← Фараид

Фараид · id 7455

علم الفرائض والمواريث في الشريعة الإسلامية والقانون السوري

محمد خيري المفتي

Полный текст (395 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٢- إذا تخارج أحد الورثة مع آخر منهم استحق نصيبه, وحل محله في التركة. ٣- إذا تخارج أحد الورثة مع باقيهم, فإن كان المدفوع له من التركة قسم نصيبه بينهم بنسبة أنصبائهم فيها، وإن كان المدفوع من مالهم ولم ينص في عقد التخارج على طريقة قسمة نصيب الخارج, قسم عليهم بنسبة ما دفع كل منهم. مادة ٣٠٥: كل ما لم يرد عليه نص في هذا القانون يرجع فيه إلى القول الأرجح في المذهب الحنفي. مادة ٣٠٦: تطبق أحكام هذا القانون على جميع السوريين, سوى ما تستثنيه المادتان التاليتان: مادة ٣٠٧: لا يعتبر بالنسبة للطائفة الدرزية ما يخالف الأحكام التالية: أ- يتثبت القاضي من أهلية العاقدين وصحة الزواج قبل العقد. ب- لا يجوز تعدد الزوجات. جـ- لا تسري أحكام اللعان والرضاع على أفراد الطائفة. د- إذا تزوج شخص بنتا على أنها بكر ثم ظهر أنها ثيب, فإن كان عالما بذلك قبل دخوله بها فليس له حق المطالبة بشيء من المهر أو الجهاز، وإن لم يعلم ذلك إلا بعد الدخول بها فله استرجاع نصف المهر إذا أراد بقاءها في عصمته, وله استرجاع كامل المهر والجهاز إن ثبت أن فض البكارة كان بسبب الزنا وأراد تطليقها. إذا أدعى الزوج كذبا أنه وجد زوجته ثيبا وطلبت التفريق منه, كان لها أن تستبقي ما قبضته من مهر وجهاز. هـ- إذا حكم على الزوجة بالزنا فللزوج تطليقها, واسترجاع ما دفعه من مهر وما بقي من جهاز.

стр. 37

إذا حكم على الزوج بالزنا, فللزوجة طلب التفريق وأخذ كامل مهرها المؤجل. و لا يقع الطلاق إلا بحكم القاضي وبتقرير منه. ز- لا يجوز عودة المطلقة إلى عصمة مطلقها. حـ- تنفيذ الوصية للوارث ولغيره بالثلث, وبأكثر منه. ط- إن الفرع المتوفى قبل وفاة مورثه تقوم فروعه مقامه, ويأخذ نصيبه كما لو كان حيا. مادة ٣٠٨: يطبق بالنسبة إلى الطوائف المسيحية واليهودية ما لدى كل طائفة من أحكام تشريعية دينية تتعلق في الخطبة وشروط الزواج وعقده، والمتابعة والنفقة الزوجية ونفقة الصغير وبطلان الزواج وحله وانفكاك رباطه وفي البائنة "الدوطة" والحضانة.

стр. 38

أركان الميراث: أركان الشيء: ما كان فيه، وسميت أركانا تشبيها بأركان البيت الذي لا يقوم إلا بها؛ لأن الإرث لا يتم إلا بها، والركن في اللغة: جانب الشيء الأقوى، وفي الاصطلاح: عبارة عن جزء لماهيته. ولا بد من وجود ثلاثة أشياء حتى يتحقق الإرث, وهي: ١- الوارث, وهو الذي ينتمي إلى الميت بسبب من أسباب الميراث. ٢- المورث, وهو الميت حقيقة أو حكما كالمفقود الذي حكم بموته. ٣- الموروث, ويسمى تركة وميراثا وإرثا, وهو الذي يتركه الإنسان بعد الوفاة، ويشمل: المال، والحقوق، والمنافع، والإباحة، فأما المال فلا شك أنه يورث لانتهاء ذمة الميت أو لضعفها, فيتعلق حق الورثة بالمال. الحقوق المالية المحضة: وأما الحقوق فمنها ما هو مال محض, وهو ما يستحيل في النهاية إلى مال لا شبهة فيه لحق الشخص, وذلك يشمل الديون التي في ذمم المدينين، فهذه تنتقل إلى الورثة بالصفة التي هي عليها. حق التعلي على البناء؛ لأنه في معنى البناء المستعلى, فيورث كما يورث البناء نفسه.

стр. 39

حقوق الارتفاق, وهي الشرب والمرور والمسيل, سواء أكانت تابعة للعقار المنتفع به, أم منفردة عنه؛ وذلك لتعلقها بأعيان مالية ولهذا يصح أخذ العوض عنها. الدية "بدل النفس" والأرش "بدل الأطراف" لأنه مال واجب أداؤه للمجني عليه, فيعتبر من تركته تقضى منه ديونه وتنفذ وصاياه, وما يبقى فللورثة شأن كل ما يتركه المتوفى من مال عينا أو دينا. حق حبس الرهن لاستيفاء الدين لتعلقه بالمال المحبوس. الحقوق غير المالية: أما الحقوق غير المالية فهذه على نوعين: شخصية محضة، وما فيها معنى الشخصية, وكلاهما لا يورث، فأما الشخصية المحضة فهي التي تثبت للإنسان لمعانٍ وأوصاف تميز الإنسان عن غيره وذلك يشمل: حق الحضانة، الولاية على النفس والمال، حق أرباب الوظائف في وظائفهم؛ لأنها إنما أسندت إليهم لمعانٍ ومميزات ليست في غيرهم، حق المطالبة بحق القذف فلا يصح للوارث أن يطالب به بعد موت المقذوف؛ لأن الجناية كانت على الميت لمعنى فيه. الحقوق شبه الشخصية: أما الحقوق التي فيها شبه الشخصية أي: إن فيها عنصرا ماليا كحق المدين في تأجيل الدين, فإنه حق شخصي؛ لأن التأجيل يراعى فيه حال المدين وصلته بالدائن وحق مالي, وذلك معروف من أن ثمن الحال أقل من ثمن المؤجل. فالمال الزائد في مقابلة الأجل، فإذا مات المدين فإن الدين يحل ولا يورث حق التأجيل, بل يكون بالنسبة للورثة حالا. والقوانين الوضعية غلّبت الناحية المالية، ولهذا لا يحل الدين بموت المدين, بل يورث التأجيل.

стр. 40

تصرف الفضولي, فحق إجازته شخصي لا يورث وإنما يبطل العقد بموت المورث؛ وذلك لأن شرط الإجازة أن يكون المجيز مالكا حق التصرف وقت التصرف, والمورث ليس كذلك. حق الرجوع بالهبة يسقط بموت الواجب, ولا ينتقل إلى ورثته. خيار الشرط والرؤية؛ لأنهما رغبته ومشيئته ولا يورثان، أما خيار العيب فيورث. الإباحة تنتهي دائما بوفاة المبيح، فإذا استحق إنسان شيئا عن طريق الإباحة, فقد تعلق حق المباح له في الشيء لينتفع به انتفاعا شخصيا، فإذا توفي فلا يورث. المنافع ما يملكه المتوفى من المنافع حال حياته، قد يكون سبب تملكه الإجارة أو الإعارة أو الوصية أو الوقف عليه، وعلى أية حال كان السبب في تملكها فإنها لا تقبل التوارث فلا يحل الوارث فيها محل مورثه عند الحنفية, ما دامت منفعته مجردة لم تنقلب إلى حق تملك في أعيان قائمة أو في دين مستحق، علة ذلك عند الحنفية أن المنفعة تتجدد بتجدد الزمن وتحدث بحدوث أجزائه. وإذا كانت المنافع غير باقية ولا مستقرة فليس في الإمكان إحرازها, وما لا يمكن إحرازه لا يمكن أن يعد من الأموال ولا يتصور فيه التوارث؛ إذ التوارث إنما يتأتى فيما له وجود محقق عند الموت ومستمر إلى ما بعد الموت, حتى يكون ملك المورث باقيا إلى آخر لحظة من حياته، ثم يعقبه مباشرة ملك ورثته بطريق الوراثة, فيتعاقب الملكان على شيء واحد مستمر.

