← Тараджим

Тараджим · id 7467

المجموع في ترجمة العلامة المحدث الشيخ حماد بن محمد الأنصاري (رحمه الله)

عبد الأول بن حماد الأنصاري

Полный текст (857 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فأقول: هو أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري، ينحدر أصله الكريم من سلالة الصحابي الجليل سعد بن عبادة الخزرجي "﵁". نسب أضاء عموده في رفعة ... كالصبح فيه ترفع وضياء ولد الشيخ "رحمه الله تعالى" عام ١٣٤٤هـ بـ (تادمكة) ، إحدى مدن بلاد مالي بإفريقيا الغربية. وقد تلقّى الشيخُ "﵀" تعالى العلوم الشرعية والعربية وغيرها منذ نعومة أظفاره على علماء بلاده، وأكثر من الرحلة والتنقل في طلب العلم في مشارق الأرض ومغاربها، وتتلمذ على مشايخ عدة لا يحصون كثرَة؛ فممن أخذ عنهم بمكة المكرمة: الشيخ عبد الرزاق حمزة، والشيخ حسن المشاط. وممن أخذ منهم بالمدينة النبوية: الشيخ محمد بن تركي، والشيخ عبيد الرحمن المباركفوري الهندي. وقد اعتنى الشيخ "رحمه الله تعالى" بدراسة المصنفات الحديثية، والكتب الفقهية، وعلوم العربية؛ فقرأ "صحيح مسلم"، و "الهداية" للمرغيني "في الفقه الحنفي"، و "ألفيّة ابن مالك"، و "ديوان المتنبي" على الشيخ عمر بري. كما قرأ "موطأ مالك"، و "المغني لابن قدامة" على الشيخ محمد بن تركي. وقرأ "سنن النسائي" على الشيخ محمد الحافظ. كما حظي الشيخ "رحمه الله تعالى" بكثير من الإجازات الحديثية؛ فممن أجازه المحدث الشيخ عبد الشكور الهندي، والمحدث الشيخ عبد الحق العمري، وكذا الشيخ محمد بن عيسى الفاداني، والشيخ عبد الحفيظ الفلسطيني، والشيخ قاسم عبد الجبار الأنديجاني الفرغاني. وقد تبوأ الشيخ "﵀ تعالي" عددا من المناصب العلمية؛ حيث

стр. 107

عمل في مدرسة الصولتية بمكة المكرمة، وفي عام ١٣٧٤هـ انتقل إلى الرياض، حيث عمل فيها مدرسا في المعهد العلمي، وفي عام ١٣٧٥هـ انتقل إلى معهد إمام الدعوة، وفي عام ١٣٨٥هـ انتقل إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، واستمر بالتدريس فيها إلى عام ١٤٠٧هـ، وقد أشرف خلالها على عدد كبير من الرسائل العلمية المقدمة لنيل درجتي الماجستير والدكتوراة في كل من قسمي العقيدة وعلوم الحديث. وقد خلّف الشيخُ "رحمه الله تعالى" وراءه تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة في الفروع والأصول، كمل منها جملة وطبعت، وجملة كثيرة كملها ولكنها لم تطبع بعد "يسّر الله إخراجها لعلوم الانتفاع بها" ومن بعض مؤلفاته المطبوعة: ١- بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني. ٢- رفع الأسى عن المضطر إلى رمي الجمار بالمسا. ٣- رفع الاشتباه عن حديث من صلى في مسجدي أربعين صلاة. ٤- تحقيق القول في حديث (من مضت عليه خمسة أعوام أو أربعة أعوام وهو عني ولم يحج ولم يعتمر) . ٥- كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر. ٦- الإعلان بأن لعمري ليست من الإيمان. ٧- عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري. ٨- الأجوبة الوفية على أسئلة الألفية. ٩- فتح الوهاب فيمن اشتهر من المحدثين بالألقاب.

стр. 108

١٠- إتحاف ذوي الرسوخ بمن عرف بالتدليس من الشيوخ. ١١- يانع الثمر في مصطلح أهل الأثر. ١٢- تحقيق ديوان الضعفاء للذهبي. ١٣- تحقيق ذيل الديوان للذهبي. وقد قام الشيخ "رحمه الله تعالى" بتدريس جملة من المصنفات العلمية "لاسيما ما كان منها في علمي العقيدة والحديث" ومن ذلك: ١- صحيح الإمام البخاري. ٢- صحيح الإمام مسلم. ٣- جامع الترمذي. وكانت للشيخ "رحمه الله تعالى" عناية بالغة به إبَّان تدريسه له في المسجد النبوي الشريف. ٤- كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب للإمام ابن خزيمة. ٥- شرح العقيدة الطحاوية. ٦- شرح يانع الثمر في مصطلح أهل الأثر. وقد تتلمذ على الشيخ كوكبة من كبار الطلبة العلم في العالم الإسلامي وخيارهم "لا تستوعب هذه الترجمة حصرهم" ومن أبرز هم في المملكة العربية السعودية: ١- فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد: عضو هيئة كبار العلماء. ٢- فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور ربيع بن هادي المدخلي: رئيس قسم السنة بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية سابقا.

стр. 109

٣- معالي مدير جامعة الإسلامية فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله العبود. ٤- معالي نائب وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد فضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ. ٥- فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي بن محمد بن ناصر فقيهي: عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية سابقاً، والمستشار بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف. ٦- فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن سعد السحيمي: رئيس قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية. ٧- فضيلة الشيخ الدكتور مرزوق بن هياس الزهراني: مدير مركز خدمة السنة والسيرة النبوية. ٨- فضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ: عميد كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية سابقاً. ٩- فضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف: عضو هيئة التدريس بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية. ١٠- فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد الفهد: المزيد عضو هيئة التدريس بقسم الفقه بكلية الشريعة الإسلامية. ١١- فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن خليفة بن علي التميمي: عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية. ١٢- فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر: عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية.

