وتأبط شرا في القصيدة الآتية يصور سرعة عدو الصعلوك, وحسن حيلته للخلاص من الأعداء:
يا عيد ما لك من شوق وإيراق ... ومر طيف على الأهوال طراق١
يسري على الأين والحيات محتفيا ... نفسي فداؤك من سار على ساق٢
إني إذا خلة ضنت بنائلها ... وأمسكت بضعيف الوصل أحذاق٣
نجوت منها نجائي من بجيلة إذ ... ألقيت ليلة خبت الريط أرواقي٤
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم ... بالعيكتين لدى معدى بن براق٥
كأنما حثحثوا حصا قوادمه ... أو أم خشف بذي شث وطباق٦
стр. 422
لا شيء أسرع مني ليس ذا عذر ... وذا جناح بجنب الريد خفاق١
حتى نجوت ولما ينزعوا سلبي ... بواله من قبيض الشد غيداق٢
ولا أقول إذا ما خلة صرمت ... يا ويح نفسي من شوق وإشفاق٣
لكنما عولي إن كنت ذا عول ... على بصير بكسب الحمد سباق٤
سباق غايات مجد في عشيرته ... مرجع الصوت هدا بين أرفاق٥
عاري الظنابيب، ممتد نواشره ... مدلاج أدهم واهي الماء غساق٦
حمال ألوية شهاد أندية ... قوال محكمة جواب آفاق٧
فداك همي وغزوي أستغيث به ... إذا استغثت بضافي الرأس نفاق٨
стр. 423
كالحقف حدأه النامون قلت له ... ذو ثلثين وذو بهم وأرباق١
وقلة كنان الرمح بارزة ... ضحيانة في شهور الصيف محراق٢
بادرت قنتها صحبي وما كسلوا ... حتى نميت إليها بعد إشراق٣
لا شيء في ريدها إلا نعامتها ... منها هزيم ومنها قائم باق٤
بشرثه خلق يوقي البنان بها ... شددت فيها سريحا بعد إطراق٥
بل من لعذالة خذالة أشب ... حرق باللوم جلدي أي تحراق٦
يقول أهلكت مالا لو قنعت به ... من ثوب صدق ومن بز وأعلاق٧
عاذلتي إن بعض اللوم معنفة وهل متاع وإن أبقيته باق
إني زعيم لئن لم تتركوا عذلي ... أن يسأل الحي عني أهل آفاق
стр. 424
أن يسأل القوم عني أهل معرفة ... فلا يخبرهم عن ثابت لاق١
سدد خلالك من مال نجمعه ... حتى تلاقى الذي كل امرئ لاق٢
لتقرعن علي السن من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي
والصعلوك أنوف يسلب ولا يطلب، وهو يفضل أن يستف تراب الأرض على أن تكون لأي إنسان يد في عنقه. وهو يجوع، ولكنه يقتل الجوع بالصبر عليه.. وإنها لتجربة شعورية عجيبة أن يميت الإنسان الجوع بإطالة مدى الجوع!! ولولا أنفة الصعلوك لعاش في بحبوحة من العيش، ولكنها نفسه الحرة التي لا تقبل الضيم ولا ترضى المذلة.
ولنستمع إلى الشنفرى وهو يصور كل ذلك، فيقول:
أديم مطال الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
وأستف ترب الأرض كيلا يرى له ... علي من الطول امرؤ متطول
ولولا اجتناب الذم لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدي ومأكل
ولكن نفسا حرة لا تقيم بي ... على الضم إلا ريثما أتحول
وقد كانت الصلات بين القبائل العربية قائمة على التنافس والتربص وانتهاز الفرص للظفر بمال أو شرف، وهذا هو ما نراه بين الدول في كل العصور ... فهو تنافس في السيادة والاستعمار وكسب الأسواق التجارية ومناطق المواد الأولية، وليس الصراع بين الدول الحديثة إلا صورة لما كان بين القبائل البدوية القديمة، فالأسباب واحدة وإن اختلفت الوسائل واتسعت الميادين.
هذا التنافس يرجع بين القبائل الجاهلية إلى عاملين رئيسين: مادي، وأدبي, فهو إما طمع في إبل أو مرعى أو بئر أو حمى أو فرس أو متاع ما، وإما رغبة
стр. 425
في رياسة أو أخذ بثأر أو اعتزاز بنفس أو مفاخرة بقوة أو غضب لجار أُهِين أو عهد نُقِض أو مجاراة لسفيه.
تلك الأسباب تركت الجزيرة العربية دائمة الغارات أو الحروب, لا تعدم في ناحية من نواحيها غارة مشنونة، أو صراعا بشعا يستمر أياما بل شهورا، وصارت حياة الناس رخيصة تذهب بسبب كلمة أو هفوة أو بلا سبب سوى السفاهة والعبث١. وأيام العرب الكبيرة كثيرة تجاوزت الألف بكثير سوى المغاورات الصغيرة.
ويجب أن نشير إلى أن أشعار الأيام وحوادثها قد دخلها التزيد والمبالغة؛ استجابة لدواعي العصبية وما تقتضيه طبيعة القصص من تهويل وتجميل، ومع ذلك فثمة قسط يمكن أن يوصف بالصحة استنادا إلى الطابع الفني الجاهلي، أو صحة روايته أو اتصاله بما يؤيده من أخبار وشواهد وثيقة.
وشعر الأيام فنون شتى تشمل الفخر والحماسة والمديح والرثاء ووصف المعارك الحربية والإشادة بشجاعة الشجعان وصبرهم وثباتهم, سواء كانوا من قوم الشاعر أو من أعدائهم وغير ذلك من المعاني، إلا أن هذه الألوان جميعها تخضع لهدف رئيسي واحد وهو مكانة القبيلة وقوتها ونفوذها وسلطانها بين القبائل الأخرى, فهو إذًا -مع بعض التجاوز- شعر السياسة الخارجية للقبيلة.
وقد ذكرنا في صدر هذا الفصل أطرافا من أيام الحجازيين في الجاهلية، مستشهدين بشيء مما قيل فيها من شعر في بعض الأحيان, وسنشير هنا إلى طائفة من الأشعار التي صبغتها الأيام بصبغة خاصة؛ ففي يوم بعثات قال قيس بن الخطيم قصيدته الحماسية التي مطلعها:
أتعرف رسما كاطراد المذاهب ... لعمرة وحشا غير موقف راكب
وفيها يفتخر قيس أنه من دعاة السلام, وأنه لا يبعث الحرب ظالما، ولكن إذا ما أبى الأعداء إلا الحرب أشعل نيرانها في كل جانب:
стр. 426
دعوت بني عوف لحقن دمائهم ... فلما أبوا سامحت في حرب حاطب
وكنت امرأ لا أبعث الحرب ظالما ... فلما أبوا أشعلتها من كل جانب
ويمضي في وصف معركة بعاث، وكيف هرب أعداؤهم رجالا ونساء, وكيف ردوا بني عوف على أعقابهم إلى ذرا الآطام، وظهور المشارب، وكيف رجع المنتصرون إلى أبنائهم ونسائهم تاركين القتلى والجرحى, ومن يعاني ذل الإسار من خصومهم المنهزمين:
ويوم بعاث أسلمتنا سيوفنا ... إلى نسب في جذم غسان ثاقب
يعرين بيضا حين نلقى عدونا ... ويغمدن حمرا ناحلات المضارب
أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب
أويت لعوف إذ تقول نساؤهم ... ويرمين دفعا ليتنا لم نحارب
صبحناهم شهباء يبرق بيضها ... تبين خلاخيل النساء الهوارب
أصابت سراة ملأ غر سيوفنا ... وغودر أولاد الإماء الحواطب
فلولا ذرا الآطام قد تعلمونه ... وترك الفضا شوركتم في الكواعب
فلم تمنعوا منا مكانا نريده ... لكم محرزا إلى ظهور المشارب
فهلا لدى الحرب العوان صبرتم ... لوقعتنا واليأس صعب المراكب
ظأرناكم بالبيض حتى لأنتم ... أذل من السقبان بين الحلائب
فليت سويدا راء من جر منكم ... ومن فر إذ يحدونهم كالجلائب
فأبنا إلى أبنائنا ونسائنا ... وما من تركنا في بعاث بآئب١
وقد أجابه عبد الله بن رواحة بقوله:
إذا عيرت أحساب قوم وجدتنا ... ذوي نائل فيها كرام المضارب
نحامي على أحسابنا بتلادنا ... لمفتقر أو سائل الحق راغب
بخرس ترى الماذي فوق جلودهم ... وبيضا نقاء مثل لون الكواكب
стр. 427
وفي يوم "الربيع" من أيام الأوس والخزرج, قال حسان بن ثابت قصيدته الرائعة التي مطلعها:
لقد هاج نفسك أشجانها ... وعاودها اليوم أديانها
وفيها يقول:
ويثرب تعلم أنا بها ... إذا التبس الأمر ميزانها
ويثرب تعلم أنا بها ... إذا قحط القطر نوآنها
ويثرب تعلم أنا بها ... إذا خافت الأوس جيرانها
ويثرب تعلم أن النبيت ... عند الهزاهز ذلانها
متى ترنا الأوس في بيضنا ... نهز القنا تخب نيرانها
وتعط القياد على رغمها ... وينزل من الهام عصيانها١
ويمكننا أن نعتبر قصيدة حسان لخفتها وعذوبة بحرها وروحها الحماسية الدافقة "نشيد الخزرج" الوطني، كما تعتبر قصيدة قيس بن الخطيم التي يرد بها على حسان للأسباب ذاتها "نشيد الأوس" القومي، ونحن لا نستبعد أن شبان الأوس كانوا ينشدونها جماعات في نواديهم وسوامرهم كما ينشد الشبان وطلاب المدارس اليوم الأناشيد الحماسية. وكذلك كان يهزج شبان الخزرج بنشيد حسان ومطلع قصيدة قيس:
أجد بعمرة غنيانها ... فتهجر أم شأننا شأنها
وفيها يقول:
ونحن الفوارس يوم الربيع ... قد علموا كيف فرسانها
رددنا الكتيبة مغلولة ... بها أفنها وبها ذانها
وقد علموا أن متى ننبعث ... على مثلها تذك نيرانها
стр. 428
ولولا كراهة سفك الدماء ... لعاد ليثرب أديانها
ويثرب تعلم أن النبيت ... رأس بيثرب ميزانها
حسان الوجوه حداد السيو ... ف يبتدر المجد شبابها١
٧- ومن المعروف في التاريخ أنه نشأت بالشام دولة الغساسنة وبالحيرة دولة المناذرة, ونحن لا يعنينا من أمر هاتين الدولتين أو الإمارتين إلا ما كان من اتصال النابغة الشاعر الحجازي بهما, وما لابس ذلك من شعر سياسي.
