الأخ محمد الدرعاوي الطالب في الجامعة الإسلامية، فانتقلنا من فندق كمبيطا إلى فندق كبير يسمى بفندق الدار البيضاء، ويعد هذا الفندق أكبر فندق في أفريقيا في الدرجة الأولى في فنادق الدار البيضاء، وأقمنا فيه ثلاث ليال، وفي الصباح من يوم الاثنين الموافق ٢٠/٨ توجهنا في تاكسي بصحبة الأخ محمد الدرعاوي الطالب في الجامعة الإسلامية إلى الرباط، ومررنا في طريقنا بقرى كثيرة مغطاة بالأشجار المزدهرة، ومن جملتها مصطاف الملك الحسن الثاني الصخيرات، وقد تلاقينا في طريقنا إلى الرباط مع الملك الحسن الثاني قاصدًا هذا المصيف مع موكبه وهو سائق سيارته بنفسه، فوصلنا إلى الرباط ضحًى عاصمة المملكة المغربية، فلما وضعنا حقائبنا في فندق يسمّى فندق حسان في الرباط الجديد توجهنا إلى الخزانة العامة، فبدأنا باستعراض الفهارس التي وجدناها في المكتبة، فانتقينا منها بعض الكتب المخطوطة، وهم يشتغلون في الصباح والمساء، فلذا تيسر لنا أن ننتقي جملة كبيرة من المخطوطات الموجودة في الخزانة العامة، ومن أهم المكتبات التي توجد فيها تلك المخطوطات مكتبة الكتانيين، واستمرّ عملُنا في الخزانة العامة من يوم الاثنين الموافق ٢٠/٨/١٣٩٦هـ إلى يوم الأحد الموافق ٢٦/٨/١٣٩٦هـ، فتوجهنا بعد ذلك إلى طنجة مدخل الأندلس أو عروس الأندلس على ما يقال، توجهنا إليها في قطار ممتاز في الدرجة الأولى، فوصلنا طنجة في نفس اليوم، واتجهنا إلى المكتبة التي فيها، فلم نجد شيئًا من المخطوطات، وأقمنا فيها ثلاثة أيام، وقد ألقيت فيها ثلاث محاضرات، إحداها ألقيتها في قاعة المحاضرات الدولية سابقًا في طنجة حينما كانت دولية، وتسمى هذه القاعة الآن قصر مارشان لأنها قرب جبل طارق، ولا يوجد بين جبل طارق ومدينة للينية الأسبانية سوى بضع أمتار ومساحة الجبل عشرون كيلو، وسكّانه خمسة وثلاثون ألفا، والعمال المغاربة خمسة آلاف فحسب، زرناه في باخرة كبيرة، وبينه وبين طنجة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وبينهما
стр. 352
ثمانية أميال بحرية ما يقدر بثمانين كيلو، فوصلنا جبل طارق قبل الظهر في يوم الأربعاء فوجدنا هناك عجائب وغرائب من الملاجئ التي في الجبل الواقف في البحر، بحيث أن البحر الأبيض المتوسط والبحر المحيط الأطلسي محيطان بذات الجبل إحاطة القلادة بالعنق، فتمكنا ونحن عند الجبل من النظر إلى المدن الأندلسية المجاورة للجبل، منها الجزيرة الخضراء، ومنها طريف، وملاوة، وكذلك سبتة في العدوة الثانية التي تلي بلاد المغرب على البحر الأبيض المتوسط.
وقد قضينا يومًا كاملاً عند جبل طارق فرأينا الدار التي بناها طارق بن زياد على سفح الجبل ما زالت قائمة على جدرانها، ودخلنا في مغارتين عظيمتين في داخل الجبل إحداهما طبيعية والأُخرى مصنوعة، فرأينا في هاتين المغارتين مدافع جيدة كبيرة نصبتها بريطانيا على الجبل في إحدى المغارتين موجهة إلى أسبانيا حيث لم يكن بينهم وبين أسبانيا إلاّ أمتار قليلة، ثم رجعنا إلى طنجة في نفس الباخرة التي أخذتنا إلى الجبل، فوصلناها في ليلة الخميس الموافق ١/٩/١٣٩٦هـ، وفي صباح هذا الخميس توجهنا مع الإخوان من طنجة إلى تطوان، فوصلناها ضحى، فدخلنا في المكتبة العامة للبحث عن المخطوطات فوجدنا في المكتبة العامة بتطوان بعض الفهارس للمخطوطات، فلم ننتق منها إلاّ رسالتين إحداهما لشيخ الإسلام ابن تيمية بعنوان (الاجتهاد وعدم التقليد) ، والأخرى رسالة لابن أبي العز شارح الطحاوية بعنوان: (صحة اقتداء الحنفي بالشافعي) ، فصورناهما في الحال لصغرهما.
ثم بتنا ليلة الجمعة الموافق ٢/٩/١٣٩٦هـ، وقد وصلنا مكناس بعد الظهر لكثرة توقف الحافلة في محطّات كثيرة تنزل ناسًا وتأخذ آخرين، وقد أصابنا في هذه الرحلة تعب كبير.
ومن الجدير بالذكر: أن المكتبات في تونس والمغرب التي وقفنا عليها يغلب
стр. 353
عليها طابع الفقه المالكي، ورسائل كثيرة في الأذكار والتصوّف إلاّ قليلاً مما انتقيناه.
وقد تأخّر عملُنا في المغرب لأننا وصلنا وقد كانت المكتبات في إجازة شهر كامل.
وقد أقمنا في مكناس بضعة أيام من يوم الجمعة إل يوم الاثنين الموافق ٥/٩/١٣٩٦هـ.
وعند وصولنا لمكناس دخلنا مكتبة الجامع الكبير فاستعرضنا ما فيها من فهارس المخطوطات، ولم نجد في تلك الفهارس شيئًا يستحقّ التقييد، فلذا توجهنا مع فضيلة الدكتور تقي الدين الهلالي إلى فاس، توجهنا صباح الاثنين ٦/٩/١٣٩٦هـ إلى فاس، فوصلناها ضحى في نفس اليوم، وبينها وبين مكناس ستون كيلو، فمن حين وصولنا إلى البلد توجهنا إلى مكتبة جامع القرويين في المدينة القديمة، وفي هذا الجامع ستة آلاف مخطوط وبمكتبة الجامع الكبير بمكناس خمسمائة مخطوط، ولكن مع الأسف فجلُّ تلك المخطوطات متلاش غير صالح قد أكلت الأرضة منها كثيرًا من آثار الإهمال.
وبعد أن استعرضنا كل ما في الجامع من فهارس فلم نجد فيها جديدًا إلاّ (كتاب الزهد) لأبي داود السجستاني، وكتاب (ترتيب الأفراد) للدارقطني لابن طاهر، وما سوى الكتابين من المخطوطات وجدناه في الرباط وتطوان ومكناس.
وقد تجولنا في مدينة فاس القديمة والجديدة هذين، كما تجولنا في تطوان ومكناس في مدينتهما القديمة والحديثة، وقد مررنا في طريقنا من تطوان إلى مكناس بمدينة شاون الجميلة وجوزان وزرهون وقرى كثيرة منتشرة على الطريق، كما أننا مررنا في طريقنا إلى فاس بمنتزهات جميلة مزدهاة بأنواع الأشجار من الزيتون والرمّان والسفرجل والتين وغير ذلك من المناظر الزاهية
стр. 354
الأنيقة التي تكاد تنسينا تلك المناظر الباهرة التي شاهدناها في تونس الخضراء.
ومكثنا في فاس يومين، ثم غادرنا من فاس إلى مكناس مرة ثانية في طريقنا إلى الرباط، فأقمنا فيها يومين، ثم غادرنا مكناس عائدين إلى الرباط لاستكمال ما تبقّى من عملنا في المكتبة الملكية، فوصلنا إلى الرباط صباحاً، فلما بدء العمل ذهبنا إلى المكتبة الملكية بالقصر الملكي، فوجدناها مفتوحة، فاستعرضنا ما فيها من البطاقات والفهرس الكبير، فوجدناها مكتبة هامة ممتلئة بالمخطوطات، ولكن أغلب تلك المخطوطات مطبوع، وعدد المخطوطات المنظمة تبلغ (١٠.٩١٥) مخطوطًا في المكتبة الملكية الأصلية، وفيها المكتبة الزيدانية، وتبلغ (٣.٩٨٦) كتابًا ما بين مخطوط ومطبوع، ويقدّر المخطوط منها بنحو النصف، وفيها أيضًا خزانة مولاي أحمد العلوي المراكشي القاضي، ما زالت هذه المكتبة في الصناديق (١) ، وفيها من الكتب ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف كتاب بين مخطوط ومطبوع.