стр. 110

١٣- فضيلة الشيخ الدكتور مساعد بن سليمان الراشد الحميد. ومن أبرزهم خارج المملكة العربية السعودية: أولاً: شبه الجزيرة العربية: ١٤- فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن حامد الرفاعي اليمني. ١٥- فضيلة الشيخ الدكتور ناصر بن علي عائض الشيخ اليمني. ١٦- فضيلة الشيخ الدكتور فلاح بن إسماعيل مندكار الكويتي. ١٧- فضيلة الشيخ الدكتور فلاح بن ثان السعيدي الكويتي. ١٨- فضيلة الشيخ الدكتور مبارك بن سيف الهاجري الكويتي. ١٩- فضيلة الشيخ بدر بن عبد الله البدر الكويتي. ٢٠- فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي الكويتي. ثانياً: المغرب: ٢١- فضيلة الشيخ الدكتور زين العابدين بلا فريج المغربي. ٢٢- فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي المغربي. ثالثاً: القارة الهندية: ٢٣- فضيلة الشيخ الدكتور شمس الدين بن محمد أشرف السلفي الأفغاني. ٢٤- فضيلة الشيخ الدكتور عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي. ولشيخنا "رحمه الله تعالى" من الذرية إحدى عشر ولدا، ثمان من الذكور وهم: عبد اللطيف، وعبد الحليم، وأحمد، وعبد الباري، وعبد الغني،

стр. 111

وعبد الأول، وعبد الإله، وعاصم، ومن الإناث ثلاثة. وجميعهم إخوة خلص من ذرية زوجته الصالحة أم عبد اللطيف، وكان شيخنا "رحمه الله تعالى" كثيرا ما يثني عليها خيراً. وكان شيخنا "رحمه الله تعالى" يسكن حارة المصانع، ثم انتقل إلى السكنى في الحارة الشرقية في المدينة النبوية، ثم انتقل به المقام إلى منطقة الفيصلية في الجهة الغربية من المدينة، بجانب الجامعة الإسلامية. وقد كان شيخنا "رحمه الله تعالى" ممتلكا لمكتبة علمية زاخرة بشتى العلوم الشرعية الفاخرة، وكان يستقبل أبناءه الطلاب في كل يوم الصباح الباكر حتى صلاة الظهر، ومن بعد صلاة العصر حتى صلاة العشاء. وكان شيخنا "رحمه الله تعالى" خلال هذه الفترة الطويلة متوسطا لمجلس مكتبته العامرة، منهمكا في القراءة والمطالعة، لا يكاد يرفع رأسه من كتابه، يجيب سؤال العيِّ، ويفتي المستفتي، يقصده العلماء والوجهاء وطلبة العلم من شتى أنحاء المعمورة. سأبكيك للديني والدنيا إنني ... رأيت يد المعروف بعدك شُلَّت ربيع إذا ضن الغمام بمائه ... وليث إذا ما المشرفية سُلَّت وكان شيخنا "رحمه الله تعالى" أسمر البشرة، طويل القامة، نحيف الجسم، مخضوباًِ، وكان رجلا مهيبا. وقد أفضى شيخنا إلى رحمة مولاه في الساعة السابعة من صبيحة يوم الأربعاء٢١/٦/١٤١٨هـ الموافق ٢٢/١٠/١٩٩٧م، وله من العمر أربعة وسبعون سنة. وقد صلى عليه بعد صلاة العصر في مسجد النبي ﷺ ، وتقدم للصلاة إمام

стр. 112

الحرم النبوي الشريف فضيلة الشيخ عبد الباري بن عواض الثبيتي. وقد خرج الناس زرافات من أبواب المسجد، وتتابعوا على حمل نعشه، وشيّعَه جمٌّ غفير من تلا ميذه ومحبيه، وماكادت أن تدخل جنازته بقيع الغرقد إلا بشق الأنفس، ودفن الشيخ في الشمال الغربي من المقبرة بجانب بوابتها، وقد حجبت الشمس أثناء دفنه بالسحاب دونها. فكيف احتمالي للسحاب صنيعة ... بإسقائه قبرا في لحده بحر وظهر بذلك قول إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل الشيبانبي: "قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز". من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس وقد استوحشنا سكنى الفيصلية بعد موت شيخنا "رحمه الله تعالى"، فإلى الله نشكو غربتنا، ونسأله الأجر والثواب على عظيم مصيبتنا. عزَّ التصبر والزمان رماني ... بسهامه وترادفت أحزاني أصبحت مكتئبا لفقد أحبة ... جلبت جبلتهم على الإحسان لا صبر لي عنهم وكيف تصبري ... عن ساد ة رحلوا من الأوطان إن أوحشوا نظري فقلبي موطن ... وعمارة الأوطان بالسكان اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نُزله، ووسِّع مُدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خير من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وجازه بالحسنات إحسانا، وبالسيئات عفوا وغفرانا، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له

стр. 113

في قبره، ونورا له فيه. بيض الله وجهه ووقاه ... فزعا يوم القمطرير وهوله وأثاب الفردوس من قال آمين ... وأعطاه يوم يلقاه سؤله وبعد الفراغ من كتابة هذه الكلمات عرضتها على فضيلة الشيخ عبد الباري بن شيخنا حماد الأنصاري وخاصته من تلامذته وأبنائه عضو هيئة التدريس بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية فأقرَّ ما فيها وأضاف إليها بعض الفوائد البهية؛ فله مني وافر الدعاء، وعظيم الثناء. والحمد لله رب العالمين. وكتبها تلميذه المجاور له: الوليد بن محمد بن عبد الله العلي. على ثرى طيبة الطيبة على ساكنها أتم صلاة وأزكى تحية. يوم الأربعاء ٢٢/٦/١٤١٨هـ الموافق ١٢/١٠/١٩٩٧م.

стр. 114

ترجمة الشيخ للشيخ: محمد المجذوب رحمهما الله دراسته ... ترجمة الشيخ للشيخ: محمد المجذوب "رحمهما الله". بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الشيخ حماد بن محمد الأنصاري، أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأثري. ولد عام ١٣٤٣هـ، في مدينة (تاد مكة) التي كانت تعرف بـ (السوق) من (مالي) بإفريقيا الغربية. ولأسرته شهرة في (تنبكتو) عاصمة المنطقة الشرقية من مالي، وينتهي نسبها إلى بني نصير الأنصاريين آخر من حكم غرناطة، آخر معاقل الإسلام في الأندلس. وقد عرفت هذه الأسرة في وطنها المالي بالعلم والفتيا والقضاء قبل الاحتلال الفرنسي وبعده. دراسته: باشر الشيخ دراسته في (تاد مكة) بين الجزائر ومالي في وسط إسلامي صرف، يتوارث أساليب السلف في بث العلم؛ فحفظ القرآن عن ظهر قلب وهو في الخامسة عشرة، ولما بلغ التاسعة عشر كان قد غيب الكثير من متون الفنون التي سيتفرغ لها، وعلى عدد من مشايخ تلك البيئة جعل يواصل دراسته، فأخذ عنهم العلوم الأساسية من العربية، والتوحيد، والفقه، والحديث، والتفسير، والبلاغة، وأصول الشافعي في الفقه، وعن بعض هؤلاء المشيخة تلقى المنطق، الذي لا ينفك موضع العناية لدى الشيوخ في الكثير من بلاد المسلمين، ودرس هناك بعض مبادئ الفلك، التي تعتبر لديهم من متممات الثقافة. ويطل بنا فضيلته على ظروف هذه المرحلة، فإذا هي على غاية من القسوة بالقياس إلى ما يتمتع به طلابنا اليوم من الميسرات؛ إذ كان يسهر الليالي يقرأ ويكتب على ضوء القمر أو وهج النار التي توقد لهذا الغرض عند انتشار الظلام،