فقد اتصل النابغة بملوك الحيرة ومدحهم وطالت صحبته للنعمان بن المنذر فقربه، واتخذه نديما له وصديقا حتى وشى به عند النعمان أحد بطانته فهمّ بقتله، ولكن عصاما حاجب النعمان أسرّ إلى النابغة بالأمر فهرب النابغة إلى الغساسنة المنافسين المناذرة، ومدح عمرو بن الحارث الأصغر وأخاه النعمان؛ ولذلك اشتد سخط النعمان بن المنذر على النابغة؛ فأخذ هذا يعتذر إليه حتى رضي عنه وأعاده إلى منزلته عنده.
ربما صحت الرواية القائلة بغضب النعمان بن المنذر على شاعره بسبب الوشايات, وربما كانت المسألة أن مر النابغة بالغساسنة فمدحهم -وكان ذلك بتدبير الغساسنة؛ لحسدهم المناذرة على هذا الشاعر العظيم- فغضب النعمان لذلك, واستغلها الوشاة عنده حسدا للنابغة فعاد هذا يعتذر، وسواء كان هذا أم ذلك، فالأمر لا يخلو من استغلال النابغة لما بين الإمارتين من تنافس، أو استغلال الإمارتين شعر النابغة, فأضفى ذلك عليه صفة السياسة وجعل له قيمة ممتازة في سبيل هاتين الدولتين, أو في سبيل ملوكهما على أقل تقدير.
ويظهر لنا أن هناك أمورا أخرى لابست هذه المسألة فعقدتها؛ كتفوق النابغة شاعر المناذرة على حسان شاعر الغساسنة، وكجودة الشعر الذي قاله النابغة في آل حسان،
стр. 429
وكذكره يوم حليمة, وهو للحارث بن جبلة الغساني ملك الشام على المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة. ثم تعددت قصائد النابغة في ملوك الشام مما يجعل المسألة -فيما يظهر- أن شعر النابغة قسّم نفسه بين الإمارتين وإن حنّ إلى الحيرة، ولا شك أن شعر النابغة يؤرخ إلى حد كبير موقف الإمارتين معا، وصلة النابغة منهما، وقيمة شعره ومكانته في هذه البيئة العربية القديمة. يقول في مدح عمرو بن الحارث الأصغر الغساني من قصيدة:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
تُوُورثن من أيام يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
ويعتذر إلى النعمان بقوله:
أنبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
مهلا فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال من ولد
وقد قلنا فيما مضى باختلاف النعمان بن المنذر والنابغة الذبياني في تفسير مدائح النابغة في ملوك الشام؛ فالنعمان فسره تفسيرا سياسيا عاما, إذ هو التجاء إلى خصم منافس وتقوية لشأنه وبخاصة عقب انتصار الشام على الحيرة, ولكن النابغة فسره تفسيرا شخصيا قريبا بأنه شكر على صنيع ينهض به جميع الشعراء, ولا شك أن النابغة لم يخل سلوكه مطلقا من السياسة الشامية الحيرية, فكان شعره سياسيا لذلك١.
فإذا نظرنا إلى علاقة الغساسنة بالقبائل, وجدنا في ديوان النابغة وغيره صورا شعرية لهذا العلاقة السياسية، وحين غزا النعمان بن الحارث الغساني بني جن من عذرة -على غير رأي النابغة الذبياني- التحم قوم النابغة ببني جن والتقوا مع آل غسان, فهزموهم وحازوا على ما معهم من الغنائم، فقال النابغة في ذلك:
لقد قلت للنعمان يوم لقيته ... يريد بني جن ببرقة صادر
стр. 430
تجنب بني جن فإن لقاءهم ... كريه وإن لم تلق إلا بصابر
عظام اللهى أولاد عذرة إنهم ... لهاميم يستلهونها بالحناجر
هم منعوا وادي القرى عن عدوهم ... بجمع مبير للعدو المكاثر
وسائر القصيدة تصوير لقوة هذه القبيلة وسلطانها وآثارها الحماسية, مما يدل على أن قلب النابغة كان معها على الغسانيين؛ ولا غرو فقد كان النابغة من مادحي العذريين١. وسنتحدث بتفصيل ما عن شعر النابغة السياسي عندما نعرض لترجمته إن شاء الله.
٨- وقد آن لنا بعد ذلك أن نتحدث عن الشعر السياسي بمكة حيث قامت حكومة قريش. ولسنا بحاجة هنالك إلى أن نعيد القول في الظروف السياسية التي أحاطت بنشأة "الحكومة المكية" ولا في العوامل المختلفة التي ساعدت على نموها وتطورها حتى تسامق ذلك الكيان السياسي لقبيلة قريس, التي اجتمعت لها خصائص دينية وأدبية واقتصادية واجتماعية لم تتوافر لغيرها من القبائل. فقد استوعبنا ذلك في باب الحياة السياسية، ولا سيما الفصل الخاص "بطبيعة الحكم في الحجاز"، وإنما نريد هنا أن نلقي ضوءا يسيرا على هذا الشعر الذي قيل في سبيل هذه الدولة الفنية، وتثبيت كيانها والدفاع عن حوزتها أو في نقدها وتجريحها وتهديدها.
