١٥٦ - علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف بن أبي دلف القاسم، أبو نصر بن أبي القاسم، المعروف بابن ماكولا (١):
أصله من جرباذقان، وكان والده من وزراء القائم بأمر الله، وعمه قاضي القضاة.
وأحب العلم منذ صباه، وطلب الحديث، ورحل إلى الشام والثغور وديار مصر والجزيرة والعراق، وحصّل طرفا صالحا في هذا العلم، وقرأ الأدب حتى برع فيه، وله النثر والنظم الحسن والمصنفات الملاح. سمع ببغداد أبا طالب بن غيلان وأبا القاسم عبيد الله بن عمر بن أحمد بن محمد العتيقي وأبا محمد الجوهري والقاضي أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، وسمع بدمشق من أبي الحسن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد وأبي محمد الكتاني، وبمصر من الشريف أبي إبراهيم أحمد بن القاسم الحسيني والقاضي أبي عبد الله القضاعي وآخرين. سمع منه الحافظان أبو بكر الخطيب وعبد العزيز الكتاني والفقيه أبو الفتح نصر المقدسي في آخرين.
ومن شعره قوله:
أقول لقلبي (٢) قد سلا كل واجد … ونفض أثواب الهوى عن مناكبه
وحبك ما يزداد إلا تجددا … فيا ليت شعري ذا الهوى في مناك به (٣)
قال أبو عبد الله الحميدي: كان ابن ماكولا إذا سألناه عن شيء كأنه على طرف لسانه، ولو عاش لجاء منه شيء، وما سألنا الخطيب عن شيء قط فأجابنا عنه من حفظه، إنما يحيل على كتبه.
قال السلفي: سألت شجاع الذهلي عن ابن ماكولا فقال: كان حافظا فهما ثقة، صنف كتبا في علم الحديث وغيره.
وقال السلفي أيضا: سألت المؤتمن بن أحمد الساجي عن ابن ماكولا، فقال: كان له فهم وحسن معرفة بالحديث مع وساطة البيت. لم يلزم طريق أهل العلم فلم ينتفع بنفسه.
стр. 142
مولده بعكبرا في منتصف شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
قرأت على أبي محمد بن الأخضر عن أبي الفضل بن ناصر قال: كان أبو نصر بن ماكولا قد سافر نحو كرمان وكان معه مماليكه الأتراك، فغدروا به وقتلوه وأخذوا الموجود من ماله، وذلك في سنة خمس وسبعين وأربعمائة وله من المصنفات كتابه المشهور في «المؤتلف والمختلف».
١٥٧ - علي بن هلال بن البواب، أبو الحسن الكاتب، مولى معاوية بن أبي سفيان (١):
قرأ الأدب على أبي الفتح بن جني، وسمع من أبي عبيد الله المرزباني، وكانت له معرفة بتعبير الرؤيا؛ وكان يعظ الناس بجامع المنصور، وله النظم والنثر المليح؛ وإليه انتهت الرئاسة في حسن الخط وجودته.
قال الحافظ أبو بكر الخطيب: علي بن هلال أبو الحسن بن البواب، صاحب الخط المستحسن المذكور، رأيته وكان رجلا دينا، لا أعلمه روى شيئا من الحديث.
وقد قال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرى في قصيدة له:
ولاح هلال مثل نون أجادها … بماء النضار الكاتب ابن هلال
قال محمد بن الليث الزجاج يهجو ابن البواب، وكان إذ ذاك منقطعا إلى الشريف الرضى وملازما له.
[أيهذا الشريف] (٢) حاشاك حاشاك … ترى في فنائك ابن هلال
هو نحس النحوس في السادة العز … وسعد السعود في الأندال
انظر اللازم من هلال تجدها … فيه مشكولة بلا أشكال
توفي في ثاني جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ببغداد، ودفن بجوار أحمد.
١٥٨ - علي بن يلدرك بن أرسلان التركي، أبو الثناء بن أبي منصور الكاتب (٣):
كان شاعرا، لطيف الشعر، ومترسلا مليح النثر. روي عنه أبو الوفاء بن عقيل في
стр. 143
كتابه «الفنون» وابن ناصر.
ومن شعره:
ومد له علق الغرام بقلبه … فمواقد النيران من نيرانه
إن جن ليل جن لاعج حبه … أو مد سيل كان من أجفانه
عذب العذاب من أهوى عذابه … وحلا مرير الجور من سلطانه
يرتاح ما حدر الصباح لثامه … وارتاح قمري على أغصانه
ما لج عاذله عليه بعذله … إلا ولج عليه في عصيانه
بغداد موطنه ولكن الهوى … نجد وأين هواه من أوطانه؟
أو كان قيس العامري بعصره … دعي الخليّ من الهوى لعنانه
وله من قصيدة:
رقّت حواشي الحب بعدك رقة … غارت لها ببلادنا الصهباء
وحفت علينا بعد ذاك خشونة … فكأنها التفريق والقرباء
توفي في صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب حرب- قاله أبو الفرج بن الجوزي.
١٥٩ - علي بن الطستاني الأنباري:
شاعر حسن الشعر، سافر إلى الموصل واستوطنها.
توفي في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. ومن شعره قوله:
لو تراني في ليلة العيد واليأ … س لأبصرت أعجب الأشياء
كل عين ترنو إلى مغرب الشم … س وعيني ترنو إلى البطحاء
مقلتي تطلب الهلال على الأر … ض وهم يطلبونه في السماء
يتلوه عمر بن حسن بن دحية الكلبي رحمه الله تعالى (١).
١٦٠ - عمر بن حسن بن علي بن محمد بن فرح- بسكون الراء وبالحاء المهملة- بن خلف بن قومس بن يزلال بن ملال بن أحمد بن دحية بن خليفة الكلبي، أبو الخطاب (٢):
стр. 144
من أهل منورقة من بلاد الأندلس (١)؛ وذكر أنه يسمى عبد الله، وأن أمه أمة الرحمن بنت أبي عبد الله محمد بن أبي البسام موسى بن عبد الله بن الحسين بن علي ابن أبي جعفر محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب. فلهذا كان يكتب بخطه: ذو النسبين: بن دحية والحسين. قدم علينا بغداد، وأملى من حفظه، وكتبنا عنه، وذكر أنه سمع من أبي الفرج ابن الجوزي؛ وسافر إلى العراق فسمع بأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني معجم الطبراني، ودخل خراسان فسمع بنيسابور من أبي سعد بن الصفار ومنصور الفراوي والمؤيد الطوسي في آخرين وحصل الأصول، وسمع بواسط من أبي الفتح بن الماندائي.
وذكر أنه سمع كتاب «الصلة» من أبي القاسم بن بشكوال، وأنه سمع بالأندلس من جماعة، غير أني رأيت الناس مجمعين على كذبه وضعفه وادعائه لقاء من لم يلقه، وسماع ما لم يسمعه، وكانت أمارات ذلك لائحة على كلامه، وكان القلب يأبى سماع كلامه، ويشهد ببطلان قوله. دخل ديار مصر، وسكن بالقاهرة، وصادف قبولا من السلطان الملك الكامل، وسمعت من يذكر أنه كان يسوى له الملابس حين يقوم.
وكان صديقنا إبراهيم السنهوري المحدث صاحب الرحلة إلى البلاد قد دخل بلاد الأندلس، وذكر لمشايخها وعلمائها أن ابن دحية يدّعى أنه قرأ على جماعة من الشيوخ القدماء، فأنكروا ذلك وأبطلوه وقالوا: لم يلق هؤلاء ولا أدركهم، وإنما اشتغل بالطلب أخيرا وليس نسبه بصحيح (٢)، ودحية لم يعقب. فكتب السنهوري محضرا،
стр. 145
وأخذ خطوطهم فيه بذلك، وقدم به ديار مصر، فعلم ابن دحية بذلك، فاشتكى إلى السلطان منه وقال: هذا يأخذ عرضي ويؤذيني! فأمر السلطان بالقبض عليه، وضرب، وأشهر على حمار وأخرج من ديار مصر، وأخذ ابن دحية المحضر وخرقه.
وبنى له السلطان الملك الكامل دارا للحديث.
وكان حافظا ماهرا عالما بقيود الحديث، فصيح العبارة، تام المعرفة بالنحو واللغة، وكان ظاهري المذهب، كثير الوقيعة في السلف، خبيث اللسان، أحمق، شديد الكبر، قليل النظر في الأمور الدينية، متهاونا في دينه.
قال الحافظ أبو الحسن بن علي بن المفضل المقدسي: كنا يوما بحضرة السلطان في مجلس عام وهناك ابن دحية، فسألني السلطان عن حديث فذكرته له، فقال لي: من رواه؟ فلم يحضرني إسناده وانفصلنا، فاجتمع بي ابن دحية وقال لي: يا فقيه! لما سألك السلطان عن إسناد ذاك الحديث، لم لم تذكر له أي إسناد شئت؟ فإنه ومن حضر مجلسه لا يعلمون هل هو صحيح أم لا! وكنت قد ربحت قولك «لا أعلم»، وعظمت في عينه، قال: فعلمت أنه جرئ على الكذب.
أنشدني أبو المحاسن محمد بن نصر عرف بابن عنين لنفسه بدمشق يهجو ابن دحية:
دحية لم يعقب فلم تعتزي … إليه بالبهتان والإفك
ما صح عند الناس شيء سوى … أنك من كلب بلا شك
توفي ابن دحية بالقاهرة في ليلة رابع عشر ربيع الأول من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وقد نيف على الثمانين. وكان يخضب بالسواد- قدس الله [روحه] (١).
