← Тараджим

Тараджим · id 7467

المجموع في ترجمة العلامة المحدث الشيخ حماد بن محمد الأنصاري (رحمه الله)

عبد الأول بن حماد الأنصاري

Полный текст (857 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مرضه ووفاته: بدأ مرض شيخنا ليلة قيام الثّالث والعشرين من رمضان عام ١٤١٧هـ في

стр. 177

المسجد النبوي ثم اشتدّ عليه مرضه "جعل الله ذلك كلّه في ميزان حسناته ورفع درجاته وتكفير سيئاته" إلى أن وافاه الأجل المحتوم صباح يوم الأربعاء: ٢١/٦/١٤١٨هـ في طيبة الطيبة فمنَّ الله عليه بالموت بالمدينة ـ غفر الله له. وقد صُلِّي على شيخنا بالمسجد النبوي يوم وفاته بعد صلاة العصر؛ كانت جنازته مشهودة تذكرك بمقولة الإمام أحمد بن حنبل: "قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز"؛ إذ قد تبع الجنازة جمٌّ غفيرٌ من علماء المدينة وقضاتها، وكبار مسئوليها، وأساتذة الجامعات، وطلاّب العلم، ومحبِّي السنة، وأحبابه، وأصحابه.

стр. 178

أولاده: ولقد توفي شيخنا عن زوجة واحدة، وأحد عشر ولدًا؛ منهم ثمان ذكور. وفّقهم الله للسير على خطى أبيهم في العلم وبذلِه، وجعلهم خيرًا من ذلك.

стр. 179

ترجمة موجزة لفضيلة الشيخ: حماد الأنصاري ﵀ نسبه ومولده ... ترجمة موجزة لفضيلة الشيخ: حماد الأنصاري "﵀". منقولة عن خطّ محرِّرها الشيخ إسماعيل الأنصاري "﵀". بعد إدخال بعض التعديلات الطفيفة عليها زيادة في الإيضاح" وهذه التعديلات وما بعدَها بقلم فضيلة الشيخ الدكتور الشيخ صالح الفهد "حفظه الله تعالى". نسبُه ومولدُه: هو: حمّاد بن محمد بن محمد بن حنّة بن المختار بن محمد البشير. من ذريّة سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري. ولد سنة ١٣٤٤هـ في بلدة (تاد مكة) في أفريقيا الغربية من بلاد "مِلِّي" (مالي كما تُسمّى اليوم) .

стр. 180

نشأته وحياته العلمية ومشايخه: نشأ في بيت علمٍ وقضاء وفتوى وتلقّى العلم في بلده عن أجلّة المشائخ؛ وقد شرع في السنة العاشرة من عمره في حفظ القرآن غيبًا وتجويده على خاله المقرئ محمد أحمد بن تقي الأنصاري الملقّب بأستاذ الأطفال لاعتنائه بإقرائهم القرآن؛ فأكمَله حفظًا وتجويدًا وهو ابن خمس عشرة سنة، ثم قرأ على شيخه المذكور في علم التوحيد رسالة أبي محمد بن أبي زيد القيرواني (مالك الأصغر) ، وكذلك تلقّى عنه علم النّحو والتصريف وأجادُهما حتى برّز على أقرانه فيهما. كما أنّه أخذ علم البلاغة عن علاّمة عصره الفهّامة المحقق موسى بن الكسائي الأنصاري. وعلم الأصول عن بحر العلوم عمّه محمد بن أحمد الملقّب لتبحّره بالبحر؛ وعنه أخذ التفسير وسمع (الموطأ) و (الصحيحين) و (سنن أبي داود) ؛ وتلقّى منه دواوين اللغة الستّ ومتن (مختصر خليل بن إسحاق الجندي التركي) وملحقاته من كتب تفاريع الفقه المالكي إلاّ الفرائض فعن أستاذه الجليل الشريف الإدريسي الحسني حمود بن محمود، وعنه أخذ علم المنطق، وعلم المنازل، وعلم الأصول الفقهيّة والاصطلاحيّة والتفسيريّة. هذا، وقد أخذ تلك العلوم عن أولئك العلماء بالأسانيد المتّصلة إلى المؤلِّفين.

стр. 181

وبعد ذلك أكبَّ على مطالعة الكتب والتدريس في بلده (مناقه) إلى أن اشتدت رغبته في الهجرة من بلاده بعد أن استولى الاستعمار الفرنسي عليها ودبّ الإفساد فيها إلى بلاد الإسلام؛ فهاجر سنة ألف وثلاثمائة وست وستين للهجرة. فلما وصل إلى الحرم المكي "مكة المكرّمة" انضمّ إلى الحلقات العلميّة في الحرم آنذاك التي كانت حول بعض العلماء، منهم: الشيخ عبد الرزاق حمزة المصري، وكان يدرِّس في (تفسير ابن كثير) . والشيخ محمد أمين الحنفي، ويدرِّسُ في (صحيح البخاري) . والشيخ حسن مشّاط في (الترمذي) وغيرهم من المشائخ المدرِّسين في الحرم المكِّي، حواهم كلهم ثَبَتُه في الذين أخذ عنهم في الجزيرة العربية في رحلته الثانية إلى آسيا. وأما في المدينة المنورة فقد سمع من الشيخ ابن تركي النّجدي. والشيخ محمد خيّال ـ قاضي المحكمة المستعجلة آنذاك. والشيخ عمار المغربي. وحبيب الرحمن الهندي. وغيرهم من علماء الحرمين. وأجازه غيرُ واحدٍ، منهم: الشيخان المحدِّثان الهنديان: عبد الشكور الهندي، وعبد الحق العمري؛ وهما في باكستان بعد التقسيم. ومحمد بن عيسى الفاداني الجاوي، وعبد الحفيظ الفلسطيني، والسيد قاسم

стр. 182

بن عبد الجبار الفرغاني الأندجاني، والأستاذ محمد الشعراني البنجري المرتفوري الإندونيسي، والعتيق بن سعد الدين الإدريسي، وأبو بكر التنبكتي، وآخرون من علماء نجد، والعراق، والشام، واليمن، وأفريقيا الشرقية، والهند بقسميه، وجاوا بأقسامها. وجميع السماعات والإجازات المذكورة كلها بالأسانيد المتّصلة إلى أصحاب الكتب مجموعة في دفاتر كثيرة عنده (المترجَم) في ثبت يحويها. كما أنّه التحق بدار العلوم الشرعية في المدينة النبوية في قسم التخصّص سنة ١٣٦٩هـ إلى نهاية سنة ٧٠هـ.