وقد علمنا -فيما مضى- أن قصيا احتال على أبي غبشان الذي كانت بيده مفاتيح الكعبة، فاستاءت خزاعة لذلك فقامت الحرب بينها وبين قريش، واستنجد قصي بأخيه رزاح بن كلاب فنصره على خزاعة وحلفائها, وآزره حتى كسب المعركة واستقام له الأمر، وينسب لرزاح في تصوير هذه الحادثة قوله:
لما أتاني من قصي رسول ... فقال الرسول أجيبوا الخليلا
نهضنا إليه نقود الجياد ... ونطرح عنا الملول الثقيلا
стр. 431
فهن سراع كورد القطا ... يجبن بنا من قصي رسولا
فلما انتهينا إلى مكة ... أبحنا الرجال قبيلا قبيلا
قتلنا خزاعة في دارها ... وبكرا قتلنا وجيلا فجيلا
كما ينسب إلى قصي بن كلاب قوله:
أنا ابن العاصمين بني لؤي ... بمكة منزلي وبها ربيت
إلى البطحاء قد علمت معد ... ومروتها رضيت بها رضيت
فلست لغالب إن لم تأثل ... بها أولاد قيذر والنبيت
وقد أسلفنا الحديث فيما سبق عن حلف الفضول١، ذلك الحلف الذي عقدته قريش بدار ابن جدعان على ألا يظلم بمكة قريب ولا غريب، وأن يكونوا على المظلوم حتى ينتصفوا ولو من أنفسهم ... وفي هذا الحلف العظيم الذي يعتبر قوة لها خطرها في سبيل الأمن الداخلي، يقول الزبير بن عبد المطلب الذي يقال: إنه أول من دعا إليه:
حلفت لنعقدن حلفا عليهم ... وإن كنا جميعا أهل دار
نسميه الفضول إذا عقدنا ... يعز به الغريب لدى الجوار
ويعلم من حوالي البيت أنا ... أباة الضيم نهجر كل عار
وقد ذكرنا فيما سبق بعض الأشعار التي قيلت في أيام قريش كيوم شرب أو يوم عكاظ وهو لكنانة وقريش على هوازن وحلفائها ... ومن طريف ما حدث في هذا اليوم أن مسعودا الثقفي ضرب على امرأته سبيعة بنت عبد شمس أم بنيه خباء، ثم رآها تبكي حين تدانى الناس. فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: لما يصاب غدا من قومي، فقال لها: من دخل خباءك فهو آمن. فجعلت توصل فيه القطعة بعد القطعة، والخرقة والشيء ليتسع فخرج وهب بن متعب حتى وقف عليها, وقال لها: لا يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربطت به رجلا من بني كنانة، فنادت بأعلى صوتها: إن وهبا يأتلي ويحلف ألا يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربط به رجلا من كنانة, فالجد الجد. فلما هزمت
стр. 432
قيس لجأ نفر منهم إلى خباء سبيعة بنت عبد شمس حتى أخرجوها منه فخرجت فنادت: من تعلق بطنب من أطناب بيتي فهو آمن في ذمتي ... فداروا بخبائها حتى صاروا حلقة, فأمضى ذلك كله حرب بن أمية لعمته، فكان يضرب في الجاهلية بمدار قيس المثل، ويعيرون بمدارهم يومئذ بخباء سبيعة بنت عبد شمس. وفي هذا اليوم يرتفع صوت الشاعر القرشي ضرار بن الخطاب الفهري فيقول:
ألم تسأل الناس عن شأننا ... ولم يثبت الأمر كالخابر
غداة عكاظ إذا استكمل ... هوازن في لفها الحاضر
وجاءت سليم تهز القنا ... على كل سلهبة ضامر
وجئنا إليهم على المضمرات ... بأرعن ذي لجب زاخر
فلما التقينا أذقناهم ... طعانا بسمر القنا العاثر
ففرت سليم ولم يصبروا ... وطارت شعاعا بنو عامر
وفرت ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الخائب الخاسر
وقاتلت العنس شطر النها ... ر ثم تولت مع الصادر
على أن دهمانها حافظت ... أخيرا لدى دارة الدائر
وفي هذا اليوم يعترف شاعر هوازن خداش بن زهير بالهزيمة, ويشير بصولة قريش التي كان حدها يفلق الصخر فيقول:
أتتنا قريش حافلين بجمعهم ... عليهم من الرحمن واق وناصر
فلما دنونا للقباب وأهلها ... أتيح لنا ريب مع الليل فاجر
أتيحت لنا بكر وحول لوائها ... كتائب يخشاها العزيز المكاثر
جثت دونهم بكر فلم تستطعهم ... كأنهم بالمشرفية سامر
وما برحت خيل تثور وتدعي ... ويلحق منهم أولون وآخر
لدن غدوة حتى أتى وانجلى لنا ... عماية يوم شره متظاهر
وما زال الدأب حتى تخاذلت ... هوازن وارفضت سليم وعامر
وكانت قريش يفلق الصخر حدها ... إذا أوهن الناس الجدود العواثر١
стр. 433
وفي أعقاب يوم الحريرة الذي كان لقيس على كنانة وقريش, بكت الشاعرة الحجازية أميمة بنت أمية بن عبد شمس عشيرتها, ومن قتل من قومها بشعر نسب إليها, تقول فيه:
أبى ليلك لا يذهب ... ونيط الطرف بالكوكب
ونجم دونه الأهوال ... بين الدلو والعقرب
وهذا الصبح لا يأتي ... ولا يدنو ولا يقرب
بعقر عشيرة منا ... كرام الخيم والمنصب
أحال عليهم دهر ... حديد الناب والمخلب
فحل بهم وقد أمنوا ... ولم يقصر ولم يشطب
وما عنه إذا ما حل ... من منجى ولا مهرب
ألا يا عين فابكيهم ... بدمع منك مستغرب
فإن أبك فهم عزي ... وهم ركني وهم منكب
وهم أصلي وهم فزعي ... وهم نسبي إذا أنسب
وهم مجدي وهم شرفي ... وهم حصني إذا أرهب
وهم رمحي وهم ترسي ... وهم سيفي إذا أغضب
فكم من قائل منهم ... إذا ما قال لم يكذب
وكم من ناطق فيهم ... خطيب مصقع معرب
وكم من فارس فيهم ... كمي معلم محرب
وكم من مدره فيهم ... أريب حوله مغلب
وكم من جحفل فيهم ... عظيم النار والموكب
وكم من خضرم فيهم ... نجيب ماجد منجب١
стр. 434
٩- وقد سجل الحجازيون في أشعارهم بعض الحوادث الجلى التي انتابتهم, ومن ذلك حادثة الفيل التي ذكرها القرآن الكريم؛ فقد أراد أبرهة ملك الحبشة غزو مكة وهدم البيت الحرام، وسار بجيشه وكتائبه العظيمة حتى وصلوا المغمس، وبعث القائد الحبشي رسولا إلى مكة يطلب زعيمها، وكان إذ ذاك عبد المطلب بن هاشم، فانطلق حتى أتى معسكر الأحباش، وهناك سأله أبرهة حاجته، فقال للترجمان: حاجتي أن يرد الملك علي مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة للترجمان: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك, ثم قد زهدت فيك حين كلمتني! أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! فأجابه عبد المطلب: "إني أنا رب الإبل, وإن للبيت ربا سيمنعه ويحميه".
ورجع عبد المطلب إلى قريش، وأنبأهم بعزم الطاغية على هدم بيت الله الحرام، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب, ثم أخذ بحلقة باب الكعبة يدعو الله أن ينصرهم ومعه نفر من قريش، وكان يهتف بالأبيات المشهورة: لاهم إن العبد ... إلخ. وطلع الصباح، وتحرك جيش الأحباش تتقدمه الفيلة متجهة نحو الكعبة ما عدا كبيرهم، فقد ظل جامدا في مكانه وأبى أن يتحرك في الطريق إلى مكة, فإذا وجهوه إلى اليمن أسرع وهرول.
وحلت عليهم نقمة الله الذي صرفهم عن بيته بالطير الأبابيل, ترميهم بحجارة من سجيل، حتى جعلهم كعصف مأكول. ولعل تلك الطير أول قاذفات قنابل جاءت إلى العالم لم يصنعها إنسان ليفتك بأخيه الإنسان، ولكن صنعها العزيز القهار ليحطم بها قوى الظلم والعدوان.
وحادثة الفيل حادثة لها خطرها في تاريخ الحجازيين خاصة, والعرب عامة. وقد هزت الكيان القومي، لا للمكيين وحدهم، وإنما للعرب أجمع، فإن البيت الحرام
стр. 435
يعتبر رمزا للوحدة العربية، وشعارا لحرية العرب، وما غزو أبرهة له إلا محاولة للقضاء على هذه الحرية وتلك الوحدة. ولا غرو إذا ما هتف شعراء الحجاز بالقصيد, يصبون جام غضبهم على المعتدي الأثيم، ويهزجون بأهازيج النصر.
وفي هذه الحادثة يقول أبو قيس بن الأسلت من شعراء يثرب:
ومن صنعه يوم فيل الحبو ... ش إذ كلما بعثوه رزم
محاجنهم تحت أقرابه ... وقد كلموا أنفه فانخرم
وقد جعلوا سوطه معولا ... إذا يمموه قفاه كلم
فولى وأدبر أدراجه ... وقد باء بالظلم من كان لمم
فأرسل من فوقهم حاصبا ... يلفهم مثل لف القزم١
تحض على الصبر أحبارهم٢ ... وقد ثأجوا كثؤاج الغنم٣
ويقول أيضا:
قوموا فصلوا ربكم وتعوذوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكمو منه بلاء مصدق ... غداة أبي يكسوم هادي الكثائب
فلما أجازوا بطن نعمان ردهم ... جنود الإله بين ساف وحاصب
فولوا سراعا نادمين ولم يؤب ... إلى أهله م الحبش غير مصائب٤
وقد روى المؤرخون أن أبرهة حينما حل بأرض خثعم وهو في طريقه إلى مكة، عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلي خثعم: شهران، وناهس
стр. 436
ومن تبعه من قبائل العرب، وقاتله ليصرفه عن هدم الكعبة، فقد رأى نفيل -كما رأى ذو نفر من قبل- أن جهاده هذا الطاغية حق مقدس في عنقه، إلا أن أبرهة هزمه وأسره، فلما همّ بقتله قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني؛ فإني دليلك بأرض العرب، فخلى سبيله وصحبه معه يدله على الطريق.
