وأخذنا فيها وقتًا، ومنها سافرنا إلى الخرطوم العاصمة المثلثة، واستقبلنا فيها أنصار السنة في (أم درمان) استقبالاً رائعًا؛ والسببُ في ذلك: أن الشيخ المدني أعطانا رسائل إلى أنصار السنة، ولما قرأ الرسالة أكرمونا إكرامًا كبيرًا عند الشيخ إسماعيل طاهر حوالي عشرة أيام، وقد أخذ الهاتف واتصلت برئيس أنصار السنة في (أم درمان) واسمه طاهر كردي، وأخبره أننا متوجهون إليهم، وقد سافرنا في القطار وعلى نفقة أنصار السنة، وعندما وصلنا إلى (أم درمان) استقبلنا أنصار السنة هناك وعلى رأسهم الشيخ طاهر كردي؛ وقد كان استقبالاً رائعًا وقد أنزلونا في قصر من الطراز الحديث، فيه مكتبة كبيرة رائعة كلها من كتب الحديث والعقيدة؛ وهذه المكتبة التي عرفت فيها كتب الحديث والعقيدة؛ وكان المسئول عن المكتبة يأتينا كل صباح ويفتح لنا المكتبة، وقمت بتقييد أسماء الكتب، وبدأتُ بشراء كتب الحديث.
واستفدتُ هناك فائدة لم استفدها طوال رحلتي؛ حيث تعرفتُ على كتب العلم، وصرتُ أشتريها، لأن معي نقود كثير، حيث خرجت من البلاد ومعي ١٥٠جنيهًا مصريا، وهذا مبلغٌ كبير؛ وعندما وصلت إلى جدة في تلك السنة صرفت الجنية بخمسة عشر ريالاً سعوديًا.
وبقيت في (أم درمان) مدةً ندرُس ونتجوّل حتى صرنا نذهب إلى البر وإلى القرى، نلقي الدروس والمحاضرات.
стр. 247
بداية شراء الكتب
الشيخ حماد هي علاقتُك بالكتب، خاصة كتب الأحاديث، ومتى بدأت؟
انتقلنا بعد ذلك إلى مدينة (بورسودان) ، وهي التي تقابل مدينة (جدة) على الساحل الغربي للبحر الأحمر، واستقبلنا فيها رئيس مركز أنصار السنة،
стр. 248
واسمُه وديعة الله، وطلب منا البقاء عندهم والعلم في التدريس، وصرنا ندرس في مركز أنصار السنة ودرسنا عندهم إلى نهاية شهر شعبان سنة ١٣٦٧هـ، وكانت في (بورسودان) مكتبة عظيمة، فيها كلّ شيء، وكان المسئول عنها مصريًّا، وكنت دائمًا عندَه اشترى الكتب حتى اشتريت صناديق كثيرة من كتب الحديث والعقيدة.
ولقد عزمنا على التوجه إلى المملكة، وكانت الكتب في أربع شنط كبيرة أخذناها إلى الباخرة، فقال لي الإنجليزي المشرف على الرحلات: افتح الشنط، وفتحناها، وعندما رآها تعجّب وقال: أنتم تجّار كتب أم كتبيّون؟، قلت: لا، نحن طلبة علم، قال: لماذا الكتب الكثيرة، قلت: نحمل هذه نتعملها وندرسها؛ قال: هذه الكميّة لا يأخذُها أحدٌ إلا إذا كان تاجرًا، ولا بدّ من جمرك، قلت للمترجم: قل له: هذه الكتب لو أعطتني (بورسودان) لا أعطيك إيّاها لأنها كلها غير موجودة في الحجاز، فتعجّب وقال: ما دام الأمر هكذا أغلقوها وارفعوها للباخرة.
стр. 249
الوصول إلى المملكة
دخولك المملكة وذكريات الوصول كيف كانت؟
وصلنا إلى المملكة إلى دار الإسلام وإلى الخير في الخامس من رمضان سنة ١٣٦٧؛ ولما وصلتُ إلى جدة توجهتُ إلى مكة، وانتظمتُ في الحلقات بالمسجد الحرام؛ وأولُ حلقة انتظمتُ فيها حلقة الشيخ عبد الرزاق حمزة، وحلقة الشيخ عبد الحق العمري الهندي، حتى حضرت حلقة الشيخ حسن مشّاط؛ ومن هؤلاء وغيرِهم أخذت الأسانيد، وهي موجودة عندي في ثبت بعنوان "إتحاف القاري بثبت الأنصاري"، وهو يحوي جميع الذين حضرتُ عندهم في المسجد الحرام والمسجد النبوي وفي الرياض.
стр. 250
وفي سنة ١٣٦٩هـ انتقلتُ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وحضرت حلقات عددٍ من المشايخ، ومنهم عبد الرحمن الأفريق، والشيخ أبو بكر التنبكتي، وفي أثناء ذلك قدمت للدراسة في مدرسة العلوم الشرعية، وهي تابعةٌ للهنود، والمشرف عليها والد السيد حبيب، وتمّ اختباري وأعطوني منهج الدراسة، والمدرسة كانت ملتصقة بالمسجد.
стр. 251
بدء التعليم والتدريس
في سنة ١٣٧١هـ انتقلتُ إلى مكة المكرمة لطلب العلم في حلقات المسجد الحرام، ولكن عندما وصلتُ طلبوني للتدريس في المسجد الحرام والمدرسة الصولتية؛ وأخذت إذنًا من الشيخ محمد بن حسن آل الشيخ، وكان هو المشرف على المنطقة الغربية، ولا يدرّسٌ أحدٌ إلا بإذنِه.
وقد درست بالمدرسة الصولتية لمدة أربع سنوات، ثم تعطّلت المدرسة بسبب استقلال الهند؛ لأن الأوقاف التي كنت تُصرف عليها استولى عليها الهندوس.