стр. 115

وكان على طالب العلم مثله أن يدوِّن ما يقرأ ويحفظ، بأقلام ينحتها بيده من العيدان، وبمداد يصنعه من هباب القدور ممزوجا بصمغ الشجر.. فلا عجب أن يكون للعلم قداسته في تلك البيئة بإزاء الجهود الفادحة التي تبذل لتحصيله. ويخص بالذكر من أساتذته في هذه المرحلة: عمه الشيخ محمد أحمد بن محمد الذي يلقب هناك بـ (البحر) لتبحره في العلوم، ثم خاله محمد أحمد بن تقي، وابن عمه موسى بن الكسائي، والفرضي حمود بن محمود الشريف الحسني. ويقول الشيخ: "سمعت من هؤلاء بالأسانيد المتصلة إلى المؤلفين في معظم ما درست عليهم من العلوم"، وقد أجازوه في ما سواها وفق الطريقة المألوفة في الثقافة الإسلامية من قبل. وبعد قدومه المملكة العربية السعودية اتصل الشيخ بثلة من أهل العلم، أخذ منهم، وحصل على إجازة بعضهم؛ ويذكر من هؤلاء الشيخ عبد الحق العمري، والشيخ عبد الشكور (الهنديين) ، والشيخ عبد الحفيظ الفلسطيني، والسيد قاسم ابن عبد الجبار الفرغاني، والشيخ أبا بكر التنبكتي، والشيخ ابن تركي، والشيخ محمد الخيال (النجدي) ، والشيخ عمار المغربي، والأستاذ محمد الشعراوي البنجري المرتفوري، ومحمد عيسى الفاداني الجاوي المكي، والشيخ اِلأثري عبيد الله المباركفوري، تلميذ المباركفوري صاحب "تحفة الأحوذي شرح الترمذي"؛ ويقول الشيخ إنه جمع أسماء شيوخه من القارتين "آسيا وإفريقيا" مرتب على الحروف الأبجدية في ثبت خاص ... هذا وقد التحق الشيخ بدار العلوم الشرعية بالمدينة المنورة عام ١٣٩٦هـ، في قسم التخصص بالحديث.

стр. 116

أثر البادية: وفي استطلاعنا الشيخ عن أثر البيئة في نشأته لم يزد على الإشارة إلى طوابعها العلمية، وطبيعي أن المتأمل في هذا العرض السريع لصور تلك البيئة لا يفوته إدراك العوامل التي تعاونت على تكوين شخصيته، وحددت لهذه الشخصية معالم السلوك وطرائق التفكير، واِلإتجاه الملتزم الذي صار إليه؛ ولعل في مقدمة هذه العوامل واحداً لم يشر إليه في ما كتب إلينا وهو طبيعة البادية التي أحاطت نشأته؛ فقد علمنا من أحاديث فضيلته الخاصة عن تلك البيئة ما لا يصح إغفاله عند ترجمته. إن البادية هي أول ما فتح عينيه عليه من بقاع مالي، وبالتالي من مشاهد الدنيا، والبادية بما تنطوي عليه من قوة واتساع واستثارة للجهد الشخصي، وبُعد عن فتن الحواضر ومفاسدها وقدرة فائقة على الاحتفاظ بخصائص الفطرة أقرب ما تكون إلى السلامة، ذات آثار لا سبيل لناشئ فيها إلى التخلص منها. ولقد أتيح لنا أن نرافق الشيخ الصديق في بعض الرحلات الجامعية فأطرفنا بالكثير الشيق عن تلك الحياة الحافلة بروح الفروسية، في صحبة الطبيعة الصافية والأنعام الناغية، إلى جانب المناهل الروحية التي طالما أمدته بما يعوزه من غذاء العلم والمعرفة. والذين يعرفون الشيخ عن كثب مثلنا يشعرون بهذه المؤثرات في مظهره وحديثه وتصرفاته، وحتى في نبراته البريئة من كل تكلف؛ وأن ملامح البادية أول ما يطالع الناظر إلى الشيخ حماد الأنصاري: هيكل نحيف أقرب إلى الطول، ووجهه أسمر منمنم لا تكاد اِلابتسامة تفارقه، يخيل إليك أن سمرته أثر من لفح الشمس، ينظر إلى محدثه بعينين سوداوين، ينم صفاؤهما عن ود وذكاء وبساطة

стр. 117

معاً، ومع أنه تجاوز نطاق الشباب، وأطلت من خلال لحيته أشعة الشيخوخة، فما يزايله النشاط الذي يتميز سكان الريف وراكبي الإبل. وكم قلت لإخوان لي وأنا ألاحظ هذا الهيكل الضامر النشيط: إنه ليذكرني بجنود الدعوة أيام زحفوا من هذه الجزيرة يفتحون أرض الله لدين الله. وما أن يتحدث إليك حتى تأخذ هذه الصورة في استكمال عناصرها النفسية، من خلال تلك الصراحة الفطرية، التي لا تكاد تقع على مثلها إلا في النادر. من هذه الصراحة في دروسه مثلا "وبخاصة في حصص التوحيد": شدته على القائلين بالمجاز، وقسوته على المخالفين لمذهب السلف في تقرير صفات الله ﵎. فالقول بالمجاز في القرآن طاغوت بنظر الشيخ، والإنصراف عن صريح البيان إلى ملتويات التأويل في صفات الخالق سبحانه طاغوت؛ لأنه في كلتا الطريقتين عدوان على حقائق الوحي. وهو حين يسوق هذه الأحكام لا يلجأ إلى اللف والدوران، ولا يقدم علاجه المر مغلفا في (برشامة) على طريقة المنفلوطي، بل ويصبه في نبراته الصارمة، فتنزل على أسماع المخالفين "وما أكثرهم" كلذعات السياط، تنسيهم ما وراءها من الأدلة الدامغة، فيذهبون يشيعون عنه ما لم يقله، لأنهم لا يستطيعون الفصل بين حجته وشدته. لقد بلغني ذات يوم أن طالبا قد أشاع عن الشيخ القول بأن لله يدين كيديه، وأنه جعل يمد يديه أثناء ذلك ويهزهما توكيداً لهذا التجسيم، والعياذ بالله؛ ولقيت ذلك الطالب فبينت له خطأه فيما ينقل عنه؛ لأن مذهب الشيخ