وللمكتبة الملكية الأصلية فهرسٌ كبير فيه ثلاثة أجزاء مرتب على المؤلفين وأسماء مؤلفاتهم بجانب البطاقات التي وجدناها فيها، وهذا الفهرس الكبير لم يطبع، ولكن يعمل فيه ليخرج إلى الطبع إن شاء الله. وقد انتقينا من هذا الفهرس والبطاقات في المكتبة الملكية بعض المخطوطات التي لم نجدها في المكتبات التي مررنا عليها قبلَها، وفي الحقيقة وجدنا هذه المكتبة صالحةً لأن تكون مرجعًا لتصحيح الكتب التي يعاد طبعها مرة أخرى، لأنها كما ذكرت سابقًا مشتملة على أكثر المخطوطات التي قد سبق أن طبعت في الحديث أو غيره، وأما المخطوطات التي لم يسبق لها الطبع فهي غير كثير، بل إن الخزانة العامة أكثر
стр. 355
منها مخطوطات بهذا الاعتبار.
ومن الملاحظ: أن المكتبات في المغرب تحتاج إلى تنظيم وترتيب فنّي ليسهل الكشف عنها، فالبطاقات التي وضعت لها غير مرتبة وغير فنيّة، فلهذا يتعب من يفتش فيها دون أن يجد ما يريد، مع أن المسؤولين عن المكتبات في تونس وفي المغرب قد ساعدونا غاية المساعدة على الحصول على ما نطلب جزاهم الله خير الجزاء، ولكن لعدم تنظيم الفهارس لتلك المكتبات فليس من السهل الاطلاع على كل شيء إلاّ بعد جهد جهيد وعمل متواصل مرهق.
стр. 356
الدين وأفريقيا الشمالية:
لاشك أن بلاد المغرب الشمالي أو أفريقيا البيضاء على ما يقال بدوله الثلاث كان قبل الاستعمار بلادًا تسودُها الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية، ولكن بعد تمكّن الاستعمار الفرنسي الغاشم والاستعمار الاسباني الدخيل من هذه البلاد الإفريقية قلبها هذا الاستعمار ظهرًا على بطن، ولم يخرج منها إلاّ وقد خلّف فيها من الجهل بالإسلام والتنكُّر لتعاليمِه وأنواع التفسّخ والانحلال الخلقي ما يلمسه ويراه كلّ من زار تلك البلاد الشقيقة من الغيورين على الأخلاق الإسلامية: ترى المساجد ولكن لا ترى المصلين، بل ترى من بقي باسم الإسلام من الطرقيين وأتباعهم يعكفون عند المشاهد يطوفون بها، أو يتفرّجون عليها، وفي تونس تجد التماثيل والصور الخليعة في أكثر البيوت وفي المكتبات، بل وفي بيوت من يتسمون بمشايخ الدين تجد هذه التماثيل في أكثر بيوتهم، والغالب على هذه التماثيل صور نساء عاريات ومنصوبات في جانب البيت.
وللتجانية والدرقاوية في تونس والمغرب انتشار واسع هائل في تلك الزوايا المتبعثرة في جميع مدنها بقببها المبنية على القبور، وتجد هؤلاء يعمرون تلك المشاهد ويهجرون ما عندهم من المساجد إلاّ قليل ممن يعدون بالأصابع، تجد
стр. 357
هذا القليل منهم يصيحون عند كل مسجد تدخله يصيحون فيه قبل الصلاة وبعد الصلاة بدعوى الذكر والصلاة على النبي ﷺ على شكل ينكره كل من له ذوق سليم وعقل حكيم فضلاً عن المسلم المتسمك بأهداب السنة.
يغلب على هؤلاء الخرافيين طابع التيجانية الشاذة، أو طابع الدرقاوية الهزيلة، هذا كل ما بقي باسم الإسلام في تلك البلاد: لعبة التيجانية، ومهزلة الدرقاوية، ويواكب هاتين الخرافيتين البرهميتين بدعة التعصب المذهبي الذي يحمل اسم المذهب المالكي في المغرب واسم المذهب الحنفي والمالكي بتونس.
هذا، وفي تونس والمغرب ناسٌ ملتزمون بأخلاق الإسلام، ولكنهم قلّة، وفي تونس يقودهم الشاب عبد الفتاح ميرو، وأما في المغرب فمرشدهم فضيلة الدكتور الهلالي.
وهناك معركة حامية الوطيس بين السنة والخرافات حتى إنَّ أهل تلك البلاد يسمون هذين القائدين وأتباعهم بالوهابية، ويعنون بذلك أن الوهابية دينٌ جديد يجب الحذرُ منه، فمِن ثمَّ صدر في تونس وفي المغرب معا الأمرُ من الحكومة هناك بمنع كل من يتهم بأنه وهابي من مزاولة النشاط في الدعوة إلى الإسلام وتصحيح الأغلاط التي تسببت فيها الخرافات وآثار الاستعمار الذي يواكبها ويسايرها، بل إن الاستعمار الافرنجي يستغل وجود هذه الخرافات للقضاء على الإسلام وتشويه سمعته بواسطة هؤلاء الدراويش من التيجانيين الدرقاويين والعيساويين والقادريين والمتعصبين باسم المذهب، وقد اجتمعنا في طنجة بشخص مسئول كبير، يدعى (أحمدنية) متهم بالشيوعية وجرت بيننا وبينَه محاورة نحو الإسلام وأن الإسلام صالحٌ لكل زمان ومكان دولة وعقيدة وعمل، ولكن عارضنا بجرأة ووقاحة وقال ان الإسلام ناقص وليس شاملاً لكل القضايا الدينوية، وادعى أن الشيوعية والاشتراكية المادية العلمانية الإلحادية هي
стр. 358
التي وحدها تقدر على تنظيم الحياة الدنيوية، فأبنّا له أن قوله هذا نشأ من الجهل بالإسلام ومن تقليده لأعدائه الذين شوّهوا سمعة الإسلام بمثل هذه الأقوال الباطلة، وذكرنا له أن الله قال في كتابه الكريم: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ ، وأن هذا الحق حق عرفه من عرفه وجهله من جهله، وقلنا له: هل تعرف قضية لم يعالجها الإسلام حتى احتاجت إلى أن تعالجها الاشتراكية؟، فقال نعم إن التعامل بالبنوك منعه الإسلام مع أن الحياة متوقفة على هذا التعامل. فقلنا له: ليس الأمرُ كما زعمتَ، بل إن الإسلام لم يمنع التعامل بالنبوك مطلَقا، إنما منع التعامل بالربا الذي يتضمن التعامل به ظلم الآخرين وسلب أموالهم بغير حق، وهذا من عدالة الإسلام الشاملة أنْ منعَ الظلمَ بأيِّ وجهٍ كان الظلم، وأن الله حرم الظلم، وأن الظلمَ ظلماتٌ يوم القيامة، وليس من الغريب أن تتعامل الشيوعية الاشتراكية بالربا ولا بغيره من المحرّمات، إذْ لا ذنبَ فوق الكفر، فإن الشيوعية كفرٌ بواحٌ كغيرِها من أنواع الكفر، سواء كان انفصاليا أو قوميا أو بعثيا فإنه لا يستبعد منه أن يتهم الإسلام بالتقصير حينما أن التقصير من الكفر والإلحاد لا من الإسلام فالإسلام كامل.
هذا، ولو تعاونت الجهات المسؤولة في الحكومة السعودية من دار الإفتاء والجامعة الإسلامية والرابطة والإشراف على الحرم المكي ووزارة المعارف ووزارة التعليم العالي لو تعاونت هذه الجهات على إرسال مرشدين إلى تلك البلاد مع قبول الراغبين في طلب العلم في مدارس الحكومة والجامعة الإسلامية وغيرها بدون التقيّد بالمراسم الحكومية في بلادهم، بل يكتفى بتزكية أناس معروفين بالصلاح هناك لكان هذا التعاون مفيدًا في تلك البلاد، لا سيّما وفي هذه البلاد شباب توّاقون للعلم يبحثون عنه ويسألون كل من يلقونه من أهل العلم الذين ينتابون بلادهم.
стр. 359
تنبيه:
قد التقينا في الدار البيضاء بالأخوين الكريمين الشيخ ناصر الدين الألباني والأخ محمد البنا في طريقهم إلى لندن مبعوثين للإرشاد في لندن، تمتعنا بهم ليلة الخميس التي سنغادر في صباحها بلاد المغرب، وكانت تلك الليلة مونسة سارّة عمرت بالأحاديث النبوية والإرشادات السنية، حضرنا في مساء الأربعاء محاضرة قيِّمة بعنوان (إقامة الصفوف في الصلاة من إقامة الصلاة) ألقاها الشيخ ناصر الدين الألباني في الجامع المحمدي في الدار البيضاء..