ثم جاء الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ وسألني عن عملي، فقلت له أني مدرس بالصولتية وبعد تعطّلها ليس لديّ عمل، قال: نحنُ أولى بك، قلت: إلى أين، قال: إلى الرياض؛ وفعلاً أعطاني تذاكر لي ولطلاّبي، وباشرتُ التدريس بالمعهد العلمي بالرياض بالثانوي.
ولما انتهت تلك السنة فتح الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ معهدًا سماه معهد إمام الدعوة، وأخذني للتدريس فيه بالقسم العالي؛ وبعد عشر سنوات ضم إلى الكليات التي هي أصل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ فبقيت فيها مدرسًا إلى سنة ١٣٨٥هـ، وطلبت الانتقالَ إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وباشرتٌ التدريس بالكليّات هنا، حتى فتح قسم الدراسات العليا سنة ١٣٩٦هـ، ونقلت إليها.
стр. 252
البحث عن التراث
هذه رحلاتك في البلاد، لكن ماذا عن رحلاتك عن التراث الإسلامي، ولماذا التراث بالذات؟
أما رحلاتي للبحث عن التراث الإسلامي وخاصة الحديث وكتبه ومخطوطاته فقد قمتُ "والحمد لله" بخمس رحلات، وكانت باسم الدولة، وبدأتُ سنة ١٣٩٦هـ.
وأوّلُ رحلةٍ قمتُ بها إلى المغرب وليبيا والجزائر وتونس؛ وهي في سنة واحدة باسم "البحث عن التراث الإسلامي"؛ وفي تلك الرحلة استفدنا كثيرًا.
والرحلة الثانية إلى أسبانيا، ولم نجد كتبًا إلا في مكتبة واحدة في مدينة "اسكوريال" وتبعد عن العاصمة مدريد حوالي ٥٠كلم.
أما الرحلة الخامسة إلى الهند، وزرتُها مرتين وقمتُ بجولةٍ واسعة من (بومباي) إلى (كلكتا) .
وفي هذه الرحلة اكتشفتُ أن التراث الإسلامي يتركز في البلاد التالية: أولاً: تركيا، ثم مصر، ثم الهند؛ وفيها مكتباتٌ عظيمة، ومنها: مكتبة بتنة، التي تسمى مكتبة خورا بخش.
стр. 253
البرنامج بعد التقاعُد
ماذا عن برنامجك اليومي في رمضان؟
أما الآن وبعد أن أُحلتُ إلى التقاعُد فإنّ برنامجي اليومي يتركز على الدراسة والبحث العلمي والمراجعة؛ وهو مقسَّمٌ بين الجامعة والحرم ومكتبتي في المنزل؛ حيث أجلس وأستقبل طلاّب العلم، وأناقش معهم مختلف المسائل، وخاصة تلك المسائل التي يرجعون إليّ بها؛ هذا مجمَلُ ما أشغل به وقتي، إلى جانب مشاغل الحياة الأخرى.
стр. 254
دراسة ومراجعة القرآن
ماذا عن أمانيك في شهر رمضان؟
أماني شهر رمضان فإني أولاً أمنع الزيارة، وهي زيارة الطلاّب، أما زيارة عامّة الناس فهي مفتوحة في رمضان وفي غيرِه؛ وأتفرّغ لأعمال شهر رمضان المبارك وفي المقدمة مراجعة القرآن الكريم حفظًا وتفسيرًا؛ لأني حفظت القرآن منذ الصغر "والحمد لله"، ولذلك فإني أراجعُه في رمضان من ناحية التفسير؛ وإلى جانب ذلك: أتفرّغُ للعبادة بقدر الإمكان، وخاصة الصلاة في المسجد النبوي الشريف؛ هذا أغلب وأكثر ما أفعلُه في هذا الشهر الكريم.
стр. 255
اللقاء الموسع الذي أجرته جريدة عكاظ مع الشيخ حماد الأنصاري ﵀
عناوين عامة
...
اللقاء الموسع الذي أجرته جريدة عكاظ مع الشيخ حماد الأنصاري ﵀
العدد (٨٦٧٥ "السنة الثلاثون") بتاريخ: السبت ١٩ رمضان سنة ١٤١٠هـ الموافق ١٤/أبريل ١٩٩٠م.
إعداد: سعيد با حكم
عناوين عامة:
* الشيخ حماد الأنصاري.. داعية ومحدث مدرس على مدى ٤٠ سنة:
* لا يوجد محدّث لهذا العصر حتى الآن.
* مكتبتي المتخصصة في الحديث أسخرها لخدمة الباحثين.
* المملكة تعيش نهضة تعليمية عظيمة نأمل أن تعين في نصر الإسلام.
* المناهج الحالية تفوق قدرات الطلاب ولا تتلائم مع طاقاتهم.
* حفظت القرآن على الألواح قبل بلوغ الخامسة عشرة.
* دعاة الجامعة الإسلامية وجامعة الإمام يغزون أفريقيا.
* التنصير في أفريقيا وأندنوسيا أكثر عددًا وإمكانات في الدعوة.
* قضيب ٣٠ سنة ألاحق الحديث ومصادره وعلومه، وتلقيت العلوم الأولى في (تادا مكة) وتتلمذت على مشايخ الحرمين.
* لا ينقص مكتبي سوى (١٥) نوعًا من الحديث.
* ست سنوات خصموها من عمري على الورق.
* في جاوة الإفريقية.. كان التعليم الفرنسي كفرًا.
* هربت إلى نجيريا حتى لا أدخل المدرسة الفرنسية.
* حفظت القرآن ودرست العربية والفقه والتوحيد على اللوح.
* (التنجيم) كان أحد المقررات الدراسية في (مالي) آنذاك.
