Полный текст (857 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
مكتبة الشيخ
كيف ومتى بدأتَ تأسيسَ مكتبتك؟
بدأتُ في تأسيس هذه المكتبة عام ١٣٦٧هـ؛ وكانت في البداية مكتبة عامّة تحتوي على كل العلوم والمواد؛ إلا أنه في عام ١٣٧٣هـ قمتُ بإهداء هذه المكتبة إلى عمي الذي أرسلتها له، وبعدَ ذلك بدأتُ في تأسيس المكتبة من جديد.
كم يبلغ عدد كتب هذه المكتبة؟
لم أستطع حصر عددها.
يلاحظ أنك أوليتَ اهتماما كبيرًا بعلم الحديث في هذه المكتبة، لماذا؟
في عام ١٣٧٣هـ حرصت على التخصص في علمٍ واحد؛ فوقع الاختيارُ على الحديث.
وتحتوي هذه المكتبة على علم الحديث كتخصص واحد فائدته أكبر من لو كانت المكتبة تحتوي على علوم عديد مبعثرة هنا وهناك.
стр. 282
دراسة الحديث وفقه القرآن
كيف وجدت أهمية التركيز على علم الحديث في الوقت الحاضر لإيصالِه إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس؟
الأصل الأول القرآن والثاني السنة، وكلما زاد اهتمام الفرد بدراسة الحديث زاد ارتباطُه بفقه القرآن الكريم؛ والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَطِيْعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ؛ وطاعة الله معناها طاعة القرآن، وكذلك طاعة الرسول وولي الأمر.
وفي الزمن الماضي لم يكن هناك متخصصون كثيرون في علمٍ واحد؛ ما عدا يحيى بن معين الذي تخصص في علم الحديث، وأبو حنيفة الذي تخصص في الفقه.
وكيف تصف لنا خبرتك في علم الحديث، والتي تزيدُ على ٣٠سنة؟.
في عام ١٣٦٧هـ بدأتُ أدرُس في علم الحديث وأبحث عن مراجعِه؛ وهكذا بدأتُ أبحث عن كتب الحديث لأجمعها وأدوّنها.
стр. 283
محدث هذا العصر
نودّ تسليط الضوء على خلاصة تجربتك التي خرجتَ بها من خلال اهتمامك بعلم الحديث؟
عندما توجهتُ لدراسة علم الحديث وجدتُ أن ذلك التوجه تترب عليه فوائدُ عديدة، من أهمِّها: أن المتخصص في علم الحديث يستطيع أن يوجد عنده ملَكة في هذا العلم قلَّ أن يتحصّل عليها لو كان متخصصا في علم آخر ينافس هذا التخصص مثل الفقه أو النحو أو التاريخ.
стр. 284
ورغم تخصصي الفريد في علم الحديث لا أستطيعُ أن أصفَ نفسي بأنني محدِّث؛ لأن المحدث نادر الوجود، لا سيّما في عصرنا هذا، خاصة وأن كثرة الكتب لم تترك أيّ مجال لأي فرد يتطلع أن يصبح محدِّثا بالمعنى الصحيح؛ فالمحدِّث في العصر الحديث هو الذي يعرف مراجع الأحاديث التي يريدُها للاستعانة بها في أيِّ كتاب.
وقد تغيّر مفهوم المحدِّث في الوقت الحاضر مقارنةً بنظيره في زمن الحافظ ابن حجر والذهبي والبيهقي والخطيب؛ فالمحدِّث الذي كان موجودًا في القرون الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة لا يوجد إطلاقا في القرن الحالي.
وكيف ترى سبل إعادة إحياء دور المحدِّث من جديد في الوقت الحاضر؟
سيتم إحياء هذا الدور من جديد بمشيئة الله ما دامت الجامعات مستمرة في أداء واجباتها على الوجه الأكمل؛ خاصة وأنّ هناك تخصصات لعلم الحديث في الجامعات، ستُعيدُ للحديث نشاطه وانتشاره؛ وسيوجد من بين أولئك الذين تخصصوا في هذا العلم محدِّثون بالمعنى الصحيح؛ وآملُ أن يتحقق ذلك.
стр. 285
مكتبة متجددة
إذن تزخر مكتبك بكافة الأحاديث والبحوث التي أجريت حول هذا العلم؟
المكتبة تتجدد محتوياتها يوميا؛ ويصعُب حصرها، وفيها كتب خاصّة برجال وروّاد، وكتب عن علم المصطلح لم تكن أقل أهمية من معرفة الرواد.
وقد حصرت محتويات ما عندي من علم الحديث بقسميه فوجدت أن
стр. 286
المكتبة تحوي نحو ٥٠ نوعا من ٦٥ نوعا من علم الحديث؛ أما الزيادة في الأنواع التي ذكرها الفرغيلي فإنها تصلُ إلى ١٠٠ نوع.
وأستطيعُ أن أقولَ الآن أنه لا ينقصني من علم الحديث تقريبا إلا ١٥ نوعا من علم الحديث.
وفي عام ١٣٧٥هـ بدأتُ أبحث عن جميع هذه الأنواع في المكتبات الموجودة في داخل المملكة وخارجها، ولم أجد إلا أنواعا قليلة جدًّا؛ وبدأتُ أكتبُ في هذه الأنواع الخمس عشرة التي لم أحظ بوجودها؛ ورغم ذلك لازلتُ أبحثُ عنها.
ما هو أقدمُ مخطوط في هذه المكتبة؟.
تعريف الأعلام هو أقدمُ نسخة، ترجع إلى القرن الخامس الهجري.
إلى أيِّ مدًى يمكن القولُ أنّ محتويات هذه المكتبة يمكن أن توجد في أيّ مكتبة في العالم الإسلامي؟.
عندما قمتُ برحلات إلى بلاد مختلفة للبحث عن هذه الكتب لم أجد أي مكتبة شبيهة بمكتبتي سواء كان في الشام أو مصر أو المغرب وتونس والجزائر وليبيا؛ وقد كلّفتني هذه المكتبة كثيرًا.
