام العرب في الجاهلية" وطبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي عام ١٩٤٢م.
стр. 398
٣- أيام الأوس والخزرج ١:
نشبت في الجاهلية، بين الأوس والخزرج، حروب كثيرة، من أشهرها:
حرب سمير: للأوس على الخزرج.
حرب حاطب: للخزرج على الأوس.
حرب كعب: للخزرج على الأوس.
يوم بعاث: للأوس على الخزرج.
١- يوم بعاث ٢ بين الأوس والخزرج:
وسببه: أن الأوس طلبت إلى قريظة والنضير أن يحالفوهم على الخزرج، فبعث الخزرج إلى اليهود يهددونهم إن حالفوهم، فلم يسع اليهود إلا أن ينزلوا على رغبة الخزرج، وأكدوا ذلك بتسليمهم أربعين غلاما, رهائن لديهم، وافتخر بذلك أحد شعراء الخزرج، قائلا:
فذلوا لرهن عندنا في حبالنا ... مصانعة يخشون منا القوارعا
وذاك بأنا -حين نلقى عدونا- ... نصول بضرب يترك العز خاشعا
стр. 399
فأغضب ذلك الشعر قريظة والنضير، ونقضوا عهدهم، وحالفوا الأوس على الخزرج، فقتل بعض الخزرجيين رهائنه.
فاجتمعت الأوس وقريظة والنضير وقبائل أخرى يهودية على حرب الخزرج، والتقوا ببعاث، وعلى الأوس حضير الكتائب، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي "نسبة إلى بياضة كسحابة: قبيلة"، ودارت رحى الحرب بشدة، فانهزم الأوس، فبرك حضير، وطعن قدمه بسنان رمحه، وصاح: وا عقراه!! والله لا أعود حتى أقتل، فإن شئتم أن تسلموني فافعلوا، فعطفوا عليه، وأصاب سهم عمرو بن النعمان البياضي فقتله، فانهزم الخزرج، وصاح صائح: يا معشر الأوس، أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم، فانتهوا عنهم ولم يسلبوهم، وإنما سلبهم اليهود، وحملت الأوس حضيرا مجروحا، فمات، ورثاه خفاف بن ندية بقوله:
أتاني حديث فكذبته ... وقيل خليلك في المرمس١
فيا عين أبكي حضير الندى ... حضير الكتائب والمجلس
وسمى ابن الأثير هذا اليوم: يوم الفجار الثاني؛ لقتل الغلمان فيه. وقيل: إن قتل الغلمان كان بسبب امتناع اليهود عن إخلاء دورهم الجيدة الهواء للخزرج, الذين كانوا يراودونهم على ذلك.
وقد ألف الله بين قلوب الأوس والخزرج بعد ذلك بالإسلام، وأصبحوا لرسوله أنصارا٢.
٢- يوم سمير:
سببه: أن رجلا يقال له كعب بن العجلان من بني ذبيان، نزل على مالك بن العجلان زعيم الخزرج محالفة، وأقام معه، فخرج كعب يوما إلى السوق، فرأى رجلا من غطفان ومعه فرس وهو يقول: "ليأخذ هذا الفرس أعز أهل يثرب"، فقال رجل: فلان الأوسي, وقال غيره: فلان الخزرجي.
стр. 400
وقال ثالث: فلان اليهودي أفضل أهلها, وقال رابع: مالك بن العجلان. فدفع الغطفاني الفرس إليه، فقال كعب: ألم أقل لكم: إن حليفي مالكا أفضلكم؟ فغضب لذلك رجل من الأوس، فقام له سمير وشتمه وافترقا. ثم حدث بعد ذلك أن كعبا قصد سوقا لهم بقباء، فقصده سمير وانتظر حتى خلت السوق فقتل كعبا وأخبر مالك بن العجلان بقتله، فأرسل إلى آل سمير يطلب قاتله، فقالوا: لا ندري من قتله ... وترددت الرسل بينهم، وهو يطلب سميرا وهم ينكرون قتله، ثم عرضوا عليه الدية فقبلها، وكانت دية الحليف فيهم نصف دية النسيب. فأبى مالك إلا أخذ دية كاملة، ولج الأمر بينهم حتى إلى المحاربة, فاجتمعوا، والتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا، وافترقوا، ثم التقوا مرة أخرى واقتتلوا، حتى حجز الليل بينهم، وكان الظفر يومئذ للأوس، ثم أرسلت الأوس تطلب أن يحكم بينهم المنذر بن حرام الخزرجي جد حسان بن ثابت الشاعر، وأجابهم إلى ذاك، وحكم المنذر بأن يعطوا كعبا حليف مالك دية الصريح، ثم يعودوا إلى سنتهم القديمة، وفرحوا بذلك وحملوا الدية، وافترقوا وقد تمكنت البغضاء والعداوة في نفوسهم.
٣- يوم السرارة:
وسببه: أن رجلا من بني عمرو من الأوس، قتله رجل من بني الحارث من الخزرج، فعدا أهل القتيل على القاتل وقتلوه غيلة، وعرف ذلك أهله، فكانت حرب بين الفريقين شديدة، حمل راية الخزرج فيها عبد الله بن سلول، وراية الأوس حضير بن سماك، وصبر القوم بعضهم لبعض أربعة أيام ثم انصرفت الأوس إلى دورها، ففخرت الخزرج بذلك.
٤- يوم حاطب:
توالت الحروب بعد يوم السرارة، حتى إذا مرت مائة سنة من يوم سمير، إذ بحرب تعرف بيوم حاطب وقعت بين الفريقين.
وسببها: أن حاطبا الأوسي -وكان شريفا سيدا في قومه- أتاه ضيف من بني ثعلبة، ثم غدا يوما إلى سوق بني قينقاع, فرآه يزيد الخزرجي، فقال
стр. 401
لرجل من اليهود: لك ردائي إن كسعت هذا الثعلبي؛ فأخذ الرداء وكسعه، فنادى الثعلبي: يا لحاطب, كسع ضيفك وفضح، وعرف حاطب الأمر، فجاء وضرب اليهودي بالسيف فقتله، وعلم يزيد الخزرجي فأسرع خلف حاطب فلم يدركه، فقتل رجلا من أهله, فقامت الحرب بين الأوس والخزرج، وسعى بينهما جماعة من فزارة بالصلح، فلم تفلح مساعيها، واستمرت الحرب بينهما سجالا: يوما للأوس، ويوما للخزرج, حتى انتهت بظفر الخزرج.