стр. 118

إنكار كل تجسيم وتعطيل، وإنما كان يمد يده إشارة إلى أن لله يدين حقيقتين لا كيدينا، إبطالا لما يراه المعطلون والمشبهون؛ وبقليلٍ من التروي نذكر الطالب الواقع ورجع عما رمى به شيخه؛ وطبيعي أنه يذيع عنه تلك الفرية بسوء نية وإنما أخذ بوقع نبراته فاختلط عليه الأمر. وعندما نذكر أثر الحياة البدوية في طباع الشيخ لا ننسى أن نضيف إليه موحيات العزلة التي عاشها مع قومه في تلك البيئة، إذ كان للاستعمار الفرنسي أثره الآخر في إيثارهم إياها، حفاظا على دينهم وعربيتهم، فما يكادون يتصلون به إلا على حذر أو كفاح، وبذلك حموا أنفسهم وذراريهم من أرجاسه فلم تتسرب إلى أخلاقهم لوثة من مباذله، ولم يتسلل إلى ألسنتهم حرف من لغته. ومن هنا كان احتفاظ الشيخ بخصائص تلك البيئة في كل تصرفاته حتى اليوم، فلم تغيره الأحداث قط، على الرغم من كل التغيرات التي أحاطت به منذ هجرته إلى المملكة العربية السعودية عام ١٣٦٦هـ، وما أحسب في مستطاع أي تطور سلخه من تلك الخصائص مهما تبلغ من التأثير في سواه؛ فهو من هذه الناحية كالكثير من غيره ممن استولت مؤثرات البادية على كيانهم فلم تغيرهم الحضارة، ولم يرضوا أن يتغيروا قط، وقد سبق لأحمد بن الحسين "المتنبي" أن عاش الحياتين البدوية والحضرية ثلاثا وخمسين سنة، فالتهم الكثير من علوم الحضر ولابس الكثير من خصائص الحضارة، ولكن ذلك عجز عن أن يتغير من خلقه وأسلوبه البدوي قيد شعرة.

стр. 119

شيوخه المؤثرون: وفي جواب الشيخ عن سؤالنا الخامس بشأن الرجال الذين تركوا أثرهم في حياته، ذكر الشيخ محمد عبد الله بن محمود المدني، إمام المسجد النبوي السابق،

стр. 120

وكذلك الشيخ الكبير محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية الراحل، رحم الله الجميع. ولعل الشيخ قد خص بالذكر هذين الفاضلين لمودة خاصة، أو لأثر قريب، والذي نراه أنه لابد أن يكون لكل من مشايخه الذين عنى بذكرهم أثره في توجيهه وتكوينه؛ ذلك لأن الدراسة على المشايخ في نظام التعليم الإسلامي الذي توشك الطرائق المستحدثة أن تجهز عليه، إنما هي في الواقع "كما أسلفنا" أسلوب من التربية العقلية والنفسية، فهو من جانب تدريس للعلوم المطلوبة في تركيز وتعميق، ومن جانب آخر تطبّع خلقي بمسلك الشيخ الذي أخذ نفسه بوقار العلم، الحامل لطابع القداسة، من حيث صلته بكتاب الله وسنة رسول الله " ﷺ ". وقد لاحظ القارئ تعدد الجنسيات التي نسب إليها أولئك الشيوخ؛ إذ نتصورهم يمثلون معظم العالم الإسلامي، ومعلوم أن هؤلاء (الدوليين) الذين لقيهم الشيخ في ظلال الحرمين ليس ضروريا أن يكونوا مستمري اِلاتصال بمواطنهم الأصلية، بل لعلهم من المقيمين أو المولدين في هذه الربوع المطهرة، ومهما يكن من اختلافهم في الهوية والأنساب فهم ملتقون على خاصة واحدة هي خلوص النية في طلب العلم ونشره ابتغاء مرضات الله، وكفى بهذا امتيازاً يجعل من هذه البيئة مركز إشعاع روحي لا مثيل له في أنحاء العالم، ولا غرابة إذن أن نجد أخانا الشيخ حماداً ثمرة طيبة مباركة لكل هذه المأثرات المباركة الطيبة.

стр. 121

علومه المفضلة: وما أرى القارئ إلا قد أحاط سلفاً بالذي سيكتبه الشيخ في الجواب على سؤالنا المتعلق بالعلوم المفضلة لديه؛ فالتوحيد النابع من مفهومات السلف،

стр. 122

والحديث النبوي، بكل ما يتصل به من علم بالرجال ومراتبهم ورواياتهم ومؤلفاتهم، ثم الفقه، وبخاصة القائم على الدليل من كتاب الله، والثابت من سنة رسول الله " ﷺ " وما لا يتم ذلك كله إلا به من علوم العربية وأدبها وغريبها هي الفنون الأثيرة والملتزمة عند الشيخ، وهو لو شاء أن يخالف الطريق إليها لما وسعه ذلك، لأنها سرت في دمه من أول طلبه للعلم ولم يحد عن سبيلها قط حتى طبعت عقله وخلقه جميعاً. والذي يفهم من أجوبة الشيخ ونعلمه من صحبته أن الحديث الشريف يستقطب معظم جهوده، بل هو المحور الذي حوله يدور سائر الفنون التي يعمل في خدمتها، ويتجلى ذلك مبكراً في البحوث التي كتبها وألَّفها مما نُشر وما لم ينشر.

стр. 123

نشاطه العلمي: ويتحدث الشيخ عن نشاطه في خدمة العلم وطلابه فيقول بأنه قد بدأ ذلك أيام الطلب، إذ ولع في جمع المعلومات المتنوعة في الحديث والتوحيد، نشر بعضا وظل بعضها مخطوطاً. ثم يذكر هذه القائمة من مؤلفاته: ١- سبيل الرشد في تخريج أحاديث ابن رشد في أربعة أجزاء. ٢- فتح الوهاب في الألقاب. ٣- إتحاف ذوي الرسوخ بمن دلّس من الشيوخ. ٤- كشف اللثام عما ورد في دخول مكة بلا إحرام. ٥- كشف الستر عما جاء في شد الرحل إلى القبر.

