على إدخالنا مدارسهم، فأشار علينا الشيخ محمد عبد الله بقوله: أنا من رأيي أن تأخذوا ما بقيَ من أولادكم وتذهبون إلى الحجاز؛ وكان هذا هو سبب خروجنا من إفريقيا.
وفعلاً تركنا البلاد، وركبنا الجمال حتى وصلنا إلى (كانوا) في نيجيريا، ومن هناك ركبنا السيارات بعد أن بعنا الجمال، ثم توجهنا إلى (تشاد) التي هي عاصمتها (أنجمينا) حاليًّا؛ وهناك وجدنا أحد العلماء الذين تعلموا في الأزهر، وجلسنا معه في حلقاته، وقدمنا طلبًا إلى الحاكم هناك بأن سمح لنا بالحج؛ فرفضوا ذلك، وخرجنا متسللين نمشي باللين ونكمن بالنهار حتى وصلنا إلى (أم درمان) ثم (بورسودان) .
وهناك كوّنتُ مكتبة في (بورسودان) ، كوّنتُها من مكتبة إبراهيم المصري في (بورسودان) ؛ وهي المكتبة الوحيدة التي وجدتها في (بورسودان) ؛ وبها كتب العلم في التوحيد والحديث وغير ذلك، وأخذت منها كمية كبيرة.
وفي اليوم الذي حدته للسفر من (بورسودان) إلى الحجاز كان عندي ثلاث حقائب كبيرة من الكتب، وعندما جئتُ إلى الباخرة ورآني الإنجليزي المشرف على الرحلة وطلب مني فتح القائق قال لي: أنت تاجر كتب وذاهب إلى الحجاز لتجارة الكتب، فقلت له: لا، أنا طالب علم. وأتيت إلى جدة.
стр. 317
مرحلتي الأخيرة في طلب العلم
أما مرحلتي الأخيرة في طلب العلم - وما زال الحديثُ على لسان الشيخ حماد الأنصاري - فكانت بدايتها عند دخولي مكة في رمضان عام ١٣٦٧هـ عام ١٤٨م؛ وفي تلك السنة وأثناء فترة الحج وأنا أدور على المخيّمات أبحثُ عن طلبة العلم، حتى جئت إلى مخيم فلسطين، وكان فيه شيخ يسمَّى عبد الحفيظ الفلسطيني،
стр. 318
ودخلت المخيّم وبرفقتي أحدُ الأخوة، وسلّمت على هذا الشيخ الكبير، فوجدته يستمع للراديو ـ وكانت أول مرة أرى الراديو في حياتي ـ، فقلت له: ما هذا الذي تستمعُ إليه، قال: أستمع للمذياع، أستمع للحرب بين العرب واليهود؛ فقلت له: في أي مكان هذه الحرب؟، قال: في فلسطين؛ هنا عرفتُ الأمر.
وكان الشيخُ يبلغ من العمر سبعين عامًا، وأخذتُ منه إجازةً في كل العلوم، وبدأتُ أدور على كل المخيّمات.
ووصلت إلى المدينة في عام ١٣٦٨هـ، وبقيت بها في طلب العلم إلى يومنا هذا.
ويواصلُ الشيخ حديثَه قائلاً: إنني أعترف بأن العلم في مصر؛ وقد كان أحد الأساتذة يقول لنا: لو أسلمت مصر كلها لأسلم العالم كله؛ ومصر هي قائدة العالم كله إذا هي أرادت؛ وقد اعترف العالمُ الآن بذلك، وسمعتُ ذلك في إذاعة بريطانيا في سنةٍ من السنوات: أنّ مصرَ هي قائدة العالم، وقد سمعتُ هذا بأذني هاتين، ولا أحتاج إلى أن أسمعه، لأن الواقع يكفي.
стр. 319
مجلة التوحيد جيّدة ولا ينبغي أن تترك
التوحيد: فضيلة الشيخ هل لكم من كلمة توجهونها إلى مجلة التوحيد وقرّاء مجلة التوحيد في العالم الإسلامي؟
ج: يقول فضيلة الشيخ: إن مجلة التوحيد جيّدة ومفيدة، ورغم هذا يجب أن تجعلوا مجلساً بينكم لدراسة التوحيد ودراسة السنة؛ لأن مجلة التوحيد مجلة جيّدة جدًّا، ولا ينبغي أن تُترك.
وإنما كونها تقرأ ولا تقرأ فهذا شيءٌ ليس عليكم، والذي عليكم هو نشرها، أما أن تجعلوا الناس يقبولنها فهذا ليس عليكم: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ
стр. 320
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَّشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ؛ فالذي يريد منكم العلم علموه؛ فالقوة اثنان: العمل بالقرآن، وإعداد السنان، النونين: القرآن والسنان؛ فالقرآن بدون السنان لا يسمعه الناس، والسنان بدون قرآن لا ينفع؛ والقرآن هو العلم، والسنان منفذ.
وليس في الإسلام قتل الأبرياء، ولا قتل النساء، ولا قتل الشيوخ؛ والسلاح الجديد لا يمكن
أن يتحاشى هذا؛ لأنه عشوائي لا تستطيع أن تسيطر عليه: ﴿ادْعُوا إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ؛ أوصي بذلك أبناءنا في مصر وغيرها من بلاد المسلمين.
فاللهم اجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، واجعلنا من الذين يستمعون القولَ فيتبعون أحسنَه.
стр. 321
لقاء مجلة المنهل مع الشيخ رحمه الله تعالى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والمكتبات كثيرة في تاريخ المدينة المنورة، ولاشك أن من هذه المكتبات الخاصة التي لا تزال تؤدي دورها في خدمة العلم وطلابه: مكتبة شيخنا الشيخ حماد الأنصاري، وهو يعد من العلماء اللامعين والبارزين في علم الحديث وعلومه.. وله مكتبه متخصصة في هذا الجانب.. وتحتوي على عدد من المخطوطات يربوا على الألف، فيما يتعلق بالحديث وعلومه.
والشيخ حماد الأنصاري يفتح مكتبته لطلاب العلم يوميا يستقبلهم ويفيدهم، ويوجههم، وكثير من طلاب العلم يفدون إلى مكتبته وبخاصة طلاب الدراسات العليا في الحديث وعلومه.
وللشيخ حماد الأنصاري عناية بالكتب التي تتحدث عن المدينة النبوية؛ إذ لديه بعض المخطوطات المصورة في ذلك.
ومن غير مبالغة فإنّ مكتبة الشيخ حماد الأنصاري تعتبر اليوم أهم مكتبة خاصة مفتوحة للطلاب والدرسين والباحثين.
ويوجد الآن في المدينة المنورة جانب من حضور منتدى الدكتور الدعيس بأصحابها وربما أفاد منها طلابهم في بحوثهم ودراساتهم.
стр. 322
المنهل:
الأستاذ الدكتور عسيلان ألمح في حديثه إلى أنّ شيخ الإسلام حكمت عارف بذل أربعمائة جنيه مجيدي ذهبا ثمنا لمخطوطة، وهو يحرص حرصا شديدا على اقتناء الكتاب مهما كلفه ذلك من ثمن، أو من عناء البحث عن هذا الكتاب، غرضه من ذلك أن يؤسس هذه المكتبة التي يفيد منها الآخرون، ترى هل هناك أي نموذج آخر يقول لنا أن هذه الفكرة، وهذا الحرص لازال مستمرا..؟
الدكتور عسيلان:
الواقع أن عشق الكتاب، والتعلق به والهيام به أمر قديم ومأثور في تاريخنا، إذ من يتصفح ببحث عن كل ما أوتي من قوة وطاقة، ولكي أمهد لهذا الموضوع أذكر حادثة يذكرها من أرّخوا لحلب وذكرت حادثة للإمام القفطي، والإمام القفطي من علماء التاريخ والتراجم، وله كتابه المشهور "إنباه الرواة في تراجم النحاة"، ويذكر أنه كانت لديه نسخة من كتاب "الأنساب للسمعاني" وهذه النسخة ينقصها مجلد، إذكانت بخط السمعاني نفسه، فأرسل القفطي -وكان وزيرا- بعض أعوانه للبحث عن هذه النسخة، وبينما كان أحدهم يتجول في سوق القلانسية -الذين يصنعون القلانس- لفت نظره أوراق قديمة يستعملها بعض الذين يصنعون القلانس، فاستوقفه هذا الأمر، وأخذ يتفحص هذه الأوراق، ثم اشتراها وذهب بها إلى القفطي فوجدها تمثل أوراقا من الجزء الذي كان يبحث. وهذا الحب للكتاب توارثته الأجيال جيلا عن جيل، ولا يزال هذا العشق للكتاب عند الكثير من العلماء اليوم، وشيخنا حماد الأنصاري يعطينا نموذجا حيًّا للبذل السخي في اقتناء الكتاب.
وأذكر أنه اشترى "تاريخ ابن عساكر" مخطوطا بمبلغ ثمانية الآف ريال في وقت مبكر.