* نزلنا عند والند د. الغابد ليسمح لنا بالسفر.
* جامعات المملكة غذت الصحوة الإسلامية في جيل اليوم.
стр. 256
في كل خطوة لطالب العلم تستغفر له الملائكة والمخلوقات حتى الحيتان في جوف البحر رضًا بما يصنع، وإذا مات فإنه شهيد.. ما حكم هذه المغفرة التي حظي بها الشيخُ حماد الأنصاري وهو يعز بالعلم وفي سبيل العلم (تادا مكة) تلك المدينة النائية في قلب الصحراء الغربية بين الجزائر ومالي إلى المدينة المنورة في زمن لم تكن فيه الطائرات أو القطارات، بل إنه لم يرَ الطريق الموصوف إلا بعد أن دخل الخرطوم.
إنها مسيرة طويلة وبحجمها يأتي علم الشيخ المحدث الذي يقبع الآن بين جدران مكتبته في المدينة المنورة ليأخذ بأي الباحثين ويواصل رحلته مع علم الحديث، ويقدم المعلومات التي احتضنتها دفات الكتب القديمة؛ وما زال ينبش عن الحديث وأسانيدِه في ذاكرة الزمن.
الشيخ ـ أطال الله عمره ـ فتح أمامَنا ملف مسيرته المباركة نستلهم منها العبرة والقدوة، وفتح أمامَنا أيضًا مكتبته لنطالع صرحًا علميًّا نادر الوجود.
وبين (تادا مكة) الإفريقية والمدينة المنورة.. وبين بدايات العلم في مكة وحلقات العلم في المسجد النبوي والجامعة الإسلامية ومكتبة الأنصاري كانت لنا الجولة مع مسيرة داعية ومحدّث.
стр. 257
نشأته
...
فضيلة الشيخ حماد: التماسًا للقدوة ليتنا نتعرف على جانبٍ من نشأتكم وطفولتهم وبدايات حياتكم؟
ولدت في مدينة (تادا مكة) التي تقعُ في الصحراء الغربية بين الجزائر ومالي، ولم يبق فيها إلا القليلُ من سكّانها الذين هاجر معظم إلى مدينة (قاوة) التي أصبحت في الوقت الحاضر عاصمة المنطقة الشرقية في مالي، وكانت العاصمة قبل الاستعمار الفرنسي (تنبكتو) التي أصبحت عبارة عن أطلال قديمة.
стр. 258
وولدت في شهر ذا القعدة عام ١٣٤٤هـ، ولكنهم حددوا ميلادي عام ١٣٥٠هـ الأمر الذي أدى إلى تأخير موعد إحالتي للتقاعد للعام الحالي.
стр. 259
رفضت العلم (الكفر)
ماذا عن البيئة التي نشأتَ فيها؟
نشأتُ في بيئة علمية في مدينة (قاوة) التي ما زالت تشهد نشاطًا علميًّا نادرًا في علوم اللغة والتاريخ والأدب والتفسير والفقه المالكي خاصة في مركز (مناقة) الذي يشهد نشاطا علمًا كبيرًا ...
وهكذا نشأتُ في هذه البيئة في هذه البلدة التي لم تتغير إلا عندما تم جلاء الاستعمار منها عام ١٣٨٠هـ؛ وأذكر أني حضرت اجتماعًا دعا إليه الحاكم الفرنسي نيابة عن عمي الذي كان مفتيًا وقاضيًا، وكان مسنًّا لا يستطيع أن يمتطي الجمل للذهاب لمقر هذا الاجتماع الذي طلب فيه الحاكم الفرنسي منا أن نسمح لأبنائنا للدارسة في المدرسة التي يود إقامتها لهم.. فطلب منا تحقيق ذلك الهدف إما بالمرونة أو القوة.
ومنذ أن دخل المستعمرون لبلادِنا منعنا أبنائنا من الدراسة في المدارس الفرنسية؛ لأننا كنا نرى أن لك نوعًا من الكفر ...
ورفض الحاضرون طلب الحاكم الذي أصرّ على تحقيق ذلك بالقوة، فأمر العسكر بالدخول للبلد لأخذ أبنائنا، وحصل ذلك، فقال لنا بالحرف الواحد: "إننا سنفتح لأبنائكم مدارس في بلدكم وتختارون أنتم المدرسين فاطمئنوا" فاطمأن الناسُ.
وبدأ إنشاء المدرسة.. فعيّنوني أحدّ المدرسين لتدريس الشريعة، فرفضت ذلك بحجة أنني لا أدرِّس مع الكفار. ورأيت أنني إذا مكثت سيد خلوني بالقوة
стр. 260
في هذه المدرسة، فقررتُ أن أسافر، وبالفعل في آخر الليل ذهبتُ وأحد تلاميذي إلى نيجيريا.
стр. 261
تيتمت مبكّرًا
وكيف تلقّيت العلم الشرعي هناك؟
نشأتُ يتيمًا، وعشت اليتم مبكرًا؛ حيث توفي والدي حينما كان عمري ثلاث سنوات.. فأخذني خالي المدرس فأدخلني في مدرسته.. وكان الطالب يبدأ دراساته منذ صغره بتعلم الحروف الهجائية على الترتيب الأندلسي لا على الترتيب المشرقي.
وبعد ذلك يبدأُ الطالبُ بقراءة القرآن؛ فبعض الطلاّب يستمع القرآن المقروء ليحفظه، والبعضُ الآخر يقرأ القرآن على الألواح؛ لأنه لم تكن هناك كتب كثيرة، حيث أن الكتاب الواحد يشترك فيه عدة أساتذة؛ أما أنا فلم أترك دارسة القرآن حتى حفظته كله على اللوح.