وتجددت الحرب بعد ذلك، وكان الفريقان يتصالحان على الديات، وطال أمر الحرب حتى سئمت الأوس، فصارت إلى قريش بمكة تطلب محالفتها، فأجابت قريش طلب الحلف، ثم تحللت منه، فطلبت الأوس إلى بني قريظة وبني النضير الحلف على الخزرج، فأجابوهم إلى ذلك، ثم عادوا فنقضوا.
٤- أيام قريش:
ولقريش أيام، من أهمها حروب "الفجار"، ولا سيما الفجار الرابع. وهذه هي:
الفجار الأول: جلس بدر بن معشر الغفاري في مجلس له بعكاظ -وكان بدر رجلا حدثا منيعا مستطيلا بمنعته على من ورد عكاظ- فجعل يقول، ورجل على رأسه قائم:
نحن بنو مدركة بن خندف ... من يطعنوا في عينه لا يطرف
ومن يكونوا قومه يغطرف ... كأنهم لجة بحر مسدف
وهو باسط رجله, يقول: "أنا أعز العرب، فمن زعم أنه أعز مني, فليضرب هذه بالسيف فهو أعز مني". فوثب رجل من بني نصر بن معاوية، فضربه على ركبته فأندرها، ثم قال له: "خذها إليك أيها المخندف"، وأنشد وهو ماسك سيفه:
стр. 402
نحن بنو دهمان ذي التغطرف ... بحر لبحر زاخر لم ينزف
نبني على الأحياء بالمعروف
فتحير الحيان عند ذلك، وثارا حتى كادت تكون فتنة ودماء, ثم تراجعوا ورأوا أن الخطب يسير. وذكروا رواية أخرى في الفجار الأول، وهي ما سنذكره في الفجار الثالث، وهذا الذي هاج أول أيام الفجار بين كنانة وهوازن.
الفجار الثاني: أما الفجار الثاني، فقد كان بين قريش وهوازن. وكان الذي هاجه، أن فتية من قريش جلسوا في سوق عكاظ إلى امرأة وضيئة من بني عامر بن صعصعة -وقيل: بل أطاف بها شباب من بني كنانة لا من قريش- وعليها برقع وهي في درع فضل، فأعجبهم ما رأوا من هيئتها، فسألوها أن تسفر عن وجهها، فأبت عليهم، فأتى أحدهم من خلفها فشد ذيلها بشوكة إلى ظهرها وهي لا تدري. فلما قامت تقلص الدرع من خلفها فضحكوا، وقالوا: منعتنا النظر إلى وجهها فقد رأينا خلفها. فنادت المرأة: "يا آل عامر! " فتحاور الناس، وكان بينهم قتال ودماء يسيرة، فحملها حرب بن أمية وأصلح بينهم.
الفجار الثالث: وهو بين كنانة وهوازن -وكنانة هم حلفاء قريش- وكان الذي هاجه أن رجلا من بني كنانة عليه دين لرجل من بني نصر بن معاوية, وكان الكناني فقيرا، فرآه دائنه النصري بسوق عكاظ، ومع النصري قرد وأنحى به السوق. فوقف في السوق ونادى: "من يبيعني مثل هذا القرد بما لي على فلان الكناني؟ " وجعل يعيد النداء حتى أكثر؛ تعييرا للكناني ولقومه. فمر به رجل من بني كنانة فسمعه وضرب القرد بسيفه فقتله. فهتف النصري: يا آل هوازن؟ وهتف الكناني: يا آل كنانة! فتهايج الناس حتى كاد يكون بينهم قتال. ثم رأوا أن الخطب أيسر مما تكلفوا له فتراجعوا, ولم يتفاقم الشر بينهم.
стр. 403
الفجار الرابع: وقعت هذه الحرب وكان بود قريش ألا تقع؛ لميلها إلى السلم الضروري لتجارتها، وكانت تجنح إلى السلم في كثير من أمورها وخاصة مع قبيلة هوازن, التي لها القوة والمنعة حول عكاظ، فإن قريشا ترهب جانبها وتجتنب ما يعكر الصفو بينها وبين هوازن؛ حرصا على سلامة الموسم وعلى تجارتها فيه.
وقد سميت بالفجار؛ لأنها وقعت في الأشهر الحرم وهي الشهور التي تعظمها العرب, وتحرم فيها القتل والقتال فيما بينها. فلما خرج المتحاربون فيها على شريعة العرب, كانوا فاجرين بذلك. وأيامها خمسة تفرقت على أربع سنين.
سنتها: من الصعب تعيين سنة هذه الحروب؛ لما ورد فيها من تضارب الروايات، فقد أجمعت المصادر على أن رسول الله ﷺ حضرها بنفسه، ثم افترقت فرقتين:
فابن هشام ومن تابعه يجعلون سن الرسول لما حضرها أربع عشرة سنة، ومنهم صاحب العقد الفريد الذي يروي في ذلك حديثا, هذا نصه: "كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار, وأنا ابن أربع عشرة سنة".
وابن إسحاق ومن تابعه -ومنهم صاحب القاموس والأصفهاني وابن سعد- جعل سنه حينئذ عشرين سنة.
وهناك غموض آخر اشترك فيه الفريقان معا، وهو أن أيام الفجار الآخر تفرقت على أربع سنين، ففي أيتهن كان عمره أربع عشرة؟ ونبله ﷺ على أعمامه فسر بوجهين: أما صاحب العقد الفريد فقال: أنبل بمعنى: أناولهم النبل، وهو خلاف ما ذهب إليه ابن هشام في سيرته من أن معناه: أنه كان يرد عنهم نبل عدوهم.
إلا أن تعدي الفعل بـ "على" يرجح التفسير الأول؛ فقد جاء في القاموس: نبل عليه: لقط له النبل. وروى الحديث "في مادة فجر"، وكذلك رواه ابن سعد على هذه الصيغة: "كنت أنبل على عمومتي يوم الفجار، ورميت فيه بأسهم، وما أحب أني لم أكن فعلت".
стр. 404
فإن يكن رسول الله ﷺ حضر الأيام جميعها، وكانت سنه أول ما هاجت خمس عشرة سنة -على إحدى روايتي ابن هشام- أمكن التوفيق بين الروايات على وجه التقريب، فتكون الحرب قد وضعت أوزارها وقد أشرفت سنه على العشرين. فكان يلتقط السهام في أولها ويرمي بنفسه في آخرها، فعلى الرواية الأولى تكون الحرب قد وقعت قبل البعثة بخمسة وعشرين عاما، وتوافق سنة "٥٨٥" للميلاد المسيحي.