стр. 323
المنهل:
حديث الدكتور عسيلان عن مكتبة فضيلة الشيخ حماد الأنصاري جعلنا أكثر حرصا على زيارة هذه المكتبة وصاحبها وإجراء حوار معه ليحدثنا عن مكتبته.. وهي ليست مكتبة فحسب بل هي دار علم تستقبل الطلاب والدارسين طوال ساعات اليوم وصاحبها الشيخ حماد الأنصاري رغم تقدمه في السن إلا أنه بفضل من الله يجلس مع الطلاب والدارسين الساعات الطوال في المكتبة يفيد ويوجه ويحقق.. إنه حرص على العلماء على العلم، وبذله لأهله ومحبيه، والسالكين مسالكه.
ولنستمع لفضيلة الشيخ أبي عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري يحدثنا عن تأسيس هذه المكتبة ومحتوياتها.
قال فضيلة الشيخ حماد الأنصاري:
هذه المكتبة بدأت بتأسيسها سنة ١٣٧٣هـ، وكان عندي مكتبة وعزمت على أن تختص هذه المكتبة بالتالي:
"الحديث وعلومه "العقيدة السلفية" "التفسير السلفي" كتب اللغة القديمة"، وبتوفيق الله عزوجل نجحت في ذلك، وإضافة إلى هذه الأساسيات الأخرى ذات الصلة والارتباط إلى حد ما بمنهجه هذه المكتبة، من ذلك بعض كتب الفقه، والتاريخ العام والسيرة، والبلاغة، والأدب.. هذا ما تحتويه المكتبة إجمالا.. أما تفصيلا فإنها تضم أكثر من ألفى كتاب في الحديث - وهي الأغلبية، بما فيها الكتب المستقلة، والمجاميع.. والمجموع الواحد قد يصل إلى عشرين مجلدا أو أكثر، ولكنا نعده كتابا واحدا.
وفيها من علوم الحديث "الخمس والستين نوعا" ما يقارب "خمسة وخمسين
стр. 324
نوعا" والباقي مازلنا في البحث عنه، وفي المكتبة قسم خاص برواية الحديث.
وفي هذه المكتبة قسم خاص بالمخطوطات وكلها في الحديث، وتبلغ أكثر من ألف مخطوطة.. وفيها من النوادر مالا تكاد تجده في مكتبة أخرى؛ والسبب في ذلك بعد الله إنني أنتقي الكتاب، وساعدني في هذا الإنتقاء كثرة أسفاري إلى كثير من بلدان العالم.
ما تحتوي عليه مكتبة الحديث:
كتب الحديث:٢١ خزانة - الخزانة في المكتبة لا تقل عن ستة أرفف.
كتب الرواية:٥ خزانات.
كتب العقيدة:٤ خزانات.
كتب المجاميع:٤ خزنات.
كتب مصطلح الحديث:١ خزانه واحدة.
كتب اللغة:٢.
خزانه الرسائل العلمية: "ماجستير ودكتوراه" سبع خزنات.
وفي هذه المكتبة من المخطوطات المتعلقة بالمدينة المنورة الآتي:
١ـ الروضة الفردوسية فيمن دفي بالبقيع - للأقشهري.
٢ـ نصيحة المشاور وتعزية المجاور - لابن فرحون
٣ـ الحجج المبينة في التفصيل بين مكة والمدينة - للسيوطي.
٤ـ المغانم الطابة في معالم طابة "للفيروزبادي" نسخة بخط ابن فهد المكي.
٥ـ فضل قباء - لابن علان.
стр. 325
٦ـ فضائل المدينة - لابن سعيد الجندي.
٧ـ مثير العزم الساكن لابن الجوزي.
стр. 326
الرحلات الأنصارية ونتائجها
رحلة سوريا
...
الرحلات الأنصارية ونتائجها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
رحلة سوريا
رحلة طلاّبية إلى سوريا استغرقت خمسة عشر يومًا.
الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على النبي المصطفى.
وبعد:
ففي يوم الاثنين الموافق ٧/٤/١٣٩٩هـ توجّهنا في رحلة طلاّبية استطلاعية إلى دمشق الشام (سوريا) ، توجهنا مساءً في طائرة بوينج سعودية من مطار المدينة النبوية في الساعة ٢.٥ زوالي.
وكان في مقدمة الرحلة الدكتور علي ناصر فقيهي أمير الرحلة، وعميد المكتبات بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، والأخ لطفي السوري الدمشقي المشرف الاجتماعي في الإشراف، والأخ حمود الرحيلي مسجل الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية، وكاتب هذه السطور أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري، وكان معنا كوكبةٌ من طلاّب الدراسات العليا في مختلف الشُّعَب، يبلغ تعدادهم أربعة عشر طالبا، كلهم من السنة الثالثة، وينتمون إلى اثنتى عشرة دولة من سعودي، ويمني، وإيراني، وأفريقي، وباكستاني، وغير ذلك.
وفي الساعة الرابعة إلاّ ثلثاً هبطت بنا طائرتنا في مطار دمشق الدولي، فلما أنهينا الإجراءات القانونية في المطار التي لم تكلفنا كبير وقت توجهنا في حافلة أحضرها على حساب الرحلة رائدانا اللذان تقدما قبلنا لحجز الفندق والسيارة.
стр. 327
سرنا في تلك الحافلة إلى دمشق عاصمة سوريا، وكانت المسافة بين المطار ودمشق أربعين كيلو متر.
وبعد نزولنا في فندق يسمى (فندق الجمهورية الكبير (خرجنا إلى صلاة المغرب في المسجد الأحمدي قرب سوق الحميدية في وسط دمشق، فصلينا خلف شخص شافعي يرتدي بنطلوناً وقميصا على زيّ الأتراك، علاوةً على أنه حالق لحيته، ونستغفر الله ونتوبُ إليه.
ولما أتم الصلاة تأخّر كثيرًا في مصلاه دون أن ينصرف إلى المأمومين، ثم قام فتسنن في نفس المصلّى خلاف السنة.
وبعد الصلاة تجولنا في أسواق المدينة، وفي أثناء التجوال مررنا على سوق الحميدية، وهي سوق كبيرة على طابع الأسواق العربية القديمة، وقد شبهته بشارع قابل بجدة.
ثم عرجنا على قبر صلاح الدين الأيوبي القريب من السوق شرقا، فمكتبة الظاهرية والمجمع اللغوي، ومن هنا رجعنا لصلاة العشاء والعشاء.
وفي أثناء الطريق إلى الفندق وقفنا على مسجد يسمى مسجد الدرويشية فصلينا فيه العشاء خلف إمام شافعي زيه زي السوريين الأصلي، وبعد الصلاة توجهنا صوب الفندق للعشاء والنوم.
وفي الطريق قابلنا المطعم الأموي فتعشينا فيه بما تيسّر، ثم مضى بنا السيرُ إلى فندقنا المتواضع.
وعند أذان الفجر خرجنا إلى مسجد قريب منا فاقتدينا فيه بإمام عليه سمتُ أهل الصلاح، وصلى بنا على مذهب الإمام الشافعي في بسملته جهرًا وقنوته. هذا كله في فجر يوم الثلاثاء الموافق ٨/٤/١٣٩٩هـ.
стр. 328
وفي نفس اليوم انتقلنا إلى الفندق الأموي بجوارنا، وهو فندق من الدرجة الثانية (ب) ، واقعٌ في وسط العاصمة، إلاّ أنه تنقصُه أمور هامة سبب في ذلك قدمه.
وبعد الاستقرار فيه انطلقنا إلى المكتبة الظاهرية والمجمع العلمي المتقابلين للاطلاع على المخطوطات التي تراكمت في المكتبة، وللاستفسار عن الموجود من مطبوعات المجمع.
ومع الأسف لم ندرك فيها الشيخ الألباني، إذْ سبقنا فخرج قبل حضورنا في هذا اليوم.
ولما استوى الطلبة في المكتبة توجهتُ أنا وأمير الرحلة إلى المجمع فالتقينا في هذا المجمع مع الدكتور فؤاد سزكين التركي مؤلف التراث العربي، وقدَّمنا إلى مدير المجمع (حسني سبح (وطلبنا منه مطبوعات المجمع العلمي، إذْ هي مطبوعات قيِّمة، فوعدنا بالموجود منها، وفعل وأمر بجزئين من تاريخ دمشق، فاستلمناهما أنا وأمير الرحلة.
ثم رجعنا إلى المكتبة للتعاون مع الطلبة فقيّدنا ما راق لنا في ذلك اليوم، على أنا سنرجع في يوم الأربعاء.
وعند انتهاء الدوام ذهبنا إلى الجامع الأموي الواقع على جنوب المكتبة، وهو جامع كبير من الطراز الأول، يزعمون أن القبّة التي وسطه تتضمن قبر النبي يحيى ﵇، هذا الجامع في الحقيقة متحف من متاحف النصيرية.
