لهذا, فليس من الغريب أن يكون للمرأة جزء كبير من نتاج الشاعر؛ فقد تسلطت على مقدمة القصيدة واستحوذت عليها في كل الأغراض تقريبا. فالشاعر يتوجع من رحيلها ومن هجرها, وغير ذلك مما صار تقليدا سلكه حتى الشعراء المتأخرون.
فالشاعر الحجازي لا يكفيه أن يعلم الناس أنه شجاع وأنه كريم ومرح، ولكنه يريد أن ينتزع الاعتراف بذلك من زوجته؛ لأنها هي المرجع والحَكَم في كل ذلك. ومهما استفاضت شجاعته، وطابت سمعته عند مجتمعه، فإن الكلمة الأخيرة في ذلك تبقى لزوجته التي يغار عليها أن تفضل عليه أحدا. والحجازي يفخر بأنه شجاع وبأن زوجته تعلم أنه شجاع في حالتي الكر والفر ويتجثّم المتاعب في سبيل أمانيه، وأنه كريم للضيوف، ويضحي بناقته في سبيل إكرام ندمائه، ويضحي بردائه ليعلن عن سروره.
ومن بواعث الشجاعة عند العرب في قتالهم أن يحموا نساءهم من السبي والعار، فلو هربوا عنهن لكان معنى ذلك أن يستبيحهن الأعداء؛ والشاعر والمرأة كلاهما ينفر من ذلك, وهي تحرضه ليستميت دفاعا عنها، مما يدل على خطرها ورفيع منزلتها عند مجتمعها. وإذا وصلت المرأة إلى درجة أن تحمي قومها، وتحول سير المعركة إلى صالحهم, فينتصرون بعد أن كادوا يهزمون، فقد ساوت الرجال ذوي المكانة السامية في المجتمع الحجازي. فإن صاحب اللواء في الحرب ذو رتبة علية، قد ارتقت إليها ببسالة وإعجاب عمرة بنت علقمة الحارثية, لما أنقذت لواء قريش في غزوة أحد, وحولت النصر إلى جانبهم بعد أن سقط لواؤهم، وفي ذلك يقول حسان:
فلولا لواء الحارثية أصبحوا ... يباعون في الأسواق بيع الجلائب١
والنساء مشاركات حتى في الحروب؛ فهن يسرن مع الجيش يعالجن الجرحى ويحملن الماء، ويحرضن المقاتلين. وفي حروب الرسول نرى منهن أم عمارة بنت كعب, وأم حكيم بنت الحارث٢.
стр. 457
وهذه هند بنت عتبة، تكاد تتزعم جيش قريش يوم أحد، فهي تحرض قومها وتتمثل:
نحن بنات طارق ... تمشي على النمارق
الدر في المخانق ... والمسك في المفارق
إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق١
وللمرأة تأثير كبير؛ فهي تستشار قبل البتّ في أمر زواجها. وطبيعي أنه ليس كل الحجازيين يعمل هذا، ولكن هناك طبقات تسير على هذا النهج، ولا سيما إذا أثبتت المرأة كفاءة تمكنها من الاختيار الصائب, كما رأينا في اختيار هند بنت عتبة لأبي سفيان٢, وكذلك اختارت الخنساء زوجها ورفضت أمية بن أبي الصلت٣.
ومن كل ما تقدم نستبين مكانة المرأة في الحجاز, وأنها مكانة سامية تعارف عليها الناس, ولم ينكروا على المرأة أن تبلغ هذه المنزلة الرفيعة، واعترف بها الشعر فأصبحت حقيقة ملموسة، تدعو إلى الإعجاب الشديد إذا قارنا حالة المرأة في هذا المجتمع بحالتها عند الأمم السابقة التي كانت ترى في المرأة مجرد متاع يباع ويشترى ويورث.
وسنتحدث بتفصيل ما عن المرأة الحجازية بوصفها أما وبنتا وزوجة، ومدى تأثيرها في الشعر الحجازي الجاهلي.
стр. 458
٢- الأم:
أما الأم فهي ينبوع الحنان الذي لا ينضب, وهي المصدر الذي يغذي الكون بالأفراد, فتتكون الأسر وتنشأ المجتمعات. وقد أغرم الحجازيون بأن يباهوا بنسبهم ويفخروا بآبائهم وأمهاتهم, ولا سيما إذا كانت الأم حرة, فحينئذ يستكمل الحجازي الشرف من جهتيه. قال الشنفرى:
أنا ابن خيار الحجر بيتا ومنصبا ... وأمي ابنة الأحرار لو تعرفينها١
والحرة هي وحدها التي يدفع لها المهر بالزواج, ومن هنا جاء الفخر بالمهيرات أي: ذوات المهر. فهذه الخنساء ترثي صخرا أخاها, فتذكر إلى شرف أبيه وأجداده أن أمه وجداته مهائر ذوات شيم ماجدة:
يابن القروم ذوي الحجا ... وابن الخضارمة المرافد
وابن المهائر للمهائر ... زانها الشيم المواجد٢
وذو الإصبع العدواني يفتخر, ويعير ابن عمه بأن أمه أمة ترعى الإبل:
عني إليك فما أمي براعية ... ترعى المخاض ولا رأيي بمغبون
ولما كانت الكثرة عند الحجازيين هي التي ترجح الكفة عند النزال، فمن الطبيعي أن يفتخروا بالأمهات المنجبات, ونعرف من الحجازيات المنجبات عاتكة بنت هلال بن مرة, وقد ولدت هاشما وعبد شمس والمطلب أبناء عبد مناف, وفيها يضرب المثل فيقال: أنجب من عاتكة٣. ولا ينسى الحجازي الفخر بأمه حتى في المعركة، فهذا سلمة بن دريد بن الصمة يفخر بأمه سمادير حين قتل أبا عامر الأشعري:
إن تسألوا عني فإني سلمه ... ابن سمادير لمن توسمه
أضرب بالسيف رءوس المسلمه
стр. 459
ومن مظاهر فخرهم بالأم وإجلالهم لها أن يفدوا بها، وهم لا يفدون إلا بما يحبونه أعظم الحب، فهذا العباس بن مرداس يمدح حليا النصري الذي أخذ الثأر لأخيه:
فدى لك أمي إذ ظفرت بقتله ... وأقسم أبغي عنك أما ولا أبا١
وهذا حسان بن ثابت يفدي بأمه وخالته أولئك الذين انتقموا من أعدائه:
فدى لبني النجار أمي وخالتي ... غداة لقوهم بالمثقفة السمر٢
والأم أعظم رباط بين الإخوة, ولا سيما في وقت الشدائد كما ترى عند الشنفرى:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
ولذلك فهم ينكرون أشد الإنكار هرب الأخ من أخيه في المعركة. قال حسان معيرا الحارث بن هشام فراره عن أخيه الحكم, وتركه في أرض المعركة يوم بدر:
هلا عطفت على ابن أمك إذ ثوى ... قعص الأسنة٣ ضائع الأسلاب
ويتضح ذلك أكثر من تلك المراثي الحارة, والدموع السخينة التي يذرفها الحجازي على أخيه الشقيق أو أخيه لأمه؛ لأن رابطة الأمومة هي التي توحد بينهما ولا تجعل النسيان يتطرق إلى قلب الحي منهما. فهذا أبو العيال الهذلي يرثي أخاه لأمه عبد بن زهرة, فيذكر شجاعته وصبره في الحرب ويذكر حاله هو إذا عاودته ذكرى أخيه, فدمعه ينسكب والليل يأتيه بهمّ جديد:
ألا لله درك من ... فتى قوم إذا رهبوا
وقالوا: من فتى للحر ... ب يرقبنا ويرتقب
فكنت فتاهم فيها ... إذا يرعى لها يثب
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب
стр. 460
فدمع العين من برحا ... ء ما في الصدر ينسكب
كما أودى بماء الشنـ ... ـة المخروزة السرب
على عبد بن زهرة طو ... ل هذا الليل أكتئب١
وكان إعزازهم للأم يتبعه فخرهم بالخال واعتزازهم به، والأخوال يشعرون بميل نحو ابن أختهم وينصرونه إن ظلم، فعبد المطلب شكا عمه نوفلا إلى رجال قريش فلم يعينوه، فبعث إلى أخواله بني النجار في المدينة يخبرهم أنه ابنهم, وأنه منهم, وأن عمه نوفلا أراد إذلاله:
أني منهم وابنهم والخميس ... وأني منهم وابنهم والخميس
وأن عمي نوفلا قد أبى ... إلا للتي يغضي عليها الخسيس٢
فأنقذه أخواله, وهددوا عمه حتى أرجع ما اغتصبه, فقال عبد المطلب:
بهم رد الإله على رُكحي ... وكانوا في التنسب دون قومي
وفي ذلك يقول سمرة بن عمير الكناني, مثنيا على بني النجار إغاثة ابن أختهم:
لعمري لأخوال لشيبة قصرة ... من أعمامه أبر وأوصل
جزى الله خيرا عصبة خزرجية ... تواصوا على بر وذو البر أفضل
أجابوا على بعد دعاء ابن أختهم ... ولم يثنهم إذ جاوز الحق نوفل
ومنزلة الخال عند الحجازيين رفيعة، ومكانته سامية؛ ولهذا فلا يجرؤ أحد على تحقير خال فرد إلا تعرض لعداوته وحربه. وقد تتعرض السعادة الزوجية للتقويض بسبب الخال, فحسان بن ثابت يحب زوجته وهي تحبه, ولكن لسانها زلق مرة فحقرت أخواله، فكان جزاؤها الطلاق:
سألت حسان من أخواله ... إنما يسأل بالشيء الغمر٣
стр. 461
٣- البنت:
ليس كل الحجازيين يبغضون البنات, والحجازي يحب البنت لأنها صديقة وفية لا تنسى أباها في حالتي الرخاء والشدة، وهي تؤدي حقه بالنوح والبكاء بعد موته, كما يقول معن بن أوس:
رأيت رجالا يكرهون بناتهم ... وفيهن لا تكذب نساء صوالح
وفيهن والأيام يعثرن بالفتى ... عوائد لا يمللنه ونوائح١
وهذا الزبير بن عبد المطلب يبتهج لمرأى بنته أم الحكم, ويغيظ زوجها:
يا حبذا أم الحكم ... كأنها ريم أجم
يا بعلها ماذا يشم ... ساهم فيها فسهم٢
وكثيرا ما تكون البنت ميمونة النقيبة، وسببا من أسباب المفاخر؛ فهذا النعمان بن وائل الكلبي -قائد الحارث بن أبي شمر الغساني- يغير على بني ذبيان ويسبي منهم، وحين وجد من بينهم ابنة النابغة أطلقها وحدها أولا ثم أطلق الجميع؛ رجاء مدح من أبيها وهكذا فعل النابغة، فقد قال يمدح النعمان، ويذكر الجميل الذي أسداه إلى بني ذبيان:
يقودهم النعمان منه بمحصف ... وكيد يغم الخارجي مناجد
فآب بأبكار وعون عقائل ... أوانس يحميها امرؤ غير زائد
غرائر لم يلقين بأساء قبلها ... لدى ابن الجلاح ما يثقن بوافد
أصاب بني غيظ فأضحوا عباده ... وجللها نعمى على غير واحد
فسكنت نفسي بعدما طار روحها ... وألبستني نعمى ولست بشاهد٣
стр. 462
وابنتا ربع الهذلي تعولان على أبيهما لا ترقدان الليل, كأن في أحشاء الواحدة منهن مزمارا ينبعث منه الأنين, وهما تلطمان بالنعال, كما يقول أخوهما عبد مناف:
ماذا يفيد ابنتي ربع عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا
كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصبا ... من بطن حلية لا رطبا ولا نقدا
إذا تأوب نوح قامتا معه ... ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا١
ومن التصوير الخالد تلك الدموع التي صاغتها قتيلة بنت النضر بن الحارث في رثاء أخيها, ومعاتبة الرسول على قتله له:
يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من بطن خامسة وأنت موفق
إلى آخر الأبيات التي ذكرناها في النماذج الشعرية.