سبب الحرب:
من عادة النعمان بن المنذر -ملك الحيرة- أنه يرسل كل عام إلى سوق عكاظ لطيمة "وهي الجمال تحمل المسك والطيب"، بحماية رجل شريف من أشراف العرب، يحميها له حتى تصل إلى السوق فتباع فيها, ويشترى له بثمنها أدم من أدم الطائف.
ولا يقوم عادة بعبء حمايتها إلا رجل منيع، لقومه عدد وعزة، وكان الذي يجيرها في الغالب سيد مضر١.
فلما جهز النعمان اللطيمة لهذا العام "٥٨٥م"، قال: "من يجيرها؟ " وكان بحضرته أناس من أشراف القبائل، فانبرى له البراض بن قيس الضمري، وكان فتاكا يضرب بفتكه المثل، فقال، "أنا أجيرها على بني كنانة"، فقال النعمان: "ما أريد إلا رجلا يجيرها على أهل نجد وتهامة" فقام عروة الرجال -أحد أشراف هوازن وكبرائهم- فقال:
"أكلب خليع يجيرها لك؟ أبيت اللعن، أنا أجيرها لك على أهل الشيح والقيصوم" يريد عامة العرب, فحقدها عليه البراض، وقال: "أعلى بني كنانة تجيرها يا عروة؟ " قال: "نعم، وعلى الناس كلهم". فحمي البراض؛ إذ عدها استهانة به واستخفافا بقومه, وأضمرها في نفسه غدرة شنعاء.
стр. 405
ودفع النعمان اللطيمة إلى عروة فخرج بها, فتبعه البراض وعروة يرى مكانه ولا يخشى منه شيئا؛ لأنه منيع بين قومه من غطفان، حتى إذا بلغوا "فدك" نزل عروة في أرض يقال لها "أوارة", فشرب الخمر وغنته قينة ثم قام فنام.
اغتنم الفرصة البراض، وانسلَّ إليه في خبائه، فلما رآه عروة ناشده واعتذر إليه، وقال: "كانت مني زلة"، فلم يفد الاعتذار شيئا ولم يخفف مما يضطرم في صدر البراض من الحقد، فانقضَّ على عروة فقتله، وخرج يرتجز، ويقول:
قد كانت الفعلة مني ضلة
هلا على غيري جعلت الزلة
فسوف أعلو بالحسام القلة
ثم أنشد:
وداهية يهال الناس منها ... شددت لها بني بكر ضلوعي
هدمت بها بيوت بني كلاب ... وأرضعت الموالي بالضروع
جمعت له يدي بنصل سيف ... فخر يميد كالجذع الصريع
واستاق اللطيمة إلى خيبر، وبعث رسولا مستعجلا إلى حرب بن أمية، يخبره أنه قتل عروة فليحذر قيسا، فتبعه رجلان من غطفان يريدان قتله، فكان هو أول من لقيهما، فعرف ما قصدا إليه فنوى التعجيل بهما، فقال لهما: "ممن الرجلان؟ " قالا: "من غطفان وغني بهذه البلدة" قالا: "ومن أنت؟ " قال: "من أهل خيبر"، قالا: "ألك علم بالبراض؟ "، قال: "دخل طريدا خليعا فلم يؤوه أحد بخيبر ولا أدخله بيتا". قالا: "فأين يكون؟ "، قال: "فهل لكما به طاقة إن دللتكما عليه؟ "، قالا: "نعم"، قال: "فانزلا"، فنزلا فعقلا راحلتيهما. قال البراض: "فأيكما أجرأ عليه وأمضى مقدما وأحد سيفا؟ "، قال الغطفاني: "أنا", قال: "فانطلق أدلك عليه ويحفظ صاحبك راحلتيكما"، ففعل.
وانطلق البراض يمشي بين يدي الغطفاني حتى انتهى إلى خربة في جانب خيبر، خارجة عن البيوت، فقال البراض: "هو في هذه الخربة وإليها يأوي
стр. 406
فأنظرني حتى أنظر أثم هو أم لا؟ "، فوقف له الرجل ودخل البراض ثم خرج إليه، وقال: "هو نائم في البيت الأقصى خلف هذا الجدار عن يمينك إذا دخلت, فهل عندك سيف فيه صرامة؟ "، قال: "نعم", قال: "أرني سيفك أنظر إليه أصارم هو؟ "، فأعطاه إياه، فهزه البراض ثم ضربه به فقتله، ووضع السيف خلف الباب.
وأقبل على الغنوي فقال: "ما وراءك؟ "، قال البراض: "لم أر أجبن من صاحبك، تركته قائما في الباب الذي فيه الرجل -والرجل نائم- لا يتقدم إليه ولا يتأخر عنه". قال الغنوي: "يا لهفاه! لو كان أحد ينظر راحلتينا". قال البراض: "هما عليَّ إن ذهبتا"، فانطلق الغنوي والبراض خلفه، حتى إذا جاوز الغنوي باب الخربة أخذ البراض السيف من خلف الباب ثم ضربه به حتى قتله، وأخذ سلاحيهما وراحلتيهما ثم انطلق.
٥- وفيما يلي تفصيل أيام الفجار الرابع:
يوم نخلة:
بلغ قريشا خبر البراض وقتله عروة، وفزعوا أن تعلم بذلك هوازن فتدهمهم وكانوا في عكاظ في الشهر الحرام فخلصوا نجيا "واتفق رأيهم أن يخاطبوا عامر بن مالك سيد قيس بذلك، فأتوه وأخبروه، فأجاز مالك بين الناس وأعلم قومه ما قيل له, وأوشكوا أن يصطلحوا" لكن فريقا منهم خافوا أن يكون قومهم بمكة في ضيق، فانسلوا من عكاظ وهوازن لا تشعر بهم, وتوجهوا نحو مكة رجاء أن ينصروا.
وكان من عادة العرب إذا وفدت على عكاظ أن تدفع أسلحتها إلى عبد الله بن جدعان -وكان هذا سيدا حكيما مثريا من المال- فتبقى عنده أسلحة الناس حتى يفرغوا من أسواقهم وحجهم, فيردها عليهم إذا ظعنوا. فلما كان من أمر البراض ما كان, قال حرب بن أمية لابن جدعان: "احتبس قبلك سلاح هوازن".
стр. 407
فقال عبد الله: "أبا الغدر, تأمرني يا حرب؟ فوالله لو أعلم أنه لا يبقى فيها سيف إلا ضربت به ولا رمح إلا طعنت به ما أمسكت منها شيئا. ولكن لكم مائة درع ومائة رمح ومائة سيف تستعينون بها"، ثم صاح ابن جدعان في الناس: "من كان له قبلي سلاح, فليأت وليأخذه" فأخذ الناس أسلحتهم.