وفي مساء الثلاثاء تجولنا في المكتبات التجارية، منها: مكتبة عبيد الواقعة قرب سوق الحميدية من ناحية الجنوب، ومكتبة دار المأمون الواقعة في شارع الجمهورية قرب الحلبوني في غربي دمشق.
стр. 329
وبعد صلاة العشاء توجهنا إلى مسجد (السلطان سليم (الواقع قرب الجامعة السورية بجوار معرض دمشق الدولي وعلى ضفاف (نهر بردى (الذي يشق مدينة دمشق إلى شطرين جنوبا وشمالاً، وهو النهرُ الذي تغنّى به الشعراء الأقدمون، وهو الذي يروي غوطة دمشق الشهيرة بالفواكه والثمار وبالأخص المشمش الذي بدأ زهره في هذه الأيام ابتهاجا بقدومنا.
стр. 330
(الأربعاء)
وفي يوم الأربعاء الموافق ٩/٤/١٣٩٩هـ بعد صلاة الفجر اجتمعنا مع طلبتنا في غرفة واحد، فألقى فيهم صاحب هذه السطور كلمة توجيهية، ثم ألقى أمير الرحلة كلمة أخرى مماثلة.
وبعد الفطور في الساعة السابعة والنصف تقريبا انطلقنا إلى المكتبة الظاهرية لنستعرض ما لم نستعرضه من المخطوطات في اليوم السابق.
وبعد انتهاء الدوام في المكتبة ذهبنا إلى مكتب الأخوين شعيب وعبد القادر الأرناؤوطيين، فوجدنا كلَّ واحد منهما يشتغل بتحقيق كتاب من الكتب القيِّمة، فعبد القادر وجدناه يحقق زاد المعاد لابن القيم، وقد بدأ بطبعِه مع تخريج أحاديثه، وقد أطلعنا على نموذج عمله، كما أن الأخ شعيب يشتغل بتحقيق سير أعلام النبلاء للذهبي ليقدمه للطبع. هذا ما تم من عملنا في يوم الأربعاء بدمشق.
وفي صباح يوم الخميس الموافق ١٠/٤/١٣٩٩هـ توجهنا إلى حلب الشهباء في حافلة كبيرة استأجرناها على حسابنا، امتطيناها إلى حلب في الساعة الثامنة زوالاً، ومرّت بنا في طريقنا ببحيرة صناعية على نهر العاصي، وكان يومنا ذاك يوما مطيرًا، كما مرّت بنا على مدينة حمص قبل الظهر فواصلنا سيرنا على أن نصلي الظهر بحماة، ولكن مع الأسف فقبل وصولنا إلى حماة بمقدار أحد عشر
стр. 331
كيلوا عند قرية يسمونها (بسرين) حصل بسبب المطر انزلاق للحافلة الكبيرة أدّى إلى انقلابها بنا، وقد لطف الله بنا فلم يصب منا أحد بأذى إلاّ الأخ لطفي السوري هو وولده الصغير أصيب كل منهما بجروح خفيفة في يد كل واحد منهما، كما أن صاحب السيارة والسائق أصيب كل منهما بجروح طفيفة أيضا، فبقينا في مكان الحادث منتظرين الإسعاف فلم تمض دقائق إلاّ والنجدة قد وصلت إلينا من حماة، فأرسلنا بعض الوفد مع النجدة للبحث عن سيارة تأخذنا إلى حماة، فجاءوا بها ورفعتنا على حسابنا إلى البلد فنزلنا في فندق يسمى (فندق القاهرة) ، وكان يومنا هذا يوما فاترًا من أثر هذا الحادث الذي أصيب فيه دليلُنا الأخ لطفي، حتى إنَّ بعض الإخوان قال لي: هل نستمر في الرحلة أو نقطعها ونرجع؟، فأجبتُه بأنا مصمّمون على إتمام رحلتنا فإنها رحلة علمية في سبيل الله نرجو لها النجاح مهما حصل، وإنا لسنا ممن يقول: بلغ السيلُ الزبى، لسنا إذا ما بهظتنا غمرة ممن يقول انقد في البطن السلا.
وظللنا يومنا هذا في حماة، وبتنا فيها إلى صباح يوم الجمعة، وفي الساعة الثامنة بالزوال الحموي امتطينا أربع تكاسي أجرة إلى حلب الشهباء، وكنا في طريقنا إليها مررنا بمحافظة أدلب التي من قراها: معرّة النعمان بلد الشاعر ألفيلسوفي المعري. وكانت المسافة بين حماة وحلب مائة وخمسين كيلوا، فوصلنا إلى حلب في الساعة التاسعة والنصف، فبحثنا عن فندق ننزل فيه، ولكن لم نجد فندقا إلاّ بعد لايٍّ وإشرافٍ على يأس، لأن الفنادق قد شغلت قبل وصولنا.
وبعد مداولات بيننا فيما نفعل وجدنا فندقا يسمى فندق آسيا من الدرجة الرابعة تقريبا، واقعا في وسط حلب القديمة عند (باب الفَرَج) .
ومن الجدير بالذكر: أن مدن سوريا التي رأيناها بما فيها دمشق وحلب وما بينهما تحمل كلها طابع القدم وإن كانت مخططة الشوارع.
стр. 332
فلما دخل وقت الجمعة ذهبنا إلى جامع قريب من فندقنا لصلاة الجمعة، فأدّينا صلاة الجمعة خلف إمام شافعي.
وبعد صلاة الجمعة قامت طائفة أخرى صلت معنا تلك الجمعة فأقامت لصلاة الظهر كما هو عادة عوامّ الشافعية من متأخّريهم، فقاموا وصلوا الظهر بعد أداء الجمعة لزعمهم أن الجمعة لمن سبق، وهذا أمرٌ لم يسبق أن رأيناه إلاّ في هذه الرحلة، مع أننا نعرف أن هناك من يرى هذا الرأي من الشافعية.
وفي مساء يوم الجمعة ذهبنا إلى صوب القلعة الظاهرية التي بجوارها المكتبة الوقفية المشتملة على ثمان مكتبات، من أشهرها المكتبة الأحمدية، ولما اكتشفنا المكان في هذا المكتبة رجعنا لصلاة المغرب فصلينا في الجامع المسمّى بجامع زكريا، صليناها خلف إمام حنفي.
ولما فرغنا من الصلاة تجولنا في داخل الجامع، فوجدنا في داخله قبة يزعمون أن فيها قبر زكريا ﵇ كما سبق أن ذكرنا أنهم يزعمون أن القبة التي في الجامع الأموي تتضمن قبر يحيى ﵇.
ومن الجدير بالذكر: أن علماء السلف أجمعوا على أنه لا يعرف قبر نبي بعينِه إلا قبر نبينا ﵊، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام في قاعدة التوسل والوسيلة وكتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
وبعدما صلينا العشاء في مسجد قريب من فندقنا توجهنا إلى الفندق، ومع الأسف لم نجد في يوم الجمعة ولا في ليلة السبت من يدلنا على معالم البلد، إلاّ أنه زارنا بعد العشاء الأخ عبد الوهاب الحلبي الهندي الندوي في حارة أَقيول وهو سوري الجنسية، حلبي الإقامة، ذهب إلى الهند للدراسة في جامعة ندوة العلماء في (لكنو) ، ولما جاءنا أعطانا بعض المعلومات عن البلد، وأرسل واحدًا من تلامذته إلينا يوم السبت ليرافقنا إلى المكتبة
стр. 333
الوقفية، فذهبنا معه إلى المكتبة الوقفية المشتملة على ثمان مكتبات:
١- الأحمدية. ٢- والصديقية.
٣- والرفاعية. ٤- والمولوية.
٥- والخسروية. ٦- والعثمانية.
٧- والأوقافية. ٨- والوطنية.
وفي هذه المكتبات الثمانية المجموعة في غرفة واحدة ما يقرُب من خمسة آلاف ومائتين وخمسين كتابا مخطوطا، فاستعرضنا الموجود من فهارسها، وانتقينا منها كميّة من المخطوطات النادرة.
وقد استقبلنا مدير هذه المكتبة أحمد محمد سردار (١) استقبالاً رائعا، وبعد التفاهُم معه حول ما نريد ذهبت أنا والأخ علي إلى بيته في حي الأنصاري ليطلعنا على الفهارس الخمسة عشر فهرسا التي نقلها من فهرس المكتبة الأصلي، فأطلعنا عليه وعرض علينا شراءه فتواعدنا معه يوم الأحد.
وفي يوم الأحد الموافق ١٣/٤/١٣٩٩هـ ذهبنا إلى المكتبة وواصلنا استعراض فهارسها الثلاثة الكبيرة الحاوية لجميع ما في المكتبات الثمانية من المخطوطات لاستكمال ما نريد تقييده ليبدأ العمل بتصويره، حيث تم الاتفاق مع المدير على تصوير ما ننتقي من المخطوطات الموجودة في المكتبة، وقد تم فعلاً أن انتقينا أكثر من سبعين كتابا منها الصواعق المنزلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم.
