ويُهلُّ بعد سلامه ذاك الفتى ... من ركعتين خفيفتين مواليا
ويقولها لمَّا تجدَّد حاله ... حتى يكون من البيوت مدانيا
ويطوف حين قدومه من غيرها ... ريثٌ ويمضي بعد ذلك ساعيا
فالفسخ حتمٌ عند حَبرٍ قد سما ... من بعدُ عزمًا ساخطًا أو راضيا
١٥/٨/١٣٦٦هـ
هكذا وجدتها بخطه المغربي، وقد أنشدنيها في حياته "يرحمه الله".
стр. 212
خصائص الأنصاري:
إنَّ لكلِّ نابغةٍ وعبقري خصائص ومزايا تخصُّه وينفردُ بها عمّن سواه؛ تلك الخصائص والمزايا مؤهّلات لما ينتظره في عالم السموّ من التفرد والنبوغ والذكر الحسن الخالد.
ولقد كان للعلامة الأنصاري "يرحمه الله" خصائص امتاز بها عن غيره ومزايا تفرّد بها عن أقرانه ومعاصريه مما كان سببًا في نبوغه وتميُّزه، ومن ثَمَّ تربعه على عرش (المرجعية العلمية) .
فكان مرجع العلماء والطلاب على حدٍّ ساء، ولقد تفرَّست فيه طيلة ملازمتي له خلال عشر سنوات؛ فرأيت فيه من سمات الفطنة والذكاء وقوّة الذاكرة وخصائص الألمعية ما يؤهله لمرتبة العبقرية وما يجعله في مصافِّ الأفذاذ البارزين والنوابغ النادرين الذين لا نظيرَ لهم في عصرهم؛ فلقد كان بحقٍّ علَمًا فذًّا، وسيدا جهبِذًا.
стр. 213
فيا ترى ما هي أبرز خصائصه التي حباه الله تعالى إياها حتى تميّز بها عمن سواه ونبغ بها عن غيره؟، وللإجابة عن ذلك فإنه يمكن إيجاز تلك الخصائص في التالي:
أولاً: الهمّة العالية:
كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" ذا همّة عالية، تفوق همم كثيرٍ ممن كان لهم عناية بطلب العلم وتتبع آثاره الدّارسة.
همّةٌ عالية قويّة تتطلع إلى الميزة في كلِّ علم وفن وفي كلِّ زمان ومكان؛ لقد كان هذه الخصِّيصة من أبزر الخصائص التي يتمتع بها المحدث الأنصاري، مما جعله قمَّةً من القِمَمِ المنيفة في حيازة العلم وفي سعة الأفق وتفتح المدارك.
فلم يكن يهدأ للشيخ بالٌ ولا يقرُّ له قرار دون بلوغ منيته في القراءة والإطلاع والتأليف والجمع وفي البحث والتنقيب عن نفائس العلم ومخطوطاته في شتّى بقاع الأرض، ولم يكن يسأم من الساعات الطويلة التي يقضيها في ردهات المكتبات في أنحاء البلاد الإسلامية التي رحل إليها في تقصِّي البحث عن الكتب النادرة النفيسة، مع البحث الدءوب والعمل المتواصل ليل نهار تبعثه همّته القوية العلية وعزيمة الصلبة على تخطِّي العقبات وتذليل الصعوبات مهما كانت التضحيات كبيرة وغالية؛ إذْ كان يبذل وقتَه وجهدَه وماله من أجل تطلب العلم والكتب والمخطوطات بلا ضجرٍ أو سآمة، ولو كان ذلك على حساب صحّته البدنية حتى مع كبر السن وتقدُّم العمر.
وإذا كانت النفوسُ كِبارًا ... تعبت في مرادها الأجسامُ
وكانت تعترضه في البحث أحيانًا مسائلُ عويصة ومشكلاتٌ معضلة، ولكن بالهمّة العالية التي لا يخالطها قنوطٌ ولا يأسٌ أو تردّد كانت تهون وتتيسر
стр. 214
تلك المسائل والمشكلات حتى يبلغ منها مناه "يرحمه الله"؛ وكان كثيرًا ما يحثني على بذل الجهد في التحصيل والهمة فيه، ويتمثّل قولَ الناظم:
والعلم ليس بقرقرٍ (١) بل في ذرى ... نيقٍ (٢) يفوت مدى البزاة الصُّيَّد
لم يصمه (٣) سهمٌ ولم يبتزه بازٍ ... ولم يصرع برمية مِلْقد (٤)
لكن بأشراك الحُلوم وهمَّةٍ ... نفَّاذة الأغراض فليُتصيَّدِ
ثانيًا: الصبر والجلَد والمثابرة:
كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" ذا جلدٍ كبير، وصبر عظيم، ومثابرةٍ على التحصيل العلمي في شتّى الفنون بلا كللٍ أو مللٍ أو تضجُّر؛ فلا يبلغ مداه في ذلك أحد.
وكان يحمل نفسه على عظائم الأمور وسائر المشاق في سبيل بلوغ غايةٍ علمية أو شاردة حديثيّة أو فقهية أو تراثٍ قديم.
كان "يرحمه الله" يُجهد نفسه في التنقيب عن مخطوطةٍ نادرة أو كتابٍ نفيس مفقود أو تراثٍ عزيز ليُحييَ أثره ويعيده إلى الوجود بعد أن كان حبيس خزائن الكتب دهرًا طويلاً؛ حتى أنه رحل رحلات كثيرة لأجل هذه الغايات النبيلة؛ لقد صبر على لأواء رحلته من إفريقيا وشدائدها المُرَّة؛ حيث رحل إلى السودان، ومِن ثَم الجزيرة العربية؛ حدثني شيخنا الأنصاري قال: (ما خرجت
стр. 215
من إفريقيا إلاّ لأجل الحديث، وكان عندنا مكتبةٌ كبيرة كلُّ كتابٍ فيها ما عدا كتب الحديث) ؛ فخرج للبحث عن تراث الحديث النبوي الذي لم يكن عندهم في إفريقيا منه إلا الكتب التالية:
١- (الموطأ) مع الزرقاني.
٢- (صحيح البخاري) .
٣- (صحيح مسلم) .
٤- (سنن أبي داود) .