كتابٌ بـ ٧.٠٠٠ ريال.
كم كلفتك هذه المكتبة؟
كلفتني كثيرًا، ولكني لا أستطيعُ حصر التكاليف، لأنني بدأت في تأسيسِها
стр. 287
منذ زمن بعد وحتى الآن؛ فإذا كانت كتاب تاريخ ابن عساكر قد كلفني وحده نحو سبعة آلاف ريال، فإن محتويات هذه المكتبة تكلف كثيرًا، وكتاب الكامل لابن عدي جلبتُه من تركيا عام ١٣٨٥هـ بألف ريال في وقتٍ كان في راتبي ألف ريال فقط، وهو كتاب نادر الوجود، وهو أوّل كتاب دخل إلى الدولة، ولكنه انتشر بتوفيقٍ من الله ثم بوجود هذه النسخة.
كيف ترى إمكانية الاستفادة من هذا الجهد العلمي الرائع؟
أغلبية الرسائل الموجودة في المكتبة تمّت طباعتُها والآن تباع في المكتبات؛ يضاف إلى ذلك أن هذه المخطوطات قد تمت طباعتها وتم تحقيقُها.
هل حقّقتِ الرسائلُ العلمية فوائد ملموسة؟
نعم حققت هذه الرسائل فوائد عظيمة بتضافر جهود الدولة التي افتتحت العديد من الجامعات ذات التخصصات المختلفة.
стр. 288
في الرياض أكثر .
ماذا عن إنتاجك الذي قمت بكتابته وتأليفِه؟
عندما كمنت في الرياض كان نشاطي الإنتاجي كبيرًا جدًّا؛ فقد كنت أكتب عدّة بحوث في الحديث يتم نشرُها في الجرائد والمجلاّت؛ وهناك بحوثٌ أخرى أقوم بتجهيزِها، وذلك بمناسبة إحالتي للتقاعد؛ وفي أول شهر محرم الماضي أرسلت ستة بحوث لطباعتها، وهي ذات موضوعات مختلفة في علم الحديث؛ مع ملاحظة أنني لا أكتب إلا علم الحديث والعقيدة فقط.
стр. 289
خلافات لا بدّ منها .
كيف تنظر للخلافات الموجودة حاليا بين بعض الأئمة والعلماء حول بعض الأحاديث والأحكام؟ وكيف ترى السبيل إلى تضييق هوة هذه الخلافات؟
هذه الخلافات لا بدّ منها، ولكن إذا دلنا العلماء على الطريقة التي إذا سلكناها استطعنا أن نتخلّص من هذه الخلافات.
والمشكلة الأساسية التي ساعدت على توسيع هوة الخلاف وأوجدت سوء التفاهم تتمثل في اهتمام طلبة العلم بالمادة فقط دون غيرها؛ أما الطلاب الذي يهمهم العلم والإصلاح فإنهم يستطيعون التخلُّص من كل خلاف أمامَهم.
كم تحفظ من الآحاديث؟
وفرة الكتب حالت بيني وبين الحفظ ولانشغالي لم ألجأ إلى حصر ما حفظت من الأحاديث؛ يضاف إلى ذلك: أنني أستطيع الوصول إلى أيِّ حديثٍ مرَّ عليَّ، ومعرفة ما قيل فيه، خاصّةً وأنَّ هناك أحاديث في حاجة ماسّة إلى بحث.
حين يشكل عليك الأمر في حديثٍ ما، إلى من ترجع لتستعين به؟
أرجع إلى الاخوة طلبة العلم الذين تزايد عددهم بشكل كبير؛ فإذا وجدت حلاًّ عندَهم لأيِّ سؤال كان هذا هو المطلوب، وإلا ساعدوني للبحث لأصل للحقيقة بالتعاوُن معهم.
стр. 290
ابن باز محدّثا .
من هو العالم الذي تستعين به في هذه المسألة دائما؟
كلما أحتاج إلى حلّ أمر ما أتّصل فورًا بالأخ إسماعيل الأنصاري
стр. 291
بالرياض؛ لأنه صاحب خبرة كبيرة، رغم أنه غير متخصص في علم الحديث.
كما أتصل أيضا بالشيخ عبد العزيز بن باز الذي لا يوجد محدّث مثله، رغم أعمالِه الكثيرة التي حالت بينَه وبين التفرُّغ للتخصص في علم الحديث.
يضاف إلى ذلك أنني أراجع الشيخ الألباني في بعض الأمور؛ لأنه ذو إطلاع واسع في علم الحديث.
يوصف الشيخ ناصر الدين الألباني بأنه الأكثر تخصصا في علم الحديث حاليا؛ ما رأيُكم؟.
هذا كلامٌ غير صحيح، رغم أنه ذو إطلاع واسع.
стр. 292
لا تتبعوا السقطات
ما هي نصيحتُك التي تقدِّمُها للباحثين وطلبة علم الحديث؟
أنصحُ طلبة العلم بصفة عامة وطلبة علم الحديث بصفة خاصة أن يخلصوا، وأن لا يتتبّعوا السقطات التي تحصل من بعض أهل العلم، وأنصحهم كذلك بعدم خوض مجال الاعتراضات، وأن يتّصلوا بأهل الشأن؛ لأن العلم ليس من بطون الكتب وإنما من أصحاب الشأن؛ وأن يتفقّهوا بالطريفة التي تفقّه بها أئمتُنا، ثم أنصحُهم بتقوى الله في السر والعلانية.
стр. 293
جهود علمية
ماذا تنشغل في الوقت الحاضر؟
أعمل الآنَ مشرِفا على الباحثين رغم أنني أُحلت للتقاعُد؛ حيث ما زال لدى ستة باحثين، أربعةٌ منهم في القعيدة واثنان في الدكتوراه.
стр. 294
ما هي توجهاتُك العملية بعد الانتهاء من هذه المهمة؟
سأحاول أن أقومَ بتلخيص وتصحيح ونسخ البحوث وذلك لنشرها؛ وفي بعض المرّات حين يقف الضغط أقومُ بإعادة كتابة بعض هذه البحوث التي ستنتهي طباعتُها قريبا.