стр. 334
وقد امتازت هذه المكتبة بثلاث ميزات لم نجدها في غيرها من المكتبات التي قد سبق أن رأيناها في العالم:
١- المرونة من مديرِها، وحسن استقباله لروّاد المكتبة.
٢-كثرة المخطوطات النادرة.
٣- جودة الخطّ في أغلبها.
وحيث إننا لم نستكمل الإجراءات معه في صباح هذا اليوم حول شراء الفهرس الذي نقله من الأصل بيده كما تقدّم ذكرُه، مع تقديمنا له البيان المتضمِّن للمخطوطات التي تمّ اختيارها ليبدأ بتصويرها لغاية ما نتمكن من إعداد بيان أكثر بعد عودتنا إلى المدينة بالفهارس التي ما زالت المفاوضة جارية حول شرائها، ولعدم تمكننا من إتمام إجراء ذلك الاتفاق معه حول شراء الفهارس أرجأنا الجلسة معه لنفس الموضوع إلى عصر يوم الأحد في المكتبة، وبعد العصر مباشرة تقابلنا معه في المكتبة، وتمّ شراء الفهارس البالغ عددها (١٥) فهرسا منه، كما قدمنا له البيان بما انتقيناه ليبدأ بتصويره.
ومن الصدف: أنا قد وقفنا على رسالة صغيرة لابن أبي الدنيا تحمل عنوان مَن تكلَّم بعدَ الموت فصورناها في الحين للمناسبة بينها وبين ما جرى لنا في طريقِنا من دمشق إلى حلب يوم الخميس الموافق ١٠/٤/١٣٩٩هـ كما تقدّم آنفًا يعني: حادث السيارة.
وفي يوم الاثنين الموافق ١٤/٤/١٣٩٩هـ توجهنا في الساعة الثامنة زوالاً راجعين إلى دمشق عن طريق اللاذقية الساحل..
وفي طريقنا مررنا على مفرق الطرق المسمى (باب الهوى وباب إدلب) ، ومن هذا المفرق الجميل واجهتنا طريقة جميلة على غاية من الروعة والبهجة
стр. 335
والجمال، حيث إنّ تلك الجبال مكسوة بأشجار الصنوبر والزيتون وأنواع أخرى من الأشجار المزهرة، وقد ذكّرني هذا الطريق بتلك الطريقة التي سلكناها في العام الماضي في جنوب أسبانيا إلى الأندلس الجنوبي، حيث رأينا في تلك البلاد من جمال الطبيعة ما يعجز القلم عن تقييده، فالشبه بين الطريقين في غاية التمام. هكذا مضى بنا السير في تلك الطريق المتعرّجة التي تجري وديانها، مواكبة لتلك الجبال الشاهقة المخضرة إلى أن وصلنا إلى ساحل اللاذقية.
وتبعد اللاذقية عن حلب مائتي كليوا تقريبا، وقد مررنا في تلك الطريق بقرى منتشرة على جنبات الطريق، وصلينا الظهر والعصر جمعا وقصرًا في مسجد على ساحل البحر الأبيض في مدينة اللاذقية، وكان الجوُّ ممتعا للغاية، حيث رأينا القوارب والسفن الراسية على البحر.
وبعد الصلاة والغداء انطلقت بنا حافلتنا تميس بنا قاصدة مدينة (بانياس) التي تبعُد عن اللاذقية خمسين كيلو تقريبا، ولم نزل في سيرنا مع تلك المناظر الطبيعيّة الرائعة، حيث كان البحر الأبيض على اليمين منا، والجبال المخضرة بتلك البناتات الزاهية المتنوعة عن يسارنا.
وفي تلك الطريق عرجنا على مصفاة بانياس الكبيرة، ومررنا أيضا بقرية (البيضاء) التي تسكنها أسرة أبي دجانة السوري، وتمنينا لو التقينا به لتمتعنا بإرشاداته إلى جانب حديثِه الطريف وجمال طبيعة تلك الربى التي تحفّ بقريته الصغيرة الحجم.
ومما يلفت النظر أننا لم نر مئذنة في تلك القرية تدل على وجود المسجد هناك، بل يوجد مسجد قديم في تلك القرية وله مئذنة طويلة، وتلك القرية التي
стр. 336
تُرى من الطريق العام هي قرية المراح، وأهلها كلهم نصارى، وهي قبل البيضاء بقليل، وليست هي البيضاء لأنها لا ترُى من الطريق العام (١) . ونحمل مسئولية ذلك الأخ أبا دجانة وأمثاله من الإخوان.
واستمر بنا السير إلى طرطوس المدينة الساحلية، إلى أن وصلناها بعد العصر، وتبعد عن بانياس حوالي خمسين كيلو، وقد مررنا بطريق المدينة المتاخم للبحر، وهي مدينة ذات أبنية حديثة، وأهلُها يغلب عليهم في لباسهم الزيّ الأفرنجي، وهذا الزيُّ متفشّ في كثير من السوريين في تلك البلاد.
ثم تابعنا سيرنا بدون توقّف متّجهين إلى حمص، وقد خفّ تعرّج الطريق من طرطوس إلى حمص، وفي هذا الطريق نسيرُ في جمال الطبيعة من النباتات والأشجار المخضرّة، وقد مررنا بمنطقة يسمّونها (العريضة) وهي منطقة مشتركة بين سوريا ولبنان، وهناك مفرق الطُرُق: طريق إلى لبنان على اليمين وطريق إلى حمص على اليسار.
وفي هذه المنطقة سوق للُبنانيين يبيعون فيه أجود البضائع في أمكنة متواضعة أغلبها مبني من الزنك، ومما يلفت النظر أن اسم تلك المنطقة (العريضة) ، ولكن نفس سوقها هذه طويلة، ولم يكن بعريض، وبعد غروب الشمس من هذا اليوم وصلنا إلى (حمص) ، وقد توقفنا فيها قليلاً لبعض الحاجات الضرورية وبين طرطوس وحمص مائة وعشرون كيلو.
ثم تابعنا السير حتى إذا وصلنا إلى مدينة يسمونها (النبك) وقفنا عند مطعم يسمونه مطعم الفُرسان، وكان هذا المطعم عند مدخل المدينة، وكان الجو
стр. 337
باردًا للغاية، واستمرت حافلتنا التي عليها آثار القِدم تُهَمْلِجُ بنا قاصدة عاصمة الخليفة الخامس الأموي عمر بن عبد العزيز ﵁.
وقد وصلنا إليها في الساعة العاشرة بالتوقيت الزوالي لدمشق ليلة الثلاثاء، وقد وجدنا فندقنا السابق قد هيأ لنا الأماكن اللازمة.
وفي يوم الثلاثاء الموافق ١٥/٤/١٣٩٩هـ عدنا إلى المجمع اللغوي والمكتبة الظاهرية الواقعين قرب الجامع الأموي في حيّ يسمى باب البريد شرقي دمشق، والطريق الموصل إلى المكتبة والمجمع هو سوق الحميدية وهو سوق مكتظ بالمارّة، وعلى جانبيه المحلات التجارية للألبسة وأدوات الزينة، والمسافة بين فندقنا والمكتبة تقارب ربع ساعة بالمشي على الأرجل.
وفي يوم الأربعاء الموافق ١٦/٤/١٣٩٩هـ امتطينا حافلة متوسطة إلى الزبداني، ومشت بنا عن طريق جبل قاسيون شمال دمشق، وقد مرّت بنا على الطرف الغربي من غوطة دمشق، وكانت الغوطة ذابلة من آثار الجدب الذي منيت به دمشق في هذه السنة، واستمرت تتمايل بنا في طريق متعرّج، وكان غرضنا في هذه المسيرة الاطلاع على عين الفِيجة التي يشرب بها سكان دمشق لما امتاز به ماء تلك العين من العذوبة والبرودة، ولكن للإصلاح الذي صادفناه في الطريق إلى تلك العين لم يمكن الوصول، فلذا مالت بنا حافلتنا إلى طريق الزبداني.
وفي هذا الطريق مررنا بقرى منتشرة على جنبات الشارع منها قرية (مضايا) وقرية (بقين) الواقعة عند النبع، وبهذا النبع سميت هذه القرية، وكانت القوارير تُعَبَّى من هذا النبع لعذوبة مائه ولأنَّه صحي على ما يزعمون.
وقد تناولنا الغداء بعد صلاة الظهر في مطعم في هذه القرية يشرف على النبع وبعد صلاة العصر توجهنا إلى الزبداني عائدين إلى دمشق وبين دمشق
стр. 338
والزبداني خمسون كيلو.
وقد مررنا بعد مجاوزتنا الزبداني بنبع نهر بردى، وكان هذا النهر التاريخي يسايرنا جنبا إلى جنب من حين خروجنا من دمشق إلى الزبداني، وكانت المسافة بين منبع بردى وبين الزبداني بضع كيلو مترات.