стр. 360
خاتمة المطاف:
وبعد انتهاء عملنا في الرباط يوم الأربعاء الموافق ١٤/٩/١٣٩٦هـ توجهنا إلى الدار البيضاء وفي صباح يوم الخميس الموافق ١٥/٩/١٣٩٦هـ غادرنا مطار النواصر بالدار البيضاء في الساعة الحادية عشر بالتوقيت الافرنجي عن طريق الجزائر فتونس وليبيا وجدة. وقد قطعت بنا تلك الطائرة الكبيرة (بوينج) السعودية المسافة بين الجزائر العاصمة والدار البيضاء بالمغرب ساعة ونصف ساعة وبين الجزائر وتونس ساعة، وكذلك بين تونس وليبيا قطعت بنا ساعة، وبين ليبيا وجدة أربع ساعات، وقد وصلنا نصف الليل ليلة الجمعة الموافق ١٦/٩/١٣٩٦هـ.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 361
تقرير عن رحلة طلاّب الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية إلى المغرب وأسبانيا
المكتبة الملكية
...
تقرير عن رحلة طلاّب الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية إلى المغرب وأسبانيا
إعداد الشيخ: حماد بن محمد الأنصاري - لعام ١٣٩٧١٣٩٨هـ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.
وبعد:
فقد قمنا من المدينة النبوية برحلتين استطلاعيتين طلاّبيتين مساء الثلاثاء الموافق ٧/٣/١٣٩٨هـ إلى جدة، وكانت إحدى الرحلتين إلى المغرب وأسبانيا، والأخرى إلى الهند.
قمنا إلى جدة في طائرة بوينج (٧٣٧) في تمام الساعة التاسعة والربع، فوصلناها في الساعة العاشرة، وكان في استقبالنا مدير مكتب الجامعة بجدة الذي حجز لنا في فندق اسطنبول، وقد نزلنا هذا الفندق منتظرين الصباح لنستقل الطائرة القاصدة المغرب في صباح الأربعاء الموافق ٨/٣/١٣٩٨هـ.
وكان المشرفون على الرحلة المغربية الأسبانية الأخ صالح المحيسن المدرس بكلية الدعوة وعميدها، والدكتور عبد المنعم المدرس في الدراسات العليا، وكاتب هذه السطور، وعدد من طلاّب الدراسات العليا السنة الثانية بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
وفي صباح يوم الأربعاء نفسه في الساعة العاشرة بالتوقيت الزوالي للمملكة أقلّتنا طائرة سعودية إلى مطار النواصر بالدار البيضاء، حيث قطعت المسافة بين جدة وبين الدار البيضاء في مدة انثتي عشرة ساعة مع التوقف في ليبيا والجزائر مقدار أربعين دقيقة في كل منهما.
وبعد وصولنا بدقائق امتطينا الحافلة التي استأجرها لنا مندوب الجامعة الإسلامية الأخ عليان مدير الإدارة بالدراسات العليا، وتوجهنا إلى الرباط العاصمة، فلما وصلنا نزلنا في فندق (بلير) في شارع مولاي يوسف.
стр. 362
وفي الصباح الساعة الثامنة بالتوقيت المغربي توجهنا مع طلاّبنا إلى الخزانة العامة للاطلاع على المخطوطات الموجودة فيها، فبقينا فيها ننتقي ما نراه صالحا للتقييد إلى انتهاء الداوم، وينتهي الدوام عند أذان الظهر، وفي المساء كذلك رجعنا إليها لنفس الغرض، إلاّ أن الذي يؤسف عليه هو عدم وجود فهارس جيّدة سواء كانت مرتبة على الفنون أو المؤلفين، مما يؤدي إلى صعوبة البحث عن الكتب، إلاّ أنه رغم ذلك فقد استمر عملنا فيها يومي الخميس والجمعة، وفي مساء يوم الجمعة الموافق:١٠/٣/١٣٩٨هـ زرنا المكتبة الملكية بالقصر.
المكتبة الملكية:
تبعد هذه المكتبة عن شارع مولاي يوسف بحوالي خمسة كيلو مترات، وتقع في وسط باحة كبيرة تحيط بها الأشجار ونوافير المياه من جوانبها الأربعة.
وعند وصولنا إلى المكتبة استقبلنا فيها الرجل النبيل مولاي أحمد العلوي مدير المكتبة، فاستعرض الطلبة ما فيها من البطاقات والفهارس، وانتقوا ما راق لهم وقيّدوه.
ومن ميزة هذه المكتبة: أن الفهارس مرتبة على الفنون والمؤلفين والمخطوطات الموجودة فيها نظيفة للغاية، وقد علل ذلك أمين مكتبتها أحمد العلوي حيث قال: إن المؤلفين كانوا يقدمون أجود نسخ كتبهم إلى الملك.
وعند انتهاء الدوام في الساعة السادسة مساءً توجهنا إلى مسجد السنة، حيث أدّينا صلاة المغرب، وبعد أداء صلاة العشاء في فندق (بلير) توجهنا إلى فندق حسان، حيث تناولنا طعام العشاء هناك، كان في أثناء تناولنا لهذا العشاء بعض أمور لا تستحق أن تُذكر.
стр. 363
وفي ليلة السبت الموافق ١١/٣/١٣٩٨هـ توجهت أنا والدكتور عبد المنعم لزيارة الأخ مصطفى العلوي مدير مكتب وزير الأوقاف في بيته العامر، فتجاذبنا معه الأحاديث الأخوية إلى أن ذهب شطر من الليل، فرجعنا إلى الفندق للراحة والنوم.
وفي صباح يوم السبت زرنا دار الحديث الحسنية، واستقبلنا مديرُها السوري، وشرح لنا منهجها، وناولنا نسخة منه، وزرنا أيضا الأخ أحمد مولاي العلوي أمين المكتبة في بيته.
وفي صباح يوم الأحد الموافق ١٢/٣/١٣٩٨هـ توجهنا إلى مطار النواصر بالدار البيضاء لنستقل الطائرة البوينج المغربية إلى الأندلس (أسبانيا) ، فأقلّتنا إلى مدريد (مجريط) عاصمة أسبانيا، وقد وقفت بنا في مطار طنجة مقدار أربعين دقيقة، ثم واصلت سيرها إلى أسبانيا، فوصلنا مدريد العاصمة عصر الأحد وبينها وبين الدار البيضاء ساعة إلاّ خمس دقائق تقريبا.
стр. 364
مدريد:
ومدريد مدينة في منبطح من الأرض واسعة الأطراف وجميلة المباني في علو غير مفرط، بحيث لا تتعدى أدوارها العشرين إلى الثلاثين دورًا في أغلبها ويسكنها أربعة ملايين، وفي الحقيقة أن الأندلس والمغرب يتراءيان للناظر كأنهما على طبيعة واحدة، إلاّ أن للمغرب ميزة خاصّة ألا وهي جمال الطبيعة الزائدة على الوصف.
وفي مطار مدريد استقبلنا أعضاء السفارة السعودية في أسبانيا مع حافلة كبيرة مجهزة بوسائل الراحة وصيناهم باستئجارها على حسابنا عن طريق الملحق الثقافي السعودي بالرباط، وقد حجزوا لنا أيضا جناحا في فندق (الياكستليا) وتعني باللغة العربية قشتالة، وهو فندق ممتاز من الدرجة الأولى واقع في
стр. 365
وسط مدريد، فبتنا فيه ليلة الاثنين الموافق ١٣/٣/١٣٩٨هـ.
وفي الصباح الساعة التاسعة من يوم الاثنين توجهنا إلى مكتبة اسكوريال.
стр. 366
الاسكوريال:
تقع هذه المدينة غرب مدريد العاصمة، وبينهما خمسون كيلو، وهي مدينة على سفح جبل تنزل عليه الثلوج، وفي غربها واد يسمى وادي الرما، فالجبل في شرقها والوادي في غربها، وفي الطريق إليها تعلو بنا حافلتنا وتهبط بنا تارة أخرى، وذلك لأن الطريق إليها عبارة عن كثبان تشقها أودية تجري فيها المياه الوسخة وعلى جنبات الطريق إليها غابات من الأشجار المنشقة الجميلة التي إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على ما امتاز به الأندلس من جمال الطبيعة.
ولما وصلنا إلى الاسكوريال دخلنا في تلك المكتبة الواقعة في جناح كنيسة ضخمة، واستقبلنا فيها مديرُها وهو رجلٌ أسباني لبق ملمٌّ باللغة العربية إلماما ضعيفا، وقد خيّرنا بين أن يتكلّم معنا بالانجليزية وبين أن يتكلم بالعربية التي تعلّمها إبان إقامته بتونس منذ ثلاث سنوات على ما يزعم، فاخترنا أن يتكلم معنا باللغة العربية المكسّرة مهما كانت، مع أن في صحبتنا الدكتور عبد المنعم وهو يحسن عدة لغات منها اللغة الانجليزية، فشرع الرجلُ يذكر لنا أصل مكتبة اسكوريال وعدد ما فيها من المخطوطات العربية البالغ عددها ألفي مخطوط، فاستعرضنا بعضها فاستفدنا أن المكتبة غنية بمهمات المخطوطات وقد أبرمنا اتفاقا بيننا وبين مديرها الأسباني حاصله ما يأتي:
١- أن يصور لنا تلك الفهارس بكل ما تكلف، فوافق على أن يصورها في ظرف ثلاثة أيّام، وبالفعل تمّ تصوير الفهرس بأجزائه الثلاثة.