стр. 124

٦- البت في الطواغيت الست. ٧- دفع الإشتباه عن حديث "من صلى في مسجدي أربعين صلاة". ٨- الإعلان بأن "لعمري" ليس من الأيمان. ٩- الأجوبة الوفية عن أسئلة الألفية. إلى رسائل أخرى كثيرة في الحديث والتوحيد، ولعلها مشرعات لم تستكمل بعد. على أن أحب مؤلفاته إليه يقول هو كتابه الذي يسميه "بلغة القاصي والداني في شيوخ الطبراني"، وقد استوعب أربعة أجزاء مرتبة على الحروف الهجاء.. وهو يرد سبب إيثاره هذا لمؤلفه الذي لا يزال ينتظر النشر إلى ما عاناه في تأليفه من المشاق. ونظرة فاحصة إلى عناوين هذه المؤلفات تمدنا بما لا ينبغي أن نجهله عن مسلكه العلمي وذوقه الأدبي؛ فأما الناحية العلمية فتوكيد لما أشرنا إليه من ألوان تخصصه، وبخاصة في خدمة الحديث، الذي هو قطب الرحى في كل ما يكتب، ذلك أن مؤلفاته كلها لا تخرج عن البحث في الحديث وفقهه ورجاله، حتى التاسع وهو الخاص بقواعد العربية لا يعتبر بعيداً عن ذلك الاتجاه، إذ هو لم يُعْنَ بالقواعد من أساسها إلا ولعلاقتها الوثقى باختصاصه الأكبر. وشئ آخى هو: أن الشيخ لا يقف عند حدود العمل التقليدي في مسيرته العلمية، كما يفعل أولئك الذين لا عمل لهم سوى أن يعيدوا ويبدئوا في ما سبق في تقريره فلان وفلان، على طريقة (ما ترك الأول للآخر) بل هو على الضد من ذلك يحاول الانتفاع بكل معطيات النص، ولو خالف بعض الأكابر من الباحثين فيه، ولتوكيد ذلك ألفت نظر القارئ إلى عناوين الثالث والرابع والسابع والثامن

стр. 125

من مؤلفاته؛ فالبحث في موضوع التدليس ليس جديداً، ولكن فيه مجالا لجديد من الرأي في رجال رموا بالتدليس فاختلف في تقويم رواياتهم، فلا بد أن يكون للشيخ تقرير في أنواعهم وأعيانهم ومدى الانتفاع بها، وفي الحديث عن دخول مكة إزالة للبس كثر كلام الفقهاء به، وفي حديث الأربعين صلاة في مسجده " ﷺ " أخذ وردّ كثير من حيث سنده وفقهه، وقد ذهب إلى تضعيفه، بل رده شيخنا أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، فالشيخ حماد مع تقديره الكبير للشيخ ناصر سابقيه في هذا الصدد لا يرى مانعاً من خلافهم مادام يظن الدليل في غير جانبهم. وهكذا القول في (لَعَمْري) الذي يتوقف على معرفتها حكم شرعي في الإباحة أو الحظر، وقد أوضح الشيخ في العنوان، دون أي لبس رأيه بأنها ليست من الحلف بغير الله، بل هي ضرب من اللغو الذي جرى عليه العرب دون قصد إلى اليمين. ومن هنا يتبين لك أن الشيخ، مع شدته في الحفاظ على مذهب السلف في الأصول لا يسمح للتقليد بالسيطرة على تفكيره في كل ما يتسع للاجتهاد. بقي أن نذكّر القارئ باللون الأدبي الذي يصوره اختيار الشيخ لأسماء كتبه، فلقد صبها جميعاً في قوالب السجع، على طريقة المؤلفين في الأندلس وما بعد العصر العباسي، ولا غرابة في هذا؛ فالشيخ مع تبحره في اللغة لم يعر الأدب من اهتمام أكثر ما يحتاج إليه في نطاق الدراسات الأخرى، فإذا أقبل عليه ففي حدود التفقه لمدلولات الألفاظ والتراكيب، وما يصحب ذلك من التنقيب عن الشواهد، وهذا الطراز من أهل العلم لا يكادون يتجاوزون نطاق الأدب القديم إلى أي لون آخر جديد.

стр. 126

الحافظة العجيبة: ولاستكمال الصورة العلمية للشيخ نرى لزاماً أن نعرض للقارئ انطباعاتنا عن ثقافته بصورة أكثر تركيزاً. في رحلة جامعية صحبناه فيها إلى ينبع "على الساحل مابين مكة والمدينة" وفي إحدى الندوات العلمية بالمخيم، استمعنا إلى فضيلته يحدثنا عن فاتحة الكتاب؛ وأشهد لقد تدفق كالسيل الهادر يقذف أفانين الدرر، فما تلكأ ولا أُرتِج عليه، فكأنما يقرأ في كتاب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من كنوز هذه السورة؛ فهو يتحف سامعيه من هذه الكنوز بما تتسع له المناسبة. ربما أورد خلال حديثه ما يتسع لأكثر من تفسير، فاكتفى بوجهة منه لا يقره عليها بعض الحضور ولكنه لم يدع قلباً هناك إلا ملأه رضى وانفعالاً وإعجاباً. وبعد عام أو أكثر حدثني فضيلة الأخ الأستاذ محمد الصبَّاغ "المدرس في جامعة الرياض" عن مثل إعجابنا به، وذلك أنه سمعه يحاضر في مخيم الجامعة عن معاني الفاتحة فسحَرَ وبَهَر. وقد لاحظت من خلال حديث الأستاذ الصباغ ما خيّل إلي أنني أقع على ميزة أخرى للشيخ حماد هي قوة الحافظة، التي تسعفه باستحضار كل ما يعلمه عن الموضوع الواحد في المناسبات المتباعدة، وهي ميزة يكاد ينفرد بها بعض المتفوقين من علماء الإسلام في إفريقية الغربية، وهي بقية من الخصائص التي عرفت في سلف هذه الأمة، حتى كان منهم من يحفظ نصف مليون حديث بأسانيدها، وقصة الإمام البخاري مع علماء بغداد أشهر من أن تذكر في هذا

стр. 127

الصدد، وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي صاحب "أضواء البيان"، "تغمده الله بواسع رحمته" أنموذجاً عجيباً لهذا الحفظ العجيب. وقصارى القول في ثقافة الشيخ: أنه واحد من بقية الجيل الذي نقل ولا يزال ينقل إلينا تراث الإسلام الحي، وفق النظام التعليمي الذي امتاز به أهل العلم في حضارة الإسلام. وبهذا كان أنموذجاً للرجل الذي وقف وجوده كله على خدمة العلم، فلا ينفك بين تحقيق لكتاب، واستنباط لحكم، واستقصاء لدليل، حتى ليكاد ينسى حق نفسه، بل حق أي فن آخر في هذا المضمار.

стр. 128

أهم الأحداث في حياة الشيخ: وحول الفقرتين ٧و٨ من الاستطلاع قرر الشيخ أن أهم الأحداث التي عاصرها كانت في الحرب العالمية الثانية، إذ ضاعف الفرنسيون ضغطهم على قومه، وشددوا تضييقهم عليه، حتى اضطر إلى الهجرة من مسقط رأسه إلى المملكة العربية السعودية، التي يصفها بأنها البقية الباقية للإسلام على وجه البسيطة. ولاستكمال الحديث عن الشيخ لا مندوحة من تسجيل بعض الجوانب من حياته كما نعرفها ويعرفها المكثر وملازمته من الطلاب والإخوان، لتتوافر للقارئ صورة مركزة عن الخصائص الذي تميزه. لقد وهب فضيلته نفسه للعلم، فهو يقضي جل يومه بين كتبه وطلابه إلى وقت متأخر من الليل، يحقق ويناقش ويوجه، وقد أضاف إلى ذلك "أيامنا هذه" انشغاله بطلبة الدراسات العليا الوافدين إليه من مختلف أنحاء المملكة، والمترددين عليه من طلابه في الجامعة الإسلامية.