وقد دخلنا إلى مدينة دمشق راجعين من الزبداني عن طريق (المزة) بلدة الحافظ المزي، وتسمى الآن بالمدينة الجديدة.
وفي يوم الخميس الموافق ١٧/٤/١٣٩٩هـ صباحاً زرنا جامعة سوريا في حيّ البرامكة غربي دمشق، ولما وصلنا إلى الجامعة استقبلنا عميد كلية الشريعة عبد الرحمن الصابوني، وقد حضر معنا الاجتماع به الدكتور عجاج الخطيب المدرس في الكلية، والدكتور سعيد رمضان البوطي، والدكتور فوزي فيض الله، والدكتور وهبي الرحيلي، ومصطفى البُغا، فألقى العميد كلمة ترحيبيّة بنا، ثم رافقونا للتجوال ببعض فصول الكلية، فمرّوا بنا على الفصل الأول، فإذا فيه شباب لابسون اللباس الافرنجي وشابات متسترات إلاّ وجوههن وأكفهن، وكان صفّ الشابات بجنب صف الشباب، ولما شاهدنا من هذا الاختلاط بين الرجال والنساء في هذه الكلية التي يسمونها كلية الشريعة استأذنا للانصراف عند الفصل الثاني، فانصرفنا عن التجوال في الفصول الباقية، ولكن في أثناء الخروج من الكلية مررنا بشابات لابسات لبسة أفرنجية مع شباب مثلهن لا تميز بينهن وبينهم في لبسهم الإفرنجية.
وفي طريقنا راجعين زرنا قبر شيخ الإسلام ابن تيمية، وقبر تلميذه ابن كثير، وكانت هذه القبور في ساحة كلية الطب في شرقها، خلف دار التوليد، ويحيط بهذه القبور شباك قصير من حديد، ومما يلفت النظر أن الساحة التي فيها هذه القبور الغريبة في هذه البلدة كانت مهددة بزوالها لتوسعة الشارع، وينبغي
стр. 339
إن لم يكن واجبا تدارُك هذه القبور حتى لا تزال باسم الشارع، وذلك بأن تشترى هذه البقعة التي فيها هذه القبور، فإذا حصل شراؤها حصرت بشباك مرتفع حتى لا يمكن الوصول إلى إهانتها فإنها أعني هذه القبور موجودة بين من لا يحترم من فيها من الأئمة الذين خدموا السنة والعقيدة في أيامهم.
وفي هذا اليوم زرنا بيت الشيخ عبد القادر الأرناؤوطي في حي الميدان، وبعد زيارته ذهبنا إلى بيت الأخ نصوح صاحب الباصة التي انقلبت بنا في طريقنا إلى حلب، وقد تأثر من ذلك هو والسواق، أتيناه لعيادته.
ولما انتهت العيادة توجهنا مع عبد القادر الأرناؤوطي والأخ لطفي قاصدين بيت الأخ لطفي بقرب بيت عبد القادر في حي الميدان، وفي هذا الحي يمر الطريق لمن يريد الأردن من دمشق، ولما صلينا الظهر رجعنا إلى الفندق.
وفي يوم الجمعة الموافق ١٨/٤/١٣٩٩هـ ذهبنا صباحاً إلى شخص يسمى أبا حسان المالح لاستلام المخطوطات التي تم الاتفاق بيننا وبينه على شرائها، وقد أدركتنا صلاة الجمعة عنده ونحن نستعرض تلك المخطوطات، وكان بقرب جامع شرقي البلد تصلى فيه الجمعة فذهبنا بمعيّته إليه فصلينا خلف إمام شافعي.
فلما انتهت الصلاة قامت جماعة من الذين صلوا معنا فأقاموا الصلاة وصلوا الظهر على عادة الشافعية، وبعد رجوعنا من الصلاة استلمنا المخطوطات من الرجل وعدنا إلى الفندق للراحة.
وفي مساء هذه الجمعة زرنا الدكتور شكري فيصل الأمين السري للمجمع اللغوي في منزله الواقع على سفح جبل قاسيون، فسهرنا معه في مكتبته العامرة.
وفي ليلة السبت الموافق ١٩/٤/١٣٩٩هـ زرنا شيخ الحديث بالشام الأخ
стр. 340
الألباني، ذاك الشيخ الغريب في بلاد الشام، فسهرنا تلك الليلة في مكتبته العامرة بكتب الحديث في بيته الواقع في حيّ المهاجرون على سفح جبل قاسيون.
وفي صباح هذا اليوم ذهبنا إلى المكتبة الظاهرية والمجمع للتأكد من إنجاز تصوير الكتب التي تم بيننا وبينهم الاتفاق على تصويرها، وهي: تاريخ الرقة للحراني، والأشربة لابن قتيبة.
وقد مررنا على مدير المكتبة في مكتبه فسلمنا عليه وتدارسنا معه ما ينبغي أن تكون عليه المكتبة في وقت المطالعة من وضع الحاجز بين المطالعين من الرجال والمطالعات من النساء اللاتي يرتدن المكتبة وهنّ عاريات، فأخبرنا أنهم ساعون في إيجاد مكان للمكتبة غير مكانها الحالي لكي يتسنّى لهم ما ذكر.
وفي يوم الأحد الموافق ٢٠/٤/١٣٩٩هـ توجهنا إلى المجمع اللغوي لكي نستلم الكتب التي تم تصويرها فاستلمناها، وفي بقية الأحد اشتغلنا بشراء الهداية وبالراحة.
стр. 341
استعداد للسفر:
وفي يوم الاثنين الموافق ٢١/٤/١٣٩٩هـ غادرنا دمشق راجعين إلى الوطن الحبيب في الساعة الرابعة والنصف زوالاً في طائرة بوينج سعودية، فقطعت بنا المسافة بين دمشق والمدينة النبوية ساعتين إلاّ ربعًا، وقد وصلنا إلى المدينة بعد مغرب الثلاثاء في الساعة الواحدة زوالاً.
هذه هي الخطوط العريضة لعملنا في رحلتنا إلى سوريا.
وأما انطباعاتنا عن سوريا جغرافيا واجتماعًا ودينيًّا وسياسيًّا واقتصاديا وأخلاقيًّا فهي كالتالي:
أما من الناحية الجغرافية: فسوريا تقع بين الأردن وتركيا، فالأردن تحادّها
стр. 342
من جهة الجنوب، وأما تركيا فتتاخمها من جهة الشمال، وأما جهة الشرق فتحدها العراق، كما يحدها من جهة الغرب البحر الأبيض المتوسط ولبنان.
وسوريا عبارة عن مرتفعات جبلية وتلول، يشقها من جهة دمشق العاصمة نهر بردى، كما أن الغوطة تحتوي دمشق من جميع جهاتها الأربع، وكذلك نهر العاصي الذي يغذي بحيرة قطينة الصناعية يجري من جبال إدْلب إلى منطقة حمص، وسكّانها يقربون من ثمانية ملايين تقريبًا، وهم لفيفٌ من العرب والأرمن والأتراك وأجناس أخرى، وتضم هذه البلاد مناخًا جيّدًا صحيًّا.
وأما من الناحية الاجتماعية: فإن السوريين يسودهم الانقباض عن غيرهم، ولا تجد منهم أُنسًا، بل تراهم كأنهم نافرون منك خائفون، وهذا بخلاف تلك المجتمعات التي رأيناهم في تونس والمغرب والهند، فإن هذه المجتمعات يستأنس بهم، بل تلتحم بهم كأنك واحدٌ منهم.
الدينية: وأما من الناحية الدينية: فإن تلك البلاد تقودها طائفتان اثنتان: إحداهما طائفة البعث النصيرية الشيوعية الميول، والأخرى: الخرافيّون المتعصِّبون من الحنفية والشافعية، فالشافعية هم الأغلبية في محافظة دمشق، وأما الأحناف فهم الأكثرية في محافظة حلب الشهباء، هذا بالإضافة إلى تلك الطرق السائدة في هذين المذهبين.
وليس في الإمكان التفاهُم مع أيّ واحد من أولئك الخرافيّين المتعصبين هناك.
وأما النساء المتفرنجات والشباب المتفرنج المائع الفاقد الحياء في تلك البلاد الضائعة فتلقاهم في الشوارع وبالأخص في سوق الحميدية، تلقى في هذه السوق من النساء العاريات الكاشفات عددًا لا يحصى، بل تجدهن في المكتبة الظاهرية
стр. 343
وهن يطالعن في المكتبة مع الرجال ورؤسهن حاسرات ليس عليها خمار مع تلك البنطلونات التي تحدد عورة كل واحدة منهن.
هذا، والحقيقة أن سوريا تحتاج إلى رجال مخلصين علماء عباقرة يجددون فيها الدعوة السلفية ويقضون على تلك الخرافات التي سادت تلك البلاد بطولها وعرضها.
والجديرُ بالذكر: أن في سوريا نساء متحفِّظات ومتسترات، ولكنهن قلّة بجانب تلك الجحافل من النساء العاريات اللاتي تمرّ بهن في الأسواق وفي الدكاكين مشاركات للرجال المتفرنجين في البيع والشراء.