٢- إذا انتقينا منها ما نحتاج من المخطوطات يصورها كذلك، فالتزم على
стр. 367
أن يصورها في أسبوعين أو ثلاثة.
وفي الساعة الواحد نهارًا بالتوقيت الأسباني دقّت ساعة الانصراف، فرجعنا إلى العاصمة لنطلع على المكتبة الوطنية فيها، حيث ذكر لنا أن فيها مخطوطات عربية، ولكن مع الأسف وجدناها قد أغلق القسم العربي منها إلى نهاية الأسبوع على ما يزعمون، فلذا بتنا ليلة الثلاثاء فيها العاصمة، إلاّ أننا استطعنا الحصول على فهرسة المكتبة المذكورة من المعهد المصري للدراسات الإسلامية، حيث قاموا بتصويره وتسليمه لنا مشكورين، وقد قمنا بتصفحه ولم نجد شيئا يذكر في نفس الوقت، وفي يوم الثلاثاء الموافق ١٤/٣/١٣٩٨هـ الساعة العاشرة صباحاً توجهنا في حافلتنا إلى قرطبة ثم غرناطة.
وفي طريقنا إلى قرطبة مررنا على نفوذ وأراض مغطاة بأشجار الزيتون مع قرى نموذجية على نمط واحد يروق الناظر إليها، وبحد ما قطعنا محافظة قتشالة التي حاليا (كستليا) دخلنا إلى مدخل الأندلس وهو جبال ووديان مكسوة بأشجار الزيتون والعنب وغيرها ويتخللها الوادي الكبير الذي يجري فيها، وعلى يمينها نهر (التاج) ، ويمتد من مادريد شمالاً إلى المحيط غربا حتى صبّ في المحيط عن طريق البرتغال نصعد ونهبط وديانا حتى وصولنا قرطبة قرب مغرب ليلة الأربعاء الموافق: ١٥/٣/١٣٩٨هـ، وبينها وبين مدريد ثلاثمائة وستون كيلو، وقد مررنا في طريقنا إليها على محافظة طليطلة التي تقع في النفود الحاجزة بين العاصمة مدريد ومدخل الأندلس جنوبا.
ومن حين وصولنا إلى قرطبة نزلنا في فندق في سُرَّة البلد وهو تابع لفندق مدريد، وبتنا فيه إلى صباح يوم الأربعاء الموافق: ١٥/٣/١٣٩٨هـ.
وقد وصلنا قرطبة عاصمة الإسلام الأولى في الأندلس قرب غروب الشمس، وكان الغروب عندهم في تمام الساعة السابعة بتوقيتهم، وبتنا ليلة
стр. 368
الأربعاء الموافق ١٥/٣، بتنا في فندق تابع لفندق مدريد العاصمة وبعد أن وضعنا حقائبنا صلينا المغرب جماعةً رغم أنا لم يتيسر لنا في مدريد أن نصلي جماعة لعدم وجود مكان نصلي فيه جماعة، بل كل اثنين أو واحد يصليان في غرفتهما.
وفي الصباح توجهنا بحافلتنا إلى قصر الزهراء بقرطبة، وهو يبعدُ مسافة ثلاثة كيلو متر عن المدينة، فوجدناه قصرًا يبكي بدموع الدماء على ما عانى من الأعداء من تدمير وإهانة غيظا على الإسلام وأهلِه، وهو يقولُ بلسان حالِه: (أيها المسلمون انظروا إلى ما أصابني فإنه عاقبة الخروج عن أوامر الله وشرعه) ، وكأنه يقرأ على الزوّار آية سورة هود: ﴿يا قوم لا يجرمنّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود﴾ ، ويثني بالآية التي قبلها: ﴿فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجّيل منضود * مسوّمة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾ . هكذا يقول لسان حال قصر الزهراء لمن زار، يحذِّر من مغبّة المعاصي، أولئك الذين يسدرون في غيِّهم، ويعمهون في ضلالتهم، ولا يفكِّرون في عاقبة الأمور.
ثم رجعنا من الزهراء إلى قرطبة قاصدين الجامع الواسع بأعمدته الرخامية وسقوفه المتنوعة من الخشب في جهة ومن الرخام في جهة أخرى، وله محراب واسع مكتوب عليه هذه الآية على يمين الواقف فيه: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ ، ولكن مع الأسف حول الجانب اليميني منه وجعل كنيسة ممثلة بتصاوير مجسمة، وفيما بقي من الجامع كذلك تماثيل وصور مجسمة ملصقة ببعض سواريه، وقد بقي من أبوابه خمسة عشر بابا وقد كانت أيام الإسلام
стр. 369
٢٣ بابا، هكذا مصير التمرد على الله أن يسلب المسلم مجده وعزه وكرامته إذا لم يشكر نعمة الله، قال الله : ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون﴾ وفي الحديث الإسرائيلي عن الفضيل بن عياض: "إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني".
وعند انتهائنا من التجول والطواف بجانب ما تبقّى من هذا الجامع الكبير ختمنا الطواف بصلاة ركعتين عند محرابه الواسع الجميل المكلل بالفسيفساء عند مدخله، وقد صمم هذا المحراب تصميما فنيا بحيث إذا قرأ القارئ فيه سمعه من كان خارج المسجد وفي منتصفه قطع من الأحجار مرصوفة رصفا رائعا وفائدتها امتصاص الصدى التي قد يحدث من تراجع الصوت من أرجاء المسجد إلى المحراب، وقد تفائلنا بعد الصلاة بدخول الإسلام ثانية إلى هذه الأقطار التي خرج منها بسبب الخروج عن تعاليم الإسلام.
وبعد الصلاة في جامع قرطبة توجهنا بحافلتنا ودليلنا (الأُريقطي) ، وهذه النسبة نسبة إلى عبد الله بن الأريقط الذي كان دليل النبي ﷺ في هجرته، ودليلنا السوري وهو الأخ زهير من الشباب المسلم الذي يدرس في مدريد في مجال الطب، توجهنا إلى غرناطة في شرقي قرطبة، ولم تزل حافلتنا المريحة تهملج بنا في أرض صفصف مكسوة بالخضرة والأزهار إلى أن قطعنا منطقة قرطبة عند صلاة الظهر، ثم دخلنا في منطقة أخرى تسمى (حائن) ، وهي (جيان) باللغة العربية، وبعد صلاة الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في هذه المحافظة تابعنا سيرَنا إلى غرناطة، فإذا نحنُ بجبال تتخلّلها أودية خرّراة بالمياه مثل تلك الجبال التي واجهتنا في طريقنا إلى قرطبة بعدما قطعنا محافظة مدريد العاصمة، وهي جبال شامخة مكسوة بأشجار الزيتون بشكل لم أر له مثيلاً حتى في تونس الخضراء.
فلم تزل حافلتنا الأسبانية الصنع تعلو بنا أنجاد تارة وتهبط بنا في أغوار
стр. 370
تارة أخرى تتخللها خضرة من أشجر ونباتات في غاية من جمال الطبيعة وروعتها فسبحان الذي خلقها ولم تزل الحافلة تمشي بنا في تلك الطريق المتعرّج كالثعبان حتى ذكرنا بطريق جبل (كرا) بين مكة المكرمة والطائف إلى أن وصلنا غرناطة عند غروب الشمس.
стр. 371
غرناطة:
وتقع مدينة غرناطة على بُعد مائتين كيلو تقريبًا من مدينة قرطبة، فلما وصلنا المدينة نزلنا في فندق تابع للفندق الكبير في مدريد.
وبعد استراحة قصيرة في الفندق نزلنا للتجوال في أسواق المدينة، وذلك لأنها تغلق من الساعة الثامنة مساءً.
وبعد التجوال رجعنا إلى الفندق للنوم والراحة إلى صباح يوم الخميس الموافق ١٦/٣/١٣٩٨هـ.
ومن الجدير بالذكر: أن رئيس المركز الإسلامي بغرناطة استقبلنا فور وصولنا إلى الفندق وتدارسنا معه برنامج الرحلة، وفي الساعة التاسعة صباحًا توجهنا بأرجلنا للطواف بأسواق غرناطة العربية التي ما زالت بطابعها العربي من تقاربها جنبًا إلى جنب، حتى كأنك تدور في أسواق القماشين بشارع العينية بالمدينة المنورة، وهذا بخلاف طابع الأسواق الغربية التي شاهدهنا بمدريد وغيرها.