١٦١ - عمر بن محمد بن عبد الله بن عمويه، السهروردي، أبو عبد الله الصوفي (٢):
ابن أخي الشيخ أبي النجيب. كان شيخ وقته في علم الحقيقة وطريقة التصوف، وإليه انتهت الرئاسة في تربية المريدين وتسليك طريق العبادة والزهد في الدنيا.
стр. 146
ولد بسهرورد وقدم بغداد في صباه، وصحب عمه وغيره، وسلك طريق الرياضيات، وقرأ الفقه والخلاف والعربية، وسمع الحديث. ثم انقطع عن الناس ولازم الخلوة، واشتغل بإدامة الصيام والقيام والذكر إلى أن خطر له عند علو سنه أن يظهر للناس ويتكلم عليهم؛ فعقد مجلس الوعظ بمدرسة عمه على شاطئ دجلة، وكان يتكلم على الناس بكلام مفيد، وظهر له قبول عظيم من الخاص والعام، واشتهر اسمه، وقصده المريدون. سمع الحديث من عمه ومن أبي المظفر هبة الله بن أحمد بن محمد بن الشبلي وأبي الفتح بن البطي وأبي زرعة المقدسي في آخرين. وحدّث وصنّف مصنفات مفيدة، منها مغاني المعاني، وأضر في آخر عمره.
أنشدني عمر بن محمد السهروردي لنفسه:
ربع الحمى مذ حللتم معشب نضر … تروق أكنافه يزهو بها النظر
لا كان وادي الفضا لا ينزلون به … ولا من (١) الحمى سحّ في أرجائه مطر
ولا الرياح وإن رقت نسائهما … إن لم تفد (٢) نشركم لا ضمها سحر
ولا خلت مهجتي تشكو دسيس جوى … وحر قلبي بريّا حبكم عطر
ولا رقت عبرتي حتى يكون لمن … ذاق الهوى وصبا في عبرتي عبر
أنبأنا عبد … (٣) من شيوخنا، قالوا: أنبأنا أبو عبد الله السهروردي مولده في رجب سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.
وتوفي ببغداد في ليلة الأربعاء مستهل محرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن بالوردية في تربة له مستجدة- ﵀.
١٦٢ - عمر بن محمد بن معمر بن أحمد بن يحيى بن حسان، أبو حفص بن أبي بكر المؤدب، المعروف بابن طبرزد (٤):
من أهل دار القز. سمع الكثير بإفادة أخيه ومن آباء القاسم هبة الله بن الحصين وهبة الله بن أحمد الحريري وهبة الله بن عبد الله الواسطي وأبي غالب أحمد بن الحسن بن البناء وأبي المواهب أحمد بن ملوك وأبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري
стр. 147
وأبي القاسم علي بن طراد الزينبي في آخرين وهو آخر من حدث في الدنيا عن ابن الحصين وابن البناء وابن ملوك. وطلب من الشام للسماع عليه فتوجه إلى هناك؛ وحدث بإربل والموصل وحران وحلب، وأقام بدمشق مدة طويلة؛ وروى أكثر مسموعاته، وحصّل مالا حسنا، وعاد إلى بغداد وأقام بها يحدث على حين وفاته، وكان يعرف شيوخه ويذكر مسموعاته.
وكانت أصول سماعاته بيده، وأكثرها بخط أخيه، وكان يكتب خطا حسنا، وكان متهاونا بأمور الدين. رأيته غير مرة يبول من قيام، فإذا فرغ من إراقة بوله أرسل ثوبه وقعد من غير استنجاء. وكنا نسمع منه أجمع، فنصلي ولا يصلي معنا، ولا يقوم لصلاة، وكان يطلب الأجر على الرواية، إلى غير ذلك من سوء طريقته.
مولده سنة ست عشرة وخمسمائة، وتوفي في رجب لتسع خلون منه من سنة سبع وستمائة. ودفن بباب حرب.
قال عبد العزيز بن هلاله: رأيت ابن طبرزد في النوم وعليه ثوب أزرق، فقلت له:
سألتك بالله ما لقيت بعد موتك؟ فقال لي: أنا في بيت من نار داخل بيت من نار داخل بيت من نار، فقلت: ولم؟ قال: لأخذ الذهب على الرواية.
١٦٣ - العلاء بن الحسن بن وهب بن الموصلاي (١)، أبو سعد بن أبي علي الكاتب (٢):
من أهل الكرخ. كاتب جليل مترسل كامل الأدب. روى عنه موهوب بن الجواليقي اللغوي.
قال: أنشدنا العلاء بن الحسن الكاتب لنفسه:
أحنّ إلى روض التصابي وأرتاح … وأمتح من حوض التصافي وأمتاح
وأشتاق رئما كلما رمت صيده … تصدّ يدي عنه سيوف وأرماح
غزال إذا ما لاح أو فاح نشره … تعذب أرواح وتعذب أرواح
بنفسي وإن عزت وأهلي أهله … لها غرر في الحسن تبدو وأوضاح
نجوم أغاروا النور للبدر عند ما … أغاروا على سرب الملاحة واجتاحوا
стр. 148
فتتضح الأعذار فيهم إذا بدوا … ويفتضح اللاحون فيهم إذا لاحوا
وكرخية عذراء يعذر حبها … ومن زندها في الدهر تقدح أقداح
إذا جليت في الكأس والليل ما انجلى … يقابل إصباح لديك ومصباح
يطوف بها ساق لسوقه جماله … نفاق لإفساد الهوى فيه إصلاح
به عجمة في اللفظ تغزى بوصله … وإن كان منه بالقطيعة إفصاح
وغرته صبح وطرته دجى … ومبسمه در وريقته راح
أباح دمي مذ بحت في الحب باسمه … وبالشجو من قبلي المحبون قد باحوا
وأوعدني بالسوء ظلما ولم يكن … لإشكال ما يفضي إلى الضيم إيضاح
وكيف أخاف الضيم أو أحذر الرديح … وعوني على الأيام أبلج وضاح
وظل نظام الملك للكسر جابر … وللضر منّاع وللنفع مناح
مولده ببغداد في ليلة سادس شوال سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
وتوفي يوم الاثنين الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وبلغ من العمر خمسا وثمانين سنة، ودفن في تربة الطائع لله بالرصافة- رحمه الله تعالى.
١٦٤ - عيسى بن أبي عيسى بن بزاز (١) بن محير، أبو موسى، الفقيه المالكي:
من أهل قابس من بلاد المغرب. سمع بالمغرب أبا عبد الله الحسين بن عبد الرحمن الأجدابي، وبمكة أبا ذر الهروي، ودخل بغداد وسمع بها من أبي طالب بن غيلان والعشاري وابن المذهب وابن شاهين وأحمد بن محمد العتيقي والحسن بن علي الجوهري في آخرين؛ وحدث عنه الحافظ أبو بكر الخطيب وذكره في كتابه «المؤتلف والمختلف» من تأليفه، قال: وأما الثاني بالقاف والباء المعجمة بواحدة والسين المهملة فهو عيسى بن أبي عيسى بن بزاز القابسي. قدم علينا بغداد بعد الثلاثين [والأربعمائة] (٢) فسمع من شيوخ ذلك الوقت، وأقام عندنا مدة، ثم رجع إلى بلده.
توفي بمصر في سنة سبع وأربعين وأربعمائة- قاله أبو محمد الأكفاني.
стр. 149
حرف الفاء
١٦٥ - الفتح بن خاقان بن أحمد، أبو محمد التركي (١):
تربى في دار المعتصم، واختص بولده المتوكل. فلما ولى الخلافة حوله على خاتمه، ولما سافر المتوكل إلى دمشق كان عديله. وولاه دمشق فاستخلف بها كلباتكين التركي، وعاد مع المتوكل إلى بغداد. وكان أديبا شاعرا، غاية في السماحة والجود، روى عنه أبو العباس محمد بن يزيد المبرد وغيره.
ومن شعره قوله:
بني الحب على الجور فلو … أنصف المعشوق فيه لسمج
ليس يستملح في وصف الهوى … عاشق يحسن تأليف الحجج (٢)
لا تعيبن من حبيب دله … دله للحب مفتاح الفرج
وقليل الحب صرف خالص … خير من حب كثير قد مزج
دخل المعتصم يوما إلى خاقان يعوده، فرأى الفتح ابنه وهو صبي، فقال له: أيما أحسن داري أم داركم؟ فقال الفتح: «يا سيدي، دارنا إذا كنت فيها أحسن»، فقال المعتصم: لا أبرح والله أو تنثر عليه مائة ألف درهم، ففعل ذلك. ومن شعر الفتح قوله:
أيها العاشق المعذب صبرا … فخطايا أخي الهوى مغفورة
زفرة في الهوى أحط لذنب … من غزاة وحجة مبرورة
قتل الفتح ليلة الأربعاء، وقيل: ليلة الخميس بعد العتمة لأربع ليال خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين- رحمه الله تعالى.
١٦٦ - الفضل بن سهل بن بشر بن أحمد بن سعيد الإسفرائيني، أبو المعالي بن أبي الفرج، الواعظ، كان يعرف بالأمير الحلبي (٣):
ولد بديار مصر، ونشأ ببيت المقدس، وقدم دمشق مع والده، وكان والده محدّثا
стр. 150
مشهورا، فأسمعه بدمشق من أبي القاسم علي بن محمد المصيصي ونصر المقدسي، وسمع من والده وأجازه الخطيب، وسافر إلى حلب وأقام بها، فعقد مجلس الوعظ مدة، ثم أرسله صاحبها إلى بغداد رسولا، فأقام بها إلى حين وفاته.