стр. 295
مواعيد المكتبة .
ماذا عن مواعيد زيارة المكتبة؟
تفتح هذه المكتبة أبوابَها للزوّار يوميا صباحا ومساء خلال أيام الإجازات من الساعة الثامنة صباحا حتى الظهر، وبعد صلاة العصر حتى العشاء.
أما خلالَ وقت العمل فإن المكتبة تفتح أبوابَها خلال الفترة من بعد صلاة العصر حتى صلاة العشاء.
هل يستطيع القارئ الاستعارة من هذه المكتبة؟
نعم يستطيع القارئ الاستعارة منها يوميا، حيث يحدُث ذلك يوميا وبشكل مكثّف.
стр. 296
بين المدّ والجزر .
الهجمة على الإسلام اشتدت ضراوتُها في الآونة الأخيرة، واتخذت أشكالاً أحد وأشدّ وقعا؛ بماذا تبررون اشتداد الهجمة في هذه الآونة بالذات؟ وكيف يمكن مواجهتها؟
الهجمة على الإسلام ليست وليدة اليوم؛ فهي بين مدّ وجزر، فكلما أحسّ أعداءُ الإسلام فيه قوةً أو بوادر صحوة في أبنائه ومظاهر رجعة صادقة في
стр. 297
صفوف أهلِه أفزعهم ذلك وأرعبَهم؛ فهم يحرصون على أن يظل المسلمون نائمين، ولاهين وعابثين.
وهم يدركون خطورة المسلمين الصادقين على فكرهم وحضارتهم على تقديس الذاتية والمصلحة واحتكار أفكار الشعوب ومبادئها وأرزاقها.
وهم يدركون جيّدًا أكثر من إدراك المسلمين أن سرّ قوة المسلمين تكمُن في إسلامِهم وفي عقيدتهم؛ فلو التزم المسلمين بالإسلام لأصبحوا قوةً عظمى في العالم مرهوبة الجانب، قوية السلطان، مالكة لزمام الحضارة المادية والروحية.
стр. 298
أسلوب رخيص
لعل من أحقر أساليب الهجوم على الإسلام استئجار بعض الأقلام التي تنتسب إليه لطعنه في الظهر؛ والأمثلة كثيرة على ذلك. هل ترون الردّ عليها أم تجاهلها؛ وما مميزات وعيوب كلام البديلين؟
إن مثل هذا الأسلوب الرخيص ينبغي تجاهلُه في تقديري وعدم الاهتمام به أو إطاؤه أكبر من حجمه؛ وإذا وُجد شيءٌ من هذا النوع فأرى أن يدرس دراسة جيّدة، وأن يواجه بالقدر المعقول؛ لأن الهجومَ الصارخ على فيلم ما أو تاب ما قد يعطِيه أكبر من حجمه ويساعد على انتشار مادتّه أو كسب صاحبه شهرة لا يستحقُّها، مما يجعل بعض قليلي الثقافة والمعرفة يتأثرون به؛ فأنا لا أدعو إلى إهمال مثل هذه الظواهر ولا مهاجتها بشكل غير مدروس أو مأمون العواقب.
стр. 299
لا طائل من الجدل .
آراء العلماء وطلبة العلم اختلفت حول حكم الصور؟، فما رأيُكم؟، وهل ترون أنه من الحكمة إثارة مثل هذه القضايا في الوقت الراهن الذي تمرّ فيه الدعوة بتحيات كثيرة؟
الأمر إذا كان محلّ خلاف بين أهل العلم وفيه مجال للاجتهاد مثل الصور الفوتوغرافية، خاصة إذا كان يترتّب على وجودها مصلحة ظاهرة أو دفع مفسدة، وليست من قبيل العبث؛ فإنني أرى أنه لا طائل من إطالة الجدل حولها.
стр. 300
ملامح التربية .
التربية الإسلامية محور الارتكاز لإعداد جيل صالح وقادر على تحمّل أمانة الدعوة إلى الله. ما أهم ملامح هذه التربية؟، وهل ترون المناهج الدراسية الحالية كفيلة بتحقيق هذا الطموح؟
أرى أن أهم ملامح التربية في شخصية المسلم ترتكز على ما يلي:
أولاً: الاهتمام بالمحضن الصالح، أعني: الزوجة الصالحة والزوج الصالح؛ فهي ركيزة أساسية في بناء فطرة الشاب وعقله وقلبه وبذر الخير في نفسه وجعله يثمر ثمرة يانعة.
ثانيًا: العناية به منذ نعومة أظفاره وغرس الفضائل في نفسِه، وتجنيبِه أسباب الانحراف.
ثالثًا: العناية بتربيته إيمانيا، وخلقيا، جسميا وعقليا، ونفسيا، واجتماعيا.
رابعًا: إيجاد القدوة الصالحة في ليكتسب منها ويتأثّر بها، ويمارس أمامها
стр. 301
أساليب الدعوة والعمل الإسلامي ليستفيد من توجيهاتها.
خامسًا: تسلّحه بالعلم النافع ووعيه وإدراكه لأساليب العمل الناجح.
سادسًا: تحليه بالصبر والحلم وسعة صدر وقوة التحمّل، والقدرة على استيعاب.
سابعًا: عدم استعجال النتائج الأمر بعد الأخذ بالأسباب إلى الله .
وأرى أن المناهج في المملكة العربية السعودية وسياسة التعليم فيها من أفضل المناهج والسياسات في العالم الإسلامي لغرس الفضائل وبناء وإصلاح النفوس؛ إذا توفرت لها القدوة الصالحة والتدريب العملي والحماية من المؤثرات.
وسياسة التعليم ومناهجه من المفاخر التي تفخر بها المملكة العربية السعودية زادها الله قوةً وثباتا واستقامة.
بماذا تنصح المسلم الذي يسافر إلى البلاد غير المسلمة؟
أنصحُه أن يكون معتزًّا بدينه، فخورًا بإسلامه، مفاخرًا بهويته؛ حتى لا ينهزم أو ينبهر بمظاهر حضارة الغرب وتقدّمه المادي.