٤- الزوجة:
كانت المرأة الزوجة ذات تأثير فعال لا على شخص زوجها فقط، ولا على أسرتها وأسرته، وإنما على العلاقات بين قبيلتيهما إذا كانتا متباعدتين، فإن الإصهار يربط بينهما برباط وثيق، ويضيق سبل العداوة، ولا سيما إذا كان الزوج زعيما وأسرة زوجته مرموقة المكانة.
وكانوا يختارون للزواج المرأة الحسيبة العاقلة, ويفضلون الشابة البكر على الثيب، فهذا حكيمهم الحارث بن كلدة الثقفي يقول: لا تتزوجوا من النساء إلا الشباب٢.
وتهمهم طبعا الزوجة الولود؛ لأن همهم كان الكثرة ليغلبوا أعداءهم.
ولا يقربون المرأة الحمقى وحديثة النعمة، ويكرهون أن تكون الزوجة عبوسا صخابة، قال عبد الله بن أوفى الخزاعي في زوجته:
стр. 463
نكحت ابنة المنتضي نكحة ... على الكره ضرت ولم تنفع
ولم تغن من فاقة معدما ... ولم تجد خيرا ولم تجمع
منجذة مثل كلب الهراش إذا ... هجع الناس لم تهجع١
مفرقة بين جيرانها ... وما تستطع بينهم تقطع
فهو يندب حظه ويبكي آماله التي كان يعلقها على هذا الزواج فخابت، فزوجته لم تغنه من الفاقة ولم تجلب له الخير، بل على العكس من ذلك وجدها سليطة اللسان بذيئة, تضمر السوء لجيرانها.
وكما كان للرجل أن يتطلب الخصال الحميدة من زوجته، كان للزوجة نفس الحق أيضا فهي تريده شابا؛ ولهذا نرى الخنساء تعتب على أبيها أن يطلب الزواج من دريد بن الصمة الهرم, وقالت لأخيها معاوية شقيقها وكان يميل إلى هذا الزواج غير المتكافئ:
أتكرهني -هبلت- على دريد ... وقد أصفحت سيد آل بدر
معاذ الله يرضعني حبركي ... قصير الشبر من جشم بن بكر٢
وهكذا تراها ترفض الزواج من دريد لهرمه, ولأن جشم بن بكر -قبيلته- لا تتناسب مع قبيلتها هي.
وربما أرادت المرأة فوق الشباب أن يكون زوجها غنيا, ينفق ماله على لذاته وكرمه والعطر الطيب. قالت بنت ذي الإصبع العدواني:
ألا ليت قومي من أناس ذوي غنى ... حديث الشباب طيب الريح والعطر٣
والخنساء حين ترثي أخاها صخرا, تذكر فيه صفات الزوج المثالي في نظر المرأة آنذاك, فهو جميل المحيا شجاع صبور:
стр. 464
جلد جميل المحيا كامل ورع ... وللحروب غداة الروع مسعار
مثل الرديني لم تنفد شبيبته ... كأنه تحت طي البرد أسوار١
عبل الذراعين قد تخشى بديهته ... له سلاحان أنياب وأظفار
والمرأة تسأل الرجل عن أصله وأجداده, وهذا أمية بن الصلت يسارع بالإجابة:
فأما تسألي عني لبيني ... وعن نسبي أخبرك اليقينا
ثقي أنى النبيه أبا وأما ... وأجدادا سموا في الأقدمينا٢
والمرأة كما قلنا هي التي تختار، فحينما خطب سهيل بن عمرو, وأبو سفيان هند بنت عتبة استشارها أبوها, فسألته أن يصف لها أخلاق كل منهما، وبعد ذلك اختارت أبا سفيان فغضب سهيل, وقال:
نبئت هندا تبر الله سعيها ... ثابت وقالت وصف أهوج مائق
فلم تنكحي يا هند مثلي وإنني ... لمن لم يمق فاعلمي غير وامق٣
وكان مقدار مهر المرأة يرتفع تبعا لمكانتها, وكانوا يميلون إلى التغالي في المهور، فهذا عبد المطلب يمهر فاطمة بنت عمرو مائة ناقة ومائة ومائة رطل من الذهب٤, وهم يرون في ضخامة المهر دليلا على قوتهم وتمكنهم من السيادة، فهذا الأبيرد بن هرثمة العذري يقول: إنه كريم وسمح؛ والدليل على ذلك أنه يفني الأعداد الكثيرة من إبله إذ يقدمها مهورا لزوجاته:
إني لسمح إذا فرج بينها ... بأكثبة البقار يا أم هاشم
فأفنى صداق المحصنات إفالها ... فلم يبق إلا جلة كالبراعم٥
وخالد بن جعفر يرى أنه أحسن صنعا بقتل زهير بن جذيمة, ورفع بذلك مهر بنات هوازن:
وجعلت مهر بناتهم ودماءهم ... عقل الملوك هجائنا أبكارا٦
стр. 465
٥- الحب والزواج:
ولقد احتلت الزوجة الحجازية من قلب خطيبها أو زوجها مكانا ممتازا؛ فقد يسبق الزواج بالحب وقد يأتي الحب بعد الزواج ويكون حارا فعالا, كما نرى عند زهير:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم١
والزوجة تجد من زوجها صدرا رحيما؛ يحسن عشرتها ويكلف بها ولا يقحمها في مشكلاته العويصة لئلا يفجعها, كما قال ذو الإصبع العدواني:
ثم سلا جلدتي وكنتها ... هل كنت فمن أراب أو فزعا
أو دعتاني فلم أجب ولقد ... تأمن مني خليلتي الفجعا٢
ولكن الزوجة قد تقحم نفسها في تلك المشكلات؛ فهذه زوجة حماس بن قيس يوم فتح مكة تسأله: لماذا يسن حربته, ولما أخبرها بأنه يعدها لجيش محمد قالت: إنه لا شيء يصد محمدا وجيشه، وفعلا حدث ذلك بعد قليل إذ رجع إليها وقال: "أغلقي علي الباب". ولما أنّبته على فراره اعتذر بفرار السادة من قريش, وصور لنا فزعهم من سيوف المسلمين:
إنك لو شهدت الخيل يوم الخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد قائم كالمؤمنة ... ولحقتنا بالسيوف المسلمة
يفلقن كل ساعد وجمجمة ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمة
لهم نهيت خلفنا وغمغمة ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمة٣
ومع هذا, فالرجل يعلم في سريرته أنه هو السيد المطاع من زوجته ويريد من زوجته أن تنفذ رغباته, فالشنفرى يقول: إن زوجته إذا خالفته تكون هي البعل, إن لم ينكر عليها عملها:
إذا ما جئت ما أنهاك عنه ... ولم أنكر عليك فطلقيني
فأنت البعل يومئذ فقومي ... بسوطك لا أبالي فاضربيني٤
стр. 466
ودريد بن الصمة ينكر على زوجته أن تشتم أخاه, ويرى في هذا تطاولا لا يسوغ منها:
أعبد الله لو شتمتك عرسي ... تساقط لحم بعضي فوق بعضي
معاذ الله أن يشتمن عرضي ... وأن يملكن إمراري ونقضي
إذا عرس الفتى شتمت أخاه ... فليس بحامض الرئتين محضي
ومن صور الحب المتبادل بين الزوجين حرص الزوجة على حياة زوجها, وتخوفها عليه ونصحها له بأن يرتاد طرق السلامة لئلا يقتل. ولكنه غالبا ما يعصيها ويرجع سالما, فيذكرها نصيحتها ويطلب منها أن تكف عن مثل ذلك:
قال عمرو بن براقة الهمداني:
تقول سليمى: لا تعرض لتلفة ... وليلك عن ليل الصعاليك نائم
وفي هذا المجتمع المضطرب يقتل الزوج وتحل النكبة بزوجته أو حبيبته, والمرأة الحجازية تعبر عن جزعها لموت زوجها بخمش وجهها وجذ شعرها, وقد يصفقن وجوههن وشعورهن بالنعال كما فعلن ذلك على قتلى بدر؛ إذ كانت المصيبة كبيرة. يقول عبد مناف بن ربع الهذلي:
يريع قلب ابنتي ربع عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا
إلى آخر الأبيات السالفة، ولكن الخنساء تتصبّر ولا تحلق رأسها فضلا عن ضربه بالنعال رغم حزنها الشديد:
ولكني رأيت الصبر خيرا ... من النعلين والرأس الحليق١
وترثي الزوجة زوجها كما نرى عند فاطمة بنت الأحجم الخزاعية؛ فهي تبكي وتستبكي لأن زوجها كان يحميها فذهب، وكان جناحا يظلها فانكسر، وأصبحت بعده خاضعة حسيرة الطرف, لا تجسر على دفع ظلامها:
يا عين بكي عند كل صباح ... جودي بأربعة على الجراح
قد كنت لي جبلا ألوذ بظله ... فتركتني أضحى بأجرد ضاح
قد كنت ذات حمية ما عشت لي ... أمشي البراز وكنت أنت جناحي
стр. 467
فاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفع ظالمي بالراح
وأغض من بصري وأعلم أنه ... قد بان حد فوارسي ورماحي
وإذا دعت قمرية شجنا لها ... يوما على فتن دعوت: صباحي١
وإذا كنا قد رأينا فيما تقدم الحب المتبادل بين الزوجين وأثره في الحياة وبعد الموت، فإن هناك من الأزواج من كره الحياة مع زوجته، ورأى أنها ورطة وقع فيها، وينبغي أن يخرج منها بأقصى سرعة.