стр. 183

أعمالُه ووظائفُه: انتقل من المدينة إلى مكة سنة ١٣٧١هـ وباشر التدريس فيها بالمدرسة الصولتية (نسبة إلى المرأة الهندية المؤسسة لها المعروفة بصولة النساء) الواقعة بحارة الباب، وذلك بعد يومين خليا من شهر صفر، واستمرّ فيها مدرِّسًا في الابتدائيّة والثانوية والعالي إلى نهاية سنة ١٣٧٤هـ. وفي هذه المدرسة التقى بواضع أصل هذه الترجمة ابن عمِّه إسماعيل الأنصاري "عضو الإفتاء حاليًّا بالرياض"، واستفاد كلّ منهما من الآخر؛ حيث اشتغلا ببحوث لا تحصى، إلى أن اختير للتدريس بالرياض في المعهد العلمي التابع لإدارة المعاهد والكليّات؛ وذلك في شعبان سنة ١٣٧٤هـ، ثم نقل مدرِّسًا في معهد إمام الدعوة بالرياض سنة ١٣٧٥هـ؛ واستمرّ فيه يدرِّس في جميع مراحله الابتدائي، والمتوسط، والثانوي، والعالي نهاية سنة ١٣٨١هـ حيث نقل في شهر رجب للتدريس بكليّة الشريعة التابعة للإدارة العامة للمعاهد

стр. 184

والكليات بالرياض، واستمرَّ إلى نهاية سنة ١٣٨٤هـ (١) حيث نقل في مستهلّ عام ١٣٨٥هـ للتدريس في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية. ودار مدرِّسًا في جميع كليّات الجامعة التي افتتحت بعد، منها: كليّة الحديث، وكليّة القرآن، وكليّة اللغة، وكليّة الدعوة؛ إلى أن انتقل إلى الدراسات العليا بالجامعة سنة ١٣٩٦هـ باسم (أستاذ مشارك) (٢) .

стр. 185

مؤلّفاتُه: وقد شرع في التأليف في فنون مختلفة؛ فقد ألّف في النحو كتابًا باسم: (الأجوبة الوفية عن أسئلة الألفيّة) ، وفي التوحيد السلفي كتابًا سمّاه: (أبو الحسن الأشعري وعقيدته) ، وفي الفقه رسالة سماها: (تحفة السائل عن صوم المرضع والحامل) ، ورسالة: (الإعلان بأن "لعمري" ليست من الأيمان) ، وألّف فيما يتعلّق بالحديث كتبًا كثيرة وهي: (الفتح الكبير في تراجم شيوخ الطبراني من المعجم الصغير) ، و (فتح الوهاب فيمن اشتهر من المحدِّثين بالألقاب) ، و (إتحاف ذوي الرّسوخ بمن دلّس من الشيوخ) ، و (تعليق الأنواط في التذييل على صاحب الاغتباط) ، و (سبيل الرشد في تخريج أحاديث بداية ابن رشد) ، و (إعلام الزمرة في أحكام الهجرة) ، و (إعلام الحميم بأقسام العلوم) ، و (يانع الثمر في مصطلح أهل الأثر) ، ونظم (المختلف) للأزدي. و (مبادئ في أصول التفسير) ، و (تاريخ مِلّي ـ أي: مالي ـ في القديم

стр. 186

والحديث) جزآن، و (كشف اللّثام عما ورد في دخول مكة بلا إحرام) ، و (كشف الستر عما جاء في شدّ الرحال إلى القبر) ، و (كشف الستور عن نهي النساء عن زيارة القبور) . وفي السيرة النبوية رسالة بعنوان: (تحقيق السيرة النبوية) . وغيرها من الرسائل المفيدة تحت التحقيق والتهذيب. ومن الجدير بالذكر: أن عند المترجَم مكتبةٌ تحوي أهمّ كتب الحديث بأنواعه المختلفة، مطبوعًا ومخطوطًا تقدّر بثلاثة آلاف مجلّد بما فيها كتب التوحيد وفقًا لسيرة السلف (١) .

стр. 187

محدث المدينة المنورة الشيخ العلامة: حماد بن محمد الأنصاري ﵀ دراسته وشيوخه ... محدث المدينة المنورة الشيخ العلامة: حماد بن محمد لأنصاري "﵀". بقلم: الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي (مكة المكرمة) . في يوم الأربعاء ٢١ من شهر جماد الآخرة ١٤١٨هـ الموافق ٢٢ أكتوبر١٩٩٧م فقدت الأمة الإسلامية علما شامخا من أعلام السنة النبوية ورمزا بارزا من رموزها في هذا العصر بعدما ظل سنين طويلة ينهل طلبة العلم من نبعه الفياض، بل من بحره الزخار ما يرون به غليلهم ويشفي به عليلهم. كان أستاذنا وشيخنا محدث المدينة المنورة ومسندها العلامة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري "﵀" من أبرز من عرفته العلماء ممن يرجع إليهم في هذا العصر لمعرفة السنة النبوية وعلومها، ومصادرها، وأصولها، وقواعدها، وفوائدها، وعللها، وشرحها، وفقهها، والتميز بين صحيحها وضعيفها، ومعرفة غوامضها ومعانيها. ولقد كانت وفاته خسارة كبيرة لطلبة العلوم الشرعية عامة ولطلبة علوم السنة النبوية خاصة. وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما دراسته وشيوخه: ولد الشيخ في أسرة مشهورة في مالي بالعلم والفتيا والقضاء؛ فحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب وهو في الخامسة عشرة من عمره، وحفظ الكثير من كتب المتون وهو في سن التاسعة عشرة، وكان لا يزال يحفظها حتى إلى السنوات الأخيرة من عمره؛ وهذا ميزت بما يمتاز بها كثير من علماء شنقيط والغرب الإفريقي، ومن أبرز ما شاهدت في هذا المجال: شيخنا العلامة محمد أمين الشنقيطي "﵀" صاحب كتاب (أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن) ، وقد حضرت عليه درسا واحدا في الجامعة الإسلامية وكثير من دروسه في المسجد النبوي؛ فكان لا تمرّ عليه مسألة في الأصول، أو المصطلح أو