وبعد انتهاء تجوالنا في تلك الأسواق توجهنا في حافلتنا إلى قصر الحمراء الواقع في جنوب المدينة مقدار ثلاثة كيلو، فلما وصلنا إلى هذا القصر العجيب تجولنا فيه ومعنا أريقطي أسباني أخذ يتجول بنا في أرجاء القصر ويشرح لنا معالم هذا القصر الفخم، فرأيناه قصرًا بديع الشكل آية في فن البناء.
стр. 372
وكان أول ما قابلنا عند بهو القصر هذه الكلمة: (لا غالب إلا الله) ، وكانت هذه الكلمة منقوشة عند مدخل كل غرفة من غرف القصر البديع الصنع، وكان القصر مقسّما ثلاثة أقسام على ما يلي:
١- قسم للسياسيين. ٢- قسم لاستقبال العامة.
٣- ساحة الأسود الاثني عشر أسدًا، وهذه الأسود عبارة عن تماثيل مجسمة يخرج الماء من خياشيمها إشارة إلى مضى ساعة.
وفي جانب من القصر كنيسة ضخمة فيها من التماثيل والصور عدد كثير، وهذه الكنيسة مبنية في جزء من القصر، كما أن بلصق القصر فندقًا أحمر يسمى فندق قصر الحمراء.
وفي هذا الفندق اجتمعنا بعد انتهاء تجوالنا بالقصر بأعضاء المركز الإسلامي بغرناطة برئاسة الأخ نزار الصباغ، وقد ارتجل الأخ نزار كلمة الترحيب بالوفد، وحثّ فيها أهل العلم على ترجمة ما يقرأون إلى واقع عملي.
ومما تجدر الإشارة إليه: أن بجانب قصر الحمراء من جهة الغرب حارة تسمى حارة البائسين، وهي حارة معروفة في أيام الإسلام في ذلك البلد.
وهنا انتهى الغرض في غرناطة إذْ لم تكن فيها مكتبة إسلامية، بل ولا يوجد فيها من المسلمين إلاّ أهل المركز الإسلامي أو سائح. والمركز الإسلامي عبارة عن طلبة يدرسون في مختلف الفنون العصرية في غرناطة.
وبعد انتهاء الاجتماع مع أعضاء المركز توجهنا راجعين إلى مدريد في الساعة الثانية عشرة بالتوقيت الزوالي، واستمرّ بنا السير في محافظة غرناطة (أي: البيرة) إلى أن وصلنا محافظة (حائن) جيان، وتسمى أيضا محافظة الزيتون لالتفات أشجار الزيتون في هذه المنطقة، وبين غرناطة وجيان مائتا كيلو، ولما
стр. 373
تناولنا الغداء في مطعم على بعد ثلاثة كيلو من جيان بعد صلاة الظهر والعصر جمعًا وقصرًا انطلقنا في طريقنا إلى مدريد، وفي أثناء الطريق نزلنا فتناولنا ما تيسّر من الشاهي، وبعد استراحة قصيرة واصلنا السير إلى العاصمة، حيث وصلناها في تمام الساعة التاسعة ليلاً.
والجدير بالذكر: أن بين غرناطة ومدريد ما يساوي أربعمائة وثلاثين كيلو، فنزلنا في فندق (كستيلا) المعهود، وبعد إتمام الإجراءات اللازمة نزل كلّ واحد منا في غرفة للراحة والنوم.
وفي صباح يوم الجمعة الموافق ١٧/٣/١٣٩٨هـ توجهنا إلى مكتبة الاسكوريال لإتمام ما تبقى من عملنا في المكتبة، وبقينا فيها نستعرض فهارسها الثلاثة، وننظر إلى الكتب على الطبيعة نختار منها ما يناسب، حتى قيّدنا ما يبلغ ١٤٣ كتابا مخطوطًا، فأبرمنا الاتفاق مع مدير المكتبة على أن تصورها المكتبة تصوير ميكروفلم مع تصويرها تصوير المستندات باسم (الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية) ، فوافق على أن يكون سعر الورقة ما يساوى عشرة قروش سعودية من البزتيات لكل من التصويرين على السواء، على أن تستلم السفارة السعودية كل ما تم تصويره من الكتب، وتدفع القيمة من المبلغ الذي سلفناه للسفارة على حساب التصوير، وكذلك أجرة المتابع.
هذا، وقد استلمنا الفهارس الثلاثة للمكتبة التي قد سبق أن اتفقنا في المرة الأولى مع المدير على تصويرها إضافة إلى فهرس المكتبة الوطنية بمدريد وفهرس مخطوطات المعهد المصري بأسبانيا.
وفي يوم السبت الموافق ١٨/٣/١٣٩٨هـ رجعنا إلى مكتبة اسكوريال المرة الثالثة لإنهاء ما بقي من الإجراءات حول الاتفاقية، فانتهى الكلام مع المدير على أن نرجع إلى المكتبة يوم الأحد رغم أنه يوم عطلة عندهم ابتداء من نصف يوم
стр. 374
السبت، ولكن بصفة خاصة سيفتح لنا المكتبة.
وفي يوم الأحد الموافق ١٩/٣/١٣٩٨هـ رجعنا إلى اسكوريال فوجدنا المدير ينتظرنا حسب وعده، فتم الاتفاق ووقّع كل من الطرفين على العقد، ومن ثم توجهنا إلى مدريد استعدادًا للسفر إلى المغرب مرة أخرى.
стр. 375
المركز الإسلامي بمدريد:
يقع هذا المركز في قلب مدريد وفي أحد الأحياء الشعبية تقريبا، وفي مساء يوم الأحد توجهنا إليهما في البيت الذي يسكنون، فاجتمعنا معهم في جناح من هذا البيت خصصوه للصلاة، فعقدنا معهم قبيل صلاة المغرب ندوة علمية تتضمن ما يلي:
١- كلمة ترحيب بالوفد ارتجلها بعض أعضاء المركز: عبد الله جمال الدين المصري.
٢- كلمة ردّ التحية تفضّل بها أمير الوفد: صالح المحيسن عميد كلية الدعوة وأصول الدين.
٣- كلمةٌ ألقاها كاتب هذه السطور: حماد بن محمد الأنصاري، تشتمل على شرح الحديث القدسي عن أبي هريرة: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين...) الحديث في (الموطأ) وغيره.
وبعد صلاة المغرب تابعنا الندوة بالأسئلة من أعضاء المركز والإجابة عليها من الوفد، وبعد صلاة العشاء وتناول الشاهي والحلويات ودعناهم وودعونا على أننا سنسافر في مساء يوم الاثنين الموافق:٢٠/٣/١٣٩٨هـ، وعلى أن يكون هذا اليوم آخر مطافنا بأسبانيا التي واجهتنا فيها مشاكل من أهمها:
١- أنك لا تجد مكانا للصلاة جماعة في تلك البلاد المتسخة بالكفر
стр. 376
وبغض الإسلام وأهله.
٢- لا تكاد تدخل في مطعم من مطاعم إلا ويستقبلك الخمر والخنزير المعلّق على المشجب بعفونته ونتنه وقذارته مع التبرّج والسفور. نستغفر الله ونتوب إليه.
٣- وصلنا إلى بلاد لا نحسن لغتهم ولا يحسنون لغتنا، بل لا تجد من يحسن منهم اللغة الانجليزية والفرنسية إلاّ نادرًا، ولكن قيّض الله لنا من الإخوان الذين وجدنا عددًا قليلاً منهم في أسبانيا من ترجم لنا ما يقولون عند الحاجة.
وفي مساء يوم الاثنين الموافق ٢٠/٣/١٣٩٨هـ توجهنا راجعين إلى المغرب الأقصى في طائرة بيونج مغربية عن طريق مطار طنجة بوخريس عند مدخل الأندلس في العدوة التي تلي المغرب على شاطئ البحرين الأبيض والأطلس ينطحها كل من البحرين، فالأبيض من جهة الشرق والأطلسي من جهة الغرب، ولما وصلت بنا طائرتُنا إلى المطار المذكور أعلاه قبيل المغرب وقفت فيه مقدار أربعين دقيقة ثم واصلت سيرها إلى مطار النواصر بالدار البيضاء، وقد قطعت بنا بين المطارين نصف ساعة، فلما هبطت بنا في النواصر بعد غروب الشمس توجهنا بعد الإجراءات اللازمة في المطار إلى (فندق البحر المحيط الأطلسي) بالدار البيضاء، وبتنا فيه إلى الصباح، وعند رجوعنا هذا إلى المغرب من أسبانيا صادفنا أيضًا مناسبة أخرى وهي الاستعداد الكامل للاحتفال بجلوس الملك على العرش، حيث تغلق جميع الدوائر والمكتبات ثلاثة أيام.