وقد تنفر الزوجة من زوجها وهو لها وامق، فيمنيها ويعدها ويتوسل إليها كما نرى سعيد بن عمرو بن نفيل يتوسل إلى زوجته:
تلك عرساي تنطقان على عمد ... لي اليوم قول زوز وهتر
سألتاني الطلاق إن رأتا ... مالي قليلا قد جئتماني بنكر
فلعلي أن يكثر المال عندي ... ويعرى من المغارم ظهري
وترى أعبدا لنا وإماء ... ومناصيف من خوادم عشر
وتجرا الأذيال في نعمة زو ... ل تقولان ضع عصاك لدهر٢
والرجل يؤدب زوجته بالضرة مما يثير غيرتها وخوفها وحرصها على إرضاء زوجها؛ فهذا شاعر يخشى أن يموت من غير أن ينغص على زوجته بضرة تؤذيها وتشاكسها:
لقد خشيت أن يقوم قابري ... ولم تمارسك من الضرائر
ذات شذاة جمة الصراصر ... حتى إذا جرس كل طائر
قامت تغطي بك سمع الحاضر ... تصر إصرار العقاب الكاسر
وفي الحجاز نرى كثيرا من هذا, حتى في زوجات الرسول ﵊ مما يدل على أن الغيرة شيء كامن في نفوس النساء عامة.
стр. 468
الطلاق:
وقد عرف الحجازيون -كما عرف العرب- الطلاق الذي يقوض بنيان الزوجية، وقد يحدث لعدة أسباب؛ فمنها: الفقر حيث تسأل الزوجة زوجها أن يطلقها, كما رأينا عند سعيد بن عمرو بن نفيل حيث قال:
سألتاني الطلاق إن رأتا ... مالي قليلا قد جئتماني بنكر
وقد يطلق الزوج زوجته لنوازع قبلية, حيث تحتقر الزوجة قبيلة زوجها أو أسرته كما نرى عند حسان بن ثابت, إذ طلق زوجته عمرة بنت الصامت الأوسية؛ إذ عيرته بأخواله١. وكذلك رأينا ما كان من طلاق دريد بن الصمة زوجته حينما حقرت أخاه عبد الله.
وقد يطلقها؛ لأنها رغبت عنه بعد أن أدركه الكبر, إلى غير ذلك.
وكان أهل مكة يطلقون مرة واحدة ثم يرجعون ويطلقون الثانية فيرجعون, أما الثالثة فلا رجعة فيها٢. ويجمعون الثلاث دفعة واحدة أحيانا، فهذا شاعر يهدد زوجته بأن تحسن عشرته وإلا طلقها ثلاثا لا رجعة بعدها:
فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن ... وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم
فأنت طلاق والطلاق عزيمة ... ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
فبيني بها إن كنت غير رفيقة ... وما لأمري بعد الثلاث مقدم
وقد يكون الطلاق خلعا بأن تفتدي الزوجة نفسها من زوجها, فتدفع كل ما تسلمته من مهر كما فعل عامر بن الظرب مع ابن أخيه زوج بنته, فقد رد عليه صداقها وخلعها منه٣.
وقد تميزت المرأة العربية بأن لها الحق بأن تكون العصمة بيدها فتطلق الرجل, وبأن لها أن تطالب الرجل بالطلاق سواء أكان على بدل أم لم يكن. وهذا حق لم تظفر به امرأة من الأمم التي عاصرت العرب, فكان النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في
стр. 469
الجاهلية وكان طلاقهن أنهن إن كنّ في بيت شعر حولن الخباء؛ فإن كان بابه قبل المشرق حولته قبل المغرب, وإن كان بابه قبل اليمن حولته قبل الشام, فإذا رأى الرجل ذلك علم أنها طلقته فلم يأتها. ولعل السبب في هذا المظهر أن الخباء كان عند الساميين ملكا للمرأة وهو عند أهل المدر كالبيت عند أهل الحضر, فإذا جاء الرجل ووجد المرأة قد حولت باب خبائها علم أنها قد أعرضت عنه وطلقته. أما الحضريات فكان لهن طريقة أخرى في الإعلام بالتطليق؛ وذلك أنهن لا يعالجن للرجل طعامه إذا أصبح كما نقل ذلك بعض الباحثين١، وهو يذكر من هؤلاء النسوة سلمى بنت عمرو بن زيد أم عبد المطلب، كانت لا تتزوج إلا وأمرها بيدها فإذا كرهت من زوجها شيئا تركته، وأم خارجة عمرة بنت سعد البجلية وعاتكة بنت مرة بن هلال بن فالح السلمية. ويستشهد بقول الشنفرى:
إذا ما جئت ما أنهاك عنه ... ولم أنكر عليك فطلقيني
وكما رأينا زوجتي عمرو بن سعيد بن نفيل تطلبانه الطلاق, وزوجة عبد الله بن جدعان ضباعة بنت عامر بن قرظ تسأله الطلاق لكبر سنه، ولأن هشام بن المغيرة المخزومي أغراها بشبابه وماله.
فإذا حدث الطلاق فقد تهيج بالزوجين الذكرى ويندمان أو أحدهما على التسرع. طلق زهير بن أبي سلمى زوجته أم أوفى بسبب الغيرة، وتأسّف بعد ذلك، فهو يذكر عهدها ويدعي أنها نسيت عهده، وهو يطلب إليها أن تحسن القول فيه وألا تتقول عليه ما لم يحدث، وهو يذكرها بما كان بينهما وما نالت منه:
لعمرك والخطوب مغيرات ... وفي طول المعاشرة التقالي
لقد باليت مظعن أم أوفى ... ولكن أم أوفى لا تبالي
فأما إذا ظعنت فلا تقولي ... لذي صهر أذلت ولم تذالي
أصبت بني منك ونلت متى ... من اللذات والخلل الغوالي٢
стр. 470
وقد يكون الطلاق بالإكراه كما نرى عند عبد الله بن العجلان؛ فإن والده أرغمه على طلاق هند زوجته، فقال:
فارقت هندا طائعا ... فندمت عند فراقها
فالعين تذري دمعها ... كالدر من آماقها
متحلبا فوق الرداء ... يجول من رقراقها
وقال:
فما معول تبكي لعقد أليفها ... إذا ذكرته لا يكف زفيرها
بأغزر مني عبرة إذ رأيتها ... يحث بها قبل الصباح بعيرها١
وما زال هذا الشاعر البائس يندفع في تيار الحزن والأسى, حتى قضى نحبه شوقا إلى زوجته التي فارقها كرها.