стр. 188

القواعد، أو غيرها من العلوم إلاّ ويتبعها ببيت من الشعر يدل عليها، وكأن تلك الكتب كلها بين يديه يأخذ منها ما يشاء كالذي يغرف من البحر دون تعب أو مشقة. وكان شيخنا حماد الأنصاري "﵀ منهم"؛ وكما قيل: (من حفظ المتون حاز على الفنون) ، وهذا لا شك إذا كان الحفظ مقرونا بالفهم والنظر كما كان الحال عند هؤلاء العلماء الأجلاء. تلقى الشيخ تعليمه الأول من مشايخ بلده، ومن بينهم: عمه الشيخ أحمد بن محمد الذي يلقب "بالبحر" لتبحره في العلوم، ومن خاله محمد أحمد بن تقي، وابن عمه موسى بن الكسائي، والفرضي حمود بن محمود الشريف الحسني. وإبان الحرب العالمية الثانية اشتد ضغط الفرنسيين المحتلين على المسلمين في مالي حتى أظهر الشيخ وكثير غيره إلى الهجرة من (تاد مكة) إلى (مكة المكرمة) ، حيث وصل المملكة العربية السعودية عام ١٣٦٦هـ؛ ولشيخنا رسالة في وصف هجرته من مالي إلى المملكة العربية السعودية كما كنت سمعت منه في بعض مجالسه في بيته، وأظنها مازالت مسودة والله أعلم. وفي بلاد الحرمين التقى الشيخ بكثير من كبار علماء العالم الإسلامي، وحصل منهم على إجازات للرواية والتحديث؛ ومن بينهم: الشيخ أبو محمد عبد الحق العمري الهندي، المدرس بالمسجد الحرام "﵀"، والشيخ عبد الشكور الهندي، والشيخ عبد الحفيظ الفلسطيني، والسيد قاسم بن عبد الجبار الفرغاني، والشيخ أبو بكر التنبكتي، والشيخ محمد ابن تركي، والشيخ محمد

стр. 189

الخيال النجدي، والشيخ عمار المغربي، والأستاذ محمد الشعراوي البنجري، والشيخ محمد بن عيسى الفاداني الجاوي المكي. ومن بينهم: محدث الهند العلامة الشيخ عبد الله المباركفوري "﵀" صاحب كتاب (مراعاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح) المتوفى سنة ١٤١٤هـ. وعندي "أيضا" إجازة من شيخنا المباركفوري "﵀" برواية كتابه (مشكاة المصابيح) وجميع مسموعاته من شيوخه، كتبها لي "﵀" يوم الأربعاء ٢٦ جماد الآخرة ١٤١٠هـ الموافق ٢٤ يناير ١٩٩٠م. وقد أفاد شيخنا الأنصاري "﵀" في إجازته التي كتبها لي في بيته في المدينة المنورة يوم الأربعاء الموافق ٩/٤/١٤١٥هـ أنه يروي أيضا عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان مدرس التوحيد والحديث في المسجد الحرام كل ما حواه ثبته، ومنه الحديث المسلسل بالأولية. وكذلك يرويه "أي: الحديث المسلسل بالأولية" شيخنا عن شيخه حافظ العصر ومسند الوقت ومحدثه أبي الأسعاد (١) وأبي الإقبال محمد بن عبد الحي بن عبد الكبير المغربي الفاسي، وعن شيخه السيد قاسم عبد الجبار الفرغاني الأندجاني، وعن الشيخ حمود بن عبد الله التويجري. وكانت للشيخ الأنصاري "﵀" إجازة أيضا من الشيخ راغب بن حمود الطباخ "﵀" برواية كل ما جاء في ثبته (الأنوار الجليلة في مختصر الإثبات الحلبية) مكاتبة.

стр. 190

تلاميذه: ظل الشيخ "﵀" ينشر العلم تدريسا وتفقيها وتحقيقا أكثر من ثلاثة وثلاثين عاما؛ حيث عمل مدرسا في المدرسة الصولتية بمكة المكرمة في أول الأمر، ثم انتقل إلى الرياض وعمل مدرسا في المعهد العلمي بالرياض سنة ١٣٧٤هـ، ثم في معهد إمام الدعوة في الرياض أيضا عام ١٣٧٥هـ. وفي عام ١٣٨٥هـ انتقل الشيخ مدرسا بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، واستمر بالتدريس فيها إلى عام ١٤٠٧هـ، حيث أحيل إلى التقاعد. وبالإضافة إلى تدريسه الرسمي في الجامعة الإسلامية، كان الشيخ يلقي دروسا عامة في المسجد النبوي أيضا؛ حيث كان يدرس من (صحيح البخاري) و (صحيح مسلم) و (جامع الترمذي) وغيرها. وأشرف فضيلته على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعة الإسلامية، وقد طبع العديد منها، ومن بينها: كتاب (الأسامي والكنى) لأبي أحمد الحاكم الكبير، و (مختصر الأحكام) للطوسي، و (معجم ابن الأعرابي) ، وغيرها. وخلال هذه الفترة الطويلة درس عليه آلاف من الطلبة من مشارق الأرض ومغاربها من الوافدين إلى الجامعة الإسلامية والمتخرجين فيها. وتلاميذه منتشرون في أنحاء العالم كله وكثير منهم قاموا ولا يزالون بمهمات عظيمة وأعمال جليلة في مجال الدعوة والتعليم وتخرج على أيديهم آلاف مؤلفة؛ فبارك الله في جهودهم وأعمالهم.

стр. 191

وبالإضافة إلى التدريس الرسمي فكما ذكرت سابقا أن بيته كان مقصدا للعلماء من كل أصقاع الدنيا، فكان يفد إليه العلماء من كل حدب وصوب شرقا وغربا للاستفادة منه ومن الكنوز الثمينة الموجودة في مكتبته اطلاعا وقراءة وتصويرا. ومَن كان هذه حاله فلا يحصى عدد تلامذته والمستفيدين منه إلا الله .

стр. 192

عقيدته ومذهبه: لعل من نافلة القول أن أتحدث عن منهج الشيخ "﵀" في العقيدة والعمل؛ فقد كان "﵀" على منهج السلف الصالح عقيدة وعملا واتباعا وسلوكا، وكان في ذلك أشهر من نار على علم، يدعو إليه ويدافع عنه في محاضراته ودروسه ومجالسه، وكلما سنحت له الفرصة، ويعتبر ما يخلف ذلك من الطواغيت، وكان علم التوحيد والحديث من أبرز ما تخصص فيه الشيخ "﵀"، وهما اللذان أخذا جل اهتمامه يدور مع الدليل حيثما دار؛ فإذا ثبت لديه شئ قال به لا يخاف فيه لومة لائم. ولم أسمع منه قط يذكر له مذهبا معينا أو يدافع عن مذهب معين.

стр. 193

مؤلفاته: لقد ظهر مما سبق أن الشيخ "﵀" قضى معظم حياته في التدريس وتربية الأجيال وتخريج العلماء؛ ولذلك لم يستطع أن يتفرغ للتصنيف والتأليف كثيرا، ومع ذلك ترك مجموعة قيمة من المؤلفات والرسائل، ذكرها الشيخ محمد المجذوب في كتابه (علماء ومفكرون عرفتهم) ، والأستاذ عبد الرزاق المحمدي في كلمة له في جريدة (المدينة) عدد الجمعة جماد الآخرة ٣٠/١٤١٨هـ.