وفي صباح يوم الثلاثاء الموافق: ٢١/٣/١٣٩٨هـ امتطينا حافلتنا إلى مدينة مرّاكش الحمراء جنوب الدار البيضاء، وتبعد هذه المدينة عن الدار البيضاء مائتين وستين كيلو، فوصلنا إلى مرّاكش قبيل الظهر.
ومن حين وصولنا إلى المدينة الجديدة توجهنا إلى المدرسة الثانوية التي
стр. 377
يدرس فيها محمد عبد الرحمن المغراوي المتخرّج في الجامعة الإسلامية، فاستقبلنا فيها مديرها، وبعد تعريفه بالوفد ومهمّته دخلنا بمعيته في مكتبة المدرسة فتجولنا في أرجائها، وهي مكتبة غنية بمهمات المطبوعات العربية، ثم استمرّ التجوال إلى كلية اللغة التي بجانبها خزانة ابن يوسف، فلما دخلنا فيها استقبلنا نائب المدير (فاخر) وتجول معنا في مكتبها أي: في مكتبة الكلية، ثم مرّ بنا إلى الخزانة التي بلصقها، فوجدنا هذه الخزانة مشتملة على مخطوطات كثيرة عليها آثار القدم والإهمال بجانب ما فيها من المطبوعات فاستعرضنا فهرسها الكبير، ولكن لم نجد فيه شيئًا يلفت النظر إلاّ كتابًا واحدًا باسم: (أسباب نزول القرآن) للحافظ ابن حجر، وجدنا هذا الكتاب وافيًا في موضوعه، فقيّدناه برقمه، وقد منعنا من تصويره هو وغيره من الكتب التي وجدناها في الخزانة العامة بالرباط، وبالمكتبة العليا منعنا من تصوير هذه الكتب الأمور التالية:
أ- أننا صادفنا المغرب وهم مستعدون تمام الاستعداد بجميع مدنه وقراه للاحتفال بالمولد، ولذا أعلنوا أن المكتبات والدوائر الحكومية تغلق في مدة أربعة أيام، وهذا هو السبب في تغير برنامج الرحلة حيث صرفناه عن المغرب إلى أسبانيا.
ب- عدم وجود آلة تصوير في تلك المكتبات إلاّ آلة واحدة في الخزانة العامة بالرباط العاصمة، وجدنا هذه الآلة عليها زحمة بحيث لا نتمكن من تصوير ما قيدناه من المخطوطات في تلك المكتبات، فمن ثَمّ اقترح بعض المسؤولين الكبار في الرباط وغيره أن نرفع إلى الجامعة الإسلامية أن المكتبات بالمغرب في حاجة ماسّة إلى إيجاد آلة تصوير كبيرة تُقَوَّمُ بمائة ألف ريال سعودي.
وقد سبق عرضُ هذا المشروع من قبل المسؤولين هناك على جامعة الملك عبد العزيز فأسهمت فيه بستين ألف وبقي من القيمة أربعون ألفا، وهذا المبلغُ
стр. 378
الباقي يقترحون أن تتحمله الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. وفعلاً وافقت الجامعة الإسلامية على دفع هذا المبلغ لكي يتيسر تصوير ذلك التراث المخزون بالمغرب لحفظه لمن أراد ذلك.
فلما انتهينا من استعراض الفهرس المذكور أعلاه انطلقنا بعضنا إلى المطعم قبيل الظهر بعد انتهاء الدوام لتناول الغداء وانطلق البعض إلى فندق المرابطين بمرّاكش القديمة، وتقيلنا في تلك البلدة إلى أن صلينا العصر، ثم توجهنا راجعين إلى الدار البيضاء فوصلناها بعد العشاء فنزلنا في فندق يسمى فندق المنصور في وسط البلد وهو فندقٌ كبير من الدرجة الأولى من فنادق الدار البيضاء.
ولما أصبحنا يوم الأربعاء الموافق: ٢٢/٣/١٣٩٨هـ رأينا أن نستريح يومنا ذلك ليقضي كل من أراد منا حاجته في البلد براحة، وفي صباح يوم الخميس الموافق ٢٣/٣/١٣٩٨هـ توجهنا إلى مطار النواصر الدولي بالمملكة المغربية بعد الفطور بالتوقيت المغربي للتوجه إلى أرض الوطن، ولما انتهت الإجراءات اللازمة من الجوازات والجمرك ووزن العفش أقلتنا طائرة سعودية من طراز بونج (٧٧) الساعة العاشرة والنصف زوالاً إلى جدّة مارِّين على الجزائز وليبيا، وقد وقفت بنا في كل من ليبيا والجزائر مقدار خمس وأربعين دقيقة، ثم استمرت مواصلة سيرها في جبال من السحب المتراكمة إلى أن وصلنا جدة بعد العشاء الساعة الحادية عشر ليلاً، فوجدنا مندوب الجامعة الإسلامية باكريم ينتظرنا في المطار بسيارتين أعدهما لحمل العفش والوفد، وقد حجز لنا جناحًا في فندق الرحاب، فبتنا في هذا الفندق ليلة الجمعة الموافق ٢٥/٣/١٣٩٨هـ منتظرين الطائرة التي تتوجه إلى المدينة المنورة بعد المساء، وبعد صلاة العصر يوم الجمعة توجهنا إلى مطار جدة، فأقلتنا طائرة بوينج سعودية إلى المدينة النبوية، فوصلنا بسلامة الله ورعايته وحفظه قبل المغرب ليلة السبت الموافق ٢٥/٣/١٣٩٨هـ.
стр. 379
وهنا انتهت الرحلة المغربية الاسبانية الناجحة بفضل الله وتوفيقه.
стр. 380
مقترحات وطلبات:
أولاً: يقترح الوفد توصية المشايخ في الدراسات العليا والكليات بعنايتهم بالطلبة، وذلك بتدريبهم على المطالعة وعلى معرفة المراجع التي يحتاجون إليها، سواء كانت مطبوعة أو مخطوطة في أيِّ مكان كانت هذه المراجع.
ثانياً: تزويد كل وفد توفده الجامعة الإسلامية بمبلغ من المال لمساعدة الهيئات والمراكز الإسلامية الذين يستقبلون الوفد في أي بلدٍ ينزل فيه الوفد.
ثالثاً: يقترح على المسؤولين في الجامعة الإسلامية أن تكون الرحلات المبعوثة من قبل الجامعة إلى الخارج حاملة للصفة الرسمية، لأن ذلك يساعد على إنهاء الإجراءات اللازمة من قبل المسؤولين هناك.
رابعا: مما ينبغي بل من الأحسن الأوكد: أن تتعاهد الجامعة الإسلامية، وتتفقد تلك المراكز الإسلامية والجمعيات في مختلف البلدان لحاجتهم الماسة إلى هذا التفقُّد.
خامساً: تفويض الوفود المبتعثة من قبل الجامعة لاختيار من يرون صالحًا للالتحاق بالجامعة الإسلامية من الطلبة.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وسلم.
٥/٤/١٣٩٨هـ
стр. 381
محاضرة بعنوان لقاء مفتوح في مسجد اليحيوي بالمدينة النبوية .
مع فضيلة الشيخ حماد الأنصاري.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فمعنا في هذه الليلة فضيلة الوالد الشيخ أبو عبد اللطيف حمّاد بن محمد الأنصاري. الأستاذ بالجامعة الإسلامية، وهو أحد شيوخ الجامعة الكبار الذين تخرّج عليه عددٌ من المشايخ وطلبة العلم، وهو من المتخصّصين بعلوم كثيرة غلب عليها علم الحديث وعلومه.
والشيخ أبو عبد اللطيف حفظه الله ممن نذرَ نفسَه لخدمة العلم وطلاّبه، وشاهد ذلك: فتحه مكتبته العامرة كل يوم صباحًا وعصرًا، فهو أحدُ كنوز المدينة المنورة الذي يجب على طلبة العلم اغتنام هذه الفرصة والتتلمذ على يديه.
وقد شرّفنا حفظه الله في هذه الليلة بلقاء مفتوح مع فضيلته في علم الحديث وعلومه. نسأل الله تعالى أن يكتب له الخطى، وأن يجزل له المثوبة والأجر، وأن يسكننا وإيّاه فسيح جنّاته، إنّه وليّ ذلك والقادرُ عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 382
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنّ أصدق الحديث: كتاب الله، وخير الهدْي: هدْيُ محمدٍ ﵌، وشرّ الأمور: محدَثاتُها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.
ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله.