٦- الحياة الخلقية:
لا جرم أن بين الأخلاق والمجتمع علاقة وثيقة، فكل منهما مرآة تنعكس عليه صورة الآخر. فبين الأخلاق والمجتمع إذًا تجاوب وتفاعل وكلاهما مؤثر ومتأثر في وقت واحد، والأخلاق لا يمكن أن تنشأ وتتكون وتنمو وتتطور إلا في مجتمع، والمجتمع بدوره رهين في سيره وتقدمه، واتجاهه وتحوله بأخلاق الأفراد التي تكيفه بكيفية خاصة، وتوجهه وجهة معينة. وربما كانت العلاقة بينهما في بعض الأحيان التنافس الذي لا معدى عنه، والصراع الذي يدفع الحياة دفعا قويا.
ولهذا الارتباط الوثيق بينهما آثرنا ألا نتحدث عن الشعر الذي يمثل الحياة الخلقية في فصل مستقل, بل أدمجناه في فصل الشعر الاجتماعي. وبذلك تبرز حياتهم الاجتماعية واضحة المعالم, بارزة السمات.
стр. 471
وقد سجل الشعر الحجازي حياة الحجازيين الخلقية تسجيلا رائعا؛ رسم شجاعتهم وبأسهم، وصور عفتهم وطهرهم وكرمهم ووفاءهم, وغير ذلك من خلالهم الحميدة، وقد تحدثنا عن شجاعتهم وأثرها في شعرهم في فصل "الشعر الحماسي" كما ضربنا مثلا لعفة نسائهم في قصة الفيطون، وممن سجل افتخاره بعفة قومه وطهرهم عمرو بن الأطنابة الشاعر الخزرجي, وذلك إذ يقول:
المانعين من الخنا جاراتهم ... والحاشدين على طعام النازل
كما أن النابغة الذبياني وصف ممدوحيه بطيب الحجزات وهي ما تشد على الوسط، يكني بذلك عن عفتهم ونقاء سريرتهم, وذلك حين يقول:
رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
وسنتحدث فيما يلي عن ثلاث من أبرز خلالهم, وأعظمها أثرا في حياتهم ومجتمعهم, وهي: الكرم، والوفاء، والحلم.
الكرم:
كان الثراء عند الحجازيين -شأنهم شأن العرب جميعا- وسيلة لا غاية، والمال -في نظرهم- غادٍ ورائح، ولكن طيب الذكر وحسن الأحدوثة هو الباقي على الدهر. وكان من بواعث الكرم لدى أجوادهم وأغنيائهم إقبالهم على الميسر زمن الجدب والقحط لينحروا الجزر للمحتاجين والجائعين. وأحاديث كرمهم وقراهم للضيوف معروفة مشهورة، فكرم عبد المطلب الذي كان يقري الإنس والجن والوحش والطير من الصفحات الخالدة. وكذلك الشأن في سماحة أزواد الركب ومطاعيم الريح، وعبد الله بن جدعان الذي كان له منادٍ ينادي بمكة وآخر من فوق دارته المسماح, يدعوان الناس ليقبلوا على تناول الفالوذج وغيره من جفانه الواسعة التي كان يأكل منها القائم والراكب لعظمها, وقد أشاد أمية بن أبي الصلت بكرمه فيما أسلفنا له من شعر.
وإذا ضنّت السماء بالغيث، وشحّت النفوس بما عندها، فإن الحجازي ينحر جزره ويطعمها لجميع الناس. تقول الخنساء في رثاء أخيها صخر الذي تسميه بصخر الندى:
стр. 472
وإن صخرا لكافينا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو النحار
كذلك كان هاشم بن عبد مناف يهشم الخبز لقومه في السنين الجدباء، وفيه يقول الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
ولما رثى معية بن الحمام أخاه الحصين أشاد بسماحته وكرمه؛ وذلك إذ يقول:
نعيت حيا الأضياف في كل شتوة ... ومدره حرب إذ تخاف الزلازل
ومن لا ينادي بالهضيمة جاره ... إذا أسلم الجار الألف المواكل١
ورثى أبو طالب عم النبي ﷺ أبا أمية بن المغيرة أحد أزواد الركب؛ فوصفه بأن داره كانت تجتمع في ساحتها السمان من النوق والبقر, وأنها إذا أكلها الضيوف والمعتفون حل محلها غيرها، ثم يخاطبه مادحا بقوله:
ضرب بنصل السيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادا فإنك عاقر
وإلا يكن لحم غريض فإنه ... تكب على أفواههن الغرائر٢
أما افتخارهم بالكرم فكثير، وحسبنا أن نشير إلى قول الشمخي الفزاري:
ألم تعلمي يا عمرك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل
وأني لا أخزي إذا قيل: مقتر ... جواد وأخزي أن يقال بخيل
وقول عمرو بن الأطنابة الخزرجي في الفخر بقومه الذين يخلطون الفقراء بالأغنياء، ويبذلون العطاء لكل سائل:
الخالطين فقيرهم بغنيهم ... والباذلين عطاءهم للسائل
стр. 473
الوفاء:
وخلة الوفاء من السجايا العربية الأصيلة في العربي عامة, والحجازي خاصة. وقد كان الرجل ينطق الكلمة, فإذا هي عهد مبرم يجب أن يفي به, وإلا تعرض شرفه للتجريح والثلم. وقد كان الحجازيون يوثقون عهودهم الجماعية بالله وبالدم، وبالماء والطيب، وكانوا يتمسحون بالكعبة لتثبيتها وتوكيدها, وكان الغدر بالعهد والميثاق مخزاة تثلم الشرف، ومعرة يجب اجتنابها. وكانت العرب ترفع لواء في سوق عكاظ تشهيرا بالغادر الناكث للعهد.
ولما أحست قريش بخطر حرب الفجار -وكانت العرب, كعادتها في المواسم، قد أودعت أسلحتها لدى عبد الله بن جدعان- طلبت إليه أن يسلمها الأسلحة المودعة لتدافع بها عن كيانها، ولكنه أبى أن يفرط في الأمانة حتى ولو كان السبب الذياد عن حياض الوطن ... وكفاهم مئونة الأمر بأن أسهم مع المسهمين في تزويدهم بأكبر قسط من العتاد والأسلحة.
وكان الحجازيون يفون بالعهد حتى لو طرأ ما يوجب النقض؛ فقد كان البراض بن قيس الكناني سكيرا فاسقا تبرأ منه قومه وخلعوه, ثم شرب في بني الدئل فخلعوه أيضا، فاستجار بحرب بن أمية فأجاره وأحسن جواره، ولكنه شرب بمكة وأتى ما يستوجب التبرؤ منه، وأحس هو بأن ما ارتكبه خليق أن يخلعه، فقال لحرب: "إنك إن خلعتني لم ينظر إلى أحد بعدك، فدعني على حلفك, فأنا خارج عنك" ثم تركه وخرج ولحق بالنعمان بن المنذر بالحيرة.
ولقد ضرب العرب المثل في الوفاء بالسموءل, وهو من أصل يهودي, ولكنه نبت في بيئة عربية حجازية، فاستقى هو وأبوه هذه الخلة الحميدة من أخلاق العرب والحجازيين. وكان الشاعر امرؤ القيس قد أودعه مائة درع، فأتاه الحارث بن ظالم أو الحارث الغساني ليأخذها منه, فتحصن منه, فأخذ الحارث ابنا له غلاما وكان في الصيد فقال: "إما أن سلمت الأدراع إلي, وإما أن قتلت ابنك" فأبى السموءل أن يسلم إليه الأدراع، فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف فقطعه قطعتين. وفي ذلك يقول السموءل:
стр. 474
وفيت بذمة الكندي إني ... إذ ما ذم أقوام وفيت
وأوصى عاديا يوما بألا ... تهدم يا سموءل ما بنيت
بنى لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت
وما أروع وفاءهم لذلك العهد الذي ضربته بنو قصي على نفسها، وهو ألا يظلم بمكة قريب ولا غريب في الحلف الذي سمي بحلف الفضول, وقد أوردنا في باب الحياة السياسية، والشعر السياسي طرفا من أنبائه. ويروى في سبب هذا الحلف أن رجلا من بني زبيد قدم مكة معتمرا في الجاهلية ومعه تجارة له فاشتراها منه العاصي بن وائل السلمي، وكان ذا قدر بمكة وشرف، فحبس عنه حقه, ثم تغيب فابتغى الزبيدي متاعه فلم يقدر عليه, فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه، فعرف أن لا سبيل إلى ماله، فطوف في قبائل قريش يستعين بهم فتخاذلت القبائل عنه، وانتهره الأحلاف: عبد الدار, ومخزوم، وجمح، وسهم، وعدي، وكعب. فلما رأى الزبيدي الشر، أوفى على أبي قبيس عند طلوع الشمس وقد أخذت قريش مجالسها حول الكعبة, فصاح بأعلى صوته:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا آل فهر وبين الحجر والحجر
أقائم من بني سهم بذمتهم ... أم ذاهب في ضلال مال معتمر
إن الحرام لمن تمت كرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وحلف ليعقدن حلفا بينه وبين بطون من قريش, يمنعون القوي من ظلم الضعيف والقاطن من ظلم الغريب, وقال:
حلفت: لنعقدن حلفا عليهم ... وإن كنا جميعا أهل دار
وعقد الحلف كما سبق أن وصفنا في دار ابن جدعان، وفيه يقول الزبير بن عبد المطلب:
إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ... ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاهدوا وتواثقوا ... فالجار والمعتر فيهم سالم١
стр. 475
الحلم:
إن طبيعة الصحراء الملتهبة قد جعلت العرب أدنى إلى الطيش وسرعة الانفعال، ولكن بعض المجربين منهم والطاعنين في السن اتصفوا بالحلم وطول الأناة. ومن الشعراء الحجازيين الذين صوروا الحلم تصويرا رائعا ذو الإصبع العدواني, وذلك في مثل قوله:
ولي ابن عم على ما كان من خلق ... مختلفان فأقليه ويقليني
فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي ... فإن ذلك مما ليس يشجيني
ولا ترى في غير الصبر منقصة ... وما سواه فإن الله يكفيني
على أنه سرعان ما يبدو التناقض بين هذا التحلم، وبين الوعيد والتهديد بالقتل في القصيدة ذاتها:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
ولمعن بن أوس قصيدة في الحلم تحكي فلسفته في الصداقة والحياة، فهو يصور حال صديقه الذي بادره بالإساءة وأصر على قطيعته، وأمعن في سوء معاملته ولم يجد معه أناته وحلمه وصفحه، حتى لكأن في نفسه داء قديما لا يشفيه إلا الإساءة إلى صديقه.