ومِن ثَم هاجر راحلاً باحثًا عن تراث السنة النبوية في غير إفريقيا؛ فرحل إلى الهند، وباكستان (١) ، والأردن، وسوريا، وتركيا، ومصر، والمغرب، وتونس، والجزائر، وليبيا، وأسبانيا، وإيطاليا؛ كلُّ ذلك لأجل البحث عن التراث العلمي المفقود والبعيد الموجود.
ولم يكن يدركه قنوطٌ أو يأسٌ حينما تُغلق السبل في طريق البحث عن تراث علميٍّ مخطوط، بل كان يواصل رحلة البحث أيّامًا وشهورًا؛ وقد تنقضي السنين ولا يزال يسأل عما يبحث عنه من مخطوطات بدون تراجع أو تردد.
ومِن جلَدِه على القراءة: أنه كان يمضي الساعات الطويلة ناظرًا في المطبوعات أو مفتِّشًا في المخطوطات؛ وإذا جاءه مخطوط نادر أو كتابٌ جديد فإنه لا ينام حتى يتمّ قراءته كاملاً حتى يطلع عليه الفجر ولم يكمله، وقد يجيء الضحى وهو مستغرقٌ في القراءة والإطلاع، وكان إدمانه على القراءة "سيّما
стр. 216
المخطوطات" أحد أسباب مرض عينيه "يرحمه الله"؛ وقد ذكر لي أنه قرأ (فتح الباري) عشرين مرّة، وما ذلك إلاّ لصبرٍ طويل ودأبٍ على التحصيل.
ثالثًا: البحث والاستقصاء:
يعتبر العلامة الأنصاري "﵀" أحد الأعلام البارزين في مجال البحث العلمي، وعلي يديه قامت حركة علمية؛ فهو الباعث لكثيرٍ من طلاب العلم على البحث والتقصِّي ومواصلة العمل الجادّ، مما شكَّل نهضة علميّةً كبرى سيما في الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي؛ فقد كان له طلاّب لا يُحصون كثرةً منتشرين في سائر بقاع العالم الإسلامي.
هذا، ولقد كان الأنصاري "﵀" باحثًا من الدرجة الأولى، وتميَّز بعدّة مزايا وخصائص في هذا المجال ويمكن تلخيصها في الآتي:
١- اختيار العناوين اللطيفة لمؤلفاته وبحوثه:
كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" يُعنى بانتقاء الاسم المناسب لما يؤلف، ويحرص أن يكون جذّابا للقارئ ومطابقًا للمضمون، ولطيفًا في الوقت نفسه؛ ومن ذلك: (أين القمر؟) ، و (ثمرات المطالعة) ، و (إعلام الحميم بأقسام العلوم) "مخطوطة".
٢- التنوُّع: كان العلامة الأنصاري متنوع الثقافة، موسوعي المعرفة؛ لذا جاءت مؤلفاته فيضًا من مناهل علمه الواسع العميق؛ لذا نراه قد ألّف في عددٍ من التخصصات:
ففي العقيدة: (عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري) ، و (إتحاف الخلاَّن بما ورد في ليلة النصف من شعبان) ، و (تحفة القاري في الردِّ على الغماري) ، وهي مطبوعة.
стр. 217
وفي الفقه: (رفع الأسى عن المضطر لرمي الجمار في المسا) ، و (إعلام الزمرة بأحكام الهجرة) ، و (تحفة السائل عن صوم المرضع والحامل) ، و (كشف اللثام عما ورد في دخول مكة بلا إحرام) ، و (الإعلان بأنّ "لعمري" ليست من الأيمان) وهي منشورة.
وفي الحديث وعلومه: (بطلان الخبر الذي تضمَّن عرض السنُّة على القرآن) "مخطوط"، (تعريف أهل الطاعة بما ورد في التوقيت بالساعة) "مخطوط"، و (تعليق الأنواط في التعليق على صاحب الاغتباط) "مخطوط"، وغيرها.
وفي التاريخ والسيرة: (تحقيق السيرة النبوية) "مخطوط"، (تاريخ ملِّي "أي: مالي" في القديم والحديث) "مخطوط".
وفي التراجم: (إتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس من الشيوخ) "مطبوع"، و (فتح الوهاب فيمن اشتهر من المحدِّثين بالألقاب) "مطبوع"، (دعوة الشيخ محمد عبد الله المدني في الصحراء الكبرى وأثرها) ، (ترجمة لأبي حنيفة) ، (ترجمة كنيز) "مخطوط".
وفي التفسير: (مبادئ في أصول التفسير) "مخطوط"، و (مختصر التفسير) "مخطوط".
وفي النحو: (الأجوبة الوفيّة على أسئلة الألفية) "مخطوط".
إلى غيرِ ذلك من مؤلفاته وبحوثه ورسائله المتنوعة في سائر الفنون.
٣- التحقيق والاستقصاء والعمق:
من مزايا بحوث محدِّث المدينة النبوية "يرحمه الله" ورسائله ومؤلفاته: تحرير المسائل وتحقيقها مع العمق والاستقصاء؛ حيث إنَّ القارئ يجد فيها ما يروى
стр. 218
غلّته ويشفي علّته، ولا يحتاج بعد ذلك إلى عناء البحث والتحقيق، مع الاطمئنان للنتائج التي يتوصل إليها العلامة الأنصاري من خلال تحقيقاته العلمية واستقرائه لسائر جوانب الموضوعات التي يطرقها.
ويتجلّى ذلك في كتبه التالية:
١- (بلغة القاصي والدَّاني في تراجم شيوخ الطبراني) (مطبوع) : قال في مقدِّمته: (وقد جرّدت أسماءَهم من المعجم الصغير وغيره من مؤلفاته فبلغت عدّتهم: ثلاثة وخمسين ومائتين وألف شيخ، وأعتقد أن ليس للطبراني من المشايخ أكثر من هذا العدد) .
فاستقرأ العلامة الأنصاري كلّ هذه التراجم النادرة، وترجم لكلّ علمٍ بترجمة مستقلّة؛ وهذا يدلُّ على سعة اطلاعِه واستقرائه واستقصائه.
٢- (إزاحة الغطاء عن أدلة رفع اليدين في الدعاء) : استقصى فيه سائر ما ورد في رفع اليدين في الدعاء، وبين درجة كلّ حديثٍ من الصحة أو الضعف.
٣- (سبيل الرشد في تخريج أحاديث بداية ابن رشد) : عمد الأنصاري "﵀" إلى (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) فاعتنى بالأحاديث والآثار الواردة فيه، فخرَّجها تخريجًا علميًّا على منهج المحدِّثين، ثم بيّن حكم تلك الأحاديث والآثار من حيث الصحة والضعف.