стр. 129

وهو إلى ذلك شديد الحرص على لقاء العلماء من زوار المدينة؛ فإذا بلغه قدوم أحدهم هرع إليه للاجتماع به والمذاكرة في كل ما يتصل باختصاصه، ومن هنا كان بعده عن حياة الناس خارج هذا النطاق، فلا يكاد يعرف شيئا من مشاغلهم الدنيوية، بل لا يكاد يعرف الأصول التي تعارفوها في شراء الحاجات اليومية، فلا يساوم بائعاً، بل يؤدي إليه ما يطلبه دون جدال، ولعلي لا أسوء الشيخ إذا قلت للقارئ أن قارورة من الطيب إشتريتها أنا بأربعة ريالات قد اشترى هو أختها بمائة ريال، على أن الشئ الوحيد الذي يمتاز بإتقانه في هذا الجانب هو شراء المطبوعات والمخطوطات، التي يوشك أن يؤثرها بمعظم موارده، حتى تجمع لديه منها مكتبه عامرة لا تقل عن خمسة آلاف كتاب، وكلها في التوحيد والحديث اللذين ينقطع إليهما هذه الأيام. وفي الجو المميز يعيش الشيخ بأخلاق السلف من أهل العلم، تواضعاً كريما، وخلقا حليما، ودماثة تحبب به كل من عرفه من طلبة العلم في مختلف أقطار العالم الإسلامي.

стр. 130

نماذج من نظمه: وحتى الآن كان حديثنا عن الشيخ تلخيصاً لعبارة، أو استنتاجاً من فقرة، أو لمحة عن فكرة، وقد آن لنا أن ننقل إلى القارئ صورة أصيلة من قلمه الذي هو أقدر على رسم ملامحه، وقد اخترنا الأبيات التالية من منظومتين تفضل بها، وإنما آثرها لما تحمل من طوابع أدبه وتخصصه. إنها جزء من منظومة علمية في موضوع طريف هو ضبط الأسماء المتشابه لرواة الحديث، تيسيراً لطلبة العلم، الذين قد يجدون صعوبة غير قليلة في ضبط هذا الضرب من المؤتلف والمختلف، وقد بلغت أبياتها كما أخبرنا مئتين وخمسين وهاك بعضها.

стр. 131

إقرأ أُسيداً بضم الهمزة منحصراً ... في أربع تستفد ما يشبه الدررا منها سليل ظهير، ثم من (سبأ) ... إلى حضير أبي يحيى بذا إشتهرا والساعدي له في الصحب منقبة ... بمالك وسمُوه أينما ذكرا في غير ما مر فتح الهمزة ملتزم ... لدى ذوي الحذق في ذي النوع منتشرا أما أَنيسٌ أبو رُهم فهمزته ... مفتوحة، وانضمامُ غيرهِ سطرا كذا بديل ففتح الباء يلزمه ... مع كسر ذالٍ بموضعين فانتظرا ففي الأبيات كما ترى طبيعة العالم الذي يتمطي متن بالنظم إلى غاية التعليمية، دون أن يعبأ بخصائص الشعر من العاطفة والخيال وما إليهما، والذي أتيح لنا الإطلاع عليه من منظومه في غير هذا النحو يكاد لا يختلف عنه كثيراً من حيث الصياغة والروح، وما ذاك إلا صورة من واقعه النفسي الذي سيطر عليه التخصص في نطاق معين فلا يحسن تجاوزه إلى ما سواه.

стр. 132

آراء تناقش: ونختتم هذه الترجمة بآراء الشيخ في مستقبل الجيل الإسلامي، وواجب علماء الإسلام المعاصرين نحوه، وقد أوجز الجواب على هذه النطاق بما يلي: إن الغزو الفكري وما وراءه من المغريات الوافدة من خارج العالم الإسلامي يشكلان خطراً كبيراً على مستقبله، ويبدوا من تعبير الشيخ أنه شديد التشاؤم فيما يتصل بهذا الجانب، ولكنه مع ذلك غير يائس من إمكان الإصلاح "إذا قيض الله لهذا الدين حماة مخلصين ربانيين.."؛ فهو يعول كثيراً على وجود الحماة من طراز خاص، إلا أنه لا يخبرنا كيف وأين ومتى نجدهم؟.

стр. 133

وفي رأي الشيخ كذلك أن أمضى الأسلحة التي تمكن علماء الإسلام من الوقوف بوجه الزحف الهدام، هو تركيزهم في مخاطبة القلوب على كتاب الله وسنة نبيه " ﷺ "، ويزيد على ذلك القول بأن لا يسمح لأي شاب ولا شابه أن يخرج في تعاليمه ودراساته عن هذه الأصلين، إذ هما في رأيه السبيل الوحيد لتكوين المجتمع الإسلامي المتكامل. إلا أن كلامه في هذا الصدد يظل بنظرنا يحتاج إلى تفسير؛ فالتركيز على الكتاب والسنة حقيقة لا مناص من استحيائها في بناء الجيل الإسلامي المنشود، ولكن لا مندوحة عن التساؤل (كيف يستطيع العلماء إيصال معاني الكتاب والسنة إلى القلوب؟) ، لقد ورد في الأثر وصف كتاب الله بأنه "نبأ من قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، مَن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله". ومعنى هذا: أن لا بد من تفصيل مجمله، وإيضاح مشكله، وإبراز كنوزه، وتجلية محاسنه، لإثبات تفوقه، وكونه الهادي أبداً للتي هي أقوم، فقبل أن ندعوا العلماء إذن لمحاربة الإلحاد وصيانة الجيل من الفساد، علينا أن نعدهم لهذه المهمة العالمية بكل ما يساعدهم على تحقيقها، وأنى لهم ذلك إذ لم تتوافر فيهم صفة القوم الذين بشر بهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه إذ قال: "إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة لهذه الأمة من يجدد أمر دينها" (١) . أما طلب الشيخ ألا يسمح لأي فرد من أبناء المسلمين بالخروج عن تعاليم الإسلام، فذلك أمر فوق طاقة العلماء بعد أن فاتهم القطار، وسيطر على أزمّة التربية والتعليم والإعلان من لا يعلم عن دين الله نقيراً ولا قطميراً.