عجبا لهذه الحياة, صديق صدوق ثابت على الود يبذل ماله في سبيل أخيه, ويحارب من حاربوه، ويصفح عما رأى منه ويغفر الزلة إثر الزلة، ومع ذلك يصر هذا الأخ على الجفوة، والثلب، والقطيعة، والحقد, وإنزال الضر بصاحبه. إن حال هذا الرجل حال إنسان يمشي في الدنيا بلا يمين:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول
وإني أخوك الدائم العهد لم أخن ... إن أبزاك خصم أو نبا بك منزل
أحارب من حاربت من ذي عداوة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل
وإن سؤتني يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما منك آخر مقبل
كأنك تشفي منك داء مساءتي ... وسخطي، وما في ريبتي ما تعجل
وإني على أشياء منك تربيني ... قديما لذو صفح على ذلك مجمل
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل؟
وفي الناس إن رثت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحول١
стр. 476
٧- العادات الاجتماعية:
أما العادات الاجتماعية فكثيرة، ولا يمكننا الإحاطة بها. وقد أثبتت في١ تضاعيف هذا الكتاب صور منها, وحسبنا أن نشير هنا إلى بعضها كالخمر والميسر.
الخمر:
كان الحجازيون في الجاهلية -كالعرب عامة- مولعين بشرب الخمر؛ لتزيدهم شجاعة وجرأة، وحماسة وحمية في الحرب، ولينتقلوا بها إلى عالم خيالي مليء بالصور المبهجة والأحلام الجميلة فرارا من الواقع المر. وقد عبر حسان بن ثابت عن هذين الباعثين تعبيرا جميلا واضحا, وذلك إذ يقول:
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
وقد أولع بشربها الحضر والبدو على السواء, واشتهرت الطائف منذ عهد بعيد بكرومها حتى إن بيادر الزبيب بها كانت تبدو كأنها الجرار, وكان بها حانات كثيرة، وقد تمادى الثقفيون في شرب الخمر حتى بعد أن حرمها الإسلام, ومنهم أبو محجن الثقفي الذي اشتهر بها اشتهارا, جعله يتطلب إلى صاحبه أن يدفنه في أصل كرمة تُرَوِّي جدورها عظامه، حتى يستمتع بها حيا وميتا:
إذا مت فادفني إلى أصل كرمة ... تروي عظامي في التراب عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
كذلك كان أهل يثرب يستخرجون الخمر من التمر والبسر، وكان اليهود يحملون إليها خمور الشام والطائف للتجارة، وكثرت الخمر بها, قال أنس: "إنها جرت في سكك المدينة حين حُرّمت".
ويبدو أن مجالس الخمر كانت كثيرا ما يُهزج فيها بالغناء، فهذا عمرو بن الأطنابة يفتخر باحتساء الخمر، والاستمتاع بسماع القيان العازفات على
стр. 477
الدفوف، ذكر صاحب الأغاني أنه دعا بشرا به وقيانه, فغنين له قوله في رثاء خالد بن جعفر لما قتله الحارث بن ظالم:
عللاني وعللا صاحبيا ... واسقياني من المروق ريا
إن فينا القيان يعزفن بالدفـ ... ـف لفتياننا وعيشا رخيا
وربما امتدت مجالس الغناء والشراب حتى أعقاب الليل، قال كعب بن الأشرف:
ولنا بئر رواء جمة ... من يردها بإناء يغترف
ونخيل في قلاع جمة ... تخرج التمر كأمثال الأكف
وصرير في مجال خلة ... آخر الليل أهازيج بدف١
على أن طائفة من عقلاء العرب قد حرموا٢ الخمر في الجاهلية؛ تكرما وصيانة لأنفسهم. ومن الحجازيين من آلوا على أنفسهم ألا يشربوها, ومنهم عامر بن الظرب الذي يقول في وصفها:
سآلة للفتى ما ليس في يده ... ذهابة بعقول القوم والمال
أقسمت بالله أسقيها وأشربها ... حتى يفرق ترب القبر أوصالي
تورث القوم أضغانا بلا إحن ... مزرية بالفتى ذي النجدة الحالي
ومنهم صفوان بن أمية الكناني, الذي أقسم على نفسه ألا يشربها طيلة حياته، ولا يشفي بها سقيما أبدا, وذلك حيث يقول:
رأيت الخمر صالحة وفيها ... مناقب تفسد الرجل الكريما
فلا والله أشربها حياتي ... ولا أشفي بها أبدا سقيما
стр. 478
وقد ذكر أبو الفرج الأصبهاني أنه ما من أحد من كبراء قريش في الجاهلية إلا ترك الخمر؛ استحياء مما فيها من الدنس. ولقد عابها ابن جدعان قبل موته, فقال:
شربت الخمر حتى قال قومي ... ألست عن السفاه بمستفيق
وحتى ما أوسد في مبيت ... أنام به سوى الترب السحيق
وحتى أغلق الحانوت رهني ... وآنست الهوان من الصديق
وكان سبب تركه الخمر أن أمية بن أبي الصلت شرب معه فأصبحت عين أمية مخضرة يخاف عليها الذهاب، فقال له: ما بال عينك؟ فسكت. فلما ألح عليه قال له: أنت صاحبها أصبتها البارحة, فقال: أوبلغ مني الشراب الحد الذي أبلغ معه من جليسي هذا؟ لا جرم لأدينها لك ديتين، فأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: "الخمر علي حرام أن أذوقها أبدا"، وترك من يومئذ١.
وذكر ابن قتيبة أن كثيرا من أصحاب رسول الله ﷺ حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية؛ لعلمهم بسوء مصرعها وكثرة جناياتها. وقالت عائشة ﵂: "ما شرب أبو بكر خمرا في جاهلية ولا إسلام". وقال عثمان ﵁: "ما تغنيت ولا تمنيت ولا شربت خمرا في جاهلية ولا إسلام"٢.
وربما حرموا الخمر تحريما مؤقتا فتجافوا عنها وعن النساء والطيب, وذلك حين يملأ قلوبهم الموتورة الحقد على الأعداء، وطلب الثأر والانتقام. قال قيس بن الخطيم:
ومنا الذي آلى ثلاثين ليلة ... عن الخمر حتى زاركم بالكتائب
ولما هبطنا الحرث قال أميرنا ... حرام علينا الخمر ما لم نحارب
فسامحه منا رجال أعزة ... فما برحوا حتى أحلت لشارب
ويبدو أن الخمر أهم اللذائذ التي كانوا يصدون أنفسهم عنها حتى يثأروا.
стр. 479
قال دريد بن الصمة:
شلت يميني ولم أشرب معتقة ... إن أخطأ الموت أسماء بن زنباع
وقال تأبط شرا:
حلت الخمر وكانت حراما ... وبلأي ما ألمت تحل
فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل١
الميسر:
وكان من عادة الحجازيين لعب الميسر، ولا سيما وقت الشدة والجدب، ومن طرقهم في المياسرة أن يجتمع عشرة من اللاعبين ويحضروا جزورا يضمنون ثمنا لصاحبها، ويدفع الثمن بعد المياسرة الغارمون وحدهم، وتجعل القداح العشرة في خريطة وتجال وتحرك فيها، ثم يخرج الحرضة أول قدح باسم أحدهم على ترتيب لا نعلمه -فربما كان بحسب جلوسهم أو أسنانهم أو تراضيهم- ويكون هذا القدح هو نصيبه، فإن كان رابحا عرف مقدار ربحه وبقي القدح خارج الخريطة لا يعاد إليها. ثم يخرج قدحا باسم الثاني ويعرف مقدار ربحه وهكذا العشرة.
وكل رابح يأخذ ما خرج له، والثلاثة الذين تخرج لهم القداح التي لا نصيب لها هم الذين يغرمون ثمن الجزور, فيقسم عليهم أثلاثا٢.
وكان بعض اللاعبين يأخذ ما بقي من القداح ويقول للأيسار: قد تممتكم إن لم يحضر من يتمم الأيسار, وبذلك يفتخر النابغة فيقول:
إني أتمم أيساري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما٣
стр. 480
النسيء:
ومن عاداتهم النسيء, وقد مر الحديث عنه في "الحياة الاجتماعية". ويروى أن أول من نسأ الشهور على العرب هو سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ثم من بعده ابن أخيه القلمس وهو عدي بن عامر بن ثعلبة, ثم صار النسيء في ولده إلى آخرهم وهو أبو ثمامة جنادة بن عوف. ويروي ابن هشام أن القلمس هو أول ناسئ, وفي صبح الأعشى: أول من نسأ النسيء عمرو بن لحي وهو أبو خزاعة، ولقد أكثر الشعراء من بني كنانة الافتخار بالنسأة؛ من ذلك قول بعضهم:
ومنا ناسئ الشهر القلمس
وقال غيره:
نسئوا الشهور بها وكانوا أهلها ... من قبلكم والعز لم يتحول
وقال عمير بن قيس جذل الطعان الكناني:
لقد علمت معد أن قومي ... كرام الناس إن لهم كراما
فأي الناس فاتونا بوتر ... وأي الناس لم تعلك لجاما
ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما؟!