وبعث ابن جدعان وحرب بن أمية وهشام والوليد ابنا المغيرة إلى أبي براء سيد قريش: "إنه قد كان بعد خروجنا حرب, وقد خفنا تفاقم الأمر, فلا تنكروا خروجنا". وساروا راجعين إلى مكة "أغاني ١٩/ ٧٦"، فلما كان آخر النهار بلغ أبا البراء قتل البراض عروة فقال: "خدعني حرب وابن جدعان"، وركب فيمن حضر عكاظ من هوازن في إثر القوم فأدركوهم في نخلة قبيل الحرم، فناوشوهم شيئا من القتال يسيرا حتى جاء الليل، ودخلت قريش الحرم فأمسكت هوازن عنهم ونادوهم: يا معشر قريش! إنا نعاهد الله ألا نبطل دم عروة الرحال أبدا أو نقتل به عظيما منكم، وميعادنا وإياكم هذه الليالي من العام المقبل. ونادى رجل من بني عامر:
لقد وعدنا قريشا وهي كارهة ... بأن تجيء إلى ضرب رعابيل
فقال حرب بن أمية لأبي سفيان ابنه: قل لهم: "إن موعدكم قابل في هذا اليوم". وتعرف هذه الوقعة بيوم نخلة١, وقد تعطلت السوق فلم تقم تلك السنة. فقال خداش بن زهير يذكر قريشا بها ويعيرهم، وكانت العرب تسمي قريشا "سخينة"؛ لأكلها السخينة وهي طعام رقيق يتخذ من دقيق:
يا شدة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم
إذ يتقينا هشام بالوليد ولو ... أنا ثقفنا هشاما شالت الجذم
стр. 408
لما رأوا خيلنا تزجى أوائلها ... آساد غيل حمى أشبالها الأجم
ولوا شلالا وعظم الخيل لاحقة ... كما تخب إلى أعطانها النعم
بين الأراك وبين المرج تبطحهم ... زرق الأسنة في أطرافها السهم
فإن سمعتم بجيش سالك سرفا ... وبطن مر فأخفوا الجرس واكتتموا
وهذا غاية في التعبير, وفي وصف هذه الحرب حتى صار الأخ يفتدي نفسه بأخيه.
يوم شمظة ١:
شمظة: موضع في عكاظ نزلته كنانة بعد عام من يوم نخلة, حسبما اتعدوا لهم وهوازن، فاحتشدت كنانة: قريشها، وعبد منافها, والأحابيش ومن لحق بهم، وسلح يومئذ عبد الله بن جدعان مائة كمي بأداة كاملة سوى من سلح من قومه, وعلى إحدى مجنبتي كنانة عبد الله بن جدعان، وعلى الثانية كريز بن ربيعة، وأمر الجميع إلى حرب بن أمية الذي كان في القلب, أما هوازن وأحلافها فأمرها إلى مسعود بن معتب الثقفي, واعتزل فريق من الحيين فلم يشهد الحرب. ثم تناهض الناس وزحف بعضهم إلى بعض، فكانت الدائرة أول النهار لكنانة على هوازن، حتى إذا كان آخر النهار تداعت هوازن وصابرت، فانقشعت كنانة واستمر القتل فيهم، فقتل منهم تحت رايتهم مائة رجل، ولم يقتل من قريش يومئذ أحد يذكر، وذلك قول خداش بن زهير:
فأبلغ إن عرضت بنا هشاما ... وعبد الله أبلغ والوليد
أولئك إن يكن في الناس خير ... فإن لديهم حسبا وجودا
هم خير المعاشر من قريش ... وأوراهم إذا قدحت زنودا
بأنا يوم "شمظة" قد أقمنا ... عمود المجد إن له عمودا
стр. 409
فجاءوا عارضا بردا وجئنا ... كما أضرمت في الغاب الوقودا
فعانقنا الكماة وعانقونا ... عراك النمر واجهت الأسودا
ونادوا يا لعمرو لا تفروا ... فقلنا لا فرار ولا صدودا
فولوا نضرب الهامات منهم ... بما انتهكوا المحارم والحدودا١
فلم أر مثلهم هزموا وفلوا ... ولا كذيادنا عنقا مذودا
يوم العبلاء ٢:
عاد الأحياء المذكورون من هؤلاء وأولئك، فالتقوا من قابل في اليوم الثالث من أيام عكاظ بالعبلاء, فاقتتلوا على التعبئة التي تقدمت.
فكان هذا اليوم أيضا لهوازن على قريش وكنانة, فأصيبت قريش وقتل أحد صناديدها: العوام بن خويلد، والد الزبير بن العوام، حواري رسول الله ﷺ ، قتله مرة بن متعب الثقفي، فقال في ذلك رجل من ثقيف يفتخر بقتله؛ لما له من الخطر:
منا الذي ترك العوام منجدلا ... تنتابه الطير لحما بين أحجار
وفي هذا يقول شاعر هذه الحروب من هوازن، خداش بن زهير:
ألم يبلغكم أنا جدعنا ... لدى العبلاء خندف بالقياد
ضربناهم ببطن عكاظ حتى ... تولوا طالعين من النجاد
ويقول:
ألم يبلغك ما لقيت قريش ... وحي بني كنانة إذ أبيروا
دهمناهم بأرعن مكفهر ... فظل لنا بعقوتهم زهير٢
стр. 410
يوم شرب ١:
ثم التقوا على رأس الحول في اليوم الثالث من عكاظ أيضا بشرب، وشرب من عكاظ, ولم يكن بين الفريقين يوم أعظم منه، صدقوا فيه الحملة، وصبروا حفاظا وحمية، وقد أبلت فيه قريش بلاء حسنا. وكان الذي أحماهم أن لهوازن عليهم يومين ذهبوا بفخرهما, فحافظت قريش وكنانة وصابرت بنو مخزوم وبنو بكر، وقيد ثلاثة من شجعان قريش وأشرافها أنفسهم، وقالوا: "لا يبرح منا رجل من مكانه حتى يموت أو نظفر"، وهم: أبو سفيان وحرب ابنا أمية وأبو سفيان بن حرب والد معاوية. وكان على الفريقين رؤساؤهم السابقون، واستمر القتال بهذه الشدة حتى انهزمت هوازن وقيس كلها رغم عددها وعدتها، إلا بني نصر, فإنهم صبروا مع ثقيف؛ وذلك لأن عكاظ بلدهم، لهم فيها نخل وأموال، إلا أنهم لم يغنوا شيئا ثم انهزموا أيضا, وقتلت هوازن يومئذ قتلا ذريعا. وذهبت بفخر هذا اليوم كله كنانة وقريش، فارتفعت أصوات شعرائهم تخلِّد هذا النصر المؤزر، وما لها لا تفعل وقد لقيت خزيا كبيرا من شعراء هوازن؟! وما شأن شاعر تفقده أمته يوم الحاجة؟! وأي غناء لشاعر لا قوم له؟! فقال أمية بن أبي الأسكر الكناني:
стр. 411
ألا سائل هوازن يوم لاقوا ... فوارس من كنانة تعلمينا
لذي شرب وقد جاشوا وجشنا ... فأوعب في النفير بنو أبينا١
وقال:
قومي اللذو بعكاظ طيروا شررا ... من روس قومك ضربا بالمصاقيل٢
وقال جذل الطعان:
جاءت هوازن أرسالا وإخوتها ... بنو سليم فهابوا الموت وانصرفوا
فاستقبلوا بضراب فض جمعهم ... مثل الحريق فما عاجوا ولا عصفوا
يوم الحريرة ٣:
وهو آخر أيامهم، ثم التقوا على رأس الحول بالحريرة، وهي حرة إلى جنب عكاظ مما يلي مهب جنوبها، وعلى كل قوم رؤساؤهم السابقون. فاقتتلوا قتالا شديدا كان شؤما على قريش وأحلافها، قتل فيه من كنانة ثمانية نفر، وقتل أبو سفيان بن أمية أخو حرب جد معاوية. وكان يوما لهوازن فخره ونصره، فلعلع صوت شاعر هوازن بهذه الصاعقة المجلجلة:
إني من النفر المحمر أعينهم ... أهل السواء وأهل الصخر واللوب٤
الطاعنين نحور الخيل مقبلة ... من كل سمراء لم تغلب ومغلوب
وقد بلوتم فأبلاكم بلاؤهم ... يوم الحريرة ضربا غير مكذوب
لاقتهم منهم آساد ملحمة ... ليسوا بدارعة عوج العراقيب
فالآن إن تقبلوا نأخذ نحوركم ... وإن تباهوا فإني غير مغلوب
стр. 412
وقال الحارث بن كلدة الثقفي:
تركت الفارس البذاخ منهم ... تمج عروقه علقا عبيطا
دعست بناته بالرمح حتى ... سمعت لمتنه فيه أطيطا
لقد أرديت قومك يابن صخر ... وقد جشمتهم أمرا شطيطا
وكم أرسلت منكم من كمي ... جريحا قد سمعت له غطيطا١
ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقى الرجل، والرجلان يلقيان الرجلين, فيقتل بعضهم بعضا. فلقي ابن محمية بن عبد الله الدبلي زهير بن ربيعة أبا خداش، فقال زهير: "إني حرام" جئت معتمرا، فقال له: ما تُلْقَى طوال الدهر إلا قلت: أنا معتمر, ثم قتله.
انقضت هذه الأيام الخمسة في أربع سنين, ثم تداعى الفريقان إلى السلم على أن يذروا الفضل في الدماء والأموال، ويتعاهدوا على الصلح.
عقدوا على ذلك المواثيق, وبقيت هذه الأحداث للذكرى والفخر، يتمجد كل شاعر قوم بما فعل قومه، ويتغنى بما كان لهم من محامد. وانظر إن شئت أن ترى آثار ذكرها في مثل قول الشاعر:
وإن قصيا أهل عز ونجدة ... وأهل فعال لا يرام قديمها
هم منعوا يومي عكاظ نساءنا ... كما منع الشولَ الهجانَ قرومُها٢
أو قول عاتكة بنت عبد المطلب, تخلد نصر قومها في هذه المقطوعة الرائعة:
سائل بنا في قومنا ... وليكف من شر سماعه
قيسا وما جمعوا لنا ... في مجمع باق شناعه
فيه السنور والقنا ... والكبش ملتمع قناعه
стр. 413
بعكاظ يعشي الناظريـ ... ـن إذا هم لمحوا شعاعه
فيه قتلنا مالكا ... قسرا وأسلمه رعاعه
ومجندلا غادرنه ... بالقاع تنهشه ضباعه
هذا, وكانت تجارة العراق في عكاظ وما يفيده من يجيرها من أرباح مادية ومعنوية هو وقبيلته, سببا مغريا في هذه الحروب.
وأيام الحجازيين كثيرة لا نستطيع استيعابها في هذا المجال, وحسبنا ما ذكرنا منها، على أننا نشير إلى طائفة أخرى منها كالأيام التي اشتبكت فيها قبيلة ذبيان مع غيرها من القبائل، كعيس وبني عامر، وكيوم حوزة الأول لسليم على غطفان، ويوم حوزة الثاني، ويوم الكديد لسليم على كنانة، ويوم فزارة لكنانة على سليم، ويوم الفيفاء لسليم على كنانة ... إلخ١.
стр. 414
ثانيا: صميم الشعر السياسي
١- يجمل بنا في صدر هذا الموضوع أن نلم بالمعاني اللغوية لكلمة "سياسة" والمادة التي اشتقت منها قبل أن نعرض لمعناها الاصطلاحي الذي يبنى عليه تعريف "الشعر السياسي".
تقول كتب اللغة: السَّوْس: الرياسة, وإذا رأس القوم أحدا قيل: سوسوه، وأساسوه, وساس الأمر سياسة: قام به, ورجل ساس: من قوم ساسة، وسوَّاس. وأنشد ثعلب:
سادة قادة لكل جميع ... ساسة للرجال يوم القتال
وسست الرعية سياسة. وفي الحديث الشريف: "كان بنو إسرائيل يسوسهم أنبياؤهم"، أي: تتولى أمورهم، كما يفعل الأمراء والولاة بالرعية.
فالسياسة إذًا -كما وردت في المعاجم العربية- تعني تدبير أمور الناس, والقيام بشئونهم، والرياسة عليهم، وتملك زمام الحكم فيهم.
فما العلاقة بين هذا المعنى وهو تدبير أمور الرعية، والمعاني اللغوية الأخرى؟
ورد في هذه المادة: السياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، والسياسة: فعل السائس. يقال: هو يسوس الدواب, إذا قام عليها وراضها١. ويقال: سوس له أمرا أي: روضه وذلَّله. ومن هذا نستنتج أن الأصل الملحوظ فيمن يسوس أمور الناس، أن يتوخى أسباب الإصلاح, وأن السياسة تقتضي تذليل الصعاب وحل المشكلات، وترويض الشمس من الأفراد، كما يروض السائس الأفراس.