ومن شعره قوله:
يا صاحب المرآة يا من قاده … إلى لقائي قدر نافذ
أريتني وجهي عز وما … يسوى الذي أنظر ما تأخذ
قال الفضل بن سهل: حضرت في مجلس فيه الأستاذ أبو الحسين بن مقلد لمعرفة خبر صاحب المخزن، فأحضر الطعام فأكلنا، وحضر مجلس الشرب، فنهضت أمضي؛ فقال لي صاحب المخزن والجماعة: اجلس واسمع الأستاذ أبا الحسن! فجلست فأخذوا في المفاكهة والمذاكرة، ثم عرض عليّ الشرب فامتنعت، فأعفيت من ذلك، ثم إنني سكرت من ريح المجلس وطيبه، فقلت:
سكرت من ريح ما شربتم … والراح محمودة الفعال
فيا لها سكرة حلالا … كأنها زورة الخيال
قال ابن السمعاني: الفضل بن سهل سافر بنفسه إلى العراق وخراسان، وكان يتجر ويقول الشعر؛ كتبت عنه ببغداد، وسمعت جماعة يتهمونه بالكذب في الأحاديث التي يذكرها والمحاورات.
قال عمر بن علي القرشي: رأيت قطعة كبيرة من سماعاته- يعني الفضل بن سهل- كالشمس في الوضوح بخط المعروفين الثقات غير أن خصائص على جمع النسائي، وكان ملكا للابن، وفيه طبقة فيها اسمه واسم ابنه أبي المجد عبد العامر وهي مفسودة تشهد على نفسها بالتزوير؛ وقد حدث به للابن عن أبيه، وقد قرأه عليه ابن شافع، فسألته عن الطبقة، فقال: سماع مزور، فقلت له: وكيف قرأته عليه؟ فقال: لعله من طبقة أخرى في الجزء؛ وأخذه وفتشه فلم ير فيه شيئا. وقد حدث به ابنه أبو المجد عن جده بذلك التسميع المفسود، ثم رأيت له بعد ذلك أجزاء وسماعه فيها مفسودة، وقد حدّث بها وفي بعضها. قد سمع لنفسه من أبيه، وسمع لجماعة منهم الفقيه نصر المقدسي، وذكر تاريخا. قد مات قبله نصر بمدة.
стр. 151
مولده في شعبان في ليلة سادس عشرة سنة إحدى وستين وأربعمائة.
وتوفي في ثاني رجب سنة ثمان وأربعين وخمسمائة فجأة ببغداد، ودفن بباب أبرز، وكان عسرا في التحديث- قاله ابن شافع.
آخر الجزء السادس من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد لأبي عبد الله ابن النجار البغدادي الحافظ- رحمه الله تعالى.
стр. 152
الجزء السابع من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد
للحافظ محب الدين أبي عبد الله محمد بن محمود بن الحسن ابن النجار انتقاء كاتبه الواثق بالله أحمد بن أيبك بن عبد الله
стр. 153
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حسبي الله وكفى
١٦٧ - القاسم بن الحسين بن الطوابيقي، أبو شجاع البغدادي (١):
شاعر، حسن القول، لطيف الطبع. روي عنه عثمان بن عيسى البلطي النحوي.
قال أبو عبد الله الكاتب في «الخريدة»: أبو شجاع بن الطوابيقي، له نظم رائق وشعر فائق، وهو مقيم بالموصل.
ومن شعره قوله:
قامت تهز قوامها يوم النقا … فتساقطت خجلا غصون البان
وبكت فجاذبها البكا من مقلتي … فتمثل الإنسان في إنساني
ومنها:
فأحبكم وأحب حبى فيكم … وأجل قدركم على إنساني
وإذا نظرتكم بعين خيانة … قام الغرام بشافع عريان
إن لم يخلصني الغرام بجاهته … سافرت تحت عقوبة الهجران
ومنها:
أصبحت تخرجني بغير جناية … من دار إعزاز لدار هوان
كدم الفصاد يراق أرذل موضع … أبدا ويخرج من أعز مكان
توفي في سنة تسع وستين وخمسمائة- رحمه الله تعالى.
١٦٨ - القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري، أبو محمد (٢):
من أهل البصرة. قرأ الأدب على أبي الفضل بن محمد القصباني بالبصرة، ثم قدم بغداد، وقرأ على أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي، وتفقهعلى أبي نصر بن الصباغ وأبي إسحاق الشيرازي، وقرأ الفرائض والحساب على أبي حكيم الخبري، وسمع
стр. 154
الحديث بالبصرة من أبي تمام محمد بن الحسن المقرئ وأبي القاسم الفضل بن محمد بن علي النحوي وأبي القاسم الحسين بن أحمد بن الحسين الباقلاني وغيرهم.
وقدم بغداد بعد الخمسمائة وحدث بها، يحرف حديثه عن شيوخه، وبالمقامات.
روى عنه الشريف أبو علي الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل على الله وأبو الفضل بن ناصر الحافظ. وكان من الفصاحة والبلاغة وحسن العبارة ورشاقة الألفاظ وملاحة النثر وحلاوة النظم على طريقة لم يسبقه من كان قبله، ولم يدركه من جاء بعده. وجمع المقامات الخمسين التي سارت في الدنيا سير الشمس، وتلقاها الناس بالقبول، وعقد على بلاغتها الخناصر.
قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن النقور البزاز: سمعت أبا محمد الحريري صاحب «المقامات» يقول: أبو زيد السروجي كان سجّاعا بليغا، ورد علينا البصرة، فوقف يوما في مسجد يتكلم، ويسأل الناس شيئا، وكان بعض الولاة حاضرا والمسجد غاص بالفضلاء، فأعجبهم بفصاحته؛ وذكر أسر الروم ابنته كما ذكرنا في المقامة الحرامية، وهي الثامنة والأربعون، قال: فاجتمع عندي عشية ذلك اليوم جماعة من الفضلاء، فحكيت لهم ما شاهدت من ذلك السائل من لطافة عبارته في تحصيل مراده، فحكى كل واحد من جلسائي أنه شاهد من هذا السائل مثل ما شاهدت، وأنه سمع منه في معنى آخر فصلا أحسن مما سمعت، وكان يغير في مسجد زيه وشكله، ويظهر في فنون احتياله فضله؛ فتعجبوا من جرأته في ميدانه وإمعانه في إحسانه.
قال الحريري: فابتدأت في إنشاء المقامة الحرامية تلك الليلة حاذيا حذوه؛ فلما فرغت منها أقرأنيها جماعة من الأعيان، فاستحسنوها في غاية الاستحسان، وأنهوا ذلك إلى وزير السلطان، واقترحوا عليّ أخواتها، والله المستعان؛ حكى لما قدم ابن الحريري بغداد وكان الناس يهتفون بفضائله ويسارعون (١) إلى إلقائه وسماع كلامه، فحضر إليه فيمن حضر ابن حكينا (٢) الحريمي المنبوز بالبرغوث، فلم يجده على ما كان يظنه من الفصاحة واللسن، فنظم أبياتا، منها:
شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان وقد … ألجمه في العراق بالخرس
стр. 155
قال ابن السمعاني: مولد ابن الحريري في سنة ست وأربعين وأربعمائة.
وتوفي في ثامن رجب سنة ست عشرة وخمسمائة بالبصرة وعمره سبعون سنة.
стр. 156
حرف الميم
١٦٩ - مالك بن أحمد بن علي بن إبراهيم البانياسي، أبو عبد الله بن أبي بكر المالكي الفراء (١):
سمع أبا الحسن أحمد بن محمد بن الصلت وأبوي الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطّان وعلي بن محمد بن محمد بن عبد الله بن بشران وأبا الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ، وهو آخر من حدث عن ابن الصلت.
قال السلفي: سألت المؤتمن الساجي عن مالك البانياسي، فقال: كنت أراه قبل دخولي خراسان جالسا في السوق، فلم تطب نفسي بالسماع منه، كان ثقة فيما حدث به، تلّاء للقرآن. وقال السلفي أيضا: سألت شجاع الذهلي عن البانياسي، فقال: هو أبو عبد الله المالكي، سمعت منه شيئا عن ابن الصلت، وكان صدوقا.
قال شجاع الذهلي: وقع حريق في تاسع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين وأربعمائة بنهر المعلّى فاحترق فيه أبو عبد الله مالك المالكي، ودفن من الغد بالجانب الغربي.
وقد رثاه أبو القاسم عبد الغني بن محمد بن حنيفة الباجرائي:
لن يجمع الله بين مالك … بعد احتراق وبين مالك
وهلكه هاهنا شهيدا … أشر من هلكه هنالك
١٧٠ - المبارك بن الحسن بن أحمد بن علي بن فتحان بن منصور الشهرزوري، أبو الكرم المقرئ (٢):
من ساكني دار الخلافة. أحد الشيوخ القراء المجوّدين بحفظ القراءات وطرقها ومعرفة وجوهها. وصنف في ذلك كتابا سماه «المصباح في القراءات الصحاح». وكان عالما فاضلا أديبا، حسن الطريقة، قرأ القرآن بالقراءات على الشريف أبي الفضل عبد القاهر بن عبد السلام العباسي وأبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي وأبي المعالي ثابت بن بندار البقال في آخرين. وسمع الحديث الكثير بنفسه، وكتب بخطه، وحصّل الأصول، سمع رزق الله التميمي وطراد الزينبي وإسماعيل بن مسعدة
стр. 157
الإسماعيلي ونصر بن البطر القارئ. وأجازه أبو الحسين بن النقور في آخرين.
قال ابن السمعاني: ابن الشهرزوري شيخ صالح، حسن السيرة، قيم بكتاب الله، عارف باختلاف القراءات، جيد الأخذ على الطلاب، كتبت عنه؛ وذكر أن مولده سابع عشر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وأربعمائة.
وتوفي في ليلة ثاني عشر ذي الحجة سنة خمسين وخمسمائة.
١٧١ - المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم بن أحمد بن عبد الله بن الصّيرفيّ، أبو الحسين بن أبي القاسم، المعروف بابن الطيوري (١):
من أهل الكرخ. محدّث بغداد ومسندها، سمع العالي والنازل. وكان أكثر مشايخ وقته سماعا، وأعلاهم إسنادا، وكتب بخطه ما لا يدخل تحت حصر. سمع أبا علي بن شاذان وأبا القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي وأبا عبد الله الحسين بن علي الصّيرفيّ وأبا الفرج الحسين بن علي الطناجيري وأبا طالب بن غيلان وأبا طاهر محمد ابن علي بن العلاف وأبا إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي والحسن بن علي الجوهري في آخرين. وسافر إلى البصرة فسمع بها أبا علي الحسن بن علي الشاموخي، وبواسط القاضي أبا جعفر محمد بن إسماعيل العلوي في آخرين.
وحدث بجميع مروياته. وروى عنه الأئمة والحفّاظ شرقا وغربا. روى عنه الحافظان أبو عامر العبدري وأبو عبد الله الحميدي وأبو منصور الجواليقي وعبد الوهاب الأنماطي والحافظ أبو طاهر السلفي في آخرين من الحفاظ والأئمة.
قال أبو نصر اليونارتي في معجم شيوخه وقد ذكر ابن الطيوري فقال: ثقة، ثبت، كثير الأصول، يحب العلم وأهله.
وقال أبو بكر بن الخاضبة: ابن الطيوري ممن يستسقى بحديثه.
أخبرنا شهاب الحاتمي قال: سمعت ابن السمعاني يقول: كان المؤتمن الساجي سيئ الرأي في ابن الطيوري، وكان يرميه بالكذب ويصرح بذلك مع أنه سمع منه الحديث
стр. 158
وكتب عنه، وما رأيت أحدا من مشايخنا الثقات يوافق المؤتمن على ذلك، فإني سألت جماعة من مشايخنا عنه مثل عبد الوهاب بن الأنماطي وابن ناصر فأثنوا عليه ثناء حسنا، وشهدوا له بطلب الحديث والصدق والأمانة وكثرة السماع.
وقال محمد بن علي بن فولاذ الطبري: سألت أبا غالب الذهلي عن ابن الطيوري، فقال: لا أقول إلا خيرا، اعفني عن هذا! فألححت عليه وقلت له: رأينا سماعه- أنا والسمعاني (١) - بكتاب «الناسخ والمنسوخ» لابن عبيد ملحقا على رقعة ملصقا بالكتاب وكتاب «الفصل» لداود بن المجير كان سماعه إلى البلاغ بخط ابن خيرون، فأتم هو السماع للجميع بخطه؟ فقال: نعم! وغير ذا؟. وذكر المجلس عن الحرفي، فقال:
قط لم يسمع منه، وأخرجه في جزازة له بخطه، قالوا له: فأين كان إلى الساعة؟ قال:
كان قد ضاع، وجدته الآن. وقال الأسدي أيضا قريب منه.
وذكره السلفي وأثنى عليه، ثم قال بعد كلام له: كتبت عنه فأكثرت، وأخرج لي في جملة ما أخرج في سنة أربع وتسعين جزءا من حديث ما روى الخطابي كان يرويه عن أبي بكر بن النمط المقرر عنه فكتبته، وكان سماعا ملحقا بخطه، فحضرنا المجلس للقراءة على العادة، فأعطيته المؤتمن الساجي، فنظر فيه فرأى الإلحاق، فقال لي: رأيت هذا التسميع؟ قلت: نعم، والشيخ ثقة، جليل القدر، ربما نقله من نسخة أخرى وما ذكره ولا أحال عليه؛ فقال: نعم، يحتمل منه لأنه ثقة كبير. ثم رأيت بعد ذلك من هذا الخط غير جزء ابن النمط، أراني المؤتمن ومحمد بن منصور السمعاني، وكان أبو نصر محمود الأصبهاني حاضرا، فذكر أنه وقف على مثل هذا، قال: والعلة فيه أنه صاحب كتب كثيرة تنقل من نسخة إلى نسخة أخرى ولا يذكر الطبقة، وكذا التسميع اتكالا على ثقته. وحلف أبو نصر بالله أنه رأى مثل ذلك في أجزائه؛ ثم وجد في كتبه الأصول التي نقل منها. وأنا بعد وقفت على مثل ما ذكره أبو نصر، فالله أعلم.
مولده في ربيع الأول- وقيل: في ربيع الآخر- سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
وتوفي في ليلة منتصف ذي القعدة سنة خمسمائة، ودفن بباب حرب. وكان صالحا.
١٧٢ - محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذاني، أبو الخطاب، الفقيه الحنبلي (٢):
стр. 159
درس الفقه على أبي يعلى بن الفراء، وصار إمام وقته وشيخ عصره، يدرّس ويفتي، وصنّف في المذهب والأصول؛ وكانت له يد حسنة في الأدب، ويقول الشعر اللطيف.
سمع الحديث من أبي محمد الحسن بن علي الجوهري وأبي طالب محمد بن علي العشاري والحسن بن غالب بن المبارك وأبي جعفر محمد بن المسلمة في آخرين، وكتب بخطه كثيرا من مسموعاته. روى عنه ابن ناصر والمبارك بن مسعود الغسال.
ومن شعره:
إن كنت يا صاح بوجدي عالما … فلا تكن لي في هواهم لائما
وإن جهلت ما ألاقي بهم … فانظر ترى دموعي السواجما
هم قتلوني بالصدود والقلى … وما رعوا في قتلي المحارما
يا من يخاف الإثم في قتلي ما … تخاف في سفك دمي المآثما؟
هبني رضيت أن تكون قاتلي … فهل رضيت أن تكون ظالما؟
سلوا النجوم بعدكم عن مضجعي … قل قرّ جنبي أو رأتني نائما؟
واستقبلوا الشمال كيما تنظروا … من حرّ أنفاسي بها شمائما
وهذه الأيك سلوا الأيك ألم … أعلّم النوح بها الحمائما
لقد أقمت بعد أن فارقتكم … على فؤادي بينهن قائما
وله:
وقرّبتني حتى تملكت مهجتي … وصرت حجابا بين قلبي والعذل
وأضرمت نيران الجوى في جوانحي … وأجريت دمعي [بين] (١) سكب ومنهل
تجافيت إما قاتلي أو معذبي … فهل لك نفع في عذابي وفي قتلي؟
خف الله في سفك الدماء فربما … ندمت على التفريط في موقف العدل
وقالوا ألا ينهاك عقلك عنهم … فقلت وهل أحببتهم ومعي عقلي
لقد بعتهم حلمي بحلو وصالهم … فخانوا فلا بالحلم فزت ولا الوصل
مولّد محفوظ الكلوذاني في ثاني شوال سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة.
وتوفي ببغداد في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة عشر وخمسمائة، وقيل: في رابع
стр. 160
عشر منه، ودفن إلى جانب الإمام أحمد.
١٧٣ - محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري، أبو القاسم النحوي (١):
من أهل خوارزم، وزمخشر إحدى قراها. كان إماما في النحو واللغة، تشدّ إليه الرحال، وله في ذلك مصنفات. وكان فصيحا بليغا علّامة، قدم بغداد قبل الخمسمائة، وسمع بها من أبي الخطاب بن البطر، وتوجه إلى الحجاز فحجّ وأقام هناك مدة مجاورا، وعاد إلى خوارزم وأقام بها؛ ثم قدم بغداد بعد الثلاثين وخمسمائة.
لما قدم الزمخشري بغداد للحج جاءه الشريف أبو السعادات بن الشجري مهنّئا له بقدومه، فلما جالسه أنشده الشريف:
كانت مساءلة الركبان تخبرني … عن أحمد بن علي أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت … أذني بأحسن مما قد رأى بصري
وأنشده:
وأستكبر الأخبار قبل لقائه … فلما التقينا صغر الخبر الخبر
وأثنى عليه، ولم ينطق الزمخشري حتى فرغ الشريف من كلامه، فلما فرغ شكر الشريف وعظمه وتصاغر له وقال: إن زيد الخيل دخل على رسول الله ﵇، فحين بصر بالنبي ﷺ رفع صوته بالشهادتين، فقال له الرسول: يا زيد الخيل! كل رجل وصف لي وجدته دون الصفة إلا أنت، فإنك فوق ما وصفت، ودعا له وأثنى عليه. قال: فتعجب الحاضرون من كلامهما لأن الخبر كان أليق بالشريف والشعر كانأليق بالزمخشري.
ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر، يعني الزمخشري:
وقائلة ما هذه الدرر التي … تساقطها عيناك (٢) سمطين سمطين
فقلت هو الدر الذي قد حشا به … أبو مضر أذني تساقط من عيني
مولده في سابع عشرين رجب سنة سبع وستين وأربعمائة.
وتوفي في ليلة عرفة من سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بكركانج، وهي قصبة خوارزم
стр. 161
- قاله ابن السمعاني.
١٧٤ - مسعود بن المحسن بن الحسن بن عبد الرزاق بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو جعفر الهاشمي، المعروف بابن البياضي (١):
شاعر مجود، رقيق الشعر، عذب الألفاظ، مليح المعاني. روى عنه أبو غالب الذهلي وأبو القاسم بن السّمرقندي.
ومن شعره قوله:
يقولون لي إن كان سمعك عاشقا … فما بال دمع العين في الخد جاريا
فقلت لهم قد لمت طرفي، فقال لي: … أتمنعني من أن أساعد جاريا
وقال:
يا من لبست بهجره ثوب الضنا … حتى خفيت به عن العواد
وأنست بالسهر الطويل فأنسيت … أجفان عيني كيف كان رقادي
إن كان يوسف بالجمال مقطّع ال … أيدي فأنت مقطّع الأكباد
توفي ابن البياضي في سادس عشر ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة ببغداد.
ولابن البياضي أيضا:
ليس لي صاحب معين سوى اللي … ل إذ طال بالصدود عليّا
أنا أشكو بعد الحبيب إليه … وهو يشكو بعد الصباح إليّا
وله:
ألفت الضنا من بعدكم فلو انه … يزول إذا عدتم حننت إليه
وصار البكا لي مؤنسا فلو أنه … تغيّب عن عيني بكيت عليه
١٧٥ - المظفر بن الفضل بن يحيى، العلوي الحسيني، أبو علي بن أبي القاسم (٢):
قرأ الأدب وحفظ أشعار العرب، وقال الشعر في صباه فأجاد، ولم يزل في ارتفاع
стр. 162
من فضله وتحصيله وجودة نظمه ونثره وحسن عبارته وعذوبة ألفاظه ورشاقة معانيه وملاحة خطه، وسمع الحديث.
أنشدني أبو علي المظفر الحسيني لنفسه:
كيف يشتاقك قلب … أنت في السوداء منه
إنما يشتاقتك التطر … ف الذي قد غبت عنه
وأنشدنا لنفسه:
ومفعمة الحجلين تشكو وشاحها … إلى القلب ما أشكوه من قلق الوجد
أتتني وقد نام السمير ولم أكن … على طمع في الوصل منها ولا الوعد
فبتنا جميعا والعفاف رقيبنا … وكفّ على كف وخد على خد
مولده بالموصل في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
١٧٦ - معمر بن عبد الواحد بن رجاء بن عبد الواحد بن محمد بن الفاخر بن أحمد بن القاسم بن الفاخر بن محمد بن النعمان بن المنذر بن إسماعيل بن لقيط بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن كثير بن ربيعة بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو أحمد الق رشي (١):
من أهل أصبهان. كان من وجوه عدولها. طلب الحديث من صباه، وسمع ببلده من أبي الفتح أحمد بن محمد الحداد وأبي القاسم غانم بن محمد البرجي وأبي علي الحسن ابن أحمد الحداد في آخرين من أصحاب أبي نعيم الحافظ. وقدم بغداد بعد العشرين وخمسمائة وسمع بها أبا القاسم بن الحصين وأبا نصر بن رضوان وأبا غالب بن البناء، وعاد إلى أصبهان مشغولا بالسماع والقراءة على المشايخ؛ وقدم بغداد بعد ذلك تسع مرات ليسمع ويسمع أولاده ويحدّث. كتب الكثير، وكان موصوفا بالحفظ والمعرفة والثقة والصلاح والورع. وأملى عدة سنين، وصنّف وخرّج.
قال ابن السمعاني: معمر بن الفاخر أبو أحمد شاب كيّس، حسن الصحبة، جميل المعاشرة، سخي النفس، متوددا، يراعي حقوق الأصدقاء ويقضي حوائجهم، اصطحبنا بأصبهان مدة مقامي بها، وأكثر ما سمعت بإفادته، وكان يدور معي من
стр. 163
الصباح إلى الليل على الشيوخ، كتب لي جزءا عن شيوخه، وحدثني به.
مولده لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وأربعمائة.
وتوفي في ثالث عشر ذي قعدة سنة أربع وستين وخمسمائة بطريق الحجاز بين مغيثة والواقصة عند المسجد المعروف بمسجد سعد، ودفن هناك. سمع منه الأئمة والحفاظ- ﵀.
١٧٧ - مكرم بن محمد بن حمزة بن محمد بن أحمد بن سلامة بن أبي الصقر، أبو المفضل القرشي (١):
من أهل دمشق. سمع أبا يعلى حمزة بن علي بن الحبوبي الثعلبي وحمزة بن أسد بن القلانسي وأبا محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن الداراني في آخرين، وكان صحيح السماع. قدم بغداد وحدّث بها؛ وكان عسرا في الرواية.
مولده في رجب سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
وتوفي بدمشق في ثاني رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة.
١٧٨ - منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد، أبو القاسم بن أبي المعالي، الصاعدي الفراوي (٢):
من أهل نيسابور، من أولاد المحدثين. سمع أباه وجده وجد أبيه وأبا القاسم زاهر ابن طاهر الشحامي وأبا محمد عبد الجبار بن محمد الخواري في آخرين. وقدم بغداد وحدّث بها. وكان شيخا نبيلا ثقة صدوقا، حسن الأخلاق متوددا.
مولده في رمضان سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.
وتوفي في ليلة السبت لسبع خلون من شعبان سنة ثمان وستمائة. وحدّث بالكثير.
١٧٩ - منوجهر بن محمد بن تركانشاه بن محمد بن الفرج، أبو الفضل بن أبي الوفاء الكاتب (٣):
كان أديبا فاضلا صادقا، حسن الطريقة صدوقا. سمع أباه وأبا عبد الله هبة الله بن أحمد الموصلي وأبا القاسم علي بن أحمد بن بيان في آخرين، وسمع المقامات للحريري
стр. 164
منه ورواها عنه مرارا، وهو آخر من روي عنه المقامات. روى عنه ابن السمعاني- ومات قبله، وروى عنه أيضا ابن الأخضر وابن الحصري وأحمد بن البندينجي.
مولده في ثاني عشر شوال سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
وتوفي ببغداد في منتصف جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ودفن بباب حرب بوصيّة منه.
١٨٠ - المؤتمن بن أحمد بن علي بن الحسين بن عبيد الله، الربعي الساجي الديرعاقولي، أبو نصر بن أبي منصور بن أبي الحسن، الحافظ، يعرف بالمقدسي (١):
حافظ، كامل، ثقة، نبيل، مجيد، واسع الرحلة، كثير الكتابة، صحيح النقل، جيد الضبط، حجّة. سمع أبا الحسين بن النقور وأبا القاسم عبد العزيز الأنماطي وعلي بن أحمد بن البسري. ورحل إلى الشام فسمع ببيت المقدس أبا عثمان محمد بن أحمد بن ورقاء الأصبهاني، وبصور الحافظ أبا بكر الخطيب، وبحلب أبا محمد الحسن بن مكي الشيزري، وعاد إلى العراق وسمع بأصبهان أبا عمرو عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن مندة، وسمع بنيسابور أبا بكر أحمد بن خلف الشيرازي، وبهراة عبد الله بن محمد الأنصاري في آخرين؛ وعاد إلى بغداد، وانقطع إلى حين وفاته. حدّث باليسير. روى عنه سعد الخير الأنصاري وأبو الفضل بن ناصر الحافظ في آخرين.
قال أبو الوقت عبد الأول بن عيسى: كان الإمام عبد الله الأنصاري إذا رأى مؤتمنا [قال]: لا يمكن أحدا أن يكذب على رسول الله ﷺ ما دام هذا حيا.
قال أبو سعد بن السمعاني: سمعت عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامي يقول: أقام المؤتمن عندنا بهراة قريبا من عشر سنين وقرأ ونسخ بخطه الكثير، كتب جامع الترمذي ست مرات، وكان فيه قناعة وعفة واشتغال بما يعنيه.
قال الحافظ أبو طاهر السلفي: لم يكن ببغداد أحسن قراءة للحديث من المؤتمن الساجي، كان لا يملي قراءته وإن طالت.
أنبأنا ذاكر بن كامل عن أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي. قال: ورأيت أنا من تساهله- يعني أبا نصر الساجي- أنّا كنا بنيسابور سنة ثمان وسبعين وكنا نحضر مجلس أبي بكر أحمد بن علي بن خلف الأديب، وكان لكل واحد منا نوبة يقرأ فيها، فظهر
стр. 165
سماع الشيخ في الجزء الثاني من تفسير سفيان بن عيينة فقرأنا عليه، فلما كان يوم نوبتي، أخذ في قراءة الأول (١) من التفسير، فقلت له: وجدت السماع في الأول؟
قال: لا، قلت: فلم تقرأه؟ قال: تراه سمع الثاني ولم يسمع الأول؟ فذكرت ذلك للشيخ فمنعه من القراءة.
مولد الساجي في صفر سنة خمس وأربعين وأربعمائة.
وتوفي في سابع عشر صفر سنة سبع وخمسمائة ببغداد، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل.
١٨١ - المؤتمن بن نصر بن أبي القاسم بن أبي الحسن، أبو القاسم بن أبي السعود التاجر (٢)، عرف بابن قميرة (٣):
من أهل باب الأزج. سمع شهدة بنت الأبري، كتبت عنه، وهو شيخ حسن لا بأس به. سألته عن مولده فقال: سنة خمس وستين وخمسمائة- هذا آخر كلام ابن النجار المؤلف.
قلت: وتوفي ببغداد في ليلة السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة خمسين وستمائة ببغداد، وكان يسمى يحيى. وسمع أيضا من الحسن بن محمد بن شيرويه وأبي الرضا محمد بن بدر الشيحي وتجني بنت عبد الله الوهبانية، وحدث ببغداد ومصر.
سمع منه شيخنا محمد بن محمد بن عيسى الصوفي كتاب «الفرج بعد الشدة». سمعت عليه أحاديث منتقاة منه.
١٨٢ - موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن بن محمد بن الجواليقي، أبو منصور بن أبي طاهر اللغوي (٤):
إمام أهل عصره في معرفة اللغة وكلام العرب، والمرجوع إليه في ذلك. قرأ الأدب على التبريزي ولازمه حتى نقل عنه كثيرا؛ وسمع الحديث من أبي القاسم علي بن أحمد ابن البسري وأبي طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصفر وطراد الزينبي ونصر بن أحمد بن البطر القارئ في آخرين. وكتب بخطه الكثير من كتب الأدب والحديث، وكان خطه مليحا، وضبطه صحيحا، وعلى خطه الاعتماد. روى عنه الأئمة ابن الجوزي وأبو
стр. 166
اليمن الكندي. وكان ثقة صدوقا حجّة نبيلا.
قال أبو سعد بن السمعاني: موهوب بن الجواليقي إمام في اللغة والأدب؛ وهو من مفاخر بغداد؛ وهو متدين ورع، غزير الفضل، وافر العقل، مليح الخط، كثير الضبط، صنّف التصانيف وانتشرت عنه، وشاع ذكره؛ ونقل بخطه الكثير، كتبت عنه.
وسألته عن مولده فقال: في سنة ست وستين وأربعمائة- وقيل: مولده في سنة خمس وستين في ذي القعدة، وتوفي في منتصف محرم سنة أربعين وخمسمائة ببغداد، وصلى عليه بجامع القصر، ودفن بباب حرب.
стр. 167
حرف النون
١٨٣ - ناصر بن عبد السيد بن علي المطرزي، أبو الفتح بن أبي المكارم، الأديب (١):
من أهل خوارزم. كان في أعيان مشايخها، قرأ الأدب على [أبي] (٢) المؤيد الموفق ابن أحمد بن علي المكي خطيب خوارزم وعلى والده أبي المكارمحتى برع في معرفة النحو واللغة، وصنّف كتبا حسانا، وشرح المقامات لابن الحريري وكان قد قرأ طرفا من الفقه على مذهب أهل العراق، وشيئا من الكلام على مذهب المعتزلة. وكان شديد التعصب، داعية إلى الاعتزال. قدم علينا في آخر سنة إحدى وستمائة، فحج وعاد. سمع الحديث من أبي عبد الله محمد بن علي بن أبي سعيد التاجر.
أنشدنا ناصر المطرزي لنفسه:
وزند ندى فواضله ورى … ورند ربى فصائله نضير
ودر جلاله أبدا ثمين … ودر نواله أبدا غزير
مولده في رجب سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.
وتوفي بخوارزم في الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة عشر وستمائة. وكان مولده بخوارزم.
١٨٤ - نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، أبو الفتح الكاتب، المعروف بابن الأثير (٣):
من أهل جزيرة ابن عمر، ولد بها في آخر شعبان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وقرأ الأدب وعانى البلاغة والإنشاء حتى حاز قصب السبق في ذلك. وصنّف مصنفات في الأدب، وولى الوزارة للملك الأفضل على بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. ثم سكن الموصل، وكان ذا لسان وعارضة وفصاحة وبيان. قدم بغداد مرارا رسولا من الموصل. وحدّث ببغداد و «بكتابه المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر».
стр. 168
ومن شعره قوله:
رضيت بما يرضى به لي بحبه … وقدت إليك النفس قود المسلم
ومثلك من كان الفؤاد شفيعه … يكلمه عني ولم أتكلم
قدم رسولا في منتصف ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة. فبقى أياما ومرض، وتوفي في تاسع عشري الشهر المذكور، ودفن بمقابر قريش- ﵀.
[قال الشيخ ذكي الدين في وفياته: توفي ابن الأثير في أحد الجمادين من السنة.
وقال: مولده في العشرين من شعبان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بجزيرة ابن عمر.
وكان يلقب ضياء الدين- ﵀] (١).
١٨٥ - نصر الله بن هبة الله بن عبد الباقي بن هبة الله بن الحسين بن يحيى بن بزاقة الغفاري الكناني، أبو الفتح الكاتب (٢):
من أهل مصر. سكن دمشق، وكان خصيصا بالملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب، ثم بابنه داود من بعده، وقدم معه بغداد في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وأقام بها مدة، وكتبنا عنه. وهو أديب فاضل، مليح النظم والنثر، ظريف، حسن المجالسة، طيب المحاضرة.
أنشدني أبو الفتح نصر الله بن هبة الله المصري لنفسه:
ولما أبيتم سادتي عن زيارتي … وعوضتموني بالعباد عن القرب
ولم تسمحوا بالوصل في حال يقظتي … ولم يصطبر عنكم لرقته قلبي
نصبت لصيد الطيف نومي حباله … فأدركت خفض العيش في النوم بالنصب
وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن هبة الله لنفسه:
ما لك في الخلق عاشق مثلي … فكيف تختار في الهوى قتلي
إن أنكرت مقلتاك سفك دمي … خلى بخديك شاهدا عدل
لكنني غير طالب قودا منك … ولا راغبا إلى عقل
ولا ليوم المعاد أدخره … بل أنت منه في أوسع الحل
يا فارغ القلب جد على دنف … فؤاده من هواك في شغل
وعدتني إن تزورني فعسى … تقصر عما أطلت من مطل
стр. 169
مرارة الهجر ذقتها فمتى … تذيقني من حلاوة الوصل؟
يا عاذلي فيه عد على عذل … فلست أصغى فيه إلى العذل
أمرت بالصبر عن تذكره … من لي إن اسطعته من لي؟
لكن هواه غطاء على بصري … وسمعي فالفؤاد في خبل
فكيف أصغى لما يقول بلا سمع … ولا ناظر ولا عقل؟
سألت أبا الفتح بن البزاقة عن مولده، فقال: ولدت في رجب سنة تسع وسبعين وخمسمائة.
١٨٦ - نصر بن أحمد بن عبد الله بن البطر، البزاز، أبو الخطاب بن أبي بكر القارئ (١):
من ساكني باب الغرمة. سمع بإفادة أخيه من أبي محمد عبد الله بن عبيد الله بن يحيى البيع وأبي حفص عمر بن أحمد بن عثمان البزاز العكبري وأبي الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه وأبي بكر أحمد بن طلحة بن هارون المنقى وأبي طالب مكي بن علي ابن عبد الرزاق الحريري في آخرين. وعمر حتى تفرد بالرواية عن جماعة من شيوخه.
روى عنه الحفاظ كعبد الوهاب الأنماطي وأبي القاسم بن السّمرقندي ومحمد بن ناصر وسعد الخير الأنصاري وأبي طاهر السلفي في آخرين.
قال الحافظ أبو طاهر السلفي: سألت شجاع الذهلي عن نصر بن أحمد بن البطر، فقال: حدث عن جماعة، وكان مريب الأمر، ليّنا في الرواية.
قال السلفي: راجعته في ذلك وقلت: ما عرفنا مما ذكرت شيئا، وما قرئ عليه شيء يشك فيه، وسماعاته كالشمس وضوحا، فقال: لعمري هو كما ذكرت، غير أني وجدت في بعض ما كان له به نسخة سماعا يشهد القلب ببطلانه، ولم يحمل عنه شيء من ذلك.
كتب إليّ علي بن المفضل الحافظ بن علي بن عتيق الأنصاري أخبره عن القاضي عياض بن موسى التجيبي قال: سألت القاضي أبا علي الحسين بن محمد الصوفي المعروف بابن سكرة عن نصر بن البطر، فقال: شيخ مستور ثقة.
سأله السلفي عن مولده فقال: سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
стр. 170
وتوفي في سادس عشر ربيع الأول سنة أربع وتسعين وأربعمائة، ودفن بباب حرب.
١٨٧ - نصر بن محمد بن علي بن أبي الفرج، أبو الفتوح بن أبي الفرج بن الحصري الوقاياتي الحافظ (١):
من أهل همذان. قرأ القرآن بالقراءات على أبي بكر محمد بن عبيد الله بن الزاغوني والمبارك بن الحسن بن الشهرزوري في آخرين. ثم إنه قرأ الأدب وحصّل منه طرفا صالحا وطلب الحديث، وصحب الحافظ أبا بكر الباقداري وأخذ عنه علم الحديث، سمع أبا الوقت عبد الأول وأبا المظفر هبة الله بن أحمد بن محمد بن الشبلي وأبا محمد محمد بن أحمد بن عبد الكريم المادح وأبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطي وأبا القاسم هبة الله بن الحسن بن هلال وأبا بكر أحمد بن المقرب الكرخي وأبا القاسم هبة الله بن الفضل المتوثي في آخرين. ولم يزل يسمع ويقرأ إلى أواخر عمره.
سمعنا منه وبقراءته، وكان يقرأ قراءة صحيحة إلا أنه يدغمها بحيث لا يفهم، ويكتب خطّا رديئا جدا؛ وكان من حفاظ الحديث العارفين بفنونه، متقنا ضابطا، غزير الفضل، كثير المحفوظ، ثقة صدوقا حجة نبيلا، من أعلام الدين وأئمة المسلمين. وكان يصوم الدهر ويكثر التلاوة. وخرج عن بغداد إلى مكة، وجاور بها نيفا وعشرين سنة، مديما للصيام والقيام، ويكثر الطواف والعمرة حتى أنه يكون يطوف في كل يوم وليلة سبعين أسبوعا. ثم إنه خرج من مكة في آخر عمره لما اشتد القحط، سافر إلى اليمن، فأدركه أجله بها.
سألت ابن الحصري عن مولده، فقال: أخبرني والده أنه في رمضان سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
وبلغنا أنه توفي باليمن في بلدة تعرف بالمهجم في المحرم، وقيل في شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة- والله أعلم.
стр. 171
حرف الهاء
١٨٨ - هبة الله بن الحسن بن المظفر بن الحسن بن السّبط الهمذاني أبو القاسم (١):
من أولاد المحدثين. أسمعه والده الكثير في صباه، وعمّر حتى حدّث بالكثير، وانفرد بأكثر مسموعاته؛ وكان شيخنا قيّما ذكيا متأدّبا، لطيف المحاضرة، وفيّا، حلو الاستشهاد؛ وكان يعمل من الطرف والملح أشياء غريبة، من ذلك أنه عمل شطرنجا كاملا من آبنوس وعاج وزنه حبتان وأرزة، وأنه كان ينقله بالسفت الذي يكون للصائغ لأن الأنامل تعجز عن ضبطه لصغره وخفائه وكان على قدر حبة الخردل. ثم إن أبا القاسم هذا كبر وعجز وافتقر واحتاج إلى الناس، فساءت أخلاقه، وصار وسخا قذرا في جميع أحواله، لا يتنزه عن النجاسات، ولم يكن في دينه بذاك، فكان عسرا في التحديث، وكان يبغض هذا الشأن ويسبّ أباه كيف أسمعه الحديث. سمع أباه وأبا نصر أحمد بن عبد الله بن رضوان وأبا العز أحمد بن كادش وهبة الله بن الحصين وأبا الحسين محمد بن محمد بن الحسين بن الفراء ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري في آخرين. وكان صدوقا، صحيح السماع.
سألته عن مولده فقال: في سنة عشر وخمسمائة، وقرأت بخط والده: قال ولد ولدي هبة الله في ليلة الحادي والعشرين من رجب سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
وتوفي في عشري محرم سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ببغداد، ودفن من الغد بالقصرية.
آخر الجزء السابع من «المستفاد من ذيل تاريخ بغداد».
стр. 172
الجزء الثامن من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد
للحافظ محب الدين أبي عبد الله محمد بن محمود بن الحسن ابن النجار انتقاء كاتبه الواثق بالله أحمد بن أيبك بن عبد الله
стр. 173
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨٩ - هبة الله بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، أبو الحسين بن أبي محمد بن أبي الحسين، الفقيه الشافعي، المعروفبالصائن ابن عساكر:
أخو الحافظ أبي القاسم علي، وكان الأكبر. قرأ القرآن بالقراءات على أبي الوحش سبيع بن قيراط المقرئ، وسمع الحديث من الشريف أبي القاسم علي بن إبراهيم بن العباس العلوي وأبي طاهر بن الحنائي وأبي الحسن وأبي الفضل ابني الموازيني وأبي القاسم بن هلال، وقرأ الفقه على أبي الحسن علي بن المسلم ونصر الله ابن محمد المصيصي، ثم قدم بغداد في سنة عشر وخمسمائة وعلق درس الخلاف على أسعد الميهني، وقرأ أصول الفقه على أبي الفتح بن برهان، وأصول الكلام على أبي عبد الله بن القيرواني، وسمع الحديث من أبي علي محمد بن سعيد بن نبهان وأبي علي محمد بن محمد بن عبد العزيز بن المهدي.
قال ابن السمعاني: هبة الله بن عساكر من أهل دمشق، أحد من عني بجمع الحديث، وسمع الكثير، وكان طريفا فاضلا مطبوعا كيّسا معاشرا حريصا على طلب العلم.
وسألته عن مولده فقال: في رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وتوفي في الثالث والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وخمسمائة، ودفن بباب الصغير.
١٩٠ - هبة الله بن الحسين بن يوسف، أبو القاسم الأصطرلابي، المعروف ببديع الزمان (١):
كان وحيد عصره وفريد دهره في علم الهندسة والهيئة، وكانت له معرفة حسنة بالأدب، وشعر مليح، وقد دوّن شعره، وروى منه شيئا. سمع منه أبو محمد الخشاب وأبو الوفاء بن الحصين.
ومن شعره قوله:
قيل لي قد عشقته أمرد الخد … وقد قيل: إنه نكريش
стр. 174
قلت: فرخ الطاوس أحسن ما كا … ن إذا ما علا عليه الريش
وقال أيضا:
جدر لم التحى حبيبي … فماج في عشقه خصومي
وأرجفوا بالسلو عني … وشنعوا عنده لشومي
وكيف أسلو وقد رماني … خداه بالمقعد المقيم؟
وفروز الورد بالغتوا لي … ونقط البدر بالنجوم
وقال:
ولما بدا خط بخد معذبي … كظلمة ليل في ضياء نهار
تهتك ستري في هواه ولم أزل … خليع عذار في جديد عذار
وقال:
إن … (١) هوى ذوي العذر … عذرا كلما أعتم الملام تبلج
كان قتلي ورد الخدود وقد … صار بلاي ورد عليه بنفسج
وله:
صبها صرفا فلما … قابلت ضوء السراج
ظنها في الكأس نارا … وطفاها بالمزاج
توفي البديع في رابع عشرين جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، ودفن بالوردية.
١٩١ - هبة الله بن عبد الوارث بن علي بن أحمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم ابن جعفر بن بوزي، أبو القاسم الحافظ (٢):
من أهل شيراز. كان واسع الرحلة، جوّالا في الآفاق، مبالغا في الطلب والاجتهاد.
سمع بفارس والعراق وقومس وديار مصر والشام والثغور والسواحل، وجمع وخرّج وصنّف تاريخ شيراز، وكان من الحفاظ الثقات. سمع بشيراز أبا منصور عبد الجبار بن عبد العزيز المصري وأبا الفوارس عبد الوارث بن أحمد بن عبد الرحمن الواعظ،
стр. 175
وبأصبهان أبا الطيب عبد الرزاق بن عمر بن يوسف بن سمه التاجر وأبا بكر أحمد بن الفضل بن محمد الباطرقاني، وبهمذان أبا طالب ذا المحاسن بن الحسن بن علي الحسني، وبالكرخ أبا الصفا ناصر بن علي بن محمد الواعظ، وبعمان أبا الحسن علي بن أحمد ابن عبد العزيز الأنصاري، وبالبصرة أبا تمام محمد بن الحسن بن موسى المقرئ، وبواسط أبا تمام محمد بن الحسن العبدي، وبالكوفة أبا أحمد عبد الكريم بن المطلب بن محمد الهاشمي، وبالمدينة أبا علي الحسن بن أحمد بن عبد الله العثماني، وبصنعاء القاضي أبا الحسن أحمد بن محمد بن الحسن الأنباري، وبمصر أبا الحسين محمد بن مكي الأزدي وأبا محمد عبد الله بن عبيد الله بن محمد بن الحسن المحاملي وأبا إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله الحبال في آخرين، وقدم بغداد وسمع بها الشريفين أبا الحسين محمد بن علي بن المهتدي وأبا الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون والقاضي أبا يعلى بن الفراء في آخرين، وحدث.
قال يحيى بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن مندة: هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي قدم أصبهان مرات وكتب عن أصحاب ابن المقرئ، سافر كثيرا، وتغرّب في طلب الحديث. كثير الكتب، حسن الخلق، جميل الطريقة، كان يختلف إلى سماع الحديث إلى أن مات.
قال ابن السمعاني: توفي هبة الله الشيرازي في رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة بمرو، ودفن بجنب يعقوب بن على باب رباطه. وكان به علة البطن، وكان في الليلة التي مات في صبيحتها احتاج إلى القيام سبعين مرة؛ ففي كل نوبة كل يغتسل في النهر إلى أن توفي على الطهارة.
١٩٢ - هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة بن علي بن عبيد الله بن حمزة بن محمد بن عبيد الله بن علي الملقب بأغر بن الأمير عبيد الله المعروف بالطبيب بن عبد الله بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو السعادات بن أبي الحسن العلوي الحسني، المعروف بابن الشجري (١).
من أهل الكرخ. كان شيخ وقته في معرفة النحو. قرأ الأدب على الشريف أبي المعمر يحيى بن محمد بن طباطبا. قرأ عليه الأدب أبو محمد بن الخشاب وأبو اليمن
стр. 176
الكندي. وسمع كتاب المغازي لسعيد بن يحيى بن سعيد الأموي من أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصّيرفيّ ورواه عنه.
كان ابن الشجري قد أنشد شيئا من نظمه في مجلس علي بن طراد الوزير فلم يجد فيه، وكان ابن حكينا حاضرا، فعمل هذين البيتين ارتجالا:
يا سيدي والذي يعيذك من زلة … لفظ يصدى به الفكر
ما فيك من جدك النبي سوى … أنك لا ينبغي لك الشعر
قال ابن السمعاني: هبة الله بن الشجري النحوي نقيب الطالبيين، أحد أئمة النحاة، له معرفة تامة باللغة والنحو. صنّف في النحو تصانيف، وكان فصيحا، حلو الكلام، حسن البيان والإفهام.
قرأ الحديث بنفسه على جماعة من المتأخرين مثل أبي الحسين بن الطيوري وأبي علي بن نبهان، كتبت عنه.
مولده في رمضان سنة خمسين وأربعمائة.
وتوفي في السادس والعشرين من رمضان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ببغداد، ودفن في داره بالكرخ، وحدث.
١٩٣ - هبة الله بن المبارك بن موسى بن علي بن غنم بن خالد السقطي، أبو البركات (١):
طلب الحديث بنفسه، وسمع الكثير، وقرأ على المشايخ، وكتب بخطه، وحصل بجدّ واجتهاد، وسافر إلى واسط والبصرة والكوفة والموصل وأصبهان والجبال وسمع هناك، وبالغ في الطلب، وكتب عن المتقدمين والمتأخرين، حتى كتب عن أقرانه وعن جماعة حدثوه عن شيوخه. وكان حافظا، وله أنس بالأدب، ومعرفة بالسير والتواريخ وأيام الناس، وحدث باليسير؛ ولم يكن موثوقا به. كان متهافتا، قليل الإتقان، ضعيفا. سمع القاضي أبا يعلى محمد بن الحسين بن الفراء وأبا الحسين محمد بن علي بن المهتدي ومحمد بن أحمد بن النّرسيّ وأحمد بن محمد بن النقور وأبا جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة وأبا الغنائم محمد بن علي بن الدجاجي وأبا الحسن جابر بن ياسين الحنائي في آخرين. روى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي وعبد القادر بن أبي صالح الجيلي في آخرين. وخرّج لنفسه معجما في نيف وعشرين جزءا، وحدث به.
стр. 177
سأله السلفي عن مولده، فقال: في سنة ثمان وأربعين- يعني وأربعمائة.
قال ابن السمعاني: هبة الله بن السقطي، قرأت في معجم شيوخه: أنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه وأنا أسمع، وهذا محال!.
قرأت بخط أبي بكر بن فولاذ: ذاكرت شجاعا الذهلي برواية السقطي عن الجوهري، قال: ما سمعنا بهذا قط، وضعفه فيه جدا.
قال ابن السمعاني: سألت الحافظ أبا الفضل بن ناصر عن السقطي: أكان ثقة؟
فقال: لا والله، حدّث بواسط عن شيوخ لم يرهم، وظهر كذبه عندهم؛ وسمعت ابن ناصر غير مرة يقول: السقطي لا شيء، هو مثل نسبه من سقط المتاع.
توفي في يوم الاثنين رابع عشر ربيع الأول سنة تسع وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب حرب عند منصور بن عمار. وكان يتسامح فيما يرويه- قاله المبارك بن كامل الخفاف.
١٩٤ - هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن إبراهيم بن الحصين بن شيبان الشيباني، أبو القاسم بن أبي عبد الله الكاتب (١):
أسمعه والده في صباه من أبي علي بن المذهب مسند الإمام أحمد بن حنبل، وفوائد أبي بكر الشافعي من ابن غيلان، وأخبار اليشكري من الأمير أبي محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله، وتفرد برواية ذلك عنهم وسمع أيضا أبا القاسم علي بن المحسن التنوخي وأبا محمد الجوهري وأبا الطيب الطبري الفقيه وعمر، وقصده الطلاب من الأقطار، وصارت الرحلة إليه، وألحق الأبناء بالآباء، وسمع منه الحفاظ، كالحافظ أبي موسى وأبي القاسم بن السّمرقندي وابن الخشاب وابن طبرزد- وهو آخر من روى عنه. وكان قد خرّج له ابن ناصر أربعين مجلسا من أصول سماعاته، وأملاها بجامع القصر في كل جمعة بعد الصّلاة، فاستملاها عليه ابن ناصر، وكتبها الناس ورووها عنه. وكان شيخا حسنا متيقظا صدوقا صحيح السماع.
مولده في صفر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وقيل في رابع ربيع الأول.
وتوفي في رابع عشر شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب حرب- ﵀.
стр. 178
١٩٥ - هبة الرحمن بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن هوازن بن محمد بن عبد الملك بن طلحة القشيري، أبو الأسعد بن أبي سعيد بن أبي القاسم (١):
من أهل نيسابور، من بيت العلم والتصوف والإمامة. حضر على جده وسمع أباه وعميه أبا سعد عبد الله وأبا منصور عبد الرحمن وأبا صالح أحمد بن عبد الملك بن علي المؤذن وأبا نصر عبد الرحمن بن علي بن موسى التاجر وأبا بكر محمد بن إبراهيم ابن يحيى المزكي وأبا عمرو عبد الوهاب بن عبد الرحمن السلمي وأبا سعيد محمد بن عبد العزيز الصفار وجدّته فاطمة بنت أبي علي الدقاق في آخرين. وقدم بغداد وحدّث بها، وسمع بها من أبي القاسم بن بيان وغيره، وتفرد بالرواية عن جده.
أخبرنا الحاتمي أنّ ابن السمعاني قال: هبة الرحمن بن عبد الواحد القشيري خطيب نيسابور، وهو مقدم القشيرية بها، ويرجع إلى فضل ويمن ومعرفة بعلوم القوم، طريف، حسن الأخلاق؛ وحضرت مجلس إملائه، وسمعت جماعة من أصحابنا أنه ادّعى سماع الرسالة عن جده وغيرها من تصانيفه، وما ظهر له أصلا فيه سماعه عنه غير أجزاء من حديث أبي العباس السراج ومجالس من إملائه وكتاب عيون الأجوبة في فنون الأسئلة.
مولده في العشرين من جمادى الأولى سنة ستين وأربعمائة.
وتوفي يوم الأربعاء ودفن يوم الخميس رابع عشر شوال سنة ست وأربعين وخمسمائة، ودفن عند أجداده بنيسابور.
١٩٦ - ياقوت بن عبد الله الرومي، أبو عبد الله الكاتب، مولى عسكر، الحموي التاجر (٢):
قرأ الأدب وكتب الخط المليح، وجالس العلماء، وسمع الحديث، وكتب من الأدب كثيرا، وصنف كتبا حسنة مفيدة، منها كتاب «أخبار الأدباء»، وكتاب «أخبار الشعراء»، وكتاب «أسماء البلدان والجبال والمياه والأماكن»، وتاريخا على السنين وغير ذلك. وكان غزير الفضل، صحيح النقل، متحرّيا، صدوقا، له النظم الحسن والنثر الجيد.
стр. 179
أنشدني ياقوت الحموي لنفسه:
أقول لقلبي وهو في الغيّ جامح … أما آن للجهل القديم يزول
أطعت مهاة في الجدار خريدة … وكنت على أسد الفلاة تصول
ولما رأيت الوصل قد حيل دونه … وأن لقاكم ما إليه سبيل
لبست رداء الصبر لا عن ملالة … ولكنني للضيم فيك حمول
توفي بحلب في العشرين من رمضان سنة ست وعشرين وستمائة، ولم يبلغ الستين، ووقف كتبه ببغداد.
قلت: كتب عنه الحافظ أبو محمد المنذري في معجم شيوخه، وقال: سمعته يقول:
مولدي سنة أربع أو خمس وسبعين وخمسمائة.
أنشدنا أبو عمر يوسف بن عمر الفقيه الحنفي العدل قراءة عليه وأنا أسمع، قال:
أنشدنا الحافظ أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري قال: أنشدنا الأديب الفاضل أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي لنفسه، قال: واستيقظت من النوم، فجرى على لساني هذه الأبيات من غير قصد ولا رويّة، فأنشدتها كأني أحفظها:
لعمرك ما أبكي على رسم منزل … ودار خلت من زينب ورباب
ولكنني أبكي على زمن مضى … تسود فيه بالذنوب كتابي
وأعجب شيء أنه لا يصدني … عن اللهو شيب حال دون شبابي
وقد جلى بازي للمشيب بعارضي … وما طار عن وكر الذنوب غرابي
فيا رب جد بالعفو منك فإنني … مريض حريض لما بي
ولا لي أهل في بلاد ومعشر … يعدون أيامي لوقت إيابي
وإن سرت عن دار فما من مشيع … ولا ملتق إن جئتها بركابي (١)
ولا سكن أعتده لملمة … ولا أحد يرجى لدفع [مصابي] (٢)
стр. 180
حرف الياء
١٩٧ - يحيى بن الحسين بن أحمد بن جميلة، أبو زكريا الضرير المقرئ (١):
من أهل أوانا. قدم بغداد في صباه وتلقّن بها القرآن وأتقنه، وقرأ بالقراءات الكثيرة على المشايخ، ولازم مجالس العلم، وحصل النسخ والأصول؛ ولم يزل في التحقيق والتجويد وضبط القراءات والإتقان حتى صار أحد القرّاء المشار إليهم. قرأ القرآن بالقراءات على عمر بن ظفر المغازلي وأبي الكرم بن الشهرزوري؛ وانحدر إلى واسط وقرأ بها على أبي الكرم محفوظ بن الحسين بن عبد الباقي بن التاريخ، وسمع الحديث من أبي عبد الله محمد بن علي بن الجلابي وأبي العباس بن الطلاية وأبي الفضل بن ناصر وابن الشهرزوري في آخرين؛ وحدّث كثيرا، سمعت منه، ولم يكن ثقة، ولا مرضيا في دينه ولا في روايته، فإنه كان مرتكبا للفواحش والمنكرات في المساجد. رأيته مرارا يبول في بالوعة المسجد ويخلّ بالصلوات. وكان يدّعى أنه قرأ على أبي محمد بن بنت الشيخ بجميع ما عنده ويروي عنه، ولم يكن بيده خطه؛ ولم يذكر أحد من تلامذة أبي محمد أنه رآه عنده قط.
مولده في ليلة رابع عشري ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
وتوفي في ليلة ثالث عشري صفر سنة ست وستمائة، ودفن بباب حرب.
١٩٨ - يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد، أبو الفضل الطبري الخطيب، المعروف بالحصكفي (٢):
كان فقيها فاضلا أديبا بليغا، مليح الشعر، لطيف المعاني، رقيق الغزل، وكان يتشيع. قدم بغداد، وجالس أبا زكريا التبريزي، فقرأ عليه شيئا من شعره.
ومن شعر الحصكفي من أول قصيدة:
أقوت مغانيهم فأقوى الجسد … ربعان كل بعد سكن فدفد
أسأل عن قلبي وعن أحبابه … ومنهم كل فقير يجحد
وهل يجيب أعظم باليد … أو رأيتم دارسه من ينشد
توفي بميافارقين في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وكان مولده بعد الستين.