الاقتصادية: وأما من الناحية الاقتصادية: فالبلاد قد أنهكتهم الحرب والثورات وقضت على كل رطب ويابس، وإلاّ فالبلاد بلادٌ مبارَكة لو وجدت أمةً مستقرّة تعمل لاستثمار بلدها لدرّت عليهم بخيرات لا تُحصى. ونسأل الله أن يعيد للشام عزّته ومجدَه.
الأخلاقية: وأما من الناحية الأخلاقية: فالبلاد عشش فيها المستعمر الأفرنجي وفرّخ، فلا يُرجى لبلاد برَك على صدورها هذا العدو وتمكّن من ثوراتها أن تبقى لها أخلاقها الإسلامية، اللهم إلاّ أن هناك أفرادًا قلّة محافظين على الأخلاق الإسلامية، على أنهم لا يملكون تحريك ساكن ولا تسكين متحرّك.
ولا يغيب عن الأنظار أن المستعمر لا يخرج من أي بلد إلاّ بعد أن يسلخ شبابه من الرجال والنساء من آداب الإسلام، وقد استعمل المستمعر في البلاد التي استعمرها مختلف أساليب الاستعمار المادي والفكري للقضاء على الأخلاق الإسلامية فيها، فوجد بالتالي أنّ أنجحَ الوسائل للوصول لغايته الشيطانية هي الغزو الفكري، فربّوا أولاد المسلمين الذين منهم سوريا على ما يملونه عليهم من
стр. 344
الانخلاع من الأخلاق الفاضلة، حتى يبقى النشأ من أولاد المسلمين أعدى من المستمعِر نفسه للإسلام وأهلِه، إذْ فقد أخلاق الإسلام وتنكّر لمثله العليا، فلذا تجد أولئك محرومين من الدنيا ومن الآخرة لاهم من المسلمين فينالوا مما نال المسلمون ولاهم من نفس المستعمر فيعملوا كما عمل ويصنعوا صنعه، بل هم مذبذبون بين هؤلاء وهؤلاء، سلبهم العدوّ إبّان استعماره إياهم إسلامهم وثرواتهم، ولو أنهم آمنوا واتقوا ورجعوا إلى الإسلام وأخلاقه لانتصروا على هذا الكابوس الثقيل ونالوا من بركات السماء والأرض ما يغنيهم عن عدوّهم الذي سيطر على كلّ ممتلكاتهم واقتصادهم وأخلاقهم حتى تركهم في جميع شئونهم أحيرَ من ضبّ، حتى لا تكاد تعرف لهم مبدأ ولا هدفا في حياتهم المضطربة الغير مستقيمة نتيجة لتذبذبهم ونفاقهم.
وأسأل الله رب العرش العظيم أن يردّهم إلى حظيرة الإسلام، ويأخذ بأيديهم إلى ما نفروا منه تعاليم هذا الدين الإسلامي الشامل لكل خير في الأولى والآخرة، آمين.
٩/٥/١٣٩٩هـ.
стр. 345
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رحلة المغرب العربي
رحلة قصيرة إلى أفريقيا الشمالية الشهيرة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعدَه.
وبعد: فبمناسبة ترشيح الجامعة الإسلامية إيّاي أنا حمّاد بن محمد الأنصاري والأخ عبد الرحمن بن إبراهيم السيف السفر إلى المغرب العربي بدوله الثلاث تونس، والجزائر، والمغرب الأقصى للبحث عن المخطوطات النادرة وتصويرها باسم الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
بهذه المناسبة توجهنا من المدينة النبوية يوم الثلاثاء بعد العصر في ١٦/٧/١٣٩٦هـ وتوجهنا في الطائرة إلى جدة، فوصلناها قبل غروب الشمس فبتنا فيها منتظرين الحجز إلى تونس الخضراء، بتنا ليلتنا تلك بجدة في فندق الرحاب، وتقيّلنا يوما الأربعاء لعدم إمكان الحجز في ذلك اليوم إلى أن تيسّر الحجز إلى تونس عن طريق رومية بإيطاليا.
فأقلّتنا من جدة طائرة سعودية كبيرة (ترايستار) ، أقلّتنا في نصف ليلة الخميس الموافق ١٨/٧/١٣٩٦هـ حتى نزلنا في مطار روما عند طلوع الشمس تقريبا أربع ساعات، فأمرنا المسئولون بانتظار طائرة تونس، فبقينا في المطار إلى أن وصلت قبيل الظهر، فامتطيناها إلى تونس الخضراء، فقطعت بنا ساعة فأنزلتنا بمطار قرطاجة بتونس بعد الظهر في يوم الخميس نفسه.
هنا فقدنا شنطتي وشنطة الأخ أبي بكر الجزائري، فاشتغلنا بالبحث عنهما نهار الخميس وليلة الجمعة وفي نصف يوم الجمعة هاتفنا مطار تونس نسأله هل وجدوا الشنطتين فأخبرونا بوصول الشنطتين، فذهبنا إلى المطار فاستلمناهما من
стр. 346
الجمرك بعد مراجعات، لأنا ذهبنا بدون أن تكون معنا جوازاتنا.
وفي يوم السبت الموافق ٢٠/٧/١٣٩٦هـ زرنا السفارة السعودية بنهج النمسا بتونس الخضراء، فوجدنا فيها قائم مقام السفير عباس البصراوي فاستقبلنا استقبالاً حارًّا، فذكرنا له مهمتنا، فرحّب بنا مخبرًا باستعداده للتعاون معنا بكل ما لديه من الإمكانيات، كما زرنا في نفس اليوم الملحق الثقافي في مكتبه بشارع الحرية، فرحّب بنا بالحفاوة والتكريم، ولا غرو فإن الملحق الثقافي في تونس من بيتٍ معروف، وهو أعني الملحق الثقافي الأخ عبد الملك بن عبد الله آل الشيخ. ثم رجعنا إلى مسكننا في نزل فكتوريا أمام ساحة برشلونه بشارع حشّاد، ولم نتمكّن من الاتصال بالمسؤولين عن المكتبات في يوم الأحد لأنه يوم عطلة للدوائر الحكومية ابتداءً من نصف يوم السبت مساءً.
وفي يوم الأحد الموافق ٢١/٧/١٣٩٦هـ انتقلنا إلى فندق ماجستيك بشارع باريس.
وفي يوم الاثنين الموافق ٢٢/٧/١٣٩٦هـ زرنا كمال الدين التارزي مدير الشئون الدينية بالجمهورية التونسية فأخبرنا أنه مستعدّ للتعاون معنا على مهمتنا، وفعلاً ذهبنا معه إلى المكتبة الوطنية الواقعة في حيّ جامع الزيتونة في الحيّ الأصلي بتونس، فدخلنا في مكتب مدير المكتبة عزت القلوزي، ثم أخذنا إلى المسئول عن المخطوطات في المكتبة عبد الحفيظ بن منصور، فأخبرنا كلّ منهما أنه على أتم الاستعداد للتعاون معنا على ما نريد في المكتبة، وقال المدير وهو يقوم بتصوير ما نريد من الكتب: ولكن تبين لنا أن الآلة التي في المكتبة للتصوير قد أصابها خلل يحتاج إلى انتظار يومين، ولم يتبين لنا ذلك إلاّ في يوم الأربعاء الموافق ٢٤/٧/١٣٩٦هـ.
стр. 347
وفي يوم الثلاثاء والأربعاء اشتغلنا بالنظر في قوائم المكتبة وهي أعني بقوائم المكتبة دفترين مخطوطين وفهرس مطبوع، فهذه الثلاثة تحوي ما في المكتبة من المخطوطات التي أكثرها رسائل في مجاميع عديدة.
وقد أخبرنا مدير المكتبة أن ليس في تونس متخصص بتصوير الكتب إلاّ شخصٌ واحدٌ في معهد الدراسات في نفس العاصمة تونس، والمدير نفسه يزاول هذه الصنعة ولكن لا يحسن طبع الفلم وإخراج نسخة منه على ما قال لنا.
ومن الجديرِ بالذكر: أن العملَ في جميع الدوائر بتونس يبتدئ في الساعة السابعة نهارًا إلى الساعة الواحدة ظهرًا بالتوقيت الافرنجي.
وقد أنهينا استعراض الموجود من القوائم في المكتبة وانتقينا منها بعض الكتب التي أفردناها بقائمة خاصة بها، ومن أهمّها: الجزء الثالث من (الأحكام الكبرى) لابن كثير، وهو جزء من بقية الصلاة ابتداءً من الأذان، و (الجامع الكبير) للسيوطي، وقطعة من (تاريخ دمشق) ، وغير ذلك مما ذكرنا في القائمة المختارة.