وأن يكون على وعي بالأفكار التي تعجّ بها البلاد غير الإسلامية، حتى لا يتأثّر بها ويخدعه بريقُها.
وأن يكون كذلك على وعي جيد وفهم واضح بأصول إيمانه وعقيدته أهم مبادئ الإسلام وثوابته، حتى لا يدخله الشك، ويهزّه أدنى موقع.
وأن يتسلّح بسلاح الإيمان والتقوى والبعد عن مواطن الشبهات والشهوات والمغريات.
وأن يكون جادًّا في دراسته أو عملِه ومنهمكا في أداء مهمته التي سافر من أجلها.
стр. 302
وأخيرًا أن يدرك أن حقيقة الحضارة في الغرب أو الشرق في جانبها الفكري والأدبي قامت على غير هدى من الله، وأن سعادة البشرية وحياتها الحقيقة لا توجد في غير حضارة الإسلام.
وما النصيحة التي توجهونها للمرأة المسلمة عبر "عكاظ"؟
المرأة المسلمة في المجتمع السعودي تحظى بمكانة تَحسدها عليها جميع نساء العالم، بل إن الواعيات في المجتمعات الأمريكية والأوربية يتمنين أن يعش حياة المرأة في المملكة العربية السعودية؛ فالمرأة في المملكة أمّ حانية، وأخت وفية، وبنت جادّة مثابرة.
وإذا استثنينا بعض الظواهر الشاذّة في تصرفات بعض أولياء أمور النساء ـ والتي سوف تنتهي يقنيا بزيادة الوعي وارتفاع مستوى التعليم ـ علمنا يقنيا ما تتمتع به المرأة في الإسلام من حقوق مميزة تحفظ لها كرامتها وتعطى لها اعتبارها.
وقد توجد بعض الظواهر الشاذة أو التصرفات غير المسئولة، وهذه ليست حجة على الإسلام، بل مثلها وأكثر منها يحصل في جميع المجتمعات وتحتَ كل النظم والقوانين.
فنصيحتي للمرأة هذا المجتمع بالذات أن تحافظ على حقوقها التي وهبها إيّاها الإسلام، وأن تعمل على تجسيدها في الواقع وتطبيعها في المجتمع، وأن تكون غايتها رضى الله، والحرص على طاعته، وأن لا تستجيب لدعاة التغريب والانحلال الذين يبدءون دائما من حيث انتهى الآخرون؛ فكثير من نساء المسلمين في العالم الإسلامي أدركن خطأهنّ لأمثال هؤلاء الدعاة وتصديقهم في دعواهم الكاذبة وبدأن خط الرجعة من جديد لحياتهن وحشمتهن وصيناتهن وصفائهن، وطاعة خالقن ؛ فوجدن الراحة والطمأنينة.
стр. 303
فالمرأة المسلمة اليوم مدعوة إلى تحمل مسئوليتها كالرجل بعد أن يسر الله لها الزاد العلمي والإيمان الجيد في الحفاظ على شخصيتها وإيمانها وهويتها، وإحباط جميع دسائس أعداء الإسلام الذين ينتظرون على أحرّ من الجمر أن تمد لهم المرأة يدها في هذا المجتمع ليعبثوا بخلقها وعفتها وعقلها كما فعلوا بالمسلمات الأخريات اللاتي استجبن لهم في بعض الدول الإسلامية.
стр. 304
صمام الأمان
فالمرأة المسلمة صمام الأمن في أي مجتمع؛ فهي أساس الأسرة، ومحض البذرة فإذا انفلتت ـ كما يريد لها أعداء الإسلام وأدعياء تحرير المرأة ـ ومتى كانت مستعبدة حتى تحرر ـ انهارت الحياة وفقد الحنان والرمة وجفّت الحياة وذبلت وتحول إلى حياة صخرية قاسية تولد الآلام وتزرع الأنانية والبغضاء ونتيجة الكراهية والحقد.
وهذا ما يسعى إليه الأدعياء المغفّلون من حيث يدرون أو لا يدرون، وبعضهم يدرك ذلك ويسعى إليه بخبث وسوء نية ولا يهمّه إلاّ ذاتُه وتحقيق أنانيته ولو تحولت الحياة إلى جحيم وعمّها الدمار كما في لبنان أو أفغانستان أو فيتنام أو هيروشيما.
في نهاية الحوار نود أن توجهوا كلمةً للشباب المسلم الآن، فبماذا تنصحونَه؟
نصيحتي لكل شاب مسلم: أن يكون على صلة قوية بربه، وثقة صادقة بإيمانه، وعلم يمكنه من فهم دينه والعمل له، وصحبة صالحة تعينُه وتثبته، ووعي بالأخطار التي تحدق به وتعل على انحرافِه، وإدراك لخطط أعدائه حتى لا يستغفل عن دينه ويلبس عليه أمره؛ وأن يجعل اللهَ والدارَ الآخرةَ دائما نصب عينيه وهي غايته.
стр. 305
اللقاء الذي أجرته مجلة التوحيد مع الشيخ حماد الأنصاري ﵀
عناوين عامة
...
اللقاء الذي أجرته مجلة التوحيد مع الشيخ حماد الأنصاري ﵀
العدد (السابع) السنة الخامسة والعشرون. بتاريخ: السبت ١٩ رمضان سنة ١٤١٠هـ الموافق ١٤/أبريل ١٩٩٠م.
أجرى اللقاء مع الشيخ "﵀": جمال سعد حاتم.
عناوين عامة:
* الشيخ حماد الأنصاري رئيس قسم السنة وأستاذ الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في حديث مع (التوحيد) :
* مصر قائدة العالم كله إذا أرادت ذلك!!