وبعد ذلك أمرني خالي أن أبدأ بدارسة التوحيد؛ فقرأت "مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني" وهي عقيدة سلفية، ثم أمرني خالي ببداية دراسة اللغة العربية.. الإعراب، ثم "ألفية ابن مالك"، ثم "زوائد الكافية"، وهكذا؛ وكنتُ أحفظُ بسهولة.
وبعد إكمال دراسة اللغة العربية صار عمري ١٥ سنة، وحينذاك أمرني خالي أن أبدأ دراسة الفقه لأتسلم أحكام الصلاة، وبالفعل درست الفقه؛ فأكملت دراسة عدة رسالة على اللوح.
وبعد ذلك درستُ البلاغة مثل "الجوهر المكنون"، والبيان، والمعاني، والبديع.
стр. 262
ثم بعد ذلك درستُ أصول الفقه؛ وحيث أنه لم تكن توجد أية مؤلفات للفقه المالكي في منطقة مالي آنذاك؛ فلجأنا إلى أصول الفقه للشافعية، فدرست "الورقات" لإمام الحرمين نظما ونثرًا، ثم درست "جمع الجوامع" رغم تعقيداته؛ ونظمتُ منه عدة أبواب صعبة مثل القياس والتصوّف.
ودرست التنجيم
ويضيف: وبعد دراستي لأصول الفقه رأى المشايخ أن أعمل في التفسير بعد دراستي للغة والنحو والبلاغة؛ ولم يكن يوجد لدينا من مؤلفات التفسير إلا الجلالين والبغوي والخازن وكلها مخطوطة غير مطبوعة؛ فاشتغلتُ بالتفسير، ودرست الجلالين والبغوي واكتفيتُ بهما.
ثم انتقلتُ إلى الحديث فدرستُ الموطأ وأبو داود ومختصر صحيح البخاري للتشيدي.
ثم بعد ذلك درست التنجيم؛ حيث أنه كان مفروضا علينا دراسة التنجيم الذي كان على قسمين: تنجيم التنسيق، وتنجيم التقدير؛ فدرسنا تنجيم التنسيق الذي يدلُّنا على معرفة الطرقات والنجوم والفصول؛ ودرستُ كتابا في التنجيم يسمى كتاب التنجيم للأسوقي؛ وهو كتابٌ مفيد للتنجيم، ولا يوجد عندنا كتابٌ غيره في هذا المجال؛ ولا أزالُ أحفظُ هذا الكتاب.
وهذا هو المنهج الدراسي الذي كان متبعًا في المنطقة الشرقية في مالي، والتي كانت كل مناطقها السابقة آنذاك يتوارد سكانها على المنطقة الشرقية للدارسة في المدرسة التي بناها خاصة، وأنها مفتوحة لكل من يريد أن يلتحق بمن مناطق مالي ونيجيريا وغانا.
وعندما خرجت من مالي كان يوجد في هذه المدرسة نحو (٤٠٠) طالب، أغلبهم من خارج المنطقة الشرقية.
стр. 263
الكتب والحفظ .
وصمت الشيخ حماد برهة ليضيف قائلاً:
هذا المنهج مفيدٌ للغاية رغم قلة المراجع والكتب في ذلك الوقت، الأمر الذي دفعنا للتركيز على الحفظ الفوري من اللوح الخشبي لعدم وجود الكتب التي نعتمد عليها؛ وذلك بخلاف اليوم الذي يصعب فيه على الطالب أن يحفظ المقررات لتوفر الكتب والمراجع بكثرة، كما قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفّاظ ـ في الطبعة الرابعة ـ (١) :ما قل حفظ علم غيبا إلا بعد كثرة من كتب وقبل كثرة من كتب كان علم العلماء كله لعب ولهذا قال الشافعي هذان البيتان "﵀":
علمي معي حيثما يممت يتبعني ... جوفي وعاء له لا بطن صندوق
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق
ولكن اليوم يوجد علمنا في الكتب المتراصة على رفوف المكتبات.
إلى أيّ مدى أثرت كثرة الكتب سلبا أم إيجابا؟
لقد أدى توفر الكتب إلى عدم ترسيخ العلم الغيبي؛ فكما قال سلفُنا إن للعلم الغيبي فائدة كبيرة، يستفاد منه في أيّ مكان، ولكننا في الوقت الحاضر اكتفينا بهذه الكتب المتراصة على الرفوف دون أن نحرص على قراءتها.
стр. 264
أفارقة ومشارقة
من هم المشايخ الذين درستُ على أيديهم؟
مشايخ أفارقة ومشايخ مشارقة؛ وكما ذكرت فإنني قد خرجت من البلاد عام ١٣٦٥هـ لأصلَ إلى هنا عام ١٣٦٧، وذلك للعقبات والعوائق التي واجهتنا في الطريق أيام الحرب العالمية الثانية؛ وكما تعلم أن أفريقيا العربية (مالي، والنيجر، وفولتا العليا، والسنغال، وغامبيا، ونيجيريا) كانت قبل الاستعمار حجاجها يأتون عن طريق مصر من الجزائر إلى تونس ثم إلى مصر. وقد كتبتُ كتيّبا عن هذه الرحلات للحج، تتم طباعتُه حاليا، وفيه فوائد كثيرة. وأذكر أن الاستعمار قد أوجد العوائق أمامَ هذه الرحلات لمنع الحاج من أداء الحج، فاضطررت أن أسلك طريقا جديدًا مرورًا بنجيريا؛ واجهتنا عدة مشكلات آنذاك.
