الفرج بن كليب وأبي طاهر بن المعطوش وابن الجوزي وابن سكينة في آخرين وحدّث.
قرأ عليه «جزء أبي عوانة» الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي، وسأله عن مولده فقال: في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
وتوفي بحران في السادس والعشرين من شوال سنة ثلاث وستمائة.
١٠٧ - عبد الحميد بن يحيى بن سعد، أبو يحيى الكاتب، مولى العلاء بن وهب العامري (١):
من أهل الأنبار. كان معلما للصبيان، وينقل في البلدان، وكان الرقة؛ وكان من الكتاب البلغاء، وبه يضرب المثل في الكتابة؛ وعنه أخذ المترسلون.
قرأت في كتاب الوزراء لأبي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري قال: أهدى عامل لمروان إلى مروان غلاما أسود، فقال لعبد الحميد: اكتب إليه واذمم فعله في هديته. فكتب إليه: «لو وجدت لونا شرا من أسود وعددا أقل من واحد لأهديته»! وهذا مأخوذ من قول أعرابي قيل له: ما لك من الولد؟ فقال: قليل خبيث، فقيل له:
ما معناك في هذا؟ فقال: لا أقل من واحد، ولا أخبث من بنت. قال: وساير عبد الحميد يوما مروان على دابة، فقال له: كيف سيرها؟ فقال: همها أمامها وسوطها عنانها وما ضربت قط إلا ظلما.
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: بلغني أن عبد الحميد استخفى بعد قتل مروان، فوجد بالشام أو بالجزيرة، فدفعه السفاح إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن، وكان على شرطته، فكان يحمي طشتا بالنار ويضعها على رأسه حتى مات.
١٠٨ - عبد الخالق بن فيروز بن عبد الله بن عبد الملك بن داود الجوهري، أبو المظفر بن أبي جعفر الواعظ (٢):
أصله من همذان، ونشأ ببغداد وسكنها، وسمع به الحديث وبخراسان وأصبهان، ودخل الشام، وسكن مصر وحدّث هناك ووعظ.
ذكر أنه سمع من أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي وإسماعيل بن أبي القاسم
стр. 107
القارئ وزاهر بن طاهر الشحامي وأخيه أبي بكر وجيه في آخرين. وحدث بجزء خرّجه (١) بنفسه عن هؤلاء الشيوخ وغيرهم، سمعه منه الحافظ أبو الحسن علي المقدسي. سمعت أنه لم يكن سماعه من الفراوي صحيحا، وأنه لم يكن موثوقا به، وقد رأيت سماع أخويه بنيسابور أبي جعفر عبد الواحد وأبي عبد الله عبد الكريم ابني فيروز من الفراوي بخط محمد بن علي الطوسي، فلعله وثب على سماع أخويه فادّعاه.
مولده في سابع عشري رجب سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. وتوفي ﵀.
قال ابن الدبيثي: وبلغنا أنه اختلط- يعني عبد الخالق بن فيروز- في شيء من مسموعاته، وادعى سماع ما لم يسمعه، وتكلم الناس فيه ولم يحدّث ببغداد بشيء.
١٠٩ - عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، أبو القاسم النحوي (٢):
تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، قرأ عليه ونسب إليه، وقرأ أيضا على أبي جعفر بن رستم الطبري كلام أبي عثمان المازني وأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش. وسافر إلى الشام، وأملى بدمشق أمالي، روى عنه أحمد بن علي الحبال الحلي وعبد الرحمن بن عمر بن نصر. ويقال: إنه كان متشيعا، فكان إذا قام من مجلسه بجامع دمشق غسلوا موضعه لأجل تشيعه. وله مصنفات، منها الجمل والإيضاح وشرح خطبة أدب الكاتب. ويقال: إنه لما صنف كتاب الجمل لم يضع من مسألة إلا وهو على طهارة.
توفي بطبرية في رمضان من سنة أربعين وثلاثمائة- قاله عبد العزيز بن أحمد الكتاني.
١١٠ - عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي، أبو الفرج الواعظ (٣):
كان والده يعمل الصفر بنهر القلاءين، توفي وهو صغير. فلما ترعرع، حمله عمه
стр. 108
أبو البركات إلى الحافظ أبي الفضل بن ناصر وسأله فسمّعه الحديث. فأسمعه من أبي الحسن علي بن عبد الواحد الدينوري وهبة الله بن الحصين وأحمد بن الحسن بن البنا وأبي السعادات أحمد بن أحمد المتوكلي وجماعة آخرين، تجمعهم مشيخته (١) التي خرّجها لنفسه ولازم ابن ناصر وانقطع إليه، وتخرج به، وقرأ الفقه والخلاف والجدل على ابن الزاغوني ثم على أبي بكر أحمد بن محمد الدينوري وعلى القاضي أبي يعلى، وقرأ الأدب على ابن الجواليقي واشتغل بعلم الوعظ حتى صار أوحد أهل زمانه في ترصيع الكلام. وصنف مصنفات كثيرة لا تحصى في سائر الفنون، وهو آخر من حدث عن الدينوري والمتوكلي. وله الشعر الفائق، والنثر الرائق.
أنشدني أبو الحسن بن القطيعي قال: أنشدنا أبو الفرج بن الجوزي لنفسه:
ولما رأيت ديار الصفا … أقوت من إخوان أهل الصفا
سعيت إلى سد باب الوداد … وأحزن قلبي دناة الوفا
فلما اصطحبنا وعاشرتكم … علمتم بكم أن رأى ورأى
نقلته من خط ابن الجوزي، قال: لا أحقق مولدي، غير أنه مات [والدي] (٢) في سنة أربع عشرة وقالت الوالدة: كان لك من العمر نحو ثلاث سنين.
توفي في ليلة الجمعة المسفر صباحها عن الثاني عشر من رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ودفن بباب حرب.
١١١ - عبد الرحمن بن محمد بن مرشد بن منقذ:
من أهل شيزر (٣). من بيت الإمارة والأدب، قدم بغداد رسولا من الملك الناصر صلاح بن يوسف، روى بها شيئا من شعره.
أنشدني ابن القطيعي قال: أنشدني أبو الحارث عبد الرحمن بن محمد بن مرشد بن منقذ لنفسه ببغداد:
لام العذول على هواه … فقلت عذل لا يفيد
زادت ملامته فقلّوا … من ملامي أو فزيدوا
стр. 109
قد جدد الوجد القديم … لدىّ عارضه الجديد
وأنشدني ابن القطيعي قال: أنشدني أبو الحارث بن منقذ لنفسه:
وأغيد مسب للعقول بوجهه … وثغر تبدى دره من عقيقة
إذا لدغت خدي عقارب صدغه … فليس شفائي غير درياق ريقه
مولده سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. قلت: وتوفي (١).
١١٢ - عبد الرحيم بن عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، أبو المظفر ابن أبي سعد (٢):
من أهل مرو. بكر به والده فأسمعه من أبي الفتح محمد بن عبد الرحمن الكشميهني وأبي طاهر محمد بن محمد بن عبد الله الخطيب وأبي علي الحسن بن علي بن الحسين الشحامي وأبي الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد القشيري وأبي سعد محمد بن إسماعيل المقرئ وأبي البركات عبد الله بن محمد الفراوي وأبي منصور عبد الخالق بن زاهر الشحامي وأبي سعد عبد الوهاب بن الحسن بن عبد الله الكرماني وأبي بكر محمد بن أحمد بن الجنيد الخطيب، وأبي عبد الرحمن محمد بن عبد الخالق الميهني في جماعة آخرين.
وقدم بغداد طالبا للحج في آخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة، فحدّث بها. سمع منه الحافظ أبو بكر الحازمي وأبو الحسن بن القطيعي في آخرين. وقد لقيته بمرو في رحلتي الأولى إلى خراسان، وسمعت منه كثيرا.
وكان فاضلا جليلا نبيلا متدينا محبا لرواية العلم، ذا أخلاق حسنة وسيرة جميلة، وكانت سماعاته التي بخط والده وخطوط المعروفين من المحدثين صحيحة، فأما ما كان بخطه فلا يعتمد عليه، فإنه كان يلحق اسمه في طباق لم يكن اسمه فيها إلحاقا ظاهرا، ويدعى سماع أشياء لم يوجد سماعه منها. وكان متسامحا.
سألته عن مولده، فقال: في ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وخمسمائة بنيسابور.
وتوفي بمرو ما بين سنة أربع عشرة أو ست عشرة وستمائة.
стр. 110
١١٣ - عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشيري، أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم (١):
من أهل نيسابور. كان من أئمة المسلمين وأعلام الدين. ولازم أبا المعالي الجويني ودرس عليه المذهب والخلاف حتى برع من ذلك، وقرأ الأدب حتى صار ينظم وينثر من عقود المعاني سمط حسن المباني. وسمع الحديث من أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني وأبي الحسين عبد الغافر الفارسي وأبي حفص عمر بن مسرور وأبي عثمان سعيد بن أحمد النجيرمي (٢) والحافظ أبي بكر البيهقي في آخرين.
وقدم بغداد وسمع بها أبا الحسين أحمد بن محمد بن النقور وعبد العزيز الأنماطي ويوسف بن محمد بن أحمد المهرواني وعقد مجلس الوعظ ببغداد، وظهر له القبول العظيم. وأظهر مذهب الأشعري، وقامت سوق الفتنة بينه وبين الحنابلة.
ومن شعره:
ليالي وصال قد مضين كأنها … لآلي عقود في نحور الكواعب (٣)
وأيام هجر أعقبتها [كأنها] (٤) … بياض مشيب في سواد الذوائب
وله:
تقبيل خدك أشتهي … أمل إليه أنتهي
لو نلت ذلك لم أبل … بالروح مني أن تهي
دنياي لذة ساعة … وعلى الحقيقة أنت هي
قال ابن السمعاني: توفي في ثمان عشرين جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة بنيسابور.
١١٤ - عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن حمدان بن موسى، أبو الخير بن أبي الفضل، الحافظ (٥):
стр. 111
من أهل أصبهان. كان من حفاظ الحديث، سمع الكثير، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه. قدم بغداد في شبابه، وسمع بها أبا القاسم بن الحصين وأبا العز بن كادش وأبا بكر الأنصاري. ثم قدمها ثانيا وحدث بها عن أبي علي (١) الحسن الحداد وأبي الفضل جعفر بن عبد الواحد الثقفي، وأملى بجامع القصر بعد صلاة الجمعة، واستملى عليه ابن الأخضر.
سمعت جماعة من أهل أصبهان يقولون: إنه كان يحفظ الصحيحين، وكانوا يفضلونه على الحافظ أبي موسى بالحفظ.
أخرج إليّ شيخنا أبو عبد الله الحنبلي بأصبهان محضرا قد كتب في حق أبي الخير ابن موسى وطلب من مشايخ الوقت أن يكتبوا فيه ما يعرفونه من حاله من مدح أو قدح، فشاهدت فيه خط إسماعيل بن محمد بن الفضل وعبد الجليل بن محمد المعروف بكوتاه وجماعة من الأئمة، وكلهم شهدوا أن أبا الخير بن موسى لا يحتج بنقله، ولا يقبل قوله، ولا يعتمد عليه، ولا يوثق به في ديانته وسوء سيرته.
مولد أبي الخير في ثامن صفر سنة خمسمائة.
وتوفي في عشية سابع عشرين شوال سنة ثمان وستين وخمسمائة.
١١٥ - عبد الرحيم بن النفيس بن هبة الله بن وهبان بن رومي السلمي الحديثي، أبو نصر بن أبي جعفر (٢):
من ساكني الشمعية. قرأ القرآن وتفقه على مذهب الإمام أحمد، وتكلم في مسائل الخلاف، وحصّل من الأدب طرفا صالحا، وسمع الكثير في صباه من أبي الفتح بن شاتيل وأبي السعادات بن زريق وأبي العلاء محمد بن جعفر بن عقيل، وبالغ في الطلب بهمة عالية وجد واجتهاد.
وسافر في طلب الحديث إلى الشام والجزيرة وديار مصر والعراق وما وراء النهر، وكتب بخطه الكثير. وكان مليح الخط، صحيح النقل والضبط، متقنا فاضلا. وبعد خروجي من مرو توجه إلى بخارى وسمرقند، ثم إلى خوارزم وسكنها إلى أن استولى عليها التتر الترك وأهلكوا أهلها. فلاأدري أهلك مع من هلك أو خرج منها هاربا مع من هرب! والله أعلم.
стр. 112
أنشدني أبو نصر عبد الرحيم بن النفيس بن هبة الله الحديثي لنفسه ببغداد:
سلوا فؤادي هل صفا شربه … مذ نأيتم عنه أورقا
وهل يسليه إذا غبتم … أن أودع التسليم أوراقا
مولده ببغداد في عاشر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة (١).
١١٦ - عبد السلام بن الحسين بن علي بن عون، أبو الخطّاب، الحريري:
شاعر ظريف، مليح المعاني. روى عنه الشريف أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طباطبا العلوي ومهيار بن مرزويه الشاعر وغيرهما.
ومن شعره:
يا غائبا من سواد عيني … حللت من قلبي السوادا
ما غبت عن ناظري ولكن … غيبت عن ناظري الرقادا
قد قلت لما سعى وشاة … يبدون ما بيننا فسادا
حاشى لقلب وأنت فيه … يبلغ منه العدى مرادا
وله:
ليل المحبين مطوي جوانبه … مشمر الذيل منسوب إلى القصر
إذا الحبيبان باتا تحت جانبه … غابت أوائله في آخر السحر
ما ذاك إلا لأن الصبح نمّ بنا … فاطلع الشمس في غيض (٢) على القمر
توفي في يوم الخميس، لشعر بقين من رجب سنة تسع وأربعمائة. وله أشعار ملاح.
١١٧ - عبد السلام بن الحسين، أبو طالب المأموني (٣):
شاعر، طاف العراق وخراسان وما وراء النهر، ومدح الملوك والوزراء.
ذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب «يتيمة الدهر»، فقال: أبو طالب المأموني عبد السلام بن الحسين من أولاد المأمون. كان أحد بل أوحد أفراد الزمان، شريف نفس
стр. 113
ونسب، وبراعة وفضل وأدب، فيّاض الخاطر بشعر بديع الصنعة، مليح الصيغة، مفرغ في قالب الحسن والجودة.
ومن شعره:
يا ربع لو كنت دمعا فيك منسكبا … قضيت نحبي ولم أقض الذي وجبا
لا ينكرن (١) ربعك البالي بلى جسدي … فقد شربت بكأس الحب ما شربا
ولو أفضت دموعي حسب واجبها … أفضت من كل عضو مدمعا سربا
عهدي بربعك للذات مرتبعا … فقد غدا لغوادي السحب منتحبا
فيا سقاك أخو جفن السحاب حبا … يحبو ربى الأرض من نور الرياض حبا
وقال في الحمام:
وحمام له حر الجحيم … ولكن شابه برد النسيم
فذقت به ثوابا في عقاب … وزرت به نعيما في جحيم
١١٨ - عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر بن الصباغ، أبو نصر، الفقيه الشافعي (٢):
كان إماما فاضلا نبيلا، انتهت إليه رئاسة أصحاب الشافعي ببغداد. وقال إنه أعرف بالمذهب من أبي إسحاق الشيرازي. وله مصنفات منها «الشامل» و «الكامل» و «تذكرة العالم والطريق السالم» و «كفاية السائل». وهو أول من درس بالنظامية في سنة تسع وخمسين وأربعمائة. سمع مشيخة الحسن بن عرفة من أبي الحسين بن الفضل، وحدّث بها ببغداد وبأصبهان لما قدمها رسولا من دار الخلافة. روى عنه الحافظ أبو بكر الخطيب في التاريخ وهو أسن منه.
مولده في سنة أربعمائة، وتوفي في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وأربعمائة، ودفن بداره، ثم نقل إلى باب حرب.
١١٩ - عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علي بن سلمان بن إبراهيم بن عبد العزيز، التميمي الكتّاني، أبو محمد بن أبي طاهر الصوفي (٣):
стр. 114
سمع الكثير من أبوي القاسم صدقة بن محمد القرشي وتمام بن محمد الرازي وأبي محمد عبد الرحمن بن عثمان التميمي، ثم دخل بغداد فسمع بها أبا الحسن بن مخلد وأبا علي بن شاذان وأبا الحسن الحمامي وأحمد بن علي بن البادا. وكتب بخطه الكثير، وحدث ببغداد بيسير. روى عنه الحافظ أبو بكر الخطيب وأبو عبد الله الحميدي وأبو القاسم بن السّمرقندي- وهو آخر من روى عنه.
مولده في رجب سنة تسع وثمانين وثلاثمائة.
وتوفي بدمشق في سنة ست وستين وأربعمائة في ليلة العشرين من جمادى الآخرة.
١٢٠ - عبد العزيز بن الحسين بن عبد العزيز بن هلالة، أبو محمد بن أبي علي اللخمي الأندلسي (١):
قدم بغداد في سنة خمس وستمائة فسمع بها من أصحاب ابن الحصين وابن البنا ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري. وانحدر إلى واسط فسمع بها من شيخنا القاضي أبي الفتح بن الماندائي، وتوجه إلى أصبهان فسمع بها معجم الطبراني من عفيفة الفارقانية، ومسند أبي يعلى الموصلي من أبي المجد زاهر بن أبي طاهر الثقفي. وسافر إلى خوارزم ومرو وبخارى وسمرقند وسمع بها. ثم إنه سافر إلى إربل والموصل وحلب ودمشق وسمع هناك كثيرا. وعاد إلى بغداد وأنا بأصبهان في رحلتي الثانية إليها، وتوجه إلى البصرة فأدركه أجله بها. وكان قد حدث ببغداد، سمع منه عبد الغني بن مشرف، وكان قد سمع كثيرا، وقرأ بنفسه وكتب بخطه، وحصل الأصول والكتب الكثيرة (٢). وكان فاضلا صدوقا لطيفا.
سألته عن مولده، فقال: ولدت بطبيرة من غربي الأندلس في شوال سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
وتوفي بالبصرة في رمضان سنة سبع عشرة وستمائة، ودفن من الغد بمقابر الشهداء، ﵀.
١٢١ - عبد العزيز بن عبد الملك بن تميم بن مالك الشيباني، أبو محمد المقرئ (٣):
стр. 115
من أهل دمشق. قرأ القرآن بالروايات على أبي اليمن الكندي، وسمع الحديث من أبي طاهر الخشوعي والقاضي أبي القاسم بن عبد الصمد في آخرين، وكتب بخطه الكثير وحصّل، وتصدر بجامع دمشق للإقراء، ثم إنه قدم بغداد في سنة إحدى وستمائة، فسمع من أصحاب ابن الحصين ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وقرأ القرآن على أبي أحمد بن سكينة، ثم عاد إلى دمشق، ثم قدمها مرة ثانية في سنة خمس وستمائة فأقام بها مدة، ثم انحدر إلى واسط فسمع ابن الماندائي، وسافر إلى العراق، فسمع بهمذان والري وأصبهان.
وكان حافظا لطرق القراءات بوجوهها، له يد في معرفة النحو وتحفظ الحديث وله به وبعلومه معرفة، إلا أنه كان متسمحا في الحديث.
لم يكن من أهل الإتقان ولا التحري؛ ونقل سماعات على مسند السراج بجماعة من شيوخنا، وسمعها الحافظ بنقله، ثم طولب بالأصل، فأحال على مواضع طلبت فلم توجد، واختلف كلامه واختلط، فتركنا رواية هذا المسند عمن نقل سماعهم، ولم نعتمد على ذلك.
وكان مطعونا عليه في دينه وأمانته، شوهد مرات يصلي بالناس إماما وهو على غير وضوء، وسرق كتب ابن السمعاني من مرو وأنفذها إلى هراة، وفعل أشياء لا تليق بأهل الدين.
مولده في رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بدمشق.
وبلغنا أن الترك التتار أسروه لما استولوا على نيسابور، وكان في صفر سنة ثمان عشرة وستمائة، وأظنهم أهلكوه بعد ذلك- والله أعلم.
١٢٢ - عبد الغافر السروستاني (١)، الفقيه الشافعي (٢):
من أهل فارس، ويعرف بالركن. قدم بغداد طالبا للعالم، ونزل النظامية.
قال أبو عبد الله الكاتب في «الخريدة»: عبد الغافر السروستاني كان معنا في النظامية ببغداد، وهو عارف باللغة، كثير الفضل، وغلب عليه العشق حتى حمل إلى البيمارستان وقيّد، وكان عفيفا مستورا فاضلا، وبلي بهذا البلاء، فلما برأ من المرض لم يقم ببغداد خجلا.
стр. 116
ورأيته بعد ذلك بأصبهان في سنة ست أو سبع وأربعين وخمسمائة، وقال: أنشدنا عبد الغافر لنفسه وهو مقيد في البيمارستان في حال استهتاره واستهاره (١) قصيدة أولها:
بأبى الوادي وصنوبره … وغزال الشعب وجوذره
ومكان فيه يطلع لي … ظبى (٢) بحلى مستهتره
قبح الدنيا بمحاسنه … فتعالى الله مصوره
وهي قصيدة طويلة.
قال: وأنشدنا عبد الغافر لنفسه من قطعة:
ناحت ورقاء على فنن … نوح المشتاق على الدمن
ناحت وتغنت هاتفة … بالشجو تبوح وبالشجن
إن كان رضاكم في سهري … فسلام الله على الوسن
١٢٣ - عبد الغفار بن محمد بن الحسين بن علي بن شيرويه بن علي، أبو الحسين بن أبي بكر بن أبي الحسن، الشيروي الجنابذي، التاجر (٣):
من أهل نيسابور. وكان عفيفا متدينا صدوقا، وإليه انتهت الرحلة من البلدان، وختم به إسناد الأصم. سمع أباه وأبا بكر أحمد بن الحسن الحيري وأبا سعيد محمد بن موسى الصّيرفيّ وأبا سعيد فضل الله بن أبي الخير الميهني، وسمع بأصبهان أبا بكر محمد بن عبد الله بن ريذة وأبا طاهر أحمد بن محمود الثقفي، وحدث بالكثير؛ سمع منه الأئمة، وآخر من روى عنه على وجه الأرض أبو المعالي عبد المنعم بن عبد الله الفراوي.
وروى عنه الحسن بن محمد اليونارتي في معجم شيوخه، وقال فيه: ما رأيت أظرف منه ولا أحسن خلقا من الأكارم الأفاضل، وقد روى عنه أيضا أبو نصر المؤتمن بن أحمد الساجي.
مولده في شعبان سنة أربع عشرة وأربعمائة.
стр. 117
وتوفي يوم الأحد ثامن عشر ذي حجة سنة عشر وخمسمائة قاله أبو نصر اليونارتي.
١٢٤ - عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي، أبو محمد الحافظ (١):
من أهل دمشق. سمع الكثير ببلده من أبي المكارم عبد الواحد بن محمد بن المسلم ابن هلال وأبي المعالي عبد الله بن صابر، ورحل إلى الإسكندرية وسمع من الحافظ السلفي، وصحبه وكتب عنه الكثير.
ثم قدم بغداد في سنة ستين وخمسمائة، وسمع بها أبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطي وأبا طالب المبارك بن علي بن خضير الصّيرفيّ في آخرين، وسمع بهمذان الحافظ أبا العلاء الحسن بن أحمد العطار، وبأصبهان أصحاب أبي قطيع، وأقام بها مدة، وحصّل الأصول، وكتب الكثير بخطه، ثم عاد إلى بغداد، وحدّث بها في سنة ثمان وستين [وخمسمائة] (٢)، سمع منه أبو المكارم يعيش بن ريحان الفقيه، وكان حافظا من أهل الإتقان (٣) والتجويد، قيما بجميع فنون الحديث، عارفا بقوانينه وأصوله وعلله، وصحيحه وسقيمه، وناسخه ومنسوخه، وغريبه ومشكله؛ وكان كثير العبادة، متمسكا بالسنة، ولم يزل بدمشق إلى أن تكلم في الصفات والقرآن بشيء أنكره عليه أهل التأويل، وشنعوا به عليه، وأباحوا إراقة دمه، فشفع فيه جماعة إلى السلطان على أن يخرج من دمشق إلى ديار مصر، فأخرج إلى مصر، وأقام بها خاملا (٤) إلى حين وفاته.
سئل عن مولده فقال: أظن في سنة أربع وأربعين وخمسمائة بجماعيل من قرى بيت المقدس.
وتوفي بمصر في رابع عشرين ربيع الأول سنة ستمائة.
قال يوسف بن خليل بعد كلامه: وكان ثقة ثبتا دينا مأمونا، حسن التصنيف،
стр. 118
دائم الصيام، كان يصلي كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة. دعي إلى أن يقول «لفظي بالقرآن مخلوق» فأبى، فمنع من التحدث بدمشق، فسافر إلى مصر فأقام بها إلى أن مات.
قال تاج الدين الكندي: رأيت ابن ناصر والحافظ أبا العلاء الهمذاني وغيرهما من الحفاظ، فما رأيت أحفظ من عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي. وله مصنفات مشهورة.
١٢٥ - عبد القادر بن أبي صالح بن جنكي دوست (١):
من أهل جيلان. أحد الأئمة الأعلام، صاحب الكرامات الظاهرة. قدم بغداد في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وله ثماني عشرة سنة، فقرأ الفقه على أبي الوفاء بن عقيل وأبي الخطاب الكلوذاني، وسمع الحديث من أبي غالب محمد بن الحسن الباقلاني وأبي سعد محمد بن عبد الكريم بن خشيش وأبي عثمان إسماعيل بن محمد بن مسلمة (٢) الأصبهاني في آخرين، وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي، ثم لازم الانقطاع والخلوة والرياضة والمجاهدة، وصحب الشيخ حماد الدباس وأخذ عنه علم الطريقة؛ ثم إن الله تعالى أظهره للخلق وأظهر الله الحكمة في قلبه على لسانه، وظهرت علامات من الله تعالى وأمارات ولايته. وحدث وصنف، وله الكلام المليح في الحقيقة، فمنه قوله: «الخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربك، ما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك، وما دمت ترى نفسك لا ترى ربك». وقال:
«الأولياء عرائس الله تعالى، لا يطلع عليهم إلا ذا محرم».
سمعت عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني يقول: سمعت عبد الغني بن عبد الواحد يقول: سمعت أبا محمد بن الخشاب النحوي يقول: كنت- وأنا شاب أقرأ النحو- أسمع الناس يصفون الشيخ عبد القادر ويذكرون حسن كلامه في مجالس وعظه، فكنت أريد أن أسمعه ولا يتسع وقتي لذلك؛ واتفق يوما أن حضرت مجلسه مع الناس، فلما تكلم لم أستحسن كلامه ولم أفهمه، وقلت في نفسي: ضاع النحو مني! قال:
فالتفت الشيخ إلى الجهة التي كنت فيها وقال: ويلك! تفضل الاشتغال بالنحو على مجالس الذكر وتختار ذلك؟ أصحبتنا تصيرك سيبويه؟.
стр. 119
مولده في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وتوفي ببغداد في ليلة السبت عاشر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة، ودفن بمدرسته.
سمعت عبد الرزاق بن عبد القادر يقول: ولد والدي تسعا وأربعين ولدا، سبع وعشرين ذكورا والباقي إناثا! ﵀.
١٢٦ - عبد القادر بن عبد الله، أبو محمد، الفهمي الرهاوي (١):
كان من سبى الرهاء، فاشتروه بنو فهم الحرانيون وأعتقوه. وطلب الحديث في صباه في سنة تسع وخمسين وخمسمائة. ورحل من الجزيرة إلى الشام وديار مصر، فسمع بها وبالإسكندرية من الحافظ السلفي؛ ودخل العراق فسمع ببغداد من أبي محمد عبد الله بن منصور بن هبة الله الموصلي وأبي الحسين عبد الحق بن عبد الخالق ابن يوسف وأبي محمد بن الخشاب وشهدة الكاتبة؛ وسمع بهمذان الحافظ أبا العلاء العطار، وبأصبهان من أبي عبد الله الحسن بن العباس الرستمي، وسمع بنيسابور أبا بكر محمد بن علي الطوسي في آخرين، وكتب الكثير بخطه. ثم أقام بالموصل شيخا بدار الحديث المظفرية مدة طويلة، وحدث بالكثير، ثم انتقل عنها إلى حران، وكان حافظا متقنا عالما ورعا متدينا زاهدا عابدا ثقة نبيلا.
مولده في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
وتوفي بحران في يوم السبت ثاني جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وستمائة.
١٢٧ - عبد الكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار، أبو سعد بن أبي بكر السمعاني (٢):
من أهل مرو. وهو الإمام ابن الأئمة، غذي بالعلم، ونشأ في حجر الفضل، وحمل على أكتاف الأئمة. أسمعه والده في صغره من أبي منصور محمد بن علي الكراعي، ورحل به وله ثلاث سنين إلى نيسابور، فأحضره على أبي بكر عبد الغفار ابن محمد الشيروي؛ ثم إنه اشتغل بالأدب حتى حصل منه طرفا، صالحا. وقرأ المذهب والخلاف، وتكلم في المناظرة، ثم اشتغل بالحديث، فسمع الكثير ببلده
стр. 120
وجال في خراسان، فسمع بنيسابور وطوس وميهنة من أبي عبد الله الفراوي وأبي القاسم الشحامي. ودخل بغداد سنة اثنتين وثلاثين فسمع بها الكثير من محمد بن عبد الباقي الأنصاري وأبي القاسم بن السّمرقندي. وحج وانحدر إلى واسط والبصرة، وعاد إلى بغداد، وتوجه إلى الشام فسمع بدمشق وحلب وحماة وحمص، وزار بيت المقدس، وجمع ذيلا على تاريخ الخطيب أبي بكر ثم عاد إلى نيسابور وقد ولد له شيخنا أبو المظفر عبد الرحيم. فلما بلغ حد السماع طاف به خراسان، وأسمعه بها الكثير، ثم عاد إلى مرو فألقى بها عصاه، وأقام بها مشتغلا بالتصنيف. وكان وافر الهمة في طلب الحديث، شديد الحرص على لقاء الشيوخ، مليح الخط، وجمع معجما لشيوخه في عشر مجلدات كبار، سمعت من يذكر أن عددهم سبعة آلاف شيخ.
وذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق من جمعه، وأثنى عليه ثناء كبيرا.
وله من المصنفات: «المذيل» أربعمائة طاقة، «تاريخ المراوزة»، «طراز الذهب في أدب الطلب»، «الإسفار عن الأسفار»، «الإملاء والاستملاء»، «سلوة الأحباب ورحمة الأصحاب»، «الأمالي»، «الصدق في الصداقة والرفق في الرفاقة» وغير ذلك.
مولده في خامس عشر شعبان سنة ست وخمسمائة بمرو.
وتوفي في ليلة غرة ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة بمرو.
١٢٨ - عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي، الموصلي الأصل، البغدادي المولد والدار، أبو محمد بن أبي العز (١):
أسمعه والده من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطي وأبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي ويحيى بن ثابت بن بندار وأبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن النقور في آخرين. وتفقه في صباه على مذهب الإمام الشافعي، وقرأ العربية على عبد الرحمن الأنباري، وصحب شيخنا الوجيه أبا بكر الضرير النحوي مدة حتى برع في النحو، وتميز على أقرانه، وقرأ علم الطب حتى أحكمه، وصنّف مصنفات في الأدب وغيره.
стр. 121
وكان يكتب خطا مليحا. وسافر إلى الشام، ودخل ديار مصر، ورأى هناك قبولا كبيرا. وكان غزير الفضل، كامل العقل؛ ثم إنه دخل إلى بلاد الروم وأقام بها مدة، وكان يطبب (١) ملكها، وصادف قبولا عظيما، فلما توفي الملك عاد إلى حلب وحدث بها.
ثم توجه إلى بغداد فأقام بها إلى أن توفي في ثاني عشر محرم سنة تسع وعشرين وستمائة، ودفن في مقبرة الوردية.
وكان مولده في أحد الربيعين من سنة سبع وخمسين (٢).
١٢٩ - عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه الجويني، أبو المعالي بن أبي محمد، الفقيه الشافعي، الإمام، الملقب بإمام الحرمين (٣):
من أهل نيسابور. إمام الفقهاء شرقا وغربا، ومقدمهم عجما وعربا، من لم تر العيون مثله فضلا، ولم تسمع الآذان كسيرته نقلا؛ تفقه على والده، وتوفي والده وله دون العشرين سنة، فدرس مكانه. وقرأ الأصول على أبي القاسم الإسكاف الإسفرائيني. وكان يقعد كل يوم بين يديه ثلاثمائةفقيه. وسمع الحديث من والده وأبي حسان محمد بن أحمد بن جعفر المزكي وأبي سعيد عبد الرحمن بن حمدان النضروي وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن يحيى المزكي ومنصور بن رامش. وسمع ببغداد أبا محمد الحسن بن علي الجوهري وحدث، روى عنه أبو عبد الله الفراوي وزاهر الشحامي في آخرين.
ومن شعره:
أصخ لن تنال العلم إلا بستة … سأنبئك عن مجموعها ببيان
ذكاء وحرص وافتقار وغربة … وتلقين أستاذ وطول زمان
مولده في ثامن عشر محرم سنة تسع عشرة وأربعمائة.
وتوفي ليلة الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وله مصنفات مشهورة منها «النهاية».
стр. 122
١٣٠ - عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد الصاعدي الفراوي، أبو المعالي بن أبي البركات بن أبي عبد الله (١):
من أهل نيسابور، من بيت مشهور بالعدالة والرواية. سمع جده وأبا بكر عبد الغفار بن محمد الشيروي- وهو آخر من حدث عنه، وأبا نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري في آخرين. وقدم بغداد في سنة ثمانين وخمسمائة وحدث بها، سمع منه الحافظ أبو بكر الحازمي.
مولده في ربيع الأول سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
وتوفي في شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
١٣١ - عبد المنعم بن عبد العزيز بن أبي بكر بن عبد المؤمن، أبو الفضل القرشي العبدري، المعروف بابن النطروني (٢):
من أهل الإسكندرية. قدم بغداد واستوطنها، ومدح بها الإمام الناصر لدين الله.
وكان شاعرا مجيدا، مليح الشعر، فاضلا، أديبا، فقيها مالكيا، مليح الشيبة، حسن السمت؛ رتب شيخا برباط العميد بالجانب الغربي، وناظرا في أوقافه.
أنشدني عبد العزيز بن عبد المنعم العبدري بالإسكندرية، قال: أنشدني والدي لنفسه ببغداد مادحا أمير المؤمنين الناصر لدين الله، ويهنئه:
يا ساحر الطرف ليلي ما له سحر … وقد أضر بجفني بعدك السهر
يكفيك مني إشارات بعين ضنى … لم يبق مني لا عين ولا أثر
أعاذك الله من شر الهوى فلقد … أذكى على كبدي نارا لها شرر
غررت فيه بروحي بعد ما علمت … إن السلامة من أسبابه غرر
وكان عذبا عذابي في بدايته … فصار في الصبر طعما (٣) دونه الصبر
ولست أدري وقد مثلت شخصك في … قلبي المشوق أشمس أنت أم قمر؟
ما صور الله هذا الحسن في بشر … وكان يمكن أن لا تعبد الصور
من لي برد غديات بذي سلم … حيث النسيم عليل والثرى عطر
стр. 123
ومنها:
وللغصون مناجاة إذا سمعت … من النسيم أحاديثا (١) لها خطر
وهي قصيدة طويلة.
توفي ببغداد في جمادى الآخرة لأربع خلون منه من سنة ثلاث وستمائة، ودفن بالشونيزية، وقد قارب السبعين- ﵀.
١٣٢ - عبيد الله بن محمد بن أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، أبو الحسن ابن أبي عبد الله بن أبي بكر البيهقي (٢):
كان جده أحد الحفاظ المشهورين، وأبو الحسن هذا كان خاليا من العلم. سمع من جده كثيرا من مصنفاته، وسمع أيضا من أبي سعد أحمد بن إبراهيم المقرئ وأبي يعلى إسحاق بن عبد الرحمن الصابوني في آخرين. وقدم بغداد وحدث بها، روي عنه ابن ناصر.
أخبرني شهاب الحاتمي بهراة قال: سمعت أبا سعد بن السمعاني يقول: ورد سبط البيهقي بغداد وحدث بها، سمع منه جماعة، وكره آخرون السماع منه لقلة معرفته بالحديث. روي لنا عنه أبو القاسم الدمشقي وسألته عنه، فقال: ما كان يعرف شيئا، وكان يتغالى بكتب الإجازة؛ وكان يقول: ما أجيز إلا بطسوج. قال: وسمع لنفسه في جزء عن جده تسميعا طريا، وكان سماعه في غير ذلك صحيحا.
سأله ابن الخشاب عن مولده [فقال] (٣): في سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
وتوفي ببغداد في ليلة الثالث من جمادى الأولى في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، ودفن بالوردية.
١٣٣ - عتيق بن علي بن الحسن الصنهاجي، أبو بكر الحميدي (٤):
من أهل الأندلس. قدم بغداد بعد الثمانين وخمسمائة، وأقام بها مدة للتفقه على أبي القاسم بن فضلان، وسمع الحديث من أبي السعادات بن رزيق في آخرين، وجمع مقامة وصف بغداد، وحدث بها، وعاد إلى بلاده.
стр. 124
ذكر لي بركات بن ظافر الصبان بمصر أن عتيق بن علي الحميدي- بفتح الحاء- نسبة إلى بعض أجداده وأنه أندلسي، قدم عليهم مصر مرتين، وكان أديبا فاضلا، له ديوان شعر، وصنف كتابا في الحلي والشيات وما يليق بالملوك من الآلات؛ وتولى القضاء بالمغرب، وتوفي هناك.
١٣٤ - علي بن أحمد بن سعيد بن الدباس، أبو الحسن المقرئ (١):
من أهل واسط. قرأ القرآن بالروايات على أبي محمد عبد الرحمن بن الحسن بن الزجاجي، وسافر إلى همذان، فقرأ على الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد العطار، ودخل بغداد وذكر أنه قرأ بها على أبي الكرم المبارك بن الشهرزوري؛ وسمع الحديث بواسط من أبي المفضل محمد بن محمد بن ربيعة وأبي محمد الزجاجي في آخرين؛ ثم قدم بغداد وأقام بها إلى حين وفاته. وكان عالما بالقراءات [و] (٢) وجوهها وعللها، عارفا بالنحو، حسن الأخلاق، متواضعا.
ذكر لي أبو عبد الله بن سعيد الحافظ أن أبا الحسن بن الدباس حدث بكتاب الحجة لأبي علي الفارسي عن القاضي أبي طالب بن الكتاني سماعا عن أبي الفضل بن خيرون إجازة، وما علمنا لابن الكتّاني إجازة من ابن خيرون، ولا روى عنه شيئا، ولم يشاهد ابن الدباس عند ابن الكتاني قط.
وذكر لنا من شاهد معه خطا يشبه خط ابن الشهرزوري بالقراءة عليه وليس بخطه، وأنه لم يصح أنه قرأ عليه.
مولده سنة سبع وعشرين وخمسمائة بواسط.
وتوفي ببغداد في ليلة السابع والعشرين من رجب سنة سبع وستمائة. وله شعر، وشهد عند القضاة فقبلوه.
١٣٥ - علي بن أحمد بن عبد العزيز بن علي (٣)، أبو الحسن الأنصاري، يعرف بابن ظنّير- بضم الظاء المعجمة وبعدها نون مشددة مفتوحة وياء معجمة باثنتين من تحتها ساكنة وراء- هكذا رأيته بخط ناصر بن محمد.
من أهل ميروقة، من بلاد الأندلس. سمع أبا عمر يوسف بن عبد الله النمري وأبا
стр. 125
محمد غانم بن وليد المخزومي، وقدم دمشق وسمع بها من أبي محمد عبد العزيز الكتاني وأبي نصر الحسين بن طلاب، وبصور أبا بكر الخطيب، وقدم بغداد سنة أربع وستين وأربعمائة، فأقام بها يسمع، وحدث، سمع منه أبو عبد الله الحميدي الحافظ؛ وكان عالما بالحديث والأدب.
قال الحافظ أبو طاهر السلفي: سألت أبا الكرم خميس الحافظ عن أبي الحسن علي النحوي الأندلسي، فقال: قدم علينا، وكان فاضلا في النحو، متقدما في العربية.
ومن شعره:
وسائلة لتعلم كيف حالي … فقلت لها بحال لا يسر
دفعت إلى زمان ليس فيه … إذا فتشت عن أهليه حر
توفي منصرفه من الحج بطريق البصرة على مسيرة ثلاثة أيام عنها بكاضمية (١) أو غيرها، في صفر سنة خمس وسبعين وأربعمائة.
وذكر أبو القاسم بن عساكر في «تاريخ دمشق»، فقال: حدثني أبو غالب الماوردي قال: قدم علينا أبو الحسن علي بن أحمد الأنصاري البصرة، فسمع من أبي علي التستري (٢) كتاب «السنن»، فأقام عنده نحوا من سنتين.
١٣٦ - علي بن أحمد بن علي بن يحيى، أبو الحسن بن أبي بكر البيع، المعروف بابن حني- بكسر الحاء والنون- هكذا قيده الحميدي (٣):
سمع أبا الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه وحدّث. مولده في ذي الحجة سنة ست وثمانين وثلاثمائة.
وتوفي ببغداد في رمضان سنة ثمان وستين وأربعمائة، ودفن بباب حرب.
١٣٧ - علي بن أحمد بن محمد بن بيان، أبو القاسم بن أبي طالب العمري الكاتب، المعروف بابن الرزاز:
ذكر أبو القاسم بن السّمرقندي أنه من أولاد عمر بن الخطاب، أسمعه والده من
стр. 126
أبي الحسن محمد بن محمد بن محمد بن مخلد وأبي علي الحسن بن أحمد بن شاذان وأبي القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران وعبد الرحمن بن عبيد الله بن الحرفي والحسين بن علي الطناجيري ومحمد بن محمد بن غيلان، وتفرد بجماعة من شيوخه، وصارت الرحلة إليه، وكتب عنهالحفاظ. سمع منه أبو غالب الذهلي والمؤتمن الساجي وأبو القاسم بن السّمرقندي وأبو الفرج بن كليب، وهو آخر من روي عنه.
سمعت الحاتمي يقول: سمعت ابن السمعاني يقول: سمعت محمد بن عبد الباقي البزاز يقول: إن بعض الطلبة حمل إلى [ابن] (١) بيان دينارا ليسمع منه نسخة الحسن بن عرفة، فمضى ومعه بعض الفقراء فقال له: الدخول على الشيخ وحضور القراءة ما إليه سبيل، ولكن تقعد على الباب بحيث لا يعرف الشيخ، وأنا أرفع صوتي وقت القراءة ويحصل مقصودك، ففعل، فلما قعد بين يدي الشيخ وشرع في القراءة وأحس الشيخ بما فعل، قال لجارية له: قومي واقعدي خلف الباب ودقي الشيح (٢) الفلاني في الهاون؛ ومقصوده أن لا يسمع الذي على الباب، ثم قال: أنا بغدادي ما يخفى عليّ مثل هذا.
قال الحافظ المؤلف ابن النجار: كان من عادة أبي القاسم [أنه] (٣) لا يسمع جزء ابن عرفة إلا بدينار لكل واحد من السامعين، وكان شيخنا ابن كليب لا يسمعه أيضا إلا بدينار ولكن لجماعة أو لواحد.
قال السلفي الحافظ: سألت شجاع الذهبي عن ابن بيان، فقال: حدث عن جماعة وهو صحيح السماع.
مولده في سادس صفر سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وقيل: سنة ثلاث عشرة- قال الأول: أبو القاسم بن السّمرقندي، وقال الثاني: الحافظ السلفي.
وتوفي في سادس شعبان سنة عشر وخمسمائة، ودفن بباب حرب. وكان قد بلغ من العمر تسعا وتسعين سنة.
١٣٨ - علي بن أحمد بن يوسف بن جعفر بن عرفة بن المأمون بن المؤمل بن الوليد بن القاسم بن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية
بن عبد
стр. 127
شمس بن عبد مناف، أبو الحسن بن أبي نصر القرشي الهكاري- هكذا رأيت نسبه بخط أبي علي بن البرداني (١):
كان يعرف بشيخ الإسلام. سمع الكثير، وسافر في طلبه، وجمع كتبا في السنة.
ذكر أنه سمع بالموصل أبا جعفر محمد بن المحتاج المروزي الفقيه، وبحلب أبا القاسم علي بن أحمد بن المظفر المقرئ، وبمصر أبا عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف، وبمكة أبا الحسن محمد بن علي بن صخر، وحدث بالكثير؛ وانتقى (٢) عليه محمد ابن طاهر المقدسي، وكان الغالب على حديثه الغرائب والمنكرات، ولم يكن حديثه يشبه حديث أهل الصدق، وفي حديثه متون موضوعة، مركبة على أسانيد صحيحة، وقيل: إنه كان يضع الحديث بأصبهان، قدم بغداد، وحدث بها. روي عنه أبو القاسم بن السّمرقندي.
كتب إليّ محمد بن معمر القرشي أن أبا نصر اليونارتي أخبره قال: علي بن أحمد الهكاري قدم علينا أصبهان، روى عن ابن نظيف، ولم يرضه أبو بكر بن الخاضبة فيما بلغني.
قال أبو القاسم بن عساكر: علي بن أحمد الهكاري لم يكن موثقا، بلغني أن ابن الخاضبة قصده لما قدم بغداد، فذكر له أنه سمع من شيخ استنكر سماعه منه، فسأله عن تاريخ سماعه منه، فذكر تاريخا متأخرا عن وفاة ذلك الشيخ، فقال ابن الخاضبة:
هذا الشيخ يزعم أنه سمع منه بعد موته بمدة، وتركه وقام.
مولده في شوال سنة تسع وأربعمائة، وتوفي في أول محرم سنة ست وثمانين وأربعمائة- كذا بخط شجاع بن فارس الذهلي أبي غالب- ﵀.
١٣٩ - علي بن أفلح بن محمد، أبو القاسم العبسي (٣):
كاتب أديب فاضل، شاعر مترسل بليغ. له ديوان شعر ورسائل، ويكتب خطّا حسنا.
стр. 128
ومن شعره:
أيها المالك رقي قد تجافيت طويلا … بالذي يبقيك إلا ما تعطفت قليلا
إن أكن أذنبت ذنبا فاصفح الصفح الجميلا … أنا عبد ذل فارحم سيدي عبدا ذليلا!
مولده سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وتوفي في ثاني شعبان سنة خمس وثلاثين وخمسمائة.
آخر الجزء الخامس من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد.
стр. 129
الجزء السادس من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد
للحافظ محب الدين أبي عبد الله محمد بن محمود بن الحسن ابن النجار
انتقاء كاتبه الواثق بالله أحمد بن أيبك بن عبد الله
стр. 130
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حسبي الله
١٤٠ - علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب، أبو الحسن الباخرزي الكاتب (١):
من أهل باخرز، ناحية من نواحي نيسابور، كان من أفراد عصره في الأدب والبلاغة وحسن النظم والنثر. سدا (٢) في صباه طرفا من الفقه على أبي محمد الجويني، وسمع منه ومن أبي عثمان الصابوني وأبي الفضل عبيد الله بن أحمد المكيالي. ثم اشتغل بالكتابة، وخدم في ديوان الرسائل. وقدم بغداد في أيام القائم بالله ومدحه، وصنف كتابا سماه «دمية القصر» ذكر فيه شعراء عصره، وله ديوان شعر مشهور.
روى عنه أبو شجاع الذهلي.
وله قصيدة أولها:
هبّت نسيم صبا تكاد تقول … إني إليك من الحبيب رسول
سكرى تجشمت الربى لتزورني … من علتي وهبوبها معلول
قال أبو سعد بن السمعاني: قتل الباخرزي في ذي القعدة سنة سبع وسبعين وأربعمائة بباخرز، ودفن بها وهو في أيام الكهولة. قتل في مجلس أنس على يدي بعض المخاذيل في الدولة النظامية وظل دمه هدرا- رحمه الله تعالى.
١٤١ - علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، أبو القاسم بن أبي محمد بن أبي الحسين الشافعي، عرف بابن عساكر (٣):
من أهل دمشق، إمام المحدثين في وقته، ومن انتهت إليه الرئاسة في الحفظ والإتقان، وبه ختم هذا الشأن، سمع بإفادة أخيه الأكبر في سنة خمس وخمسمائة من
стр. 131
أبي الحسن بن الموازيني وأبي القاسم النسيب (١) وأبي الوحش سبيع بن قيراط (٢) المقرئ وأبي طاهر الحنائي، وسمع هو بنفسه من والده وأبي محمد بن الأكفاني وأبي الحسن بن قبيس وطاهر بن سهل الإسفرائيني. وحجّ في سنة إحدى وعشرين، وسمع بمكة أبا محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل المقرئ، ورحل إلى العراق في سنة عشرين. وسمع الكثير ببغداد من ابن الحصين وأبي الحسن الدينوري وأبي العز بن كادش وأبي القاسم الحريري ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري في آخرين، وسمع بالكوفة الشريف أبا البركات عمر بن إبراهيم الزيدي وعاد إلى بغداد، فأقام بها يسمع الحديث ويقرأ الفقه والخلاف بالمدرسة النظامية ويكتب ويحصّل خمس سنين، ثم عاد إلى دمشق، ورحل إلى خراسان على طريق آذربيجان، ودخل نيسابور في سنة تسع وعشرين وسمع أبا عبد الله الفراوي وأبا محمد السيدي وزاهر الشحامي وأخاه وجيها، وبمرو من يوسف بن أيوب الهمذاني، وسمع ببسطام ودامغان والري وزنجان وسمنان، وعاد إلى دمشق يملي ويحدث ويصنف، وسمع منه جماعة من شيوخه. وكان إماما حجة ثقة نبيلا، حدّث ببغداد، وروى عنه من أهلها أبو بكر بن كامل- وكان أسن منه.
قال سعد الخير: ما رأينا في سن الحافظ أبي القاسم مثله. وله من المصنفات:
«التاريخ»، «الإشراف على معرفة الأطراف»، «المعجم لأسماء شيوخه»، «الموافقات عن شيوخ الأئمة الثقات» اثنان وسبعون جزءا.
قلت: وأملى أربعمائة مجلس في جامع دمشق، وكان يختمها بأبيات من شعره.
ولقد سمعت شيخنا عبد الوهاب بن علي الأمين يقول: كنت يوما مع الحافظ أبي القاسم بن عساكر وأبي سعد بن السمعاني نمشي في طلب الحديث ولقاء الشيوخ، فلقينا شيخا فاستوقفه ابن السمعاني ليقرأ عليه شيئا، وطاف على الجزء الذي هو سماعه في خريطته، فلم يجده وضاق صدره، فقال له ابن عساكر: ما الجزء الذي هو سماعه؟» قال: كتاب «البحث والنشور» لابن أبي داود سمعه من أبي النصر ابن الزينبي، فقال له: لا تحزن! وقرأ عليه من حفظه أو بعضه- الشك من شيخنا.
أخبرني شهاب الحاتمي، حدثنا ابن السمعاني قال: علي بن الحسن بن عساكر أبو
стр. 132
القاسم من أهل دمشق كثير العلم، حافظ متقن ديّن خيّر، جمع من معرفة المتون والأسانيد، صحيح القراءة متثبت محتاط، رحل في طلب الحديث، وتعب في جمعه، وبالغ في الطلب. ورد بغداد، وسمع بها من أصحاب البرمكي والتنوخي والجوهري، ثم رجع إلى دمشق، ورحل إلى خراسان ودخل نيسابور قبلي بشهر أو أكثر، ثم رأيت نيسابور وصادفته بها، وجمع ونسخ، وأقام مديدة ببغداد، وحدثني بأحاديث، ثم اجتمعت به في رحلتي إلى الشام ببلدة دمشق في سنة خمس وثلاثين [وخمسمائة] (١)، وأفادني عن شيوخها، وسعى في تحصيل الشيخ لي، كتبت عنه وكتب عني، وكان قد شرع في «التاريخ الكبير» لدمشق على نسق تاريخ الخطيب؛ وصنّف التصانيف، وخرّج التخاريج.
قال الحافظ أبو محمد القاسم: ولد أبي في محرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة؛ وتوفي ليلة الاثنين ثاني عشر رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير- ﵁ ورحمه.
١٤٢ - علي بن الحسين بن محمد بن مهدي، أبو الحسن بن أبي الفوارس الصوفي:
من أهل البصرة، كان جوّالا، سافر إلى الشام، ودخل ديار مصر وصحب المشايخ، وكانت أحواله ومقاماته حسنة، وصار من مشاهير الزهّاد والعلماء الورعين، له كرامات، سكن بغداد إلى حين وفاته، سمع بمصر من أبي الحسن علي بن الحسن الخلعي، وحدّث؛ روى عنه الحافظ بن عساكر.
اجتمع الإمام أبو حامد الغزالي وإسماعيل الحاتمي وأبو الحسن البصري وإبراهيم الشباك في آخرين بالمسجد الأقصى، فأنشد منشد هذينالبيتين:
فديتك لولا الحب كنت فديتني … ولكن بسحر المقلتين سبيتني
أتيتك لما ضاق صدري من الهوى … و [لو] (٢) كنت تدري كيف شوقي أتيني
قال: فتواجد أبو الحسن البصري وجدا أثر في الحاضرين، وتوفي محمد الكازروني من بين الجماعة في ذلك المجلس ورفع ميتا.
توفي أبو الحسن البصري في جمادى الأولى سنة ست وعشرين وخمسمائة- ﵀.
стр. 133
١٤٣ - علي بن زريق، الكاتب البغدادي:
صاحب القصيدة المشهورة التي رواها عنه أبو الهيجاء محمد بن عمران بن شاهين:
وما سر قلبي مذ شطت بك النوى … أنيس لا كأس ولا متصرف
وما ذقت طعم الماء إلا وجدته … كأن ليس بالماء الذي كنت أعرف
ولم أشهد اللذات إلا تكلفا … وأي سرور يقتضيه التكلف؟
قال أبو عبد الله الحميدي: قال لي أبو محمد علي بن أحمد بن حزم، فقال: من تختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وحفظ قصيدة من ابن زريق فقد استكمل الظرف.
١٤٤ - علي بن سعيد بن عبد الله، أبو الحسن العسكري (١):
من أهل عسكر سامراء. كان من الحفّاظ، سمع علي بن مسلم الطوسي وعبد الرحيم بن سلام بن المبارك الواسطي وعبد السلام بن عبيد وعمرو بن علي الفلاس والقاسم بن محمد الزبيدي ومحمد بن المثنّى الزمن في آخرين؛ روى عنه من أهل أصبهان القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد العسال.
ذكر أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ علي بن سعيد العسكري في تاريخ أصبهان وقال: كان من الثقات، يحفظ ويصنف.
توفي بالري سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. قال الحافظ أبو نعيم: كان من الحفاظ.
١٤٥ - علي بن العباس النوبختي (٢):
كان وكيلا للمقتدر، وكان أديبا، راوية للأخبار والأشعار. كان علي بن العباس النوبختي مع جماعة من أهله على سطح أبي سهل النوبختي في ليلة من ليالي النصف يشربون ومعهم إبراهيم بن القاسم بن زرزر المغني، وكان إذ ذاك أمرد حسن الوجه، وكان في السماء غيم ينجاب مرة ويتصل أخرى، فانجاب الغيم عن القمر فانبسط، فقال علي بن العباس وأقبل على إبراهيم:
لم يطلع البدر إلا من تشوقه … إليك حتى يوافى وجهك النظرا
ولم يتمم البيت حتى استتر القمر فقال:
стр. 134
ولا تغيب إلا عند خجلته … لما رآك فولى عنك واستترا
توفي النوبختي في ربيع الأول سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وقد قارب الثمانين.
١٤٦ - علي بن عبد العزيز بن الحسن بن علي بن إسماعيل، أبو الحسن (١):
من أهل جرجان، ولى القضاء بها ثم انتقل إلى الري وولى القضاء بها، وصنّف تاريخا، وله في الأدب اليد الطولى، روى ببغداد شيئا من شعره.
وذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر، قال: ومن ملح شعره قوله في الغزل:
أفدى الذي قال وفي كفه … مثل الذي أشرب من فيه
الورد قد أينع في وجنتي … قلت: فمن باللثم يجنيه (٢)
وقوله:
بالله فض العقيق عن برد … تروي أقاحيه من مدام فمه
وامسح عوالي العذار عن قمر … يقصر بالورد خد ملتثمه
قل للسقام الذي يناظره … دعه وأشرك حشاي في سقمه
كل غرام يخاف فتنته … فبين ألحاظه ومبتسمه
وقوله:
قد برح الحب بمشتاقك … فأوله حسن أخلاقك
لا تجفه وارع له حقه … فإنه خاتم عشاقك
توفي لست بقين من ذي الحجة اثنتين وتسعين وثلاثمائة بالري، وحمل تابوته إلى جرجان فدفن بها.
١٤٧ - علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن محمد بن عبد الله، أبو الوفاء الفقيه الحنبلي (٣):
قرأ القرآن بالقراءات على أبي الفتح عبد الواحد بن الحسين بن علي بن شيطا، وتفقه على القاضي أبي يعلى، وقرأ الأصول والخلاف على القاضي أبي الطيب
стр. 135
الطبري، وقرأ الأدب على أبي القاسم بن برهان، وسمع الحديث من أبي بكر محمد بن بشران وأبي الفتح بن شيطا وأبي محمد الحسن بن علي الجوهري وأبي طالب محمد بن علي العشاري في آخرين. روى عنه ابن ناصر في آخرين. وكان فقيها مبرزا، مناظرا، جدلا، كثير المحفوظ، دقيق المعاني. وصنف كتبا كثيرة في الأصول والمذهب والخلاف، وجمع كتابا سماه «الفنون» يشتمل على ثلاثمائة مجلدة أو أكثر.
قرأت بخط أبي الوفاء بن عقيل من كلامه في صفة الأرض أيام الربيع، قال: إن الأرض أهدت إلى السماء غبرتها بترقية الغيوم، فكستها السماء زهرتها من الكواكب والنجوم، وقال: كأن الأرض أيام زهرتها مرآة السماء في انطباع صورتها.
ومن شعره قوله من قصيد:
يقولون لي ما بال جسمك ناحل … ودمعك من آماق عينيك هاطل
وما بال لون الجسم بدل صفرة … وقد كان محمرا فلونك حائل
فقلت سقاما حل في باطن الحشا … ولوعة قلب بلبلته البلابل
وأنيّ لمثلي أن يبين لناظر … فلي باطن قد قطعته النوازل
وما أنا إلا كالزناد تضمنت … لهيبا ولكن اللهيب مداخل
مولده في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
وقال السلفي: في جمادى الآخرة، وتوفي في ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، ودفن بباب حرب.
١٤٨ - علي بن علي بن سالم بن الشيخ (١)، أبو الحسن بن أبي البركات، الشاعر المعروف بالمفيد:
من أهل الكرخ. كان حسن الشعر فاضلا حسن الأخلاق.
أنشدني علي بن علي بن سالم المفيد لنفسه:
كم ذا التجني والجفا … ما هكذا أهل الوفا
طيفك لما زارني … شرد نومي ونفى
يا رشأ ألحاظه … غادرك قلبي هدفا
رميتني بأسهم … فيهن سقمي والشفا
стр. 136
رفقا بصبّ مدنف … كابد فيك التلفا
مذ غبت عنه سيدي … طيب الكرى ما عرفا
فقال إذ عاتبته … أطلت عذلي سرفا
لست ترى من بعدها … ما بيننا تآلفا
نأيت عنه نادما … أقرع سنى أسفا
أطلب صبري بعده … وكنز صبري قد عفا
مولده تقديرا سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وتوفي في رجب سنة سبع عشرة وستمائة، ودفن بمشهد الحسين بن علي.
١٤٩ - علي بن علي بن نما بن حمدون، أبو الحسن بن أبي القاسم الكاتب:
من أهل الحلة السيفية. كان أديبا فاضلا، مليح الشعر، غاليا في التشيع، مبالغا في الرفض، خبيث العقيدة.
ومن شعره قوله:
ومهفهف جمع النحول بأسره … لشقاوتي في مقلتيه وخصره
قمر يبيح ثغور صبري ما حمى … وأسه عمدا من سلافة ثغره
وله:
إني لأغبط فيك عود أراكة … أوردتها من عذب ريقك منهلا
ويروقني حسد الزجاجة كلما … رشفت تجاه الخمر منك مقبلا
وأغار من ملق الوشاح إذا جرى … بنحيف خصرك ذاهبا أو مقبلا
مولده سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وتوفي في سنة تسع وسبعين وخمسمائة ببغداد.
١٥٠ - علي بن المبارك بن أحمد بن محمد بن علي بن بكرى، أبو الحسن:
من أهل الحرم الطاهري. كان أديبا فاضلا بليغا. ذكره العماد الأصفهاني في «الخريدة» ووصفه بالفضل والعلم. سمع الحديث من أبي علي محمد بن محمد بن المهدي وهبة الله بن الحصين في آخرين وحدث، سمع منه أبو المحاسن عمر القرشي.
ومن شعره قوله:
стр. 137
نظرت إلى جوار سامرات … حللن بروضة مثل البدور
فقابلن الشقائق والأقاحي … بتوريد الخدود وبالثغور
وله في سوداء:
يا من فؤادي فيها متيما ما يزال … إن كان لليل بدر فأنت للصبح خال
وقال: وقد أهديت له تفاحة:
حيا بتفاحة فأحياني … بوصل بعد طول هجران
كأنما ريحها تنفّسه … ولونها ورد خده القاني
مولده سنة تسع وخمسمائة، وتوفي سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب حرب.
١٥١ - علي بن محمد بن أحمد بن العباس، أبو حيان التوحيدي (١):
أصله من نيسابور وهو بغدادي، سكن شيراز. وكان أديبا نحويا لغويا؛ له المصنفات الحسنة المشهورة كالبصائر وغيرها. سمع أبا بكر محمد بن عبد الله الشافعي وأبا محمد جعفر بن محمد بن نصير والمعافى بن زكريا النهرواني وأبا عبيد الله المرزباني، روى عنه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن فارس في آخرين.
ومن شعره قوله:
قل لبدر الدجى وبحر السماحة … والذي راحتاه للناس راحة
ما تركت الحضور سهوا ولكن … أنت بحر ولست أدري السباحة
١٥٢ - علي بن محمد بن علي الهراسي، أبو الحسن الشافعي؛ المعروف بالكيا (٢):
من أهل طبرستان. هاجر إلى نيسابور وله عشرون سنة، وصحب إمام الحرمين أبا المعالي الجويني مدة، وتفقه عليه حتى برع في الأصول والفروع والخلاف؛ ثم خرج إلى بيهق فأقام بها مدة يدرس ويفيد الناس، ثم قدم بغداد وتولى التدريس بالنظامية في
стр. 138
سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، ولم يزل على التدريس إلى حين وفاته. وكان كامل الفضل، فصيح العبارة، جهوري الصوت، له التعليق والمصنفات الحسنة. سمع كثيرا من شيخه الجويني وأبي علي الحسن بن محمد الصفار وأبي الفضل زيد بن صالح الطبري، وحدث ببغداد؛ روى عنه سعد الخير الأنصاري والسلفي.
قال السلفي: سمعت الفقهاء يقولون: كان أبو المعالي الجويني يقول في تلامذته إذا ناظروا التحقيق للخوافي والجريان للغزالي والبيان لإلكيا.
مولده في خامس ذي قعدة سنة خمسين وأربعمائة.
وتوفي ببغداد في مستهل محرم سنة أربع وخمسمائة، ودفن بمقبرة باب أبرز.
ورثاه أبو القاسم إبراهيم بن عثمان الغزي من قصيدة أولها:
هي الحوادث لا تبقى ولا تذر … ما للبرية من محتومها وزر
لو كان ينجى علو من بوائقها … لم تكسف الشمس بل لم يخسف (١) القمر
١٥٣ - علي بن محمد بن علي التميمي العنبري، أبو الحسن، المعروف والده بدوّاس القنا:
من أهل البصرة. قدم واسطا وسكنها إلى حين وفاته، وكان تام المعرفة بالأدب.
قدم بغداد ومدح بها صدقة بن منصور.
ومن شعره من قصيدة:
ساقوا الجمال وخلّفوني أثرهم … متململا أدعوهم وأنادي
يا راحلين عن العقيق وخاطري … لمطيهم هاد وقلبي حادي
إن كان قد حكم الهوى أن ترقدوا … عما أجن وتذهبوا برقادي
فترفقوا عليّ أفوز بنظرة … تطفي غليلا دائم الإيقاد
أسكنتم جسمي الضنا وسلبتم … جفني الكرى وذهبتم بفؤادي
إن تتهموا فتهامة أكرم بها … لبني الهوى من منزل ومراد
أو تنجدوا فالقلب منذ بلى بكم … وقف على الاتهام والإنجاد
توفي في رجب سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ليلة سادسه.
стр. 139
١٥٤ - علي بن محمد بن غالب، أبو فراس العامري، المعروف بمجد العرب (١):
شاعر مجيد، ذكره أبو عبد الله الكاتب في الخريدة وأثنى عليه، ومن شعره:
أمتعب ما رق من جسمه … بحمل السيوف ونقل (٢) الرماح
علام تكلفت حملانها … وبين جفونك أمضى السلاح
وله:
لا تنكرين عليّ يا شمس الهدى … أني مررت عليك غير مسلم
فالشمس لا تخفي ولكن ضوأها … مخفف لها عن ناظر المتوسم
توفي بالموصل في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
١٥٥ - علي بن محمد بن فهد، أبو الحسن التهامي، الشاعر (٣):
مولده ومنشؤه باليمن، وطرا إلى الشام، وسافر منها إلى العراق، ولقي الصاحب ابن عباد، وقرأ عليه وانتحل مذهب الاعتزال، وأقام ببغداد ودوّن بها شيئا من شعره، ثم عاد إلى الشام. وكان أديبا فاضلا متورعا.
وبلغ من تورعه أنه كان نسخ شعر البحتري، فلما بلغ إلى أبيات فيها هجو امتنع من كتبها وقال: لا أسطر بخطي مثالب الناس ومساوئهم تحرجا من ذلك؛ ومن شعره قوله:
لها ريقة أستغفر الله إنها … ألذ وأشهى في المذاق من الخمر
وصارم طرف ما يفارق غمده … ولم أر شيئا قط في غمده يفرى
وقال:
هل الوجد إلا أن تلوح خيامها … فتقضي يا هذا السلام ذمامها
وقفت بها أبكي وتردم أينقي … وتصهل أفراسي وتدعو حمامها
ولو بكت الورق الحما [ثم] (٤) شجوها … بعين نجى أطواقهن انسجامها
стр. 140
وفي كبدي أستغفر الله غلة … إلى برد يثنى عليه لثامها
وبرد رضاب سلس غير أنه … إذا شربته النفس زاد هيامها
فوا عجبا من غلة كلما ارتوت … من السلسبيل العذب زاد اضطرامها
كأن بعيد النوم في رشفاتها … سلاف رحيق رق منها مدامها
وتعبق ريّاها وأنفاسها معا … كنافجة قد فض عنها ختامها
ولم أنس يوم التقى در دمعها … ودر الثنايا فذها وتوامها
وقد بسمت عن ثغرها فكأنه … قلائد در في العقيق انتظامها
وقد نثرت در الكلام بعتبها … ولذ بسمعي عتبها وملامها
فلم أدر أي الدر أنفس قيمة … أدمعها أم ثغرها أم كلامها؟
وقد سفرت عن وجهها فكأنما … تحسر عن شمس النهار جهامها
ومن حيثما دارت بطلعتها يرى … لإشراقها في الحسن نورا تمامها
وألقت عصاها في رياض كأنما … يفض عن المسك العتيق ختامها
وضاحكها نور الأقاحي فراقني … تبسمه رأد الضحى وابتسامها
نظرت ولي عينان عين ترقرقت … ففاضت وأخرى حار فيها جمامها
فلم أر عيبا غير سقم جفونها … وصحة أجفان الحسان سقامها
خليليّ هل يأتي مع الطّيف نحوها … سلامي كما يأتي إليّ سلامها؟
ألمت بنا في ليلة مكفهرة … فما سفرت حتى تجلى ظلامها
أتت موهنا والليل أسود فاحم … طويل حكاه فرعها وقوامها
فأبصر مني الطيف نفسا أبية … تيقظها عن عفة ومنامها
إذا كان حظي أين حلت خيالها … فسيّان عندي نأيها ومقامها
وهل نافعي أن تجمع الدار بيننا … بكل مقام وهي صعب مرامها
أسيدتي رفقا بمهجة وامق … أيعذبها بالبعد منك غرامها
لك الخير جودي بالجمال فإنه … سحابة صيف ليس يرجى دوامها
وما الحسن إلا دولة فاصنعي بها … يدا قبل أن يمضي ويعبر رامها
أرى النفس تستحلى الهوى وهو حتفها … بعيشك هل يحلو لنفس حمامها
ذكر أبو الخطاب أن التهامي أظهر الانتساب في ولد الحسين بن علي، وحصل في أحياء طي، ودعا إلى نفسه، فأنفذ الطاهر بن الحاكم صاحب مصر إلى ابن عليان أمير طي، فقبض عليه وأنفذه إلى مصر فحبس بها، وقيل: إنه قتل.