стр. 134

العلامة المحدث الشيخ: أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري ﵀ نشأته وتلقيه للعلم وشيوخه ... العلامة المحدث الشيخ: أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري "﵀". إعداد: د. عاصم بن عبد الله القريوتي. ضمن كتاب "كوكبة من أئمة الهدى ومصابيح الدجى". العلامة المحدث الشيخ أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري "﵀" (١) هو: مسند الحجاز، الشيخ، العلامة، المحدِّث، المفسِّر. اسمه: هو الشيخ حماد بن محمد بن محمد بن حنة بن مختار بن محمد البشير، من ذرية سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري. ولادتُه: ولد شيخنا "﵀" سنة ١٣٤٤هـ الموافق عام ١٩٢٥م في بلدة (تاد مكة) ، ومعناها عندهم هذه مكة؛ لأنها واقعة مثلها بين أربعة جبال، وكانت تعرف بالسوق من (مالي) بإفريقيا الغربية؛ ولأسرته شهرة في (تنبكتو) عاصمة المنطقة الشرقية من مالي، وينتهي نسبها إلى بني نصر الأنصاريين آخر من حكم غرناطة، آخر معاقل الإسلام في الأندلس؛ وقد عُرفت هذه الأسرة بالعلم والفتيا والقضاء قبل الاحتلال الفرنسي وبعدَه. نشأته وتلقيه للعلم وشيوخه: نشأ الشيخ في بيت علمٍ وفضل وقضاء وفتوى، وأبرز شيوخه هم: ١- خالُه الشيخ المقرئ محمد بن أحمد بن تفي الأنصاري، الملقّب بأستاذ الأطفال "لاعتنائه بإقرائهم القرآن".

стр. 135

وبدأ شيخنا بحفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، إلى أن أتمّه غيبًا وتجويدًا وهو ابن خمس عشرة سنة. وقرأ على خاله ـ أيضًا علم النحو والتصريف. ٢- ابن عمه: علامة عصره، الفهّامة، المحقِّق، الشيخ موسى بن الكسائي الأنصاري. ٣- عمه الشيخ محمد بن أحمد بن محمد، الملقّب بالبحر لعلمِه؛ أخذ عنه علم الأصول والتفسير، وسمع منه "الموطأ" و "صحيح البخاري" و "صحيح مسلم" و "سنن أبي داود" وتلقّى عنه دواوين اللغة، ومتن "مختصر خليل" وغير ذلك من كتب تفاريع الفقه المالكي. ٤- أستاذه الشيخ الشريف الإدريس الحسني: حمود بن محمد: قرأ عليه المنطق وعلم أصول الفقه والتفسير. واستمرّ شيخُنا في مطالعة الكتب والتدريس في بلدة (مناقة) إلى أن هاجر بعد الاستعمار الفرنسي لبلاده إلى بلاد الحرمين عام ١٣٦٧هـ. ولما وصل شيخُنا إلى الحرم المكي الشريف بمكة المكرمة انضمّ إلى الحلقات العلمية هناك التي كانت حول فحول العلماء وأساطينهم، منهم: ١- الشيخ العلامة محمد عبد الرزاق حمزة "﵀" الذي كان يدرّس "تفسير ابن كثير". ٢- الشيخ العلامة المحدث أبو محمد عبد الحق العمري الهاشمي الهندي "﵀" الذي كان يدرّس "صحيح البخاري". ٣- الشيخ العلامة المحدث حسن المشّاط "﵀" الذي كان يدرس "جامع الترمذي". ٤- الشيخ العلامة محمد أمين الحنفي "﵀" الذي كان يدرِّس

стр. 136

"صحيح البخاري". ٥- الشيخ العربي التباني "﵀". ٦- الشيخ محمد أمين الحلبي "﵀" الذي كان يدرّس النحو. ٧- الشيخ العلامة حامد الفقي "﵀". وغيرهم من المشايخ المدرِّسين في الحرم المكي مما حواهم كلهم في "ثبته" في الذين أخذ عنهم في الجزيرة.

стр. 137

رحلته إلى المدينة: التحق شيخُنا بالمدينة في دار العلوم الشرعية عام ١٣٧١هـ في قسم التخصص بالحديث وسمع في المدينة من عدد من الشيوخ منهم: ١- العلامة الشيخ محمد عبد الله بن محمود المدني "﵀"، إمام المسجد النبوي الذي كان قبل الشيخ عبد العزيز بن صالح "﵀". ولقد كتب شيخُنا كتابًا عن شيخه المدني، واستفاد منه بشكلٍ كبير في العلوم الدينية. ٢- الشيخ العلامة محمد بن تركي النجدي: قرأ عليه "الموطأ" و "المغني" لابن قدامة. ٣- الشيخ محمد الخيّال النجدي "﵀": قاضي المحكمة المستعجلة آنذاك. ٤- شيخنا العلامة المؤرّخ القاضي محمد الحافظ بن موسى حميد "﵀": قرأ عليه "سنن النسائي" وأجازه. ٥- الشيخ عمر برِّي "﵀".

стр. 138

٦- الشيخ عمار المغربي "﵀". ٧- الشيخ عبده خديع "﵀".

стр. 139

عودة الشيخ إلى مكة: بعد تخرّجه من دار العلوم الشرعية عام ١٣٧١هـ رجع إلى مكّة للعمل فيها مدرِّسًا بناءً على ما كتبه إليه ابن عمه الشيخ العلامة إسماعيل الأنصاري "﵀"، الذي عمل مدرّسًا آنذاك في مكة بواسطة الشيخ عبد القدّوس الأنصاري "﵀" ليرجع إلى مكة للعمل مدرّسًا فيها. ورجع الشيخ ليعمل مدرّسًا في المتوسطة في السنة الأولى والثانوية في السنة الثانية، والعالي في السنة الثالثة، والتخصص في السنة الرابعة، التي قدم فيها إلى مكة بعض المشايخ منهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم آل الشيخ، وأخوه الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، فذهب إليهما ووجدهما عند أخيهما الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ "﵏ جميعًا" الذي عرّفهما به؛ فعرض الشيخ عبد اللطيف على شيخنا أن يذهب للرياض، وأمر كاتبَه أن يتّصل بعبد العزيز اللجاوي الذي كان مسئولاً عن الأساتذة المبتعثين إلى الكليّات؛ وبالفعل ذهب شيخنا بعد أدائه الحج إلى الرياض، ليعمل مدرِّسًا في كليّة الشريعة، ودرَّس شيخنا بمعهد إمام الدعوة بالرّياض الذي أنُشئ في ذلك الوقت، وبقي فيه من سنة ١٣٧٥هـ إلى سنة ١٣٧٨هـ، ثم نقل الشيخ إلى كليّة الشريعة بالرّياض التي بقي فيها منذ عام ١٣٧٩هـ إلى ١٣٨٤هـ. ثم انتقل شيخنا عام ١٣٨٤هـ إلى المدينة إلى الجامعة الإسلامية إلى أن أُحيل على التقاعُد عام ١٤١٠هـ، وبقي بعدَها على صلة بالجامعة في استمرار إشرافه على ما كان عنده من رسائل جامعية ومناقشات.