стр. 265
مشكلات في طريق الحج
ما هي المشكلات التي واجهتكم؟
من أخطر هذه المشكلات: أذكر أننا عندما عزمنا الخروج من البلاد صعبُ علينا أن نذهب للمركز الفرنسي لاستخراج جواز سفر؛ لأنه لو قدمنا طلبا للحصول على جواز سفر سوف لا يتحقق لنا ما نصبوا إليه؛ لأنهم يعرفون أننا نكرههم؛ فإذا خرجنا سوف لا نرجع إليهم، لذلك كانوا يطالبوننا بدفع دية مالية لهم تضطرنا للرجوع إلى البلاد مرة أخرى؛ ولأنا كنا لا نستطيع دفع الدية، ولما لم تنمكن من الحصول على الجواز سافرنا بعد منتصف الليل حيث كانت هناك حدود بين النيجر التابعة لفرنسا ونيجيريا التابعة لبريطانيا، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية وضعت كل من هاتين الدولتين جيوشًا على
стр. 266
حدودها، بريطانيا على الجنوب وفرنسا على الشمال؛ وذلك لمنع المرور من فرنسا إلى بريطانيا والعكس صحيح، إلا لمن يحمل الجواز، إذا ألقي القبض على شخص لا يحمل جوازًا يتعرض لعقاب شديد.
ورغم ذلك توجهنا ـ ٤٠ من كلية العلم ـ للسفر ليلاً وتلاوة القرآن نهارًا؛ ولما اقتربنا من المعسكر الفرنسي عند العصر حطّينا الرحال لنصلي العصر والمغرب والعشاء جميعا؛ وبعد ذلك واصلنا سيرنا عبر الحدود التي كانت عبارة عن غابة فيها طريق لا يسع إلا لشخص واحد فقط ليتم التمكن من القبض عليه بسهولة.
وعندما وصلنا إلى هذا الغابة وجدنا أن جميع العساكر فيها سنغاليون لا يعرفون لغتنا، ولكنا عرفنا طريقة الخلاص؛ فكانت معنا مبالغ نقدية، أغلبها جنيهات مصرية وصلت إلى مالي بخطة معينة؛ حيث أننا عندما عزمنا الخروج من البلد أرسلنا أحدنا إلى نيجيريا كانت معه مبالغ من الفرنكات الفرنسية التي كانت مستخدمة لدينا آنذاك؛ وعندما وصل إلى (كانوا) في نيجريا الشمالية صرف هذه الفرنكات بالجنيهات المصرية التي وضعناها في القرب.
وسألنا العسكري عن النقود التي كنا نحملها، فقلنا له: لا نحمل أية مبالغ نقدية، ففتشنا دون أن يجد شيئا؛ وكان بإمكان هذا العسكري أن يحبسنا، ولكن قبل أن نصل إلى هذه الحدود نزلنا عند والد (حامد الغابد) الذي ينتمي إلى قبيلة (أوجيس) التي لا يمنع السفر منها، لأنها من نفس المنطقة التي فيها هذا العسكري الذي سمح لنا بالمرور.
وعندما وصلنا إلى العسكري البريطاني سألنا عن ما فعله بنا العسكري الفرنسي، قلنا له: سلمنا منه الله ؛ فما كان من العسكري البريطانيين إلا السماح لنا بالمبيت عندهم، وأكرموا وفادتنا، ثم سمحوا لنا بالمرور.
وبعد ذلك دخلنا نيجيريا الآمنة؛ وهكذا واصلنا مشوارنا بعد شهرين قضيناهما للبحث عن جواز سفر؛ لأنه يمنع الخروج من نيجيريا إلا
стр. 267
بجواز سفر، وأشار إلينا أحدُ الإخوان أن نصل إلى بورنو وعاصمتها جروة؛ وذهبنا إليها، وهناك استقبلنا الشيخ، واستضافنا لمدة شهر، وعندما غادرناه ساعدنا كثيرًا؛ فذهب معنا إلى الجوازات في (برنو) ، وكان مدير الجوازات الأنصاري الذي سلمنا عليه، واطلع على قضيتنا فاستخرج لنا جوزات بتوفيقٍ من الله.
وهكذا تمكنا من الخروج من (بردة) ودخول تشاد التي فشتونا فيها بشكل مبالغ فيه، ولم يجدوا عندنا شيئا لأننا كنا نخبئ أموالَنا في (القرَب) .
وقبل أن نصل إلى (أنجامينا) بعنا الجمال في (سوكوتو) والتي ركبنا منها السيارات حتى وصلنا إلى الخرطوم التي وجدنا أن طرقها مسفلتة.
ومن خروجنا من بلدتنا إلى السودان لم نرى أيّ أثر للكهرباء والطرق المسفلتة إلا في السودان الذي لم تواجهنا فيه أية عقبات.
стр. 268
ما بين مكة والمدينة
أعودُ مرة أخرى إلى سؤالي الذي لم تجب فضلتك عليه بعد: من هم المشايخ الذي درست على أيديهم؟
من أشهر المشايخ: خالي محمد بن أحمد بن تقي الأنصاري، ومحمد أحمد الملقب بالمبحري، وموسى الكسائي الأنصاري، وحمود بن محمود الشريف.
أما عندما وصلتُ إلى مكة عام ١٣٦٧هـ فقد حرصتُ على الانضمام إلى الحلقات الدينية في الحرم المكي الشريف، وهذه الحلقات غاصة بعدد من العلماء أذكر منهم: عبد الحق العمري الباكستاني الهندي، والذي كان يدرس في البخاري، بالإضافة إلى حامد فقي القذي كان يلقي كل يوم درسا في باب علي بمكة المكرمة، وعبد الله المشاط، والعربي التباني، ومحمد أمين الحلبي الذي كان يدرس النحو.
стр. 269
ثم انتقلتُ إلى المدينة المنورة عام ١٣٧١هـ، وذلك بعد أن مكثتُ في مكة أربع سنوات كنت خلالها أدرس في الحرم؛ وذلك بعد أن استأذنتُ الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ الذي كان مسئولاً عن الدروس في ذلك الوقت.