هذا غيضٌ من فيض يدلّ على عمق علامة المدينة النبوية ومحدِّثها "يرحمه الله" واستقصائه في بحوثه وحسن استقرائه.
стр. 219
خدمته للتراث:
التراث الإسلامي تراثٌ خالد زاخر بالعلوم والمعارف، وله أثرٌ عظيم في سموّ الأمة ورُقيِّها وتطوّرها فكريًّا وثقافيًا وسياسيًّا واقتصاديًا، وفي كافة
стр. 220
مناحي الحياة؛ وأمّة بلا تراث لا تاريخ لها، ومن لا يعرف تراثه فلا حاضر له ولا مستقبل.
ومن هذا المنطلق فقد كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" معنيًّا بالتراث الإسلامي، سيما ما يتعلّق بالعقيدة والشريعة والسنة النبوية؛ وقد صرف جلّ وقتِه الثمين في البحث عن التراث والتنقيب عنه وإبرازه للوجود بكلِّ ما لديه من طاقاتٍ وإمكانيات.
هذا، وتتجلّى عنايته بالتراث وخدمته له وللباحثين عنه في أمور كثيرة أوجزها فيما يلي:
أولاً: رحلته في البحث عنه عبر أقطار العالم، ومحاولته جمع كنوزه وفحصها واقتناءها والعناية بها.
ثانيًا: تزويد الجامعات الإسلامية والمكتبات العامة بنفائس المخطوطات المفقودة والبعيدة الموجودة؛ فقد كان "﵀" يحرص أشد الحرص على اقتناء المخطوطات النفيسة ومِن ثَم تصويرها وإعطاء الأصل للجامعات أو المكتبات العامة، حتى إن أغلب ما في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية من المخطوطات هي من انتقاء شيخنا الأنصاري "يرحمه الله".
ومن المخطوطات النادرة التي كانت في حكم المفقود كتاب (التكميل في الجرح والتعديل) لابن كثير "﵀"، وكان يوجد منه قطعة في مكتبة الحرم النبوي وبقيّته مفقود، وبتفتيش العلامة الأنصاري وجد تتمة الكتاب بمصر عند أحد الورّاقين فاشتراه ثم قام بتصويره، وزوّد مكتبة الحرم بنسخة منه؛ وقد أطلعني شيخنا عليه في مكتبه العامرة، وهو الذي قصّ عليّ قصة هذا الكتاب النفيس المتعلّق بعلم الرجال.
стр. 221
ومن المخطوطات النفيسة التي يعود الفضل لشيخنا الأنصاري في بعثها إلى الوجود بعد أن كانت في حكم المفقود كتاب: (المتفق والمفترق) للخطيب، الذي كان دهرًا طويلاً لا يُعرف عنه شيء، وقد كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" دائم السؤال والتنقيب عنه حتى عثر على جزءٍ منه في مكتبة فضيلة الشيخ ابن حميد "﵀"؛ ولمعرفة شيخنا باشتمال تلك المكتبة على نفائس فقد استأذن في مطالعتها فوجد فيها جزءًا منه، ثم استأذن في تصويره فأذن له، وتابع شيخنا البحث حتى وجد بقية الكتاب، ثم أرسل بقيته مصوّرًا إلى فضيلة الشيخ ابن حميد "﵀" الجميع.
وهو أول من أدخل (سنن سعيد بن منصور) إلى المدينة النبوية.
ثالثًا: خدمة الباحثين عن التراث:
وهم على قسمين:
١- طلاب الدارسات العليا بالجامعات؛ حيث كان الباحثون يفِدون إلى العلامة الأنصاري زرافاتٍ ووحدانًا للاستفادة من شيخنا في عددٍ من الجوانب أهما:
الأول: استشارته في موضوعات رسائلهم للماجستير وأطروحاتهم للدكتوراه وأخذ رأيه السديد في قيمة ما يسجلونه من مخطوطات ومدى الإفادة منها.
الثاني: التعرف على أماكن المخطوطات وما طبع منها وما لم يُطبع وعدد نسخها وصفتها من حيث الجودة ونوع الخط ووضوحه ونحو ذلك.
الثالث: الإشراف على الرسائل والأطروحات العلمية أو مناقشتها.
стр. 222
شيوخه وتلاميذه:
أخذ الشيخ الأنصاري "﵀" عن شيوخٍ كثُر حواهم ثبته المسمى (ثبت الأنصاري) وهو مخطوط، وكان الشيخ في إفريقيا قد درس على المنهج الدراسي الموجود عندهم؛ حيث كانت الدراسة في الكتاتيب؛ وقد أخبرني أنه كان له لوحٌ كبير، يكتب فيه أعلى من قامته لذا، كان له جارية وغلامٌ يحملان له هذا اللوح الخشبي الكبير بالتناوب.
وقد شرع في حفظ القرآن في تمام العاشرة من عمره، وكان الطلاب يجتمعون على شكل حلقاتٍ دراسية في عريش المسجد، ويتوزعون الطلاب حسب الفنون؛ وكان في هذا العريش كتبٌ متنوعة في سائر العلوم ومنها يستفيدون حال المراجعة لحلّ بعض الإشكالات التي قد تعرض للشيوخ أثناء التدريس ونحو ذلك فيُرجع لها عند الحاجة.
ومن شيوخ الأنصاري في أفريقيا خاله: محمد أحمد تقي، وعمه محمد أحمد بن محمد الملقب بالبحر، سُمي بذلك لتبحّره في العلوم، وكان يحفظ (صحيح البخاري) كاملاً بأسانيده، وابن عمه موسى بن الكسائي؛ درس عليهم القرآن الكريم، والتفسير، والنحو، والتصريف، والشعر، وغير ذلك.
وأخذ عن الشريف حمود الفرائض، وعلم التنجيم، وأخذ سائر العلوم عدا الحديث والعقيدة السلفية فلم يأخذها إلاّ عن الشيخ محمد عبد الله بن المحمود المدني الذي كان إمام الحرم المدني، ثم هاجر إلى أفريقيا للدعوة.