ورووا عن نفيل هذا شيئا عجيبا، وهو أن الأحباش لما وجهوا الفيل إلى مكة، أقبل عليه نفيل ثم أخذ بأذنه وقال: ابرك محمود -وهذا اسم الفيل- وارجع راشدا من حيث جئت؛ فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك الفيل ... وأصعد نفيل في الجبل، وكان ما كان من أمر هلاكهم، ولما فاجأتهم تلك الغارات الجوية الإلهية خرجوا هاربين فزعين, يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن، وفي ذلك يقول نفيل:
ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
ردينة لو رأيت فلا تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا
إذن لعذرتني وحمدت أمري ... ولم تأسي على ما فات بينا
حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا
وكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا١
١٠- وقد كان زعماء الحجاز وأدباؤه يتفاعلون مع الأحداث العظيمة التي تنتاب البلاد العربية. ولما جلا الأحباش عن اليمن أقبلت وفود قريش على سيف بن ذي يزن تهنئه بالنصر العظيم, مما يشعرنا بوثاقة الروابط بين أجزاء الجزيرة العربية. كما أن أمية بن أبي الصلت الشاعر الحجازي يشيد بما أحرزه سيف من انتصار, موثقا أواصر الوحدة العربية. ولنستمع إليه وهو يقول:
стр. 437
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا١
بيضا مرازبة غرا جحاجحة ... أسدا تربب في الغيضات أشبالا٢
لا يرمضون إذا حرت مغافرهم ... ولا ترى منهم في الطعن ميالا٣
أمن مثل كسرى وسابور الجنود له ... أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا٤
стр. 438
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا١
واضطم بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا٢
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيئا بماء فعادا بعد أبوالا٣
١١- وقد ألف الناس في العصور الحديثة، بين حين وآخر، أن يطلع عليهم الصباح، فإذا دور الحكومات والبرلمانات وغيرها، قد ألصق بجدرانها عدد من المنشورات السياسية ضد السلطان القائم والحزب الحاكم ... وكثيرا ما تصافح وجوه المواطنين كتابات معادية على القصور ... التي بنيت من دماء الشعب، تعلن السخط والحقد
стр. 439
والنقمة عليها ... وقد عرف الحجازيون في العصر الجاهلي هذا اللون من نقد السلطة الحاكمة والتشهير بها على الحيطان في شكل مصغر للمنشورات السرية أو السياسية، لنقد الحكومات في العصور الحديثة ... ومن ذلك ما ذكروه من أن الناس في مكة قد أصبحوا ذات يوم, فإذا مكتوب على دار الندوة:
ألهى قصيا عن المجد الأساطير ... ورشوة مثل ما ترشى السفاسير
وأكلها اللحم بحتا لا خليط له ... وقولها رحلت عير، أتت عير١
فأنكر الناس ذلك، وقالوا: ما قالها إلا ابن الزبعرى! وأجمع على ذلك رأيهم، فمشوا إلى بني سهم -وكان مما تنكر قريش وتعاقب عليه أن يهجو بعضها بعضا- فقالوا لبني سهم: ادفعوه إلينا نحكم فيه بحكمنا. قالوا: وما الحكم فيه؟ قالوا: قطع لسانه. قالوا: فشأنكم، واعلموا والله أنه لا يهجونا رجل منكم إلا فعلنا به مثل ذلك, والزبير بن عبد المطلب يومئذ غائب نحو اليمن. فانتحت بنو قصي بينهم، فقالوا: لا نأمن الزبير إن بلغه ما قال هذا، أن يقول شيئا، فيؤتى إليه مثل ما نأتي إلى هذا وكانوا أهل تناصف، فأجمعوا على تخليته، فخلوه. فقال له الناس، وحملوه على قومه: أسلمك قومك ولم يمنعوك، ولو شاءوا منعوك! فقال:
لعمرك ما جاءت بنكر عشيرتي ... وإن صالحت إخوانها لا ألومها
يود جناة الغي أن سيوفنا ... بأيماننا مسلولة لا نشيمها٢
стр. 440
وفي رواية أخرى لهذه الحادثة عن يونس عن ابن إسحاق أنهم "استعدوا عليه بني سهم، فأسلموه إليهم فضربوه، وحلقوا شعره، وربطوه إلى صخرة بالحجون، فاستغاث قومه فلم يغيثوه, فجعل يمدح قصيا ويسترضيهم، فأطلقه بنو عبد مناف منهم وأكرموه؛ فمدحهم بأشعار كثيرة"١.
وسواء صحت هذه الرواية أو تلك, فإن الذي يعنينا هنا هو الإشارة إلى أن هناك نوعا من النقد السياسي اصطبغ بصبغة أدبية أو شعرية, وهو الشعر الذي يمثل وجهة نظر المعارضة في الحكومة القائمة.
١٢- وأقوى ما يكون الشعر السياسي، حين يتجه إلى الملوك والحكام المستبدين بالنقد والسخط، والغضب والحقد، والتهديد والوعيد، فيعلنها الشاعر الحر ثورة عارمة في وجوه الطغاة، ويشنّها عليهم حربا كلامية حامية الوطيس، مشتعلة الأوار.
وهذا اللون من الشعر ديدنه الحرية، والوقوف في وجه الطغيان، ولا غرو إذا ما تجاوبت معه النفوس في كل زمان ومكان؛ ذلك لأنه مبني على إنكار الذات، ويستند إلى عاطفة إنسانية عميقة الجذور في النفس البشرية.
وقد عرف الحجازيون في العصر الجاهلي هذا اللون من الشعر الثائر، والسخط على الطغاة المستبدين؛ لإبائهم وشممهم، ونفورهم من التحكم والاستبداد، بل إن منهم من بلغت به الجرأة أن يركب الهول، ويقتحم على الملك مخدعه غير عابئ بأسلحة الحراس التي يكمن فيها الموت الزؤام، فيعلو الظالم الغشوم بسيفه ويطعنه طعنة نجلاء تودي بحياته وتتركه مثلة للحاكمين الظالمين ... ذلك هو مالك بن العجلان الخزرجي الذي فتك بالفطيون حاكم يثرب؛ لأنه اعتزم أن يرتكب الفحشاء مع أخته قبل أن تزف إلى زوجها.
стр. 441
وقد سلفت هذه القصة أثناء حديثنا عن "الحكم في يثرب". وفي هذه الحادثة يقول بعض الشعراء الحجازيين:
هل كان للفطيون عقر نسائكم ... حكم النصيب فبئس حكم الحاكم
حتى حباه مالك بمرشة ... حمراء تضحك عن نجيع قاتم١
وهذا الشداخ بن عوف الكناني يشرع سيفه في وجه الملوك، ويصور إباء قومه وأنفتهم، فهم لا يسمحون لأي إنسان أن يستبد بمظلمة لهم سواء كان ملكا كبيرا أو صعلوكا صغيرا. وإذا ما ساورت أي مستبد نفسه أن يظلمهم فلن يرى إلا الرماح المشرعة، والسيوف الصارمة التي يأخذ العين لمحها كما يأخذها برق الصواعق. ولنستمع إليه وهو يقول:
أبينا فلا نعطي مليكا ظلامة ... ولا سوقة إلا الوشيج المقوما
وإلا حساما يبرق العين لمحه ... كصاعقة في غيث مزن تركما
وكان الشاعر الحجازي الحارث بن ظالم الذبياني أحد سراة بني مرة وأشرافهم, جريئا, فاتكا، فتك بخالد بن جعفر الكلابي وهو نازل على النعمان، بل فتك بابن النعمان نفسه، وكان في حجر أخته سلمى بنت ظالم المري.