стр. 194

فمن مؤلفاته المطبوعة: ١- بلغة القاصي والدني في تراجم شيوخ الطبراني. واعتبره الشيخ أحب مؤلفاته إليه بسبب ما عاناه في تأليفه من المشاق "فيما رواه عنه الشيخ محمد المجذوب". ٢- رفع الأسى عن المضطر إلى رمي الجمار بالمسا. ٣- رفع الاشتباه عن حديث من صلى في مسجدي أربعين صلاة. ٤- تحقيق القول في حديث "من مضت عليه خمسة أعوام أو أربعة أعوام وهو غني ولم يحج ولم يعتمر". ٥- كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر. ٦- الإعلان بأن "لعمري" ليست من الأيمان. ٧- عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري. ٨- الأجوبة الوفية على أسئلة الألفية. ٩- إتحاف ذوي الرسوخ بمن عرف بالتدليس من الشيوخ. وقد نشر أولا في مجلة الجامعة الإسلامية في خمس حلقات بين رجب ١٣٧٧هـ إلى ربيع الثاني ١٣٩٠هـ بعنوان "التدليس والمدلسون"، ثم طبع هذا الكتاب في سنة ١٤٠٦هـ. وقد ذكر فيها (١٦١) شخصا من رواة الحديث وصفوا بالتدليس، جمعهم من كتب الحافظ ابن حجر، وبرهان الدين الحلبي، والحافظ أبي بكر السيوطي. ١٠- فتح الوهاب فيمن اشتهر من المحدثين بالألقاب، ألفه سنة ١٣٨١هـ في مكة المكرمة وانتهى من تبييضه سنة ١٤٠٣هـ.

стр. 195

١١- يانع الثمر في مصطلح أهل الأثر. ١٢- تحقيق كتاب "ديوان الضعفاء والمتروكين" للإمام الذهبي. ١٣- تحقيق كتاب "ذيل ديوان الضعفاء والمتروكين" للإمام الذهبي أيضا. ومن الكتب الأخرى التي لم تطبع: ١٤- سبيل الرشد في تخريج أحاديث ابن رشد. في أربعة أجزاء. ١٥- كشف اللثام عما ورد في دخول بلا إحرام. ١٦- البت في الطواغيت الست. ومما يذكره مترجماه: ١٧- تحقيق كتاب "المستفاد من مبهمات المتن والأسانيد" للحافظ العراقي. ١٨- وفي مقابلة لي بفضيله عند ما كتب لي إجازة مروياته أخبرني أنه يقوم بتحقيق كتاب "شروط الأئمة الست" لابن منده. فلا أدري هل أتم تحقيقه أم لا؟ وللشيخ رسائل وكتيباب أخرى؛ فقد كان "﵀" نشر بعض رسائله في (مجلة الجامعة السلفية) الصادرة في بنارس بالهندن وكانت تصدر باسم "صوت الجامعة"، ثم أصبحت "مجلة الجامعة السلفية"، وأخيراً استقر اسمها على "صوت الأمة"؛ وبهذا الاسم تصدر الآن، وهي في سنتها الثلاثين؛ أطال الله بقاءها، وأعان القائمين عليها، ونفع بها الإسلام والمسلمين. ولا أملك الآن الأعداد القديمة لهذا المجلة حتى أستطيع أن أعرف عناوين الرسائل التي فيها، ولقد بحثت في بعض الأعداد الموجود لدىّ فوجدت فيها في عددي محرم، وصفر ١٣٩٦هـ مقالة بعنوان "تحفة القاري في الرد على الغماري"

стр. 196

وتقع في ٤٩. صفحة؛ وهي في الرد على كتاب "إتحاف الأذكياء في التوسل بالأنبياء وغيرهم من الصالحين والأولياء" للشيخ عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني كما صرح به في أول الرسالة. كما وجدت في العدد المشترك لشهري محرم، وصفر١٤٠٤هـ مقاله بعنوان "لعمري"، وتقع في ثلاثين صفحة من صفحات المجلة، والظاهر أنها في الكتاب المسمى (الإعلان بأن "لعمري" ليس من الإيمان) . وأظن أنه طبع في المجلة نفسها مقال أيضا للشيخ في تحقيق ما ورد في ليلة النصف من شعبان، ومقال آخر في تحقيق ما نسب إلى النبي " ﷺ " من عرض الحديث على القرآن " ما آتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فأنا قلته وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله"، أو نحو هذا. وكان الشيخ "﵀" قطع هذه المقالات من صفحات المجلة وجمعها في مجلة عنده؛ فلابد أنها موجودة في مكتبته العامرة إن شاء الله. وللشيخ منظومة أيضا في ضبط الأسماء المتشابه بلغت مائتين وخمسين بيتا وذكر بعضها الشيخ محمد المجذوب في كتابه. منهج الشيخ في التأليف: لم أطلع على كل مؤلفات الشيخ "﵀" لأنها طبعت في فترات متباعدة جدا ومن الصعب الحصول على كثير منها، ولكن من خلال اطلاعي على ما اطلعت عليه تبين لي أن الشيخ "﵀" في تحقيقه لكتب التراث يركز على تصحيح النص قدر الإمكان ويتجنب تطويل الحواشي. أما رسائله فهي تمتاز بالاستيعاب والجمع لكل ما ورد في الموضوع قدر الإمكان، ثم التحقيق والنقد لتمييز ما صح عنه وما لم يصح، ثم استخلاص

стр. 197

النتيجة على ضوء ما ثبت له بعد البحث والتحقيق، وأسلوبه في كل هذا واضح وسهل ويستفيد منه المتخصص وغير المتخصص على السواء؛ فالقاري المتخصص في علم الحديث أو التوحيد يجد في رسائل الشيخ من الروايات والأحاديث الواردة في المراجع النادرة التي لا يصل إليها كل باحث ميزة الشيخ في هذا الباب أنه ينقل الحديث بإسناده ليطلع عليه من شاء، وهذا له فائدة أهل عند الفن. ثم يتبع بعد ذلك بنقد ودراسة الأسانيد، ويبين ما ورد في رواية من نقد وجرح أو تعديل، ثم يصل بعد ذلك إلى تصحيح الحديث أو تضعيفه حسب القواعد العلمية المقررة. وفي النهاية يسوق خلاصة البحث والنتيجة التي توصل إليها بعد دراسة الأدلة ونقدها. ولنأخذ مثالا على ذلك في رسالته في "لعمري"، وعندما بدأت في قراءة هذه الرسالة بان لي أن هذا الموضوع لم يسبقه أحد بإفراده في رسالة أو تأليف. ولما قرأت خمس صفحات منه وإذا بالشيخ نفسه يصرح بذلك قائلا: (ولقد فتشت وسألت عمن ألف في هذا فلم أجد من قرع بابها قبل قلمي هذا) .