ثم لما هاجر إلى الحرمين عام ١٣٦٦هـ أخذ عن علماء الحرمين، ومنهم الشيخ حسن المشّاط، والشيخ عبد الرزاق حمزة، والشيخ محمد بن تركي، والشيخ المحدِّث قاسم بن عبد الجبار الأندجاني الفرغاني، والمحدِّث عبد الحق
стр. 223
العُمري، والشيخ محمد بن عيسى الفاداني، والشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي الذي التقى به عام ١٣٦٩هـ، ولازم دروسه في التفسير إلى عام ١٣٧٠هـ، ثم اقتصر على الإجازة الصيفية، واستمرَّ على ذلك إلى عام ١٣٨١هـ، وغيرهم كثير.
وأما تلاميذه فلا يُحصون كثيرة؛ فقد درَّس الشيخ في المدرسة الصولتية (١) في كلِّ الأقسام وذلك عام ١٣٦٧هـ، ثم باشر التدريس في الحرم المكي من العام نفسه إلى عام ١٣٧٤هـ، وفي عام ١٣٧٥هـ انتدب إلى الرياض للتدريس في معهد إمام الدعوة ومن تلاميذه في الرياض فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ نائب المفتي العام حاليًا خطيب عرفة، والشيخ عبد الله العجلان، وكيل الرئيس العام لتعليم البنات سابقًا، والشيخ غيهب الغيهب، والشيخ عبد الرحمن بن فريّان، والشيخ سعود الفرحان، القاضي بحكمة الرياض آنذاك، والشيخ عبد الله بن راشد؛ وغيرهم، حيث درّسهم العقيدة والحديث والنحو، ثم انتقل إلى المدينة مدرسًا بالجامعة الإسلامية عام ١٣٨٥هـ، واستمر فيها إلى عام ١٤١٠هـ.
ومن الآخذين عنه بالمدينة فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء، وفضيلة الشيخ صالح بن عبد الله العبود معالي مدير الجامعة الإسلامية حاليًّا، وفضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، وفضيلة الشيخ علي بن ناصر فقيهي، وفضيلة الدكتور عبد العزيز بن عبد اللطيف، وفضيلة الدكتور
(١) الصولتية نسبة إلى امرأة تركية، وقفت هذه المدرسة على طلاّب العلم؛ وتُدعى (صولة هانم) . قلت: بل تُدعى (صولة النساء) اهـ. عبد الأول.
стр. 224
عبد العزيز ابن عبد الفتاح القارئ، وفضيلة الدكتور صالح بن فهد المزيد؛ وغيرهم كثير من طلاب الجامعة الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي.
وكان آخر من كان له شرف التتلمذ على يده كاتب هذه السطور؛ حيث لازمه عشر سنواتٍ متتالية، وأجازه العلامة الأنصاري بسائر مروياته وأثباته إجازةً خاصّة وعامّة فلله الحمد والمنة، وللشيخ الشكر والوفاء أبدًا سرمدًا.
стр. 225
مكتبته:
قضى العلامة حماد بن محمد الأنصاري حياته معنيًّا بجمع تراث السلف الصالح المخطوط منه والمطبوع؛ وكان يبذل قصارى جهده في البحث والتنقيب عن مخطوط نفيس أو قطعةٍ مفقودة أو تتمة كتاب لديه بشتّى السبل من سفرٍ أو سؤال أو فحص.
وكان للشيخ الأنصاري "يرحمه الله" القدحُ المعلَّى في هذا الجانب؛ فهو خبيرٌ بالمخطوطات، عارفٌ بخطوطها، قارئ بارعٌ لها حتى الخطوط التي يعجز عن قرائتها الفحول، إلاّ أنه سرعان ما يفكّ رموزها؛ ولقد أطلعني في حياته "يرحمه الله" على كتاب (شرح اعتقاد أصول أهل السنة والجماعة) للالكائي مخطوطًا فرأيته بخطٍّ صغيرٍ دقيق وغير واضح لا يكاد يُقرأ، ورأيته قد نسخه كاملاً بخطّه الجلي فعجبت من معرفة الشيخ وجلده على مثل ذلك السِّفر الضخم؛ ومما يجدر الإشارة إليه أن المحقّق لذلك الكتاب لم يجد عناءً؛ حيث أخذ نسخة الشيخ وهي تعتبر نسخة أخرى للكتاب واعتمدها في التحقيق لعدم قدرته على قرائتها؛ هذا مثالٌ من أمثلةٍ كثيرة تدلُّ على جليل قدر الأنصاري وعلوّ كعبه في مجال المخطوطات؛ لذا كان أغلب طلاب الجامعات في المملكة يعتمدون عليه في هذا الجانب الذي سبقت الإشارة إليه.
стр. 226
هذا، وقد حوت مكتبة الأنصاري أكثر من ألفي مخطوط، جمعها من مكتبات العالم شرقًا وغربًا خلال تطوافه فيها، وعني بها حيث قام بتجليدِها بتجليدٍ فاخر، مع فهرس داخلي لموضوعات بعضها تسهيلاً على الباحث والمطالع.
ومن النفائس التي يحويها قسم المخطوطات بالمكتبة الأنصارية:
(تاريخ دمشق) لابن عساكر، نسختان، منها نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق التي يعتمدها محدِّث الديار الشامية ناصر الدين الألباني.
وأجزاء من (تهذيب الكمال) للمزي.
و (التكميل في الجرح والتعديل) لابن كثير، ولم يكمل.
و (المتفق والمفترق) للخطيب.
وكتابي (الإمام) و (الإلمام) لابن دقيق العيد، أجزاء منها.
وغيرها كثير.
هذا، ومكتبته حافلةٌ بالكتب المطبوعة القديمة والحديثة؛ فلقد كان العلامة الأنصاري "﵀" حريصًا على اقتناء الكتب النادرة والطبعات القديمة والحديث، مع متابعةٍ حثيثةٍ لكل جديد يصدر، سيما في علمي الحديث والعقيدة.
ومكتبته مقسّمة إلى أقسام ومرتّبةٌ على حروف المعجم؛ فقسم للعقيدة، وقسم للحديث وعلومه، وقسم للرجال والتراجم، وقسمٌ للتفسير وعلومه، وقسم للفقه وأصوله، وقسم للغة والمعاجم، وقسم للسيرة والتاريخ.