أيها الإخوة الكرام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في هذه الليلة المباركة أستغلّ هذه الفرصة لمدارسة ما تيسّر من العلوم النافعة التي في مقدّمتها علم الحديث، أعني: علم الحديث رواية ودراية، لأنّ علم الحديث ينقسم قسمين كما تعرفون علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية، فرأيتُ في هذه المناسبة أن أبدأَ بالحديث القدسي الذي يتضمّن مسائل عديدة لا بدّ لمن يرغب في العلم من أن يأخذ بطرفٍ منها، ألا وهو حديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجَه الإمام مالك في (موطئه) قال أبو هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: يقول الله : "من قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله : حمدني عبدي، وإذا قال العبدُ: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله : أثنى عليّ عبدي، وإذا قال العبدُ: ﴿مالك يوم الدين﴾ قال الله : مجّدني عبدي وفي قراءة: إذا قال العبد: ﴿ملك يوم الدين﴾ قراءتان متواترتان، قال الله: مجّدني عبدي، وإذا قال العبدُ: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ يقول الله : هذا لي ولعبدي ما سأل" أي: ﴿إياك نعبد﴾ له، و ﴿إياك نستعين﴾ للعبد وللعبد ما سأل،
стр. 383
"وإذا قال العبد: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ يقول الله : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".
هذا الحديث يسمّى عند أهل الحديث: (الحديث القدسي) ومعنى كونه أو تسميته بهذا اللقب أنّ هذا الحديث فيه تقديس الله وتنزيهه عن مشابهة ذاته وصفاته وأسمائه بذات وصفات وأسماء المخلوقات، ويتضمن سورة عظيمة بتفاصيل ما فيها من هذه المعاني الجليلة، لأن الله سمى هذه السورة التي شرحها هذا الحديث القدسي في سورة الحجر بقوله: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم﴾ القرآن العظيم هو الفاتحة التي فصلها هذا الحديث القدسي.
والأحاديث القدسية كثيرة، ولكن أغلبها إمّا مكذوبة موضوعة وإمّا ضعيفة جدًّا وإمّا ضعيفة فقط، وهذا هو الأغلب على هذا النوع من علم الحديث، وهو ما يسمّى بالأحاديث القدسية.
والحديث القدسي إذا صحّ وثبت سندُه يجب أن تقول: إنه كلام الله بلّغه عنه نبيّه ﷺ ، لأنّ النبي ﷺ يقول، يقول أبو هريرة أولاً: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يقول الله، القولُ إذا أُطلق فهو يشمل اللفظ والمعنى، أما ما يقولُه الخرافيّون أو المعطِّلون أو المشبِّهون أو المؤوِّلون من أنّ القول يأتي غير شامل للفظ والمعنى: فهذا قولٌ في غاية من البطلان، ليس بصحيح، هذا قولٌ تذرّعوا إليه أو به إلى إنكار ما أثبت الله وما أثبته رسول الله ﵊ لله من صفاته العلى وأسمائه الحسنى.
فهذا الحديث القدسي أفرده بعض العلماء بالتأليف في مقدمتهم الحافظ ابن عبد البر حافظ المغرب والأندلس أفرده بتأليف سماه (الإنصاف في الاختلاف في البسملة) ، وهو مطبوع ومنتشر، وينبغي لمن كان يرغب التحقيق
стр. 384
في هذه المسألة التي أشار إليها الحافظ ابن عبد البر بهذا العنوان أن يطلع على هذا الكتاب، وهو ليس بكبير ولا بصغير بل متوسّط فابن عبد البر كغيره من المحققين يعرف أن العلماء اختلفوا هل البسملة من الفاتحة؟، هل البسملة في كل سورة من السور أم لا؟.
يريد أن يعطينا فكرة مدعومة بالنصوص القرآنية والنصوص النبوية في الراجح من القولين في هذه الرسالة الجيدة التي ما رأينا أحدًا ألّف مثلَها في هذا الموضوع، فينبغي أن يطلع عليها من يرغب في تحقيق هذه المسألة.
وأنا لماذا آثرت أنا أقدِّم بهذا الحديث الشريف الصحيح الذي أخرجه عددٌ كبيرٌ من المحدِّثين، ولكن كلهم عن طريق الإمام مالك، وهو حديثٌ صحيح وقلّ أن تجد حديثًا صحيحًا قدسيًّا إلا أعدادًا تعدّ باللسان، إلاّ أنهم ألّفوا فيها كتبًا كثيرة، ولكن إذا نظرتَ فيها وأنت من أهل الخبرة بهذا العلم تجد أن عشرة في المائة هو الصحيح وما سوى ذلك إمّا موضوع وإما ضعيف وإما ضعيف فقط.
فهذا الحديث الشريف الذي يشتمل على معاني عديدة معاني لا يستغني عنها طالب علم أولاً: أن الحديث تفصيل لما تضمّنته سورة الفاتحة بجميع أنواعه وإن كنا لا يوجد عندنا وقت واسعٌ للمرور على عُشر ذلك، فنحن نطبق الآية الكريمة: ﴿فاتقوا اللهَ ما استطعتم﴾ ، وهذه الآية نسخت كثيرًا من الآيات ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ فأنت إذا كنت عاجزًا على أن تعمل عملاً ينبغي لك أن تستحضر هذه الآية: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ إذا عملت ما استطعت من العمل كتبه الله لك كله فإن الله كريمٌ ما يعطيك بعضه لأنك عجزت على أن تفعله كاملاً، فإن الله كريم، يقول أبو هريرة ﵁ الصحابي الجليل الذي ظلمه بعض الناس وليس لأبي هريرة ذنب يستحق أن توجه إليه التّهم أو توجّه
стр. 385
إليه الظنون، إلاّ أن الله أعطاه من الحفظ للسنة ما ليس لغيره، اللهم إلاّ عبد الله بن عمرو، وقد بينا أنه كان يكتب وهو لا يكتب والكتابة تحفظ لك المحفوظات أكثر من الاعتماد على الحفظ غيبًا، قد ينسى الإنسان ولكن ما دام أنه مكتوب إذا أحسست بشيءٍ من النسيان تنظر إليه وتنتبه، وعبد الله ابن عمرو يكتب، وهو أكثر الصحابة حديثًا، وأبو هريرة ينافسه في هذا وإن كان أبو هريرة لا يكتب، فلهذا هذا الصحابي الجليل يستحقّ التقدير والاحترام بدلاً مما واجهه به من لم يعرف قيمته ووزنه وليس له ذنب إلاّ أنه حفظ لنا من سنة النبي ﷺ ما لم يحفظه غيرُه، اللهم إلاّ عبد الله بن عمرو.
يقول في هذا الحديث القدسي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقول الله : إذا قال العبدُ: ﴿الحمد لله﴾ ، الحمد لله: أول سورة الفاتحة... إلى آخر الحديث كلّه".
وقد خصت الفاتحة بهذا الحديث دون غيرها من سور القرآن البالغة مائة وأربع عشرة، وليس في القرآن سورة اشتملت على ما ذكره هذا الحديث حول سورة الفاتحة، ولهذا ينبغي للذي يريد أن يحصل له نصيبٌ من العلم الشريف حديثًا وقرآنًا أن يُعنى بالتفكّر في سورة الفاتحة.
سورة الفاتحة سورةٌ عظيمة لا يوجد في القرآن مثلها، وسمّاها الله ﴿القرآن العظيم﴾ ، ما قال ﴿العظيم﴾ دون ﴿القرآن﴾ .
الفاتحة هي القرآن كله: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآنَ العظيم﴾ ﴿سبعًا من المثاني﴾ الفاتحة: سبع آيات من المثاني، وهي تثنى وتقرأ في كل ركعة، لو قرأت القرآن من سورة البقرة إلى سورة الناس ولم تقرأ الفاتحة في الصلاة فصلاتُك باطلة، ولكن لو قرأت سورة الفاتحة فقط ولم تقرأ معها غيرها فصلاتك صحيحة. انتبه إلى هذا!، هذا معنى ﴿القرآن العظيم﴾ ، الفاتحة هي
стр. 386
القرآن العظيم، وأنتم تعرفون أن القرآن يبحث عن أمور بإيجاز يبحث عن ثلاثة أمور، وبالبسط يبحث عن ستة أمور كلها ترجع إلى الثلاثة، انتبهوا لهذا! فالتفقه في القرآن هو المطلوب وليس المطلوب كثرة الرواية، المطلوب الدراية للرواية، الإمام مالك يقول: "ليس العلمُ بكثرة الرواية، وإنما العلمُ بالدراية"، ما معنى الدراية؟، التفقّه في القرآن والسنة، أما الهذرمة فهذا ليس بعلم، العلم أن: تقرأ الآية وتقف عندها وتتدبرها وتفهم ماذا تشتمل عليه من الفقه كما في حديث معاوية: "من يرد الله به خيرًا يفقّه في الدين".