стр. 198

العلامة حماد بن محمد الأنصاري ميراث وتراث سياق النسب الشريف ... العلامة حماد بن محمد الأنصاري ميراث وتراث. بقلم: زين العابدين بن غرم الله الغامدي. الحمد لله الذي نوّر قلوب أوليائه بالإيمان، ورفع درجات أصفيائه في منازل الجنان ما امتلأت قلوبهم إلا بشكره وتوحيده، ولا لهجت ألأسنتهم إلاّ بذكره وتمجيده. بعثَ الرسلَ مبشرين ومنذرين، وجعلهم حجة على خلقه إلى يوم الدين. والصلاة والسلام على النبي الأمي الأمين الذي ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعل أتباعه له كالحواريين. وبعد: فإنه لا يخفى على طالب علم وراغب فهم ما لسير العلماء الربّانيين من مكانة في نفوس الطالبين، وما فيها من عبرٍ وعظات للمتدبرين لما تضمنته من جليل خصالهم، وحميد ذكرهم وفعالهم، ولما لهم من الفضائل المنيفة، والخصال الشريفة؛ ولذلك دأب العلماء في القديم والحديث على تدوين سير أهل العلم والفضل وتراجمهم فألّف الخطيب "﵀": (تاريخ بغداد) ، وصنّف ابن عساكر "﵀" (تاريخ دمشق) ، ودوّن الذهبيُّ "﵀" كتبه الشهيرة: (تذكرة الحفّاظ) ، و (تاريخ الإسلام) ، و (سير أعلام النبلاء) ، وغيرها كثير من المصنَّفات التي عُنيت بتراجم الرجال وطبقاتهم ووفياتهم وأخبارهم وسيرهم مما لا يخفى؛ هذا على وجه العموم. وعلى وجه الخصوص ألَّف الحافظُ ابن رجب "﵀": (مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز) ، و (سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز) ، وألف السخاويُّ "﵀" ترجمةً حافلةً للحافظ ابن حجر أسماها: (الجواهر والدُّرر) ، وألَّف شيخنا الأنصاري ترجمة لشيخه عبد الله المدني بعنوان: (دعوة الشيخ محمد بن عبد الله المدني في الصحراء الكبرى وأثرها) .

стр. 199

وعلى هذا النهج السديد حاولتُ أن أجمع ترجمةً مستوفاةً عن شيخنا الجليل حماد بن محمد الأنصاري "﵀"، راجيًا بذلك الثواب عند الله تعالى ووفاءً لما له عليَّ وعلى سائر طلاب العلم من حقوقٍ لا نستطيع الوفاءَ بها إلا بجهد المقلِّ؛ فبالله أستعينُ، وعليه أتوكّل. وهذا أوانُ الشروع في المقصود، فأقول: لقد حفل تاريخنا الإسلامي في القديم والحديث بأعلامٍ وعظماء كان لهم الذكرُ الحميد والفخر المجيد والأثر البارز التليد؛ لذا سطَّر التاريخ ذكرَهم بمدادٍ من ذهب على جبين الدهر، وما ذلك إلاّ لخصائصهم المتميّزة وآثارهم الموروثة، وما لهم من تأثيرً بارزٍ في مجريات الأحداث من حولهم أو تغيير مسار التاريخ من وجهة إلى وجهةٍ أخرى يريدونها؛ لذا كان التاريخ شاهدًا على أقوالهم النورانية المضيئة وأعمالهم القيِّمة الجليلة ومواقفهم القوية في اللحظات التاريخية الحاسمة؛ فكانوا بحقٍّ رجال مواقف وأرباب مُثُل ودعاة هدًى ونور؛ فاستحقوا شرف تخليد الذكر الحسن في القلوب والأنفس ما بقي تاريخٌ وما عاشت أرواح. ومن هؤلاء الأعلام العظماء البارزين في العصر الحديث الذين كان لهم أثرٌ واضحٌ وميراثٌ وتراث: فضيلة العلامة أبو عبد اللطيف حمّاد بن محمد بن محمد بن محمد حنَّة بن المختار الملقّب (أمتال) ؛ وينتهي نسبُه إلى سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي "﵁"؛ فهو من سلسلة الأنصار المباركة. هذا، وللأنصار تاريخٌ عريقٌ وأثرٌ جليل في خدمة الإسلام ونبي الإسلام " ﷺ "؛ لذا أشاد الوحي الإلهي كتابًا وسنَّةً بذلك في مواضع شتّى: فقال تعالى: ﴿والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يُحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم

стр. 200

خصاصة ومن يوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ ، وقال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسانٍ رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنَّاتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم﴾ ؛ فأيُّ شرفٍ بعدَ هذا الشرف، سيَّما والأنصار تسمية سماويَّةٌ ربانية تشريفًا لهم وتخليدًا لعملهم العظيم في نصرة الله ورسوله " ﷺ " والمؤمنين، وإشادةً بمنقبة النُّصرة التي لا يوازيها منقبةٌ بعد الإسلام. فعن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس "﵁": أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمون به أم سمّاكم الله؟، قال: بل سمانا الله. كنا ندخل على أنسٍ فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدهم ويقبل عليّ أو على رجلٍ من الأزد فيقول: فعل قومُك يوم كذا وكذا (١) . وعن أبي هريرة "﵁" عن النبي " ﷺ " قال: قال أبو القاسم " ﷺ ": "لو أنَّ الأنصارَ سلكوا واديًا "أو شِعبًا" لسلكْتُ في وادي الأنصار؛ ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار"، قال أبو هريرة: ما ظلم آووه ونصروه. أو كلمةً أخرى. سياق النسب الشريف: فضيلة العلامة أبو عبد اللطيف حماد بن محمد بن محمد بن محمد حنَّة بن المختار (أمتال) بن محمد البشير الصَّغير بن القاضي محمد المختار "المعروف (امَّد) " ابن القاضي محمد أحمد الكبير بن القاضي محمد البشير الكبير بن الوليّ أبي محمد محمد بن يوسف الأنصاري "المعروف (إدنتكرنت) " بن إبراهيم بن

стр. 201

هارون بن محمد بن نوح بن محمد بن سلّوم بن يعقوب الأنصاري بن فاخر بن عتاهية بن أبي أيوب الأنصاري بن حيون بن عبد الواحد بن عفيف بن عبد الله بن رواحة بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي "﵁". ويتضح من سياق هذا النسب الشريف مكانة العلامة الأنصاري؛ حيث نستفيد ثلاثة أمور: أولها: أنه من سلالة علم وفقه وقضاء. ثانيهما: صحة نسبته إلى الأنصار "﵃". ثالثهما: عنايته بعلم الأنساب سيَّما نسبُه الشريف؛ فهذا النسب من إملائه "﵀".