وهناك قسم مخصَّصٌ للرسائل الجامعة، وغالبها مما أشرف عليه أو كان عضوًا في مناقشته، وقسم للفهارس العلمية لمكتبات العالم؛ وأحفل هذه الأقسام
стр. 227
الخاص بالحديث وعلومه ورجاله؛ وقد أخبرني شيخنا "يرحمه الله" أن هذا القسم يشمل سبعين نوعًا من أنواع علوم الحديث، منها خمسة وستون نوعًا ذكرها ابن الصلاح في مقدّمته، والباقي مما زاده العراقي، حيث أوصلها للمائة.
وبهذا تكون المكتبة الأنصارية من أجمع المكتبات الخاصة في المملكة التي عنيت بالحديث وعلومه.
هذا، وكان الشيخ حماد الأنصاري "﵀" قد جعل غالب وقتِه في المكتبة لخدمة طلاب العلم والوافدين عليه من أقطار العالم الإسلامي؛ حيث تُفتح المكتبة من بعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء يوميًّا طيلة أيام الأسبوع، وأما في يوم الخميس فهي مفتوحة من الساعة التاسعة صباحًا إلى العشاء.
وكان من عادته أن يدخل المكتبة ويبدأ بالمطالعة والبحث، وفي تلك الأثناء يستقبل طلاب العلم القادمين إليه إمّا لزيارة أو للسؤال أو لبحث معتمدين على الشيخ في مصادر البحث المخطوطة والمطبوعة.
وكان أول الداخلين عليه كاتب هذه السطور؛ لأنني أحيانًا كنت أصلي مع الشيخ وندخل وإياه المكتبة معًا، وكان يلاطفني أحيانًا ويقول: (أنت سمكة المكتبة) ؛ فرحم الله شيخنا الأنصاري، وجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء وأوفاه، وجمعنا به في مستقرّ رحمته.
стр. 228
رحلاته:
رحل علامة الأنصار "﵀" باحثًا عن تراث السنة النبوية في غير أفريقيا؛ فرحل إلى الحرمين، ثم رحل إلى الهند، والباكستان (١) ، والأردن،
стр. 229
وسوريا، والمغرب، وتونس، والجزائر، وليبيا، ومصر العربية، وأسبانيا، وإيطاليا، وغيرها؛ كلُّ ذلك لأجل البحث عن التراث العلمي، وقد قيّد غالب رحلاته في مذكرات يوميّة؛ وقد أطلعني "يرحمه الله" عليها، وهي مطبوعة في مجلّدٍ كبير غير منشور.
стр. 230
مرض الشيخ ووفاته:
أفنى الشيخُ العلامة المحدِّث حماد الأنصاري حياتَه في سبيل نشر ميراث السنة النبوية التي ورثها عن النبي " ﷺ " وصحبه الكرام، وكما ناصر الأنصارُ رسولَ الله " ﷺ " بالسيف فقد ناصر الأنصاري النبي " ﷺ " بالقلم؛ فنشر سنّته ودافع عنها في حياته كلِّها ولآخر نفس من حياته.
هذا، وقد بدأ مرض الشيخ "﵀" بإصابته في قدمه؛ حيث شَعُر الشيخ فجأةً بألمٍ في ركبته اليمنى مما سبب له عدم استطاعته القيام والحركة، ثم تطوّر المرض إلى حمّى وسخونة عامّة، وتم نقلُه إلى (مستشفى الملك فهد بالمدينة) في ثالث أيام عيد الفطر، صبيحة يوم الاثنين الموافق ٣/١٠/١٤١٧هـ، وبقي في المستشفى حتى أُصيب بجلطة في الدّماغ تسبّبت في غيبوبة متقطّعة، ثم تطوّر إلى أن غاب عن الوعي تمامًا، وفي يوم ١١/١٠ من العام نفسه نقل إلى المستشفى التخصصي بالرياض في تمام الساعة الواحدة ظهرًا.
هذا، ولم يكن يرغب الشيخ في الخروج من المدينة، ولم يخرج منها منذ عام ١٤٠٩هـ إلى وقت مرضه؛ حيث أُخرج منها بسبب ذلك، وبقي في الرياض عدّة أشهر، ثم تمَّ نقلُه إلى المدينة النبوية بعد تحسّن بطيء (١) .
стр. 231
ثم وافاه الأجلُ المحتوم في يوم الأربعاء الموافق ٢١/٦/١٤١٨هـ في حوالي الساعة السابعة صباحًا بمستشفى طيبة بالمدينة النبوية.
﵀ رحمةً واسعةً، وجمعنا به في مستقرّ رحمته.
وصليّ عليه في المسجد النبوي صلاة العصر، وشهد جنازته "يرحمه الله" حشدٌ هائلٌ من العلماء والمشايخ ومن طلاّبه ومحبِّيه وما أكثرَهم.
وبذلك فقَدَ العالمُ الإسلاميُّ علَمًا من أعلام السنة النبويّة وموسوعةً من الموسوعات العلمية التي كان يرجع إليها طلاّب العلم من أقطار العالم الإسلامي قاطبةً.
стр. 232
ثناء العلماء عليه:
للعلامة الأنصاري مكانةٌ كبيرة بين العلماء، حتى أنَّه كان مرجعًا لبعض كبار العلماء سيّما فيما يخصُّ علم الحديث، وقد تواتر الثناء عليه من أهل العلم وطلاّبه، ومنهم:
فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع "عضو هيئة كبار العلماء" حيث قال: (لقد فجعنا بوفاة عالمٍ كبير من مشايخنا الأجلاّء، هو فضيلة العلامة الحافظ الشيخ حماد بن محمد الأنصاري؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم) (١) .
وقال عنه فضيلة الشيخ عبد الله البسَّام "عضو هيئة كبار العلماء": (لقد عرفت الشيخ حماد بقوّة معلوماته عن علم الحديث؛ حيث كان ضليعًا فيه
стр. 233
ومرجعًا لكلّ سؤال ... وقد عرفته سلفي العقيدة على منهج السلف، وله جهود عظيمة في التعليم والتدريس وتحقيق الكتب؛ وأسأل الله أن يغفر له، وأن يعوِّض طلبة العلم عنه) (١) .