هذا في العربية، وأما في اللغات الإفرنجية، فكلمة سياسة هي: "policy" في الإنجليزية، وأصلها في الإغريقية: "politeia"، وفي اللاتينية: "politia". ومعاني هذه الكلمة في المعاجم الغربية تمضي على النحو الآتي:
١- فن أو طريقة تنظيم أو توجيه السلوك.
٢- طريقة العمل.
٣- المنهج أو الأشكال التي يستطيع بها حكومة الإقليم أو الإدارات أن تسير بها الأمور.
٤- نظام للإدارة توجه المصالح أكثر مما توجهه المبادئ.
٥- الحذق في الإدارة.
٦- البراعة، الحذق، الفطنة.
٧- الخداع٢.
стр. 415
ونلاحظ أن المعاني اللغوية الأخرى لمادة "سياسة" في اللغات الإفرنجية وثيقة الصلة بالمعنى الجوهري الذي يعنينا، وهو: الهيمنة على أمور الأمة وتنظيم شئونها. ذلك أن السياسة -في الواقع- تقتضي الحذق والبراعة والفطنة واللقانة ... ولم تذكر هذه المعاني في المادة "سياسة" العربية. إلا أن هذه المادة وردت كما سبق بمعنى الترويض, والترويض بطبيعته يقتضي الحذق والمهارة والقدرة الفائقة على تذليل الصعائب.
ووردت السياسة بمعنى الخداع والمكر في الإنجليزية، ولم ترد كذلك في العربية. ولعل في هذا المعنى يكمن الفرق بين النفس العربية والنفس الإنجليزية.
وإذا أنشدنا معنى السياسة عند المحدثين وجدناها تعني: حكم الأمم أو فن هذا الحكم، ووجدنا علم السياسة: هو ما يبحث في حكم الأمم من حيث أشكاله ونظمه ومقدار ملاءمته لأحوال الشعوب سواء أكان هذا البحث تاريخيا يتناول نظم الحكم في أطوارها المتعاقبة أم واقعيا يتناولها كما هي الآن. وإذا كان علم السياسة يتناول الحياة الداخلية للدولة أولا، ثم يتناول العلاقات بين الدول ثانيا, ومعنى ذلك أن يكون موضوع هذا العلم ذا شقين: النظم والأشكال التي تخضع لها الحكومات, كل في داخلها، والنظم والالتزامات التي تربط الدول كلا بالأخرى. وهناك الجانب الثاني وهو ما يدعى في القانون الدولي بالسياسة داخلية وخارجية كما هو معروف، والسياسة الخارجية تقوم بين الدول على قوانين السلم والحرب١.
وإذا كانت هذه هي السياسة، فماذا عسى أن يكون الشعر السياسي؟! إنه بالطبع ذلك الشعر الذي يتصل بها سواء كانت داخلية أو خارجية. وبعبارة أخرى هو: ذلك الفن من الكلام الذي يتصل بنظام الدولة الداخلي، وعلاقتها الخارجية بالدول الأخرى.
стр. 416
ويحسن بمؤرخي الأدب العربي أن يذهبوا في تفسير الشعر الجاهلي مذهبا أوسع أفقا، فيفسروه على اعتبار أن كثرته شعر قبلي أو سياسي قيل في سبيل القبيلة أو الإمارة أو الجمهورية، وكان خاضعا في إنشائه لهذه الغاية وهي مكانة القبيلة، وسيادتها، على الرغم من أنه كان مدحا وهجاء وفخرا ورثاء، فكل تلك, كانت في الغالب فنونا جزئية أو معاني فرعية لهذا الموضوع العام أو الهدف الرئيسي, وهو دولة القبيلة أو الإمارة أو الجمهورية كما سنرى.
والشعر القبلي والسياسي في الجاهلية يمكن رده إلى الأبواب الآتية:
أولا: شعر يقال في تأييد القبيلة, والتحفي بها، وبكاء موتاها، ووصف مرابعها، ونحو ذلك مما هو تاريخ لحياتها الخاصة.
ثانيا: شعر يقال ثورة عليها وهجاء لها؛ إذ قصرت في رعاية الفرد أو في الاحتفاظ بمكانتها وشرفها.
ثالثا: شعر هو فخر بالقبيلة على أعدائها, وهجاء لهم, ووعيد لهم بالويل والثبور، ثم تأييد لمكانة القبيلة عند احتكام أو مفاخرة.
رابعا: شعر هو ثورة على النظام القبلي أو الاجتماعي كله، ولا سيما ذلك النظام الاقتصادي الذي كون في نفوس الفقراء تبرما, فكان منهم الصعاليك١.
٣- أول ما يلقانا من هذا الشعر القبلي ما كان تحفيا بالقبيلة واعتزازا بمكانتها؛ لأنها موئل الشاعر ومعقد رجائه، ودولته التي يعيش في كنفها ويرتبط معها بهذا العقد الاجتماعي الذي أصلته التقاليد ووثقته العادات والنظم، فصار كلا الطرفين مكملا للآخر لا يستغنى عنه؛ هذا الاعتزاز بالقبيلة يدفع الشاعر إلى التغني بمآثرها وذكر قديمها, وما تمتاز به بين القبائل, دون أن يكون ذلك تعاليا على قبيلة بعينها, أو ردا على
стр. 417
شاعر خاص, وإن كان روحه مشعرا بفضل قومه على من سواهم؛ هو شعر قبلي يصور العشيرة كما هي أو كما يتصورها شاعرها الممتاز ... ومن أمثلة ذلك في شعر الحجازيين قول حسان بن ثابت من قصيدة في مدح عمرو بن الحارث الغساني:
ولقد تقلدنا العشيرة أمرها ... ونسود يوم النائبات ونعتلي
ويسود سيدنا جحاجح سادة ... ويصيب قائلنا سواء المفصل
وتحاول الأمر المهم خطابة ... فيهم ونفصل كل أمر معضل
وتزور أبواب الملوك ركابنا ... ومتى نحكم في البرية نعدل
فقومه زعماء مقدمون في الشدائد, سديدو الرأي, أمجاد عدول, تحترمهم الملوك, وحسان هنا يصور مجد عشيرته الخزرج اليمنيين الذين يتصلون بالغساسنة ملوك الشام, وهو شعر في سبيل قومه، ومن ذلك قوله من قصيدة:
لنا حاضر فعم وباد كأنه ... شماريخ رضوى عزة وتكرما
متى ما تزنا من معد بعصبة ... وغسان نمنع حوضنا أن يهدما
بكل فتى عاري الأشاجع لاحه ... قراع الكماة يرشح المسك والدما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
نسود ذا المال القليل إذا بدت ... مروءته فينا وإن كان مقدما ... إلخ
وكلها صور تقوم على الفضائل الجاهلية المتصلة بالسيادة والمجد وشرف النسب وسعة السلطان، وقد بقيت نزعة السيادة هذه في شعر حسان سمة لقومه حتى بعد إسلامه، ولعلها كانت صدى لهذه المنافسة بين المهاجرين والأنصار، وقد دل على ذلك بقوله:
وكنا ملوك الناس قبل محمد ... فلما أتى الإسلام كان لنا الفضل
أولئك قومي خير قوم بأسرهم ... فما عد من خير قومي له أهل
ومن أمثلة هذا النوع من الشعر القبلي, هذه القصيدة المنسوبة للسموءل بن عادياء اليهودي:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
стр. 418
هذه الصورة الأولى من الشعر القبلي يغلب فيها عكوف الشاعر على قبيلته أو دولته الصغرى محتفيا بها، معجبا بمآثرها، لا يتحدى فيها شخصا ولا قبيلة، يمدحها به إيثارا لها على سائر القبائل. هو شعر قبلي داخل في سبيل كيان القبيلة وعزتها، أو هو شعر متصل بالنظام الأساسي للعشيرة وتدبير شئونها وسياستها١.