* الشيخ حماد يروي قصته مع الشيخ حامد الفقي وعلماء السنة
* أوصي أبنائي في مصر وبلاد المسلمين بأن ليس في الإسلام قتل الأبرياء ولا قتل النساء ولا قتل الشيوخ
* مجلة (التوحيد) مجلة جيّدة جدًّا، ولا ينبغي أن تترك، والذي عليكم هو نشرها
* إنني أعترف بأن العلم في مصر، والمصريين أساتذة الدنيا كلها، ولو أسلمت مصر كلها لأسلم العالم كله.
стр. 306
في المدينة المنورة كانت زيارة وفد (أنصار السنة) لعالم من العلماء الأفارقة الموحدين؛ حيث حدّثنا الرجلُ عن أنصار السنة بما لم يحدثنا بها رجالاتها، وعن قدماء أنصار السنة ابتداءً بالشيخ / حامد الفقي، والشيخ / عبد الرحمن الوكيل، وانتهاءً بالشيخ / عبد الرزاق عفيفي؛ وعن مصر الأزهر، وما يُكِنُّه الرجلُ لرجالات مصر وعلمائها؛ حيث وصفهم بأنهم أساتذة الدنيا ... وأن مصر قائدة العالم كله إنْ هي أرادت ذلك، وعن رحلة الرجل في طلب العلم، وعن مجلة (التوحيد) ؛ والكثير من خلال حديثٍ طويل شيِّقٍ مع عالم تنسابُ منه الكلمات في سلاسة؛ وكان حديثنا في جلسة العلماء، حيث سجلنا معه الحديث التالي:
التوحيد: فضيلة الشيخ / حماد الأنصاري ـ يرحمكم الله ـ هل لكم أن تحدِّثونا عن (أنصار السنة) وعلاقتكم برجالات (أنصار السنة) ؟
ج: إنني أعرف (أنصار السنة) منذ أمَدٍ بعيد، أعرف رئيسها الأول ورئيسها الثاني الشيخ حامد الفقي، والشيخ عبد الرحمن الوكيل "رحمة الله عليهما"، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ جميل غازي؛ والكثيرُ من رجالات (أنصار السنة) .
وعندما زُرتُ المركز العام كان الشيخ جميل غازي في استقبالي، ومن رجالات أنصار السنة الذين أذكرهم الآن والذي كان له باعٌ طويل في الدعوة الشيخ محمد خليل هرّاس؛ وعندما كان عندنا هنا كنا نسميه فيلسوف أهل السنة، كان عندنا بمنزلة أبي الحسن الأشعري متكمل عصره.
وفي زيارتي الثانية للقاهرة عندما دخلت إلى المركز العام بعابدين كنت قادمًا من أسبانيا، وألقيت محاضرة لمدة ساعتين في المركز العام، وكانت بعنوان: (التوحيد من سورة الفاتحة) ؛ والتقيت باخوة كثيرين من أنصار السنة أثناء تواجدي في مصرة.
стр. 307
وزرت جامعة الأزهر لكي ألقي محاضرةً فيها، وكان وقتها على قمة الأزهر الشيخ عبد الرحمن بيصار "﵀"، وكان معي في هذا الوقت فضيلة الشيخ الحسيني هاشم.
ومن الطرائف: أنني عندما كنت في طريقي لإلقاء محاضرة في الأزهر سمعت اعتراض البعض عندما قالوا: إنه إذا ألقى محاضرة هنا فإنه سيلقي محاضرة وهاّبية، قلت لهم: يا عجبًا هل هناك محاضرات وهّابة ومحاضرات غير وهابيّة؟؛ وشدّدوا عليّ أن لا يسمحوا لي بإلقاء محاضرة؛ وكانت هذه الواقعة من المواقف الطريفة التي قابلتني أثناء زيارتي للقاهرة؛ فرددت عليهم وقلت لهم: إنكم أنتم علماء الدنيا، ولكن ينقصكم أن تعرفوا كيف توحدون الله، هذا هو الذي ينقصكم، وإلاّ فالعالم كله أنتم أساتذة حتى أمريكا وأوروبا.
أعترف أنني من تلامذة علماء الأزهر.
ويواصل الشيخُ حديثَه بلا انقطاع قائلاً:
بداية: فأنا أعترف أنني من تلامذتكم، بل إنني لستُ مبالغًا إنْ قلت: أن كل من درس العلم في الآونة الأخيرة منذ أنشأ الجامع الأزهر هم تلامذته؛ وكان الشيخ حامد الفقي مثلاً من أمثلة العلماء الذي تخرّجوا في الأزهر.
التوحيد: فضيلة الشيخ ـ يرحكم الله ـ هل لكم أن تحدثونا من خلال معايشتكم للشيخ حامد الفقي ﵀ عن شيء من حياته أثّر فيكم وما زلتم تذكرونَه؟
ج: أما عن حياة الشيخ حامد الفقي: فعندما اجتمعتُ معه عام ١٣٦٧هـ جئتُه وهو يدرِّسُ "تفسير ابن كثير" عند (باب علي بمكة) ، وعندما سمعتُه قلت: هذا هو ضالّتي؛ فكان يأخذ آيات التوحيد ويسلّط عليها الأضواء،
стр. 308
وسمعته من بعيد فجلست في حلقته، وكانت أول حلقة أجلسُ فيها في الحرم وأنا شاب صغير، وكان عمري لا يتعدّى الثانية والعشرين، وسمعت الدرس، وكان الدرسُ في تفسير آيات التوحيد؛ وبعدما انتهى الدرس وصلينا العشاء جاءنا شخصٌ صوري لا أتذكّر اسمَه الآن وقال للشيخ: أنا أريكم أن تشربوا القهوة عندي، فقال له الشيخ: ومن معي، قال له الرجل: احضر مَن شئت، وكان هذه أول مرة أرى فيها الشيخ، على الرغم أنني سمعت عنه كثيرًا؛ لأن شيخي كان تلميذ الشيخ حامد الفقي.