وما أروع موقفه في قصيد ثائر، وهو يخاطب النعمان ويتهدده ويتوعده بالقتل، كما قتل خالد بن جعفر من قبل ... وإن الشاعر هنا ليثور لجيران له أصابهم شر المليك، في إبلهم وأموالهم وأنفسهم ... ويقسم أنه لولا ما يتحجب به الملك من الحجاب والحراس، لمزقه بسيفه الصارم. ولنستمع إليه وهو يقول:
قفا فاسمعا أخبركما إذ سألتما ... محارب مولاه وثكلان نادم٢
стр. 442
فأقسم لولا من تعرض دونه ... لخالطه صافي الحديدة صارم١
حسبت أبا قابوس أنك سالم ... ولما تصب ذلا وأنفك راغم
فإن تك أذواد أصبن وصبية ... فهذا ابن سلمى رأسه متفاقم٢
علوت بذي الحيات مفرق رأسه ... وهل يركب المكروه إلا الأكارم
فتكت به كما فتكت بخالد ... وكان سلاحي تحتويه الجماجم
أخصيي حمار بات يكدم نجمة ... أنأكل جيراني وجارك سالم؟ ٣
بدأت بهذي ثم أثني بهذه ... وثالثة تبيض منها المقادم
بل إن من الشعراء الحجازيين من يفخر بأنه جندل بسيفه الصارم كثيرا من الملوك، كما فعل فارس خزاعة في زمنه معاذ بن صرم الخزاعي، إذ يقول:
ولست برعديد إذا راع معضل ... ولا في نوادي القوم بالضيق المسك
وكم ملك جدلته بمهند ... وسابغة بيضاء محكمة المسك٤
стр. 443
الفصل الثاني: الشعر الحماسي
١- تحتل الحماسة مكانا بارزا في الشعر العربي عامة والشعر الجاهلي خاصة, حتى إن أبا تمام حين جمع مختاراته المشهورة وضمنها الأبواب العشرة الآتية: الحماسة، والمراثي، والأدب، والنسيب والهجاء، والأضياف والمديح، والصفات، والسير والنعاس، والملح، ومذمة النساء، أطلق عليها اسم "ديوان الحماسة" باسم أول باب فيها, وهو "الحماسة" الذي يستغرق نحوا من نصف الكتاب تقريبا, وليس ذلك محض مصادفة بل لأهمية الحماسة التي تشير إلى الفضائل التي يفخر بها العرب؛ كالشجاعة في المعركة، والصبر عند المصيبة، وصد القوي، والسعي الكادح لنيل المراد، وعدم الاستسلام أو الخضوع لما يوجب الذلة والامتهان.
وقد قال معاوية بن أبي سفيان: اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر أدبكم، فلقد رأيتني ليلة الهرير بصفين، وقد أتيت بفرس أغر محجل بعيد البطن من الأرض, أريد الهرب من شدة البلوى, فما حملني على الإقامة إلا أبيات عمرو بن الإطنابة "وهو شاعر حجازي من شعراء الخزرج الجاهليين":
أبت لي همتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإقحامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح
والشعر الحماسي هو الذي يصور تلك المعاني السالفة من شجاعة، ونجدة, وبأس، وقوة، وصبر عند اللقاء، وإقدام على الموت، وحماية للجار، ومنع
стр. 444
للحريم، وما إلى ذلك من الصفات التي يعتزّ بها العربي, وقد ذكرنا في فصل الشعر السياسي طائفة من هذا الشعر, إلا أن مكانة الحماسة في الشعر الحجازي تجعلنا نفرد لها هذا الفصل.
وقد عرف الأدب الحجازي الجاهلي طائفة من الشعراء الأشراف, وأخرى من الشعراء الفرسان الذين جمعوا بين الشجاعة والبطولة وبين الموهبة الشعرية الفائقة, وثالثة من الصعاليك الفاتكين؛ فمن السادة: الحصين بن الحمام المري، وأبو قيس بن الأسلت الأوسي، وعمرو بن الإطنابة الخزرجي، ومن الفرسان: قيس بن الخطيم, وأبو محجن الثقفي الذي أدرك الإسلام، ومن الصعاليك: الشنفرى، وتأبط شرا.
٢- وكان للحجازيين في هذا اللون من الشعر باع طويل, حتى إنهم كانوا يرون الموت على الفراش سبة وعارا، أما في ميادين الحرب وتحت ظلال القنا والسيوف فشرف, أي شرف.
قال السموءل بن عادياء:
وإنا لقوم ما نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل١
وأيقن بعض الشعراء الحجازيين أن الإقدام على الردى هو الحياة, والفرار من المعركة هو الموت. قال الحصين بن الحمام المري:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
فلسنا على الأقدام تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما٢
стр. 445
وكان الحجازيون يخوضون غمار الحرب، ولا يبالون بالموت، يقول العباس بن مرداس:
أشد على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
بل إن منهم من يطلب الموت، ولا يريد بقاء النفس، يقول قيس بن الخطيم:
وإني في الحرب الضروس موكل ... بإقدام نفس ما أريد بقاءها
وهم يأبون الموت إلا في ساحة الوغى، فكأنهم في معركة مع الثأر لا تنتهي؛ إما أن يقتصوا لأنفسهم أو يثأر منهم. وهذه عندهم هي الشجاعة وأولئك هم الشجعان ... والأبيات اللاحقة التي هتف بها الشاعر دريد بن الصمة تصور ذلك وتشيد بثباتهم وشجاعتهم، فهم يهجمون حين يتهيب الأبطال أن يهجموا، ويتنافسون على الإقدام في حلبة الموت الزؤام، ويفخرون بكثرة من قتلوا من الأعداء:
أبى القتل إلا آل صمة إنهم ... أبوا غيره والقدر يجري إلى القدر
فإما ترينا لا تزال دماؤنا ... لدى واتر يسعى بها آخر الدهر
فإنا نلحم السيف غير نكيرة ... ونلحمه حينا وليس بذي نكر
يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا، أو نغير على وتر
قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا ... فما ينقضي إلا ونحن على شطر١
٣- وكانوا لا يتجاوزون الحق والإنصاف إذا دارت دائرة الحرب بينهم وبين أعدائهم؛ فهم يذكرون لهم صدق بلائهم وشجاعة أبطالهم, كما أنهم لا يفتئون يذكون نار الحماسة في قومهم، حتى ينالوا النصر. فكلا الفريقين قد عاد مثخنا بجراحه, مكسرة رماحه، منحنية سيوفه، كما أسفرت المعركة بينهما عن جرحى مصابين وعاجزين عن المسير.
стр. 446
ويصور كل ذلك عبد الشارق بن عبد العزى الجهني, فيقول:
ألا حييت عنا يا ردينا ... فحييها وإن كرمت علينا١
ردينة لو رأيت غداة جئنا ... على أضماننا وقد احتوينا٢
فأرسلنا أبا عمرو ربيئا ... فقال ألا انعموا بالقوم عينا
ودسوا فارسا منهم عشاء ... فلم نغدر بفارسهم لدينا
فجاءوا عارضا بردا وجئنا ... كمثل السيل نركب وازعينا
تنادوا بالبهثة إذا رأونا ... فقلنا أحسني ضربا جهينا
سمعنا دعوة عن ظهر غيب ... فجلنا جولة ثم ارعوينا
فلما أن توافقنا قليلا ... أنخنا للكلاكل فارتمينا
فلما لم ندع قوسا وسهما ... مشينا نحوهم ومشوا إلينا
تلألؤ مزنة برقت لأخرى ... إذا حجلوا بأسياف ردينا
شددنا شدة فقتلت منهم ... ثلاثة فتية وقتلت قينا
وشدو شدة أخرى فجروا ... بأرجل مثلهم ورموا جوينا
وكان أخي جوين ذا حفاظ ... وكان القتل للفتيان زينا
فآبوا بالرماح مكسرات ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا
وباتوا بالصعيد لهم أحاح ... ولو خفت لنا الكلمى سرينا٣
стр. 447
وقد عد ابن طباطبا هذه الأبيات من الأشعار المحكمة المتقنة المستوفاة المعاني، الحسنة الرصف، السلسة الألفاظ التي قد خرجت خروج النثر سهولة وانتظاما، فلا استكراه في قوافيها، ولا تكلف في معانيها١.
ومن المنصفات قول العباس بن مرداس السلمي ينصف أعداءه:
فلم أر مثل الحي حيا مصبحا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
إذا ما شددنا شدة نصبوا لنا ... صدور المذاكي والرماح المداعسا
إذا الخيل جالت عن صريع نكرها ... عليهم فما يرجعن إلا عوابسا٢
٤- ومع هذه الروح الحربية, فقد كان في العرب الجاهليين دعاة للسلام, يحتملون المغارم في سبيل إيقاف نار الحرب, كما فعل الحارث بن عوف وهرم بن سنان اللذان توسطا بين عبس وذبيان واحتملا ديات قتلاهما. وقد أشاد بهما زهير بن أبي سلمى في معلقته, إذ يقول:
سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم
يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم
فأدركتما عبسا وذبيان بعدما ... تفانوا، ودقوا بينهم عطر منشم
ثم يمضي زهير في وصف شرور الحرب التي تشتعل, فتحرق وتستشري فتفترس, ولا تنتج إلا غلمان شؤم موتورين حاقدين.