وعندما وصلتُ إلى المدينة المنورة بدأت في دراسة العلوم الشرعية، فالتحقتُ بدار العلوم، وذلك بعد أن ساعدي في ذلك الشيخ أبو بكر التنبكتي، ودرسنا في دار العلوم عددٌ من الشيوخ منهم: محمد الحافظ، وعمر بري، وعبده خديع الذي كان من أعظم المدرسين في هذه المدرسة.
ويواصل فضيلتُه حكايته مع العلم:
وبعد ذلك حرصت على الانضمام إلى الحلقات الدينية في المدينة المنورة، والتي كان يدرس فيها أساتذة دار العلوم، بالإضافة إلى الشيخ محمد عبد الله المدني الذي كان إمام الحرم النبوي قبل الشيخ عبد العزيز بن صالح؛ فقام الشيخُ المدين ببناء مدرسة.
وقد كتبت عنه كتابا وسبب هجرته من المدينة وتركه الإمامة أنه عندما كان إماما في ذلك الوقت حدث بينَه وبين أهل المدينة سوء تفاهُم، فقدم استقالتَه وسافر إلى بعض الجهات كالهند واليمن، ومن هناك جاء إلينا في مدين ة (جاوا) ؛ وقد استفدُُ منه بشكلٍ كبيرٍ في العوم الدينية؛ حيث أنني وزملائي لم نكن آنذاك قد اطلعنا على كتب السلف التي كانت موجودة عند الشيخ محمد المدني الذي افتتح مدرسةً للتوحيد والسنة.
يضافُ إلى ذلك: أنني استفدتُُّ من رحلتي للهند التي اطلعتُ على مكتبات تراثية هامة، هي المكتبة السعيدية والأوصفية ومكتبة المعارف والمكتبة العثمانية؛ وصورت من هذه المكتبات باسم الجامعة نحو (٥٠٠) من المخطوطات، موجودة في مكتبة الجامعة؛ وكذلك في مكتبة بتنة في بيهار الهندية تحتوي على مخطوطات عن مختلف الفنون.
стр. 270
رحلتي مع التدريس
كيف التحقت بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للعمل فيها؟
عندما انتقلت إلى المدينة المنورة التحقت بدار العلوم خلال الفترة من عام ١٣٦٩هـ إلى ١٣٧١هـ. وأذكر أن ابن عمي إسماعيل الأنصاري الذي عمل مدرسا في مكة المكرمة بواسطة عبد القدوس الأنصاري قد كتب إليّ بمجرد أن تركتُ دار العلوم لأرجع إلى مكة المكرمة للعمل مدرسا فيها ورجعت إليها لأعمل مدرسا في المتوسطة في السنة الأولى والثانوية في السنة الثانية والعالي في الثالثة والتخصص في السنة الرابعة التي قدم فيها إلى مكة بعض المشائخ منهم الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم وأخوه الشيخ محمد بن إبراهيم فذهبت إلهيما ووجدناهما عند أخيهما عبد الملك الذي عرفهما بي، فقال لي عبد اللطيف ألا أضيع وقتي بالعمل في مدرسة أهلية، وأمر الكتابَ أن يتصل بعبد العزيز اللنجاوي الذي كان مسئولاً عن الأساتذة المبتعثين إلى الكليات فأخبره بخبر ذهابي إليه.
وبالفعل بعد أداء فريضة الحج ذهبنا إلى جدة، ثم إلى الرياض لأعمل مدرسا في كلية الشريعة وأثناء عملي في هذه الكلية اقترح الشيخ محمد بن إبراهيم أن يفتح معهدًا لإمام الدعوة؛ فجمعنا المدرسين وبحثنا معهم إنشاء هذا المشروع الذي كان عبارةً عن مدرسة متوسطة وثانوية وعالية؛ فباشرتُ عملي في القسم العالي، وبقيت فيه من سنة ١٣٧٥هـ إلى ١٣٧٨هـ حيث تمّ نقلي إلى كلية الشريعة التي بقيتُ فيها فترة من ١٣٧٩هـ إلى ١٣٨٤هـ، ثم نقلت إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وما زلتُ مستمرًّا فيها حتى الآن.
وتبلُغ مدة خدمتي نحو ٤٠ سنة، وتم إعلان إحالتي للتقاعُد في شهر محرم الماضي.
стр. 271
صحوة علمية
انطلاقا من تجربتك الكبيرة في مجال التعليم كيف وجدت الطريق في مجال العلوم الشريعة والعلوم الدينية بصفة عامة؟
لقد عشت فترتين في الماضي والحالي، ويمكن أن أقول هناك صحوة عليمة كبيرة، بدأت في الآونة الأخيرة بتشجيعٍ من الدولة التي تولي اهتماما كبيرًا بالعلم والإسلام؛ وهي صحوةٌ لا يوجد لها نظيرٌ إطلاقا؛ فالشبابُ يُقبلون على التعليم والتقيد بالإسلام وتقاليده دون أن يوجد ذلك في دول العالم الأخرى.
وتعيشُ هذه البلاد نهضة تعليمية كبيرة، نأمل أن يجعلها اللهُ نهضةً معينةً على نصر الإسلام.
стр. 272
مناهج اليوم وأمس
...
مناهج اليوم والأمس
هل لكم ملاحظات معيّنة على أسلوب التدريس ومناهج؟
لقد سبق أن أجريت مقارنة بين التدريس الحالية والماضية، ووجدت فروقات كبيرة: فالمناهج الدراسية التي كانت مطبقة خلال الفترة من عام ١٣٣٧هـ حتى بداية القرن الحالي ذات نفع كبير بالمقارنة بالمناهج الحالية؛ ومن ملامحها أنها ليست في حدود طاقة الطلاب وما لا يقدرون على هضمه؛ يضاف إلى ذلك أن هذا المنهج لم يبن على دارسة نفسيات الطلاب وطاقاتهم وإمكاناتهم؛ وقد تتلاشى ملاحظاتنا على المنهج الحالي إذا رجعنا للعمل بالمنهج السابق.