٤- وهناك صورة أخرى لهذا الشعر القبلي هي من حيث النزعة عكس سابقتها، فهي ثورة على القبيلة وتهوين شأنها, وهجاؤها؛ لأنها قصرت في الواجب عليها نحو الشاعر أو غيره، وكأنها بذلك نقضت هذا العهد الاجتماعي القاضي بحمايته والانتصار له، فكانت بذلك دون القبائل الأخرى، وتعرض كيانها للهوان، فكان على الشاعر أن يقومها ويلزمها القانون.
٥- ويلي ذلك نوع آخر من الثورة على النظام القبلي أو على النظام الاقتصادي والاجتماعي كله، ثورة الصعاليك, وهم جماعة فقراء من قبائل شتى، جمعت بينهم الخصاصة والحاجة وإعوازهم من مال هو عند غيرهم، فخرجوا على قبائلهم وتحللوا من نظمها، وأنكرهم قومهم، وأخذوا هم أنفسهم بالإغارة والنهب وسلب القبائل والأفراد ما لهم ثم توزيعها فيما بينهم، وكانوا رجالا أشداء عدائين، يسبقون الخيل، خبيرين بدروب الصحراء ومجاهلها، كراما، حديدي الإرادة، حسني الحيلة للخلاص إذا أسروا ... نذكر منهم ممن كان يعيش في منطقة الحجاز: الشنفرى وتأبط شرا، فهؤلاء وزملاؤهم مثلوا الخروج على النظام القبلي، وجعلوا وكدهم الحصول على المال ولو قتلوا أصحابه، لا يبالون في هذا قرابة. وقد طرحوا عن كواهلهم تقاليد العرب إلا ما ارتضوه لأنفسهم؛ يعطفون على الفقراء والمرضى والضعاف, ويبذلون ما عندهم
стр. 419
في سخاء, ويجمعون بين صفتي الكرم والسلب، فهم لصوص كرام شجعان, يعفون عن المحارم.
هذا التحلل من النظام القبلي تبعه تحلل من شخصية القبيلة في الشعر، فلم يعن هؤلاء الصعاليك بتمثلها والتعبير عنها، هم انفردوا بأنفسهم في الحياة وانفردوا بها في الشعر، فكان قصيدهم مثالا قويا لشخصياتهم وسلوكهم, لا يكتمون منه شيئا ولا يقصرون في التعبير عنه، فامتازوا بالصدق والصراحة والقوة، وظهرت هذه الصفات في فنهم، فكان طريفا مقبولا, هو من الشعر الغنائي الصحيح الذي يعتز بالشخصية الفردية, وبهذا المذهب الثوري أو الاشتراكي.
والذي يعنينا هنا أن شعر هؤلاء كان مثالا لشعر سياسي طريف، هو شعر الثورة والكفر بأوضاع فرضت عليهم الحرمان والفقر المدقع، بجانب هذا الفقر العام في البلاد كلها، حتى كانت حياة العرب خشنة مضطربة المناهج١.
وفي شعر الشنفرى وتأبط شرا من صعاليك الحجاز، وغيرهم من صعاليك العرب عامة، نرى مثالا واضحا لشعر المعارضة الثائر، الذي يصور تصويرا دقيقا حياة الصعاليك وفتكهم وجراءتهم، وقدرتهم الفائقة على العدو، وصبرهم على الجوع والمكاره، وخروجهم على نظام القبيلة العام، ونقدهم لهذا النظام، وثورتهم على الأغنياء البخلاء الذين يختصون بالأموال دون الفقراء.
والصعلوك يفارق قومه، ويقلي عشيرته؛ لأنها تقيم على ضيم، وهو يأبى الضيم، ولأنها تذيع السر، وهو يحفظ السر، ولأنها تخذل الجاني بما ارتكب من جنايات، وهو ينفر من هذا الخذلان. ولذا فهو يلتمس له مضطربا في الأرض ينأى به عن الأذى، ومنعزلا فيها يشعره بالحرية والكرامة، ويقيه أسباب القلى والبغض، وهو يستبدل بأهله وعشيرته أهلا وعشيرة من الحيوان والوحش، من كل ذئب قوي سريع ونمر أرقط ناعم الأديم، وضبع عرفاء "كثيفة شعر الرقبة"، من كل أبي باسل من هذه المخلوقات التي لا تذيع سرا ولا تخذل صديقا أيا كانت جريرته.
стр. 420
والصعلوك يأنس بالوحش كما تأنس به الوحش، فهذه الوعول الحمر تروح وتجيء حوله، بياض النهار, كأنها العذارى تجرر أذيالها، حتى إذا ما أقبل الأصيل ركدت حوله العصم من الوعول، وقد بدا في ذراعيها البياض، وهو بينها كالأدفى الذي طال قرنه جدا حتى ذهب قبل أذنيه، لا تنكره ولا ينكرها, كأنه واحد منها لطول ما خالطها وعاشرها. ولنستمع إلى الشنفرى وهو يصور ذلك، فيقول:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم وسواكم لأميل
فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطيات مطايا وأرحل١
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزل
لعمرك ما في الأرض ضيق على امرئ ... سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
ولي دونكم أهلون سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيئل٢
هم الأهل لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
وكل أبي باسل غير أنني ... إذا عارضت أولى الطرائد أبسل
.......................... ... ..........................