стр. 481
الفصل الرابع: الشعر الديني
تمهيد:
يرى الدكتور طه حسين أن الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين يظهر لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي، والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس، والمسيطرة على الحياة العملية, وإنه من العجيب حقا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين١، على حين يرى نيكلسون أن قدرا كبيرا من الأحاسيس الدينية قد تمثل في الشعر الجاهلي, فماذا عسى أن تكون الحقيقة بين هذين الرأيين المتناقضين أشد التناقض؟
الواقع أن كثيرا من الشعر الجاهلي قد ضاع في تلافيف الزمن واختفى في مجاهله ولم يسلم لنا منه إلا القليل. قال أبو عمرو بن العلاء: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير"٢. ومع ذلك, فإن الباحث يجد أن هذا القليل قد تحدث فيما تحدث عنه، عن ديانات العرب ومعتقداتهم ومشاعرهم الدينية. وإذًا, فأحد الأسباب لقلة المأثور من الشعر الديني هو ضياع كثير من الشعر الجاهلي.
أما ثاني الأسباب فهو إغضاؤهم عن رواية هذا الشعر الذي يتصل بالوثنية؛ ورعا وتقية بعد أن دخل الإسلام في قلوبهم، وحرصا على عدم نبش الماضي الذي يصور أفن الفكر وضعف العقل ويثير الضغائن في النفوس. ثم إن الذين اعتنقوا اليهودية والنصرانية في الجاهلية قد ترفعوا وتجافوا عن شعرهم الوثني، على أن هذا التحرج ذو أهمية نسبية لأنه لم يكن عاما، ثم هو موقوت بظروف
стр. 482
الإسلام الأولى إبان معركته ضد الشرك, بدليل أن الرواة قد نقلوا لنا جملة صالحة من هذا الشعر وحفظوها.
وثمت سبب ثالث وهو أن كثيرا من الجاهليين وبخاصة الشعراء، لم يكونوا يحفلون بالنزعة الدينية، بل كانوا متحللين منها في كثير من الأحيان. يقول بروكلمان: "ولم تكن الصلة بين القبيلة عند العرب وبين آلهتها وثيقة جدا, كما كانت الصلة عند بني إسرائيل مثلا بين يهود وشعبه"١.
ويتفق نيكلسون مع بروكلمان في هذا الرأي، فيقول: "كان تأثير الدين على حياة العرب قبل الإسلام ضئيلا، حتى لا نتوقع تأثيرا كبيرا له في شعرهم. والعربي لم يكن يولي الدين اهتماما كبيرا، كان تقديره لدينه يقتصر على مزاياه العملية، وإذا غضضنا النظر عن الشهوات، فقد كان العربي البدوي يجد في الدين راحة وأمنا خلال الأشهر الأربعة المقدسة التي يمنع فيها الحرب، في حين كان موسم الحج في مكة يمكنه من الاشتراك في احتفال وطني"٢.
هذا إلى ضعف الوثنية ذاتها في أخريات العصر الجاهلي، إذ صارت عبادة الأوثان عادة أكثر منها عقيدة. قال أبو رجاء العطاردي:
"كنا نعبد الحجر في الجاهلية, فإذا وجدنا حجرا أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حفنة من تراب، ثم جئنا فحلبنا عليه، ثم طفنا به"٣.
هذه طائفة من الأسباب الجوهرية التي تضافرت على قلة الشعر الديني، ومع ذلك فإن ما سلم من أيدي الضياع من هذا الشعر يمثل إلى حد ما حياة العرب الدينية, سواء كانت وثنية أو غير وثنية.
أما مسألة الشك في الشعر الديني, فقد تعرضنا لمناقشتها في باب سابق، وخاصة شعر أمية بن أبي الصلت الذي سنتحدث بعد قليل عن بعض دلائل الوضع والاختلاق في قصصه الديني وقصائده في الكونيات، وسنتناول بالدرس في هذا شعر الوثنية، والتوحيد.
стр. 483
١- الأصنام والشعر:
كان الحجازيون -كالعرب عامة- يقسمون بأصنامهم, وقد جرى ذلك على ألسنة شعرائهم؛ فأقسم عبد العزى بن وديعة المزني بمناة:
إني حلفت يمين صدق برة ... بمناة عند محل آل الخزرج
وكانت قريش قد حمت لها شعبا من وادي حراض يقال له: سقام, يضاهون به حرم الكعبة، فذاك قول أبي جندب الهذلي في امرأة كان يهواها:
لقد حلفت جهدا يمينا غليظة ... بفرع التي أحمت فروع سقام
لئن أنت لم ترسل ثيابي فانطلق ... أباديك أخرى عيشنا بكلام
يعز عليه صرم أم حويرث ... فأمسى يروم الأمر كل مرام
وحلف الشنفرى الأزدي بأثواب الأقيصر وهو صنم كان يعبد في الجاهلية:
وإن امرأ أجار عمرا ورهطه ... علي -وأثواب الأقيصر- يعنف١
كما كان الحجازيون يطوفون بالأنصاب، ويسمون الذبائح لها عثائر والمذبح الذي تذبح فيه العتر. قال زهير بن أبي سلمى:
فزل عنها وأوفى رأس مرقبة ... كمنصب العتر دمّى رأسه النسك
ونافح بعض الحجازيين عن أصنامهم؛ حماية لها من التدمير, وكافحوا دونها حتى قتلوا، كما حدث لما فتح رسول الله ﷺ مكة وأسلمت العرب, وكان في القادمين جرير بن عبد الله الذي جاء مسلما، فقال له النبي ﷺ : "يا جرير, ألا تكفيني ذا الخلصة؟ " فقال: بلى فوجهه إليه، فخرج حتى أتى بني أحمس من بجيلة، فسار بهم إليه فقاتلت خثعم وباهلة دونه، فقتل من سدنته من باهلة
стр. 484
يومئذ مائة رجل، وأكثر القتل في خثعم، وقتل مائتين من بني قحافة بن عامر بن خثعم، فظفر بهم وهزمهم، وهدم بنيان ذي الخلصة وأضرم فيه النار فاحترق، فقالت امرأة من خثعم:
وبنو أمامة بالولية صرعوا ... ثملا يعالج كلهم أنبوبا
جاءوا لبيضتهم فلاقوا دونها ... أسدا تقب لدى السيوف قبوبا
قسم المذلة بين نسوة خثعم ... فتيان أحمس قسمة تشعيبا١
وربما طلبوا إلى الأصنام أن تدرأ عن نفسها الشر والضر في شك مرير, كما حدث حينما بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد بعد فتح مكة إلى العزى لهدمها، فلما سمع صاحبها السلمي بمسيرة خالد إليها علق عليها سيفه وهرب في الجبل الذي هي فيه، وهو يقول:
أيا عز شدي شدة لا شوى لها ... على خالد، ألقي القناع وشمري
أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا ... فبوئي بإثم عاجل أو تنصري
وقد ذكرنا فيما سبق أن قريشا كانت تتعبد لصنم اسمه ود، ونزيد هنا أن اسم "ود" ورد في النصوص المعينية، وفي النصوص الثمودية. وفي أحد هذه النصوص الثمودية كتابة معناها: "أموت على دين ود" وفي هذا دليل على مدى انتشار عبادته في جزيرة العرب٢ ... ووردت كلمة "ود" تحية في الكتابات الثمودية في الغالب، والتحية صلة بفكرة ود إلها ولا شك. وقد وردت اسما للإله في النصوص اللحيانية, وبمعنى التحية وردت كلمة "ود" في هذا البيت, الذي ينسب لنابغة بني ذبيان:
حياك ود فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما
وكان الحجازيون -كالعرب- يستقسمون عند الأصنام بالأزلام، وهي القداح يستشيرونها للسفر أو الغزو أو التجارة أو أي أمر يهمهم, وهي ثلاث
стр. 485
قطع مكتوب على أحدها: نهاني ربي، وعلى الثاني: أمرني ربي، وأما الثالث فغفل، فإن خرج الآمر مضى لطيته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الثالث أجالها.
وكان لهبل فيما يرى المؤرخون سبعة قداح يضرب بها على الميت والعذرة والنكاح, وكان قربانه مائة بعير، وكان له حاجب. وكانوا إذا جاءوا هبل بالقربان ضربوا بالقداح, وقالوا:
إنا اختلفنا فهب السراحا ... ثلاثة يا هبل فصاحا
الميت والعذرة والنكاحا ... والمبرئ المريض والصحاحا
إن لم تقله فمر القداحا
أما الثورة على الأصنام والأوثان فنجدها لدى الحنفاء, الذين وصلوا بعد طول التأمل والتدبر إلى اعتبارها أوهاما باطلة، وخزعبلات فاسدة لا تليق بالعقل الحصيف. وقد أسلفنا الحديث عن بعض هؤلاء الحنفاء، وسنورد أطرافا من الأشعار التي تكشف عن عقيدتهم, وسماتها حين نتحدث عن شعر "التوحيد" في الجاهلية.