стр. 141
١٥٦ - علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف بن أبي دلف القاسم، أبو نصر بن أبي القاسم، المعروف بابن ماكولا (١):
أصله من جرباذقان، وكان والده من وزراء القائم بأمر الله، وعمه قاضي القضاة.
وأحب العلم منذ صباه، وطلب الحديث، ورحل إلى الشام والثغور وديار مصر والجزيرة والعراق، وحصّل طرفا صالحا في هذا العلم، وقرأ الأدب حتى برع فيه، وله النثر والنظم الحسن والمصنفات الملاح. سمع ببغداد أبا طالب بن غيلان وأبا القاسم عبيد الله بن عمر بن أحمد بن محمد العتيقي وأبا محمد الجوهري والقاضي أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، وسمع بدمشق من أبي الحسن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد وأبي محمد الكتاني، وبمصر من الشريف أبي إبراهيم أحمد بن القاسم الحسيني والقاضي أبي عبد الله القضاعي وآخرين. سمع منه الحافظان أبو بكر الخطيب وعبد العزيز الكتاني والفقيه أبو الفتح نصر المقدسي في آخرين.
ومن شعره قوله:
أقول لقلبي (٢) قد سلا كل واجد … ونفض أثواب الهوى عن مناكبه
وحبك ما يزداد إلا تجددا … فيا ليت شعري ذا الهوى في مناك به (٣)
قال أبو عبد الله الحميدي: كان ابن ماكولا إذا سألناه عن شيء كأنه على طرف لسانه، ولو عاش لجاء منه شيء، وما سألنا الخطيب عن شيء قط فأجابنا عنه من حفظه، إنما يحيل على كتبه.
قال السلفي: سألت شجاع الذهلي عن ابن ماكولا فقال: كان حافظا فهما ثقة، صنف كتبا في علم الحديث وغيره.
وقال السلفي أيضا: سألت المؤتمن بن أحمد الساجي عن ابن ماكولا، فقال: كان له فهم وحسن معرفة بالحديث مع وساطة البيت. لم يلزم طريق أهل العلم فلم ينتفع بنفسه.
стр. 142
مولده بعكبرا في منتصف شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
قرأت على أبي محمد بن الأخضر عن أبي الفضل بن ناصر قال: كان أبو نصر بن ماكولا قد سافر نحو كرمان وكان معه مماليكه الأتراك، فغدروا به وقتلوه وأخذوا الموجود من ماله، وذلك في سنة خمس وسبعين وأربعمائة وله من المصنفات كتابه المشهور في «المؤتلف والمختلف».
١٥٧ - علي بن هلال بن البواب، أبو الحسن الكاتب، مولى معاوية بن أبي سفيان (١):
قرأ الأدب على أبي الفتح بن جني، وسمع من أبي عبيد الله المرزباني، وكانت له معرفة بتعبير الرؤيا؛ وكان يعظ الناس بجامع المنصور، وله النظم والنثر المليح؛ وإليه انتهت الرئاسة في حسن الخط وجودته.
قال الحافظ أبو بكر الخطيب: علي بن هلال أبو الحسن بن البواب، صاحب الخط المستحسن المذكور، رأيته وكان رجلا دينا، لا أعلمه روى شيئا من الحديث.
وقد قال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرى في قصيدة له:
ولاح هلال مثل نون أجادها … بماء النضار الكاتب ابن هلال
قال محمد بن الليث الزجاج يهجو ابن البواب، وكان إذ ذاك منقطعا إلى الشريف الرضى وملازما له.
[أيهذا الشريف] (٢) حاشاك حاشاك … ترى في فنائك ابن هلال
هو نحس النحوس في السادة العز … وسعد السعود في الأندال
انظر اللازم من هلال تجدها … فيه مشكولة بلا أشكال
توفي في ثاني جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ببغداد، ودفن بجوار أحمد.
١٥٨ - علي بن يلدرك بن أرسلان التركي، أبو الثناء بن أبي منصور الكاتب (٣):
كان شاعرا، لطيف الشعر، ومترسلا مليح النثر. روي عنه أبو الوفاء بن عقيل في
стр. 143
كتابه «الفنون» وابن ناصر.
ومن شعره:
ومد له علق الغرام بقلبه … فمواقد النيران من نيرانه
إن جن ليل جن لاعج حبه … أو مد سيل كان من أجفانه
عذب العذاب من أهوى عذابه … وحلا مرير الجور من سلطانه
يرتاح ما حدر الصباح لثامه … وارتاح قمري على أغصانه
ما لج عاذله عليه بعذله … إلا ولج عليه في عصيانه
بغداد موطنه ولكن الهوى … نجد وأين هواه من أوطانه؟
أو كان قيس العامري بعصره … دعي الخليّ من الهوى لعنانه
وله من قصيدة:
رقّت حواشي الحب بعدك رقة … غارت لها ببلادنا الصهباء
وحفت علينا بعد ذاك خشونة … فكأنها التفريق والقرباء
توفي في صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب حرب- قاله أبو الفرج بن الجوزي.
١٥٩ - علي بن الطستاني الأنباري:
شاعر حسن الشعر، سافر إلى الموصل واستوطنها.
توفي في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. ومن شعره قوله:
لو تراني في ليلة العيد واليأ … س لأبصرت أعجب الأشياء
كل عين ترنو إلى مغرب الشم … س وعيني ترنو إلى البطحاء
مقلتي تطلب الهلال على الأر … ض وهم يطلبونه في السماء
يتلوه عمر بن حسن بن دحية الكلبي رحمه الله تعالى (١).
١٦٠ - عمر بن حسن بن علي بن محمد بن فرح- بسكون الراء وبالحاء المهملة- بن خلف بن قومس بن يزلال بن ملال بن أحمد بن دحية بن خليفة الكلبي، أبو الخطاب (٢):
стр. 144
من أهل منورقة من بلاد الأندلس (١)؛ وذكر أنه يسمى عبد الله، وأن أمه أمة الرحمن بنت أبي عبد الله محمد بن أبي البسام موسى بن عبد الله بن الحسين بن علي ابن أبي جعفر محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب. فلهذا كان يكتب بخطه: ذو النسبين: بن دحية والحسين. قدم علينا بغداد، وأملى من حفظه، وكتبنا عنه، وذكر أنه سمع من أبي الفرج ابن الجوزي؛ وسافر إلى العراق فسمع بأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني معجم الطبراني، ودخل خراسان فسمع بنيسابور من أبي سعد بن الصفار ومنصور الفراوي والمؤيد الطوسي في آخرين وحصل الأصول، وسمع بواسط من أبي الفتح بن الماندائي.
وذكر أنه سمع كتاب «الصلة» من أبي القاسم بن بشكوال، وأنه سمع بالأندلس من جماعة، غير أني رأيت الناس مجمعين على كذبه وضعفه وادعائه لقاء من لم يلقه، وسماع ما لم يسمعه، وكانت أمارات ذلك لائحة على كلامه، وكان القلب يأبى سماع كلامه، ويشهد ببطلان قوله. دخل ديار مصر، وسكن بالقاهرة، وصادف قبولا من السلطان الملك الكامل، وسمعت من يذكر أنه كان يسوى له الملابس حين يقوم.
وكان صديقنا إبراهيم السنهوري المحدث صاحب الرحلة إلى البلاد قد دخل بلاد الأندلس، وذكر لمشايخها وعلمائها أن ابن دحية يدّعى أنه قرأ على جماعة من الشيوخ القدماء، فأنكروا ذلك وأبطلوه وقالوا: لم يلق هؤلاء ولا أدركهم، وإنما اشتغل بالطلب أخيرا وليس نسبه بصحيح (٢)، ودحية لم يعقب. فكتب السنهوري محضرا،
стр. 145
وأخذ خطوطهم فيه بذلك، وقدم به ديار مصر، فعلم ابن دحية بذلك، فاشتكى إلى السلطان منه وقال: هذا يأخذ عرضي ويؤذيني! فأمر السلطان بالقبض عليه، وضرب، وأشهر على حمار وأخرج من ديار مصر، وأخذ ابن دحية المحضر وخرقه.
وبنى له السلطان الملك الكامل دارا للحديث.
وكان حافظا ماهرا عالما بقيود الحديث، فصيح العبارة، تام المعرفة بالنحو واللغة، وكان ظاهري المذهب، كثير الوقيعة في السلف، خبيث اللسان، أحمق، شديد الكبر، قليل النظر في الأمور الدينية، متهاونا في دينه.
قال الحافظ أبو الحسن بن علي بن المفضل المقدسي: كنا يوما بحضرة السلطان في مجلس عام وهناك ابن دحية، فسألني السلطان عن حديث فذكرته له، فقال لي: من رواه؟ فلم يحضرني إسناده وانفصلنا، فاجتمع بي ابن دحية وقال لي: يا فقيه! لما سألك السلطان عن إسناد ذاك الحديث، لم لم تذكر له أي إسناد شئت؟ فإنه ومن حضر مجلسه لا يعلمون هل هو صحيح أم لا! وكنت قد ربحت قولك «لا أعلم»، وعظمت في عينه، قال: فعلمت أنه جرئ على الكذب.
أنشدني أبو المحاسن محمد بن نصر عرف بابن عنين لنفسه بدمشق يهجو ابن دحية:
دحية لم يعقب فلم تعتزي … إليه بالبهتان والإفك
ما صح عند الناس شيء سوى … أنك من كلب بلا شك
توفي ابن دحية بالقاهرة في ليلة رابع عشر ربيع الأول من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وقد نيف على الثمانين. وكان يخضب بالسواد- قدس الله [روحه] (١).
١٦١ - عمر بن محمد بن عبد الله بن عمويه، السهروردي، أبو عبد الله الصوفي (٢):
ابن أخي الشيخ أبي النجيب. كان شيخ وقته في علم الحقيقة وطريقة التصوف، وإليه انتهت الرئاسة في تربية المريدين وتسليك طريق العبادة والزهد في الدنيا.