стр. 202

وقفات مع سيرته: يعود أصل العلامة الأنصاري "﵀" إلى الأندلس؛ حيث كانت تقطن أسرته التي عاصرت آخر دولها: دولة ابن نصر التي حكمها بنو الأحمر، ونظرًا للصراعات الدائرة بين حكّام الأندلس آنذاك فقد استغلّ الأسبانيّون الفرصة وانقضُّوا على الأندلس واستعمروها مما حدا بأسرة الأنصاري للهجرة منها؛ فتوجهوا إلى المغرب، ووجدوا فيها فتنًا كفتن الأندلس، ثم واصلوا سيرهم تجاه أفريقيا الغربية وتوجّهوا إلى السنغال، ولما وصلوا لم يجدوا فيها الأمن والاستقرار الذي ينشدونه؛ ويبدو أن فتن الاستعمار وقلاقل المستعمرين انتشرت من الأندلس إلى أفريقيا مما حدا بالأسرة الأنصارية أن تنتقل من بلدٍ إلى بلد، ولا

стр. 203

يستقر بها المقام في منقطةٍ واحدة حتى منَّ الله عليهم بالوصول إلى منطقة (تنبكتوا) قرب (مالي) التي كانت تسمّى من قبل (تكرور) (١) . وهنا استقرّت الأسرة المهاجرة، وقامت ببناء قرية بالقرب من (تنبكتوا) متوسطةً بين مالي والجزائر والمغرب الأقصى وليبيا؛ فلما تمَّ بناؤها بارك الله تعالى فيها فصارت مهوى الناس لما فيها من الأمن والأرزاق التي يحتاجها الناس بسبب اشتغال أهلها بالتجارة والكسب؛ لذا صار يرتادها المسافرون من الجزائرين والمغاربة والليبييين. وكان هؤلاء الوافدون إليها باسم التجارة يجدون فيها حاجاتهم من الأغذية والأقمشة ونحوها من ضروريّاتهم؛ ولأنّ هذه القرية الناشئة استقطبت أنظار من حولها للأمن والاستقرار ووفور النعم وتتالي الخيرات فيها فقد سمِّيت باسم (السوق) ، وصار ينسب أهلها إلى هذا الاسم فيقال: (السوقويون) . لكنَّ هذا الاسم لم يلبث حتى تغيَّر وسمِّيت باسم آخر نظَرًا لتطوّرها وتحوُّلها إلى مدينةٍ يتقاطر عليها الحجّاج من كلِّ حدبٍ وصوب؛ وكان هؤلاء القادمون إليها من الحجاج الذين كان مقصدهم مكّة للحج يبقون فيها ويتركون مواصلة رحلة الحج، سيّما القادمين من (نواكشوط) ؛ فسألهم بعض مشايخ السوق لماذا لا تستمرون في طريقكم إلى أداء فريضة الحج؟، فقال عميدهم: (تاد مكَّة) ، أي: هذه مكة، فقال السائل: كيف تكون هذه البلدة مكة؟، قال: لأننا جئنا إليكم متعبين فوجدنا الراحة وما نحتاجه؛ فمن ثَم كثرت هذه الكلمة على ألسنة العامة (تادا مكة، تادا مكة) .

стр. 204

قال الموريتاني: (تادا مكة) ، وقال العامة (تادا مكة) ، أي: هذه مكة؛ فلما كثُر إطلاقها على هذه البلدة نُسي الاسم الأول (السوق) . قال شيخنا الأنصاري: (وقيل: سمِّيت بذلك تشبيهًا لها بمكة؛ لأن (تادا مكة) كانت في وادٍ بين أربعة جبال؛ فهي تشبه مكة المحاطة بالجبال (١) . وفي هذه البلدة المباركة عاشت الأسرة الأنصارية في حياةٍ آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغدًا من كلِّ مكان، شاكرة نعم الله عابدةً له على صراطٍ مستقيم؛ إلى أن جاء القرن التاسع الهجري فغزاها رجلٌ تكروري من مالي اسمه (سِنْغلي) ؛ فقام بقتل أهلها وتشريدهم في الصحراء، وهدم تلك البلدة، حتى لم يبق لها أيّ أثر يذكر وبقيت بعد الغزو الآثم على هذا الحال ولم تُبن بعد ذلك.

стр. 205

لقاء أحد أجداد شيخنا الأعلى بالسيوطي "رحمهما الله ": كان من الفارِّين بدينِهم الذين نالهم أذى الغزو التكروري أحد أجداد شيخنا (محمد بن يوسف الأنصاري) ، وكان من العلماء الكبار آنذاك، ومعه تلميذه: (الشريف: محمد إسحاق أبو الهدى الدَّغوغي (٢) . وقد هربا إلى (النيجر) إلى بلدة اسمها (آير) شرق (النيجر) على حدود ليبيا، وهناك اجتمعا مع الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، وعبد الكريم المغيلي التواتي، وكان قد قدما من القاهرة إلى (النيجر) للدعوة والتعليم، بدعوة من قاضي (آير) محمود البغدادي؛ وهناك اجتمع الثلاثة من غير

стр. 206

مواعدةٍ بينهم، ففتحوا دروسًا في المنطقة تحت إشراف القاضي البغدادي والحافظ السيوطي "رحمهما الله". ولما انتهت الدَّورة الدراسية وعزم كلُّ واحد من الثلاثة (السيوطين والمغيلي، وجدُّ شيخنا) على الرحيل ذهب السيوطي إلى عاصمة نيجيريا (كانوا) بدعوة من رئيسها للتدريس هناك، وذهب معه تلميذه جدُّ شيخنا، وأبو الهدى الشريف، ورجع عبد الكريم المغيلي إلى مسقط رأسه، ونشأتُه منطقة (أدرار) التي عاصمتها (توات) جنوب الجزائر، ورجع جدُّ شيخنا الأعلى محمد بن يوسف الأنصاري إلى وسط مالي في المنطقة الشرقية التي عاصمتها (تنبكتو) جنوب (تادا مكة) التي هُدمت (١) . هذا، وفي (تادا مكة) كان مولد الأنصاري ونشأته؛ حيث نشأ في بيت علم وفتوى وقضاء، وتوفي والده وهو ابن ثمان سنين فكفله عمُّه البحر محمد أحمد "وهو أولُ شيوخه"، ثم أخذه خاله محمد أحمد بن تقي الأنصاري، وعنه أخذ بعض العلوم والمعارف سيّما اللغة. ومن شيوخه في أفريقيا: موسى بن الكسائي، والشريف الإدريسي، والشيخ محمد عبد الله المدني؛ وقد درس عليهم حتى أتمَّ سائرَ الفنون من تفسيرٍ ونحو وفقه وحديث وأدبٍ وشعر وغير ذلك، ثم ترقّى الأنصاري في مراقي العلوم حتى شبَّ عن الطوق وصار صاحب فنٍّ وذوق. ومِن هنا أزمع على الهجرة بعد مجيء الاستعمار الفرنسي بتشجيعٍ من شيخه محمد عبد الله المدني "﵀" الذي أخذ عنه علم التوحيد السلفي،