стр. 41

شروط الإرث: الشرط لغة: العلامة؛ لأنه علامة على المشروط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ١ أي: علاماتها، واصطلاحا: ما يلزم من عدمه العدم, ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. فالأول: احتراز من المانع؛ لأنه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم. والثاني: احتراز من السبب ومن المانع أيضا؛ أما السبب فلأنه يلزم من وجوده الوجود لذاته, وأما المانع فلأنه يلزم من وجوده العدم. يشترط للإرث شروط ثلاثة: ١- موت المورث حقيقة بأن يشاهد كذلك, أو تقوم البينة على موته -أو حكما- ويتصور الموت الحكمي في المفقود. فإن القاضي إذا حكم بفقده بناء على قرائن الأحوال لا بناء على البينة, فماله يقسم بين ورثته الأحياء وقت الحكم بموته فقط. وأما الذين ماتوا قبل الحكم فلا يرثونه؛ لأنه معتبر حيا وقت موتهم. ٢- أن تتحقق حياة الوارث بعد موت المورث أو وقت الحكم باعتباره ميتا، فلا يرث المفقود أحد من ورثته قبل الحكم بموته؛ لأنه لا يعلم حياته يقينا وقت موته. وتقدر حياة الجنين في بطن أمه, فيوقف له ما يستحق على فرض حياته، فإن ظهر حيا أخذه، وإلا فلا شيء له، وسيأتي شرح ذلك عند الكلام على توريث الحمل. ٣- ألا يوجد مانع من موانع الإرث.

стр. 42

الأسباب الإرث السبب الأول: النكاح ... أسباب الميراث: الأسباب جمع سبب، وهو لغة: ما يتوصل به إلى غيره, واصطلاحا: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. فأسباب الميراث ثلاثة: نكاح، ونسب، وولاء١. السبب الأول: النكاح هو عقد الزوجية الصحيح شرعا وإن لم يحصل وطء ولا خلوة, وقولنا: عقد الزواج الصحيح يخرج به العقد الفاسد, كما يخرج به الدخول بسبب شبهة, وكما يخرج ولد الزنا. فمن عقد على امرأة عقدا فاسدا كأن عقد عليها بغير شهود، أو عقد عليها وفي عصمته أربع نساء غيرها، ومن دخل بامرأة بسبب شبهة، أيا كان نوع هذه الشبهة, ومن زنى بامرأة، كل أولئك لا يرثون المرأة إذا ماتت قبلهم، ولا ترثهم المرأة إذا ماتوا قبلها. أما المزني بها والمدخول بها بسبب شبهة, فقد انعقد إجماع الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد على أن كل واحدة منهما لا ترث ولا تورث. وأما المعقود عليها عقدا فاسدا, فما قررناه بشأنها من أنها لا ترث ولا تورث مطلقا هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.

стр. 43

وذهب مالك إلى أن سبب فساد العقد إما أن يكون متفقا عليه بين الأئمة الأربعة؛ كأن يعقد عليها وفي عصمته أربع نساء غيرها. وإما أن يكون مختلفا فيه بين الأئمة الأربعة؛ كأن يعقد على امرأة بالغة عاقلة بغير ولي بل بمباشرتها هي، فإن أبا حنيفة ﵁ يجوِّز ذلك. ويرى غيره من الأئمة أن مثل هذا العقد فاسد، وعلى كل حال؛ إما أن يموت أحد الزوجين قبل أن يفسخا العقد, وإما أن يموت أحدهما بعد أن يفسخا العقد. فإن كان سبب فساد العقد متفقا عليه بين الأئمة الأربعة فلا توارث بينهما, سواء أمات أحدهما قبل أن يفسخا العقد أم بعد أن فسخاه، فمن عقد على خامسة أو على من تبين أنها أخته من الرضاعة، أو على أخت زوجته أو خالتها أو عمتها لم يرثها إن ماتت قبله, ولم ترثه إن مات قبلها. وإن كان سبب فساد العقد مختلفا فيه بين الأئمة الأربعة, فإن مات أحدهما قبل أن يفسخا العقد ورثه الآخر, وإن مات أحدهما بعد أن فسخا العقد لم يرثه الآخر, سواء أكان دخل بها قبل فسخ العقد أم لم يكن قد دخل بها، وسواء أمات الذي مات منهما قبل انقضاء العدة أم بعد انقضائها، فمن عقد على امرأة بالغة عاقلة بغير ولي بل بمباشرتها هي، ومن عقد زواجه بغير شهود، ثم مات أحد الزوجين قبل أن يفسخا العقد ورثه الآخر؛ لأن العقد بمباشرة المرأة البالغة العاقلة صحيح عند أبي حنيفة، والعقد بغير شهود صحيح عند مالك، وإن مات من مات منهما بعد أن فسخا العقد لم يرثه الآخر. وقد أجمع الأئمة الأربعة على أنه يلحق بالزوجة، المطلقة رجعيا، إذا ماتت أو مات عنها زوجها قبل أن تنقضي عدتها منه، سواء أكان قد طلقها وهو صحيح أم كان قد طلقها وهو مريض مرض الموت،

стр. 44

لأن المطلقة رجعيا زوجة من جميع الوجوه, إلا أنه لا يحل لزوجها أن يباشرها قبل أن يراجعها. أما المطلقة طلاقا بائنا؛ فإما أن يكون زوجها قد طلقها وهو صحيح, وإما أن يكون قد طلقها وهو مريض مرض الموت، وإذا كان قد طلقها وهو مريض مرض الموت؛ فإما أن يكون وقوع الطلاق برضى منها، وإما أن يكون وقوع الطلاق بغير رضاها. وعلى كل حال إما أن تموت هي قبله وإما أن يموت هو قبلها، فإن كان قد طلقها وهو صحيح أو كان قد طلقها وهو مريض مرض الموت, ولكن وقوع الطلاق حصل برضاها كأن طلبت منه الطلاق فطلقها، أو كأن يُعلِّق طلاقها على شيء تستطيع أن تتركه فتفعله وهي عالمة مختارة؛ فلا توارث بينهما في هاتين الحالتين إجماعا، سواء أماتت هي قبله أم مات هو قبلها، وإن كان قد طلقها وهو مريض مرض الموت وكان وقوع الطلاق بغير رضاها، وذلك كأن يبت طلاقها في مرض الموت بغير طلب منها، فإن ماتت هي قبله فإنه لا يرثها إجماعا؛ لأنه هو الذي فوت على نفسه الميراث، وإن مات هو قبلها فمذهب أبي حنيفة أنه إذا مات وهي في العدة ورثته, وإن مات بعد انقضاء العدة لم ترثه١.

стр. 45

السبب الثاني: القرابة ... السبب الثاني من أسباب الإرث القرابة: والقرابة في أصل المعنى تشمل ثلاثة أنواع: الأول: الأبوة. الثاني: البنوة. الثالث: الاتصال بالميت بأحد الأبوين السابقين الأبوة والبنوة. أما الأبوة: فهي شاملة لأب الميت وأمه. وأما البنوة: فهي شاملة لأبناء الميت وبناته. وأما الاتصال بواسطة الأبوة, فيتناول الأجداد والجدات سواء أكان الجد أبا أب، أم كان أبا أم, وسواء كانت الجدة أم أب أم كانت أم أم وإن علا الجد أو علت الجدة، كما أنه يتناول الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات ومن ولد كل نوع من هؤلاء. وأما الاتصال بواسطة البنوة, فيتناول أبناء الأبناء وبنات الأبناء، وأبناء البنات وبنات البنات ومن ولد كل نوع من هؤلاء، وبعبارة مختصرة: إن القرابة في أصل الوضع كلمة تشمل العصبات وغيرهم. وقد أجمع علماء هذه الشريعة على أربعة أصناف من الأقارب, يرثون الميت بسبب القرابة. الصنف الأول: فروع الميت المباشرون، ذكورا كانوا أو إناثا، وفروع فروعه بشرط ألا يكون بين أحدهما وبين الميت أنثى، وهذا الصنف يشمل أبناء الميت وبناته وأبناء أبنائه وإن سفلوا وبنات أبنائه كذلك، ولا يشمل أبناء بناته ولا بناتهن ولا أبناء بنات ابنه.

стр. 46

الصنف الثاني: أصول الميت المباشرون، ذكورا كانوا أو إناثا، وأصول أصوله كذلك، ثم إن كان أصل أصله ذكرا اشتراط ألا يكون بينه وبين الميت أنثى مطلقا؛ نعني: سواء أكانت الأنثى التي يصل إلى الميت بواسطتها وارثة أم لم تكن، وإن كان أصل أصله أنثى اشتراط ألا يكون بينها وبين الميت ذكر غير وارث. وهذا الصنف يشمل أبا الميت، وأمه، وجده أبا أبيه، وجدته أم أبيه، وجدته أم أمه، ولا يشمل جده أبا أمه؛ لأن بينه وبين الميت أنثى، ولا جدته أم أبي أمه؛ لأن بينها وبين الميت ذكرا غير وارث وهو الجد. الصنف الثالث: الفروع المشاركة للميت في أصله المباشر، ذكورا كان هؤلاء الفروع أو إناثا, وفروع هؤلاء الفروع بشرطين؛ الأول: أن يكون فرع هذه الفروع ذكرا، والثاني: ألا يكون بينه وبين الميت أنثى مطلقا. وهذا الصنف يشمل إخوة الميت الأشقاء وإخوته لأب وإخوته لأم, كما يشمل أخواته الشقيقات وأخواته لأب وأخواته لأم، ويشمل كذلك أبناء إخوة الميت الأشقاء أو لأب ولا يشمل بنات الإخوة؛ لفقدان الشرط الأول، كما لا يشمل أبناء الأخوات مطلقا ولا أبناء الإخوة لأم لفقدان الشرط الثاني. الصنف الرابع: الفروع المشاركة للميت في أصله غير المباشر، بشرط أن يكون

стр. 47

هؤلاء الفروع ذكورا وألا يكون بين أحدهم وبين الميت أنثى، وهذا الصنف يشمل الأعمام وأشقاء أبي الميت، والأعمام إخوة أبيه لأب، كما يشمل أبناء الأعمام الأشقاء وأبناء الأعمام لأب، ولا يشمل العمات ولا الخالات؛ لفقدان الشرط الأول, ولا يشمل كذلك الأعمام إخوة الأب لأم ولا أبناءهم ولا بناتهم، ولا أولاد العمات ولا الأخوال ولا أولادهم؛ لفقدان الشرط الثاني. وأنت إذا تدبرت في هذه الأصناف الأربعة من القرابة التي أجمع علماء الشريعة على أن كل واحد منها يكون سببا في الميراث, وجدت أن الوارثين من الرجال بسبب القرابة ثمانية, وأن الوارثات من الإناث بسبب القرابة خمس. فأما الوارثون من الرجال بسبب القرابة فهم: الابن، وابن الابن وإن سفل، والأب، والجد أبو الأب، والأخ مطلقا، وابن الأخ الشقيق أو لأب، والعم الشقيق أو لأب، وابن العم الشقيق أو لأب. وأما الوارثات من النساء بسبب القرابة فهن: البنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأم، والجدة أم الأب وأم الأم، والأخت مطلقا. وسيأتي لنا الاستدلال على ميراث كل واحد من هؤلاء الوارثين, والوارثات حين يفضي بنا القول إلى بيان أنصبة الوارثين والوارثات.

стр. 48

السبب الثالث: الولاء وهو ثبوت حكم شرعي بعتق أو تعاطي سببه، والمراد ولاء العتاقة وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيق سواء كان منجزا أو معلقا تطوعا أو واجبا, بإيلاء أو غيره ولو بعوض، لقوله ﷺ في قضية بريرة ﵂: "إنما الولاء لمن أعتق" ١ متفق عليه من حديث عائشة ﵂ وعن أبيها, فيرث به المعتق من حيث كونه معتقا وعصبته المعتصبون بأنفسهم ولا عكس، والولاء "كلحمة النسب" لقوله ﷺ في حديث عبد الله بن أبي أوفى: "الولاء لحمة كلحمة النسب" ٢ رواه الخلال ورواه الشافعي وابن حبان من حديث ابن عمر مرفوعا, وفيه: "لا يباع ولا يوهب". واللحمة بالضم وسكون الحاء "القرابة هنا" بفتح اللام لغة أخرى فيها. وقد أغفل قانون الأحوال الشخصية رقم "٥٩" ذكر الولاء ولم يجعله من أسباب الإرث؛ لأن هذا النوع من الولاء لا وجود له من زمن بعيد فلا حاجة له. وإذا لم يوجد للمتوفى أصحاب فرض أو عصبة يعطى المال إلى ذوي الأرحام. وهذا هو قول أبي حنيفة وأصحابه جميعا وأحمد بن حنبل وعامة علماء العراق والكوفة وجماعة من علماء سائر الأمصار، وبعض علماء الشافعية منهم ابن سريج والمزني, وسنذكر أحكامهم في باب ذوي الأرحام. وإن المستحقين للتركة عشرة أصناف, مقدم بعضها على بعض كالترتيب الآتي: ١- صاحب الفرض, وهو من فرض له سهم في القرآن العزيز أو السنة أو الإجماع. ٢- العصبة من النسب, وهو من يأخذ ما بقي من التركة بعد الفرض أو الكل عند عدم صاحب الفرض.

стр. 49

٣- العصبة السببية وهو مولى العتاقة, وهي عصوبة سببها نعمة العتق. ٤- عصبة بأنفسهم على الترتيب, والمعتَق لا يرث من معتِقه. ٥- الرد على ذوي الفروض النسبية بقدر حقوقهم. ٦- ذوو الأرحام عند عدم الرد على ذوي الفروض. وذوو الرحم هم الذين لهم قرابة للميت, وليسوا بعصبة ولا ذوي سهم. ٧- مولى الموالاة, وهو كل شخص والاه آخر بشرط كون الأدنى حرا غير عربي ولا معتقا لعربي ولا له وارث نسبي ولا عقل عنه بيت المال أو مولى موالاة آخر وكونه مجهول النسب بأن قال: أنت مولاي ترثني إذا مت وتعقل عني إذا جنيت، وقال الآخر وهو حر مكلف: قبلت، فيصح هذا العقد ويصير القابل وارثا، وإذا كان الآخر أيضا مجهول النسب إلى آخر شروط الأدنى, وقال للأول مثل ذلك وقبله ورث كل منهما صاحبه وعقل عنه. فمن مات وترك مولى الموالاة وأحد الزوجين, فالباقي من التركة بعد نصيب أحد الزوجين له. وقد بينا سابقا أن الولاء لا وجود له من زمن بعيد؛ وعليه فلا فائدة من الإسهاب بالبحث, خاصة وأن قانون الأحوال الشخصية رقم "٥٩" المعمول به الآن في المحاكم السورية, لم يجعل الولاء سببا من أسباب الإرث. ٨- المقر له بالنسب, وهو من أقرَّ له شخص أنه أخوه أو عمه بحيث لم يثبت بإقراره نسبه من أبي المقر, وأن يصر المقر على ذلك الإقرار إلى حين موته, فإن لم يكن للمقر وارث معروف غير أحد الزوجين ومات وترك المقر له بالنسب بالمذكور, فما بقي من التركة بعد نصيب أحد الزوجين فهو له. ٩- الموصى له بجميع المال، وهو من أوصى له شخص لا وارث له غير أحد الزوجين, أو لا وارث له أصلا, فله باقي التركة بعد نصيب الزوج أو الزوجة أو كلها. ١٠- بيت المال، يوضع فيه المال الذي لا مستحق له ممن ذكر بطريق الحفظ, ويصرف في مصارفه. وبيت المال هو خزانة الدولة.

стр. 50

أسباب الإرث في قانون الأحوال الشخصية: رقم "٥٩" المعمول به لدى المحاكم الشرعية في سورية: المادة ٢٦٣: ١- أسباب الإرث: الزوجية والقرابة. ٢- للإرث ثلاث طرائق: الفريضة المقدرة، أو العصوبة، أو حق الرحم. ٣- يكون الإرث بالزوجية بطريق الفرض. ٤- يكون الإرث بالقرابة بطريق الفرض أو العصوبة أو بهما معا، أو بالنصيب الرحمي. فإذا كان لوارث جهتا إرث, ورث بهما مع مراعاة أحكام المادتين ٢٧١ و٢٩٦. مادة ٢٨٨-١: إذا لم تستغرق الفروض التركة ولم يوجد عصبة من النسب, رد الباقي على غير الزوجين من أصحاب الفروض بنسبة فروضهم. ٢- يرد باقي التركة إلى أحد الزوجين إذا لم يوجد عصبة من النسب, أو أحد أصحاب الفروض النسبية, أو أحد ذوي الأرحام. وهذا ما عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية, اعتبارا من ١ تشرين الثاني ١٩٥٣.

стр. 51

موانع الإرث المانع الأول: الرق ... موانع الإرث: موانع الإرث المجمع عليها في المذهب الحنفي أربعة: الأول: الرق, وافرا كان أو ناقصا. الثاني: القتل الذي يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة. الثالث: اختلاف الدين. الرابع: اختلاف الدارين. المانع الأول: الرق فأما المانع الأول من الموانع المتفق عليها: الرق، والرقيق خمسة أنواع: أولها: الرقيق الكامل الرق, ويسمى قِنَأ. وثانيها: المُبَعَّض, وهو الذي بعضه حر وبعضه رقيق. وثالثها: المكاتب, وهو العبد الذي يتعاقد معه سيده على أنه سيده, على أنه إذا أدى له قدرا معينا من المال صار حرا، وحكمه أنه يبقى على الرق حتى يؤدي جميع ما اتفق مع سيده على أدائه من المال. ورابعها: المدبَّر, وهو العبد الذي علَّق سيده عتقه على موته, بأن قال له: أنت حر بعد موتي، أو قال له: إذا مت فأنت حر، وما أشبه ذلك، وحكمه أنه يبقى على الرق التام مدة حياة سيده. فإذا مات سيده صار حرا بشرط ألا تزيد قيمته على ثلث مال سيده. وخامسها: أم الولد, وهي الجارية التي يطؤها سيدها بملك اليمين فتلد منه ويدعيه، ومن أحكامها أنها تبقى على ملك سيدها حتى يموت، فإذا مات سيدها صارت حرة، سواء أكانت قيمتها أقل من ثلث تركة سيدها أم مساوية له أم أكثر منه؛ لما روى سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ أمر بعتق أمهات الأولاد, وألا يبعن في دين ولا يجعلن من الثلث. ولما كان قد أُلغي الرقيق في زماننا هذا ولا يوجد في سورية رقيق, ولم تقع منذ مدة حادثة واحدة من هذا القبيل, وأن العبيد الموجودين في سورية في بعض البيوت هم خدم, ويمكنهم تركها في أي وقت كان، ولهذا لا فائدة من التوسع بالموضوع ونكتفي بما بيناه.

стр. 52

المانع الثاني: القتل والقتل الموجب للحرمان هو أن يكون بغير حق, ويتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة "لما روي أن النبي ﷺ قضى بألا ميراث للقاتل". ولأنه قصد استعجال ميراثه بقتل محظور, فعُوقب بحرمان ما أراده وقصده ليكون زجرا له على ما قصد، ولأن التوريث بالقتل يؤدي إلى الفساد، فإنه لو جُعل للقاتل الحق في أن يرث لسارع الناس إلى الخلاص من مورثيهم بقتلهم, ولأدى ذلك إلى الفساد، والله لا يحب المفسدين. وإنما يعتبر مانعا من الميراث, إذا تحققت الشروط الآتية: ١- أن يكون القتل عمدا. ٢- أن يكون مصحوبا بالتعدي والظلم أي: يقع بلا حق ولا عذر. ٣- أن يكون القاتل عاقلا بالغا. أما القتل الموجب للكفارة فثلاثة أقسام: الأول: شبه عمد، وهو أن يتعمد قتل مورثه بما لا يقتل غالبا, كالضرب بالسوط. الثاني: أن يقتل مورثه خطأ, كما لو رمى صيدا فأصاب مورثه. الثالث: ما يجري مجرى الخطأ, كما لو وطئ بدابته وهو راكبها مورثه, أو انقلب في النوم على مورثه، أو سقط عليه من السطح, أو سقط حجر من يده عليه فقتله. فالعمد والخطأ عندنا في الحرمان سيان؛ لأن القاتل قصد استعجال

стр. 53

الميراث حقيقة كما في القتل العمد، أو توهما كما في شبه العمد، والقتل الخطأ. ومن استعجل ما أخره الشرع يجازى برده، ومن القواعد الفقهية: "من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه". والتوهم في هذا الباب كالمحقق يوجب حرمان الميراث؛ لأن تهمة القصد قائمة, ويجوز أن يكون قاصدا وأظهر الخطأ من نفسه، والقصد أمر خفي فيقام السبب وهو مباشرة القتل مقام قصده، والسبب الظاهر متى أقيم مقام المعنى الخفي سقط اعتبار الخفاء. والأحكام إنما تبنى على الظاهر المعروف, فحكم بالظاهر فيما يتعذر الاطلاع على حقيقته. فكل قتل يوجب القصاص أو الكفارة يكون فاعله محروما من الميراث؛ عقوبة له وردا لقصده. ويرد على هذا التعريف أن الأب إذا قتل ابنه عمدا لا يجب القصاص, ولا الكفارة مع أن الأب يحرم من الميراث لما تقرر أن الابن إذا قتل أباه عمدا أو خطأ لا يرثه؛ لوجوب القصاص في العمد والكفارة في الخطأ. وأما الأب فإنه إذا قتل ابنه عمدا أو خطأ يحرم من الميراث مع أنه لا يجب في العمد قصاص ولا كفارة؛ لأن القصاص قد سقط بحرمة الأبوة, فإن الأب سبب وجود الابن، ومثله ما لو ضرب امرأة فألقت جنينا ميتا فإنه تجب على القاتل الغرَّة ويحرم من الميراث مع أنه لا يجب على القاتل قصاص, ولا كفارة. وأحسن تعريف جامع للقتل المانع من الإرث ما ذكره شمس الأئمة السرخسي في مبسوطه, وهو: "مباشرة القتل بغير حق في حق من يتحقق منه التقصير شرعا" فهو تعريف جامع مانع. فإن القتل إذا كان بغير مباشرة أو كان بحق، أو واقعا من قبل من لا يتحقق منه التقصير شرعا، فإنه لا يوجب حرمان الميراث. أما القتل بغير مباشرة وبغير حق فله أمثلة، منها: أن يحفر

стр. 54

إنسان بئرا في غير ملكه وبغير إذن صاحب الملك, فيتردى فيها إنسان فيموت بسبب ذلك، ومنها: أن يضع إنسان حجرا في طريق عام فيعثر به إنسان, فتكون عثرته هذه سببا في موته. وهذا النوع من القتل لا يجب به عند الحنفية على القاتل قصاص ولا كفارة, وإنما تجب به الدية على عاقلة المتسبب. أما القتل بغير مباشرة بحق فله أمثلة، منها: أن يكون إنسان إماما للمسلمين, فيثبت على مورثه استحقاقه للقتل قصاصا فيأمر بقتله لاستيفاء الحق منه، ومنها: أن يكون قاضيا, فيثبت أمامه بالبينة أو الإقرار أن مورثه مستوجب للقتل فيحكم بقتله. وأما القتل مباشرة بحق فله أمثله أيضا؛ منها: أن يكون إنسان جلادا فيحكم القاضي أو يأمر الإمام بقتل مورثه, فيقوم بقتله بحكم عمله، ومنها: أن يقتل إنسان مورثه دفاعا عن نفسه، ومنها: أن يخرج مورثه مع جماعة من الخارجين عن طاعة الإمام ويخرج هو في جيش الإمام لمحاربتهم, فيرمي سهما أو نحوه فيصيب مورثه, ويشترك هذان الفرعان في أنه لا حرمة على القاتل في كل منهما, وفي أنه لا يجب بسبب واحد منهما قصاص ولا دية ولا كفارة. ومن القتل بحق ما إذا قتل امرأته أو ذات رحم من محارمه إذا رآها تزني أو تحقق وقوع الزنا منها, فإن هذا القتل لا يوجب حرمان الميراث لوقوعه بحق, ولا يجب فيه القصاص كما جاء في ابن عابدين جزء "٥" صحيفة "٤٨٩" ونصه: إذا قتل الزوج امرأته أو ذات رحم من محارمه المؤنثة لأجل الزنا, يرث منها عندنا خلافا للشافعي "ا. هـ" يعني مع تحقق الزنا. أما بمجرد التهمة فلا، كما يقع من فلاحي القرى ببلادنا فادر ذلك رملي. ومثال ما إذا كان القتل واقعا من قبل من لا يتحقق منه التقصير، إذا قتل الصبي أو المجنون مورثه مباشرة فإنه لا يثبت حكم حرمان

стр. 55

الميراث بقتل باشره الصبي أو المجنون لانتفاء تهمة القصد، وليس للصبي أو المجنون قصد معتبر شرعا، والحرمان يثبت جزاء لقتل محظور, وفعل الصبي أو المجنون ليس بمحظور. ودية المقتول يرثها كل من يرث من ورثته, كل بحسب استحقاقه الشرعي؛ لأن الرسول ﷺ أمر بتوريث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها "أي: من دية زوجها" وقال ﷺ : "من ترك مالا, أو حقا فلورثته" ١. وأما إذا مات القاتل قبل المقتول, فإن المقتول يرثه إجماعا.

стр. 56

المانع الثالث: اختلاف الدين المسألة الأولى: متى يمتنع إرث الكافر عن المسلم ... المانع الثالث: اختلاف الدين أجمع علماء الشريعة الإسلامية بوجه عام على أن اختلاف الدين مانع من موانع الإرث, ولكنهم اختلفوا في بعض وجوه يتوقف على معرفتها تحديد هذا المنع، ويمكن تلخيص وجوه اختلافهم في هذا الموضوع في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في بيان متى يمتنع إرث الكافر من المسلم؟ المسألة الثانية: في بيان هل يرث المسلم من الكافر, إذا وجد سبب ما من أسباب الميراث؟ المسألة الثالثة: في بيان هل يعتبر ما عدا الإسلام من الأديان والملل ملة واحدة, فيرث اليهودي من النصراني وما أشبه ذلك؟ المسألة الأولى: متى يمتنع إرث الكافر من المسلم؟ إن الإجماع منعقد على أن الكافر لا يرث من تركة المسلم شيئا, إذا كان السبب المقتضي للإرث هو الزوجية أو القرابة, وقد بقي الكافر

стр. 57

على كفره حتى قسمت التركة وأخذ كل وارث نصيبه منها، واختلفوا فيما لو كان السبب المقتضي للإرث هو الولاء، كما اختلفوا فيما إذا كان السبب المقتضي للإرث هو القرابة أو الزوجية, وقد أسلم الكافر بعد موت مورثه وقبل تقسيم التركة. فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم إلى أن الكافر لا يرث من تركة المسلم شيئا بأي سبب من أسباب الميراث, لا بالولاء ولا بالزوجية ولا بالقرابة، وأنه لا فرق في ذلك بين أن يسلم الكافر قبل أن تقسم تركة المسلم أو أن يستمر على كفره حتى تقسم, ودليلهم وحجتهم ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أسامة بن زيد, عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يرث المسلم الكافر, ولا الكافر المسلم" فإنه عام لم يخص سببا دون سبب ولا حالة دون حالة، وهذا ما عليه العمل في المحاكم الشرعية قبل صدور القانون رقم ٥٩.

стр. 58

المسألة الثانية: هل يرث المسلم من الكافر, إذا وجد سبب من أسباب الإرث ؟ إن الأئمة الأربعة متفقون على أن المسلم لا يرث من الكافر شيئا بسبب الزوجية أو القرابة، واختلفوا فيما لو كان السبب المقتضي للإرث هو الولاء، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يرثه بسبب الولاء كما لا يرثه بغيره, وهو مذهب علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وجمهور الصحابة والتابعين، وقال أحمد بن حنبل: يرث المسلم من الكافر بسبب الولاء، وكان معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان وسعيد بن المسيب ومسروق والنخعي ومحمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وإسحاق بن راهويه يذهبون إلى أن

стр. 59

المسلم يرث من الكافر بكل سبب من أسباب الميراث؛ بالزوجية وبالقرابة وبالولاء، وحجتهم بالتوريث النص والقياس. أما النص فحديث رواه أبو داود عن معاذ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "الإسلام يزيد ولا ينقص" قالوا: ومن زيادته أن تحكم بتوريث المسلم من الكافر وبعدم توريث الكافر من المسلم. وأما القياس فقالوا: إنا رأينا الإسلام يبيح للمسلم أن يتزوج الكتابية ولا يبيح للكتابي أن يتزوج المسلمة، ورأيناه يجيز للمسلم أن يغنم مال الكافر، فكما صح التزوج بنسائهم فإنه يصح إرثهم، وكما صح اغتنام أموالهم بسبب الحرب صح إرثهم بسبب من أسباب الإرث. وقد رد الجمهور استدلال من قال بتوريث المسلم من الكافر وأجابوا على استدلالهم بحديث معاذ بأنه حديث لا يصلح للاحتجاج به؛ لأن فيه راويا مجهولا قبل معاذ, ولو سلمنا صلاحيته للاحتجاج به فإنه لا دلالة فيه على ما ذكر المحتجون به؛ لأن معنى زيادة الإسلام ليس مما ذكروه في شيء, إذ المراد به أن الله يفتح عليه البلاد ويكثر سواد من يعتنقه، ومعنى عدم نقصانه فإنه لا يرتد عنه أحد سخطة له، ومن ارتد عنه لا يضره شيئا. وأما القياس الذي ذكروه فأجابوا عنه بأنه غير سديد لسببين؛ أولهما: أنه لا يلزم من صحة التزوج بنسائهم صحة إرثنا منهم، فإن العبد الرقيق يصح له أن يتزوج الحرة ولا يصح ميراثه منها، وثانيهما: أن مبنى الزواج على الرغبة في التوالد وقضاء الشهوة، وهي ممكنة بالتزوج منهم، وأما الإرث فمبناه على الموالاة والمناصرة بين الوارث والمورث, وليس بين المسلمين والكفار موالاة ولا مناصرة.

стр. 60

المسألة الثالثة: هل يعتبر ما عدا الإسلام من الأديان الأخرى ملة واحدة ؟ ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن كل ما عدا الإسلام يعتبر ملة واحدة؛ ويترتب على هذا أن اليهودي يرث من النصراني ومن المجوسي ومن غيرهما, وأن النصراني يرث من اليهودي ومن المجوسي ومن غيرهما، وذهب الحنابلة إلى أن الكفار مملل شتى، فالنصرانية ملة بجميع فرقها، واليهودية ملة بجميع فرقها أيضا، والمجوسية ملة والوثنية ملة وهكذا؛ ويترتب على ذلك أن النصراني لا يرث من اليهودي ولا من غيره, وأن اليهودي لا يرث من النصراني ولا من غيره. وقد استدلوا لما ذهب إليه الشافعي وأبو حنيفة بآيات من الكتاب الكريم, منها قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة بأنه -سبحانه- عنى بالحق دين الإسلام وبالضلال جميع ما عداه من الأديان, وقد جمع الجميع في كلمة واحدة وهي الضلال, فدل على أن جميعها شيء واحد، ومنها قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ووجه الاستدلال من هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عام يشمل جميع أنواع الكفار، وقد أثبت سبحانه أن بعضهم ولي لبعض ونصير، وقد عرفنا أن العلة المقتضية للميراث وجود الموالاة والمناصرة بين الوارث والموروث، فقد ثبتت هذه العلة مع اختلاف ملل الذين كفروا، إذ لم يفرق سبحانه في موالاة بعضهم بعضا بين أن يكونوا من نحلة واحدة, وأن يكونوا من نحلتين مختلفتين. المرتد: ومن الموانع: الردة: والردة في أصل اللغة اسم بمعنى الارتداد وهو الرجوع والانصراف عن الشيء، وفي اصطلاح علماء الشريعة عبارة عن أن يفعل المسلم فعلا أو يقول كلاما أو يعتقد شيئا لا يقره الإسلام بتة، كأن يسجد للصنم أو يسب الله ورسوله، أو يعتقد أن لله تعالى شريكا أو صاحبة أو ولدا، أو ينكر افتراض الصلوات الخمس, أو ينكر حرمة الزنا, وما أشبه ذلك. فالمرتد يرثه قريبه المسلم, أي: يرث ماله الذي اكتسبه المرتد في حال إسلامه، وأما ما اكتسبه في حال ردته فيوضع في بيت المال، هذا في حق المرتد الذكر، وأما المرأة المرتدة فيرث قريبها المسلم ما اكتسبته في حال إسلامها وفي حال ردتها. وقال الصاحبان: يورث مال المرتد والمرتدة, سواء ما اكتسب في حال الردة أو قبلها.

стр. 61

٤- المانع الرابع: اختلاف الدارين: وهذا المانع يختص بتوريث غير المسلمين بعضهم من بعض، فإن اختلاف الدارين بين سائر الملل ما عدا المسلمين مانع من الإرث, وأما اختلاف الدار بين المسلمين فهو غير مانع من الإرث، فلو مات مسلم في دار الحرب يرثه ابنه الذي هو في دار الإسلام, وينتقل ميراثه لجميع الورثة على الفريضة الشرعية, سواء كان في دار الحرب أسيرا أو تاجرا. أما ما عليه العمل في المحاكم الشرعية في سورية، إذا توفي شخص من التابعية السورية وله وارث متجنس بغير الجنسية السورية, فإنه يرث منه على شرط أن تكون قوانين الدولة التي هو من تابعيتها تورث السوري -بالمثل- وهكذا غير المسلم يرث من قريبه غير المسلم على هذا الشرط. ولد اللعان وولد الزنا: ويلحق بالموانع: فإن ولد اللعان لا يرث من أبيه ولا يرث أبوه منه, ولا يجري التوارث بينه وبين قرابة أبيه، ويرث من أمه ومن أقاربها, وقد ذكرنا في باب أسباب الميراث أن ابن الزنا لا يرث أباه ويرث أمه. قال رسول الله ﷺ في الحديث الشريف: "الولد للفراش

стр. 62

وللعاهر الحجر" ١. والواجب أن يحرم ولد الزنا من ميراث الزاني, ويكفيه أن يرث من أمه؛ لأن في توريثه من الزاني اعترافا بصحة أثر الزنا, وهو أمر باطل تجب محاربته بإهدار أمره، ولا يصلح أن يترتب عليه ذلك الأثر أو غيره؛ لأن في إهداره ما يحمل على إحجام الناس منه، وتوقيهم هذا النسل الذي لا يعترف به لهم، على أن شأن الزانية أنها لا تقتصر نفسها على رجل واحد كما يحصل هذا في النكاح الصحيح, فلا يمكن الجزم بإلحاق ولدها برجل معين، ومن الواجب صون الأسرة عن ذلك الدخيل المشكوك في أمره؛ لتبقى الرابطة بينها في حرز من الإخلاص الصحيح ولا يعكر صفوها ذلك الشك المريب. ومثل ولد الزنا في ذلك ولد التبني. وقد كان العرب في الجاهلية يلحقون بعض الأجانب بأولادهم ويعطون الدعيّ جميع حقوق الولد في الإرث وحرمة النسب وغيرهما، فأبطل الإسلام ذلك كله وقال تعالى في إبطاله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ٢. وأيد قانون الأحوال الشخصية هذا الحكم, كما نصت المادة ٣٠٣ المعطوفة على المادة ٣٠٠ منه. موانع الإرث في قانون الأحوال الشخصية رقم ٥٩ المعمول به اعتبارا من ١ تشرين الثاني ٩٥٣ في المحاكم الشرعية في سورية: المادة ٢٦٤: يمنع من الإرث ما يلي: أ- موانع الوصية المذكورة في المادة ٢٢٣.

стр. 63

ب- اختلاف الدين بين المسلم وغيره. جـ- لا يمنح الأجنبي حق الإرث إلا إذا كانت قوانين بلاده تمنح مثل ذلك للسوريين. أما المادة ٢٢٣ فندرج نصها أدناه؛ لأن ما جاء فيها كما أنه مانع من الوصية فهو مانع من الإرث أيضا, كما نص على ذلك في الفقرة "١" من المادة ٢٦٤. المادة ٢٢٣: يمنع من استحقاق الوصية الاختيارية أو الواجبة: أ- قتل الموصى له للموصي قصدا, سواء أكان القاتل فاعلا أصليا أو شريكا إذا كام القتل بلا حق ولا عذر, وكان القاتل عاقلا بالغا من العمر خمس عشرة سنة. ب- تسببه قصدا في قتل الموصي، ويعتبر من التسبب شهادته عليه زورا إذا أدت إلى قتله.

стр. 64

مراتب المستحقين لتركة الميت وأنواعهم الدرجة الأولى ... مراتب المستحقين لتركة الميت وأنواعهم: بعد إخراج الديون المتعلقة بشيء من أعيان التركة، والتجهيز والتكفين وإيفاء الدين، وتنفيذ الوصية، يوزع ما يبقى من التركة على الورثة, وإن الذين يستحقون هذا القدر الباقي بعد جميع ما ذكرنا ليسوا في درجة واحدة, ولكن لهم درجات مرتبة شرعا بحيث لا يجوز الانتقال إلى درجة منها إلا بعد شيئين: أولهما: استيفاء المستحقين من أهل الدرجة التي قبلها. ثانيهما: أن يبقى شيء ينتقل به إلى أهل الدرجة التالية. فلو استغرق المستحقون أهل الدرجة الأولى جميع ما يتبقى بعد تنفيذ الوصية، لم يكن لأهل الدرجة التي تليها شيء، وهكذا إلى آخر الدرجات. أما الدرجات فعشر في قول الحنفية, وهم أكثر توسعا في عدها. الدرجة الأولى: أصحاب الفروض, وهم كل وارث له نصيب مقدر في كتاب الله تعالى أو في سنة رسول الله ﷺ . وأصحاب الفروض المقدرة اثنا عشر وارثا؛ أربعة من الرجال وثمانية من النساء. أما الرجال فهم: الأب، والجد أبو الأب وإن علا، والأخ لأم، والزوج. وأما النساء فهن: الأم، والجدة التي ليس بينها وبين الميت جد غير وارث وإن علت، والبنت، وبنت الابن وإن نزل أبوها، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم، والزوجة.

стр. 65

الدرجة الثانية: الدرجة الثانية: العصبة: العصبة في أصل اللغة العربية مأخوذة من أحد معنيين: الأول: قول العرب: عصَّب الشيء بالشيء إذا أحاط به، ومنه سموا العمائم عصائب لأنها تحيط بالرأس. والثاني: قولهم: عصَّب الرجلُ الرجلَ إذا منعه وذاد عنه، ومنه سموا ما تشده على الجرح ونحوه عصابة؛ لأنها تمنع الدم أن يسيل وتدفع عنه الأذى أن يقع عليه. وقد سمى العرب أنفسهم قرابة الرجل من جهة أبيه عصبة؛ لأنهم يحيطون به عند الخطب ويمنعونه من عدوه. والعصبات النسبية للميت: "كل رجل ليس بينه وبين الميت في سلسلة النسب الذي يصله بالميت امرأة" وذلك بألا يكون بينه وبين الميت واسطة أصلا، كابن الميت وأبيه، أو أن يكون بينه وبين الميت واسطة واحدة أو أكثر من واسطة, لكن جميع الوسائط من الرجال كابن ابن الميت، وأخيه الشقيق، وأخيه لأب، وعمه الشقيق، وعمه أخي أبيه لأب. وليس للعاصب نصيب معين في التركة، ولكنه إذا لم يكن للميت وارث غيره أصلا أخذ جميع التركة, وإن كان للميت وارث من أصحاب

стр. 66

الفروض نُظر: فإن كان صاحب الفرض محجوبا بالعاصب كأخ لأم مع ابن, اعتبر صاحب الفرض كأنه غير موجود، وإن لم يكن صاحب الفرض محجوبا بالعاصب كأب مع ابن, أخذ صاحب الفرض فرضه ثم أخذ العاصب الباقي كله، وإن تعدد أصحاب الفروض ولم يكونوا محجوبين, أخذ كل واحد منهم فرضه فإن بقي شيء أخذه العاصب، وإن تعدد من يرث بالعصبة النسبية فإن كانوا من جهة واحدة وفي درجة واحدة وقوة واحدة كابنين أو أكثر, وكأخوين شقيقين أو أكثر, تقسموا التركة أو الباقي بعد أصحاب الفروض على عدد رءوسهم. وقد يكون صاحب الفرض محجوبا بالعاصب فلا يأخذ شيئا, ويصير العاصب هو المستحق للتركة، مثال ذلك: - مات رجل وترك ابنا، وأختا شقيقة، وأختا لأب، وأختا لأم، وبنت ابن؛ فالأخت الشقيقة والأخت لأب والأخت لأم وبنت الابن أصلهن جميعا من أصحاب الفروض، ولكنهن محجوبات في هذا المثال بالابن، كما أن بعضهن محجوب ببعض، فلا تأخذ إحداهن شيئا ويأخذ الابن وحده كل التركة. وقد يكون صاحب الفرض غير محجوب بالعاصب، ولهذه الحالة صورتان: إحداهما: أن تكون فروض أصحاب الفروض مستغرقة لجميع التركة، وفي هذه الحالة لا يأخذ العاصب شيئا؛ لأنه لم يبق له ما يأخذه. مثاله: "مات رجل وترك أختين شقيقتين، وأخوين لأم، وعما شقيقا؛ فتأخذ الأختان الثلثين والإخوة لأم الثلث وهم من أصحاب الفروض, ولم يبق للعم الشقيق -وهو من العصبة- شيء".

стр. 67

والحالة الثانية: أن تكون فروض أصحاب الفروض غير مستغرقة لجميع التركة؛ فحينئذ إما أن يكون العاصب واحدا، وإما أن يكون أكثر من واحد وكلهم رجال، وإما أن يكون أكثر من واحد وبعضهم رجال وبعضهم نساء. فإن كان العاصب واحدا أخذ جميع الباقي، وإن كان العاصب أكثر من واحد وكلهم رجال متساوون في جهة العصوبة وقربها وقوتها, اقتسموا جميع الباقي بالسوية. وإن كان العاصب أكثر من واحد وبعضهم رجال وبعضهم الآخر نساء, اقتسموا جميع الباقي على أن يكون للذكر ضعف الأنثى. وينبغي أن ننتبه بأنه لو وجد بين الورثة عاصب, فإنه لا يمكن أن ننتقل في تقسيم التركة إلى الدرجة الثالثة، على جميع التقديرات، وإنما ينتقل إلى الدرجة الثالثة في صورتين: إحداهما: ألا يكون للميت وارث أصلا لا من أصحاب الفروض, ولا من العصبة. والثانية: أن يكون له وارث أو أكثر وكلهم من أصحاب الفروض فقط, ولا تستغرق فروضهم جميع التركة.

стр. 68

الدرجة الثالثة: وهو مولى العتاقة رجلا كان المولى أو امرأة، ومولى العتاقة يرث بالعصوبة السببية, فشأنه في الميراث شأن من ذكر من قبله من العصبات، إن لم يكن معه صاحب فرض أصلا انفرد بالتركة كلها, وإن كان معه صاحب فرض قدم صاحب الفرض عليه فأخذ فرضه, ثم أخذ هو الباقي إن كان هناك باقٍ. ولا نطيل البحث في هذه الدرجة؛ لأنه كما بينا سابقا لا وجود له من زمن بعيد, فلا حاجة للتطويل.

стр. 69

الدرجة الرابعة والخامسة ... الدرجة الرابعة: العصبة النسبية لمولى العتاقة, وهذا أيضا لا وجود له منذ زمن بعيد كما أشرنا إليه. الدرجة الخامسة: الرد على ذوي الفروض المقدرة بنسبة فروضهم ما عدا الزوجين, فإنهما وإن كانا من أصحاب الفروض المقدرة إلا أنه لا يرد عليهما أصلا. والرد على أصحاب الفروض إذا لم يوجد عاصب أصلا, ولم تكن الفروض قد استغرقت جميع التركة هو مذهب الحنفية والحنابلة. ووجهه أن قرابتهم التي قد استحقوا بها فروضهم المقدرة لهم في كتاب الله وسنة رسوله لا تزال موجودة بعد أن أخذوا فروضهم، فسبب الإرث لا يزال باقيا، والمال الذي يورث لا يزال موجودا, فليس من الحق أن نمنعهم منه، ولأن هذه العلة غير قائمة في الزوجين لم يروا الرد عليهم؛ لأن الزوجية التي يرث بها كل واحد منهما الآخر لم تكن موجودة بعد الموت، ولكن الشارع قضى ببقائها ريثما توزع الأنصباء، فمتى أخذ أحدهما فرضه قد انقضى حكم البقاء، وإلى هذا رجع متأخرو المالكية والشافعية، وأصل مذهب الشافعية والمالكية أنه لا يرد على ذوي الفروض. وسنتكلم على الرد تفصيلا في مبحث الرد, إن شاء الله.

стр. 70

الدرجة السادسة: ذوو الأرحام: وهم أقارب الميت الذين ليسوا من العصبة, وليس لهم سهم مقدر في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ مثل ابن البنت، وبنت العم، والجد أبي الأم. ولا يأتي توريث ذوي الأرحام إلا بعد جميع المراتب السابقة، فإذا كان للمتوفى وارث صاحب فرض وكان صاحب الفرض الموجود ممن يرد عليه، كأمه، وبنته، وأخته من أي جهة كانت، وذلك لأن صاحب الفرض يستوفي فرضه أولا، ثم إن لم يكن هنالك عاصب فيرد عليه جميع الباقي بحيث لو كان صاحب الفرض الموجود منفردا أخذ التركة كلها, ولو كان له مشارك ذو فرض أيضا تقاسما جميع الباقي بعد سهامهما على نسبة فرضهما، ومرتبة الرد على أصحاب الفروض سابقة على مرتبة توريث ذوي الأرحام. وعلى هذا يمكن أن يرث ذوو الأرحام في حالتين اثنتين: أولاهما: ألا يكون للميت وارث ذو فرض, ولا وارث من العصبات أصلا. ثانيتهما: أن يكون له وارث من أصحاب الفروض الذين لا يرد عليهم فقط، وذلك الذي لا يرد عليه هو أحد الزوجين.

стр. 71

الدرجة السابعة: مولى الموالاة: وإن القائلين بكونه سببا من أسباب الميراث "وهم الحنفية والنخعي وإسحاق بن راهويه وجماعة من الصحابة" وإن درجة مولى الموالاة تالية لدرجة التوريث بقرابة الرحم.

стр. 72

الدرجة الثامنة: المقر له بنسب محمول على الغير وإيضاح المقر له بنسب محمول على الغير هو أن يقر الرجل بأن فلانة زوجته ولا يكون ثمة مانع من ثبوت زوجيتها له؛ لأنها خالية من الأزواج ومن عدتهم وليست محرما له. وقد تقر المرأة بأن فلانا زوجها ولا يكون ثمة مانع من ثبوت ذلك، وقد يقر إنسان بأن فلانا ابنه أو بأن فلانة ابنته أو بأن فلانا أبوه أو بأن فلانة أمه، ويكون ثبوت نسب المقَر له من المقِر أو ثبوت نسب المقِر من المقَر له ممكنا؛ لأن من الممكن أن يولد مثل هذا الابن أو الابنة لهذا الرجل أو لهذه المرأة، ولا يكون نسب الابن أو الابنة ثابتا قبل هذا الإقرار من غير المقِر. وقد يقر إنسان أن فلانا أخوه أو بأن فلانا عمه أو بأن فلانة أخته، وفي هذه الحالة يكون نسب المقَر له محمولا على غير المقِر أولا، ثم قد يصادق الذي حمل النسب عليه المقِر في دعواه أو تقوم بينة تثبت هذا النسب, وقد لا يحصل شيء من ذلك. فإذا أقر إنسان في حال حياته ببنوة أو بأبوة أو بزوجية، واستوفى الإقرار شروطه الشرعية فإن نسب المقَر له من المقِر يثبت، والزوجية كذلك تثبت، ويرث المقَر له بمقتضى الإقرار في درجة الصلة المقَر له بها. فترث الزوجة المقَر بزوجيتها بسبب الزوجية في درجة أصحاب الفروض، وترث البنت المقَر ببنوتها بسبب القرابة في درجة أصحاب الفروض أو العصبات إن كان معها معصِّب، ويرث الابن المقر ببنوته بسبب القرابة في درجة العصبات النسبية، ويرث الأب المقر بأبوته بسبب القرابة في درجة أصحاب الفروض أو العصبات النسبية على ما يكون من حالته مع غيره من الوارثين والوارثات. وإذا أقر إنسان بأخوة أو عمومة أو نحوهما مما يتضمن تحميل النسب على غير المقِر أولا، فصادقه الذي حُمل النسب عليه على هذا الإقرار في حال حياته، أو صادقه ورثة من حُمل النسب عليه بعد وفاته وهم من أهل الإقرار، أو شهد رجل آخر على صحة

стр. 73

هذا الإقرار وحكم بثبوت النسب بمقتضى هذه الشهادة، فإن نسب المقَر له يثبت ويصبح أخا للمقِر أو عما له حقيقة, ويرث بسبب القرابة وتصبح درجته مع العصبات النسبية. وإذا أقر إنسان في حال حياته بأخوة مثلا ولم يصادقه من حُمل النسب عليه ولا ورثته بعد وفاته, ولا قامت بينة مقبولة تؤيده، فإن نسب المقَر له من أبي المقِر لا يثبت, ثم لو مات المقِر من غير أن يرجع عن إقراره كان المقَر له وارثا من ورثته، وهذا هو الذي نعنيه في هذا البحث، وهو الذي يرث بعد مرتبة مولى الموالاة؛ وحينئذ إذا لم يكن للمقر المذكور واحد من الورثة الذين بينا درجاتهم, فإن المقَر له بالأخوة يرثه فيأخذ جميع التركة إن لم يكن معه أحد الزوجين, ويأخذ الباقي بعد فرض أحدهما إن كان، "انظر مبسوط السرخسي جزء٢٩ صحيفة١٨".

стр. 74

الدرجة التاسعة: الموصى له بما زاد عن ثلث التركة: وهذا الموضع يحتاج إلى شيء من التفصيل يتبين لك منه الموضع الذي لا تجوز فيه الزيادة في الوصية على ثلث التركة, والموضع الذي تجوز فيه الزيادة على ثلث التركة، والموضع الذي تنفذ فيه الزيادة إن جازت. الموصي بشيء من ماله إما أن يكون له وارث خاص, وإما ألا يكون له وارث خاص. وإذا كان له وارث خاص فإما أن يكون هذا الوارث الخاص هو أحد الزوجين فقط, وإما أن يكون غير أحد الزوجين معه أو بدونه، فهذه أحوال ثلاثة وعلى كل حال من هذه الأحوال الثلاثة إما أن يكون الموصى له أجنبيا من الموصي، وإما أن يكون وارثا، وإذا كان الموصى له وارثا فإما أن يكون أحد الزوجين

стр. 75

وإما أن يكون أحدهما١. ومن جهة أخرى, إن كان الموصى له وارثا فإما أن يكون ثمة وارث غيره, وإما ألا يكون هناك وارث غيره. فإن لم يكن للموصي وارث خاص أصلا، لا بقرابة -ولو لم تثبت إلا بإقراره- ولا بولاء, فقد أجمع علماء المذاهب الأربعة على أنه يجوز له حينئذ أن يوصي لمن شاء بثلث ماله، واختلفوا في جواز وصيته بما زاد على الثلث، فذهب الحنفية إلى أنه يملك أو يوصي لمن شاء بجميع ماله وتنفذ وصيته. وذهب الشافعية والمالكية إلى أنه إذا أوصى حينئذ بما يزيد على الثلث نفذت الوصية في الثلث وحده وبطلت في القدر الزائد عليه، ووجه ذلك عندهم أن مال من لا وارث له بقرابة أو ولاء ميراث للمسلمين، وليس هناك مجيز للوصية بما زاد على الثلث من بينهم، فتبطل الوصية به. وإذا كان للموصي وارث خاص وكان هذا الوارث الخاص أحد الزوجين, ولم يكن هناك وارث غيره، فقد أجمع علماء المذاهب الأربعة على أن للموصي أن يوصي لأجنبي عنه بثلث ماله, واختلفوا في جواز وصيته للأجنبي حينئذ بما يزيد على الثلث، فقال الحنفية والحنابلة: له ذلك، غير أنه إن أوصى للأجنبي بكل ماله وأجاز أحد الزوجين الذي لا وارث سواه نفذت الوصية، وإن لم يجز أحد الزوجين بطلت الوصية في مقدار نصيب أحد الزوجين من ثلثي التركة؛ وذلك لأن الوصية للأجنبي بمقدار ثلث التركة تنفذ من غير حاجة إلى رضى الوارث، ونصيب الوارث في التركة يكون بعد تنفيذ الوصية، وعلى هذا يأخذ الموصى له ثلث التركة أولا ثم يأخذ أحد الزوجين فرضه، فإن كان هو الزوج أخذ نصف الثلثين وهو ثلث التركة. وإن كان هو
следующие страницы →