إلى أن يقول:
ترود الأراوى الصحم حولي كأنها ... عذارى عليهن الملاء المذيل
ويركضن بالآصال حولي كأنني ... من العصم أدفى ينتحي الكيح أعقل٣
стр. 421
وتأبط شرا في القصيدة الآتية يصور سرعة عدو الصعلوك, وحسن حيلته للخلاص من الأعداء:
يا عيد ما لك من شوق وإيراق ... ومر طيف على الأهوال طراق١
يسري على الأين والحيات محتفيا ... نفسي فداؤك من سار على ساق٢
إني إذا خلة ضنت بنائلها ... وأمسكت بضعيف الوصل أحذاق٣
نجوت منها نجائي من بجيلة إذ ... ألقيت ليلة خبت الريط أرواقي٤
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم ... بالعيكتين لدى معدى بن براق٥
كأنما حثحثوا حصا قوادمه ... أو أم خشف بذي شث وطباق٦
стр. 422
لا شيء أسرع مني ليس ذا عذر ... وذا جناح بجنب الريد خفاق١
حتى نجوت ولما ينزعوا سلبي ... بواله من قبيض الشد غيداق٢
ولا أقول إذا ما خلة صرمت ... يا ويح نفسي من شوق وإشفاق٣
لكنما عولي إن كنت ذا عول ... على بصير بكسب الحمد سباق٤
سباق غايات مجد في عشيرته ... مرجع الصوت هدا بين أرفاق٥
عاري الظنابيب، ممتد نواشره ... مدلاج أدهم واهي الماء غساق٦
حمال ألوية شهاد أندية ... قوال محكمة جواب آفاق٧
فداك همي وغزوي أستغيث به ... إذا استغثت بضافي الرأس نفاق٨
стр. 423
كالحقف حدأه النامون قلت له ... ذو ثلثين وذو بهم وأرباق١
وقلة كنان الرمح بارزة ... ضحيانة في شهور الصيف محراق٢
بادرت قنتها صحبي وما كسلوا ... حتى نميت إليها بعد إشراق٣
لا شيء في ريدها إلا نعامتها ... منها هزيم ومنها قائم باق٤
بشرثه خلق يوقي البنان بها ... شددت فيها سريحا بعد إطراق٥
بل من لعذالة خذالة أشب ... حرق باللوم جلدي أي تحراق٦
يقول أهلكت مالا لو قنعت به ... من ثوب صدق ومن بز وأعلاق٧
عاذلتي إن بعض اللوم معنفة وهل متاع وإن أبقيته باق
إني زعيم لئن لم تتركوا عذلي ... أن يسأل الحي عني أهل آفاق
стр. 424
أن يسأل القوم عني أهل معرفة ... فلا يخبرهم عن ثابت لاق١
سدد خلالك من مال نجمعه ... حتى تلاقى الذي كل امرئ لاق٢
لتقرعن علي السن من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي
والصعلوك أنوف يسلب ولا يطلب، وهو يفضل أن يستف تراب الأرض على أن تكون لأي إنسان يد في عنقه. وهو يجوع، ولكنه يقتل الجوع بالصبر عليه.. وإنها لتجربة شعورية عجيبة أن يميت الإنسان الجوع بإطالة مدى الجوع!! ولولا أنفة الصعلوك لعاش في بحبوحة من العيش، ولكنها نفسه الحرة التي لا تقبل الضيم ولا ترضى المذلة.
ولنستمع إلى الشنفرى وهو يصور كل ذلك، فيقول:
أديم مطال الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
وأستف ترب الأرض كيلا يرى له ... علي من الطول امرؤ متطول
ولولا اجتناب الذم لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدي ومأكل
ولكن نفسا حرة لا تقيم بي ... على الضم إلا ريثما أتحول
وقد كانت الصلات بين القبائل العربية قائمة على التنافس والتربص وانتهاز الفرص للظفر بمال أو شرف، وهذا هو ما نراه بين الدول في كل العصور ... فهو تنافس في السيادة والاستعمار وكسب الأسواق التجارية ومناطق المواد الأولية، وليس الصراع بين الدول الحديثة إلا صورة لما كان بين القبائل البدوية القديمة، فالأسباب واحدة وإن اختلفت الوسائل واتسعت الميادين.
هذا التنافس يرجع بين القبائل الجاهلية إلى عاملين رئيسين: مادي، وأدبي, فهو إما طمع في إبل أو مرعى أو بئر أو حمى أو فرس أو متاع ما، وإما رغبة
стр. 425
في رياسة أو أخذ بثأر أو اعتزاز بنفس أو مفاخرة بقوة أو غضب لجار أُهِين أو عهد نُقِض أو مجاراة لسفيه.
تلك الأسباب تركت الجزيرة العربية دائمة الغارات أو الحروب, لا تعدم في ناحية من نواحيها غارة مشنونة، أو صراعا بشعا يستمر أياما بل شهورا، وصارت حياة الناس رخيصة تذهب بسبب كلمة أو هفوة أو بلا سبب سوى السفاهة والعبث١. وأيام العرب الكبيرة كثيرة تجاوزت الألف بكثير سوى المغاورات الصغيرة.
ويجب أن نشير إلى أن أشعار الأيام وحوادثها قد دخلها التزيد والمبالغة؛ استجابة لدواعي العصبية وما تقتضيه طبيعة القصص من تهويل وتجميل، ومع ذلك فثمة قسط يمكن أن يوصف بالصحة استنادا إلى الطابع الفني الجاهلي، أو صحة روايته أو اتصاله بما يؤيده من أخبار وشواهد وثيقة.
وشعر الأيام فنون شتى تشمل الفخر والحماسة والمديح والرثاء ووصف المعارك الحربية والإشادة بشجاعة الشجعان وصبرهم وثباتهم, سواء كانوا من قوم الشاعر أو من أعدائهم وغير ذلك من المعاني، إلا أن هذه الألوان جميعها تخضع لهدف رئيسي واحد وهو مكانة القبيلة وقوتها ونفوذها وسلطانها بين القبائل الأخرى, فهو إذًا -مع بعض التجاوز- شعر السياسة الخارجية للقبيلة.
وقد ذكرنا في صدر هذا الفصل أطرافا من أيام الحجازيين في الجاهلية، مستشهدين بشيء مما قيل فيها من شعر في بعض الأحيان, وسنشير هنا إلى طائفة من الأشعار التي صبغتها الأيام بصبغة خاصة؛ ففي يوم بعثات قال قيس بن الخطيم قصيدته الحماسية التي مطلعها:
أتعرف رسما كاطراد المذاهب ... لعمرة وحشا غير موقف راكب
وفيها يفتخر قيس أنه من دعاة السلام, وأنه لا يبعث الحرب ظالما، ولكن إذا ما أبى الأعداء إلا الحرب أشعل نيرانها في كل جانب: