الجزء الرابع من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد
للحافظ محب الدين أبي عبد الله بن النجار البغدادي انتخاب كاتبه الواثق بالله أحمد بن أيبك بن عبد الله
стр. 72
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
استعنت بالله
من اسمه الحسين
٧١ - الحسين بن عبد الله بن الحسين بن الجصّاص، أبو عبد الله الجوهري (١):
كان من أعيان التجار. ولما بويع لعبد الله بن المعتز بالخلافة وانحلّ أمره وتفرق جمعه وطلبه المتقدر فاختفى عند ابن الجصاص هذا، فعلم به، فقبض عليه وعلى ابن الجصاص وصادره المقتدر على أموال جليلة. ويحكى عنه حكايات عجيبة في الغفلة والحماقة، منها:
أنه حج في بعض السنين، فلما بات بالمزدلفة في ليلة عيد الأضحى نظر إلى القمر وقال: لا إله إلا الله! حججت قبل هذه الحجة وبت هاهنا، وكان القمر أيضا في هذا الموضع نفسه، وهذا اتفاق عجيب. ونظر يوما في المرآة وقال: اللهم بيّض وجوهنا يوم تبيض وجوه، وسودها يوم تسود وجوه. ونظر يوما آخر في المرآة فقال لإنسان عنده: ترى لحيتي قد طالت؟ فقال له الحاضر: المرآة في يدك، فقال: صدقت، ولكن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
وكسر يوما بين يديه لوز، فطفرت لوزة، فقال: لا إله إلا الله! كل شيء يهرب من الموت حتى البهائم. ونظر يوما في المصحف وجعل يقول: رخيص! والله هذا من فضل الله! أكل وتمتع بدرهم، وإذا في المصحف بـ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ فصحّف ذرهم وظن أنه درهم؟ توفي في شوال سنة خمس عشرة وثلاثمائة ببغداد- رحمه الله تعالى.
٧٢ - الحسين بن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن بكر بن شبيب الطيبي، أبو عبد الله الكاتب، الملقب بسعيد الدين (٢):
стр. 73
كان موصوفا بجزالة الشعر، وعذوبة الألفاظ، ورشاقة النظم والنثر، وكمال الطرف، ونهاية اللطف. وكان مختصا بخدمة الإمام المستنجد بالله.
ومن شعره:
وأغيد لم تسمح لنا بوصاله … يد الدهر حتى دب في عاجه النمل
تمنيت لما اختط فقدان ناظري … ولم ار إنسانا تمنى للعمى قبل
ليبقى على مر الزمان خياله … خيالي وفي عيني لمنظره شكل (١)
وذكره أبو عبد الله الأصبهاني في «الخريدة» فقال: الحسين بن شبيب حلو التشبيب، رقيق نسيم النسيب. وله أشعار تخجل الدر منظوما، والوشي مرقوما، والروض ناظر، والبدر زاهر، فمن مستحسن شعره قوله في المستنجد:
أنت الإمام الذي يحكي بسيرته … من ناب بعد رسول الله أو خلفا
أصبحت لب بني العباس كلهم … إن عددت بحروف الجمل الخلفاء
والمستنجد هو الثاني والثلاثون من خلفاء بني العباس، ولب اثنان وثلاثون في حساب الجمل. مولده في سنة خمسمائة.
وتوفي يوم الجمعة لتسع عشرة خلت من ربيع الآخر سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد، ودفن بمقبرة معروف الكرخي.
٧٣ - الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن محمد بن يوسف، أبو القاسم بن أبي الحسن الوزير المغربي (٢):
مولده بمصر في ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة. وكان أبو الحسن أبو يصحب سيف الدولة بن حمدان، وانتقل بعد ذلك إلى مصر وتولى الأعمال فيها.
نشأ أبو القاسم في أيام الحاكم بالله صاحب مصر وتقلد له ديوان الشام. فلما قبض الحاكم على أبيه علي وعمه محمد وقتلهما وقتل أخويه أيضا، طلب أبا القاسم فاستتر، وهرب إلى العراق، وقصد فخر الملك، وبلغ القادر بالله أمره، فاتهمه بالورود في إفساد على الدولة العباسية. ولي الوزارة للملك مشرف الدولة أبي علي بن بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة أبي شجاع ببغداد في سنة أربع عشرة وأربعمائة، وعزل في سنة خمس عشرة.
стр. 74
وكان عارفا فاضلا وبليغا مترسلا ومتفننا في كثير من العلوم الدينية والأدبية والنجومية. وكان خبيث الباطن، كثير الحيل، شديد الحسد على الفضل وإن أظهر الميل إلى أهله.
ومن شعره:
تأمل من أهواه صفرة خاتمي … فقال حبيبي لم نحيت أحمره
فقلت له من أحمر كان فصه … ولكن سقامي حل فيه فغيّره
توفي في رمضان سنة ثمان عشرة وأربعمائة بميافارقين عن ست وأربعين سنة، وحمل تابوته إلى الكوفة فدفن هناك. وكان كثير الفضائل، جيد الترسل، شديد الذكاء- ﵀.
٧٤ - الحسين بن علي بن عبد الصمد الديلمي، أبو العباس المنشئ، المعروف بالطغرائي (١):
من أهل أصبهان. كان يتولى الطغراء للسلطان محمد بن ملك شاه، وهي علامة تكتب على التوقيعات. وكان من أفراد الدهر وأعيان العصر، غزير الفضل، كامل العقل، وشعره ألطف من النسيم، وأرق من حواشي النعيم. قدم بغداد وأقام بها مدة، وروى بها.
ومن شعره:
تمنيت أن ألقاك في الدهر مرة … فلم أك من ذاك التمني بمرزوق
سوى ساعة التوديع دامت فكم منى … أنالت وما قامت بها أملا سوقي
فيا ليت أن الدهر كل زمانه … وداع ولكن لا يكون بتفريق
ومن شعره:
ذكرتكم عند الزلال على الظما … فلم أنتفع من ورده ببلال
وحدثت نفسي بالأماني فيكم … وليس حديث النفس غير ضلال
أواعدها قرب اللقاء ودونه … مواعيد دهر مولع بمطال
يقر بعيني الركب من نحو أرضكم … يرجون عيشا قيدت بكلال
стр. 75
أطارحهم جد الحديث وهزله … لأحبسهم عن سيرهم بمقالي
أسائل عمن لا أريد وإنما … أريدكم من بينهم بسؤالي
ويعثر ما بين الكلام ورجعه … لساني لكم حتى ينم بحالي
وأطوي على ما تعلمون جوانحي … وأظهر للعذّال أني سالي
بلى (١) والذي عافاكم وابتلى بكم … فؤادي ما اختار السلو ببالي
وقد كنت دهرا لا أبالي من النوى … فعلمني الأيام كيف أبالي
كانت الوقعة بين السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه وأخيه مسعود بباب همذان في ربيع الأول من سنة أربع عشرة وخمسمائة، فانهزم مسعود وعسكره، وأخذ من جملتهم الوزير الطغرائي مأسورا إلى حضرة السلطان محمود، فأمر بقتله، فقتل وقد جاوز الستين من عمره. وهو صاحب القصيدة الغراء التي أولها:
أصالة الرأي صابتني عن الخطل … وحلية العلم زانتني عن الحلل
٧٥ - الحسين بن المبارك بن الحسين بن علي بن شقشق، أبو عبد الله بن أبي حرب بن أبي عبد الله:
ذكره أبو عبد الله الأصبهاني في «الخريدة» فقال: الحسين بن المبارك بن شقيق البغدادي، كانت لابن شقيق شقشقة في الشعر هادرة، وبديعة من الأدب نادرة، أدركته في أول العهد القديم، في زمان السلطان مسعود.
وأنشدني الفقيه شهاب الغزنوي مما نظمه مما مدح به برهان الدين الواعظ الغزنوي ببغداد من قصيدة أولها:
إن جرت بالرمل وكثبانه … فاقرأ تحياتي على بانه
وسائل الربع الذي قد عفا … ما صنع البين لسكانه
قوم هم كانوا جيرة … فانصدع الشمل بجيرانه
فالربع مفجوع بقطانه … والقلب موجوع بأشجانه
وإن كتمت الحب يوم النوى … أظهره دمعي بهتانه
أعاذلي في الهوى فارحما (٢) … وخليا قلبي بوجدانه
стр. 76
حرف الذال
من اسمه ذو القرنين
٧٦ - ذو القرنين بن الحسن بن عبد الله بن حمدان، أبو المطاع بن ناصر الدولة أبي محمد، كان يلقب بوجيه الدولة (١):
ولي الإمارة بدمشق للخلفاء المصريين. وكان شاعرا حسنا مفلقا.
فمن شعره:
ومفارق ودعت عند فراقه … ودعت صبري عنه في توديعه
ورأيت منه فعل لؤلؤ عقده … من ثغره وحديثه ودموعه
وله:
لو كنت أملك أعتده من بعدكم نظرا … لأنه نظر من ناظر رمد
قال:
فكتبت طرفي ما نظرت به … من بعد فرقتكم يوما إلى أحد
ولست إليه ارتجالا صبرا أنت تملكه … عني تجازيت منك التيه بالصلف
أويت نظمي وجدا بت أضمره … جزيتني كلفا عن شدة الكلف
تعمد الرفق بي يا حب محتسبا … فليس يبعد ما تهواه من تلفي
قال أبو المطاع بن حمدان المذكور: كتب إليّ أخي أبو عبد الله من سفرة كان فيها:
قد كان في نزهة طرفي برؤيتكم … يتوب شاهدها عن كل معتقد
فالآن أشغله من بعد فقدكم … حفظا لعهدكم بالدمع والسهد
وقال أبو المطاع بن حمدان:
ترى الثياب من الكتان يلمحها … ومن البدر أحيانا فيبليها
فكيف تعجب أن تبلى غلائلها … والبدر في كل وقت لائح فيها
стр. 77
وقال:
إني لأحسد «لا» في أسطر الصحف … إذا رأيت عناق اللام والألف (١)
وما أظنهما طال اجتماعهما … إلا لما لقيا من شدة الشغف
وقال:
أفدي الذي زرته بالسيف مشتملا … ولحظ عينيه أمضى من مضاربه
فما خلعت نجادي في العناق له … حتى لبست نجادا من ذوائبه
وقال:
قالت لطيف خيال زارها ومضى … بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقال خلفته لو مات من ظمأ … وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
قالت صدقت الوفا والحب عادته … يا برد طيب الذي قالت على كبدي
توفي أبو المطاع بمصر في صفر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة- قاله ابن الأكفاني.
стр. 78
حرف الراء
٧٧ - رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث ابن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن الهيثم بن عبد الله التميمي، أبو محمد بن أبي الفرج بن أبي الحسن (١):
من ساكني باب المراتب، شيخ الحنابلة. قرأ القرآن بالروايات على أبي الحسن علي ابن عمر الحمامي. وتفقه على أبيه وعلى عمه أبي الفضل عبد الواحد. وسمع منهما ومن أبي عمر عبد الواحد بن محمد بن مهدي وأبي الحسين أحمد بن محمد بن المتيم وأبي الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطان وأبي الحسين علي وأبي القاسم عبد الملك ابني محمد بن عبد الله بن بشران، وأبي الحسن محمد بن محمد بن محمد بن مخلد وأبي القاسم عبد الرحمن الحرفي، وأبي علي الحسن بن شاذان، وأبي الفرج محمد بن عمر بن محمد الجصاص في آخرين، روى عنه جماعة من الحفاظ كأبي مسعود سليمان ابن إبراهيم الأصبهاني، وأبي علي أحمد بن محمد بن البرداني (٢)، وعبد الوهاب بن المبارك الأنماطي.
وكان إماما في المذهب والخلاف والأصول، وله في ذلك مصنفات حسنة. وكان واعظا، مليح العبارة، لطيف الإشارة، فصيح اللسان، ظريف المعاني، معظما عند الخاص والعام.
ومن شعره قوله:
لا تسألاني (٣) عن الحي الذي بانا … فإنني كنت يوم البين سكرانا
يا صاحبي على وجدي بنعمانا … هل راجع وصل ليلي كالذي كانا
ما ضرّهم لو أقاموا يوم بينهم … بقدر ما يلبس المحزون أكفانا
أم ذاك آخر عهد للقاء (٤) بها … فنجعل الدهر ما عشناه أحزانا
ليت الجمال التي (٥) للبين ما خلقت … وليت حاد حدي في الدهر حيرانا
стр. 79
وله:
أفق يا فؤادي من غرامك واستمع … مقالة محزون عليك شفيق
علقت فتاة قلبها متعلق … بغيرك فاستوثقت غير وثيق
فأصبحت موثوقا وراحت طليقة … فكم بين موثوق وبين طليق
قرأت على أبي الحسن بن المقدسي بمصر عن أبي طاهر السلفي، قال:
سألت أبا نصر المؤتمن بن أحمد الساجي عن أبي محمد التميمي فقال: هو الإمام علما ونفسا وأبوّة. وما يذكر عنه فتحامل من أعدائه.
قال الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي أنا أبو محمد رزق الله التميمي:
وما رأيت شيخا ابن سبع وثمانين سنة أحسن سمتا وهديا واستقامة (١) منه، ولا أحسن كلاما وأظرف وعظا وأسرع جوابا منه.
مولده سنة أربعمائة، وتوفي ببغداد في منتصف جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، ودفن بداره بباب المراتب، ثم نقل في سنة إحدى وتسعين إلى مقبرة باب حرب، ودفن إلى جنب قبر الإمام أحمد بن حنبل. وفي هذه السنة توفي ولده عبد الوهاب.
стр. 80
حرف الزاي
٧٨ - زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد ابن المرزبان بن علي بن عبد الله بن المرزبان الشحامي، أبو القاسم بن أبي عبد الرحمن بن أبي بكر المستملي (١):
من أهل نيسابور- شيخ وقته في علو الإسناد، بكر به أبوه فأسمعه من أبي سعد محمد بن عبد الرحمن الكنجروذي (٢) وأبي عثمان سعيد بن محمد النجيرمي (٣) وأبي سعد أحمد بن إبراهيم المقرئ وأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري وأبي عثمان سعيد بن أحمد العيار وأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي في آخرين. وسمع بنفسه وجمع لنفسه مشيخة. وكان يستملى على الشيوخ، وحدث بالكثير، وكتب عنه الحفاظ. قدم بغداد في سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وحدّث بها، سمع منه ابن ناصر في آخرين.
أخبرنا شهاب الحاتمي بهراة، قال: حدثنا أبو سعد بن السمعاني قال: زاهر بن طاهر الشحامي أبو القاسم شيخ متيقظ مكثر، جمع ونسخ بخطه، وكان صاحب أصول، وعمّر حتى حمل عنه الكثير، ورحل في رواية الحديث ونشره مثل ما يرحل الطلاب في جمعه، ورد علينا مرو قاصدا للرواية بها وحجّ، وسمع منه الكثير ببغداد وهمذان والري والحجاز، ورجع إلى نيسابور؛ وكان صبورا لا يضجر من القراءة عليه حتى قرأت عليه «تاريخ نيسابور» للحاكم أبي عبد الله في أيام قلائل، كنت أمضي قبل طلوع الشمس فأقرأ إلى وقت غروبها، وكان يقعد ويستمع، ولكنه كان يخل بالصلوات إخلالا ظاهرا، ووقت خروجه إلى أصبهان قال لي أخوه وجيه: أجهدت في قعوده ولا تخرج، فإن أمر صلاته مختل، ونفتضح من أهل أصبهان! فظهر الأمر كما قال أخوه، وعرف (٤) أهل أصبهان ذلك، وشنعوا عليه حتى ترك أبو العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الحافظ الرواية عنه. وقيل لزاهر في ذلك، فقال: لي عذر، وأنا أجمع بين الصلوات كلها. ولعله تاب ورجع عن ذلك في آخر عمره. وكان صحيح السماع كثيره.
стр. 81
مولده رابع عشر ذي القعدة سنة ست وأربعين وأربعمائة.
وتوفي ليلة الرابع عشر من ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة بنيسابور.
ودفن بمقبرة يحيى بن يحيى- رحمه الله تعالى وإيانا.
٧٩ - زيد بن يحيى بن أحمد بن عبيد الله بن هبة الله البيع، أبو بكر (١):
من أهل باب الأزج، وهو أخو أبي المعالي أحمد، وكان الأصغر. سمع بإفادة أخيه من أبي الوقت عبد الأول وأبي بكر محمد بن عبيد الله بن نصر الزاغوني في آخرين.
كتبت عنه من سماعه الصحيح لأنه كان يكشط اسم أخيه عبد المنعم من طباق السماع ويكتب اسمه موضعه بقلم غليظ ودواة ردية. فعل ذلك على عدة أجزاء من أصول أخيه أحمد.
مولده سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وتوفي ببغداد في منتصف رمضان سنة إحدى وعشرين وستمائة.
стр. 82
حرف السين
٨٠ - سعد الخير بن محمد بن سهل بن سعد الخير، أبو الحسن بن أبي عبد الله الأنصاري (١):
من أهل بلنسية من شرقي الأندلس. قدم بغداد وسمع بها من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النعالي وأبي الفوارس طراد الزينبي في آخرين، وقرأ الأدب على أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي. وسافر إلى العراق، فسمع بدونة من نواحي همذان من أبي محمد عبد الرحمن بن محمد الدوني، وبأصبهان من أبي علي الحسن بن أحمد الحداد. وحصّل الكتب والأصول، وركب البحار، وقاسى الشدائد، ودخل بلاد الصين. ثم إنه عاد إلى بغداد بعد علو سنه واستوطنها إلى حين وفاته. وكان ثقة صدوقا متدينا.
توفي في يوم عاشوراء سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ببغداد.
٨١ - سعيد بن أحمد بن محمد بن نعيم بن أشكاب، أبو عثمان بن أبي سعيد الصوفي، يعرف بالعيّار (٢):
من أهل نيسابور. بكر به أبوه فأسمعه من أبي بكر محمد بن محمد بن الحسن بن هانئ البزاز وأبي محمد عبد الله بن أحمد الصّيرفيّ وأبي الحسين أحمد بن محمد بن عمر الخفاف وأبي طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة وأبي محمد عبد الله بن حامد الأصبهاني. وأسمعه بسرخس من أبي علي زاهر بن أحمد الفقيه وبأستراباد من أبي عبد الله محمد بن سعيد بن محمد، وبالري من أبي العباس عقيل بن الحسين العلوي، وبمكة من أبي الحسين (٣) علي بن جعفر السيرواني. وعمّر حتى جاوز المائة. وخرج له الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي فوائد في عشرين جزءا. حدث بدمشق وأصبهان ونيسابور، وهرات وغزنة. ودخل بغداد في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة.
أنبأنا ذاكر بن كامل الحذاء عن أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، قال: سعيد ابن أبي سعيد العيار يتكلمون فيه لروايته «كتاب اللمع» عن أبي نصر السراج وغيره.
стр. 83
وكان يزعم أنه سمع من زاهر بن أحمد السرخسي «كتاب الأربعين» لمحمد بن أسلم، ورواه عنه. فذكر بعض أهل العلم أنه لم يسمع من زاهر شيئا. وخرج له البيهقي عدة أجزاء «فوائد لطاف» ولم يخرج له فيها عن زاهر شيئا.
قلت: هكذا ذكر ابن طاهر هذا الكلام في كتابه «تكملة الكامل في ضعفاء المحدثين» من جمعه، وقد وهم في قوله: «لم يخرج له البيهقي في فوائده عن زاهر شيئا» لأن البيهقي خرج له في هذه الفوائد عدة أحاديث عن زاهر. وذكر أن عدة أجزائها عشرة، وأنها لطاف؛ وقد كتبت هذه الفوائد بأصبهان، وسمعتها من جماعة وهي أحد وعشرون جزءا، ولم يزل المقدسي كثير الوهم فيما يجمعه لتهوره وعجلته وإعجابه بنفسه. وإنما الشيخ الذي لم يخرج له البيهقي عنه في فوائده هو بشر بن أحمد الأسفراييني، فإن العيار قد روى عنه هذا من حديث قتيبة بن سعيد.
ورأيت بخط الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد الدقاق الأصبهاني أحاديث قد كتبها عن العيار عن بشر بن أحمد الأسفراييني ثم إنه عاد وضرب عليها بقلمه وكتب عندها: «كذب العيار في روايته عن بشر» والله أعلم! فإن كان ابن طاهر قد سمع ممن حكى عنه أنه بشر واشتبه عليه ابن أحمد فهو صحيح، وإلا فليس بشيء- والله أعلم.
مولده- العيار سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. وقال بعضهم: سبب تسميته بالعيار أنه كان في ابتدائه يسلك مسلك الشطار، ثم رجع إلى هذهالطريقة.
توفي بغزنة في ربيع الأول سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
وذكر أبو الفضل بن خيرون وفاته في سنة اثنتين وخمسين- حكاه الحميدي عن ابن خيرون.
٨٢ - سعيد بن حميد بن سعيد بن يحيى، أبو عثمان الكاتب (١):
من أولاد الدهاقين، وأصله من النهروان الأوسط. ولد ببغداد ونشأ بها. وكان يذكر أنه مولى بني سامة بن لؤي. ويقال إنه ادعى أنه من أولاد ملوك الفرس. وكان شاعرا كاتبا مترسلا فصيحا مقدما في صناعته، إلا أنه كثير السرقات والإغارة. فهو كما قال بعضهم: لو قيل لكلام سعيد: ارجع إلى أهلك لما بقي عليه إلا التأليف.
стр. 84
كتب سعيد بن حميد إلى فضل الشاعرة يعتذر إليها من تغير ظنته بها (١)، وفي آخرها:
يظنون أني قد تبدلت بعدكم … بديلا وبعض الظن إثم ومنكر
إذا كان قلبي في يديك رهينة … فكيف بلا قلب أصافي وأهجر
٨٣ - سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير، أبو القاسم اللخمي (٢):
من أهل طبرية. سمع بالشام ومصر والحجاز واليمن والعراق فأكثر وسكن أصبهان إلى حين وفاته. سمع بدمشق أبا زرعة عبد الرحمن بن عمرو وأحمد بن المعلّى وأحمد بن أنس بن مالك، وببيت المقدس أحمد بن مسعود الخياط، وبمصر يحيى بن أيوب العلاف وأحمد بن رشدين وأحمد بن إسحاق بن نبيط بن شريط الأشجعي، وببرقة أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي؛ وباليمن، إسحاق بن إبراهيم الدبري والحسن بن عبد الأعلى البوسي، وبالعراق أبا مسلم الكجي وأبا خليفة الجمحي والحسن بن سهل المحوز، وببغداد بشر بن موسى الأسدي في آخرين؛ وحدث كثيرا. سمع منه من شيوخه أبو مسلم الكجي وأبو خليفة الجمحي في آخرين. روى عنه أبو نعيم الحافظ وأبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسين بن فادشاه وأبو بكر محمد بن عبد الله بن ريذة وهو آخر من حدث عنه.
قال أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن: سليمان بن أحمد الطبراني أشهر من يدل على فضله وعلمه، حدّث بأصبهان ستين سنة. فسمع منه الآباء ثم الأبناء ثم الأسباط حتى لحقوا بالأجداد؛ وكان واسع العلم، كثير التصانيف. وقيل: ذهبت عيناه في آخر أيامه. فكان يقول: الزنادقة سحروني.
قال يحيى بن عبد الوهاب بن مندة: رأيت بخط أبي بكر محمد بن ريذة مكتوبا قال الصاحب إسماعيل بن عباد:
قد وجدنا في معجم الطبراني … ما فقدنا في سائر البلدان
بأسانيد ليس فيها سناد … ومتون إذا وردن متان
قال الحافظ أبو نعيم: مولد الطبراني سنة ستين ومائتين.
стр. 85
وتوفي في ذي القعدة لليلتين بقيتا منه سنة ستين وثلاثمائة، ودفن إلى جنب حممة بباب مدينة جي، وحضرت الصّلاة عليه.
٨٤ - سليمان بن أحمد بن محمد، أبو الربيع بن أبي عمر السرقسطي:
من أهل الأندلس. سمع بنصر من أبي الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي (١)، وبواسط من أبي الحسن علي بن عبيد الله بن علي القصاب، وقدم بغداد واستوطنها.
قرأ القرآن بالقراءات على القاضي أبي العلاء محمد بن علي بن يعقوب الواسطي، فأنبأ وحدّث.
أخبرني شهاب الحاتمي بهراة، قال: سمعت أبا سعد بن السمعاني يقول: سمعت أبا الفضل بن ناصر يقول: إن السرقسطي كان كذّابا، وكان يلحق سماعاته.
مولده سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
وتوفي في ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وحدث بيسير، وكان فيه تساهل في دينه- قاله أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون الشاهد.
٨٥ - سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث، أبو الوليد التجيبي الباجي (٢):
من أهل قرطبة- مدينة بالأندلس-. سمع بالأندلس أبا بكر محمد بن الحسن بن عبد الوارث والقاضي أبا الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث الصفار والقاضي أبا الأصبغ عيسى بن أبي درهم، وبمصر أبا محمد عبد الله بن محمد بن الوليد الأندلسي وأبا القاسم هبة الله بن إبراهيم بن عمر الصواف، وبدمشق أبا الحسن علي السمسار (٣)، وبمكة أبا الحسن محمد بن علي بن صخر الأزدي، وبالكوفة الشريف أبا عبد الله محمد ابن علي العلوي. وقدم بغداد وأقام بها مدة يدرس الفقه والخلاف على القاضي أبي الطيب الطبري وأبي إسحاق الشيرازي حتى برع في ذلك. وسمع الحديث من أبي القاسم عبيد الله بن أحمد الصّيرفيّ وأبي طالب عمر بن إبراهيم الزهري ومحمد بن محمد بن عبد البر، وحدّث ببغداد بيسير. روي عنه أبو بكر الخطيب الحافظ. وعاد إلى
стр. 86
بلده، وولي القضاء ببعض ثغورها، ودرس وصنف في الفقه والحديث والخلاف.
ومن شعره:
إذا كنت تعلم أن لا تجيد … لذي الذنب عن هول يوم الحساب
فاعص الإله بمقدار ما … تحب لنفسك سوء العذاب
مولده في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة (١)، وتوفي لخمس خلون من رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة بمدينة المرية.
٨٦ - سليم بن أيوب بن سليم، أبو الفتح، الفقيه (٢):
من أهل الري، فقيه الشافعية في زمانه. قدم بغداد في صباه، ولازم أبا حامد الأسفراييني وقرأ عليه المذهب والخلاف. سمع بالري أبا علي أحمد بن عبد الله الأصبهاني وأبا العباس أحمد بن محمد بن الحسين البصير، وبالكوفة أبا عبد الله محمد ابن [عبد الله بن] (٣) الحسين الجعفي، وببغداد أبا الحسن أحمد بن محمد بن موسى ابن الصلت وأبا أحمد عبيد الله بن محمد بن أحمد الفرضي في آخرين. روي عنه الخطيب والفقيه نصر المقدسي في آخرين.
أنبأنا ذاكر بن كامل بن أبي غالب الخفاف عن أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، قال: سمعت إبراهيم بن نصر الصوفي بالري يقول: كان سليم بن أيوب الرازي الإمام من أهل قسطانة- وهي التي يقال لها بالفارسية: كستانة- على سبعة فراسخ من الري مما يلي طريق بغداد، وكان قد تفقه بالري، وقد خرج من بلده إلى بغداد، فتفقه على أبي حامد الأسفراييني، فلما مات أبو حامد جلس في موضعه للتدريس، فبلغ أباه بكستانة أن رئاسة أصحاب الشافعي قد انتهت إلى ابنك ببغداد، فخرج من قريته وقصد بغداد ودخل القطيعة، وكان يدرّس في مسجد أبي حامد، وقد فرغ من الدرس الكبير وهو يذكر درس الصبيان الصغار، فوقف على الحلقة، وقال: سليم! إذا كنت تعلّم الصبيان ببغداد فارجع إلى القرية فإني أجمع لك صبيانهاو تعلمهم وأنت عندنا! فقام سليم من الدرس وأخذ بيد أبيه ودخل به إلى بيته، وقدم
стр. 87
إليه شيئا من المأكول، وخرج ودفع المفتاح إلى بعض أصحابه وقال: إذا فرغ أبي من الأكل فادفع إليه المفتاح، وقل: كل ما في البيت بحكمك! وخرج سليم من فوره إلى الشام وأقام بها، وصنّف ودرّس، فيها انتشر علمه.
غرق سليم بن أيوب في بحر القلزم عند ساحل جدة بعد عوده من الحج في صفر سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان قد نيف على الثمانين؛ وقيل: في سلخ صفر.
ودفن في جزيرة بقرب الجار عند المخاضة.
стр. 88
حرف الشين
٨٧ - شجاع بن فارس بن الحسين بن فارس بن الحسين بن غريب بن زنجويه، أبو غالب بن أبي شجاع الذهلي (١):
طلب الحديث بنفسه، وكان مفيد أهل بغداد، والمرجوع إليه في معرفة الشيوخ وأحوالهم بعد الخطيب. وذيل على تاريخ الخطيب ثم غسله قبل موته. وكان ثقة ثبتا صدوقا فاضلا أديبا جميل السيرة، مرضي الطريقة، أفنى عمره في هذه الصناعة. سمع أبا طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان وأبوي القاسم عبد العزيز بن علي الأزجي وعلي بن المحسن التنوخي وأبا الفتح عبد الواحد بن الحسن بن علي المقرئ وأبا إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي وأبا الحسين أحمد بن محمد بن الآبنوسي ومحمد بن أحمد بن حسنون النّرسيّ وأبا بكر أحمد بن علي الحافظ الخطيب. وكتب عنه أكثر مصنفاته مرات ولغيره، وبالغ في الطلب.
وله شعر، فمنه:
وقائلة إني رقدت وقد بدا … لليل الصبى في العارضين قتير
فقلت لها إن المزيد من الكرى … يكون إذا كان الظلام ينير
قرأت بخط شجاع الذهلي قال: قلت فيما يكتب على مضراب العود وقد سألته:
أنا في كف مهاة ذات دل وجمال … أبدا أسلب بالتحريك ألباب الرجال
قرأت في كتاب أبي طاهر السلفي بخطه، وقرأته على أبي الحسن بن المقدسي بمصر عنه، قال: أبو غالب شجاع الذهلي كان من حفاظ بغداد المذكورين، وكنت أسمع أبا علي البرداني (٢) الحافظ يثني عليه إذا جرى ذكره، وكان له أدب وشعر، وقد علقت عنه كثيرا من الفوائد الأدبية.
قال عبد الوهاب الأنماطي: دخلت على شجاع بن فارس وهو مريض، فقال لي:
توّبني، قد كتبت شعر ابن الحجاج سبع مرات. فقلت لشيخنا: لم كتبته؟ فقال لي:
كان فقيرا. وقيل: إنه بعد ذلك كتب بخطه ثلاثمائة مصحف تكفيرا لما فعل.
قال ابن ناصر: كان شجاع الذهلي عسرا في الرواية، فلهذا حدّث بالقليل، لضيق
стр. 89
وقته بالنساخة والتعليم لأولاد الرؤساء والأماثل.
مولده في منتصف رمضان سنة ثلاثين وأربعمائة. وتوفي في ثالث جمادى الأولى سنة سبع وخمسمائة.
٨٨ - شقيق بن إبراهيم الأزدي، أبو علي الزاهد (١):
من أهل بلخ. صحب إبراهيم بن أدهم وعباد بن كثير وأبا حنيفة. روي عنه ابنه محمد. قدم بغداد حاجّا ودخل إلى الرشيد ووعظه.
قال حاتم الأصم: سمعت شقيقا البلخي يقول: عملت في القرآن عشرين سنة حتى ميزت الدنيا من الآخرة، فأصبته في حرفين وهو قوله تعالى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾.
وقال حاتم أيضا: سمعت شقيقا البلخي يقول: ميز بين ما تعطى وتعطي (٢)، إن كان ما يعطيك أحب إليك فأنت محب الدنيا، وإن كان ما (٣) تعطيه أحب إليك فأنت محب الآخرة.
قال أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الحافظ الإدريسي: شقيق بن إبراهيم الزاهد روى أحاديث مناكير في الزهديات وغيرها. لم يكن من أهل الصناعة في الحديث، وقلما حدث عنه أيضا من يوثق بروايته، فلذلك لا يعتمد على روايته.
قتل شهيدا بجيلان سنة أربع وسبعين ومائة.
стр. 90
حرف الطاء
٨٩ - طاهر بن محمد بن طاهر بن علي، أبو زرعة بن أبي الفضل المقدسي (١):
تقدم ذكر والده في هذا المختصر. ولد بالري، وبكر به أبوه فأسمعه من أبي الفتح عبدوس بن عبد الله الهمذاني وأبي منصور محمد بن الحسين المقدمي وأبي الحسن محمد بن منصور بن علان وأبي محمد عبد الرحمن بن محمد الدوني، وسمع ببغداد أبا الحسين علي بن محمد بن العلاف وأبا القاسم علي بن أحمد بن محمد بن بيان. وسكن همذان إلى حين وفاته. وكان تاجرا لا يفهم شيئا من العلم، وحدث بالكثير، وعمّر، وانفرد ببعض مروياته، وكان شيخا صالحا. حمل جميع كتب والده- وكانت كلها بخطه- إلى الحافظ أبي العلاء بهمذان، ورفعها على جميع أهل العلم وسلّمها إليه، وسمعت من يذكر أنها كانت في ثلاثين غرارة.
قدم بغداد بعد الخمسين وخمسمائة، وحدث بها بالكثير. سمع منه الأئمة: ابن الخشاب وابن شافع وابن الجوزي في آخرين. وذكر من سمعه يقول: حججت عشرين حجة.
مولده في الرابع والعشرين من رمضان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة بالري. وتوفي بهمذان في سابع ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة.
٩٠ - طراد بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان ابن محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، أبو الفوارس الزينبي (٢):
من ولد زينب بنت سليمان بن علي. كان يسكن بباب البصرة. ولى النقابة على العباسيين ببغداد في رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. سمع من أبي الفتح هلال ابن محمد الحفار وأبي نصر أحمد بن محمد بن حسنون النّرسيّ وأبي الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطان وأبي عبد الله الحسين بن عمر بن برهان الغزّال في آخرين.
وانفرد بالرواية عن أكثر شيوخه وحدث بالكثير؛ وأملى خمسة وعشرين مجلسا بجامع المنصور، وأملى بمكة والمدينة مجالس، روى عنه الحفاظ: محمد بن ناصر السلامي ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري وسعد الخير وشهدة بنت الإبري وهي آخر من حدث عنه.
стр. 91
قال السلفي: سألت شجاع الذهلي عن طراد، فقال: حدّث ببغداد وبغيرها من البلاد وأملى عدة سنين في جامع المنصور، وكان صدوقا، وقد سمعت منه.
قال محمد بن عبد الباقي الأنصاري: سمعت أبا الفوارس طراد يقول: إن مولده في منتصف شوال سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
وتوفي في سلخ شوال سنة إحدى وتسعين وأربعمائة ببغداد. ودفن بباب النصر في مستهل ذي القعدة في داره. وهو آخر من حدّث عن أبي نصر بن النّرسيّ وهلال الحفار والحسين بن عمر بن برهان الغزال في آخرين. ثم نقل بعد ذلك إلى مقابر الشهداء.
стр. 92
حرف العين
٩١ - عاصم بن الحسين بن محمد بن علي بن عاصم بن مهران بن أبي المضاء، أبو الحسين بن أبي علي العاصمي العطار (١):
من أهل الكرخ، كان يعرف بابن عاصم الرصاص. سمع الكثير من أبي عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي الفارسي وأبي الفتح هلال الحفار، وأبوي الحسين علي بن محمد بن بشران ومحمد بن الحسين بن الفضل القطان وأبوي بكر محمد بن أحمد بن وصيف وأحمد بن محمد بن غالب البرقاني في آخرين. وحدث، وكتب بخطه الكثير. سمع منه أبو بكر الخطيب الحافظ، وروي عنه في كتاب «المؤتلف والمختلف» من جمعه. وكان صدوقا عفيفا متدينا مع ظرف كان فيه ولطف.
وله شعر، فمنه:
وا تلفي من ساخط معرض … مذ علق القلب به ما رضى
أمرض قلبي طول هجرانه … فديته لو شاء لم يمرض
فدمع عيني مارقا مذ جفا … وجفنها الساهر لم يغمض
وليس لي من حبه مهرب … فما احتيالي وبهذا [قد] قضى؟
قال السلفي: سألت الذهلي عن عاصم بن الحسن العاصمي فقال: حدّث عن جماعة، وله شعر مطبوع، وكان صدوقا، من أهل السنّة، وقد سمعت منه.
مولده سنة سبع وتسعين وثلاثمائة. وتوفي في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة ببغداد، ودفن بمقبرة جامع المدينة.
٩٢ - عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن الخشاب، أبو محمد بن أبي الكرم (٢):
كان يسكن بباب المراتب. وكان أعلم أهل زمانه بالنحو حتى يقال: إنه كان في درجة أبي علي الفارسي. وكانت له معرفة بالحديث واللغة والمنطق والفلسفة والحساب والهندسة.
стр. 93
قرأ الحساب والهندسة على أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري. وسمع الحديث منه ومن أبي القاسم علي بن الحسين الربعي وأبي الغنائم محمد بن علي النّرسيّ، وقرأ الحديث بنفسه على أبي القاسم بن الحصين وأبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش وأبي القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري في آخرين؛ وقرأ العالي والنازل، وكتب بخطه الكثير.
وكان يكتب خطا مليحا، ويضبط صحيحا، وحصّل من الكتب والأصول وغيرها ما لا يدخل تحت حصر؛ وكان ثقة في الحديث والنقل، صدوقا نبيلا حجة إلا أنه كان بخيلا، ولم يكن في دينه بذاك. وكان متبهدلا في مطعمه وملبسه ومعيشته (١)، متهتكا في حركاته، قليل المبالاة بحفظ ناموس العلم. وكان يلعب بالشطرنج على قارعة الطريق مع العوام، ويقف في الشوارع على أصحاب اللهو، وكان كثير المزاح واللعب، طيب الأخلاق.
وله شعر، فمنه:
أسلمته العيون درا فلما … جال فوق الخدود عاد عقيقا
وشموس ودّعن عند التلاقي … فكأن الغروب عاد شروقا
كتب إليّ محمود بن هبة الله بن الحلي، قال: أنشدنا أبو محمد بن الخشاب لنفسه ملغزا في الكتاب:
وذي أوجه لكنه غير بائح … بسر وذو الوجهين للسر يظهر
تناجيك بالأسرار أسرار وجهه … فتسمعها (٢) ما دمت بالعين تنظر
قال أبو سعد بن السمعاني: سمعت شجاع البسطامي يقول: لما دخلت بغداد قرأ عليّ ابن الخشاب غريب الحديث لابن قتيبة قراءة ما رأيت قبلها مثلها في الصحة والسرعة، وحضر جماعة من الفضلاء سماعها، وكانوا يريدون أن يأخذوا عليه فلتة لسانه فما قدروا على ذلك.
أخبرنا شهاب الحاتمي قال: حدثنا أبو سعد بن السمعاني قال: عبد الله بن الخشاب شاب كامل فاضل، له معرفة تامة بالأدب واللغة والحديث، ويقرأ الحديث قراءة حسنة صحيحة مفهومة، سمع الكثير بنفسه، وجمع الأصول الحسان، كتبت عنه.
стр. 94
وسألته عن مولده، فقال: أظن في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
توفي في عشية الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة، ودفن بمقبرة أحمد.
٩٣ - عبد الله بن أحمد بن صاعد بن صائم الإسكاف، أبو محمد بن أبي العباس بن أبي المجد (١):
من أهل الحربية، سمع أبا القاسم بن الحصين وأبا غالب أحمد بن الحسن بن البناء وإسماعيل بن أحمد بن عمر السّمرقندي في آخرين. وكان شيخا صالحا حسن الأخلاق، حدّث عنه الإمام أحمد غير مرة، ودفع إليه قوم من أهل الشام شيئا من المال وذهبوا به متوجهين إلى دمشق ليسمعوا منه هناك، فلما وصلوا إلى الموصل تسامع به أصحاب الحديث، فأمسكوه عندهم مدة وسمعوا منه المسند، وبعد فراغهم من السماع بقي الشيخ أياما ثم مرض ومات، ولم يقدّر له أن يدخل الشام.
توفي بالموصل في الثاني عشر من محرم سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وقد نيف على الثمانين- ﵀.
٩٤ - عبد الله بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث السّمرقندي، أبو محمد بن أبي بكر الحافظ (٢):
تقدم ذكر أبيه وأخيه إسماعيل. ولد بدمشق وسمع بها الكثير من أبي الحسن أحمد ابن عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد السلمي وأبي نصر الحسين بن محمد بن طلاب وأبي محمد عبد العزيز الكتاني، وببيت المقدس من أبي عثمان محمد بن أحمد ابن ورقاء الأصبهاني، وأكثر عن الحافظ أبي بكر الخطيب بدمشق من مصنفاته.
وقدم بغداد واستوطنها، وسمع بها الكثير من أبي محمد عبد الله بن محمد الصريفيني وأبي الحسين أحمد بن النقور وأبي منصور عبد الباقي بن محمد بن غالب العطار وأبوي القاسم عبد العزيز بن علي الأنماطي وعلي بن أحمد البسري. ورحل إلى خراسان فسمع بنيسابور أبا القاسم الفضل بن عبد الله بن المحب، وبهراة أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري، وببلخ أبا القاسم أحمد بن محمد بن محمد بن عبيد الله
стр. 95
الخليلي في جماعة آخرين يطول ذكرهم.
وكتب بخطه الكثير، وحصّل الأصول وجمع وخرّج. وكان يكتب خطا مليحا، ويضبط صحيحا، وكان موصوفا بالحفظ والإتقان. روي عنه أخوه إسماعيل وابنته كمال ومحمد بن ناصر في آخرين.
قال السلفي: عبد الله بن أحمد السّمرقندي كان من حفاظ الحديث، ثقة، صاحب رحلة إلى خراسان وغيرها، وكان قد رزق حظّا من الأدب، وإذا قرأ الحديث أعرب وأغرب.
مولده بدمشق في سادس صفر سنة أربع وأربعين وأربعمائة. وأول سماعه في سنة خمسين.
وتوفي ببغداد في ثاني عشر ربيع الآخر سنة ست عشرة وخمسمائة، ودفن بباب أبرز.
٩٥ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن هشام الطوسي، أبو الفضل ابن أبي نصر الخطيب (١):
ولد ببغداد في دار الخلافة ونشأ بها، وسمع بها الحديث من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة وأبي الفضل محمد ابن عبد السلام الأنصاري وأبي الخطاب علي بن عبد الرحمن بن الجراح وأبي منصور محمد بن أحمد الخياط المقرئ وأبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصّيرفيّ وأبي محمد جعفر بن أحمد السراج في آخرين.
وقرأ الفقه والخلاف على الكيا أبي الحسن علي بن محمد الهراسي وأبي بكر الشاشي، والفرائض والحساب على الحسين بن أحمد الشقاق، والأدب على أبي زكريا التبريزي وأبي محمد الحريري. ثم إنه سافر إلى العراق وخراسان، وسافر إلى بلاد ما وراء النهر في سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وعاد إلى بغداد في سنة أربع عشرة. فسمع بأصبهان أبا علي الحسن بن أحمد الحداد، وبنيسابور أبا نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري. ثم إنه سكن الموصل وسمع بها أباه وعمه أبا البركات محمد بن محمد وأبا البركات محمد بن محمد بن خميس. وتولى الخطابة بالجامع العتيق، وتفرد بأكثر مسموعاته.
стр. 96
وكان فاضلا أديبا، له شعر حسن. وكان محمد بن عبد الخالق بن أحمد بن يوسف البغدادي قد قدم عليه الموصل ونقل له سماعاته من ابن البطر وطراد وابن طلحة وغيرهم على فروع كتبها له بخطه، فقبلها الشيخ وحدّث بها، وكانت باطلة لا أصل لها، مما اختلقت يداه، وعلم بذلك فأبطلها أصحاب الحديث، فلا يقبل من رواية هذا الخطيب إلا ما شوهد أصله، وكان بخط من يوثق به من الطلبة، وما سوى ذلك فلا يجوز روايته.
مولده في منتصف سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وتوفي بالموصل في ليلة الثلاثاء لأربع عشرة خلت من شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة.
ومن شعره:
سقى الله أياما لنا ولياليا … نعمنا بها والعيش إذ ذاك ناضر
ليالي لا أصغى إلى لوم عاذل … وطرفي إلى أنوار وجهك ناظر
٩٦ - عبد الله بن الحسين بن رواحة بن إبراهيم بن عبد الله بن رواحة بن عبيد بن محمد بن عبد الله بن رواحة، أبو محمد الأنصاري الخزرجي (١):
من أهل حماة، وكان يتولى الخطابة بها. كان من ذوي الفضل والنبل والديانة والصيانة. قدم بغداد حاجّا، ومدح الإمام المقتفي لأمر الله فأكرمه.
ومن شعره في المقتفي:
أتعرف رسما دارس الآي بالحمى … عفا وتهاداه السحاب فأطسما
سلوت الهوى أيام شرخ شبيبتي … فهل رغبة فيه إذا الشيب عمما؟
وقالوا مشيبا كالنجوم طوالعا … وما حسن ليل لا ترى منه أنجما
ومنه:
وما الشمس في وسط السماء ودونها … حجاب عن الغيم الرقيق مفرق
بأحسن منها حين تستر وجهها … حياء وتبديه لعلى أرصق
ومنه:
أعلاق وجد القلب من أعلاقه … وتصاعد الزفرات من إحراقه
стр. 97
مولده سنة ست وثمانين وأربعمائة، وتوفي في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وخمسمائة بحماة.
قال ابن عساكر: وكان شاعرا، له يد بيضاء في القراءات، وتهجد في الخلوات.
مدح المقتفي مرارا، وخلع عليه ثياب الخطابة، وقلده أمرها بحماة.
٩٧ - عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين العكبري، أبو البقاء بن أبي عبد الله الضرير النحوي (١):
قرأ القرآن بالروايات على أبي الحسن البطائحي، وتفقه على القاضي أبي يعلى محمد بن أبي خازم بن الفراء، وقرأ العربية على أبي البركات يحيى بن نجاح وابن الخشاب. سمع الحديث عن أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطي وأبي زرعة طاهر ابن محمد بن طاهر وأبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد النقور في آخرين وحدث.
وكان ثقة صدوقا، غزير الفضل، كامل الأوصاف، كثير المحفوظ، متدينا، حسن الأخلاق. ذكر لي أنه أضر في صباه.
وله مصنفات كثيرة، منها: تفسير القرآن وإعرابه، وإعراب الشواذ (٢) من القراءات، إعراب الحديث، المرام في نهاية الأحكام في مذهب الإمام أحمد، تعليق في الخلاف، شرح الهداية لأبي الخطاب، شرح الحماسة، شرح المقامات، شرح الخطب النباتية، والمصباح في شرح الإيضاح والتكملة، إعراب الحماسة، التوصيف في التصريف- في غير ذلك.
أنشدني علي بن عدلان بن حماد الموصلي النحوي قال: أنشدني شيخنا أبو البقاء عبد الله لنفسه مادحا لابن مهدي الوزير:
بك أضحى جيد الزمان محلى … بعد أن كان من حلاه مخلى
لا يجاريك في تجاريك خلق … أنت أعلى قدرا وأعلى محلا
دمت تحيى ما قد أميت من الفضل … وتنفى فقرا وتطرد محلا
سمعت من ذكر أنه سمع أبا البقاء يقول: ما عملت من الشعر سوى هذه الأبيات.
مولده ببغداد في أوائل سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في ليلة يسفر صباحها عن تاسع شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة، ودفن بباب حرب- ﵀.
стр. 98
٩٨ - عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن علوان بن رافع، الأسدي، أبو محمد (١):
من أهل حلب. أسمعه والده في صباه من أبي الفرج يحيى الثقفي ومن جماعة أخرى، ثم إنه هو سمع بنفسه كثيرا، وكتب بخطه، وحصل بهمة وافرة، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي على أبي المحاسن يوسف بن رافع قاضي حلب، وصحبه، وعنى به عناية شديدة بما رأى من نجابته وفهمه وذكائه، واتخذه ولدا وصاهره، وصار معيدا لمدرسته وله نيف وعشرون سنة. ثم ولى التدريس بعدة مدارس، ونبل مقداره؛ وتقدم عند الملوك والسلاطين، وعلا به جاهه وارتفع شأنه، وروسل به إلى ملوك الشام ومصر، ثم إنه ناب في القضاء بحلب مدة حياة القاضي، فلما توفي ولي القضاء، وأرسل رسولا إلى دار الخلافة، فقدم علينا في شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وستمائة، وأكرم مورده وجمع له فقهاء مدينة السلام بدار (٢) الوزارة، وأحضر وتكلم مع الفقهاء. وكانت له معرفة حسنة بالحديث ويد باسطة في الأدب.
وكان محبا لأهل الدين والصلاح، وكان حسن الخلق والخلق، لطيفا مزّاحا، طيب المعاشرة، حلو المحاضرة، مقبول الصورة. اجتمعت به عند شيخنا أبي اليمن الكندي ثم بحلب مرات كثيرة. وله على أياد يعجز عن حصرها قلمي، ويقصر عن شرحها كلمي.
سمعت منه بحلب وسمع مني، وحدث ببغداد، وكان ثقة نبيلا، ما رأت عيناي أكمل منه.
أنشدني القاضي أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الأسدي لنفسه ببغداد، وذكر أنه اجتمع ببعض أصدقائه وأخصائه من أهل حلب بحمص متوجها إلى دمشق، فكتب إليه من حلب:
إلى الله أشكو ما وجدت من الأسى … بحمص وقد أمسى الحبيب مودعا
وأودع في العين السهاد وفي الحشا ال … لهيب وفي القلب الجوى والتصدعا
ولله أيام تقضت بقرية … فيا طيبها لو دمت فيها ممتعا
ولكنها عما قليل تصرمت … فأصبحت منبت السرور مفجعا
وقد كان ظني أن عند قفولنا … إلى حلب ألقى من الهم مفزعا
стр. 99
فأنشدت بيتي شاعر ذاق طعم ما … شربت بكأسات الفراق تجرعا
فلا مرحبا بالربع لستم حلوله … ولو كان مخضرّ الجوانب ممرعا
ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها … إذا لم يكن شملي وشملكم معا
سألت القاضي عن مولده، فقال: في جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة.
وبلغني أنه توفي في شعبان من سنة خمس وثلاثين وستمائة في ليلة السادس عشر منه.
٩٩ - عبد الله بن عمر بن علي بن زيد اللتي، أبو المحاسن (١):
من أهل شارع دار الرقيق. سمع بإفادة عمه أبي بكر محمد بن علي من أبي القاسم سعيد بن أحمد بن الحسن بن البناء وأبي الوقت عبد الأول السجزي وأبي الفتح بن البطي وأبي علي الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل على الله وأبي المعالي محمد بن محمد بن محمد بن اللحاس في آخرين وحدث. وتفرد بجماعة من شيوخه ومسموعاته، وقد حقق به حديث التقوى، فهو آخر من رواه عاليا، كتبنا عنه، وكان سماعه صحيحا. وسافر إلى الشام، وحدّث هناك وعاد.
مولده في العشرين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين وخمسمائة.
وتوفي في رابع عشر جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستمائة، ودفن بباب حرب، عن تسعين سنة إلا أشهرا (٢).
١٠٠ - عبد الله بن القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري، أبو القاسم ابن أبي محمد (٣):
صاحب المقامات، من أهل البصرة. نزل بغداد وسكنها، وروى بها عن والده «المقامات» و «درة الغواص» و «ملحة الإعراب».
روى عنه شيخانا عبد الوهاب بن الأمين وأبو اليمن الكندي، وسألته عنه، فقال: كان ابن الحريري فقط- يشير إلى قلة علمه.
أخبرنا شهاب الحاتمي بهراة قال: حدثنا أبو سعد بن السمعاني قال: عبد الله بن
стр. 100
القاسم بن علي الحريري أبو القاسم من أهل البصرة سكن بغداد، وهو ابن أبي محمد صاحب المقامات، شاب فاضل متميز، له حظ من الأدب واللغة، مليح الخط.
مولده سنة تسعين وأربعمائة. ولم يذكر وفاته.
١٠١ - عبد الله بن محمد بن الحسين بن ناقيا بن داود بن محمد بن يعقوب، أبو القاسم بن أبي الفتح، الحنفي الشاعر، المعروف بأبي البندار (١):
كان شاعرا مجوّدا، عذب الألفاظ، مليح المعاني، ظريفا، من محاسن الناس، إلا أنه كان مطعونا عليه في دينه وعقيدته. سمع الحديث من أبي القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي وأبي طالب محمد بن علي العشاري والأمير أبي محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر في آخرين. روي عنه شجاع الذهلي وهبة الله بن علي بن المحلى ومحمد بن ناصر السلامي في آخرين- ﵀.
ومن شعره في الشمعة:
أبيت وشوقي مؤنسي وجليسة … يذوب أسى قلبي وجثمانها معا
مساعدة لي ما تملّ وقد حكت … بأحوالها في الليل حالي أجمعا
سهادا ووجدا واصطبارا وحرقة … ولونا وسقما وانتصابا وأدمعا
أكاد أناجيها بشكواي حيرة … ويا راحتي لو كنت صادفت مسمعا
أخبرنا عبد الوهاب بن ظافر بن رواح بقراءتي عليه بالإسكندرية قال: حدثنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي، أنشدنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن الدهان المرتب في المارستان قال: أنشدنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن ناقيا بنفسه:
معتدل القد ليس بالعدل … ألحاظه في القلوب كالنبل
قنعت بالذل في محبته … لأن عزى في ذلك الذل
يوعدني منه بالوصال ولا … يصح من وعده سوى المطل
من لي بنوم أراك فيه وقد … أقررت عيني بزورة من لي
قد طال شوقي إليك يا سكني … فارت دموعي إن كنت ذا خل
أخبرنا شهاب الحاتمي قال: سمعت ابن السمعاني يقول: سألت عبد الوهاب
стр. 101
الأنماطي عن ابن ناقيا فأساء إلينا عليه وقال: ما كان يصلي، وكان يقول: في السماء نهر من خمر ونهر من لبن ونهر من عسل لا ينقط منه شيء، ينقط هذا الذي يخرب البيوت ويهدم السقوف.
مولده في نصف ذي القعدة سنة عشر وأربعمائة، وتوفي في رابع محرم سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ودفن في مقابر باب الشام- رحمه الله تعالى.
١٠٢ - عبد الله بن محمد بن طاهر بن الحسين، أبو بكر العمروي (١):
من أهل طريثيث. قدم بغداد وسمع بها أبا طالب بن غيلان وأبا محمد الحسن بن عيسى ابن المقتدر وأبا القاسم عبد الله بن شاهين في آخرين. وكان أديبا فاضلا بليغا، له مصنفات. قدم بغداد في آخر عمره واستوطنها، وحدث بها. سمع منه السلفي وجماعة.
أخبرني عبد الرحمن بن مكي بن عبد الرحمن بن الحاسب بالإسكندرية قال: أخبرنا جدي لأبي أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قال: أنشدني القاضي أبو بكر عبد الله ابن محمد بن طاهر النيسابوري ببغداد قال: أنشدني أبو طاهر علي بن عبيد الله الشيرازي قال: أنشدني الكافي أبو علي أبزون بن مهبرد العماني لنفسه بعمان:
وقالوا أفق عن سكرة اللهو والصبى … وقد لاح شيب في رجال عجيب
فقلت أخلاي دعوني ولذّتي … فإن الكرى عند الصباح يطيب
مولد الطريثيثي سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وتوفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسمائة.
١٠٣ - عبد الله بن علي بن عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن موسى بن الآبنوسي، أبو محمد الوكيل (٢):
سمع أبا القاسم علي بن المحسن التنوخي وأبا محمد الحسن بن علي الجوهري وأبا طالب محمد بن علي العشاري وأبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري في آخرين؛ وسمع تاريخ بغداد من مصنفه أبي بكر الخطيب ورواه. روى عنه ابن ناصر ومحمد بن عبد الباقي بن البطي في آخرين. جمع له أبو علي بن البرداني فوائد عن شيوخه.
ومن شعره- وليس له غيرهما:
стр. 102
أصبح الناس حثالة … كلهم يطلب ماله
لو بقي في الناس (١) حر … ما تعاطيت الوكالة
قال السلفي: أبو محمد الآبنوسي كان من أهل المعرفة بالحديث وقوانينه التي لا يعرفها إلا من طال اشتغاله بها (٢)، وفي شيوخه وسماعاته كثرة، وكان ثقة، كتبنا عنه بانتقاء أبي علي البرداني الحافظ، وكان شافعي المذهب. سئل عن مولده فقال:
في شوال سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وقيل: سنة سبع وعشرين.
قال شجاع الذهلي: توفي أبو محمد بن الآبنوسي الوكيل في الليلة التي صبيحتها يوم الثلاثاء السادس عشر من جمادى الأولى سنة خمس وخمسمائة، ودفن من الغد في مقبرة الشونيزي- رحمه الله تعالى.
آخر الجزء الرابع من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد لابن النجار، انتقاه أحمد بن أيبك بن عبد الله الحسامي، عرف بابن الدمياطي، سامحه الله لنفسه ثم لمن سأله الله من بعده، الحمد لله على كل حال.
стр. 103
الجزء الخامس من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد
للحافظ أبي عبد الله محمد بن النجار البغدادي انتخاب كاتبه الواثق بالله أحمد بن أيبك بن عبد الله.
стр. 104
(بسم الله الرّحمن الرّحيم) استعنت بالله وحده
١٠٤ - عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن المطهر بن أبي عصرون، أبو سعد بن أبي السري، الفقيه الشافعي (١):
من أهل الموصل، أحد الأئمة الأعيان. قدم بغداد في صباه، وأقام بها مدة، وقرأ القرآن بالروايات على البارع أبي عبد الله الحسين بن محمد الدباس، وقرأ المذهب والخلاف على أسعد بن أبي نصر الميهني، والأصول على أبي الفتح بن برهان، وسمع الحديث من أبي القاسم هبة الله بن الحصين وأبي عبد الله البارع (٢) وأبي علي الحسين بن الخليل النسفي، وسمع بالموصل من جده لأمه أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الباقي الثعلبي. ثم انتقل إلى دمشق ودرّس بها في الزاوية الغربية، ثم قلد قضاء الشام بعد كمال الدين محمد بن عبد الله بن الشهرزوري في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وصنف مصنفات مفيدة في المذهب والأصول والخلاف.
مولده في ثاني عشر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
وتوفي في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة بمدينة دمشق وقد بلغ من العمر ثلاثا وتسعين سنة.
١٠٥ - عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق السجزي، أبو الوقت بن أبي عبد الله الصوفي (٣):
ولد بهراة ونشأ بها، وحمله والده إلى بوشنج، فأسمعه من أبي الحسن عبد الرحمن ابن محمد بن المظفر الداودي جميع صحيح البخاري ومسند الدارمي ومنتخب المسند لعبد بن حميد، وسمع أيضا من أبي القاسم أحمد بن محمد بن محمد العاصمي؛ وسمع
стр. 105
بهراة من أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز الفارسي وأبي صاعد يعلى بن هبة الله الفضيلي وأبي عاصم الفضيل بن يحيى (١) الفضيلي في آخرين. وحدث بالكثير، وسافر إلى العراق، فحدث بأصبهان وهمذان ونهاوند، وقدم بغداد في شوال سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ومعه أصوله، فحدث بها بجميع مروياته.
وكان الوزير أبو المظفر بن هبيرة قد استدعاه، وسمع عليه صحيح البخاري قرأه عليه أبو محمد بن الخشاب، وآخر من قرأه عليه ببغداد أبو محمد بن الأخضر. وكان شيخا صدوقا أمينا، من مشايخ المتصوفين ومحاسنهم، ذا ورع وعبادة مع علو سنه.
وله أصول حسنة وسماعات صحيحة.
أخبرني شهاب بن محمود الحاتمي بهراة قال: حدثنا أبو سعد بن السمعاني من لفظه قال: عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي أبو الوقت سجزي الأصل، هروي المولد والمنشأ، شيخ صالح، حسن الأخلاق والأخلاق (٢)، استسعد بصحبة الإمام عبد الله الأنصاري، وكان صبورا علىالقراءة عليه، محبا للرواية. سمعت أن والده عيسى حمله على رقبته من هراة إلى بوشنج، وسمّعه صحيح البخاري ومسند الدارمي والمنتخب من حديث عبد بن حميد، فلحقته بركة والده.
وسمعت أن والده سماه «محمدا» فسماه الإمام عبد الله الأنصاري «عبد الأول» وكناه «بأبي الوقت».
وقال ابن الصوفي بن وقتة: سألته عن مولده، فقال: في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وأربعمائة بهراة.
قال أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع: توفي أبو الوقت في ليلة الأحد سادس ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، ودفن بالشونيزية. وتقدم بالصلاة عليه الشيخ عبد القادر الجيلي. وكان سماعه للحديث بعد الستين وأربعمائة- ﵀.
١٠٦ - عبد الحليم بن محمد بن الخضر بن محمد بن تيمية، أبو محمد، الفقيه الحنبلي (٣):
من أهل حران. قدم بغداد وتفقه بها حتى برع في الفقه وغيره، وسمع من أبي
стр. 106
الفرج بن كليب وأبي طاهر بن المعطوش وابن الجوزي وابن سكينة في آخرين وحدّث.
قرأ عليه «جزء أبي عوانة» الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي، وسأله عن مولده فقال: في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
وتوفي بحران في السادس والعشرين من شوال سنة ثلاث وستمائة.
١٠٧ - عبد الحميد بن يحيى بن سعد، أبو يحيى الكاتب، مولى العلاء بن وهب العامري (١):
من أهل الأنبار. كان معلما للصبيان، وينقل في البلدان، وكان الرقة؛ وكان من الكتاب البلغاء، وبه يضرب المثل في الكتابة؛ وعنه أخذ المترسلون.