стр. 207

وعلم الحديث، فاتّجه إلى الحرمين الشريفين، وأخذ عن علمائها، ومنهم: محمد الخيَّال، ومحمد بن تركي، وحامد فقي، وحسن مشّاط، وعبد الرزاق حمزة، والشيخ عمر برِّي، والشيخ عبد الرحمن الإفريقي، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وغيرهم كثير. وأُجيز بالحديث وسائر الفنون، كما أُجيز بالتدريس؛ فدرَّس النحوَ، والبلاغة، وأصول الفقه، وأصول الحديث، والمنطق، وصحيحي البخاري ومسلم، و (سنن الترمذي) ، و (التوحيد) لابن خزيمة، وغيرها. وفاق أقرانَه، واشتهر ذكرُه حتى ذاعَ صيتُه في الأقطار. وكان "يرحمه الله" ذات سمتٍ حسن وهدي نبويٍّ، يعمل بالسنن، طيِّب السيرة، نقيّ السريرة، مع التقوى والورع والزهد في حطام الدنيا، عالمًا، عاملاً، باذلاً نفسَه لطلاّب العلم، لا يبخل بعمله ولا بفهمه، صبورًا على مشاقّ العلم وعقباته، بعيد الهمَّة، حاضر البديهة، سريع الاستحضار، قويّ الذاكرة، حافظًا، زاخرًا بللآلئ العلم ودرارِيه، وسع الإطلاع، غزير المعرفة، مع الحلم والتواضع، والجود والكرم، وبذل النفس، وغير ذلك من الخصال الجميلة والصفات الحميدة؛ فرحمه الله رحمةً واسعة، وجمعنا به في مستقرِّ رحمته.

стр. 208

أدبه وشعرُه: كان الأنصاري "رحمه الله تعالى" أديبًا من الطراز الأول؛ حيث كان معنيًّا بدراسة اللغة والأدب طيلة عشرين سنة، وقد أخبرني أنَّ له ديون شعرٍ، ولكنه ضاع مع مكتبته التي بقيت في البلاد.

стр. 209

وهذا، ومن نماذج أدبه: رسالته في أقسام العلوم الموسومة: (المقامة الأنصارية) ، وهي مخطوطة صاغها بأسلوب المقامات الأدبية، ولها اسم آخر وهو (إعلام الحميم بأقسام العلوم) . هذا، ومن شعره: قصيدة مدح بها الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية "﵀"، قال فيها: ألا من لي بعنس (١) جلمزيز (٢) ... تساعدني بنصِّ (٣) أو هزيزِ (٤) هملَّعَةِ (٥) مضمَّرةٍ (٦) زجول (٧) ... برجليها إذا مَلعتْ (٨) نَهوزِ (٩) تبلِّغُني إلى ملكٍ كريم ... رفيعِ المُنْتَمى عبد العزيز أعزَّ الدِّين بعد الذُّلِّ حينًا ... فدانَ له ملوك الإنجليز وراموا أن يجيز لهم ضلالاً ... كما عُهدوا وما هو بالمُجيز وجدَّد كلَّ مندرسٍ قديم ... وعجَّت ذي المناسك بالأزيز ويوم البذل فهو صَفِيُّ كفٍّ ... وكفُّ الغير كالعنز العزوز (١٠)

стр. 210

وهذه القصيدة تدلُّ على سعة إطلاعه وثروته اللغوية؛ وقد جمعت قصيدته سائر أوصاف الإبل المحمودة عند العرب؛ علمًا بأن الشيخ "يرحمه الله" كتبها على البديعة، وقد سمعتُها منه مرارًا ومن خطِّه المغربي نقلت. ومن شعره الجميل: قصيدةٌ له، نظمها عند هجرته من أفريقيا: قال "﵀": هذه أبياتٌ نظمتها لما غادرت أفريقيا في سنة ١٣٦٦هـ في ١٥/٨، في الحثّ على الهجرة في سبيل الله مع الصبر على مشاقِّ السفر: لله درُّ فتًى يجوب فيافيا ... يسعى بجدٍّ كي ينال أمانيا تسمو بهمته إلى أقصى المدى ... نفسٌ يجود بها تُلين القاسيا يُعنى بأمرٍ طيِّبٍ ما شابهُ ... كدرٌ إلى أسمى المراتب جاريا ويُديم في الليل الطويل تفكّرًا ... شوقًا يقرِّب للحبيب النائيا فمطى (١) إلى محبوبه زيَّافةً (٢) ... بيتٌ دعائمه تفوق سواريا وتضِجُّ أشتاتٌ من الحجَّاج في ... جنباته ويرون نورًا ساميًا هذي إجابةُ ربِّنا لخليله ... لما استوى بعد البناء مناديا فسمتْ إليه بكلِّ فجٍّ ضُمَّرٌ ... ترمي بأرجلها الخِفافَ مواميا وتجرَّدوا لمَّا أتوا ميقاتهم ... وعلى جسو مهموا أفاضوا الصافيا

стр. 211

ويُهلُّ بعد سلامه ذاك الفتى ... من ركعتين خفيفتين مواليا ويقولها لمَّا تجدَّد حاله ... حتى يكون من البيوت مدانيا ويطوف حين قدومه من غيرها ... ريثٌ ويمضي بعد ذلك ساعيا فالفسخ حتمٌ عند حَبرٍ قد سما ... من بعدُ عزمًا ساخطًا أو راضيا ١٥/٨/١٣٦٦هـ هكذا وجدتها بخطه المغربي، وقد أنشدنيها في حياته "يرحمه الله".