ونكتفي هنا بتسجيل بعض الأخبار التي تدل على الانفعال العنيف، والغضب الشديد، والتحرر الثائر، مما اتسمت به ثورة بعض الحجازيين ضد تلك الآلهة الفارغة والأباطيل الشاخصة.
فقد كان لمالك وملكان ابني كنانة بساحل جدة صنم يقال له "سعد"، وكان صخرة طويلة؛ فأقبل رجل من بني ملكان بإبل مؤبلة، ليقفها عليه ابتغاء بركته فيما يزعم، فلما أدناها منه ورأته وكان يراق عليه الدماء نفرت منه، فذهب في كل وجه فغضب ربها, فتناول حجرا فرماه به، وقال: "لا بارك الله فيك إلها, أنفرت علي إبلي" ثم خرج في طلبها حتى جمعها, ثم انصرف وهو يقول:
стр. 486
أتينا إلى "سعد" ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا يدعو لغي ولا رشد١
ومما يدل على عدم اكتراثهم بعقيدتهم الوثنية، ذلك التناقض الذي يشعرون به حين يعبدون الأصنام التي يلتمسون بعبادتها أن تقربهم زلفى إلى الله, في الوقت الذي يرون فيه تلك الأصنام لا تدفع عن نفسها الضر والأذى, فقد كان عادي بن عبد العزى سادنا لصنم لبني سليم, فبينا هو عنده إذ أقبل ثعلبان يشتدان فبالا على الصنم، فقال:
أرب يبول الثعلبان برأسه؟ ... قد ذل من بالت عليه الثعالب٢
بل, لقد روي أن عمرو بن حبيب من محارب بن فهر قد أكل إله بكر، وذلك أن "بكرا" كان لهم سقب يعبد، يعبدونه من دون الله تعالى، فأغار عليهم عمرو فأخذه وأكله، وسمي لذلك آكل السقب٣.
٢- التوحيد والشعر:
الله:
ورد لفظ الجلالة في الأشعار المنسوبة إلى الجاهليين، وهو اسم الإله في الإسلام, فهل عرف الجاهليون هذا الاسم ونطقوا به حقا؟ أم هو لم يكن معروفا لديهم، وإنما شاع وعرف لنزول الوحي به؟
لقد ذهب "نولدكه" إلى أن رواة الشعر وحملته في الإسلام هم الذين أدخلوا اسم الجلالة في هذا الشعر، وذلك بأن حذفوا منه أسماء الأصنام وأحلوا محلها اسم الله؛ فما جاء فيه اسم "اللات" حل محله اسم "الله". ولكن ليس في أيدينا دليل محسوس ينص
стр. 487
على وجود مثل هذا التغيير والتبديل. ثم إن "اللات" لم يكن صنم جميع العرب، فلم خص "اللات" بالقسم في الشعر مثلا دون سائر الأصنام؟ ثم إن إدخال لفظ "الله" في مواضع أسماء الأصنام الأخرى لا يمكن أن يستقيم دائما، فلا بد أن يؤثر إدخاله على وزن الشعر, فيكف عولج الميزان؟ وكيف صحح الشعر؟
أما "ولهوزن" فيرى أن عدم ورود أسماء الأصنام في الشعر الجاهلي إلا في النادر، ليس بسبب تغيير الرواة الإسلاميين وتبديلهم لأسماء الأصنام وإنما سببه هو أدب الجاهليين وعادتهم في عدم الإسراف والإسفاف في ذكر الآلهة خاصة، وذلك على سبيل التأدب تجاه الأرباب، فاستعاضوا عن الصنم بلفظة "الله" التي لم تكن تعني إلها معينا، وإنما تعني ما تعنيه كلمة رب وإله. ومن هنا كثر استعمالها في القسم وفي التمني أو التشفي وأمثال ذلك من حالات.
فمن المستشرقين من يرى أن الكلمة عربية أصيلة، ومنهم من يرى أنها من إلاها Aiaha ومعناها "الإله" بلغة بني إرم. أما الذين قالوا بعربيتها، فيرون أنها من "اللات", واللات اسم صنم، تحرف وتولد منه هذا الاسم.
بيد أن ورود هذا الاسم في الشعر الجاهلي يفيد أن الجاهليين كانوا يعتقدون بوجود إله واحد أعلى، خلق هذا الكون، وبيده تدبيره, وهو الذي ينزل المطر ويحيي الأرض بعد موتها؛ ولذلك توجهوا إليه وأقسموا به. ولهذا الرأي سند في القرآن الكريم؛ ففيه أن قريشا كانت تعترف بأن الله هو رب السموات والأرض: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١.
стр. 488
أما جوهر الخلاف بين النبي ﷺ وبين العرب، فهو أنهم يشوبون إيمانهم وتوحيدهم بالشرك؛ لاعتقادهم أن تلك الأصنام تقربهم إلى الله زلفى، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ .
واستعمال الجاهليين لاسم الجلالة، يشير إلى أنهم كانوا ينظرون إليه نظرة المسلمين، أي: إنه كان اسم علم خاص بالجلالة، فهو مقابل "يهوه" عند العبرانيين, ومنا هنا عبر عنه بإله واحد، وهو اسم مفرد ليس له جمع؛ لأنه إله واحد. أما لفظة "إله" فإنها تعبر عن مفرد له جمع، هو "آلهة", والإله في مقابل "إيلوهيم Elohim" عند العبرانيين.
وسنعرض فيما يلي لبعض مظاهر التوحيد في شعر الحجازيين:
القسم بالله:
كان الحجازيون -كالعرب- يقسمون بالله. قال ذو الإصبع العدواني:
والله لو كرهت كفي مصاحبتي ... لقلت إذ كرهت قربي لها بيني
وقال زهير:
فوالله إنا والأحاليف هؤلا ... لفي حقبة أظفارها لم تقلم
وقالوا في قسمهم: تالله ولعمر الله. قال الشاعر:
تالله ذا قسما لقد علمت ... ذبيان عام الحبس والأصر
وقال:
تعلماها لعمر الله ذا قسما ... فاقصد بذرعك وانظر أين تنسلك؟
ويرى النابغة أن القسم بالله ما بعده قسم:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
وحلفوا برب الكعبة. قال النابغة أيضا:
فلا، لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد
ما قلت من سيء مما أتيت به ... إذن، فلا رفعت سوطي إلى يدي
стр. 489
وحلفوا بالكعبة ذاتها لصلتها بالله. قال زهير:
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم
يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم
قدرة الله:
وأسندوا إلى الله تعالى النفع والضرر والثواب والعقاب، واعتقدوا أنه هو المعطي وهو المانع, وعنده جزاء الصالحات. قال أبو قيس بن الأسلت, حين أجارت الأوس مخلد بن الصامت الساعدي:
أجرت مخلدا ودفعت عنه ... وعند الله صالح ما أتيت
والله هو المعين على إحراز النصر. قال أبو قيس بن الأسلت أيضا:
وأحرزنا المغانم واستبحنا ... حمى الأعداء والله المعين
وهو القابض الباسط الذي يعلم السر والجهر. قال ذو الإصبع العدواني يشكو من ابن عمه:
إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها ... إن كان أغناك عني سوف يغنيني
الله يعلمكم والله يعلمني ... والله يجزيكم عني ويجزيني
وهو الذي يبدع الجمال ويمنحه لمن يشاء. قال قيس بن الخطيم متغزلا:
قضى لها الله حين صورها الـ ... ـخالق ألا يكنها سدف
وهو الذي يجزي على البر والإحسان. قالت هند بنت الخس تمدح القلمس, وكان سيدا حكيما ينسئ الشهور, فيحل حرامها ويحرم حلالها:
إذا الله جازى منعما بوفائه ... فجازاك عني يا قلمس بالكرم
وقال زهير:
رأى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
علام الغيوب:
واستأثر الله بعلم الغيب، وهم بشر لا حيلة لهم في هتك الحجب واستشفاف ما وراء الواقع المحسوس، قال أحيحة بن الجلاح:
стр. 490
وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل؟
وما تدري وإن ألقحت شولا ... أتلقح بعد ذلك أم تحيل؟
وما تدري إذا ذمرت سقيا ... لغيرك أم يكون لك الفصيل؟
وما تدري وإن جمعت أمرا ... بأي الأرض يدركك المقيل١؟
والله هو الذي يعلم السر وما تكنه الصدور. قال زهير:
ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة ... وذبيان هل أقسمتم كل مقسم
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
الإيمان بالبعث:
وآمن بعض الحجازيين بالبعث ويوم القيامة, حيث تجزى كل نفس بما عملت؛ إن خيرا فخير وإن شرا فشر. قال زهير بعد البيتين السابقين:
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم
وقال أمية بن أبي الصلت يذكر البعث والحشر والحساب والميزان:
ويوم موعدهم أن يحشروا زمرا ... يوم التغابن إذ لا ينفع الحذر
وأبرزوا بصعيد مستو جرز ... وأنزل العرش والميزان والزبر
٣- حادثة الفيل:
ومن الحوادث التي أثرت تأثيرا عميقا في نفوس الحجازيين حادثة الفيل، ولهذه الحادثة سمة سياسية وأخرى دينية. وقد تحدثنا عن الأولى في فصل "الشعر السياسي", وسنتناول هنا السمة الثانية.