هذا هو الدراية: الفقه في القرآن، الفقه في السنة، وهذا مفقود الآن في أغلب الناس، سواء كان طالب علم أو غيره، بل إنما يريد أن يستعجل فقط ويقضي الوقت بدون فهم، لا، القرآن ما نزل إلاّ للتفقّه فيه: ﴿أفلا يتدبّرون القرآنَ أم على قلوبٍ أقفالها﴾ الذي لا يتدبّر في القرآن ولا في السنة قد برهن على أنّ على قلبه قفلاً، والقفل إذا كان على الباب بدون مفتاح ما تستطيع أن تدخل أبدًا، إذْ يجب عليك أن يكون معك مفتاح.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: "من يرد الله به خيرًا يفقّه في الدين".
ما هو الدين الذي إذا أراد الله بنا خيرًا فقّهنا فيه؟. أمور الدين ثلاثة لا رابعَ لها هي: الإسلام، والإيمان، والإحسان هذا هو الدين المطلوب التفقّه فيه.
من ماذا أخذناه؟، أخذناه من حديث جبريل ﵇ لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان أجاب النبي ﷺ ، وذهب جبريل، فقال النبي ﷺ لعمر: "أدرك الرجل"، وذهب عمر ليدرك جبريل فلم يدركه، فرجع فقال: ما رأيتُه، فقال: "هذا جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم".
فهذه الكلمة أعطتنا فكرة متكاملة عن معنى الدين والإسلام أركانه
стр. 387
خمسة، والإيمان أركانه ستة، والإحسان مقامتان.
هذا هو الدين الذي علمنا جبريل ﵇ عن طريق النبي ﷺ ، وهذا يجب أن يفهم وأن يعرف ليعمل به.
وإذا لم تفقه القرآن لم تعمل بالقرآن، القرآن رسالة أرسلت إلينا من الله لنقرأها ونتفقّه بها ونعمل بمقتضاها، وإذا خلا شيءٌ من هذا فإنك لعّاب بالقرآن، ما نزل القرآن لتلعب به، نزل لتدرسه وتتفقّه فيه وتعمل بمقتضاه وبدون فهم لن تعمل بمقتضاه، ﴿أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ .
وذكر الله لنا في سورة الأعراف كلمتين ينبغي أن ننتبه لها دائمًا حينما نقرأ القرآن وحينما نقرأ الحديث: قال الله في سورة الأعراف: ﴿المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى﴾ إنذار وتذكير، ما معنى إنذار وتذكير؟، إنذار: ترهيب عن المعاصي، ذكرى: تذكير بامتثال أوامره، لأنّ الله حصر القرآن في ثلاثة أمور من سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس: أولا: التوحيد، ثانيًا: الترغيب، ثالثًا: الترهيب، هذا هو القرآن بالإيجاز.
اقرأ القرآن وتدبّره فإنّك تجد ذلك في غاية من البيان والوضوح أنّ كتاب الله كثيرًا ما يقول: ﴿بسلطان مبين﴾ كلما جاءت حجة يقول: ﴿مبين﴾ ما معنى مبين؟، المعنى واضح، القرآن كلام عربي واضح، الذي يريد أن يفقهه ويفهمه يوفقه الله ، ومن لا يريد ذلك يتّخذه لعبًا فهذا أضرّ بنفسه.
وهذا الحديث الشريف كما سمعتم حديث انحصر في سورة الفاتحة، وهو حديثٌ صحيح.
وما هو الحديث الصحيح؟.
стр. 388
هو الحديث الذي استوفى خمسة شروط لا سادس لها: الحديث الصحيح هو الذي رواه ثقة ضابط، وليس فيه علة قادحة، وليس بشاذ، متّصل السند. إذا وجدت حديثًا اختلّ منه واحد من الخمسة لا تقربه ولا تحتج به ولا تعمل به أبدًا.
يقول الحميدي تلميذ ابن حزم، يقول لتلامذته حينما يدرّس الحديث يوصيهم ويقول لهم: أيها الإخوة الكرام أوصيكم بثلاثة أمور في الحديث، فإنكم إذا حرصتم وعَنِيتُم بهذه الثلاثة تكونون محدّثين تفقهون الحديث، قالوا: ما هي؟، قال لهم:
أولاً: علم العلل.
ثانيًا: المختلف والمؤتلف.
ثالثًا: وفيات الرواة.
قالوا له: وهل فيها كتب نبحث عنها؟، فقال لهم: نعم، فالعلل فيه كتب كثيرة، ولكن لا يوجد فيها كتاب يغني عن تلك الكتب الكثيرة إلاّ واحد وهو "العلل" للدارقطني.
"العلل" للدارقطني لم يؤلف في العلل مثله إلى يومنا هذا، فقال لهم: عليكم بهذا.
٢- "المختلف والمؤتلف": قال لهم هناك كتب لا تحصى ولكن ما فيها كتاب يغني عن الآخر إلاّ واحد إلاّ "الإكمال" لابن ماكولا.
٣- "الوفيات": قال: الوفيات مكتوب فيها كثير، ولكن لا يوجد كتاب يغني عن تلك الكتب إلى الآن، وإنما عليكم أن تبحثوا.
وعلّق الذهبي على هذه الكلمة بهذا التعليق الذي يستحق أن يكتب بماء
стр. 389
الذهب الأبيض والأحمر.
قال الذهبي ﵀ إمامُ عصره في هذا العلم، قال: وهذه الكلمة من الحميدي هي التي جعلتني اهتممت واعتنيت بأنّ ألف في الوفيات كتابًا يغني عن كلّ ما ألف في هذا الموضوع، فألّف كتابَه المشهور: "تاريخ الإسلام الكبير"، وهو ثلاثون مجلّدًا مخطوط.
انظر لتلك الهمم العالية التي وفق لها سلفنا وتخلفنا عنها.
ثلاثون مجلّدًا متى تقرأه؟، كم الوقت الذي يتطلّبه قراءة ثلاثين مجلّدًا؟، الجواب: سيكون وقتًا طويلاً.
ولهذا قال أهل التحقيق في هذا الباب، وهذا هو الذي أيضًا جعل الذهبي ﵀ وأسكنَه جنة الفردوس أن يختصره بـ"سير أعلام النبلاء"، ولم يقف الذهبي عند هذه النقطة.
فاختصر "السير" بـ"العبر في تاريخ مَن غبر".
ولم يقتصر على هذا أيضًا فاختصر "العبر" بـ"الإشارات في الوفيات"، واختصر "الإشارات في الوفيات" بـ"الإعلام لتراجم الأعلام".
انظر لو تتبعت كتب الذهبي من أوّلها إلى آخرها كلها مختصرات أصلها "تاريخ الإسلام الكبير".
"تذكرة الحفّاظ" هذا من "تاريخ الإسلام الكبير".
وهكذا كُتُبُ الذهبي في هذا الموضوع، وكذلك: "ديوان الضعفاء"، وكذلك "المغني في الضعفاء"، وكذلك: "ذيل الديوان"، وكذلك: "ذيل المغني"، وكذلك: "الآثار في الأمصار".
стр. 390
يعني: كُتُبُ الذهبي اليوم لو اشتغلنا بها وبحثنا عنها نجدها كلها، وإذا درسناها ننافس الذهبي وإن لم نصل إلى درجته، فهذا الإمام الكبير يقول عن نفسه: لما جئت حاجًّا إلى مكة وطفت وسعيت شربت ماء زمزم فسألت الله أن أحفظ الحديث وعلومَه، وسأل الله أن يكون مثل الحافظ البرزالي. وجاء الذهبي بعد ذلك فوق البرزالي. وجاء الحافظ ابن حجر الذي حمل العلم بعد الذهبي يقول عن نفسه: أنا لما جئت حاجًّا وطفت وسعيت شربت ماء زمزم نويت أن أكون كالذهبي في حفظ الحديث وعلّق الحافظ على هذه الكلمة بقوله: قد وصلت إلى الذهبي وتمنيت أني لم أتقيّد به فيما كتبت قبل، لأنّ كل المراجع التي اطلع عليها اطلعت عليها وزيادة ا. هـ.
هكذا الهمة.
أما ترى الحبل بتكراره ... في الصخرة الصماء قد أثر
فما علينا إلاّ أن نسأل الله العون والتوفيق، فإننا سننجح بإذن الله كما نجحوا.
هذا فيما يتعلّق بصناعة هذا الحديث الشريف الصحيح الذي ينبغي أن يكون دومًا وأبدًا نصب أعيننا.
هذا الحديث فيه من المعاني ما لم تجده في غيره من الأحاديث يكفيك دليلاً على ذلك أنّه فَصَّل ما تشتمل عليه سورة الفاتحة.
الفاتحة مشتملةٌ على جميع القرآن من سورة البقرة إلى آخر سورة الناس، لأنّ القرآن يبحث عن ثلاثة أشياء: توحيد، ترغيب، ترهيب:
أو توحيد، أمر، نهي، أو توحيد حرام، حلال، إن شئت أن تقول هذه