стр. 234
مرثية تلميذٍ لشيخه:
لما مرض الشيخ "يرحمه الله" ونُقِل إلى الرياض وطالت المدّة قلت:
طال انتظاري فلا حسٌّ ولا خبر ... ولا دليلٌ ولا بشرى ولا أثر
أين الذي كان أنسًا في مرابعنا ... وكان ترمقه الأبصار والبشرُ
يبكي عليك فؤادٌ كان متشعلاً ... شوقًا إليك فأنت السمع والبصرُ
بكت عليك القوافي وهي حائرةٌ ... بكت عليك ورود الحيِّ والزهرُ
يبكي عليك كتابٌ كنت تمسكه ... وليس يفهمه إلاّك يا قمر
يا أيها البدر قد شطّت منازله ... عن طيبةٍ بات فيها الكلُّ ينتظرُ
عسى نراكم قريبًا في مدينتا ... بطيبةٍ طاب فيها الليل والسمرُ
ما مرَّ بي طيفك الباهي فأرَّقني ... إلا بكيتُ وطال الحزنُ والسهرُ
стр. 235
اللقاء الذي أجرته جريدة المدينة مع الشيخ ﵀
الدراسات في الكتاتيب
...
اللقاء الذي أجرته جريدة المدينة مع الشيخ ﵀:
* الشيخ حماد الأنصاري من "تاجا مكة" إلى المدينة المنورة
* منذ ٤٩ سنة كومندي الحاكم الفرنسي أجبر أولاد القرية على التنصير
* سافرت سنتين متواصلتين حتى أتيتُ إلى المملكة
* ٥ رحلات متفرقة للبحث عن التراث الإسلامي
جريدة "المدينة" العدد "١١٢٩٧".
بتاريخ: الأحد ٢٤ رمضان عام ١٤١٤هـ الموافق ٦ مارس ١٩٩٤م
حوار: عبد الرزاق المحمدي
فضيلة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري أحدُ كبار علماء الحديث في العالم الإسلامي اليوم، لا يخالجك شكّ وأنت تحادثُه أنك تحادث عالمًا من علماء السلف الأقدَمين؛ في رحلة البحث عن العلم والتراث التي استغرقت أكثر من ستين سنة عشنا مع فضيلته محطات هذه الرحلة التي بدأت من "تادا مكة" بمالي مرورًا بنيجيريا فالخرطوم وأم درمان فجدة، فمكة المكرمة، فالمدينة المنورة؛ واستغرقت نحوًا من نصف القرن.
بدأ الشيخُ حماد بن محمد الأنصاري ذكرياته بذكر تاريخ ومكان مولده فقال: أنا مولود
سنة ١٣٤٤هـ فيما يسمى الآن بمالي في أفريقيا الغربية في بلدة تسمى "تادا مكة"؛ وكان لها اسمٌ آخر قبل هذه التسمية وهي "السوق"؛ ولما كثُر فيها الناس، لأنها بلدة أمن ورفاهية؛ والناسُ يزعمون أنهم جاءوا إليها في طريقهم إلى الحج، وكلُّ من جاء إليها يقيم ولا يذهب للحج؛ ولأنهم جاءوا للحج وأقاموا في البلدة قال أحد العلماء هذه مكة جاءوا إليها للحج، ثم صارت هذه الكلمة اسمًا.
للبلدة؛ وهي وسطٌ بين بلاد شمال أفريقيا، وتعتبر سوقًا لها؛ وهذه سبب تسميتها "تاجا مكة".
أي: هذه مكة.
ولدت في بيت علم وقضاء، ولم يزل هذا البيتُ بيت علم وقضاء إلى الآن؛ وأًصلُنا ليس من هذا البلد، بل أصلُنا من غرناطة في الأندلس؛ فلما أخذت دولة بني نصر "والتي تسمى بدولة بني الأحمر" أخذها الأسبان في القرن التاسع الهجري وكانت غرناطة عاصمتها خيَّرَ الأسبان المسلمين هناك بين ثلاثة أمور: بين الرحيل بدون شيء، أو الدخول في النصرانية، أو القتل، فاختار أجدادُنا الرحيل، ورحلوا إلى المغرب؛ وكانت هناك فتن عظيمة؛ ومن الغرب انتقلوا إلى أفريقيا السوداء، واستقرّ بهم المقام في "مالي".
стр. 236
الدراسة في الكتاتيب.
كيف كانت دراستكم ورحلاتكم مع العلم وأهلِه؟
توفي أبي وعمري ثمان سنوات، ونشأتُ يتيمًا في كفالة عمي "شقيق أبي"، وكان لي خالٌ، وهو طالبُ عليم شرعي؛ فطلب من عمي أن أكونَ عنده، لأن عندَه مدرسة للأولاد يعلمهم القرآن ومبادئ العلوم الإسلاميّة والعربيّة.
وهناك في مدرسة خالي بدأتُ رحلتي مع الدراسية وطلب العلم. وطريقة الدراسية هناك بالنسبة للأطفال هي: الدراسة بالكتاتيب، وليس عندنا منهاج ولا مقررات، وإنما ندرُس في الألواح؛ ودرست حروف الهجاء والقرآن ومبادئ نحوية وفقهية في المذهب المالكي، ومنها كتابان في المذهب المالكي مختصرين لتدريس الأطفال أحدهما يسمى "الأخضر"، والأخرُ يسمى "العبقري"؛ وكانت الدراسة على الألواح، والسببُ في ذلك: أن الكتب قليلة عندنا، والكتب التي كانت عندنا كلها مخطوطة؛ والألواحُ من الخشب تختلف من الحجم الكبير إلى المتوسط والصغير؛ وجميعُ الدروس حفظتُها على اللوح حتى القرآن الكريم.
وطريقتُنا في اللوح نكتب ربعًا أو ثمنًا ونأخذ اللوح ونحفظه، ثم نسمع على الأستاذ المقرئ، وهكذا؛ وإذا انتهينا من كتابة موضوع وحفظناه نغسل اللوح، ونكتب فيه درسًا آخر.
وبعد القرآن نأخذ مبادئ نحوية وهي "الآجرومية"، وبعدها "ملحة الإعراب" للحريري.
ثم بعدَ ذلك مبادي في التوحيد؛ والتوحيدُ في أفريقيا كلها هو فلسفة
стр. 237
الأشاعرة، مثل "السنوسية الكبرى" و "السنوسية الصغرى"، و "جوهرة التوحيد اللدانية"؛ وهي في الحقيقة ليست من التوحيد في شيء؛ ولذلك فإن عمي وخالي اختارا لي دراسة توحيد السلف، ولم يوجد عندنا منه إلا رسالةٌ واحد وهي "مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني".