أنهينا استعراض وتصفح تلك القوائم في (١٤) يوما، واتفقنا مع المكتبة على تصوير الكتب التي اخترناها، على أن يصوروها تصوير المستندات، لأن تصوير مكروفيلم غير متيسّر عندهم لعدم وجود مكان في نفس الوقت للأفلام، ولكن وعدونا أنهم سيهيئون مكانًا خاصًّا للأفلام، ثم يباشرون التصوير بعد الانتهاء من تصوير الكتب وتصوير المستندات وتجليدها وبعثها إلى الجامعة الإسلامية، هذا ما تم نحو مهمتنا في تونس.
وقد زرنا كثيرًا من المسؤولين من طلبة العلم بتونس، منهم رئيس الشعائر الدينية كمال الدين التارزي، والحبيب بالخوجة عميد الجامعة بتونس، وأطلعَنا
стр. 348
الأخير على أقسام الجامعة بفصولها ومكتبتها الكبيرة التي تحتوي على أهمّ المطبوعات العربية من مختلف الفنون.
وكذلك اتصلنا بالأديب الكبير محمد الشاذلي النيفر، وقد حظينا من الجميع بالتقدير والاحترام.
وفي تونس كنت أتناوب في إلقاء المحاضرات مع الأخ أبي بكر الجزائري، حيث أني ألقيت في جامع محرز بن خلف، وفي جامع الزيتونة، وفي جامع سبحان الله وغيرها من جوامع تونس الكثير التي لا يعمرها بالصلاة إلاّ التيجانيون من الشيب والشبان.
وقد التقينا في تلك الجوامع بشباب توّاقين إلى الإسلام ومحاسنه بقيادة الأخوين عبد الفتاح مورو، والأخ راشد الغنوشي، وكلاهما على طريقة الإخوان المسلمين في الدعوة إلى الإسلام والتمسّك بأهدافه، ولكن مع الأسف هناك مشايخ لا يوافقون على نشاط هؤلاء الإخوان، فلذا صدر الأمر قبل مغادرتنا لتونس بمنع الأخ عبد الفتاح مورو الشاب النشيط منعه من مزاولة دروسه في المساجد.
ومن الملاحظ: أن المسؤولين عن الشؤون الدينية والتعليمية من الأحناف، مع أن نسبة الأحناف في المالكية خمس في المائة، وهؤلاء الأحناف من بقايا الأتراك الذين كانوا حكّامًا على تونس قبل الاستعمار الفرنسي.
وفي شوارع تونس تلتقي بأسراب من النساء العاريات تونسيات وغيرهن، مما يدلّ على أن الاستعمار لا يخرج من بلد إلاّ بعد أن يترك تقاليده وعاداته في ذلك البلد، فلذا تجد من النساء العاريات والشباب المتفرنج عددًا لا يستهان به، تشاهد هؤلاء في جميع الشوارع في تلك البلاد التي محى الاستعمار كل أخلاق الإسلام وتقاليده وعاداته منها حتى لا تفرق بين الشاب المسلم والمرأة المسلمة
стр. 349
وبين الشاب والمرأة من الإفرنج.
وفي أيام الآحاد وأيام عطل الاحتفالات التي صادفناها هناك من الاحتفال بالجمهورية وبميلاد الرئيس وبما يسمونه بتحرير المرأة، في كل هذه الأيام تجولنا للاطلاع على أكثر مدن تونس الخضراء ومن أهمها الميناء الكبير بنزرت شمال تونس على مسافة ستين كيلو مترًا، والقيروان العاصمة الأولى للإسلام في أفريقيا الشمالية وغيرها في جنوب تونس، وزرنا جامع أبي زمعة البلوي ﵁ الصحابي الجليل، ووجدنا في داخل الجامع تابوتًا يزعمون أنه قبره، فزرناه ودعونا له بعد السلام عليه، ثم زرنا جامع عقبة بن نافع الفهري ﵁، وألقيت فيه درسًا نال القبول من الحاضرين.
ورزنا أيضًا قبر سحنون، وقبور الفقهاء العشرة الفقهاء الذين بعثهم عمر بن عبد العزيز لتعليم الافريقيين الدين الإسلامي، وقد ذكرهم صاحب (رياض النفوس) في شرق القيروان عند انتهاء العمران، ووجدنا سدنة يزعمون أنهم من حفدة سحنون، ولكنهم عوام يسكنون في جناح من العمارة التي فيها القبور.
ومما تنبغي الإشارة إليه: أن القبور في تونس وأنحائها يعتنى بها الناس أكثر من اعتنائهم بالمساجد.
وكذلك زرنا قصر الهلال وسوسة، والمنستير، والحمامات، وتابل، وهذه الأربعة الأخيرة من جملة الشطوط التونسية التي تجولنا فيها، ووجدنا عندها من جمال الطبيعة ما يبهر البصر، هذا كله إلى ما نشاهده من جمال البحر الأبيض المتوسط الممتد على شمال تونس، تواكبه غابات من أنواع الأشجار ومن الزيتون والرمّان والتين والسفرجل وغير ذلك، إلاّ أن السوّاح الإفرنج الذين اكتظت بهم تلك الشواطئ الجميلة بخلاعاتهم رجالهم ونسائهم شوّهوا منظر هذه الشطوط الجميلة.
стр. 350
هذا، وقد زرنا بلدًا آخر في غرب العاصمة يدعى (كاف (في طريق المار إلى الجزائر وهو أيضًا جميل كريم أهلُه.
وتونس كلها خضراء أشجارها وجبالها وتلولها طولها وعرضها، وهي تسير بسير الحضارة الأوربية بنسائها وشبابها وشيوخها، وقد سيطرت تلك الحضارة على تقاليد أهلها وعاداتهم، بحيث لا تكاد ترى من بين تلك الجحافل التي تواجهك من المطار أي: مطار قرطاج الدولي إلا أوربيًّا في لبسته وهيئته ولغته، هذا مع أنّ أهل تونس إمّا عربٌ أو متعرِّبون لا يوجد فيها عجمي إلا سائح، ومع هذا فاللغة الفرنسية متغلِّبةٌ على العربية الدارجة التونسية، وهذا هو مراد المستعمر في كل بلد سلخه من كلّ معنوايته حتى من لغته وإحلال لغته الأجنبية محلّ اللغة الوطنية.
هذا، وفي تونس الخضراء أقمنا ٢٨ يومًا، ثم توجهنا إلى المغرب الأقصى رأسًا بطائرة كويتية كبيرة حديثة في مساء يوم الخميس الموافق ١٦/٨/١٣٩٦هـ إلى الدار البيضاء بالمغرب العربي، فوصلنا إلى مطارها المسمى بمطار النواصر، وبينه وبين الدار البيضاء ٣٠كم تقريبًا، وصلنا في الساعة العاشرة ليلاً بالتوقيت الافرنجي، وقطعنا المسافة بين مطار قرطاج بتونس ومطار النواصر بساعتين ونصف، وبتنا ليلة الجمعة الموافق ١٧/٨/١٣٩٦هـ في الدار البيضاء، ومع الأسف لم يكن معنا من يدلّنا إلى محلّ مناسب في الدار البيضاء، فدرنا بتاكسي نبحث عن فندق ننام فيه إلى الصباح، وكل فندق نمرّ فيه نجده مسكونا إلى أن وقفنا بعد التعب على فنيدق غير كبير يسمى فندق كمبيطا، وفي هذا الفنيدق وجدنا غرفة صغيرة بسريرين، وبتنا إلى الصباح، حيث قمنا بالتجوّل في الأسواق، ثم صلينا الجمعة في جامع محمد الخامس، والتقينا هناك بأحد تلامذة الدكتور الهلالي اسمه علاّل، فصحبنا إلى منزل الدكتور فالتقينا به، ثم بعث معنا
стр. 351
الأخ محمد الدرعاوي الطالب في الجامعة الإسلامية، فانتقلنا من فندق كمبيطا إلى فندق كبير يسمى بفندق الدار البيضاء، ويعد هذا الفندق أكبر فندق في أفريقيا في الدرجة الأولى في فنادق الدار البيضاء، وأقمنا فيه ثلاث ليال، وفي الصباح من يوم الاثنين الموافق ٢٠/٨ توجهنا في تاكسي بصحبة الأخ محمد الدرعاوي الطالب في الجامعة الإسلامية إلى الرباط، ومررنا في طريقنا بقرى كثيرة مغطاة بالأشجار المزدهرة، ومن جملتها مصطاف الملك الحسن الثاني الصخيرات، وقد تلاقينا في طريقنا إلى الرباط مع الملك الحسن الثاني قاصدًا هذا المصيف مع موكبه وهو سائق سيارته بنفسه، فوصلنا إلى الرباط ضحًى عاصمة المملكة المغربية، فلما وضعنا حقائبنا في فندق يسمّى فندق حسان في الرباط الجديد توجهنا إلى الخزانة العامة، فبدأنا باستعراض الفهارس التي وجدناها في المكتبة، فانتقينا منها بعض الكتب المخطوطة، وهم يشتغلون في الصباح والمساء، فلذا تيسر لنا أن ننتقي جملة كبيرة من المخطوطات الموجودة في الخزانة العامة، ومن أهم المكتبات التي توجد فيها تلك المخطوطات مكتبة الكتانيين، واستمرّ عملُنا في الخزانة العامة من يوم الاثنين الموافق ٢٠/٨/١٣٩٦هـ إلى يوم الأحد الموافق ٢٦/٨/١٣٩٦هـ، فتوجهنا بعد ذلك إلى طنجة مدخل الأندلس أو عروس الأندلس على ما يقال، توجهنا إليها في قطار ممتاز في الدرجة الأولى، فوصلنا طنجة في نفس اليوم، واتجهنا إلى المكتبة التي فيها، فلم نجد شيئًا من المخطوطات، وأقمنا فيها ثلاثة أيام، وقد ألقيت فيها ثلاث محاضرات، إحداها ألقيتها في قاعة المحاضرات الدولية سابقًا في طنجة حينما كانت دولية، وتسمى هذه القاعة الآن قصر مارشان لأنها قرب جبل طارق، ولا يوجد بين جبل طارق ومدينة للينية الأسبانية سوى بضع أمتار ومساحة الجبل عشرون كيلو، وسكّانه خمسة وثلاثون ألفا، والعمال المغاربة خمسة آلاف فحسب، زرناه في باخرة كبيرة، وبينه وبين طنجة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وبينهما
стр. 352
ثمانية أميال بحرية ما يقدر بثمانين كيلو، فوصلنا جبل طارق قبل الظهر في يوم الأربعاء فوجدنا هناك عجائب وغرائب من الملاجئ التي في الجبل الواقف في البحر، بحيث أن البحر الأبيض المتوسط والبحر المحيط الأطلسي محيطان بذات الجبل إحاطة القلادة بالعنق، فتمكنا ونحن عند الجبل من النظر إلى المدن الأندلسية المجاورة للجبل، منها الجزيرة الخضراء، ومنها طريف، وملاوة، وكذلك سبتة في العدوة الثانية التي تلي بلاد المغرب على البحر الأبيض المتوسط.