стр. 140

شيوخه في الإجازة: لقد أجازه كثيرٌ من العلماء، منهم: ١- شيخنا العلاّمة عبيد الرحمن المباركفوري "﵀" مؤلِّف "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح". ٢- الشيخ عبد الحفيظ الفلسطيني "﵀". ٣- الشيخ قاسم بن عبد الجبّار الأنديجاني "﵀". ٤-العلامة الشيخ حمود التويجري "﵀". ٥- الشيخ المحدِّث العلامة أبو محمد عبد الحقّ الهاشمي.

стр. 141

أسانيده إلى كتب الفهارس والإثبات: إن أسانيد شيخنا حمّاد تتصل بنبينا خير الأنام "﵊"، وبالصّحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم والمشيخات، وبالأئمة الأعلام والحفّاظ الكرام، ودواوين أهل الإسلام، كما هو مسطور في كتب الفهارس والأثبات والمسلسلات وغيرها.

стр. 142

إسناد حديث الرحمة إلى رسول الله ﷺ : ولما كان لشيخنا حماد عناية وسماع لحديث الرحمة؛ إذ يتّصل سنده بأولية السماع في حديث الرحمة من طريق عدة شيوخ، منهم: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الزهراني، والشيخ قاسم بن عبد الجبار الفرغاني الأندجاني، والشيخ العلامة حمود بن عبد الله التويجري "﵏ جميعًا"، ولكونِه أسمعَ كثيرًا من الإخوة الحديث رأيتُ أن أذكر سنده لحديث الأولية من طريق الشيخ العلامة حمود التويجري "﵀":

стр. 143

أخبرنا شيخنا المحدث حماد بن محمد الأنصاري سماعًا للحديث، عن الشيخ المحدث العلامة حمود بن عبد الله التويجري، عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان، عن شيخه مسند وقته أبي الإسعاد السيد محمد عبد الحق بن عبد الكبير الحسني الكتاني، عن أبيه عبد الكبير الكتاني، عن الشيخ عبد الغني بن أبي سيعد المجددي، عن الشيخ محمد عابد الأنصاري السندي، عن عمه محمد حسين الأنصاري السندي، عن الشيخ أبي الحسن السندي، عن الشيخ محمد حياة المدني، عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري ثم المكي، عن الشيخ محمد بن علاء الدين البابلي، عن الشيخ أحمد بن محمد الشهير بابن الشلبي قال ابن الشلبي: أخبرنا الشيخ يوسف بن القاضي زكريا، قال يوسف: أخبرنا الشيخ المعمر إبراهيم بن علاء الدين القلقشندي، قال القلقشندي: أخبرنا الشيخ المعمَّر أحمد بن محمد الواسطي، قال الواسطي: أخبرنا المعمرّر محمد بن محمد الميدومي، قال الميدومي: أخبرنا المعمر عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، قال الحراني: أخبرنا المعمر أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، قال ابن الجوزي: أخبرنا الشيخ إسماعيل بن أبي صالح، قال ابن أبي صالح: أخبرنا والدي أبو صالح أحمد بن عبد الملك، قال أبو صالح: أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أنا الشيخ أبو حامد أحمد بن بلال البزاز، قال أبو حامد: أخبرنا الشيخ عبد الرحمن بن بشر العبدي، قال العبدي: أخبرنا الإمام سفيان بن عيينة (١) وله تسعون سنة، وإليه انتهى التسلسل. ورواه سفيان "بلا تسلسل" عن الإمام الحافظ عمرو بن دينار المكي عن

стр. 144

أبي قابوس يروي عن مولاه عمرو بن العاص حديث الرّحمة وعنه عمرو بن دينار وصحّح الترمذي حديثه عن الصحّابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص قال عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسول الله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". ح. ويرويه شيخنا حمّاد، عن الشيخ حمود، عن الكتّاني، عن المعمر أبي البركات صافي الجعفري بمكّة، عن الشيخ محمد عابد السندي به. قلت: وهذا علوّ واضحٌ. ومن رام زيادة علوّ في الرواية دون السّماع يجده في كتب الإثبات. وقال شيخنا حماد الأنصاري الخزرجي: "هذا الحديث أخرجه البخاري في الكنى، والأدب المفرد، والحميدي، وأحمد في مسنديهما، وأبو داود في سننه، والترمذي في جامعه وقال: حسن صحيح، والحاكم في مستدركه، وصحّحه، والبيهقي في شعبه. وله متابعات وشواهد من حديث ثمانية عشر صحابيًّا". قال العراقي: "هذا حديث حسن، رجاله محتجٌّ بهم في الصّحيح". قال بعضهم: سمعنا حديثًا مسندًا ومسلسلاً ... بأوّل مسموع لنا قد تسلسلا وصُحِّحَ عن سفيان دون تسلسل ... إلى خير مبعوث من الناس أرسلا وقال شيخنا الأنصاري: ومن فقه هذا الحديث الشريف: أن صفة الرحمة من صفات الله التي يجب الإيمانُ بها على الأسس التالية: أ- إثباتها. ب- تنزيهها عن مشابهة صفات المخلوقات. ج- اليأس من إدراك كيفيّتها وكنهها، وقد قال الله في سورة

стр. 145

الشورى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير﴾ ، وقال في سورة البقرة: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء ... ﴾ الآية، وقال في سورة طه: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾ . ومعنى ﴿في﴾ في قوله: ﴿مَن في السماء﴾ يحتمل أحد أمرين كلاهما صحيح: أ- بقاء ﴿في﴾ على الظرفية على أنّ معنى السماء العلوّ، كقوله عن النخلة: ﴿وفرعها في السماء﴾ أي: في العلو. ب- أن تكون ﴿في﴾ بمعنى (على) أي: من على السماء، أي: على أنّ معنى السماء المبنيّة، كقوله : ﴿فسيحوا في الأرض﴾ ، وقوله: ﴿قل سيروا في الأرض﴾ أي: على الأرض. تنبيه: فكلمة ﴿السماء﴾ في القرآن لها خمسة معان: ١- السماء بمعنى العلو كما تقدّم في قوله عن النخلة: ﴿وفرعها في السماء﴾ . ٢- السماء بمعنى المطر، كقوله : ﴿يرسل السماءَ عليكم مدرارًا﴾ أي: المطر؛ لأنّ المطر ينزل من فوق. ٣- السماء المبنية كقوله : ﴿أو لم ينظروا إلى السماء فوقَهم﴾ .
следующие страницы →