стр. 238
الحلقات
لكن هل اقتصر طلبكم العلم على الكتاتيب فقط؟
بعد هذه المرحلة "وهي مرحلة الكتاتيب" والتي تنتهي عند سنّ الثالثة عشرة بدأت مرحلة الحلقات؛ وفي عمر الخامسة عشرة، وهذه المرحلة عبارةٌ عن حلقات، وكلُّ شيخٍ له حلقة؛ ولا يجوز دراسة حلقتين في وقتٍ واحد، وكلُّ حلقة يدرس فيها شيخٌ عِلْمًا واحدًا.
ونبدأ عند أحد المشايخ ولا ندرسُ عندَه غيره، وإذا انتهينا من عنده ذهبنا لدراسة علم جديد عند شيخٍ آخر؛ وهكذا.
وبدأتُ هذه المرلحة بدراسة "تفسير الجلالين" للسيوطي، وكذلك "تفسير البغوي".
ثم درستُ النحو الموسع؛ والنحو عندنا هو دراسة "ألفيّة ابن مالك وحفظها"، ثم دراسة شروحها.
وبعد النحو نبدأ دراسة الفقه الموسع، وهو عبارةٌ عن "مختصر خليل" في الفقه المالكي، كما درسنا "تحفة الحكام في بيان الأحكام"، وذلك في القضاء.
ثم درسنا البلاغة في كتاب "الجوهر المكنون" في الثلاثة الفنون، ثم "عقود الجمان" للسيوطي.
ثم درسنا أصول الفقه الشافعي لأن كتب أصول الفقه المالكي لم تكن موجودة عندنا.
стр. 239
وبعد ذلك ألزمنا المشايخ بدراسة الشعر الجاهلي؛ فدرسنا "المعلّقات السبع" وحفظناها.
بعد ذلك درسنا علم التنجيم لمعرفة الشهور والأوقات، وذلك بدراسة كتاب يمسى "النجوم" للسنوسي، ودرسنا كتاب "السلم المرونق في المنطق"؛ وهذا آخر علم درسنا؛ واستمرّت هذه الدراسة لمدة عشر سنوات كاملة.
стр. 240
كومندي والتنصير
لكن ما الذي جعلك تغادر "تادا مكة" وترحل عنها؟ هل هو طلب العلم أمْ أنّ هناكَ أسبابًا أخرى؟
خرجتُ من البلاد سنة ١٣٦٥هـ في سنة انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ وكان لخروجي سبب وهو أنّ الحاكم الفرنسي لتلك البلاد طلب من الأهالي عدة مرات أن يرسلوا له عددًا من أولادهم للتعليم الفرنسي، ولكنهم رفضوا، وقالوا: الفرنسيون ينصّرون أبناءنا؛ وترك الأهالي.
وفي سنة ١٣٦٤هـ جاء غازيًا لنا بأربعمائة جندي من التكارنة مدججين بالبنادق والرشاشات، وجاءنا على غفلة بدون إنذار أو إشعار، جاءنا ونحنُ نؤدِّي صلاةَ المغرب بالمسجد، وعندما سلمنا فإذا بهم على باب المسجد ومعه مترجم، وقال له: قل لهم: لا يخرج أحد إلا بشرط واحد وهو أن تسلموا لنا العدد الذي نريدُه من أولادكم، ولا تقولوا كلمةً واحدةً غير هذه فدمُه هدر.
وخرج إليه بعض المسئولين بالبلدة وقال له: نريد أن نتفاهم يا كومندي، فقال له المسئول: بالمروءة لا نسلمهم لكم، وما دامت المسألة بالقوة لا نستطيع أن نقاومك؛ ثم أمر كومندي القائد الفرنسي الجند بدخول البلد على أساس أنّ
стр. 241
أي ولد يمرّ عليهم يمسكونه؛ ولما جمعوا عددًا قال لهم كومندي: اتركوهم، وأخرجنا من المسجد ثم قال: تعالوا نتفاهم معكم وما دمنا أخذنا العدد الذي نريد من الأولاد، ونحن نعرف أنكم رفضتم تعليم الأولاد على أساس أنهم إذا تعلموا عندنا ينتصرون، وأنا أعرف هذا منذ زمن بعيد وذكر التاريخ منذ ١٣٣٦هـ ونحن معكم في هذه المسألة وأنتم ترفضون حتى سمعنا رؤساءكم كلمة ولم يفد ذلك شيئًا؛ وأما الآن جئنا بالقوة، ولكن بعد أن أخذنا الأولاد هل تدرون ماذا نفعل؟، قالوا: وماذا تفعل يا كومندي؟، قال: سوف نبني لهم مدرسةً في بلدتكم هذه، وسوف يكون المدرسون على قسمين: قسم المسلمين منكم، وقسم من الفرنسيين النصاري ويكون أولادكم تحت إشرافكم ونحن لا نُنصِّرهم؛ قالوا: ننتظر هل هو صادق أملا.
ثم بعد ذلك شرعَ كومندي في بناء المدرسة في وسط البلدة، وكنت واقفًا أتفرّج على البناء، ثم فتحت المدرسة، وجمعوا فيها مدرِّسين من المسلمين ومن الفرنسيين.
وهنا قررت الخروجَ من البلد وعزمتُ على ذلك عزمًا أكيدًا، وشرعتُ أعدّ العدة للخروج.
стр. 242
السفرُ ليلاً
وعندما أنهينا كلّ شيء اتفقتُ مع ثلاثة من أبناء (١) عمي على السفر، وكان السفرُ بطريقة رسمية مستحيلاً؛ لأن الحدود كلها محاطة بالجنود الفرنسيّين
стр. 243
حتى لا يخرج أحدٌ من الأهالي خارج البلاد؛ فاتفقنا على التسلل من مالي إلى نيجيريا؛ لأن نيجيريا تحكمها بريطانيا وهناك ما يسمى بالديمقراطية، أما فرنسا فهي دكتاتورية.
وفعلاً خرجنا وأخذنا ما يكفي من الجمال ومن الزاد، واتجهنا إلى نيجيريا في سنة ١٣٦٥هـ، وسافرنا متسلِّلين نسافر ليلاً ونكمُن نهارًا.
وعندما وصلنا إلى نيجيريا دخلنا في الأمن والأمان؛ حتى أن عاصمة نيجيريا الشمالية (سكوتوا) عندما دخلنا فيها سكّننا الإنجليز في بيوت للضيوف.