وقد قضينا يومًا كاملاً عند جبل طارق فرأينا الدار التي بناها طارق بن زياد على سفح الجبل ما زالت قائمة على جدرانها، ودخلنا في مغارتين عظيمتين في داخل الجبل إحداهما طبيعية والأُخرى مصنوعة، فرأينا في هاتين المغارتين مدافع جيدة كبيرة نصبتها بريطانيا على الجبل في إحدى المغارتين موجهة إلى أسبانيا حيث لم يكن بينهم وبين أسبانيا إلاّ أمتار قليلة، ثم رجعنا إلى طنجة في نفس الباخرة التي أخذتنا إلى الجبل، فوصلناها في ليلة الخميس الموافق ١/٩/١٣٩٦هـ، وفي صباح هذا الخميس توجهنا مع الإخوان من طنجة إلى تطوان، فوصلناها ضحى، فدخلنا في المكتبة العامة للبحث عن المخطوطات فوجدنا في المكتبة العامة بتطوان بعض الفهارس للمخطوطات، فلم ننتق منها إلاّ رسالتين إحداهما لشيخ الإسلام ابن تيمية بعنوان (الاجتهاد وعدم التقليد) ، والأخرى رسالة لابن أبي العز شارح الطحاوية بعنوان: (صحة اقتداء الحنفي بالشافعي) ، فصورناهما في الحال لصغرهما.
ثم بتنا ليلة الجمعة الموافق ٢/٩/١٣٩٦هـ، وقد وصلنا مكناس بعد الظهر لكثرة توقف الحافلة في محطّات كثيرة تنزل ناسًا وتأخذ آخرين، وقد أصابنا في هذه الرحلة تعب كبير.
ومن الجدير بالذكر: أن المكتبات في تونس والمغرب التي وقفنا عليها يغلب
стр. 353
عليها طابع الفقه المالكي، ورسائل كثيرة في الأذكار والتصوّف إلاّ قليلاً مما انتقيناه.
وقد تأخّر عملُنا في المغرب لأننا وصلنا وقد كانت المكتبات في إجازة شهر كامل.
وقد أقمنا في مكناس بضعة أيام من يوم الجمعة إل يوم الاثنين الموافق ٥/٩/١٣٩٦هـ.
وعند وصولنا لمكناس دخلنا مكتبة الجامع الكبير فاستعرضنا ما فيها من فهارس المخطوطات، ولم نجد في تلك الفهارس شيئًا يستحقّ التقييد، فلذا توجهنا مع فضيلة الدكتور تقي الدين الهلالي إلى فاس، توجهنا صباح الاثنين ٦/٩/١٣٩٦هـ إلى فاس، فوصلناها ضحى في نفس اليوم، وبينها وبين مكناس ستون كيلو، فمن حين وصولنا إلى البلد توجهنا إلى مكتبة جامع القرويين في المدينة القديمة، وفي هذا الجامع ستة آلاف مخطوط وبمكتبة الجامع الكبير بمكناس خمسمائة مخطوط، ولكن مع الأسف فجلُّ تلك المخطوطات متلاش غير صالح قد أكلت الأرضة منها كثيرًا من آثار الإهمال.
وبعد أن استعرضنا كل ما في الجامع من فهارس فلم نجد فيها جديدًا إلاّ (كتاب الزهد) لأبي داود السجستاني، وكتاب (ترتيب الأفراد) للدارقطني لابن طاهر، وما سوى الكتابين من المخطوطات وجدناه في الرباط وتطوان ومكناس.
وقد تجولنا في مدينة فاس القديمة والجديدة هذين، كما تجولنا في تطوان ومكناس في مدينتهما القديمة والحديثة، وقد مررنا في طريقنا من تطوان إلى مكناس بمدينة شاون الجميلة وجوزان وزرهون وقرى كثيرة منتشرة على الطريق، كما أننا مررنا في طريقنا إلى فاس بمنتزهات جميلة مزدهاة بأنواع الأشجار من الزيتون والرمّان والسفرجل والتين وغير ذلك من المناظر الزاهية
стр. 354
الأنيقة التي تكاد تنسينا تلك المناظر الباهرة التي شاهدناها في تونس الخضراء.
ومكثنا في فاس يومين، ثم غادرنا من فاس إلى مكناس مرة ثانية في طريقنا إلى الرباط، فأقمنا فيها يومين، ثم غادرنا مكناس عائدين إلى الرباط لاستكمال ما تبقّى من عملنا في المكتبة الملكية، فوصلنا إلى الرباط صباحاً، فلما بدء العمل ذهبنا إلى المكتبة الملكية بالقصر الملكي، فوجدناها مفتوحة، فاستعرضنا ما فيها من البطاقات والفهرس الكبير، فوجدناها مكتبة هامة ممتلئة بالمخطوطات، ولكن أغلب تلك المخطوطات مطبوع، وعدد المخطوطات المنظمة تبلغ (١٠.٩١٥) مخطوطًا في المكتبة الملكية الأصلية، وفيها المكتبة الزيدانية، وتبلغ (٣.٩٨٦) كتابًا ما بين مخطوط ومطبوع، ويقدّر المخطوط منها بنحو النصف، وفيها أيضًا خزانة مولاي أحمد العلوي المراكشي القاضي، ما زالت هذه المكتبة في الصناديق (١) ، وفيها من الكتب ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف كتاب بين مخطوط ومطبوع.
وللمكتبة الملكية الأصلية فهرسٌ كبير فيه ثلاثة أجزاء مرتب على المؤلفين وأسماء مؤلفاتهم بجانب البطاقات التي وجدناها فيها، وهذا الفهرس الكبير لم يطبع، ولكن يعمل فيه ليخرج إلى الطبع إن شاء الله. وقد انتقينا من هذا الفهرس والبطاقات في المكتبة الملكية بعض المخطوطات التي لم نجدها في المكتبات التي مررنا عليها قبلَها، وفي الحقيقة وجدنا هذه المكتبة صالحةً لأن تكون مرجعًا لتصحيح الكتب التي يعاد طبعها مرة أخرى، لأنها كما ذكرت سابقًا مشتملة على أكثر المخطوطات التي قد سبق أن طبعت في الحديث أو غيره، وأما المخطوطات التي لم يسبق لها الطبع فهي غير كثير، بل إن الخزانة العامة أكثر
стр. 355
منها مخطوطات بهذا الاعتبار.
ومن الملاحظ: أن المكتبات في المغرب تحتاج إلى تنظيم وترتيب فنّي ليسهل الكشف عنها، فالبطاقات التي وضعت لها غير مرتبة وغير فنيّة، فلهذا يتعب من يفتش فيها دون أن يجد ما يريد، مع أن المسؤولين عن المكتبات في تونس وفي المغرب قد ساعدونا غاية المساعدة على الحصول على ما نطلب جزاهم الله خير الجزاء، ولكن لعدم تنظيم الفهارس لتلك المكتبات فليس من السهل الاطلاع على كل شيء إلاّ بعد جهد جهيد وعمل متواصل مرهق.