стр. 448
وما الحرب إلا ما علمتم ودقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها ... وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم
وللشاعر الحجازي حلحلة بن قيس الكناني قصيدة رائعة يصور فيها شرور الحرب وآثارها المدمرة حتى على المنتصرين أنفسهم، وقد نهى فيها أبا عمرو عن الحرب ودعاه إلى السلم, ولما لم ينته وأمعن في شره اضطر إلى أن يقابل الشر بالشر والرمي بالرمي, حتى نكبوا جميعا وأصبح الفريقان يندبون قتلاهم في المعركة التي أوقد لظاها ذلك السفيه الجهول:
نهيت أبا عمرو عن الحرب لو يرى ... برأي رشيد أو يئول إلى عزم
وقلت له: دع عنك بكرا وحربها ... ولا تركبن منها على مركب وخم
ومهلا عن الحرب التي لا أديمها ... صحيح ولا تنفك تأتي على سقم
فإن يظفر الحزب الذي أنت فيهم ... وآبوا يدهم من سباء ومن غنم
فلا بد من قتلى، وعلك فيهم ... وإلا فجرح ليس يكفي عن العظم
دعاني يشب الحرب بيني وبينه ... فقلت له: لا، بل هلم إلى السلم
فلما أبى أرسلت فضلة ثوبه ... إليه فلم يرجع بعزم ولا حزم
وأمهلته حتى رماني بحرهما ... تغلغل من غي غوي ومن إثم
فلما رمانيها رميت سواده ... ولا بد أن ترمي سواد الذي يرمي
فبتنا على لحم من القوم غُودرت ... أسنتنا فيه، وباتوا على لحم
وأصبح يبكي من بنين وإخوة ... حسان الوجوه طيبي الجسم والنسم
ونحن نبكي إخوة وبنيهم ... وليس سواء قتل حق على ظلم١
وفي هذا المعنى, يقول معن بن أوس:
دعاني أشب الحرب بيني وبينه ... فقلت له لا بل هلم إلى السلم
وإياك والحرب التي لا أديمها ... صحيح ولا تنفك تأتي على رغم
стр. 449
فلما أبى خليت فضل عنانه ... إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم
فكان صريع الخيل أول وهلة ... فبعدا له مختار جهل على علم١
وكان من عادة بعضهم بذل الود واللجوء إلى السلم ورعاية صداقات الرجال, حتى إذا لم يجدوا ذلك عمدوا إلى الحزم والعزم, ففلقوا هامات الأعداء وقطعوا منهم الأكف والمعاصم؛ لأنهم لا يبتاعون الحياة بالذلة ولا يفرقون من الموت فيرتقوا سلم النجاة خشية منه، وفي هذا يقول حصين بن الحمام المري من قصيدة:
ولما رأينا الصبر قد حيل دونه ... وإن كان يوما ذا كواكب مظلما
صبرنا وكان الصبر منا سجية ... بأسيافنا يقطعن كفا ومعصما
تفلق هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ولما رأيت الود ليس بنافعي ... عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما
فلست بمبتاع الحياة بذلة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما
٥- وكانت المرأة الحجازية تشارك مشاركة فعلية في الحرب، وإلى ذلك أشار قيس بن الخطيم بقوله:
أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول راجب
رأيت لعوف أن تقول نساؤهم ... ويرمين دفعا: ليتنا لم نحارب٢
وإذًا, فقد كان النساء الخزرجيات يقذفن الحجارة على رءوس الأوس من الحصون والآطام, وكان ذلك في حرب حاطب.
بل لقد كانت المرأة الحجازية تقدم حيث يحجم الرجل، وتشجع حين يجبن، ففي يوم أحد سقط لواء قريش فلم يتقدم لرفعه أحد، وشمرت هند بنت عتبة وصواحبها ليهربن، فتقدمت عمرة بنت علقمة الحارثية ورفعته، فتراجع
стр. 450
المشركون واجتمعوا حولها، وأتنفوا القتال١, وفيها يقول حسان بن ثابت:
إذا عضل سيقت إلينا كأنهم ... جداية شرك معلمات الحواجب
أقمنا لكم طعنا مبيرا منكلا ... وحزناكم بالضرب من كل جانب
ولولا لواء الحارثية أصبحوا ... يباعون في الأسواق بيع الجلائب٢
وقد شهدت هذه الموقعة نسيبة بنت كعب المازنية أم عمارة هي وزوجها وابناها, فقاتلت يومئذ قتالا شديدا وأبلت بلاء حسنا، حتى قيل: إنها جرحت اثني عشر جرحا بين طعنة رمح وضربة سيف، ولما انهزم المسلمون انحازت إلى رسول الله وجعلت تقاتل عنه وتذب بسيفها، وترمي دونه بقوسها حتى كثرت جراحها، وأصابها عمرو بن قميئة بجرح غائر في عاتقها، وأصابته هي إصابات, ولم يقه منها إلا درعان كانتا عليه. ورأى النبي بلاءها, فأعجب بها، وقال: "من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ ".
وفي حديثها عن هذا اليوم: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني, فقال رسول الله: "هذا ضارب ابنك" فاعترضت له فضربت ساقه فبرك, فرأيت الرسول تبسم حتى بدت نواجذه، ثم قال: "استقدت يا أم عمارة". ثم أقبلنا على الرجل نعلوه بالسلاح حتى أتينا عليه، فقال النبي: "الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك من عدوك, وأراك ثأرك بعينك" ٣.
ولما انهزم المسلمون في يوم أحد وولى بعضهم ولقيتهم أم أيمن ناكصين حثت في وجوههم التراب، وقالت لبعضهم: هاك المغزل اغزل به، وهات سيفك، وقصدت إلى أحد مع بعض النساء٤.
وقد حاربت نسوة كثيرات بالسيوف والرماح، منهن: الربيع بنت معوذ بن عقبة الأنصارية، وصفية بنت عبد المطلب، وخولة بنت الأزور، وهؤلاء اللائي حاربن
стр. 451
في مشرق الإسلام كأخواتهن اللائي حاربن في الجاهلية، دليل على بطولة المرأة العربية وقدرتها على أن تصطلي نار الحرب، وتمارس أحيانا ما يمارس الرجال١.
وكانت المرأة الحجازية ما تفتأ تحرّض قومها على القتال, وتبث فيهم روح الشجاعة والإقدام، وتثير حفيظتهم للثأر والانتقام, وكان لسانها ينطلق بذلك شعرا كما تنطلق ألسنة الرجال الشعراء. وهذه الخنساء, ما أكثر ما حرضت على الثأر انتقاما لأخيها صخر. فلنستمع إليها وهي تقول:
ولن أسالم قوما كنت حربهم ... حتى تعود بياضا جؤنة القار
لا نوم حتى تعود الخيل عابسة ... ينبذن طرحا بمهرات وأمهار
أو تحفزوا حفزة والموت مكتنع ... عند البيوت حصينا وابن سيار
فتغسلوا عنكم عارا يجللكم ... غسل العوارك حيضا بعد أطهار٢
وكان دعاء المرأة للحرب يصادف هوى من نفوس المكافحين الثائرين، فيستجيبون لندائها؛ لأنهم يأملون أن يحققوا أملها في شجاعتهم ونجدتهم، وإذا ما هزم قومها وولوا الأدبار صبت عليهم جام غضبها وقرعتهم أعنف تقريع كما فعلت, إذ تقول:
ألا هل أتاها على نأيها ... بما فضحت قومها غامد
تمنيتم مائتي فارس ... فردكم فارس واحد
فليت لنا بارتباط ... الخيول ضأنا لها حالب قاعد٣
وربما شادت بمن يثأر لها, فيشفي نفسها ويثلج صدرها حين انتقم لها قيس بن عامر الجشمي فقتل هاشم بن حرملة الذي قتل أخاها معاوية, إذ مدحته وفدته بنفسها وقومها، ظاعنهم ومقيمهم، وبكل حميم لديها؛ لأنه أثلج صدرها وأقر عينها، وكانت قبل ذلك لا تنام ولا تنيم:
стр. 452
فدى للفارس الجشمي نفسي ... أفديه بمن لي من حميم
أفديه بكل بني سليم ... بظاعنهم وبالإنس المقيم
كما من هاشم أقررت عيني ... وكانت لا تنام ولا تنيم
خصصت بها أخا الأمراء قيسا ... فتى في بيت مكرمة كريم١
٦- ولقد تحدث "نيكلسون" عن الشنفرى وتأبط شرا بوصفهما طرازين يصوران المثل الأعلى للبطل العربي, فقال ما فحواه: "نستطيع أن نتخذ الشنفرى الأزدي وزميله تأبط شرا نموذجا للبطل العربي المثالي، فكلاهما خليع خارج عن النظام، سريع العدو، وشاعر ممتاز، ولا سيما الأول منهما"٢.