стр. 244
رؤية السيارات
وهناك في مدينة (سكوتوا) باشرت التدريس فيها شهرًا كاملاً في جامع عثمان فوديو؛ وفي سكوتوا شاهدنا السيارات لأوّل مرة في حياتِنا؛ هذا في (سكوتوا) ، وكانت سيارات لوري، حيث ركبنا فيها إلى مدينة (كانوا) ؛ وقد استغرقت مدة السفر من مدينة (سكوتوا) إلى مدينة (كانوا) من الضحى إلى الضحى.
وبقينا في مدينة (كانوا) وقتًا لأني وجت هناك الشيخ محمد عبد الله المدني الذي كان إمام الحرم النبوي مع الشيخ صالح الزغيبي، وجلسنا مع الشيخ المدني لمدة شهرين؛ ثم غادرنا (كانوا) إلى بلدة تسمى (بروي) وهي (بلاديروا) آخر مدينة جهة الشرق من نيجيريا تحدّ (تشاد) ، واسترحنا في (برو) حتى انتهت سنة ١٣٦٥هـ.
стр. 245
إلى الخرطوم
سمعنا أنكم مكثتم في السودان فترةً، لماذا كان هذا؟، وهل بسبب العلم؟
ثم سافرنا من (يروَ) حتى وصلنا السودان؛ حيث وصلنا إلى (الأبيّض)
стр. 246
وأخذنا فيها وقتًا، ومنها سافرنا إلى الخرطوم العاصمة المثلثة، واستقبلنا فيها أنصار السنة في (أم درمان) استقبالاً رائعًا؛ والسببُ في ذلك: أن الشيخ المدني أعطانا رسائل إلى أنصار السنة، ولما قرأ الرسالة أكرمونا إكرامًا كبيرًا عند الشيخ إسماعيل طاهر حوالي عشرة أيام، وقد أخذ الهاتف واتصلت برئيس أنصار السنة في (أم درمان) واسمه طاهر كردي، وأخبره أننا متوجهون إليهم، وقد سافرنا في القطار وعلى نفقة أنصار السنة، وعندما وصلنا إلى (أم درمان) استقبلنا أنصار السنة هناك وعلى رأسهم الشيخ طاهر كردي؛ وقد كان استقبالاً رائعًا وقد أنزلونا في قصر من الطراز الحديث، فيه مكتبة كبيرة رائعة كلها من كتب الحديث والعقيدة؛ وهذه المكتبة التي عرفت فيها كتب الحديث والعقيدة؛ وكان المسئول عن المكتبة يأتينا كل صباح ويفتح لنا المكتبة، وقمت بتقييد أسماء الكتب، وبدأتُ بشراء كتب الحديث.
واستفدتُ هناك فائدة لم استفدها طوال رحلتي؛ حيث تعرفتُ على كتب العلم، وصرتُ أشتريها، لأن معي نقود كثير، حيث خرجت من البلاد ومعي ١٥٠جنيهًا مصريا، وهذا مبلغٌ كبير؛ وعندما وصلت إلى جدة في تلك السنة صرفت الجنية بخمسة عشر ريالاً سعوديًا.
وبقيت في (أم درمان) مدةً ندرُس ونتجوّل حتى صرنا نذهب إلى البر وإلى القرى، نلقي الدروس والمحاضرات.
стр. 247
بداية شراء الكتب
الشيخ حماد هي علاقتُك بالكتب، خاصة كتب الأحاديث، ومتى بدأت؟
انتقلنا بعد ذلك إلى مدينة (بورسودان) ، وهي التي تقابل مدينة (جدة) على الساحل الغربي للبحر الأحمر، واستقبلنا فيها رئيس مركز أنصار السنة،
стр. 248
واسمُه وديعة الله، وطلب منا البقاء عندهم والعلم في التدريس، وصرنا ندرس في مركز أنصار السنة ودرسنا عندهم إلى نهاية شهر شعبان سنة ١٣٦٧هـ، وكانت في (بورسودان) مكتبة عظيمة، فيها كلّ شيء، وكان المسئول عنها مصريًّا، وكنت دائمًا عندَه اشترى الكتب حتى اشتريت صناديق كثيرة من كتب الحديث والعقيدة.
ولقد عزمنا على التوجه إلى المملكة، وكانت الكتب في أربع شنط كبيرة أخذناها إلى الباخرة، فقال لي الإنجليزي المشرف على الرحلات: افتح الشنط، وفتحناها، وعندما رآها تعجّب وقال: أنتم تجّار كتب أم كتبيّون؟، قلت: لا، نحن طلبة علم، قال: لماذا الكتب الكثيرة، قلت: نحمل هذه نتعملها وندرسها؛ قال: هذه الكميّة لا يأخذُها أحدٌ إلا إذا كان تاجرًا، ولا بدّ من جمرك، قلت للمترجم: قل له: هذه الكتب لو أعطتني (بورسودان) لا أعطيك إيّاها لأنها كلها غير موجودة في الحجاز، فتعجّب وقال: ما دام الأمر هكذا أغلقوها وارفعوها للباخرة.
стр. 249
الوصول إلى المملكة
دخولك المملكة وذكريات الوصول كيف كانت؟
وصلنا إلى المملكة إلى دار الإسلام وإلى الخير في الخامس من رمضان سنة ١٣٦٧؛ ولما وصلتُ إلى جدة توجهتُ إلى مكة، وانتظمتُ في الحلقات بالمسجد الحرام؛ وأولُ حلقة انتظمتُ فيها حلقة الشيخ عبد الرزاق حمزة، وحلقة الشيخ عبد الحق العمري الهندي، حتى حضرت حلقة الشيخ حسن مشّاط؛ ومن هؤلاء وغيرِهم أخذت الأسانيد، وهي موجودة عندي في ثبت بعنوان "إتحاف القاري بثبت الأنصاري"، وهو يحوي جميع الذين حضرتُ عندهم في المسجد الحرام والمسجد النبوي وفي الرياض.
стр. 250
وفي سنة ١٣٦٩هـ انتقلتُ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وحضرت حلقات عددٍ من المشايخ، ومنهم عبد الرحمن الأفريق، والشيخ أبو بكر التنبكتي، وفي أثناء ذلك قدمت للدراسة في مدرسة العلوم الشرعية، وهي تابعةٌ للهنود، والمشرف عليها والد السيد حبيب، وتمّ اختباري وأعطوني منهج الدراسة، والمدرسة كانت ملتصقة بالمسجد.