стр. 309
الشيخ حامد الفقي وقصته مع الفلاّح
وذهبنا إلى بيت الأخ السوري، وعندما وصلنا إلى البيت وجلسنا قال لنا: أنا أريد أن أسلم لكم سيوفًا من الخشب، وسلم الأخ السوري كل واحدٍ سيفًا من الخشب، وقال لنا: تعالوا نتسايف أولاً، وبعد ذلك نشرب القهوة حتى نطبق النونين اللتين تركز عليهما الإسلام؛ وأخذ كلُّ واحدٍ
منها سيفَه وأخذَ مع صاحبه يتجاولان، حتى انتهينا من المجاولة جلسنا وشربنا القهوة؛ وقلت
للشيخ حامد الفقي "﵀": يا شيخ أنا عندي سؤال، فقال: ما هو سؤالك يا ولدي؟، فقلت له: كيفَ صرتَ موحدًا وأنت درست في الأزهر؟، وأنا أُريدُ أن أستفيد والناس يسمعون.
فقال الشيخ: والله إن سؤالك وجيه. قال: أنا درست في جامعة الأزهر، ودرست عقيدة المتكلمين التي يدرِّسونَها، وأخذت شهادة الليسانس وذهبت إلى بلدي لكي يفرحون بنجاحي، وفي الطريق مررتُ على فلاّح يفلح الأرض، ولما وصلت عندَه قال: يا ولدي اجلس على الدكّة، وكان عندَه دكة إذا انتهى من العمل يجلس عليها، وجلستُ على الدكة وهو يشتغل، ووجدت بجاني على
стр. 310
طرف الدكة كتاب، فأخذت الكتاب ونظرت إليه، فإذا هو كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية" لابن القيم، فأخذت الكتاب أتسلى به؛ ولما رآني أخذت الكتاب وبدأت أقرأُ فيه، تأخّر عني، حتى قدّر من الوقت الذي آخذ فيه فكرة عن الكتاب؛ وبعد فترة من الوقت وهو يعمل في حقله وأنا أقرأُ في الكتاب جاء الفلاّح وقال: السلام عليك يا ولدي، كيف حالُك، ومن أين جئت؟، فأجبتُه عن سؤاله، فقال لي: والله أنت شاطر، لأنك تدرجت في طلب العلم حتى توصلت إلى هذه المرحلة، ولكن يا ولدي أنا عندي وصية، فقلت: ما هي؟، قال الفلاّح: أنت عندك شهادة تعيشك في كل الدنيا في أوروبا في أمريكا، في أيِّ مكان، ولكنها ما علمتك الشيء الذي يجب أن تتعمله أولاً، قلت: ما هو؟، قال: ما علمتك التوحيد، قلت له: ما هو التوحيد، قال الفلاّح: توحيد السلف، قلت له: وما هو توحيد السلف؟، قال له: انظر كيف عرف الفلاّح الذي أمامَك توحيد السلف، قال له: هي هذه الكتب: كتاب (السنة) للإمام أحمد الكبير، وكتاب (السنة) للإمام أحمد الصغير، وكتاب (التوحيد) لابن خزيمة، وكتاب (خلْق أفعال العباد) للبخاري، وكتاب (اعتقاد أهل السنة) للحافظ اللالكائي؛ وعدَّ له كثيرًا من كتب التوحيد، وذكر الفلاّح كتب التوحيد للمتأخرين، وبعد ذلك ذكر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيِّم؛ وقال له: أنا أدلك على هذه الكتب إذا وصلت إلى قريتك ورأوك وفرحوا بنجاحك لا تتأخّر ارجع رأسًا إلى القاهرة، فإذا وصلت إلى القاهرة، ادخل (دار الكتب المصرية) ستجد كل هذه الكتب التي ذكرتُها كلها فيها؛ ولكنها مكدّسٌ عليها الغبار، وأنا أريدُك أن تنفض ما عليها من الغبار وتنشرها.
وكانت تلك الكلمات من الفلاّح البسيط الفقيه قد أخذت طريقَها إلى قلب الشيخ حامد الفقي؛ لأنها جاءت من مخلِص.
стр. 311
كيف عرف الفلاّح طريق التوحيد؟
يواصل الشيخ حماد حكايتَه مع الشيخ حامد الفقي فيقول:
إنني استوقفت الشيخ وسألتُه: كيف عرف الفلاّح كل ذلك؟.
قال الشيخ حامد: لقد عرفه من أستاذه (الرمالي) ، هل تسمعون بالرمالي؟، قلت له: أنا لا أعرف الرمالي هذا، ما هي قصتُه؟، قال: الرمالي كان يفتش عن كتب سلفه، ولمّا وجد ما وجد منها بدأ بجمع العمال والكنّاسين وقام يدرّس لهم، وكان لا يُسمح له أن يدرّس ذلك علانية، وكان من جملتهم هذا الفلاّح؛ وهذا الفلاّح يصلح أن يكون إمامًا من الأئمة، ولكنه هناك في الفلاحة، فمن الذي يصلح أن يتعلم؟. ولكن ما زال الخيرُ موجودًا في كلّ بلد حتى تقوم الساعة.
ولما رجعتُ إلى قريتي في مصر وذهبت إلى القاهرة ووقفت على الكتب التي ذكرها لي الفلاّح الفقيه كلها ما عدا كتاب واحد ما وقفت عليه إلاّ فترة كبيرة.
وبعد ذلك انتهينا من الجلسة وذهب الشيخ حامد الفقي؛ وكان يأتي إلى السعودية ونستقبله ضمن البعثة المصرية أيّام الملك فاروق كل عام؛ وكانت هذه القصة هي إجابة للسؤال الذي سألتُه للشيخ حامد في مجلس الرجل السوري.
التوحيد: وعندها سألت الشيخ حماد: ومن يكون شيخك؟.
ج قال: شيخي أنا في إفريقيا تلميذ الشيخ حامد الفقي، اسمه الشيخ محمد عبد الله المدني التنبكتي.