стр. 273
لستُ مع هذا الرأي
رغم وجود نسبة كبيرة من الجامعات والمدارس التي تدرس المناهج الإسلامية حاليا إلا أنه يلاحظ أن الأثر الإسلامي يكاد يكونُ ضعيفا لدى جيل اليوم، ما تفسيرُكم لذلك؟.
لا أتفقُ معك في ذلك؛ لأننا نعيشُ صحوةً إسلامية كبيرة، تزامنت مع هذه الجامعات التعليمية التي أنشأتها الدولة؛ ويمكن القولُ أن الجامعات هي السببُ في حدود هذه الصحوة الإسلامية؛ إذْ أن التعليمَ كان ضعيفا قبل إنشاء هذه الجامعات، بخلاف اليوم الذي زادت فيه معدّلات التنافُس بين الطلاب للحصول على التعليم العالي.
стр. 274
المنهج والتوجيه
وكيف نستطيع أن ننهض ونرتقي بمستوى الشباب المسلم؟
الشباب المسلم يحتاج إلى أمرين:
الأمر الأول: خاص بوضع منهج علمي على قدره مستواه.
والأمر الثني: هو توجيه هذا الشباب ومساعدته على التخطيط.
وإذا تحقق ذلك فإن شبابنا يستطيع التفوّق على شباب دول العالم الأخرى لتوفر الوسائل التعليمية لديه.
стр. 275
الدعوة بالخير
...
الدعوة بخير
كيف ترون حال الدعوة الإسلامية اليوم، خاصة وأن هناك من يرى أن هناك تقصيرًا كبيرًا في هذا المجال؟
الدعوة الإسلامية كلمة مجمَلة تحتاج إلى شرح؛ والمراد بكلمة الدعوة إذا
стр. 276
أُطلقت خارج هذه البلاد دعوة أهل الكفر إلى الإسلام، والمعنى الآخر إذا أطلقت هنا قد يُراد بها التبليغ وتعليم الناس وبثّ مكارم الأخلاق في نفوسهم؛ والمراد بها هنا هو المعنى الثاني؛ فالدولة بذلت جهودًا جبارةً في هذا المجال، ورغم ذلك إلا أن الأمر يحتاج إلى المزيد من الموجهين والمربين المخلصين في مجالات التعليم ليساندون الدولة التي تبذل جهودًا كبيرة لإيجاد كل ما يحتاج إليه شبابنا؛ وإذا تعاون المواطنون مع الدولة سيتحقق الخيرُ الوفيرُ لهم.
وهناك جهات مختصة عديدة مسئولة عن الدعوة الإسلامية؛ فإذا نظرنا إلى أفريقيا قبل التي كانت قبل ٤٠ سنة يسودُها الجهلُ وسوء العقائد وعدم التفقُّه في الإسلام نجد اليومَ أنّ فيها كما هائلاً من الدعاة الذين تخرّجوا من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ يضافُ إلى ذلك أنه يوجد في كل بلد أفريقي مركز للدعوة الإسلامية لم يكن موجودًا قبل ٤٠سنة مضت.
стр. 277
خطرٌ تنصيري جامع
رغم وجود نشاط كبير في أفريقيا للدعوة الإسلامية إلا أنه يلاحظ وجود نشاط آخر للتنصير ومحاربة الإسلام. كيف ترون إمكانية مواجهة هذا الخطر؟
نعم هذا أمرٌ واقعٌ بالفعل؛ حيث إن المنصرين الذين يسمون بالمبشرين بذلوا وأنفقوا كل ما يقدرون على بذله وإنفاقِه في الإحالة بين المسلين وبين تمسكهم بدينِهم، لا سيما في شرق أفريقيا؛ وقد رأيتُ ذلك من خلال رحلاتي إلى أفريقيا، وقمتُ بعدة رحلات لجهات مختلفة: أوروبا، وأفريقيا، ودول شرق آسيا، والشام، ومصر، وغير ذلك من الدول التي وجدت أن المنصرين فيها يمتلكون إمكانات كبيرة؛ لذا يجبُ على المسلمين أن يواجهوا هذا النشاط وهذا التيّار بتوظيف ما يملكون من طاقات وإمكانيات سواء من أنفسهم أو من دولهم.
стр. 278
ولو صمد المسلمون في مواجهة هذا التيّار النشط المتمكن لنصرهم الله فقد قال : ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .
ويلاحظ أن في أفريقيا وأندونيسيا في الوقت الحاضرة دعاة مخلصين متخرجين من الجامعة الإسلامية يحاولون بذل جهدهم في المسلمين، والإسلام ومحاولة إبعادهم عن هؤلاء المنصرين، ولكنهم لم يستطيعوا أن يبذلوا كل يمتلكون من جهد وطاقات؛ لأن المنصرين يستطيعون أن يتغلبوا على الدعاة المسلمين الضعاف؛ ونرجو إبطال محاولات هؤلاء المنصرين بتوفير الإمكانيات؛ وقد اقترحتُ عقد ندوات للحصول على معلومات عن شاط الدعاة الأفارقة الذين يدرسون هنا للتعرف على جهودهم واحتياجاتهم.