стр. 491
يؤكد الجاحظ حادثة الفيل كما ذكرها القرآن الكريم، ويسوق الحجج في صرف الله الفيل, بالطير الأبابيل، وصد أبي يكسوم عن البيت الحرام، فقد أنزل الله سورة الفيل، وقريش يومئذ مجلبون في الرد على النبي ﷺ وما شيء أحب إليهم من أن يروا له سقطة أو عثرة أو كذبة، أو بعض ما يتعلق به مثلهم، فلولا أنه أذكرهم أمرا لا يتدافعونه، ولا يستطيع العدو إنكاره، للذي يرى من إطباق الجميع عليه؛ لوجدوا أكبر المقال في تكذيبه والتشنيع عليه.
وقد كان بين ثقيف وقريش لقرب الدار والمصاهرة، والتشابه في الثروة، والمشاكلة في المجاورة تحاسد وتنافر. وقد كان هنالك فيهم الموالي والحلفاء والقطان والنازلة ومن يحج في كل عام. وكان البيت مزورا على وجه الدهر يأتونه رجالا وركبانا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، وبشق الأنفس, كما قال الله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ . وكانوا بقرب سوق عكاظ وذي المجاز وهما سوقان معروفان, وما زالتا قائمتين حتى جاء الإسلام, فلا يجوز أن يكون السالب والمسلوب والمفتخر به والمفتخر عليه والحاسد والمحسود والمتدين به والمنكر له، مع اختلاف الطبائع وكثرة العلل يجمعون كلهم على قبول هذه الآية وتصديق هذه السورة, وكلهم مطبق على عداوة النبي ﷺ والكفر به.
والمحلون من العرب ممن كان لا يرى للحرم, ولا للشهر الحرام حرمة: طيء كلها وخثعم كلها وكثير من أحياء قضاعة ويشكر والحارث بن كعب, وهؤلاء كلهم أعداء في الدين والنسب.
هذا مع ما كان في العرب من النصارى الذين يخالفون دين مشركي العرب كل الخلاف؛ كتغلب, وشيبان, وعبد القيس, وغيرهم خلطاء وأعداء, ممن يغارون ويسبون ويسبى منهم، وفيهم الثئور والأوتار والطوائل. وهي العرب وألسنتها الحداد وأشعارها التي إنما هي مياسم، وهممها البعيدة وطلبها للطوائل, وذمها لكل دقيق وجليل من الحسن والقبيح في الأشعار والأرجاز والأسجاع والمزدوج والمنثور. فهل سمعنا بأحد من جميع هؤلاء الذين ذكرنا أنكر شأن الفيل، أو عرض فيه بحرف واحد؟!
стр. 492
ويستشهد الجاحظ على إثبات حادثة الفيل بأشعار شعراء من غير قريش أو حلفائها كربيعة بن أبي الصلت. وهو ثقفي طائفي وهو جاهلي, وثقيف يومئذ أضداد بالبلدة والمال والحدائق والجنان، وبهم اللات والغبغب، وبيت له سدنة يضاهون بذلك قريشا، وهو مع اجتماع هذه الأسباب التي توجب الحسد والمنافسة:
إن آيات ربنا بينات ... ما يماري فيهن إلا الكفور
حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور
واضعا حلقة الجران كما قطـ ... ـر صخر من كبكب محدور١
وقد فسر الإمام محمد عبده الطير الأبابيل بأنها الرياح المتجمعة حملت إليهم ميكروب الجدري ففتك بهم, وأن الحجارة من السجيل هي ذرات التراب التي حملت الميكروب, وقد رد على ذلك الأستاذ محمد الطيب النجار ونقضه بقوله: إنه لم يعهد في لغة العرب أن يقال عن الرياح: إنها طير أبابيل أي: جماعات من الطير, ولا ينبغي أن يقال ذلك إلا بطريق مجازي بعيد، ولا يصح أن يلجأ إلى مثل هذا المجاز ما دامت الحقيقة غير مستحيلة على قدرة الله, ولا يقبل أيضا أن يقال عن ذرات التراب: إنها حجارة من سجيل, أي: من طين مطبوخ وهو الآجر.
وإذا كانت الريح قد حملت ميكروب الجدري, فلماذا هلك الأحباش وحدهم, ولم يهلك معهم العرب؟
وإذا كان حادث الفيل قد وقع عام ميلاد الرسول ﷺ فمن المعقول أن سورة الفيل قد نزلت على الرسول في وقت كان يعيش فيه من أهل مكة أناس رأوا حادث الفيل بأعينهم, وبعضهم من أعداء الرسول, فلو لم تكن الطيور طيورا حقيقة والحجارة حجارة حقيقة؛ لظهر من العرب من يسارع إلى تكذيب هذه السورة ويعلن ذلك على
стр. 493
رءوس الأشهاد, وينتهزها فرصة في الكيد لمحمد والطعن عليه, ولكن الواقع أن سورة الفيل قد نزلت فتلقاها العرب بالقبول؛ لأنها تقرر حقيقة معروفة عندهم لا شك فيها, ولا يجرؤ أحد على إنكارها.
وقد هز ذلك الخطر الداهم الذي كان موشكا أن يجتاح مكة وأحلها نفوس الشعراء والزعماء، وعلى رأس هؤلاء عبد المطلب بن هاشم الذي توجه إلى الله مع نفر من قريش, وراح يهتف بهذا الشعر وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
لاهم إن المرء يمنـ ... ـع رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك
إن كنت تاركهم وكعـ ... ـبتنا فأمر ما بدا لك
فلئن فعلت فإنه ... أمر يتم به فعالك
اسمع بأرجس ما أرا ... دوا العدو وانتهكوا حلالك
جروا جميع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك
وممن هزتهم حادثة الفيل ففتقت قرائحهم بالشعر، عبد الله بن الزبعرى الذي يقول:
تنكلوا عن بطن مكة إنها ... كانت قديما لا يرام حريمها
لا تخلق الشعر ليالي حرمت ... إذ لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الجيش عنها ما رأى ... ولسوف ينبي الجاهلين عليمها
ستون ألفا لم يئوبوا أرضهم ... بل لم يعش بين الإياب سقيمها
كانت بها عاد وجرهم قبلهم ... والله من فوق العباد يقيمها
стр. 494
٤- مكانة الحرم والشعائر الدينية:
كان للحرم مكانة قدسية لدى العرب منذ عهد بعيد؛ فكانوا لا ينفرون صيد الحرم ولا يؤذونه, وينسبون لعمرو بن مضاض الجرهمي أنه قال:
فسحت دموع العين تبكي لبلدة ... بها حرم أمن وفيها المشاعر
وتبكي لبيت ليس يؤذى حمامه ... تظل به أمنا وفيه العصافر
وفيه وحوش لا تزال أبية ... إذا خرجت منه فليست تغادر
وقال النابغة الذبياني:
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند
وكانوا يحرمون غزو الحرم والقتال فيه؛ وشاهد ذلك قول حرب بن أمية لأبي مطر الحضرمي, يدعوه إلى حلفه ونزول مكة:
أبا مطر هلم إلى صلاح ... فتكنف كالندامى من قريش
وتأمن وسطهم وتعيش فيهم ... أبا مطر هديت لخير عيش
وتسكن بلدة عزت قديما ... وتأمن أن يزورك رب جيش
وكانوا يكرهون الظلم في الحرم, ونسبوا لرجل من جرهم أنه قال لعمرو بن لحي لما ظلم بمكة:
يا عمرو لا تظلم بمكة إنها بلد حرام
ونسبوا لسبيعة بنت الأجب بن زبينة، وهي تنهى ابنها خالد بن عبد مناف عن الظلم في الحرم، وتعظم حرمة مكة, قولها:
أبني لا تظلم بمكة ... لا الكبير ولا الصغير
واحفظ محارمها ولا ... يغررك بالله الغرور
أبني من يظلم بمكة ... يلق أطراف الشرور
أبني يضرب وجهه ... ويلح بخديه السعير
أبني قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور
стр. 495
والله أمنها وما ... بنيت بعرصتها قصور
والله أمن طيرها ... والعصم تأمن في ثبير
ولقد كان اجتناب الظلم في الحرم شريعة عامة، وقاعدة مرسومة لا يحيدون عنها. ومن النادر حدوث اعتداء على النفس أو المال فيه, كما آذى مشركو قريش زيد بن عمرو بن نفيل في مكة لما اطّرح عبادة الأصنام؛ كراهة أن يفسد عليهم دينهم, فقال وهو يعظم حرمته على من استحل منه ما استحل من قومه:
لاهم إني لا حله ... وإن بيتي أوسط المحله
عند الصفا ليس بذي مضله
وكانوا إذا أحرموا كرهوا تسريح الشعر وقتل القمل. قال أمية بن أبي الصلت:
مساجي أياطلهم ينزعوا تفثا ... ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا١
وكانوا يهللون ويلبون في الحج؛ يدل على ذلك قول نبيه بن الحجاج:
إنني والذي يحج له شمـ ... ـط إياد وهللوا تهليلا
ومبيتا بذي المجاز ثلاثا ... ومتى كان حجنا تحليلا
وبعض تلبيات العرب في الجاهلية مسجوع؛ كقولهم: لبيك ربنا لبيك، والخير كله بيديك. وبعضها موزون كقولهم, وهو من منهوك الرجز:
لبيك إن الحمد لك ... والملك لا شريك لك
إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك
أخو بنات بفدك
وفدك: قرية حجازية قديمة, وكان بها في الجاهلية أصنام.
وإذا أرادت بجيلة التلبية "وهي قبيلة حجازية" قالت:
لبيك عن بجيلة ... الفخمة الرجيلة
ونعمت القبيلة ... جاءتك بالوسيلة
تؤمل الفضيلة