стр. 312
التوحيد: الشيخ حماد الأنصاري ـ يرحكم الله ـ الرحلة في طلاب العلم سِمَةٌ من سمات طلبة العلم، فهل لكم أن تحدثونا عن رحلتك في طلب العلم؟
ج يقول فضيلة الشيخ حماد الأنصاري: إن الرحلةَ في طلب العلم طويلة، وخاصة أنني من أفريقيا، ورحلتي في طلب العلم أقصُّها لكم؛ وقد سأل سائلٌ الإمامَ مالكًا في درسه في المدينة المنورة: من أين لك هذا العلم يا أبا عبد الله؟، قال: هذا علم ما شاء الله، فقيل له: وما علم ما شاء الله؟، فقال لهم: أنا ما بدأتُ درساً إلا وأقول: ما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ وهذا معنى علم ما شاء الله.
стр. 313
الأعداء يتربّصون بالإسلام
وأنا كما أخبرتكم أنني من أفريقيا السوداء؛ فنحنُ من دولة بني نصر الذين هم آخر دولة في الأندلس، وقضت عليها أسبانيا المجرمة عندما وجدت بينهم الاختلافات على الرئاسة، ووجدت تلك الفرصة، فهجت على الجميع وقضت على الإسلام، وهكذا العدو؛ فالعدو يتربّص بالمسلمين؛ فهنا لما أخذوا البلاد وقضت على تلك الدولة، وهذه آخر دولة للأنصار وعملوا محاكم التفتيش، وكان محاكم التفتيش هذه يخيّرون كل من بقي في هذين البدلين بين واحدٍ من ثلاث: إما أن يتَنَصَّر، وإما أن يخرج من البلد لا يحملُ شيئًا حتى اللباس، وإما أن يُقتل؛ وكنا ممن وقع عليهم الاختيار الثاني؛ وكان ذلك سبب خروجِنا من البلاد.
وخرجنا حتى وصلنا إلى المغرب وجلسنا فيه، ولكن وجدنا فتنًا كثيرة لم تكن أقلَّ من الفتن الموجودة في الأندلس، فخرجنا جميعًا إلى السودان والسنغال، ولما وصلنا إلى السنغلا لم نجد استقرارًا أيضًا؛ فخرجنا حتى وصلنا إلى تنبكتوا ـ والتي يسمونها مالي حاليًّا ـ، وهناك وجدنًا استقرارًا، ووجدنا بلادًا يحتاجون إلى من يوجههم، وكنا نعيشُ في قرية تابعة لتنبكتوا؛ وكان طلبة العلم يتجمعون
стр. 314
في هذه القرية؛ وكان ذلك في عام ١٣٦٤هـ، وبقينا في تلك القرية حتى قاتلنا الفرنسيون؛ فقد هجموا على تلك القرية التي كنا فيها بالدبابات بعد صلاة الفجر في هذه السنة ودكّوها دكًّا، ولم يسلم إلاّ من هرب برجليه؛ وكان ذلك آخر وجود لأسرتنا بعد أن جاءت فرنسا إلى تلك البلاد.
وكانت الدراسة عندنا في هذه البلاد حلقات؛ حيث لا توجد مدارسُ نظامية، وكان المشايخ يجلسون في المسجد، هذا يدرِّس القرآن، وهذا يدرِّس النحو، وهذا يدرّس في اللغة، وهذا يدرس في الفقه، وهذا يدرس في الحديث، وهذا يدرِّس المصطلح؛ فدخلتُ في هذه الحلقات، وكنتُ في ذلك الوقت ابن عشر سنوات، دخلت حلقة القرآن حتى حفظت القرآن، وكنت عند خلي لأنني يتيم؛ فقد توفي والدي ﵀ وأنا ابنُ ثماني سنوات، فأخذني خالي بعد وفاة أبي، وأنا في الحقيقة في أفريقيا درستُ العلوم التي تدرس هناك سنة ١٣٥٨هـ.
وفي تلك السنة جاءنا الشيخ محمد عبد الله التنبكتي المدني، والذي كان إمامًا في الحرم النبوي؛ لأنّ أباه المحمود لما جاءت فرسنا إلينا من المغرب والجزائر هرب بعد أن تغلّب الفرنسيون واحتلّوا البلاد إلى الصحراء هو وتلامذته؛ واجتمع مجموعةٌ من العلماء منن مختلف البلاد: السيوطي من القاهرة، عبد الكريم من أرتيريا، محمود البغدادي من العراق، محمد بن يوسف الأنصاري من تادا مكة؛ كلُّ هؤلاء العلماء جمعهم الله من بلادٍ متباعدة في بلدةٍ في النيجر والتي تسمى (آير) ؛ ولما اجتمعوا في هذه البلدة كانوا لا يعرفون بعضَهم من قبل.
стр. 315
المصريون أساتذة الدنيا
ويواصلُ الشيخُ حماد الأنصاري رحلته في طلب العلم فيقول:
كانت العلوم التي تندرس في البلاد في ذلك الوقت كلها قد جاءتنا من القاهرة؛ وأُريد أن أعرفكم كيف أقول لإخواني المصريين: أنتم أساتذة الدنيا، وكانت كل العلوم التي تدرس عندنا وتدخل في الحلقات التي ندرسها كلها قد أخذناها من الأزهر، ولم يكن ينقصنا سوى المدارس النظامية.
ولما جاء الشيخ محمد عبد الله سنة ١٣٥٧هـ وكان رجلاً عظيمًا درس الوحيد وصار يدرس لنا التوحيد، وما كان يتكلم إلاّ بالقرآن والحديث؛ وكنت ما زلتُ صغيرًا في ذلك الوقت، لأنني لم أخرج من البلاد إلا في عام ١٣٦٤هـ؛ فأشارت عليّ والدتي بالاتصال بهذا الشيخ لعله يعلمني شيئًا؛ وكان الشيخُ قد افتتح مدرسةً لعلوم التوحيد، ومدرسةً لتعليم الحديث؛ لأن البلاد كانت بها كل العلوم تدرس ما عدا هين العلمين، برغم أن البلاد كان بها فحولٌ في النحو واللغة والتصريف والبلاغة وأصول الفقه والتجويد والمنطق والفلسفة، لكنهم كانوا لا يعقلون على أيّ كلمة يغني بها إنسان أمامهم، وكانوا لا يقرؤون الأحاديث إلا للتبرك في رمضان.