стр. 279
الجمعُ بين العلمين
وكيف تنظرون للفكرة التي تنادي بإعادة النظر في تطوير التعليم الإسلامي في الدولة الإسلامية؟
التعليم ينقسم إلى قسمين:
تعليم ديني، وتعليم مادي؛ وهذان القسمان ينبغي العناية بهما؛ فمثلاً: دولتُنا الرشيدة تبذل جهودًا كبيرةً للجميع بين هذين القسمين؛ وهكذا فإن أيّ بلد لا يمكن أن يستغني من حتمية الجمع بين هذين العلمين؛ لأن العلم الشرعي يعلم الفردَ كيفية بقاء صلته مستمرة مع الله ، والعلم المادي يساعد الفرد على القيام بالعلم الشرعي؛ فإذا لم يتعلم المسلمون الرياضيات والهندسة فمن أين لهم أن يبنوا المدارس والمساجد والجسور ويعرفوا كيفية حساب الصدقات.
إذن قوة المسلمين تكمُن في أمرين:
стр. 280
الأمر الأول: هو دراسة كتاب الله دراسة وافية.
والأمر الثاني: هو إيجاد ما يحمي هذا الكتاب من التلاعُب به من قِبَل الأعداء.
لذا يجبُ على المسلمين دارسة العلوم الشرعية والمادية؛ أما التركيزُ على واحدٍ منهما دون الآخر فهذا أمرٌ خاطئ؛ فقد أمر الله بذلك، فقد قال ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ و ﴿أَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّة﴾ ؛ فإذا لم تكن هناك صناعات وزراعة يصعُب علينا الاستغناء عن أعدائنا.
стр. 281
مكتبة الشيخ
كيف ومتى بدأتَ تأسيسَ مكتبتك؟
بدأتُ في تأسيس هذه المكتبة عام ١٣٦٧هـ؛ وكانت في البداية مكتبة عامّة تحتوي على كل العلوم والمواد؛ إلا أنه في عام ١٣٧٣هـ قمتُ بإهداء هذه المكتبة إلى عمي الذي أرسلتها له، وبعدَ ذلك بدأتُ في تأسيس المكتبة من جديد.
كم يبلغ عدد كتب هذه المكتبة؟
لم أستطع حصر عددها.
يلاحظ أنك أوليتَ اهتماما كبيرًا بعلم الحديث في هذه المكتبة، لماذا؟
في عام ١٣٧٣هـ حرصت على التخصص في علمٍ واحد؛ فوقع الاختيارُ على الحديث.
وتحتوي هذه المكتبة على علم الحديث كتخصص واحد فائدته أكبر من لو كانت المكتبة تحتوي على علوم عديد مبعثرة هنا وهناك.
стр. 282
دراسة الحديث وفقه القرآن
كيف وجدت أهمية التركيز على علم الحديث في الوقت الحاضر لإيصالِه إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس؟
الأصل الأول القرآن والثاني السنة، وكلما زاد اهتمام الفرد بدراسة الحديث زاد ارتباطُه بفقه القرآن الكريم؛ والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَطِيْعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ؛ وطاعة الله معناها طاعة القرآن، وكذلك طاعة الرسول وولي الأمر.
وفي الزمن الماضي لم يكن هناك متخصصون كثيرون في علمٍ واحد؛ ما عدا يحيى بن معين الذي تخصص في علم الحديث، وأبو حنيفة الذي تخصص في الفقه.
وكيف تصف لنا خبرتك في علم الحديث، والتي تزيدُ على ٣٠سنة؟.
في عام ١٣٦٧هـ بدأتُ أدرُس في علم الحديث وأبحث عن مراجعِه؛ وهكذا بدأتُ أبحث عن كتب الحديث لأجمعها وأدوّنها.
стр. 283
محدث هذا العصر
نودّ تسليط الضوء على خلاصة تجربتك التي خرجتَ بها من خلال اهتمامك بعلم الحديث؟
عندما توجهتُ لدراسة علم الحديث وجدتُ أن ذلك التوجه تترب عليه فوائدُ عديدة، من أهمِّها: أن المتخصص في علم الحديث يستطيع أن يوجد عنده ملَكة في هذا العلم قلَّ أن يتحصّل عليها لو كان متخصصا في علم آخر ينافس هذا التخصص مثل الفقه أو النحو أو التاريخ.
стр. 284
ورغم تخصصي الفريد في علم الحديث لا أستطيعُ أن أصفَ نفسي بأنني محدِّث؛ لأن المحدث نادر الوجود، لا سيّما في عصرنا هذا، خاصة وأن كثرة الكتب لم تترك أيّ مجال لأي فرد يتطلع أن يصبح محدِّثا بالمعنى الصحيح؛ فالمحدِّث في العصر الحديث هو الذي يعرف مراجع الأحاديث التي يريدُها للاستعانة بها في أيِّ كتاب.
وقد تغيّر مفهوم المحدِّث في الوقت الحاضر مقارنةً بنظيره في زمن الحافظ ابن حجر والذهبي والبيهقي والخطيب؛ فالمحدِّث الذي كان موجودًا في القرون الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة لا يوجد إطلاقا في القرن الحالي.
وكيف ترى سبل إعادة إحياء دور المحدِّث من جديد في الوقت الحاضر؟
سيتم إحياء هذا الدور من جديد بمشيئة الله ما دامت الجامعات مستمرة في أداء واجباتها على الوجه الأكمل؛ خاصة وأنّ هناك تخصصات لعلم الحديث في الجامعات، ستُعيدُ للحديث نشاطه وانتشاره؛ وسيوجد من بين أولئك الذين تخصصوا في هذا العلم محدِّثون بالمعنى الصحيح؛ وآملُ أن يتحقق ذلك.
стр. 285
مكتبة متجددة
إذن تزخر مكتبك بكافة الأحاديث والبحوث التي أجريت حول هذا العلم؟
المكتبة تتجدد محتوياتها يوميا؛ ويصعُب حصرها، وفيها كتب خاصّة برجال وروّاد، وكتب عن علم المصطلح لم تكن أقل أهمية من معرفة الرواد.
وقد حصرت محتويات ما عندي من علم الحديث بقسميه فوجدت أن