حقا, إنه يتجلى في هذين البطلين كثير من السمات العربية الأصيلة؛ كالشجاعة والكرم, والشاعرية الجيدة، والاشتراكية، إلا أنهما يعتبران من صعاليك العرب الخارجين على القانون والنظام العام المتعارف عليه لدى القبائل، ومن اللصوص المغيرين -وإن كانا في الواقع أشرف ألف مرة من المستعمرين الغربيين في القرن العشرين- ونحن لا نعترض على "نيكلسون" في اعتبارهما بطلين، وإنما اعتراضنا على ضربهما مثلا أعلى للبطولة العربية؛ لأن في هذا جرحا لهذه البطولة, ومن ذا الذي يقدر هذا المثل، إذا عددنا من مميزاته الأصلية, اللصوصية والنهب والسلب والتشرد في متاهات الصحراء وأقنان الجبال مع الذئاب والنمور والضباع؟!
لقد كانت قريش تعف عن السلب والنهب؛ ولهذا اتخذت لها من التجارة رحلة في الشتاء والصيف كوسيلة شريفة للكسب الحلال.
فإذا أردنا أن نلتمس المثل الأعلى للبطولة العربية، فإنه يجدر بنا أن نبحث عن شخصية أكثر تكاملا، شخصية تدنو من معنى "الفتوة" عند العرب.
стр. 453
والبطل العربي المثالي في رأينا هو الذي جمع من الفضائل ما يجعله مرموق المنزلة في قومه ومجتمعه العربي, فهو لين الجانب لقومه, يستشير كبارهم، ويكرم صغارهم, ويسمح بماله, ويحمي حريمه، ويعز جاره, ويعين من استعان به، ويسرع إذا ناداه الصريخ, ويبسط حمايته على الضعيف، ويقف في وجه القوي.
وقد جمع شيئا من هذه الخصال ذو الإصبع العدواني في وصيته إلى ابنه "أسيد", إذ يقول:
"ألن جانبك لقومك يحبوك، وتواضع لهم يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك ولا تستأثر عليهم بشيء يسودوك، وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكرمك كبارهم، وينشأ على مودتك صغارهم، واسمح بمالك واحم حريمك، وأعزز جارك وأعن من استعان بك وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ؛ فإن لك أجلا لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة أحد شيئا؛ فبذلك يتم سؤددك".
وفي كتب الأدب العربي شخصية رائعة، وهي خليقة بأن تضرب مثلا للفروسية العربية في أروع مظاهرها. وتلك هي شخصية "ربيعة بن مكدم الكناني" أحاط بها شيء يشبه الأساطير؛ فقد ذكروا عنه أنه حمى الظعينة وهو ميت، وضرب به المثل فقيل: "أحمى من مجير الظعن" حتى قال أبو عمرو بن العلاء: ما نعلم قتيلا حمى ظعائن غير ربيعة بن مكدم، وهو من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، وهم أنجد العرب، وكان الرجل منهم يعدل عشرة من غيرهم١.
وربيعة هو الذي كاد يقتل الفارس الشهير عمرو بن معديكرب, وقد أكبر عمرو شجاعته وأشاد بها. وهو كذلك الذي صرع ثلاثة من خيرة الفرسان واحدا بعد الآخر. وذلك أن دريد بن الصمة الفارس المشهور خرج ذات يوم في فوارس من بني جشم, حتى إذا كان بوادٍ لبني كنانة وقع له رجل من ناحية الوادي معه ظعينة، فقال لأحد فرسانه: صح به: أن خل الظعينة وانج بنفسك، وهو لا يعرفه, ولما صاح به
стр. 454
الفارس لم يكترث به ربيعة, بل ألقى زمام الراحلة للظعينة وقال:
سيري على رسلك سير الآمن ... سير رداح ذات جأش ساكن
إن انثنائي دون قرني شائني ... أبلى بلائي وأخبرني وعابني
ثم حمل على الفارس فصرعه. فبعث إليه دريد فارسا ثانيا وثالثا، وكان مصيرهما مصير أولهم، وفي كل مرة يتمثل بأبيات من الشعر. إلا أن رمحه انكسر حينما طعن الفارس الثالث فصرعه، وارتاب دريد ولحق بهم فوجد ربيعة لا رمح له، ووجد القوم قد صرعوا، فقدر دريد شجاعته وقال: إن مثلك لا يقتل وإن الخيل ثائرة بأصحابها, ولا أرى معك رمحا وأراك حديث السن, فدونك هذا الرمح, فإني راجع إلى أصحابي فمشط عنك, فأتى دريد أصحابه فقال: "إن فارس الظعينة قد حماها وقتل فوارسكم, وانتزع رمحي ولا طمع لكم فيه"، فانصرف القوم. وفي تصوير قتله أولئك الفرسان, ينسب الرواة إليه أنه قال:
إن كان ينفعك اليقين فسائلي ... على الظعينة يوم وادي الأخرم
إذ هي لأول من أتاها نهبة ... لولا طعان ربيعة بن مكدم
إذ قال من أدنى الفوارس ميتة: ... خل الظعينة طائعا لا تندم
فصرفت راحلة الظعينة نحوه ... عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم
وهتكت بالرمح الطويل إهابه ... فهوى صريعا لليدين وللفم
ومنحت آخر بعده جياشة ... نجلاء فاغرة كشدق الأضجم١
ولقد شفعتهما بآخر ثالث ... وأبى الفرار الغداة تكرمي
стр. 455
الفصل الثالث: الشعر اجتماعي
...
الفصل الثالث: الشعر الاجتماعي
أما الشعر الاجتماعي، فباب واسع يمكن أن يندرج تحته كثير من الموضوعات. وسنتناول هنا بالدرس بعض ما لم نتحدث عنه في فصول خاصة، ويمكن تقسيم البحث إلى ثلاث نقاط جوهرية:
أ- شئون الأسرة.
ب- الحياة الخلقية.
جـ- العادات الاجتماعية.
وقد أدمجنا الأخلاق في هذا الفصل؛ لما بينها وبين الحياة الاجتماعية من تفاعل وتجاوب، فكلاهما مؤثر بالآخر.
أ- علاقات الأسرة في شعر الحجاز الجاهلي:
١- المرأة:
من الطبيعي أن يكون شأن المرأة عند الشاعر الحجازي عظيما كما هو كذلك عند شعراء العرب عامة؛ فالشاعر حتى في وحدته وعزلته يرى طيف المرأة ويخاطبه، وهو يهتم بها لأنه يحبها, ولأنها تشاركه حياته وتقاسمه مسئولياته؛ فهي التي تعد الطعام للضيوف، وهي التي تبارك طموحه وتشجعه، وتسأل عن أخباره، وتشير عليه بما ينبغي أن ينهجه حتى في أهم مشاكله، مثل المعارك الحربية.
стр. 456
لهذا, فليس من الغريب أن يكون للمرأة جزء كبير من نتاج الشاعر؛ فقد تسلطت على مقدمة القصيدة واستحوذت عليها في كل الأغراض تقريبا. فالشاعر يتوجع من رحيلها ومن هجرها, وغير ذلك مما صار تقليدا سلكه حتى الشعراء المتأخرون.
فالشاعر الحجازي لا يكفيه أن يعلم الناس أنه شجاع وأنه كريم ومرح، ولكنه يريد أن ينتزع الاعتراف بذلك من زوجته؛ لأنها هي المرجع والحَكَم في كل ذلك. ومهما استفاضت شجاعته، وطابت سمعته عند مجتمعه، فإن الكلمة الأخيرة في ذلك تبقى لزوجته التي يغار عليها أن تفضل عليه أحدا. والحجازي يفخر بأنه شجاع وبأن زوجته تعلم أنه شجاع في حالتي الكر والفر ويتجثّم المتاعب في سبيل أمانيه، وأنه كريم للضيوف، ويضحي بناقته في سبيل إكرام ندمائه، ويضحي بردائه ليعلن عن سروره.