وفي عام ١٣٦٣هـ جمعنا الطلبة حينما قامت فرنسا علينا وقالت: لا بد وأن يدخل أولادكم في مدارسنا، وكل المستعمرين من التكارنة والبيضان دخلوا مدراس الفرنسيين إلا نحن.
التوحيد: كيف استمرت رحلتكم في طلب العلم؟
ج: يقول الشيخ حماد الأنصاري: إن ما سردته لكم هي المرحلة الأولى من رحلتي في طلب العلم، وكانت بداية المرحلة الثانية عندما أصرّ الفرنسيون
стр. 316
على إدخالنا مدارسهم، فأشار علينا الشيخ محمد عبد الله بقوله: أنا من رأيي أن تأخذوا ما بقيَ من أولادكم وتذهبون إلى الحجاز؛ وكان هذا هو سبب خروجنا من إفريقيا.
وفعلاً تركنا البلاد، وركبنا الجمال حتى وصلنا إلى (كانوا) في نيجيريا، ومن هناك ركبنا السيارات بعد أن بعنا الجمال، ثم توجهنا إلى (تشاد) التي هي عاصمتها (أنجمينا) حاليًّا؛ وهناك وجدنا أحد العلماء الذين تعلموا في الأزهر، وجلسنا معه في حلقاته، وقدمنا طلبًا إلى الحاكم هناك بأن سمح لنا بالحج؛ فرفضوا ذلك، وخرجنا متسللين نمشي باللين ونكمن بالنهار حتى وصلنا إلى (أم درمان) ثم (بورسودان) .
وهناك كوّنتُ مكتبة في (بورسودان) ، كوّنتُها من مكتبة إبراهيم المصري في (بورسودان) ؛ وهي المكتبة الوحيدة التي وجدتها في (بورسودان) ؛ وبها كتب العلم في التوحيد والحديث وغير ذلك، وأخذت منها كمية كبيرة.
وفي اليوم الذي حدته للسفر من (بورسودان) إلى الحجاز كان عندي ثلاث حقائب كبيرة من الكتب، وعندما جئتُ إلى الباخرة ورآني الإنجليزي المشرف على الرحلة وطلب مني فتح القائق قال لي: أنت تاجر كتب وذاهب إلى الحجاز لتجارة الكتب، فقلت له: لا، أنا طالب علم. وأتيت إلى جدة.
стр. 317
مرحلتي الأخيرة في طلب العلم
أما مرحلتي الأخيرة في طلب العلم - وما زال الحديثُ على لسان الشيخ حماد الأنصاري - فكانت بدايتها عند دخولي مكة في رمضان عام ١٣٦٧هـ عام ١٤٨م؛ وفي تلك السنة وأثناء فترة الحج وأنا أدور على المخيّمات أبحثُ عن طلبة العلم، حتى جئت إلى مخيم فلسطين، وكان فيه شيخ يسمَّى عبد الحفيظ الفلسطيني،
стр. 318
ودخلت المخيّم وبرفقتي أحدُ الأخوة، وسلّمت على هذا الشيخ الكبير، فوجدته يستمع للراديو ـ وكانت أول مرة أرى الراديو في حياتي ـ، فقلت له: ما هذا الذي تستمعُ إليه، قال: أستمع للمذياع، أستمع للحرب بين العرب واليهود؛ فقلت له: في أي مكان هذه الحرب؟، قال: في فلسطين؛ هنا عرفتُ الأمر.
وكان الشيخُ يبلغ من العمر سبعين عامًا، وأخذتُ منه إجازةً في كل العلوم، وبدأتُ أدور على كل المخيّمات.
ووصلت إلى المدينة في عام ١٣٦٨هـ، وبقيت بها في طلب العلم إلى يومنا هذا.
ويواصلُ الشيخ حديثَه قائلاً: إنني أعترف بأن العلم في مصر؛ وقد كان أحد الأساتذة يقول لنا: لو أسلمت مصر كلها لأسلم العالم كله؛ ومصر هي قائدة العالم كله إذا هي أرادت؛ وقد اعترف العالمُ الآن بذلك، وسمعتُ ذلك في إذاعة بريطانيا في سنةٍ من السنوات: أنّ مصرَ هي قائدة العالم، وقد سمعتُ هذا بأذني هاتين، ولا أحتاج إلى أن أسمعه، لأن الواقع يكفي.
стр. 319
مجلة التوحيد جيّدة ولا ينبغي أن تترك
التوحيد: فضيلة الشيخ هل لكم من كلمة توجهونها إلى مجلة التوحيد وقرّاء مجلة التوحيد في العالم الإسلامي؟
ج: يقول فضيلة الشيخ: إن مجلة التوحيد جيّدة ومفيدة، ورغم هذا يجب أن تجعلوا مجلساً بينكم لدراسة التوحيد ودراسة السنة؛ لأن مجلة التوحيد مجلة جيّدة جدًّا، ولا ينبغي أن تُترك.
وإنما كونها تقرأ ولا تقرأ فهذا شيءٌ ليس عليكم، والذي عليكم هو نشرها، أما أن تجعلوا الناس يقبولنها فهذا ليس عليكم: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ
стр. 320
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَّشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ؛ فالذي يريد منكم العلم علموه؛ فالقوة اثنان: العمل بالقرآن، وإعداد السنان، النونين: القرآن والسنان؛ فالقرآن بدون السنان لا يسمعه الناس، والسنان بدون قرآن لا ينفع؛ والقرآن هو العلم، والسنان منفذ.
وليس في الإسلام قتل الأبرياء، ولا قتل النساء، ولا قتل الشيوخ؛ والسلاح الجديد لا يمكن
أن يتحاشى هذا؛ لأنه عشوائي لا تستطيع أن تسيطر عليه: ﴿ادْعُوا إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ؛ أوصي بذلك أبناءنا في مصر وغيرها من بلاد المسلمين.
فاللهم اجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، واجعلنا من الذين يستمعون القولَ فيتبعون أحسنَه.
следующие страницы →