стр. 212

خصائص الأنصاري: إنَّ لكلِّ نابغةٍ وعبقري خصائص ومزايا تخصُّه وينفردُ بها عمّن سواه؛ تلك الخصائص والمزايا مؤهّلات لما ينتظره في عالم السموّ من التفرد والنبوغ والذكر الحسن الخالد. ولقد كان للعلامة الأنصاري "يرحمه الله" خصائص امتاز بها عن غيره ومزايا تفرّد بها عن أقرانه ومعاصريه مما كان سببًا في نبوغه وتميُّزه، ومن ثَمَّ تربعه على عرش (المرجعية العلمية) . فكان مرجع العلماء والطلاب على حدٍّ ساء، ولقد تفرَّست فيه طيلة ملازمتي له خلال عشر سنوات؛ فرأيت فيه من سمات الفطنة والذكاء وقوّة الذاكرة وخصائص الألمعية ما يؤهله لمرتبة العبقرية وما يجعله في مصافِّ الأفذاذ البارزين والنوابغ النادرين الذين لا نظيرَ لهم في عصرهم؛ فلقد كان بحقٍّ علَمًا فذًّا، وسيدا جهبِذًا.

стр. 213

فيا ترى ما هي أبرز خصائصه التي حباه الله تعالى إياها حتى تميّز بها عمن سواه ونبغ بها عن غيره؟، وللإجابة عن ذلك فإنه يمكن إيجاز تلك الخصائص في التالي: أولاً: الهمّة العالية: كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" ذا همّة عالية، تفوق همم كثيرٍ ممن كان لهم عناية بطلب العلم وتتبع آثاره الدّارسة. همّةٌ عالية قويّة تتطلع إلى الميزة في كلِّ علم وفن وفي كلِّ زمان ومكان؛ لقد كان هذه الخصِّيصة من أبزر الخصائص التي يتمتع بها المحدث الأنصاري، مما جعله قمَّةً من القِمَمِ المنيفة في حيازة العلم وفي سعة الأفق وتفتح المدارك. فلم يكن يهدأ للشيخ بالٌ ولا يقرُّ له قرار دون بلوغ منيته في القراءة والإطلاع والتأليف والجمع وفي البحث والتنقيب عن نفائس العلم ومخطوطاته في شتّى بقاع الأرض، ولم يكن يسأم من الساعات الطويلة التي يقضيها في ردهات المكتبات في أنحاء البلاد الإسلامية التي رحل إليها في تقصِّي البحث عن الكتب النادرة النفيسة، مع البحث الدءوب والعمل المتواصل ليل نهار تبعثه همّته القوية العلية وعزيمة الصلبة على تخطِّي العقبات وتذليل الصعوبات مهما كانت التضحيات كبيرة وغالية؛ إذْ كان يبذل وقتَه وجهدَه وماله من أجل تطلب العلم والكتب والمخطوطات بلا ضجرٍ أو سآمة، ولو كان ذلك على حساب صحّته البدنية حتى مع كبر السن وتقدُّم العمر. وإذا كانت النفوسُ كِبارًا ... تعبت في مرادها الأجسامُ وكانت تعترضه في البحث أحيانًا مسائلُ عويصة ومشكلاتٌ معضلة، ولكن بالهمّة العالية التي لا يخالطها قنوطٌ ولا يأسٌ أو تردّد كانت تهون وتتيسر

стр. 214

تلك المسائل والمشكلات حتى يبلغ منها مناه "يرحمه الله"؛ وكان كثيرًا ما يحثني على بذل الجهد في التحصيل والهمة فيه، ويتمثّل قولَ الناظم: والعلم ليس بقرقرٍ (١) بل في ذرى ... نيقٍ (٢) يفوت مدى البزاة الصُّيَّد لم يصمه (٣) سهمٌ ولم يبتزه بازٍ ... ولم يصرع برمية مِلْقد (٤) لكن بأشراك الحُلوم وهمَّةٍ ... نفَّاذة الأغراض فليُتصيَّدِ ثانيًا: الصبر والجلَد والمثابرة: كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" ذا جلدٍ كبير، وصبر عظيم، ومثابرةٍ على التحصيل العلمي في شتّى الفنون بلا كللٍ أو مللٍ أو تضجُّر؛ فلا يبلغ مداه في ذلك أحد. وكان يحمل نفسه على عظائم الأمور وسائر المشاق في سبيل بلوغ غايةٍ علمية أو شاردة حديثيّة أو فقهية أو تراثٍ قديم. كان "يرحمه الله" يُجهد نفسه في التنقيب عن مخطوطةٍ نادرة أو كتابٍ نفيس مفقود أو تراثٍ عزيز ليُحييَ أثره ويعيده إلى الوجود بعد أن كان حبيس خزائن الكتب دهرًا طويلاً؛ حتى أنه رحل رحلات كثيرة لأجل هذه الغايات النبيلة؛ لقد صبر على لأواء رحلته من إفريقيا وشدائدها المُرَّة؛ حيث رحل إلى السودان، ومِن ثَم الجزيرة العربية؛ حدثني شيخنا الأنصاري قال: (ما خرجت

стр. 215

من إفريقيا إلاّ لأجل الحديث، وكان عندنا مكتبةٌ كبيرة كلُّ كتابٍ فيها ما عدا كتب الحديث) ؛ فخرج للبحث عن تراث الحديث النبوي الذي لم يكن عندهم في إفريقيا منه إلا الكتب التالية: ١- (الموطأ) مع الزرقاني. ٢- (صحيح البخاري) . ٣- (صحيح مسلم) . ٤- (سنن أبي داود) . ومِن ثَم هاجر راحلاً باحثًا عن تراث السنة النبوية في غير إفريقيا؛ فرحل إلى الهند، وباكستان (١) ، والأردن، وسوريا، وتركيا، ومصر، والمغرب، وتونس، والجزائر، وليبيا، وأسبانيا، وإيطاليا؛ كلُّ ذلك لأجل البحث عن التراث العلمي المفقود والبعيد الموجود. ولم يكن يدركه قنوطٌ أو يأسٌ حينما تُغلق السبل في طريق البحث عن تراث علميٍّ مخطوط، بل كان يواصل رحلة البحث أيّامًا وشهورًا؛ وقد تنقضي السنين ولا يزال يسأل عما يبحث عنه من مخطوطات بدون تراجع أو تردد. ومِن جلَدِه على القراءة: أنه كان يمضي الساعات الطويلة ناظرًا في المطبوعات أو مفتِّشًا في المخطوطات؛ وإذا جاءه مخطوط نادر أو كتابٌ جديد فإنه لا ينام حتى يتمّ قراءته كاملاً حتى يطلع عليه الفجر ولم يكمله، وقد يجيء الضحى وهو مستغرقٌ في القراءة والإطلاع، وكان إدمانه على القراءة "سيّما
следующие страницы →