ومن بواعث الشجاعة عند العرب في قتالهم أن يحموا نساءهم من السبي والعار، فلو هربوا عنهن لكان معنى ذلك أن يستبيحهن الأعداء؛ والشاعر والمرأة كلاهما ينفر من ذلك, وهي تحرضه ليستميت دفاعا عنها، مما يدل على خطرها ورفيع منزلتها عند مجتمعها. وإذا وصلت المرأة إلى درجة أن تحمي قومها، وتحول سير المعركة إلى صالحهم, فينتصرون بعد أن كادوا يهزمون، فقد ساوت الرجال ذوي المكانة السامية في المجتمع الحجازي. فإن صاحب اللواء في الحرب ذو رتبة علية، قد ارتقت إليها ببسالة وإعجاب عمرة بنت علقمة الحارثية, لما أنقذت لواء قريش في غزوة أحد, وحولت النصر إلى جانبهم بعد أن سقط لواؤهم، وفي ذلك يقول حسان:
فلولا لواء الحارثية أصبحوا ... يباعون في الأسواق بيع الجلائب١
والنساء مشاركات حتى في الحروب؛ فهن يسرن مع الجيش يعالجن الجرحى ويحملن الماء، ويحرضن المقاتلين. وفي حروب الرسول نرى منهن أم عمارة بنت كعب, وأم حكيم بنت الحارث٢.
стр. 457
وهذه هند بنت عتبة، تكاد تتزعم جيش قريش يوم أحد، فهي تحرض قومها وتتمثل:
نحن بنات طارق ... تمشي على النمارق
الدر في المخانق ... والمسك في المفارق
إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق١
وللمرأة تأثير كبير؛ فهي تستشار قبل البتّ في أمر زواجها. وطبيعي أنه ليس كل الحجازيين يعمل هذا، ولكن هناك طبقات تسير على هذا النهج، ولا سيما إذا أثبتت المرأة كفاءة تمكنها من الاختيار الصائب, كما رأينا في اختيار هند بنت عتبة لأبي سفيان٢, وكذلك اختارت الخنساء زوجها ورفضت أمية بن أبي الصلت٣.
ومن كل ما تقدم نستبين مكانة المرأة في الحجاز, وأنها مكانة سامية تعارف عليها الناس, ولم ينكروا على المرأة أن تبلغ هذه المنزلة الرفيعة، واعترف بها الشعر فأصبحت حقيقة ملموسة، تدعو إلى الإعجاب الشديد إذا قارنا حالة المرأة في هذا المجتمع بحالتها عند الأمم السابقة التي كانت ترى في المرأة مجرد متاع يباع ويشترى ويورث.
وسنتحدث بتفصيل ما عن المرأة الحجازية بوصفها أما وبنتا وزوجة، ومدى تأثيرها في الشعر الحجازي الجاهلي.
стр. 458
٢- الأم:
أما الأم فهي ينبوع الحنان الذي لا ينضب, وهي المصدر الذي يغذي الكون بالأفراد, فتتكون الأسر وتنشأ المجتمعات. وقد أغرم الحجازيون بأن يباهوا بنسبهم ويفخروا بآبائهم وأمهاتهم, ولا سيما إذا كانت الأم حرة, فحينئذ يستكمل الحجازي الشرف من جهتيه. قال الشنفرى:
أنا ابن خيار الحجر بيتا ومنصبا ... وأمي ابنة الأحرار لو تعرفينها١
والحرة هي وحدها التي يدفع لها المهر بالزواج, ومن هنا جاء الفخر بالمهيرات أي: ذوات المهر. فهذه الخنساء ترثي صخرا أخاها, فتذكر إلى شرف أبيه وأجداده أن أمه وجداته مهائر ذوات شيم ماجدة:
يابن القروم ذوي الحجا ... وابن الخضارمة المرافد
وابن المهائر للمهائر ... زانها الشيم المواجد٢
وذو الإصبع العدواني يفتخر, ويعير ابن عمه بأن أمه أمة ترعى الإبل:
عني إليك فما أمي براعية ... ترعى المخاض ولا رأيي بمغبون
ولما كانت الكثرة عند الحجازيين هي التي ترجح الكفة عند النزال، فمن الطبيعي أن يفتخروا بالأمهات المنجبات, ونعرف من الحجازيات المنجبات عاتكة بنت هلال بن مرة, وقد ولدت هاشما وعبد شمس والمطلب أبناء عبد مناف, وفيها يضرب المثل فيقال: أنجب من عاتكة٣. ولا ينسى الحجازي الفخر بأمه حتى في المعركة، فهذا سلمة بن دريد بن الصمة يفخر بأمه سمادير حين قتل أبا عامر الأشعري:
إن تسألوا عني فإني سلمه ... ابن سمادير لمن توسمه
أضرب بالسيف رءوس المسلمه
стр. 459
ومن مظاهر فخرهم بالأم وإجلالهم لها أن يفدوا بها، وهم لا يفدون إلا بما يحبونه أعظم الحب، فهذا العباس بن مرداس يمدح حليا النصري الذي أخذ الثأر لأخيه:
فدى لك أمي إذ ظفرت بقتله ... وأقسم أبغي عنك أما ولا أبا١
وهذا حسان بن ثابت يفدي بأمه وخالته أولئك الذين انتقموا من أعدائه:
فدى لبني النجار أمي وخالتي ... غداة لقوهم بالمثقفة السمر٢
والأم أعظم رباط بين الإخوة, ولا سيما في وقت الشدائد كما ترى عند الشنفرى:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
ولذلك فهم ينكرون أشد الإنكار هرب الأخ من أخيه في المعركة. قال حسان معيرا الحارث بن هشام فراره عن أخيه الحكم, وتركه في أرض المعركة يوم بدر:
هلا عطفت على ابن أمك إذ ثوى ... قعص الأسنة٣ ضائع الأسلاب
ويتضح ذلك أكثر من تلك المراثي الحارة, والدموع السخينة التي يذرفها الحجازي على أخيه الشقيق أو أخيه لأمه؛ لأن رابطة الأمومة هي التي توحد بينهما ولا تجعل النسيان يتطرق إلى قلب الحي منهما. فهذا أبو العيال الهذلي يرثي أخاه لأمه عبد بن زهرة, فيذكر شجاعته وصبره في الحرب ويذكر حاله هو إذا عاودته ذكرى أخيه, فدمعه ينسكب والليل يأتيه بهمّ جديد:
ألا لله درك من ... فتى قوم إذا رهبوا
وقالوا: من فتى للحر ... ب يرقبنا ويرتقب
فكنت فتاهم فيها ... إذا يرعى لها يثب
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب
стр. 460
فدمع العين من برحا ... ء ما في الصدر ينسكب
كما أودى بماء الشنـ ... ـة المخروزة السرب
على عبد بن زهرة طو ... ل هذا الليل أكتئب١
وكان إعزازهم للأم يتبعه فخرهم بالخال واعتزازهم به، والأخوال يشعرون بميل نحو ابن أختهم وينصرونه إن ظلم، فعبد المطلب شكا عمه نوفلا إلى رجال قريش فلم يعينوه، فبعث إلى أخواله بني النجار في المدينة يخبرهم أنه ابنهم, وأنه منهم, وأن عمه نوفلا أراد إذلاله:
أني منهم وابنهم والخميس ... وأني منهم وابنهم والخميس
وأن عمي نوفلا قد أبى ... إلا للتي يغضي عليها الخسيس٢
فأنقذه أخواله, وهددوا عمه حتى أرجع ما اغتصبه, فقال عبد المطلب:
بهم رد الإله على رُكحي ... وكانوا في التنسب دون قومي
وفي ذلك يقول سمرة بن عمير الكناني, مثنيا على بني النجار إغاثة ابن أختهم:
لعمري لأخوال لشيبة قصرة ... من أعمامه أبر وأوصل
جزى الله خيرا عصبة خزرجية ... تواصوا على بر وذو البر أفضل
أجابوا على بعد دعاء ابن أختهم ... ولم يثنهم إذ جاوز الحق نوفل
ومنزلة الخال عند الحجازيين رفيعة، ومكانته سامية؛ ولهذا فلا يجرؤ أحد على تحقير خال فرد إلا تعرض لعداوته وحربه. وقد تتعرض السعادة الزوجية للتقويض بسبب الخال, فحسان بن ثابت يحب زوجته وهي تحبه, ولكن لسانها زلق مرة فحقرت أخواله، فكان جزاؤها الطلاق:
سألت حسان من أخواله ... إنما يسأل بالشيء الغمر٣