قرأت في كتاب الوزراء لأبي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري قال: أهدى عامل لمروان إلى مروان غلاما أسود، فقال لعبد الحميد: اكتب إليه واذمم فعله في هديته. فكتب إليه: «لو وجدت لونا شرا من أسود وعددا أقل من واحد لأهديته»! وهذا مأخوذ من قول أعرابي قيل له: ما لك من الولد؟ فقال: قليل خبيث، فقيل له:
ما معناك في هذا؟ فقال: لا أقل من واحد، ولا أخبث من بنت. قال: وساير عبد الحميد يوما مروان على دابة، فقال له: كيف سيرها؟ فقال: همها أمامها وسوطها عنانها وما ضربت قط إلا ظلما.
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: بلغني أن عبد الحميد استخفى بعد قتل مروان، فوجد بالشام أو بالجزيرة، فدفعه السفاح إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن، وكان على شرطته، فكان يحمي طشتا بالنار ويضعها على رأسه حتى مات.
١٠٨ - عبد الخالق بن فيروز بن عبد الله بن عبد الملك بن داود الجوهري، أبو المظفر بن أبي جعفر الواعظ (٢):
أصله من همذان، ونشأ ببغداد وسكنها، وسمع به الحديث وبخراسان وأصبهان، ودخل الشام، وسكن مصر وحدّث هناك ووعظ.
ذكر أنه سمع من أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي وإسماعيل بن أبي القاسم
стр. 107
القارئ وزاهر بن طاهر الشحامي وأخيه أبي بكر وجيه في آخرين. وحدث بجزء خرّجه (١) بنفسه عن هؤلاء الشيوخ وغيرهم، سمعه منه الحافظ أبو الحسن علي المقدسي. سمعت أنه لم يكن سماعه من الفراوي صحيحا، وأنه لم يكن موثوقا به، وقد رأيت سماع أخويه بنيسابور أبي جعفر عبد الواحد وأبي عبد الله عبد الكريم ابني فيروز من الفراوي بخط محمد بن علي الطوسي، فلعله وثب على سماع أخويه فادّعاه.
مولده في سابع عشري رجب سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. وتوفي ﵀.
قال ابن الدبيثي: وبلغنا أنه اختلط- يعني عبد الخالق بن فيروز- في شيء من مسموعاته، وادعى سماع ما لم يسمعه، وتكلم الناس فيه ولم يحدّث ببغداد بشيء.
١٠٩ - عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، أبو القاسم النحوي (٢):
تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، قرأ عليه ونسب إليه، وقرأ أيضا على أبي جعفر بن رستم الطبري كلام أبي عثمان المازني وأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش. وسافر إلى الشام، وأملى بدمشق أمالي، روى عنه أحمد بن علي الحبال الحلي وعبد الرحمن بن عمر بن نصر. ويقال: إنه كان متشيعا، فكان إذا قام من مجلسه بجامع دمشق غسلوا موضعه لأجل تشيعه. وله مصنفات، منها الجمل والإيضاح وشرح خطبة أدب الكاتب. ويقال: إنه لما صنف كتاب الجمل لم يضع من مسألة إلا وهو على طهارة.
توفي بطبرية في رمضان من سنة أربعين وثلاثمائة- قاله عبد العزيز بن أحمد الكتاني.
١١٠ - عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي، أبو الفرج الواعظ (٣):
كان والده يعمل الصفر بنهر القلاءين، توفي وهو صغير. فلما ترعرع، حمله عمه
стр. 108
أبو البركات إلى الحافظ أبي الفضل بن ناصر وسأله فسمّعه الحديث. فأسمعه من أبي الحسن علي بن عبد الواحد الدينوري وهبة الله بن الحصين وأحمد بن الحسن بن البنا وأبي السعادات أحمد بن أحمد المتوكلي وجماعة آخرين، تجمعهم مشيخته (١) التي خرّجها لنفسه ولازم ابن ناصر وانقطع إليه، وتخرج به، وقرأ الفقه والخلاف والجدل على ابن الزاغوني ثم على أبي بكر أحمد بن محمد الدينوري وعلى القاضي أبي يعلى، وقرأ الأدب على ابن الجواليقي واشتغل بعلم الوعظ حتى صار أوحد أهل زمانه في ترصيع الكلام. وصنف مصنفات كثيرة لا تحصى في سائر الفنون، وهو آخر من حدث عن الدينوري والمتوكلي. وله الشعر الفائق، والنثر الرائق.
أنشدني أبو الحسن بن القطيعي قال: أنشدنا أبو الفرج بن الجوزي لنفسه:
ولما رأيت ديار الصفا … أقوت من إخوان أهل الصفا
سعيت إلى سد باب الوداد … وأحزن قلبي دناة الوفا
فلما اصطحبنا وعاشرتكم … علمتم بكم أن رأى ورأى
نقلته من خط ابن الجوزي، قال: لا أحقق مولدي، غير أنه مات [والدي] (٢) في سنة أربع عشرة وقالت الوالدة: كان لك من العمر نحو ثلاث سنين.
توفي في ليلة الجمعة المسفر صباحها عن الثاني عشر من رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ودفن بباب حرب.
١١١ - عبد الرحمن بن محمد بن مرشد بن منقذ:
من أهل شيزر (٣). من بيت الإمارة والأدب، قدم بغداد رسولا من الملك الناصر صلاح بن يوسف، روى بها شيئا من شعره.
أنشدني ابن القطيعي قال: أنشدني أبو الحارث عبد الرحمن بن محمد بن مرشد بن منقذ لنفسه ببغداد:
لام العذول على هواه … فقلت عذل لا يفيد
زادت ملامته فقلّوا … من ملامي أو فزيدوا
стр. 109
قد جدد الوجد القديم … لدىّ عارضه الجديد
وأنشدني ابن القطيعي قال: أنشدني أبو الحارث بن منقذ لنفسه:
وأغيد مسب للعقول بوجهه … وثغر تبدى دره من عقيقة
إذا لدغت خدي عقارب صدغه … فليس شفائي غير درياق ريقه
مولده سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. قلت: وتوفي (١).
١١٢ - عبد الرحيم بن عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، أبو المظفر ابن أبي سعد (٢):
من أهل مرو. بكر به والده فأسمعه من أبي الفتح محمد بن عبد الرحمن الكشميهني وأبي طاهر محمد بن محمد بن عبد الله الخطيب وأبي علي الحسن بن علي بن الحسين الشحامي وأبي الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد القشيري وأبي سعد محمد بن إسماعيل المقرئ وأبي البركات عبد الله بن محمد الفراوي وأبي منصور عبد الخالق بن زاهر الشحامي وأبي سعد عبد الوهاب بن الحسن بن عبد الله الكرماني وأبي بكر محمد بن أحمد بن الجنيد الخطيب، وأبي عبد الرحمن محمد بن عبد الخالق الميهني في جماعة آخرين.
وقدم بغداد طالبا للحج في آخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة، فحدّث بها. سمع منه الحافظ أبو بكر الحازمي وأبو الحسن بن القطيعي في آخرين. وقد لقيته بمرو في رحلتي الأولى إلى خراسان، وسمعت منه كثيرا.
وكان فاضلا جليلا نبيلا متدينا محبا لرواية العلم، ذا أخلاق حسنة وسيرة جميلة، وكانت سماعاته التي بخط والده وخطوط المعروفين من المحدثين صحيحة، فأما ما كان بخطه فلا يعتمد عليه، فإنه كان يلحق اسمه في طباق لم يكن اسمه فيها إلحاقا ظاهرا، ويدعى سماع أشياء لم يوجد سماعه منها. وكان متسامحا.
سألته عن مولده، فقال: في ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وخمسمائة بنيسابور.
وتوفي بمرو ما بين سنة أربع عشرة أو ست عشرة وستمائة.
стр. 110
١١٣ - عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشيري، أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم (١):
من أهل نيسابور. كان من أئمة المسلمين وأعلام الدين. ولازم أبا المعالي الجويني ودرس عليه المذهب والخلاف حتى برع من ذلك، وقرأ الأدب حتى صار ينظم وينثر من عقود المعاني سمط حسن المباني. وسمع الحديث من أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني وأبي الحسين عبد الغافر الفارسي وأبي حفص عمر بن مسرور وأبي عثمان سعيد بن أحمد النجيرمي (٢) والحافظ أبي بكر البيهقي في آخرين.
وقدم بغداد وسمع بها أبا الحسين أحمد بن محمد بن النقور وعبد العزيز الأنماطي ويوسف بن محمد بن أحمد المهرواني وعقد مجلس الوعظ ببغداد، وظهر له القبول العظيم. وأظهر مذهب الأشعري، وقامت سوق الفتنة بينه وبين الحنابلة.
ومن شعره:
ليالي وصال قد مضين كأنها … لآلي عقود في نحور الكواعب (٣)
وأيام هجر أعقبتها [كأنها] (٤) … بياض مشيب في سواد الذوائب
وله:
تقبيل خدك أشتهي … أمل إليه أنتهي
لو نلت ذلك لم أبل … بالروح مني أن تهي
دنياي لذة ساعة … وعلى الحقيقة أنت هي
قال ابن السمعاني: توفي في ثمان عشرين جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة بنيسابور.
١١٤ - عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن حمدان بن موسى، أبو الخير بن أبي الفضل، الحافظ (٥):